← Акыда

Акыда · id 11545

الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (469 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع عليه ذلك النور العظيم لتهافتت وتساقطت وإذا كان هذا شأن نوره ﷺ فكيف يقول من يقول إنه يملأ الكون، فأين تكون ذاته إذا بلغت المدينة المنورة، وقربت من القبر الشريف. أم كيف تكون إذا تصاعدت نحو البرزخ وقربت من الموضع الذي فيه النور العظيم القائم بالروح الشريفة؟ أفتكون ذاته حاملة له والمخلوقات بجملتها عاجزة عنه أم يتخطى ذلك الموضع فلم يملأ الكون؟ والغرض أن الموضع المذكور آخذ من القبر الشريف إلى قبة البرزخ تحت العرش ولعله أراد بالكون ما بين السماء والأرض ما عدا موضع البرزخ الذي فيه نور المعظم فقلت ولعله أنه يملؤه من حيث النور أي يملؤه بنوره لا بذاته كالشمس التي سطعت على السماوات والأرض. فقال ﵁ وما مراده إلا أنه يملؤه بنوره ولا يريد أنه يملؤه بذاته. ولكن أين نوره من نور المصطفى ﷺ فإن ذلك النور من النور المكرم بمنزلة الفتيلة في وسط النهار وقت الظهيرة. وهل يصح أن يقال إن تلك الفتيلة كسفت نور الشمس؟ فقلت ونور الشمس من النور المكرم بمنزلة الفتيلة فما باله ملأ الأكوان؟ فقال ﵁: لم يملأ الأكوان بمعنى أن النور المكرم ذهب بسببه واضمحل فكيف ونور الشمس إنما هو من نور أرواح المؤمنين الذي هو من نوره ﷺ وإنما سبب ذلك أنا حجبنا عن مشاهدة النور المكرم كما حجبنا عن مشاهدة أنوار الأولياء فلو كشف الحجاب لكانت له أنوار من النور المكرم بمنزلة الفتائل وسط النهار ولم يظهر للشمس ولا لغيرها نورًا إلا كما يظهر للفتائل وسط النهار " (الأبريز ص٢٣٠) . ا. هـ ويقول أيضًا في شرح قول الشاذلي (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار) . الباب السابع في تفسيره ﵁ لبعض ما أشكل علينا من كلام الأشياخ ﵃) فمن ذلك أنه شرح لنا ﵁ بعض الألفاظ من صلاة القطب الكامل الوارث الواصل مولانا عبد السلام بن مشيش رضي

стр. 107

الله عنه فسمعته ﵁ يقول في شرح قوله (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار) حاكيًا عن سيد محمد بن عبد الكريم البصراوي ﵁ أن الله تعالى لما أراد إخراج بركات الأرض وأسرارها مثل ما فيها من العيون والآبار والأنهار والأشجار والثمار والأزهار أرسل سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك ثلاث سبعينات من الألوف فنزلوا يطوفون في الأرض؛ فالسبعون الأولى يذكرون اسم النبي ﷺ ومرادنا بالاسم الاسم العالي ما يأتي في شرح وتنزلت علوم آدم. والسبعون الثانية يذكرون قربه ﷺ من ربه ومنزلته ﷺ منه. والسبعون الثالثة تصلي عليه ﷺ ونوره ﷺ مع الطوائف الثلاث فتكونت الكائنات ببركة ذكر اسمه ﷺ وحضوره بينها ومشاهدتها قربه ﷺ من ربه قال وذكروه على الأرض فاستقرت وعلى السماوات فاستقلت وعلى مفاصل ذات ابن آدم فلانت بإذن الله تعالى وعلى مواضع عينيه ففتحت بالأنوار التي فيها فهذا معنى قوله منه انشقت الأسرار. فقلت: فهذا معنى دلائل الخيرات وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار وعلى السماوات فاستقلت وعلى الأرض فاستقرت وعلى الجبال فرست وعلى البحار ففجرت وعلى العيون فنبعت وعلى السحاب فأمطرت. فقال ﵁: نعم ذلك الاسم هو اسم نبينا ومولانا محمد ﷺ فببركته تكونت الكائنات والله أعلم. قلت وقد سبق كلام سيدي أحمد بن عبد الله الغوث ﵁ وقوله لمريده يا ولدي لولا نور سيدنا محمد ﷺ ما ظهر سر من أسرار الأرض؛ فلولا هو ما تفجرت عين من العيون ولا جرى نهر من الأنهار، وإن نوره ﷺ يا ولدي يفوح في شهر مارس ثلاث مرات على سائر الحبوب فيقع لها الإثمار ببركته ﷺ ولولا نوره ﷺ ما أثمرت، ويا ولدي إن أقل الناس إيمانًا من يرى إيمانه على ذاته مثل الجبل وأعظم منه فأحرى غيره، وأن الذات تكل أحيانًا عن حمل الإيمان فتريد أن ترميه فيفوح نور النبي ﷺ عليها فيكون معينًا لها على حمل الإيمان فتستحيله وتستطيبه " (الأبريز ص ٢٢٢) . اه ـ. وصلاة ابن مشيش هذه يقول فيها

стр. 108

" اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، ووحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا هو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط " (أذكار الطريقة الشاذلية) . والحق أن هذه العبارات في وصف (الحقيقة المحمدية) حسب المفهوم الصوفي الفلسفي، قد يختلف بعضها عن بعض قليلًا ولكنها جميعها مجمعة على شيء واحد وهو أن الرسول هو أول موجود فمنهم من يقول نور الرسول هو أول موجود، ومنهم من يقول بل وأيضًا ذاته النورانية المستوية على العرش، وأن وجوده البشري في وقته إنما كان مجرد تعيين جديد، وتجسد جديد لذات الرسول ﷺ وبعض الصوفية أيضًا يجعل عين الرسول وذاته هي عين الله وذاته، وأنه ليس هناك حقيقة إلهية غير الحقيقة المحمدية ومن ذهب إلى ذلك عبد الكريم الجيلي وغيره، وبعضهم يفرق بين الذات الإلهية التي ليس لها تعين ذاتي ووجود منفصل عن الخلائق بل هي كل الموجودات بل هي في زعمهم الروح الخفي الساري في الموجودات. وأن هذه الذات الإلهية خلقت النبي محمدًا أولًا قبل المخلوقات جميعًا ثم خلقت المخلوقات بعد ذلك من نور ذات الرسول، وأن ذات الرسول هي المستوية على العرش الرحماني كما قال ابن عربي. ومنهم ولا سيما المتأخرون يجعل ذات الرسول والحقيقة المحمدية هي عين الحقيقة الإلهية، ويجعلون الرسول بصورته البشرية صورة كاملة أو هو أكمل صورة للحقيقة الإلهية. ويجعلون كذلك الصورة البشرية المحمدية هي إحدى الصور الممكنة للرسول، ويعتقدون أنه يتشكل كثيرًا في أي صورة يشاء وهذا نص عبارة عبد الكريم الجيلي في ذلك قال في الباب الستين: " اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك

стр. 109

الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الإنسان الكامل للجيلي) ، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخر أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ﷺ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة، وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد، فلا يسميه تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية. ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي ﵁ قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر منكور، وهو كما يرى النائم فلانًا في صورة فلان وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم ولكن بين الكشف والنوم فرقًا، وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالم المثال يقع في التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة، بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد ﷺ لما أعطاك الكشف أن محمدًا متصور بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد ﷺ فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئًا في قولي من مذهب التناسخ، حاشا الله وحاشا رسول الله ﷺ أن يكون ذلك مرادي، بل إن

стр. 110

رسول الله ﷺ له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة، وقد جرت سنته ﷺ أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم مَيَلانَهُم فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم ". ا. هـ وأظن أنه قد وضح الآن حقيقة المعتقد الصوفي الفلسفي في النبي ﷺ وحتى تتضح الصورة أمامنا أكثر من ذلك نجمل ما قدمناه فيما يلي، فنقول. . معتقد المتصوفة في النبي محمد ﷺ على ثلاث درجات: ١ ـ من يقولون بوحدة الوجود، وأن الله هو ذات الموجودات فيجعلون الرسول هو المخلوق الأول ومنه وعنه صدرت الموجودات جميعًا وهو الإله المستوي على العرش وهذا هو معتقد ابن عربي ومن على شاكلته. ٢ ـ من يقولون إن نور الرسول هو أول موجود فعلًا ومنه انشقت الأنوار وخلق الخلق جميعًا لكن لا يقولون بأن ذات الرسول مستوية على العرش. ٣ ـ من يقولون بأن نور الرسول أول موجود وهو أكرم الخلق ومن أجله خلق الله الكون جميعًا دون أن يصرحوا بأن العوالم قد خلقت من نوره، وإنما يقولون خلقت لأجله. هذا وبالرغم من أن الصوفية على هذه الدرجات الثلاث في الاعتقاد في النبي محمد ﷺ فإنهم متفقون ومجمعون تقريبًا إلا ما شذ منهم أن ذات الرسول الذات التي منها تفيض كل العلوم وتنزل كل الرسالات، فالرسل لا ينزل عليهم الوحي إلا من الرسول ويعبرون عن ذلك بقولهم إن الرسل جميعًا والأولياء أيضًا لا تفيض ولا تنزل عليهم العلوم الإلهية إلا من ذات الرسول في الأزل والأبد أي قبل أن يوجد الرسول بذاته الترابية في الأرض، وبعد أن وجد ثم بعد أن خرجت ما يسمونه بذاته الترابية من هذه الأرض. . وهذا بالطبع هو حاصل اعتقادهم في أن الرسول أول موجود وأن العوالم من نوره، أو أن الكون خلق لأجله. وكذلك مفهوم المتصوفة ـ المعتدلين ـ منهم يعتقدون أن الرسول يعلم الغيب كله، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماوات. ولا شك أن المتصوفة الذين يعتقدون في مثل هذه العقائد في الرسول ﷺ لم

