← Акыда

Акыда · id 11545

الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (469 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قلبه، وكذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل. . رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيًا عبد فيها، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه (الهوى) كما قال: ﴿أفرءيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا به. . ولا يعبد هو إلا بذاته، وفيه أقول: وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى " (الفصوص ص١٩٤) ثم يقول بعد ذلك: " والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهًا مع اسمه الخاص بحجر أو شجر، أو حيوان أو إنسان، أو كوكب أو ملك " (الفصوص ص١٩٥) . ثم جعل ابن عربي بعد ذلك كفار قريش الذين تمسكوا بآلهتهم الباطلة قائلين ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] . غير منكرين لله، بل متعجبين لأنهم وقفوا مع كثرة الصور، ونسبوا الألوهية إليها، ثم يزعم أن الرسول محمد ﷺ قد جاء داعيًا لهم إلى إله يعرف، ولا يشهد. . ثم يصف ابن عربي هذا الإله قائلًا: " فدعا (أي الرسول محمد ﷺ ) إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة. . ولا يشهد ولا تدركه الأبصار، للطفه وسريانه في أعيانه الأشياء، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة، وهو اللطيف الخبير، والخبرة ذوق، والذوق تجل، والتجلي في صور فلا بد منها، ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت. . " ا. هـ ثم يقول مستهزئًا بعقول الجاهلين: ﴿وعلى الله قصد السبيل. .﴾ [النحل: ٩] . وأظنك أيها القارئ قد فهمت الآن العقيدة التي دعا إليها ابن عربي

стр. 72

والإله الذي تخيله، وهو ما زعم أنه الروح الذي يسري في جميع الموجودات، بل الموجودات هي صورته الظاهرة. . وهي عينه (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) ولم يكتف أن ينسب هذا إلى نفسه، ومن شايعه، بل زعم أن هذه هي عقيدة موسى وعيسى ومحمد، بل وجميع الأنبياء والمرسلين الذين عرفوا الأمر على حقيقته، وأن الرسول قد أعطاه هذا الكتاب، ليخرج به على الناس ليبلغهم الدين الحق، والرسالة الصحيحة، وأنه نقل فقط، وما تصرف في شيء، بل سار في حدود ما أمر به، ولم يزد حرفًا واحدًا. ٤ ـ ولم تستطع عقبة أن تقف أمام ابن عربي لترده إلى صوابه، وليعلم العقيدة الحقة، ولكنه مضى في شوط التلبيس والتخطيط إلى منتهاه. وكانت من هذه العقبات العقيدة في النار: جهنم التي أعدها الله للكافرين، والتي يصطرخون بها: ﴿ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] . والتي يتمنون فيها الموت، بل يكون هو منتهى آمالهم وغاية مطلبهم ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] . فيرد عليهم مالك قائلًا ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧] ، جهنم التي يدعو أهلها على أنفسهم بالويل والثبور، ويرد الله عليهم قائلًا: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] لأنه لا استجابة لهم، ولا خروج منها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وآيات كثيرة في وصف جهنم، وبشاعتها وحرقتها، وعذاب أهلها بها، كل هذه الآيات لم تمنع ابن عربي الذي حكم لقوم نوح بالمعرفة والإيمان، ولقوم فرعون ولكفار مكة كذلك، بل لكل كافر على الأرض أنه ما عبد إلا الله في صورة من الصور، أقول: كذلك هذه الآيات لم تمنع ابن عربي أن يحكم لأهل النار بالنعيم المقيم، والسعادة والهناء.

стр. 73

وأين ذلك؟ . . في النار نفسها، هذه النار التي وصفها الله بما وصف، ووصف أهلها بما وصف. . هذه النار دار سعادة عند ابن عربي، لا دار شقاوة وعذاب، بل دار عذوبة وهناء. وهاك نص عبارته في ذلك: " وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ** على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد، فالأمر واحد** وبينهما عند التجلي تباين يسمى عذابًا من عذوبة طعمه** وذاك له كالقشر والقشر صاين (الفصوص ص٩٤) فانظر كيف جعل نعيم النار كنعيم الجنة، لأن الأمر واحد في زعمه، وأن العذاب من العذوبة، وأن النار قشرة تخفي وراءها النعيم المقيم لأهل النار. ويقول أيضًا: " فمن عباد الله من تدركه تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه إنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم، إما بفقد ألم كانوا يجدونه، فارتفع عنهم، فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم. . أو أن يكون النعيم مستقلًا زائدًا كنعيم أهل الجنان والله أعلم ". انتهى (الفصوص ص١١٤) . ومع أنه تناقض هنا مع ما قرره في أبياته السابقة، وقال: يكون النعيم لأهل النار بفقد آلام سابقة، أو بحصول لذة ومتاع بالنار كنعيم الجنة و (أو) تقتضي الشك، ولذلك قال: والله أعلم، مع العلم أنه قال في مطلع الكتاب وفي ثناياه أنه ينقل عن الله بلا زيادة ولا نقصان. . فانظر هذا التهافت والتخبط والعمى. . نعوذ بالله من الخذلان. أقول مع هذا يعود ويقرر دون شك أن النار ستكون بردًا وسلامًا على أهلها، كما كانت نار إبراهيم بردًا وسلامًا عليه، يقول في (الفصوص ص١٦٩) : " وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار. . إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم، فينعم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه ﵇ تعذب برؤيتها.