стр. 111

يتأثروا فقط بالفلاسفة في نظريتهم في الخلق وقولهم بالهباء، والعقل الأول أو العقل الفعال. . بل إنهم تأثروا أيضًا بما قاله النصارى في عيسى، ولا شك أن نظرية النصرانية في المسيح متأثرة بقول الفلاسفة أيضًا في العقل الفعال. ولقد استطاع المتصوفة نقل هذه النظرية بالرغم من غموضها الفلسفي، وصعوبة التدليل عليها بدليل منطقي يقبله العقل. وبمجافاة هذه النظرية عن عقيدة الإسلام الواضحة السهلة، أقول بالرغم من كل ذلك فإن المتصوفة استطاعوا أن يجعلوا هذه العقيدة هي عقيدة العوام والكثرة من المسلمين وذلك بصياغتها لعبارات سهلة، وفي شعر سلس يجري على الألسنة سريعًا كقولهم مثلًا: (لولاك ما خلقت الأفلاك) ! ! . . وكنت مرة أخطب في الحرم النبوي في نحو سنة ١٣٨١هـ ـ الموافقة ١٩٦٠م تقريبًا مبينًا العقيدة الواجبة في الرسول ﷺ فقام إلي أحد الحجاج من كبار السن وقال لي: أليس يقول الله تعالى (لولاك ما خلقت الأفلاك) فقلت: له ليست هذه بآية من القرآن، ولا بحديث أيضًا واعتقادها شرك بالله! ! فانظر كيف جرى هذا المعتقد على ألسنة الناس بكلام مسجوع يظنه العامي قرآنًا وما هو بقرآن. فكيف إذا كان شعرًا من أمثال شعر البوصيري الذي سارت به الركبان كقوله: وإن من جودك الدنيا وضرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم وقوله: وكل آي أتى الرسل الكرام بها ** فإنما اتصلت من نوره بهم وهذا البيت يعبر عن معتقد الصوفية في أن علم الرسل كله من الرسول محمد مأخوذ من ذاته الأولى قبل أن تخلق ذاته الترابية كما يقولون. والبيت الأول يجعل الدنيا والآخرة نفحة من نفحات الرسول، وما سطره القلم ووعاه اللوح المحفوظ جزء وبعض من علوم الرسول ﷺ . وكذلك وصفوا مثل هذه العقيدة في أذكار تقرأ صباحًا ومساءً لا أقول عشرات المرات بل يوجبون قراءتها أحيانًا على مريديهم آلاف المرات؛ نحو قولهم في

стр. 112

صلاة ابن مشيش: " اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار وفيه ارتفعت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة ولا شيء إلا وهو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط صلاة تليق بك إليه كما هو أهله اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك اللهم ألحقني بنسبه وحققني بحسبه وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكرع بها من موارد الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك واقذف بي على الباطل فأدمغه، وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد ". ا. هـ وكذلك لقولهم في مناجاة الرسول: " يا أول خلق الله يا نور عرش الله " ومثل هذه الكلمات كان وما زال المؤذنون في أماكن شتى من العالم الإسلامي يقولونها في المآذن قبل الآذان وبخاصة آذان الفجر. . فالعامي يفهم معنى عامًا من هذه الكلمات وأما الصوفي المتمرس القارئ أو المريد المترقي في سلم التصوف فإنه يظل يأخذ من هذه العقيدة حتى يتشربها أخيرًا وتنطبعفي نفسه ويظن ـ حقًا ـ أن الرسول هو أول موجود أو متعين ومنه انفلقت أنوار الوجود فكان العرش والكرسي والسماوات والأرض الملائكة والجن والإنس وأن الله ما خلق هذا الخلق إلا من أجله وحتى يستوي هو أي الرسول على عرش الكون ويكون كما قال ابن عربي قبة الكون. .! ! ولو أن المسلمين يقرءون القرآن ويفهمونه، ويتعلمون أحاديث الرسول ﷺ ويدرسون سيرته كما استشرت وانتشرت مثل هذه العقيدة الباطلة في أوساطهم لنجحوا في البعد عن البدع ولكن الصوفية كانوا قد أحكموا الطوق على المسلمين فزعموا أن القرآن كله أسرار وأن أسراره في الفاتحة، وأن سر الفاتحة في البسملة وسر البسملة في الباء وسر الباء في النقطة! ! ! ومن هذا الذي يستطيع أن يفتح نقطة الباء حتى يعلم أسرار القرآن، وكذلك جعلوا قراءة الحديث تبركًا فقط دون محاولة فهم لأن من حاول الفهم

стр. 113

لا بد أن يكون مجتهدًا ولا اجتهاد بعد الأئمة الأربعة. وجعل المتصوفة قراءة السير لا تعدو أن تكون ترديدًا لمنظومات ملئوها بالكفر والشرك والغلو والتغزل في عيون الرسول الكحلية، وخدوده الوردية، وقوامه الممشوق. . هكذا والله. . وأما سيرته وجهاده وحياته ومعاناته ﷺ فإنهم شغلوا الناس عن كل ذلك بهذه الترهات والخرافات، ولذلك ضاعت حقيقة الرسول ﷺ من أوساط عامة المسلمين إلا من رحم الله، وحل مكانها هذه العقيدة الصوفية الكفرية. المعتقد الواجب في الرسول محمد ﷺ وسائر الرسل: من المعلوم أن الإيمان بالرسل من أركان الإيمان الستة كما جاء في حديث جبريل لما سأل النبي عن الإيمان قال: [أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى] (متفق عليه) ، وقد وصف الله الرسل في القرآن بأنهم بشر اختارهم لدعوة الناس إليه وأنهم كانوا يأكلون الطعام وكانوا يعالجون المعاش والسعي في الأرض كبقية البشر، ولم يكن أحد منهم يعلم من الغيب، أو يتصرف في الأكوان كما يشاء، أو يأتيه الطعام من الغيب وقتما يشاء إلا آية واحدة جعلها الله لعبده عيسى بعد تهديد ووعيد من الله بأن من يكفر بعد تنزل هذه الآية فإنه يعذبه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين كما قال تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾ [المائدة: ١١٢ ـ ١١٥] . وهكذا لم تكن هذه الآية والكرامة إلا علامة على الرسالة وصدق عيسى فيما دعا قومه إليه وأنه عبد الله ورسوله، لقد كانت سيرة الرسل وعلى رأسهم محمد ـ

стр. 114

صلى الله عليه وسلم ـ مبينة أنهم بشر قاسوا ما قاساه البشر من الآلام والأسقام والأوجاع والفتن والبلايا وتضرعوا إلى ربهم ودعوه، وخافوه، وأحبوه كذلك وطلبوا نصرته وعونه ، وكان خاتمهم وخيرهم محمدًا ﷺ أكمل الرسل في تحقيق عبودية الله على نفسه فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وأوذي بالله أشد الأذى، وأخرجه كفار مكة منها، وعاداه المنافقون في المدينة عداء شديدًا فسبوه أقذع السباب، ورموا زوجته بأشنع فرية، وقال قائلهم: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. .! ! . . وعاش ﷺ على الكفاف، وقالت عائشة ﵂ " كان يأتي الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار. .! ! قيل لها فما كان طعامكم؟ قالت الأسودان التمر والماء " (رواه البخاري) ، وربط رسول الله الحجر بل الحجرين على بطنه. . وجاع مع أصحابه وصبر معهم. . وكان في المرض يتألم ويوعك كما يوعك رجلان من المسلمين. . وحياة الرسول ﷺ لا تخفى فأموره أغلبها من المعلوم من الدين ضرورة. . وأشهر ذلك أنه لم يطلب من أحد أن يعظمه أو يعطيه حقًا لله فيسجد له أو يركع له، أو يقوم على رأسه أو يقوم لمقدمه كما قال أنس " كان أصحاب النبي ﷺ يحبونه وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من شدة كراهته لذلك " ومعلوم كذلك أن الرسل لا يعلمون الغيب كما قال تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النمل: ٦٥] . (اقرأ الفصل الخاص بذلك في باب الكشف الصوفي) ، وكذلك لم تكن كل دعواتهم تستجاب لهم فقد دعا نوح وشفع في ابنه قائلًا: ﴿رب إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥] . فقيل له ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] . ودعا إبراهيم لأبيه فلم يستجب له، وجاء في صحيح البخاري أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة وقد سربل بسربال من قطران وقد علت وجه آزر غبرة وقترة فيقول له إبراهيم: يا أبت ألم أقل لك لا تعصني. فيقول له آزر: يا بني الآن لا أعصيك. فينادي إبراهيم ربه قائلًا: ربي لقد وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أكبر من أبي

стр. 115

الأبعد، فيقال له يا إبراهيم إني حرمت الجنة على الكافرين. . وانظر تحت قدميك فينظر تحت قدميه فإذا هو بزيخٍ متلطخ بالدماء ـ والزيخ هو ذكر الضبع ـ فيؤخذ من قوائمه ويلقى في النار، وكذلك امرأة نوح وامرأة لوط كانتا كافرتين ولم ينفعهما القرب من الأنبياء، وأما النبي محمد ﷺ فقد شفع في أبي طالب فلم يستجب الله له إلا بأن أخرجه من مكانه في النار إلى مكان آخر في ضحضاح من النار يغلي منه رأسه، وقال أيضًا ﷺ (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنت أن أستغفر لها فلم يأذن لي) وقال ﷺ لابنته فاطمة (لا أغني عنك من الله شيئًا سليني من مالي ما شئت) . .! ! وقال أيضًا ﷺ (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) قالوا ولا أنت يا رسول الله. قال (ولا أنا ما لم يتغمدني الله برحمة منه وفضل) وكل هذه الأحاديث مما أخرجه أهل الصحيحين وما تضمنته هو من المعلوم في الإسلام ضرورة فإن الآيات القرآنية التي وصفت حال الرسل وافتقارهم إلى ربهم، ومعاتبته إياهم على مجرد فعلهم لخلاف الأولى كثير، كقوله لرسوله محمد ﷺ ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ ـ ٧٥] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: ٤٣] . وقوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١: ٢] . وقوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧] . وأما الآيات التي يبين الله تعالى فيها فضله على عبده ورسوله محمد ﷺ فكثيرة جدًا يصعب حصرها وسردها في هذه المقام ومنها قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى ووجدك ضالًا فهدى﴾ [الضحى: ٦: ٧] . فكيف يقول تعالى ﴿ووجدك

стр. 116

ضالًا فهدى﴾ [الضحى: ٧] . وتقول صوفية وجد محمد قبل الخلق جميعًا ومن نوره استمد جميع الأنبياء علومهم! ؟ ويقول تعالى أيضًا: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ [الشورى: ٥٢] . والمهم أن من قرأ القرآن وعلم شيئًا من الإسلام ودرس سيرة الرسول ﷺ حصل العلم الضروري الذي لا يدافع بأن محمدًا ﷺ هو عبد الله ورسوله وأنه وجد يوم وجد على الأرض بشرًا كالبشر لا علم له بشيء مما كان في الملأ الأعلى كما قال تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٦٧: ٧٢] . (ص: ٦٧ وما بعدها) ، فالرسول أمره الله أن يقول هنا: ﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾ [ص: ٦٩] . والملأ الأعلى هم الملائكة عندما أمرهم الله بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فكان بينه وبين الرب ما كان مما قصه على رسوله محمد ﷺ ومما لم يكن عن الرسول قبل بعثته وقبل نزول هذا الوحي أو في علم منه. . بل إن رسول الله عندما جاءه جبريل بالوحي ظنه شيطانًا وجاء أهله ترتعد فرائصه، وهو يقول زملوني وقال للسيدة خديجة ﵂: لقد خشيت على نفسي! ! وظن أن الذي أتاه في غار حراء شيطان من الذين ينزلون على الكهان والسحرة فلو كان جبريل مخلوقًا من نور الرسول كما زعمت المتصوفة لقال الرسول لجبريل عندما نزل إليه أهلًا بمن خلقه الله من نوري. ولم يكن شأن الرسول أمام جبريل كما كان حيث يأمره بأن يقرأ ما في يده من آيات ما أنا بقارئ. . فيضمه جبريل حتى تكاد أنفاس الرسول تنقطع ثم يرسله ويقول له مرة ثانية اقرأ ويفعل ذلك ثلاث مرات، وما كان ذلك إلا لإشعار الرسول أن ما يراه وما يسمعه ليس خيالًا ولا رؤيا منامية وإنما هو حق. . أقول لا شك أن من قرأ سيرة الرسول ﷺ وعلم شيئًا يسيرًا من عقيدة الإسلام استحال

стр. 117

عليه الإيمان بما آمن به الصوفية في شأن الرسول، ولكن هؤلاء لأنهم تركوا الكتاب والسنة وراءهم ظهريًا وتركوا العقول أيضًا وراءهم وألقوها واتبعوا ما كتبه شياطين الإنس من الفلاسفة مما توهموه بعقولهم في قولهم بالهباء والهيولي والعقل الأول، والعلة، وواجب الوجود الذي لا يوصف بصفة ثبوتية وإنما يوصف بالصفة وضدها. . كالوجود والعدم، والحياة والموت، والفوق والتحت، وغير ذلك من هذه الأوهام والخرافات، والمتناقضات. أقول: عندما آمن فلاسفة التصوف بهذه الخرافات الإغريقية وتركوا الإسلام والعقل فإنهم خرجوا على الناس بهذه الخرافات وأدخلوا في الدين الإسلامي هذه الخزعبلات. والعجيب أنهم استطاعوا بفنهم الشيطاني أن يجعلوا عقيدتهم هذه وما سموه (بالحقيقة المحمدية) عقيدة العامة والدهماء من المسلمين الذين أحسنوا الظن برجال التصوف الذين لبسوا لهم مسوح الرهبان وأضمروا لهم عقائد الشيطان، وخرجوا على الناس بجلود الضأن، وقد أخفوا عنهم قلوب الذئاب. . وقد تذرع المتصوفة لنشر عقيدتهم فيما سموه (بالحقيقة المحمدية) أيضًا بحديث موضوع وهو (كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث) وذكره الشوكاني في الأحاديث الموضوعة ص٣٢٦، وحديث آخر (كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد) ذكرها الحاكم وقال الصنعاني هو موضوع وكذا قال ابن تيمية. وعلى فرض صحة هذا الحديث الأخير فإنه لا شاهد فيه على عقائد الصوفية وإنما يعني أن الرسول قد قدر الله كونه نبيًا عندما خلق آدم. ولا شك أن الله قد قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث (إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون) (رواه أبو يعلى والبيهقي وصححه الألباني وأخرجه في الصحيحة برقم١٣٣) . وبهذا يتضح لك أن ما ذكره الصوفية في عقائدهم عن (الحقيقة المحمدية) ما هو إلا هذيان وأقوال فلاسفة وكهان، وليس هو في شيء من دين الإسلام. وصلى الله على عبده محمد إمام أهل الإيمان.

стр. 118

الفصل الثامن: الخضر ﵇ في الفكر الصوفي قصة الخضر ﵇ التي وردت في القرآن في سورة الكهف، ووردت في السنة في البخاري وغيره، حرّف المتصوفة معانيها وأهدافها ومراميها وجعلوها عمودًا من أعمدة العقيدة الصوفية، فقد جعلوا هذه القصة دليلًا على أن هناك ظاهرًا شرعيًا، وحقيقة صوفية تخالف الظاهر، وجعلوا إنكار علماء الشريعة على علماء الحقيقة أمرًا مستغربًا (فقد أنكر موسى من قبل على الخضر وكان كل منها على شريعة خاصة) وجعل الصوفية الخضر مصدرًا للوحي والإلهام والعقائد والتشريع. ونسبوا طائفة كبيرة من علومهم التي ابتدعوها إلى الخضر، وليس منهم صغير أو كبير دخل في طريقهم إلا ادعى لقيا الخضر والأخذ عنه. ولما كان لهذه القصة هذا الدور العظيم في الفكر الصوفي فقد أحببت أن أجلي هذا الأمر وأوقف الإخوة القراء على حقيقة الأمر ولنبدأ أولًا بالقصة في القرآن والسنة: الخضر في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربًا فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصًا فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه

стр. 119

رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا قال إنك لن تستطيع معي صبرًا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا فانطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله قال أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني ذكرًا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا وأما الجدار

стр. 120

فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحًا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا﴾ [الكهف: ٦٠: ٨٢] . الخضر في السنة وقبل أن نتعرض لبعض ما جاء في هذه الآيات الكريمة بالشرح والتفسير نستعرض ما رواه الإمام البخاري ﵁ في شأن هذه القصة. قال الإمام البخاري: باب حديث الخضر مع موسى ﵉ ١ ـ حدثنا عمرو بن محمد حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثني أبي عن صالح عن أبي شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره (عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيّه، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: [بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى بل عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه، فجعل له الحوت آية، وقيل له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان يتبع الحوت في البحر، فقال لموسى فتاه: أرأيت إذا أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. فقال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصًا فوجدًا خضرًا، فكان من شأنهم الذي قص الله في كتابه) . ٢ ـ حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال أخبرني سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بن إسرائيل، إنما هو موسى آخر. فقال كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ أن موسى قام خطيبًا في بني

стр. 121

إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فقال له: بلى، لي عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال أي رب ومن لي به؟ ـ وربما قال سفيان؟ أي ربّ وكيف لي به؟ ـ قال تأخذ حوتًا فتجعله في مكتل، حيثما فقدت الحوت فهو ثم وربما قال: فهو ثمه ـ وأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما، فرقد موسى واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار مثل الطاق ـ فقال هكذا مثل الطاق ـ فانطلقا يمشيان بقية ليلتهما ويومهما، حتى إذا من الغد قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله، قال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبًا، فكان للحوت سربًا ولهما عجبًا، قال له موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصًا ـ رجعا يقصان آثارهما ـ حتى انتهيا إلى الصخر، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلم موسى فرد عليه فقال: وأنّى بأرضك السلام، قال أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علّمك الله لا أعلمه. قال هل أتبعك؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا ـ إلى قوله ـ إمرًا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة كلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول. فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، قال له الخضر يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر. إذا أخذ الفأس فنزع لوحًا، قال فلم يفجأ موسى إلا وقد قلع لوحًا بالقدّوم، فقال له موسى: ما صنعت؟ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا. فكانت الأولى