стр. 74

وبما تعود في علمه، وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان " ا. هـ. ٥ ـ أظنك أيها القارئ الكريم قد عرفت الآن فرعيات هذه العقيدة الصوفية الباطلة، ولمزيد من هذه المعرفة والتوضيح سأنقل إليك بيانًا واضحًا من كلام ابن عربي أو الشيخ " الأكفر أو الأكبر " كما يسمونه، مما تتصور به هذه العقيدة، ويكفي في إبطالها أن تتصورها، فهذه العقيدة لا تحتاج إلى رد يبطلها، وإنما تصورها تصورًا صحيحًا يكفي لبطلانها. فما عرف البشر في تاريخهم الطويل كفرًا وإلحادًا أعظم من هذا الكفر؛ فإن الله ﵎ استعظم مقالة من قالوا: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ [البقرة: ١١٦] . عن ذلك قائلًا: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ [الكهف: ٤ ـ ٥] . وقال جل وعلا: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٨٨ ـ ٩٥] . فإذا كانت السماوات تكاد تنفطر من تلك المقالة الخبيثة، بل وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا، فكيف بمن ينسب كل شيء خبيث في الأرض إلى ذات الله، بل جعله عين الله؟ ! . . فالذين نسبوا لله ولدًا نسبوا شيئًا صالحًا كنبي أو ملك، أما الذي جعل الله عين كل شيء. . أقول: إن تصور هذه العقيدة يكفي لبطلانها عند من له أدنى حس أو شعور، ولا أقول عقل ولب، فالقضية لا تحتاج معقولية لردها، وإنما تحتاج قليلًا من الإحساس والشعور، والحياء والخجل، وقد لبّس هؤلاء الشياطين على الناس زاعمين أن كلامهم لا يفقهه إلا من ذاق ذوقهم، ووجد وجدهم، وعرف معرفتهم، هأنا ذا أعطيك مفاتيح هذه المعارف الباطلة، والذوق الخبيث، والوجد اللعين، لتعرف الأمر عندهم على ما هو

стр. 75

عليه، ولذلك فسأسرد لك طائفة أخرى من الشرح التفصيلي لهذه العقيدة، وكل هذا الشرح من كلام القوم حتى لا يبقى عندك في الحق لبس، ولتعلم أيضًا أن من زعم منهم أن هذا الكلام المنقول عن أساتذة الضلال إنما هو شطح فقط، وغلبة حال فزعمه باطل، لأن الأمر ليس شطحًا، وإنما هو عقيدة فلسفية مقررة مشروحة في عشرات الكتب، وأن كل آي القرآن قد حرفوها واستدلوا بها، ليغيروا عقيدة المسلمين الحقة في إلههم ، الذي يتصف بصفات الكمال، والذي لا يشبه أحدًا من خلقه، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولمن يكن له كفوًا أحد. يقول ابن عربي شارحًا عقيدته مستدلًا عليها بالحديث الموضوع: " من عرف نفسه عرف ربه " قال: " قال ﵇: " من عرف نفسه عرف ربه "، وهو أعلم الخلق بالله، فإن بعض الحكماء وأبا حامد ادعوا أنه يعرف الإله من غير نظر في العالم، وهذا غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية، لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه، فهو الدليل عليه، ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس سوى تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا، ثم يأتي الكشف الآخر، فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا " ا. هـ (الفصوص ص٨١، ٨٢) . فهنا قد أنكر ابن عربي على أبي حامد وبعض المتصوفة الآخرين الذين قالوا: إن الحق لا يشترط لمعرفته النظر في الكون، بل قد يأتي ذلك عن طريق الكشف رأسًا دون استدلال بالكون المشاهد على الخالق . وقال ابن عربي: " إن هذا لا يكفي إلا لمعرفة ذات قديمة أزلية، ولكن لا بد من النظر في الكون لتعلم أن الذي تشاهده هو الحق، وهو الدليل على الحق، أي أن الصور المشاهدة في الكون هي الله، وهي الدليل عليه، ثم يأتي بعد ذلك الكشف الآخر الذي يتحقق الإنسان فيه من نفسه أيضًا بأنه نفسه صورة من صور الحق، فعند ذلك يعرف نفسه، فيعرف ربه، يعرف نفسه أنه