стр. 122

من موسى نسيانًا، فلما خرجا من البحر مروا بغلام يلعب مع الصبيان، فأخذ الخضر برأسه فقلعه بيده هكذا ـ وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا ـ فقال له موسى: أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض مائلًا ـ أومأ بيده هكذا، وأشار سفيان كأنه يمسح شيئًا إلى فوق، فلم أسمع سفيان يذكر (مائلًا) إلا مرة ـ قال: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، عمدت إلى حائطهم، لو شئت لاتخذت عليه أجرًا. قال هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما تستطع عليه صبرًا، قال النبي ﷺ : (وددنا لو أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما) . قال سفيان: قال النبي ﷺ : (يرحم الله موسى لو كان صبر يقص علينا من أمرهما) . وقرأ ابن عباس: أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا. وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين. ثم قال لي سفيان: سمعته منه مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان قبل أن تسمعه عن عمرو أو تحفظه من إنسان؟ فقال ممن أتحفظه؟ ورواه أحد عن عمرو غيري؟ سمعته منه مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه. ٣ ـ حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء] قال الحموي قال محمد بن يوسف بن مطر الفربري حدثنا علي بن خشرم عن سفيان بطوله. . فقه القصة كما وردت في الكتاب والسنة: ومن هذا العرض الكامل لنصوص القصة في القرآن وفي صحيح البخاري نستخلص الفوائد التالية: ١ ـ أن الله أراد أن يؤدب نبيه موسى ﷺ الذي قال جوابًا عن سؤال (لا أعلم على الأرض أعلم مني) ! ! إن كان يجب أن يرد علم ذلك إلى الله

стр. 123

سبحانه وتعالى، فأراه الله جل وعلا أن هناك عبدًا لا يعلمه موسى هو على علم من علم الله لا يعلمه موسى وكان من أجل ذلك هذا اللقاء بين موسى والخضر. ٢ ـ أن الخضر بعد أن تم لقاؤه بموسى أخبره أن علم الخضر وعلم موسى بجوار علم الله سبحانه لا شيء وأنهما لم ينقصا من علم الله إلا كما شرب العصفور من ماء النهر. ٣ ـ أن الشريعة التي كان عليها الخضر لم تكن في حقيقتها مخالفة للشريعة التي عليها موسى، وإنما كان يخفى على موسى فقط الخلفية التي من أجلها فعل الخضر ما فعله، ولذلك فإن الخضر عندما بين لموسى الأسباب التي دفعته إلى خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار لم يستنكر موسى شيئًا من ذلك لأن هذا كله سائغ في الشريعة، فإتلاف بعض المال لاستنقاذ بعضه جائز فلو وكلت مثلًا رجلًا على عمل لك ثم جاء لصوص أو ظلمه قطاع طريق ليستولوا على المال كله ولم يجد هذا الوكيل وسيلة لدفعهم إلا بأن يدفع لهم بعض المال ويتركوا بعضه لما كان ملومًا شرعًا، ولا يلام ممن وكله بل يستحسن فعله، وما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة لا يعدو ذلك فهو إنما أفسد السفينة فسادًا جزئيًا لتظهر لأعوان ذلك الملك الظالم أنها غير صالحة فيتركوها وبذلك تسلم من الغصب، ولا شك أن ما فعله الخضر في حقيقته إحسان لأصحاب السفينة لأن الله أطلعه على شيء من المستقبل في أن ذلك الملك الظالم سيصادر السفن لأمر ما كما هو حال كثير من الرؤساء والملوك الظلمة يصادرون وسائل النقل أحيانًا إما لمصالحهم أو لمصلحة عامة. . فما فعله الخضر بالنسبة إلى السفينة موافق للشرع الإلهي تمامًا في كل دين وملة وليس مخالفًا للتشريع، وإنكار موسى في أول الأمر ناشئ من أنه لم يعرف الخلفية الغيبية التي كان الله قد أطلع عليها الخضر بوحي من عنده. وأما قتل الغلام فهو كذلك سائغ في الشريعة إذا كان هذا الغلام سيكون ظالمًا لوالديه، مجبرًا لهما على الكفر وكان هذا مما علمه الله مستقبلًا، وأطلع عليه الخضر، فكان قتله أيضًا سائغًا، وقد جاءت الشريعة بقتل الصائل المعتدي. حقًا إن الشريعة لا تأمر بقتل الصائل إلا إذا باشر العدوان،

стр. 124

والطفل هنا لم يباشر العدوان بعد، ولكن القتل هنا بأمر الله الذي يعلم ما سيكون، وقد كان هذا منه رحمة بعبدين من عباده صالحين أراد الله جل وعلا أن لا يتعرضا لفتنة هذا الولد العاق فيتألما ألمين، الألم الأول أنه ولدهما وعقوق الأولاد شديد على قلوب الآباء، والثاني أنهما قد يبلغان الكفر ويتعبان في التمسك بالإيمان وهذا عذاب آخر، فجمع الله لهما عذابًا واحدًا فقط وهو فقد الولد، وفيه خير لهما ولا شك لأن صبرهما، أيضًا على فقده فيه خير لهما. فلما علم الله ذلك، وأطلع الخضر عليه، ونفذ هذا بأمر الله كان ذلك كله موافقًا للشريعة التي عليها موسى وعليها محمد ﷺ وعليها سائر الأنبياء. ولذلك لما قيل لابن عباس على هذه الحادثة: أيجوز أن نقتل الأولاد؟ . . قال: إذا علمت منهم ما علم الخضر فافعل. . أي إن ذلك سائغ في الشريعة ولكن أين من يطلعه الله على الغيب كما أطلع الخضر ﵇. وأما مسألة بناء جدار لقوم بخلاء لم يبذلوا القرى (بكسر القاف) والضيافة الواجبة، فإن ذلك من باب مقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا خلق من أخلاق الشريعة الإسلامية والمسيحية واليهودية ففي القرآن ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤] . وفي الإنجيل (أحسنوا إلى من أساء إليكم وباركوا لأعينكم) ، وقال تعالى فيما أوحاه لموسى ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣] ، وما فعله الخضر هو من باب الإحسان إلى قوم قدموا الإساءة. ثم إن إحسانه لهذين الغلامين لم يتأت منهما إساءة وكان أبوهما رجلًا صالحًا وهم في قرية ظالمة بخيلة ولو هدم جدار بيتهم لانكشف كنزهم ولاستولى عليه هؤلاء القوم البخلاء، فلا شك أن ما فعله الخضر من بناء الجدار هو عين ما تأمر به كل شرائع الأنبياء التي أمرت بالفضل والإحسان، ورعاية اليتامى وحفظ حقوقهم. . فأي شيء يستغرب مما فعله الخضر، وأي حقيقة اطلع عليها الخضر تخالف ظاهر شريعة كان عليها موسى بل ما فعله الخضر موافق تمامًا لشريعة موسى

стр. 125

ولشريعة عيسى ولشريعة محمد ولكل شرائع الله المنزلة، ولم يقل الخضر أو يفعل شيئًا يخالف ما كان عليه الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما فقط أطلعه الله على بعض أسرار المقادير ففعل ما فعل من الحق الذي لا تنكره الشرائع بناء على هذه الأخبار والأنباء التي أطلعه الله عليها. وباختصار لم يفعل الخضر شيئًا مخالفًا لشريعة موسى فافهم هذا جيدًا وتمسك به. ٤ ـ وجود الخضر ﵇ على دين وشريعة غير شريعة موسى كان أمرًا سائغًا وسنة من سنن الله قبل بعثة محمد ﷺ لأن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ولذلك كان موسى رسولًا إلى بني إسرائيل فقط، ولم يكن رسولًا للعالمين، ولذلك لما سلم موسى ﵇ على الخضر قال الخضر: وأنّى بأرضك السلام. قال له موسى أنا موسى. قال الخضر: موسى بني إسرائيل! ؟ قال: نعم. . أي أنت مبعوث إلى بني إسرائيل ومنهم، ولذلك لم تكن شريعة موسى لازمة للخضر ولجميع الناس في زمانه، وأما بعد بعثة محمد ﷺ فإنه لا يجوز شرعًا أن يكون هناك من هو خارج عن شريعته، لأن الرسول ﷺ رسول للعالمين، فلا يسع الخضر ولا غيره أن يتخلف عن الإيمان به واتباعه ولذلك فلا وجود بتاتًا للخضر وأمثاله بعد بعثة الرسول محمد ﷺ . ٥ ـ لا شك أن ما فعله الخضر فعله عن وحي حقيقي من الله وليس عن مجرد خيال أو إلهام لأن قتل النفس لا يجوز بمجرد الظن، ولذلك قال الخضر: وما فعلته عن أمري. . فلم يفعل إلا عن أمر الله الصادق ووحيه القطعي. ومثل هذا الأمر والوحي القطعي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ فلا وحي بعده، ومن ادعى شيئًا من ذلك فقد كفر لأنه بذلك خالف القرآن الذي يقول الله فيه: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وقال أيضًا رسول الله ﷺ (وختم بي النبيون فلا نبي بعدي) [رواه مسلم] .