стр. 76

الله، فيعرف الله أنه كل موجود. . " ولم يكتف ابن عربي بأن يتبع أسلوب الثعالب في اللف والدوران والمراوغة، بل اتبع أيضًا أسلوب الاستفزاز لكل مؤمن، والنيل من عقيدة الإسلام بكل احتقار واستهزاء، ويدلك على ذلك أن اسم الله (العلي) يفهم منه سلف الأمة وعلماؤها الأفاضل أن المقصود به العلو الحقيقي المستلزم مباينته تعالى لخلقه، والعلو المجازي الذي هو علو المكانة، فالله علي بذاته لأنه فوق عرشه، والعرش سقف المخلوقات كما مدح نفسه بذلك في سبع آيات من كتابه الكريم، وكما قال مالك بن أنس: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة "، وأما المكانة فمنزلة الله فوق كل منزلة، فهو العلي العظيم ، والخالق القوي القدير، وما سواه معبود مربوب مقهور، فحتى العلماء الذين نفوا عن الله العلو الحقيقي، وأثبتوا علو المكانة فقط ما نفوا عن الله هذه الصفة، ولكن انظر إلى ابن عربي كيف فهم هذه الصفة، وطبقها حسب عقيدته الباطلة: قال (الفصوص ص٧٦ ـ ٧٧) : " ومن أسمائه الحسنى العلي، على من. . وما ثم إلا هو؟ فهو العلي لذاته. أو عن ماذا. وما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى المحدثات هي العلّية لذاتها، وليست إلا هو، فهو العلي، لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمت رائحة من الوجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات، والعين واحدة من المجموع في المجموع، فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية، وليس إلا العين الذي هو الذات فهو العلي لنفسه لا بالإضافة، فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة لكن الوجوه الوجودية متفاضلة، فعلو الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة، لذلك نقول في: هو لا هو، أنت لا أنت، قال الخراز (﵀ تعالى) وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن،

стр. 77

فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات ". فانظر استهزاءه باسم الله (العلي) حيث يقول: على من؟ وعن ماذا؟ وليس في الوجود غيره، فهو المحدثات، بل هو المسمى أبو سعيد الخراز، وأبو سعيد هذا أحد أئمة القوم في القرن الثالث الهجري. . وانظر كيف جعلوا العلو إنما هو لبعض المحدثات على بعض، وما دام أن جميع المحدثات هو الحق، وهو الله عندهم، فلا يوصف الله بالعلو إضافة أبدًا، لأنه ليس شيء غيره في الكون، ولكن يوصف ـ عندهم ـ بالعلو لذاته فقط. ولا يتورع ابن عربي مع ذلك أن ينسب ما في الوجود من شر وقبائح وظلم وسفك دم إلى الله، بل يجعل كل ذلك هو الله فيقول: " فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية، حيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة " (الفصوص ص٧٩) . فانظر كيف جعل مسمى الله يستغرق جميع الأمور الوجودية، سواء كانت ممدوحة في العرف والعقل والشرع، أم كانت مذمومة في العرف والعقل والشرع، وليس هناك كفر على الأرض أكبر من هذا الكفر، بل ليس هناك وقاحة وسوء أدب مع الله أعظم من هذا، فاللهم رحمتك بنا ونقمتك بأولئك، أبعدهم الله. . ولقد كرر هذا المعنى كثيرًا في كتابه فقال أيضًا: " ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات، وأخبر بذلك عن نفسه وبصفات النقص وبصفات الذم؟ " (الفصوص ص٨٠) . ولم يكتف بهذا القول المجمل، بل فصل ذلك أيضًا حيث جعل الكبش الذي أنزله الله فداءً لإسماعيل من الذبح هو الله ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.

стр. 78

قال ابن عربي: فيا ليت شعري كيف ناب بذاته** شخيص كبيش عن خليفة رحمان (الفصوص ص٨٤) . فوقتًا يكون العبد ربًا بلا شك** ووقتًا يكون العبد عبدًا بلا إفك فإن كان عبدًا كان بالحق واسعًا** وإن كان ربًا كان في عيشة ضنك (الفصوص ص٩٠) بل لم يكتف بهذا أيضًا حتى زعم أن الحق لا يشهد أتم شهود، ولا يعرف حق المعرفة إلا في المرأة. . حال اللذة والشهوة. . وهاك نصوص عباراته القبيحة في ذلك، ووالله لولا وجوب بيان هذا الباطل وتحذير الأمة منه ما كان لي أن أخط قلمًا بهذا الإثم والفجور، ولكن ما حيلتنا وبين أظهرنا من يدافع عن هذا الباطل، ويعتقد الولاية لقائليه، بل ويكفّر من تعرض لهذا الإثم والفجور، ويرميهم بالكفر والزندقة، وهؤلاء الضالون قد ملؤوا أكبر المراكز الدينية في بلادنا، واتبعهم عوام الناس دون وعي منهم بما خلف هذه العمائم الفارغة، والشهادات الزائفة من الإثم والفجور والباطل؟ ! هذا ابن عربي سيد الصوفية وشيخها من لدنه إلى هذا يفسر حديث الرسول ﷺ : (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) فيقول: " اشتق الله من الإنسان شخصًا على صورته سماه امرأة، فظهرت بصورته فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه، وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه، فحببت إليه النساء، فإن الله أحب من خلقه على صورته، وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم، وعلو نشأتهم الطبيعية، فمن هناك وقعت المناسبة والصورة أعظم مناسبة، وأجلها وأكملها " (الفصوص ص٢١٦) . وقبل أن نستطرد في النقل عن ابن عربي أشرح لك الإفك الذي أفكه

стр. 79

هنا، فقد زعم أن الإنسان أحب المرأة، لأنها جزء منه ولا مانع في ذلك، وقد يكون هذا قولًا صحيحًا، ثم قاس على هذا أن الله أحب الإنسان لأنه خلقه على صورته، يعني أن ابن آدم ظهر في الوجود على صورة الرحمن، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فكان ابن عربي مشبهًا لله بخلقه أيضًا، وهذا القول منه يخالف عقيدته السابقة في وحدة الوجود، وأن جميع الموجودات هي صورة للحق، ولا تنفرد صورة واحدة بأن تكون مثلًا للخالق بل جميع الصور ذاتها ذات الخالق، وهذا يدلك على تناقضه وخبثه وثعلبيته، ويجعل السبب الذي من أجله أحب الله الإنسان أن الصورة التي خلق عليها هي أعظم مناسبة وأقرأ عبارته السابقة مرة أخرى حتى تفهم ما يقول. ثم يستطرد ابن عربي شارحًا ومفلسفًا عقيدته قائلًا: " فإنها زوج (أي صورة الإنسان آدم) أي شفعت وجود الحق كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل، فصيرته زوجًا، فظهرت الثلاثة: حق ورجل وامرأة! ! ! فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه، فحبب إليه ربه النساء، كما أحب الله من هو على صورته، فما وقع الحب إلا لمن تكوّن عنه، وقد كان حبه لمن تكوّن منه، وهو الحق، فلهذا قال (حبب) ولم يقل (أحببت) من نفسه، لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب الله إياه تخلقًا إلهيا ") ا. هـ. فانظر كيف جعل حب الرجل للمرأة من التخلق بأخلاق الله في زعمه، لأن الله قد أحب محمدًا الذي خلقه على صورته (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) ، ولأن محمدًا هو أول موجود حسب عقيدة ابن عربي. ثم يستطرد ابن عربي في عباراته الوقحة الكافرة القبيحة قائلًا: " ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية الوصل التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغيره! ! فطهره بالغسل، ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، إذ لا يكون إلا

стр. 80

ذلك، فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودًا في منفعل، وإذا شاهد في نفسه ـ من حيث ظهور المرأة عنه ـ شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكوّن عنه كان شهوده في منفعل عن الحق بلا وساطة، فشهوده للحق في المرأة أم وأكمل. . ولأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل. . ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة، فلهذا أحب الرسول ﷺ النساء، لكمال شهود الحق فيهن. . إذ لا يشهد الحق مجردًا عن المواد أبدًا. . " (الفصوص ص٢١٧) . وأظن ليس بعد هذا الكلام كلام، وليس بعد هذا البيان بيان، ولا يملك المسلم الذي عصمه الله من هذا التردي الخلقي والعقلي إلا أن يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك) . ويستطرد ابن عربي مقررًا هذا المعنى شارحًا له بمثل هذه العبارات: " فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله. . ". وقائلًا أيضًا: " فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي ". وقائلًا بعد هذا أيضًا: صح عند الناس أني عاشق ** غير أن لم يعرفوا عشقي لمن (الفصوص ص٢١٨)

стр. 81

الفصل السادس: طريقة المتصوفة في الإعراب عن عقيدتهم الباطنية مع بداية القرن الثالث الهجري ابتدأ المتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض، فهذا الجنيد يقول للشبلي: " نحن حبرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ " فرد عليه الشبلي بقوله: " أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري " (التعرف على مذهب التصوف ص١٤٥) . وقول الشبلي هذا هو بدايات القول بوحدة الوجود. ثم ابتدأت جماعة من المتصوفة تصرح بشيء من هذا العلم الباطن الذي لم يكن في حقيقته إلا القول بالحلول، الفناء في ذات الله الذي تقول به العقيدة الهندية البرهمية، والقول بوحدة الوجود، وكان هذا في نهاية القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع. وهذه طائفة من هذه الأقوال التي ظهرت على أفواه القوم، وكانت تخفي تحتها العقيدة الباطنة التي زعموا أنها في منتهى الكمال والرقي في سلم التعبد الإسلامي. أـ ذكر أبو نصر السراج الطوسي صاحب كتاب اللمع في التصوف، وهو الكتاب الذي نشره الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور أن أبا حمزة الصوفي دخل دار الحارث المحاسبي فثغت (ثغاء الشاه: صوتها) شاة الحارث، فشهق أبو حمزة شهقة وقال: " لبيك يا سيدي "! ! فأنكر عليه الحارث المحاسبي، فقال له أبو حمزة: إن إنكارك علي يشبه أحوال المريدين المبتدئين " (اللمع في التصوف ص٤٩٥) أي الذين لم يصلوا بعد إلى التحقق من وحدة الوجود. ب ـ وهذا أبو الحسين النوري يسمع كلبًا يعوي فيقول: " لبيك