стр. 126

من بيان الحقائق السالفة تتضح لنا الصورة الحقيقية لقصة الخضر ﵇ والاعتقاد الواجب فيه حسب الكتاب والسنة. ولكن المتصوفة جعلوا من هذه القصة شيئًا مختلفًا تمامًا. فقد زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه وليّ وليس بنبي، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول محمد ﷺ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها، فكما أن الخضر وهو وليّ فقط في زعمهم كان أعلم من موسى فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﷺ لأن محمدًا عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة، وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة فما يكون معصية في الشريعة كشرب الخمر والزنا واللواط، قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني، وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل ولي كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف عن الوحي النبوي. . وهكذا جعل المتصوفة من قصة الخضر بابًا عظيمًا لإدخال كل أنواع الخرافات والزندقة والجهل والإسفاف. .، بل بلغ الهذيان وحده عندهم حيث يوجد من زعم منهم أن الخضر لا يصلي لأنه على شريعة خاصة! ! ومنهم من زعم أن الخضر يصلي ولكن على المذهب الحنفي! ! ولكن صوفيًا آخر يزعم أنه رأى الخضر يصلي ولكن على المذهب الشافعي! ! بل وأكثر من ذلك زعموا أن الخضر هو الذي يلقنه أذكار الطريقة الإدريسية والسنوسية. وهكذا أصبح الخضر الصوفي هذا ألعوبة عظيمة، ولم يكتفوا بذلك بل جعلوا في كل مكان في الأرض تقريبًا مكانًا زعموا أن الخضر جلس فيه أو رآه صوفي عنده، ولذلك أصبح له في كل أرض من أراضي الإسلام مقام ومزار،

стр. 127

تذبح فيه الذبائح، وتقدم فيه القرابين، وينتفع بذلك الكذابون والغشاشون. باختصار لقد تحول الخضر إلى قصة خرافية كبيرة أشبه بقصة ما يسمونه بالسوبرمان الذي يطير في كل مكان، ويلتقي بالأصدقاء والخلان في كل البلدان، ويشرع للناس ما شاء من عبادات وقربات، ويلقن الأذكار وينشئ الطرق الصوفية، ويعمد الأولياء والأقطاب، ويولي من يشاء، ويعزل من يشاء، وما عليك إذا أردت لقاء الخضر إلا أن تذكر مجموعة من الأذكار فيأتيك الخضر في الحال، ويبشرك بما تشاء من البشارات، ويجعلك وليًا من الأولياء، ويعطيك علومًا لدنية لم يعلمها الرسل أنفسهم ولا خطرت لهم على بال. ولنذهب معًا في جولة مع الفكر الصوفي وخرافاته حول قصة الخضر أول من افترى القصة الصوفية للخضر يبدو أن أول من افترى القصة الصوفية للخضر هو محمد بن علي بن الحسن الترمذي المسمى بالحكيم والمتوفي في أواخر القرن الثالث الهجري ـ فالترمذي هذا يقول في كتابه ختم الولاية ـ (وهذا الكتاب بنظري هو أخطر كتاب صوفي على الإطلاق) يقول في جوابه عن علامات الأولياء: " وللخضر ﵇ قصة عجيبة في شأنهم وقد عاين شأنهم في البدء ومن وقت المقادير فأحب أن يدركهم، فأعطى الحياة حتى بلغ من شأنه أنه يحشر مع هذه الأمة وفي زمرتهم، حتى يكون تبعًا لمحمد ﷺ وهو رجل من قرن إبراهيم الخليل، وذي القرنين، وكان على مقدمة جنده، حيث طلب ذو القرنين عين الحياة ففاتته وأصابها الخضر، في قصة طويلة. وهذه آياتهم وعلاماتهم. فأوضح علاماتهم ما ينطقون به من العلم وأصوله. قال له قائل: وما ذلك العلم؟ قال: علم البدء، وعلم الميثاق، وعلم المقادير، وعلم الحروف. فهذه أصول الحكمة وهي الحكمة العليا. وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء

стр. 128

الأولياء، ويقبله عنهم من له حظ من الولاية " (ختم الولاية ص٣٦٢) وفي هذا النص يزعم مجرد زعم بلا أدنى دليل أو علم أن الخضر هذا عاين منذ بدء الخليقة أمور الأولياء وعرفهم منذ كتابه المقادير (انظر) وأحب ـ في زعم الترمذي ـ أن يدرك هؤلاء الأولياء، فأعطى الحياة حتى يبلغ أمة محمد ﷺ . . وأما هو أي الخضر فكان في قرن إبراهيم أي وجد في زمانه. . وزمن ذي القرنين. . فانظر هذا الجهل والتخريف والإفتراء. . الذي لا يقوم على أدنى دليل إلا الكذب والبهتان. . ثم يستطرد في بهتانه فيزعم أن ذا القرنين كان يحارب ويسافر ليصل إلى عين الحياة التي من شرب منها فلا يموت أبدًا فلم يستطع الوصول إليها ولكن الخضر وصل إليها. . فانظر هذا الكذب والتخريف. وهذا بالطبع منقول بعضه من تخريف اليهود وافتراءاتهم أن آدم لما خلقه الله في الجنة أكل من شجرة المعرفة فأصبح كالله يعلم الخير والشر، ثم خاف الله منه أن يأكل من شجرة الحياة فيحيا أبدًا ولا يموت فلما خاف الله من ذلك طرده من الجنة من أجل ذلك. . (انظر التوراة الإصحاح الثالث) . ولقد لفق الترمذي من هذه القصص الخرقاء قصته عن الخضر التي تلقفها الصوفية فيم بعد وزادوا عليها ما شاؤوا. والمهم هنا أنه زعم كل هذه المزاعم وأن الخضر حي أبدًا وأنه قاتل مع ذي القرنين. . ولسنا ندري أين كان ما دام أنه حي يرزق إلى آخر الحياة. أين كان عن شهود غزوة بدر وأحد والخندق والمواقع، ولماذا لم يشارك في فتح القادسية واليرموك، ولماذا لم يلتق بأبي بكر وعمر، ولم يتشرف قبل ذلك برؤيا رسول الله ﷺ ما دام أنه حي أبدًا واطلع على جميع الأولياء منذ البدء. . بل ولماذا لم ينزل ولم يلتق إلا بالكذابين الضالين أمثال هذا الترمذي الذي لم يتنبأ له إلا امرأته التي تنزل عليها الوحي حسب زعمه وبشرته بأنه سيكون من شأنه كذا وكذا إلى أن يكون خاتم الأولياء كما كان محمد خاتم النبيين! ! والترمذي الذي هذا هو شأنه يذكر أيضًا من صفات أوليائه المزعومين أنه

стр. 129

تظهر علي أيديهم الآيات كطي الأرض، والمشي على الماء، ومحادثة الخضر ﵇ الذي زعم أيضًا أن الأرض تطوي له برها وبحرها، سهلها وجبلها، يبحث عن الأولياء شوقًا إليهم (ختم الولاية ص٣٦١) . ومنذ ذلك الوقت الذي افترى فيه من افترى هذه الفرية على الخضر ﵇ سواء كان الترمذي نفسه هذا أو هو ناقل عمن قبله. . أقول سواء كان هذا أو هذا فإن المتصوفة بدأوا ينسحبون الخرافات حول قصة الخضر وإليك بعضًا من هذه الخزعبلات والخرافات: الخضر يصلي على المذهب الشافعي من أطرف القصص ما ذكره أحمد الفاروقي السرهندي في كتابه المنتخبات أنه رأى الخضر وإلياس ﵉ حضرا عنده في حلقة الدرس وأن الخضر قال له إنهما من عالم الأرواح وأنهما يتشكلان بما شاءا من الصور. . وأنه أي السرهندي هذا سأل الخضر هل تصلون بمذهب الشافعي فقال له الخضر لسنا مكلفين بالشرائع! ! ولكن لأن قطب الزمان الشافعي فنحن نصلي وراءه على مذهبه الشافعي. . ويعلن السرهندي على ذلك فيقول إن كمالات الولاية مختصة بالمذهب الشافعي، وأما كمالات النبوة فهي من اختصاص المذهب الحنفي! ! ولذلك عندما ينزل عيسى بن مريم فإنه يصلي ويعمل بالمذهب الحنفي! ! وإليك نص أحمد السرهندي في هذه الخرافات قال: المكتوب الثاني والثمانون والمئتان إلى الملا بديع في بيان ملاقاة الخضر وإلياس ﵍ وبيان نبذة من أحوالهما الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد مضت مدة من استفسار الأصحاب عن أحوال الخضر على نبينا ﵊. ولما لم يكن للفقير اطلاع على أحواله كما ينبغي كنت متوقفًا في الجواب فرأيت اليوم في حلقة الصبح أن الإلياس والخضر ﵉ حضرا في صورة الروحانيين فقال