стр. 82

وسعديك " (اللمع ص٤٩٢) . ج ـ وهذا الشبلي أيضًا يقول لأحد زواره عند خروجه: " أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي ". د ـ وكان من أجرأ هؤلاء الذين صرحوا بهذا العلم الباطن الحلاج وقبل أن أستشهد بشيء من أقواله أحب أن أقدم هذه المقدمة عنه: نشأ الحلاج في أواخر القرن الثالث الهجري، وهو من أهل بيضاء فارس، ونشأ بواسط بالعراق، وصحب الجنيد الذي يعتبر سيد الطائفة الصوفية، وأبا الحسين النوري والفوطي، وقد قتل ببغداد، وصلب يوم الثلاثاء السادس من ذي القعدة سنة تسع وثلاث مئة وعموم المتصوفة راضون عنه، وإن كان قد رده بعضهم بعد قتله خوفًا على أنفسهم، ولكن ذكر الأقدمون منهم أقواله في كتبهم دون ذكر اسمه، بأن يقولوا مثلًا: قال أحد الكبراء (وهذا صنيع أبي بكر محمد الكلاباذي الذي ألف الموسوعة الصوفية الثانية بعد اللمع، وهو كتابه (التعرف على مذهب أهل التصوف) وكذلك صنيع السراج الطوسي صاحب الموسوعة الصوفية الأولى (اللمع) وقد استشهد بكلام الحلاج في أكثر من خمسين موضعًا من كتابه مصدرًا القول بقوله: قال بعضهم، أو قال القائل) (انظر مقدمة كتاب الحلاج ص١١) ولم يستطيعوا التصريح باسمه، وهذا صنيع أكبر رجلين كتبا في التصوف في القرن الرابع، وهما أبو بكر محمد الكلاباذي المتوفي سنة ٣٨٠هـ ـ وأبو نصر السراج الطوسي المتوفي سنة ٣٧٨هوقد بالغت طائفة منهم بالثناء عليه حتى قال عنه محمد بن خفيف: " الحسين بن منصور عالم رباني " (طبقات الصوفية ص٣٠٨) . وفي القرن الخامس وما يليه ابتدأ المتصوفة يصرحون باسمه، ويذكرون مقالاته، ويشهدون بفضله وسعته، فقد أشاد به أبو حامد الغزالي، وابن عربي، وعبد الغني النابلسي وكل المتصوفة منذ القرن الخامس. وأما في العصر الحديث فقد كتب فيه طه عبد الباقي سرور كتابًا بعنوان: (الحلاج شهيد التصوف الإسلامي) وقد جعله في هذا الكتاب ثائرًا على الفساد، ومصلحًا إجتماعيًا، وداعية إسلاميًا إلى الله .

стр. 83

وبعد هذه المقدمة أعود إلى سياق البحث، وهو أن أجرأ الناس في إظهار العقيدة الباطنية للفكر الصوفي كان الحسين بن منصور الحلاج، وهذه الجرأة هي التي أدت بعد ذلك إلى القتل والصلب، ولقد كان هناك من المتصوفة من هم على عقيدته ولكنهم كتموا. يقول الشبلي: " كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهر وكتمت " (الحلاج لطه عبد الباقي سرور) ، ومن أبرز ما صرح به الحلاج عن المعتقد الباطن للتصوف ما أنقله بنصه عن كتاب الطواسين للحلاج (نشر لويس ماسنيون) قال الحلاج (طاسين الأزل والالتباس) . " ما صحت الدعاوي لأحد إلا إبليس وأحمد، غير أن إبليس سقط عن العين، وأحمد كشف له عن عين العين، قيل لإبليس: اسجد، ولأحمد: انظر. هذا ما سجد وأحمد ما نظر، ما التفت يمينًا ولا شمالًا، ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] . أما إبليس فإنه دعا لكنها ما رجع عن حوله، وأحمد ادعى ورجع عن حوله بقوله: (بك أحول وبك أصول) وبقوله: (يا مقلب القلوب) وقوله: (لا أحصي ثناء عليك) . وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغير عليه العين، وهجر الألحاظ في السير، وعبد المعبود على التجريد، ولُعن حين وصل إلى التفريد، وطُلب حين طلب المزيد. فقال له: (اسجد) قال: " لا غير " قال له: (وإن عليك لعنتي) قال: " لا غير "، مالي إلى غيرك سبيل، وإني محب ذليل، قال له: (استكبرت) قال: لو كان لي معك لحظة لكان يليق بي التكبر والتجبر، وأنا الذي عرفتك في الأزل (أنا خير منه) لأن لي قدمة في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك، ولي فيك إرادة، إرادتك في سابقة، إن سجدت لغيرك، فإن لم أسجد لا بد من الرجوع إلى الأصل، لأنك خلقتني من النار، والنار ترجع إلى النار، ولك التقدير والاختيار، تيقنت أن القرب والبعد واحد! ! " ثم يستطرد الحلاج قائلًا: " التقى موسى وإبليس على عقبة الطور، فقال له: يا إبليس ما منعك

стр. 84

عن السجود؟ قال: منعني الدعوة بمعبود واحد، ولو سجدت له لكنت مثلك، فإنك نوديت مرة واحدة. . انظر إلى الجبل. . فنظرت، ونوديت أنا ألف مرة أن أسجد فما سجدت لدعواي بمعناي، فقال: تركت الأمر؟ قال: كان ذلك ابتلاء لا أمرًا، فقال له: لا جرم قد غير صورتك. قال: يا موسى ذا وذا تلبيس، والحال لا يعول عليه فإنه يحول، لكن المعرفة صحيحة كما كانت وما تغيرت وإن الشخص قد تغير. فقال موسى: الآن تذكره؟ فقال: يا موسى الفكرة تذكر، أنا مذكور وهو مذكور، ذكره ذكري، وذكري ذكره، وهل يكون الذاكرون إلا معًا. خدمتي الآن أصفى، ووقتي أخلى، وذكري أجلى، لأني كنت أخدمه في القدم لحظي، والآن أخدمه لحظِّه ". ثم استطرد بعد ذلك قائلًا: " وفي أقوال عزازيل (زعم المتصوفة أن إبليس كان يسمى عزازيل قبل أن يطرد من رحمة الله) أحدها أنه كان في السماء داعيًا وفي الأرض داعيًا: في السماء دعي الملائكة بربهم المحاسن، وفي الأرض دعا الإنس بربهم القبائح، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ". وفي هذه الصياغة الطويلة لمعصية إبليس تستطيع الآن أن تلم بملامح العقيدة الصوفية الباطنية، ونستطيع أن نلخصها على النحو التالي: ١ ـ أعبد الناس في كلام الحلاج هو إبليس والرسول ﷺ وانظر كيف ينظمها عدو الله في سلك واحد، ثم يستدل على ذلك بأن إبليس أمر بالسجود فلم يسجد، والذي منعه من ذلك هو مشيئة الرب فيه وجبر الرب له. وتحققه أن لا موجود إلا هو، وأن القرب والبعد من الرب واحد، لأنه ليس على الحقيقة إلا الله، وأن إبليس قد كان داعيًا للملائكة إلى المحاسن، بإقامة الله له، وفي الأرض إنما هو داع إلى القبائح، وما هو في الحقيقة إلى قائم بمراد الرب ومشيئته. وأما الرسول ﷺ وحاشاه ـ فقد أصبح أعبد الناس عند الحلاج ـ وهذا

стр. 85

من التلبيس ـ لأن الله أمره في السماء أن ينظر إليه، فما نظر، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] . والآية في أن رسول الله ﷺ قد رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وأن البصر ما زاغ ولا طغى، وهو ينظر إلى جبريل (فانظر كيف حول الحلاج الآية عن معناها، وأن المقصود بها هو: ما زاغ البصر أي ما نظر إلى الله، لأنه ليست هناك ذات مستقلة لله ﵎ في زعم الصوفية، بل ذاته هي ذات موجوداته. انظر هذا في كلام النابلسي الآتي) . وأما الدليل الآخر الذي ساقه الحلاج، فهو قول الرسول ﷺ : (اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقول) (هو جزء محرف من حديث رواه أبو داود في (سننه ٢٦٣٢) عن أنس بن مالك، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: (اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أجول، وبك أصول، وبك أقاتل) وصحح إسناده أستاذنا الألباني في (تخريج الكلم الطيب ص٧٥) كما رواه ببعض اختصار الترمذي (٢/٢٧٨) وحسنه، وأحمد (٦/١٦)) والمعنى الذي هو مراد الرسول ﷺ هو معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا يستطيع أحد أن يفعل خيرًا، أو يوفق إلى خير إلا بحول الله وقوته ولكن الحلاج قلب هذا المعنى إلى عقيدته الخبيثة في الرب جل وعلا، وجعل معناها أن الرسول قال ذلك لأنه كان متحققًا أنه هو هو، أي أنه هو الله! ! . وأما موسى في نظر الحلاج فلم يكن على معرفة بحقيقة الرب، ولذلك قال له: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣] . ولقد كان من الجرأة بمكان أن يظهر الحلاج دعوته وعقيدته على هذا النحو من الصراحة والوضوح، ولقد كان يعاصره عدد كبير من المتصوفة في العراق وإيران والشام، ولكنهم قنعوا بالإشارات والرموز إلى عقيدتهم، ولم يقنع هو إلا بالتصريح، وقد سمى هو هذا المقام الذي وصل إليه مقام الفتوة، وفي ذلك يقول: " تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة (الفتوة التي عناها الحلاج هنا هي الجرأة في إظهار معتقده، وأستاذه في ذلك كما يقول إبليس وفرعون! !) ، فقال إبليس: إن سجدت سقط

стр. 86

عني اسم الفتوة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة، وقلت أنا أيضًا: إن رجعت عن دعواي وقولي سقطت من بساط الفتوة! ! وقال إبليس: أنا خير منه، حين لم ير غيره غيرًا، وقال فرعون: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨] . حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل! ! وقلت أنا: إن لم تعرفوه فاعرفوا آثاره، وأنا ذلك الأثر، وأنا الحق لأني ما زلت أبدًا بالحق حقًا! ! فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطة أبدًا، وإن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي ورجلاي، ما رجعت عن دعواي " (الطواسين ص٥٢) . وهذا الذي وصل الحلاج إليه قد كان عقيدة لكثير من معاصريه، ولكنهم لم يستطيعوا التصريح به بنفس الوضوح والصراحة التي صرح بها الحلاج، يقول الشبلي: " كنت والحسين بن منصور شيئًا واحدًا إلا أنه أظهر وكتمت " وقد مرّ بك هذا القول. ولقد حاول الحلاج أن ينقل عموم المتصوفة إلى موقفه، ولذلك لم يفتأ يحركهم نحو هذه الغاية، ففي الرسالة القشيرية أنه لقي إبراهيم الخواص فقال له الحلاج: ماذا صنعت في هذه الأسفار، وقطع هذه المفاوز؟ قال: بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه. فقال الحلاج: أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد! ! ويدخل الحلاج مسجد بغداد، ويرى الجنيد يتكلم على المنبر والجنيد سيد الطائفة في وقته فيقول له: يا أبا القاسم إن الله لا يرضى من العالم بالعلم حتى يجده في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل، فنزل الجنيد ولم يتكلم على الناس شهرًا (أخبار الحلاج طبع ماسنيون) . وهذا القول من الحلاج للجنيد إنكار شديد عليه، وأمر له بأن يظهر ما يعتقده، وبأن يتحقق ظاهرًا فيما تحقق فيه باطنًا. وهذا معنى قوله: " فإن