стр. 130

الخضر بالإلقاء الروحاني: نحن من عالم الأرواح قد أعطى الحق سبحانه أرواحنا قدرة كاملة بحيث تتشكل وتتمثل بصورة الأجسام ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسكنات الجسمانية والطاعات والعبادات الجسدية. فقلت له في تلك الأثناء: أنتم تصلون الصلاة بالمذهب الشافعي. فقال نحن لسنا مكلفين بالشرائع، ولكن لما كانت كفاية مهمات قطب الدار مربوطة بنا وهو على مذهب الإمام الشافعي نصلي نحن أيضًا وراءه بمذهب الإمام الشافعي ﵁ فعلم في ذلك الوقت أنه لا يترتب الجزاء على طاعتهم بل تصدر عنهم الطاعة والعبادة موافقة لأهل الطاعة ومراعاة لصورة العبادة وعلم أيضًا أن كمالات الولاية موافقة لفقه الشافعي وكمالات النبوة موافقة لفقه الحنفي فعلم في ذلك الوقت حقيقة كلام الخواجة محمد بارسا قدس سره حيث ذكر في الفصول الستة نقلًا أن عيسى عليه وعلى نبينا السلام يعمل بعد نزوله بمذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ ﵁ فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أن نستمد بهما وأن نطلب منهما الدعاء فقال إذا كانت عناية الحق سبحانه شاملة لحال الشخص فلا مدخل لنا هناك وكأنهم أخذوا أنفسهم من البين. وأما إلياس على نبينا وعليه الصلاة والسلام فلم يتكلم في ذلك الوقت أصلًا والسلام (المنتخبات من المكتوبات لأحمد الفاروقي ص٩١ طبع تركيا) . الخضر حنفي وليس شافعيًا ويبدو أن الكشف السابق لما يسمونه بالعالم الرباني أحمد السرهندي الذي أراد به التنقص من المذهب الشافعي وعلاء منزلة المذهب الحنفي وذلك أنه جعل المذهب الحنفي للأنبياء، والمذهب الشافعي للأولياء. . أقول يبدو أنه لم يطلع على كشف الشعراني الذي زعم أن الخضر كان حنفيًا ولم يكن شافعيًا حيث ذكر في كتاب معارج الألباب عن بعض شيوخه أنه ذكر له أن الخضر ﵇ كان يحضر مجلس فقه أبي حنيفة في كل يوم بعد صلاة الصبح يتعلم منه الشريعة فلما مات (أي أبو حنيفة) سأل الخضر ربه أن يرد روح أبي حنيفة

стр. 131

إلى قبره حيث يتم له علم الشريعة وأن الخضر كان يأتي إليه كل يوم على عادته يسمع منه الشريعة داخل القبر وأقام على ذلك خمس عشرة سنة حتى أكمل علم الشريعة (معارج الألباب ص٤٤) . فانظر أي تخليط وكذب سمج، فهذا الخضر المزعوم أين هو من تعلم الشريعة على يد محمد ﷺ وهم يزعمون أنه كان حيًا ذلك الوقت ولماذا لم يتتلمذ على الخلفاء الراشدين وهم أعلم الناس بالشريعة. . ولقد قال أبو حنيفة نفسه: دعوا قولي لقول أصحاب رسول الله فإنهم كانوا أعلم بالتنزيل! ! فإذا كان أبو حنيفة يأمرنا أن نترك قوله لقول رسول الله ﷺ وقول أصحابه فكيف يترك الخضر المزعوم تعلم الشريعة عن الرسول وأصحابه وينتظر حيًا حتى يأتي أبو حنيفة ليتعلم منه الشريعة. . ثم أي تلميذ بليد هذا الخضر الصوفي المزعوم حتى يمكث مع أبي حنيفة كل حياته ولا يستطيع أن يتعلم علمه. . ويدعو الله أن يظل أبو حنيفة حيًا في قبره ليستكمل الدراسة ويستمر في التردد على القبر يوميًا لمدة خمس عشرة سنة ليتعلم علم أبو حنيفة فضلًا عن عشرات السنين قبل ذلك! ! ثم كيف يكون الخضر هو ممد الأولياء ومعلمهم وهو بهذه البلادة وقلة الحفظ! ! لقد فات الذين يفترون هذه القصص كل هذه الأمور، ولكن لأنهم لم تكن لهم عقول سليمة فإنهم كذبوا مثل هذا الكذب السمج. ورحم الله الإمام الشافعي القائل: " لا أرى أن رجلًا يتصوف أول النهار حتى يكون أحمق في آخره ". . وقال: " لا أرى أن رجلًا يصاحب الصوفية أربعين يومًا فيعود إليه عقله أبدًا ". وهؤلاء لا شك أنهم كانوا كذلك حمقى مجانين ذهبت عقولهم ولم ترجع إليهم أبدًا. والعجيب أن مثل هذه الخرافات تظل تسري وتجري فقد زعم الحصفكي

стр. 132

الحنفي في مقدمة كتابه الدر المختار أن الخضر أودع أوراق المذهب الحنفي في نهر جيحون إلى وقت نزول عيسى ﵇ حتى إذا نزل أخذ هذه الصحائف وتعلم منها المذهب الحنفي حتى يحكم به في آخر الزمان! ! الخضر يعلم الأذكار الصوفية الخضر الصوفي المزعوم يكاد يكون في كل ميدان من ميادين التصوف، فهو صاحب الكشف وهو نقيب الأولياء، وهو آخذ العهود، وهو مرشد الأنام، وهو معلم الأذكار. يقول أحمد بن إدريس: " اجتمعت بالنبي ﷺ اجتماعًا صوريًا ومعه الخضر ﵇ فأمر النبي ﵇ الخضر أن يلقنني أذكار الطريقة الشاذلية فلقنني إياها بحضرته ﷺ " (مفاتيح كنوز السماوات والأرض لصالح محمد الجعفري ص٨) ويستطرد أيضًا قائلًا: " ثم قال ﷺ للخضر ﵇ يا خضر لقنه ما كان جامعًا لسائر الأذكار والصلوات والاستغفار " (مفاتيح كنوز السماوات والأرض لصالح محمد الجعفري ص٨) . قلت اعلم أن أذكار الطريقة الشاذلية هذه فيها كفر وشرك فمن أذكارها صلاة ابن مشيش (اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة) وفيها أن محمد ﷺ هو أصل هذا الوجود وأول مخلوق فيه ومنه انشقت كل الأنوار وظهرت كل الموجودات (اقرأ الباب الخاص بالحقيقة المحمدية، والباب الخاص بالذكر الصوفي) . . والمهم هنا التنبيه على أن الخضر الصوفي يختلف تمامًا عن الخضر الذي ذكره الله في القرآن وقص علينا النبي ﷺ قصته. فذاك نبي عبد موحد مؤمن على علم من علم الله بالوحي عاش ومات لوقته وزمانه وفعل ما فعل موافقًا للحق والشريعة أما الخضر الصوفي فهو ما رأينا مصدرًا للخرافة والجهل والشرك ولذلك أخبر الإمام ابن تيمية بأن الخضر المزعوم هذا لا حقيقة له شأنه في ذلك

стр. 133

شأن الغوث والقطب الصوفي، ومنتظر الرافضة. الخضر الصوفي خرافة لا حقيقة يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور ما نصه: " ثلاثة أشياء ما لها من أصل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الجهال، فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة، وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء هو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله لا يحصيه إلا الله وأنبياء الله الذي هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم بل قال الله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: ٧٨] . وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: وإني بأرضك السّلام، فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه ومن قال أنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا، في زمان النبي ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرفع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة في دينهم ودنياهم، فإن دينهم

стр. 134

أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم (لو كان موسى حيًا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) وعيسى بن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبي ﷺ قد أخبرهم بنزول عيسى ﵇ من السماء وحضوره مع المسلمين وقال [كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى في آخرها] فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﷺ سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﷺ ذلك فقط، ولا خلفاؤه الراشدين؟ ! ! وقول قائل إنه نقيب الأولياء، فيقال له، من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر، وغاية ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر، وقال إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك. وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان. انتهى المراد منه.

стр. 135

الفصل التاسع: الكشف الصوفي الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة من أصول الدين وقواعد الإيمان أن تعتقد أن الغيب علمه لله تعالى وحده وأنه يطلع وسبحانه تعالى على ما شاء من الغيب من شاء من أنبيائه ورسله فقط وأن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أعلمهم الله إياه كما قال لرسوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٨٨] . وقال جل وعلا: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٦ ـ ٢٨] . وأمر رسوله محمدًا ﷺ أن يخبر الناس أنه ليس ملكًا ولا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ [الأنعام: ٥٠] . وهذا الذي قاله الرسول ﷺ هو ما قاله نوح قبل ذلك. قال تعالى على لسان نوح: ﴿ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذًا لمن الظالمين﴾ [هود: ٣١] وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:

стр. 136

[مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله] . وهذا الحديث يقرر قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [لقمان: ٣٤] . وفي صحيح البخاري أيضًا عن عائشة ﵂ قالت: من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] . ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب وهو يقول ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] . فهذه الآيات والأحاديث ومثلها كثير جدًا قاطع بأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا الله لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأنه لا يعلم أحد من هؤلاء الغيب إلا ما أطلعه الله سبحانه عليه، فهاهم الملائكة يخلق الله آدم ولا يعلمون الحكمة من خلقه، ويعرض الله عليهم مسميات معينة ويقول لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، فيقولون سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ويعلم الله آدم النبي الأسماء فيعلمها لهم، وآدم نبي مكلم كما جاء في الحديث الشريف، وهؤلاء الأنبياء لا يعلمون الغيب بنص القرآن وبمئات بل بآلاف الوقائع، فنوح لم يعلم أن ابنه ليس من أهله وأن زوجته على غير دينه، وإبراهيم لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة ولقد جاءته الملائكة في صورة بشر فذبح لهم عجلًا وقربه إليهم وهو لا يعلم حقيقتهم حتى أعلموه، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أعلموه أنهم ذاهبون لتدمير قرى لوط، وأما لوط فإنه ساءته رؤية الملائكة علمًا أنهم قد أتوا لإنجائه وإنجاء أهله، ولم يعلم حقيقة أمرهم إلا بعد أن علموه ولم يكن له كشف خاص، ولا علم خاص يستطيع أن يعرف من القوم، وأما محمد ﷺ فقد حدث له مئات بل آلاف الوقائع التي تدل يقينًا أنه لم يكن يعلم في الغيب إلا ما أعلمه الله إياه. . فقد ظن أن جبريل الذي أتاه في الغار

стр. 137

شيطان وقال لخديجة لقد خفت على نفسي، ولم يعرف أنه الملك حتى أتى ورقة بن نوفل فأخبره أن الكلام الذي جاء به يشبه الكلام الذي نزل على الأنبياء من قبله. . ولم يدر بخلد النبي أنه سيؤذى ويخرج من مكة أبدًا علمًا بأن النبي ﷺ قد مكث يتعبد في غار حراء سنوات طويلة، وعند الصوفية أن من لف رأسه بخرقه وجلس في مكان مظلم رأى الله، وعرف كل شيء وشاهد الكون أعلاه وأسفله. . بل النبي محمد ﷺ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة لا يعلم أين سيهاجر بعد ذلك، وبعد الهجرة خرج إلى أبي سفيان ففاته واصطدم بجيش المشركين وجاءه المشركون في المدينة المرة تلو المرة يزعمون أنهم قد آمنوا ويطلبون منه أن يرسل لهم من يعلمهم القرآن فكان يرسل معهم خيرة القراء، فيغدرون بهم في الطريق. . فغدر المشركون بأربعين رجلًا من المسلمين مرة واحدة، وسبعة مرة، ولو علم رسول الله ما يكون من أمر الله بل لو علم أن هؤلاء الكفرة الأعراب يكذبون عليه لما أسلم لهم أصحابه وحبس المشركون يومًا وليلة في مكان ليس فيه ماء لأن السيدة عائشة ﵂ قد فقدت عقدًا لها ولو كان هناك كشف صوفي على ما يصوره الصوفية ويزعمونه لعلموا أين عقد السيدة عائشة الذي كان تحت بعيرها ولم يفطن إليه أحد من المسلمين من أصحاب النبي. . ورمى المنافقون السيدة عائشة بالزنا ـ شرفها الله وحماها وبرأها ولعن الله من سبها ـ. . ومكث رسول الله شهرًا كاملًا لا يدري ما يقول، وكان يستفتي أصحابه ويسأل علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، وبريرة خادمته ومولاته هل رأوا على عائشة شيئًا. . ولم يستطع رسول الله ﷺ أن يعلم حقيقة الأمر حتى أنزل الله براءتها من السماء. . هذا إلى العشرات والمئات من الوقائع التي تبين أن رسول الله وأكرم خلق الله من البشر على الله لم يكن يطلع على شيء من الغيب إلا ما أطلعه الله بحكم النبوة. . الغيب في المعتقد الصوفي ولكن الصوفية منذ القدم. . منذ نشأتهم في الإسلام وإلى يومنا هذا عمدوا

стр. 138

إلى هذا الأصل الأصيل من أصول الدين فهدموا بل اقتلعوا جذوره من قلوب من يسير في طريقهم وينتهج منهجهم هذا الأصل فهدموه جعله الله أول صفة في كتابه للمتقين حيث يقول ﵎ في سورة البقرة الثانية في القرآن بعد الفاتحة: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ١: ٣] . الآية. جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيبًا إلا من الله ومن أقامه للأخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط، جاء المتصوفة فكان أول هدم لهم في الإسلام أن يهدموا هذا الأصل فأقاموا شيئًا سموه (الكشف الصوفي) وهو يعني عندهم رفع الحجب أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم ما في السماوات جميعًا، وما في الأرض جميعًا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه ولا يولد مولود، أو يعقد معقود، أو يتحرك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي. . هكذا والله؛ وسيرى القارئ في هذا الفصل النقول من كتب القوم كلها تنص على أن الصوفي لا يقف أمامه حجاب، ولا يوصد أمامه باب، ولا يعجزه علم شيء في الأرض ولا في السماء. فهو يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة بساعة، بل هو يعلم بأي لغة وأي قلم كتب اللوح المحفوظ، وماذا في أم الكتاب، وماذا كان منذ الأزل وماذا سيكون إلى الأبد، لا أقول قد ساوى الصوفية أنفسهم بالأنبياء بالغيب أو ساووا أنفسهم بالخضر الذي يزعمون النقل عنه لا والله بل جعلوا كل زنديق منهم ممن لا وزن له في خلق ولا علم جعلوا هؤلاء هم الله علمًا بكل شيء، وإحاطة بما في السماوات والأرض. . وسيرى القارئ أن أي زندقة وأي كفر في الأرض لم يجرؤ كاتبوه ومؤيدوه أن يكتبوا مثل هذا ولكن الصوفية سبقوا كل الكفار في كل الملل والنحل والأقوام وكتبوا بأقلامهم ما لم يجرؤ أحد بتاتًا أن يكتبه أو يسطره فيما علمناه من الكفرة والزنادقة والملاحدة. .

стр. 139

لقد ترقى المتصوفة في قضية الكشف عندهم فزعموا أولًا أن الصوفي يكشف له معان في القرآن والحديث لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى. .، وأما هم فيلتقون بالرسول ﷺ يقظة أحيانًا، ومنامًا أحيانًا ويسألونه ويستفيدون منه هذه العلوم ثم ترقوا فقالوا إن لنا علومًا ليست في الكتاب والسنة نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة، فموسى ومحمد والأنبياء على شريعة ظاهرة، وأما الخضر فهو على شريعة باطنة يجوز فيها ما لا يجوز في الظاهر، فقد قتل الغلام بغير ذنب، وكسر السفينة لمن حملهم بغير نوال، وبنى الجدار إحسانًا منه لمن أساء إليهم. . ومثل هذا ينكره أهل الظاهر كما أنكره موسى، ونحن في الباطن على شريعة الخضر وهو يلتقي بنا ونتعلم منه علومًا خاصة ينكرها أهل الظاهر لجهلهم. . والعجيب أنه كان من هذا الدين الباطن الذي زعموا أخذه عن الخضر إتيان (الحمارة) والزنا، وشرب الخمر واللواط، والتعري، والصراخ في الطرقات، وسب المؤذنين للصلاة، وسب الأنبياء والإدعاء بأن كل مخلوق هو الله وإلقاء السلام على الكلاب والخنازير، والترحم على إبليس ومحاولة الوصول إلى مقامه، وجعل فرعون أعلم من موسى بالله وتبرئة قوم نوح من الشرك، وجعل الرسول محمد هو الله المستوي على العرش. . هذه الأشياء قليلة جدًا من هذا الدين الباطني الذي زعم المتصوفة أنهم نالوه عن طريق الكشف الصوفي، وهو رفع الحجب عن القلوب والأبصار لرؤية الحق على ما هو عليه، وأن الخضر ﵇ هو مبلغ كل هذا لهم، وتارة يترقون في هذا الكذب أو بالأحرى يهوون إلى أسفل سافلين في دعاوي الكذب هذه فيزعمون أنهم تلقوا هذه العلوم من ملك الإلهام كما تلقى محمد ﷺ علومه من ملك الوحي، وأخرى يزعمون أنهم تلقوا علومهم هذه التي أشرنا إلى بعضها آنفًا من الله رأسًا وبلا وساطة وأنها انطبعت في نفوسهم من الله رأسًا وأنهم مطالعون الأمر في الأزل بأرواحهم، والأمر في الأبد يرونه كما يكون عليه الحال يرونه كذلك بأرواحهم بغير

стр. 140

وساطة وأن همتهم تصل السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها. . ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم. . فيفيدون فوائد كثيرة دونها كثيرًا ما هو موجود فعلًا في القرآن، وأما الجنة والنار، فهم وإياها دائمًا رأي العين، بل هي ساقطة أصلًا من عيونهم لأن النار وما النار، لو بصق أحدهم عليها لأطفأها كما قال أبو يزيد وغيره منهم. . وأما الجنة فالنظر إليها شرك وكفر لأنهم ينظرون إلى الله فقط. . ولذلك قال قائلهم معيبًا على الصحابة عندما قرأ ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢] . قال. . أف. . أليس منكم أحد يريد الله. . وقال آخر عن قوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥] . قال. . ألهاهم عنه. . باختصار لقد اكتشف المتصوفة بزعمهم للقرآن معاني غير التي يعرفها أصحاب النبي ﷺ وعلماء الأمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني أن للقرآن معاني أخرى وأن فيه علومًا كثيرة جدًا لا يعلمها غيرهم. . وما هذه العلوم. . إنها كل الفلسفات القديمة، والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس كل هذا وهذا جعله المتصوفة كشفًا وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم ولحديث النبي الشريف. . ومن أراد منهم أن لا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثير مما فيهما قال: خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله. . فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقًا مما لدى الأنبياء. . وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئًا نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله. .