стр. 87

كنت في العلم فالزم مكانك " أي إن كنت قد وصلت إلى حقيقة معتقد التصوف فالزم هذا المكان، وأظهر ما تعتقد. والحلاج هنا لم ينكر على الجنيد معصية شرعية ظاهرة، ولكنه أنكر عليه إظهاره من علوم الشريعة للعامة ما يخالف ما وصل إليه من عقيدة التصوف، ولذلك احتجب عن الناس شهرًا لا يكلمهم، ولم يستطع الجنيد أن يظهر ما أظهر الحلاج، لأنه كان يعلم نهاية الإفصاح عن حقيقة المعتقد. ولذلك روى أبو عبد الرحمن السلمي في طبقاته في ترجمة الشبلي أن الجنيد قال للشبلي " لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت " فقال الشبلي: " يا أبا القاسم لو ردّ الله أمرك إليك لاسترحت " فقال الجنيد: " سيوف الشبلي تقطر دمًا! ! " (الطبقات ص٣٤٣) . والمعنى الذي عناه الجنيد في كلامه للشبلي أنه إذا استسلم لأمر الله، واسترسل معه كما يقولون: التصوف الاسترسال مع الله (يعني المتصوفة بهذا القول أن لا يكون لك اختيار وفعل، بل تترك مشيئة الرب تسيرك، وهذا معناه هدم الإرادة البشرية وترك الوسائل كلها) أي ترك الاختيار معه لاسترحت وهدأت. فرد الشبلي عليه بعكس العبارة وبالمعنى نفسه! ! ومعنى عبارة الشبلي أن الله قد جبر العبد وأقامه بما هو فيه، ولم يردّ أمره إليه، بل جعل أمر العبد إليه هو، ولو رد أمر العبد إلى نفسه لاستراح، واختار ما يحلو له. وكانت عبارة الشبلي للدلالة على المعنى أصرح من عبارة الجنيد، ولذلك قال الجنيد ردًا على ذلك: سيوف الشبلي تقطر دمًا. أي أنه بهذا التصريح عن معتقده سيعرض نفسه للقتل! ! ومما يدل على ذلك أن الحلاج عندما أحضر للقتل والصلب جمعت المتصوفة، وأرغموا على النيل من الحلاج وسبه، وكان ممن أحضروا لذلك الشبلي، وضعوا المنديل في رقبته، وسحبوه إلى الحسين بن منصور الحلاج

стр. 88

ليلعنه فتأبى من ذلك، فأمره الجند بأن يذهب بنفسه أو يرسل من يلعن الحلاج، فأرسل امرأة متصوفة، وأمرها أن تقول للحلاج: إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته؛ فأذاقك طعم الحديد! ! (ماسنيون. وانظر نشرات الصوفية) . وهذه الروايات كلها تدل على أن أفراد الطائفة في القرن الثالث الهجري كانوا على علم باطني واحد قد تفاوتوا في إظهاره وإعلانه! ! طريق الوصول إلى العلم الباطن ولقد ظن كثير من الناس أن هذا العلم الباطني كان نتيجة للصلاح والتقوى، والمداومة على التسبيح والذكر، فداوم على هذا وسار في طريقهم زمانًا عله يظفر بما يظفرون به، ولكنه لم يصل إلى شيء، من هؤلاء من يحدثنا عنه أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء يقول (ج٤ ص٣٥٨) : " حكي أن شاهدًا عظيم القدر من أعيان أهل (بسطام) كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يومًا: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئًا، وأنا أصدق به وأحبه! فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة! ! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزًا، واجمع الصبيان حولك، وقل. . كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك! ! فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك. . " سبحان الله " شرك! ! قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره. فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك. . إنك لا تقبل. .! . "