стр. 141

هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر، وأنه نتيجة حتمية لسباحة أرواحهم في الأزل والأبد، والسماوات السبع وما فوقها والأراضين السبع وما تحتها. . لقد أتونا بعد هذه السياحة الشيطانية بعشرات المجلدات والخرافات والخزعبلات بعد أن لبسوها وخلطوها ببعض العلم الذي جاء به الرسل فخلطوا الأمر على عامة المسلمين، وأضلوا من لا علم لهم بالكتاب والسنة، وظنوا فعلًا أن هؤلاء الناس صالحون وأن علومهم هذه قد أتوا بها فعلًا من الغيب، وخاصة أنهم رأوهم أحيانًا تجري على أيديهم بعض الحيل الشيطانية، وبعض الكرامات الإبليسية من خرق العادات أو الإخبار ببعض المغيبات ما هو عند الهندوس والمجوس والدجال وابن صياد أمثاله وأكثر منه مئات المرات، لقد أوهم العامة ما جرى على يد هؤلاء من هذه الكرامات الإبليسية التي هي حقًا أمثال شيطانية من ما يجري للكفار والمنافقين والدجالين، فظنوا أن هؤلاء من أهل الله حقًا، وأن الحجب ترتفع عنهم صدقًا وأن علومهم هذه آتية من الغيب يقينًا وبذلك راجت يومًا بضاعة هؤلاء الزنادقة وصرفوا المسلمين عن دينهم الحق وعقيدتهم المستقيمة. وها نحن نورد بعد هذه المقدمة التي لا بد منها طائفة من النقول من كتب القوم المعتمدة التي تبين هذا الباطل الذي يدعونه ويسمونه كشفًا، وحقيقة، وعلمًا لدنيًا، وتحققًا واطلاعًا ليكون القارئ المسلم على بينه مما عليه هؤلاء الزنادقة. عبد الكريم الجيلي وكتابه الإنسان الكامل: هذا عبد الكريم الجيلي يكتب كتابه (الإنسان الكامل) زاعمًا أيضًا أنه من الله أخذه، وأن الله أمره بإخراج هذا الكتاب للناس وأنه ليس فيه شيء إلا وهو مؤيد بالكتاب والسنة يقول: ". . ثم ألتمس من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئًا

стр. 142

في هذا الكتاب إلا وهو مؤيد بكتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أنه إذا لاح له شيء في كلامي بخلاف الكتاب والسنة فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مرادي الذي وضعت الكلام لأجله فليتوقف عن العمل به مع التسليم إلى أن يفتح الله تعالى عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه. وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أن لا يحرم الوصول إلى معرفة ذلك، فإن من أنكر شيئًا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرًا، ولا سبيل إلى غير ذلك، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقًا بالإنكار أول وهلة، ولا طريق له إلا الإيمان والتسليم. واعلم أن كل علم لا يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم في نفسه مؤيدًا بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعتك من فهمه فلن تستطيع أن تتناوله له بهمتك من محله فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، فالطريق في هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه " (الإنسان الكامل ص٨) . علمًا بأنه لم يضع فيه شيئًا مطلقًا وافق الكتاب والسنة، بل جمع فيه من الكفر والزندقة أعظم من كل كفر الأولين والآخرين كيف لا وقد جعل كل من عبد شيئًا في الأرض فما عبد إلا الله. بل زعم أنه ليس في الوجود إلا الله، الذي خلق الوجود من نفسه لنفسه فليس هناك إلا هو فهو الرب والعبد، والشيطان والراهب، والسماء والأرض، والظلمات والنور، والحمل الوديع والذئب الكاسر. . تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا واستغفر الله من تسطير ذلك وكتابته. . اللهم رحماك رحماك. . لقد قلت في كتابك عن الذين ادعوا الألوهية في عيسى وهو نبي كريم ونفس طيبة ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ [الكهف: ٥] . وقلت أيضًا ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن

стр. 143

أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٠: ٩٣] . . وهذا الزنديق يا ربي وأمثاله جعلوا كل كلب وخنزير في الأرض، وكل شيطان وإبليس وكل كافر وفاجر جزءًا منك، ومظهرًا لك (ومجلى) ـ حسب عبارتهم ـ من مجاليك وتجلياتك ثم أنت ترزقهم وتعافيهم وتحلم عليهم سبحانك ما أحلمك وأجلك وأعظمك. لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك. ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. نعود إلى الجيلي وكتابه الذي يقول فيه بالنص: " وكنت قد أسميت الكتاب على الكشف الصريح وأيدت مسائله بالخبر الصحيح (. . انظر) وسميته بالإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل " ثم يقول: " فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه، ووعدني بعموم الانتفاع فقلت طوعًا للأمر المطاع، وابتدأت في تأليفه متكلًا على الحق في تعريفه، فها أنا ذا أكرع من دنه (الدن: هو وعاء الخمر الذي يخمر فيه) القديم، بكأس الاسم العليم، في قوابل أهل الإيمان والتسليم خمرة مرضعة من الحي الكريم، مسكرة الموجود بالقديم) ا. هـ (ص٦) . ما الذي يتكلم عليه الجيلي في هذا الكتاب: إن كتابه من أوله وآخره يدور حول معنى واحد وهو وصف الله بصفات مخلوقاته، وبيان أن المخلوق هو عين الخالق. . هذا كل ما يريد الجيلي أن يصل إليه وهذا هو ما شرحه شرحًا كاملًا في كتابه، وأضاف أن محمدًا ﷺ هو الإنسان الكامل والإله الكامل الذي اتصف بكل صفات الله بعلوها وسفلها، بحلوها ومرها؛ فقل هو الله أحد معناها كما يفسرها الجيلي: قل يا محمد الإنسان هو الله أحد. فهاء الإشارة في (هو) راجع إلى فاعل قل وهو أنت. . فيكون المعني يا محمد هو أي أنت الله أحد. . هذا هو الكشف الذي كشفه لنا الجيلي من الغيب وهذا هو الكتاب الذي ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة. وهذا نص عبارة الجيلي في ذلك:. . " الحرف الخامس من هذا الاسم: هو الهاء، فهو إشارة إلى هوية الحق الذي

стр. 144

هو عين الإنسان قال الله تعالى (قل) يا محمد (هو) أي الإنسان (الله أحد) فهاء الإشارة في هو راجع إلى فاعل قل وهو أنت، وإلا فلا يجوز إعادة الضمير إلى غير مذكور أقيم المخاطب هنا مقام الغائب التفاتًا بيانيًا إشارة إلى أن المخاطب بهذا ليس نفس الحاضر وحده، بل الغائب والحاضر في هذا على السواء. قال الله تعالى ﴿ولو ترى إذ وقفوا﴾ [الأنعام: ٢٧] . ليس المراد به محمدًا وحده بل كل راء، فاستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان، فهو في عالم المثال كالدائرة التي أشارت الهاء إليها، فقل ما شئت إن شئت قلت الدائرة حق وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق فهو حق وهو خلق، وإن شئت قلب الأمر فيه بالإلهام، فالأمر في الإنسان دوري بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز وبين أنه على صورة الرحمن، فله الكمال والعز. قال الله تعالى (والله هو الولي) يعني الإنسان الكامل الذي قال فيه (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لأنه يستحيل الخوف والحزن وأمثال ذلك على الله لأن الله هو الولي الحميد (وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) أي الولي، فهو حق منصور في صورة خلقية، أو خلق متحقق بمعاني الإلهية، فعلى كل حال وتقدير وفي كل مقال وتقرير هو الجامع لوصفي النقص والكمال، والساطع في أرض كونه بنور شمس المتعال، فهو السماء والأرض، وهو الطول والعرض، وفي هذا المعنى قلت: لي الملك في الدارين لم أرى فيهما ** سواي فأرجو فضله أو فأخشاه ولا قبل من قبلي فالحق شأنه** ولا بعد من بعدي فأسبق معناه وقد حزت أنواع الكمال وإنني ** جمال جلال الكل ما أنا إلا هو فمهما ترى من معدن ونباته ** وحيوانه مع أنه وسجاياه ومهما ترى من عنصر وطبيعة ** ومن هباء الأصل طيب هيولاه ومهما ترى من أبحر وقفاره**ومن شجر أو شاهق طال أعلاه ومهما ترى من صورة معنوية ** ومن شهد للعين طال محياه إلى أن يقول:

стр. 145

فإني ذلك الكل والكل مشهدي** أنا المتجلي في حقيقته لا هو " (ص٣١) ويشرح الجيلي هذا المعنى المجمل تفصيليًا في الباب الستين من كتابه فيقول بالنص: الباب الملفى ستين: في الإنسان الكامل وأنه محمد ﷺ وأنه مقابل للحق والخلق. " اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الكنيسة مكان العبادة عند النصارى. والمعنى المشار إليه هنا أنه يوصف بالشيء ونقيضه كما قال فريد الدين العطار: وما الكلب والخنزير إلهنا ** وما الله إلا راهب في كنيسة. فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ﷺ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم الأعلى الحقيقة المحمدية. ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي ـ رضي الله ـ عنه قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر غير منكور وهو كما يرى النائم فلان في صورة فلان. وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به اليقظة ما يسوغ به في النوم، ولكن بين النوم والكشف فرقًا وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم لا يوقع اسمها
следующие страницы →