стр. 89

والعجيب أن أبا حامد الغزالي يعقب على هذه القصة بقوله: فهذا الذي ذكره أبو يزيد هو جزاء من اعتل بنظره إلى نفسه. فهذا الرجل الصالح الذي صام دهره وأقام ليله، يرجو الوصول إلى علوم القوم، وما جاءه خاطر، ولا مرّ به هاتف، تعجب من هذا وشكا إلى أبي يزيد، فقال له: لن تصل إلى شيء لأنك محجوب بنفسك. ومعنى ذلك أنه يرى أنه القائم بالعبادة فيرى نفسه عابدًا لله، وعقيدة الصوفية تعتقد أن الله قد أقامك فيها، وأنه اختارها لك، وتلك إرادته، ولا إرادة لك معه، وبالمقابل لا بد أن تعتقد أن الله قد أقام العصاة في معاصيهم، والكفرة في كفرهم، وإبليس في إغوائه (كما مرّ بنا في كلام الحلاج) ، وكذلك أيضًا قال أبو يزيد لذلك الرجل عندما قال: سبحان الله: سبحان الله شرك. ثم قال له: كيف؟ قال: لأنك نزهت نفسك عن فعل السوء، ولم تنزه الله الذي يفعل السوء ويريده، ويقيم الناس فيه، فقد عظم الرجل نفسه في عقيدة أبي يزيد وطائفته عندما امتنع عن عمل يقوم الله به ويريده ويحبه! ! ولهذا أمر أبو يزيد البسطامي ذلك الرجل ليصل إلى هذه الحقيقة الصوفية أن يفعل بنفسه ذلك الفعل المرعب، وبهذه الوسيلة التي تعتبر مجاهدة في عرف التصوف سيتحقق يقينًا بهذا العلم الباطني، وهو أن الكون على هذا النحو مراد لله سبحانه، ولذلك قالوا: " أقام العباد فيما أراد "! ! ولا شك أن الخطأ في فهم قضية القضاء والقدر قد جرت البلايا والفتن على كثير من الناس، والعياذ بالله، والسبب في ذلك أنهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين علم الله الأزلي ، وما سطره من مقادير الكون وفق هذا العلم، وأنه سبحانه يعلم ما سيكون كيف يكون، وبين الاختيار والمشيئة للعبد التي جعلها الرب ﵎ أساسًا ومناطًا للتكليف والحساب. فللعبد مشيئة خاصة يوقع بها الفعل الذي يريده، ولكنه لا يوقعه جبرًا على الله ورغمًا عنه " وسيأتي لقضية القضاء والقدر رسالة مستقلة إن شاء الله أرجو عون الله في إتمامها ". فالطاعة بتوفيقه وهدايته، والمعصية بإذنه سبحانه ومشيئته، إذ لا يقع في

стр. 90

ملكه إلا ما شاء، وهو القادر على منع الكافر من الكفر، والفاجر من الفجور، ولكنه الابتلاء والاختيار والتكليف: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا﴾ [يونس: ٩٩] ، وقد جعل الهداية حقًا عليه لمن جاهد في سبيلها، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وقال: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٦] . وجعل الضلال أيضًا ثمرة للسعي في طريقه، والحيدة عن هدى الله. قال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥] . وقال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠] . وقال : ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ [الزخرف:] . وقال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى: ٣٠] . إلى آخر الآيات التي تدل على أن الرب ﵎ لا يعجل الشر ابتداء، ولكنه يعاقب به جزاء، وسبحانه وتعالى أن يبدأ الإنسان بالشر، تعالى ربنا عن ذلك علوًا كبيرًا. فهؤلاء لم يفهموا هذه العقيدة الشرعية التي بينها الله في كتابه أتم البيان، وشرحها رسوله ﷺ غاية الشرح. ظنوا ـ وخابت ظنونهم ـ أن الشر والمعاصي والفجور مرادة الله ﵎ إرادة حب وقبول ورضى، فقالوا ما قالوا، ولم يعلموا أنها مرادة لله أن تقع في ملكه فقط، فليست تفعل من فاعليها رغمًا عن الله ، وعجزًا عن دفعها ومنعها، وحاشاه ربنا عن ذلك، ولكنها إرادة وقوع، ومشيئة إذن وسماح، ووراء ذلك كله العقوبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والمذمة واللعنة والطرد والإبعاد لأهلها، وحاشا الله أن ينسب هذا إليه [والشر ليس إليك] (هو جزء من حديث رواه مسلم في (صحيحه ـ ٦/٥٧ ـ ٥٩ بشرح النووي) وأبو داود (٧٦٠) وأحمد وغيرهم، وأوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا. .) وهو من أدعية استفتاح الصلاة المأثور عنه ﷺ ) .

стр. 91

أقول إن هؤلاء المتصوفة لما لم يفهموا هذه الحقيقة الشرعية، رأوا أن فعل الكفرة والفجرة موافق للرب في إرادته ومحبته، وكذلك قال الحلاج عن إبليس وفرعون: إنهما عرفا الحقيقة، وأنهما قائمان بأمر الله في ذلك، ولهذا ما سجد إبليس، وما آمن فرعون إلا بأنه هو الله، ولهذا أيضًا ما رجع هو عن قوله. والعجيب بعد هذا كله أن المتصوفة الذين جرهم سوء الفهم لقضية القضاء والقدر إلى هذه العقيدة الباطلة، والمعتقد السيء، زعموا أنهم وصلوا إلى هذا الفهم عن طريق الكشف والعلم اللدني والفيض الرحماني (العلم اللدني نسبة في زعمهم إلى قوله تعالى عن الخضر: ﴿وعلمناه من لدنا علما﴾ [الكهف: ٦٥] . وهو بمعنى الفيض عندهم، ويعنون بكل ذلك انفتاح علم الغيب وحقائق الدنيا والآخرة عليهم! !) ، وأن الله هو الذي أوحى إليهم بهذا. وبعد أن قدس المتصوفة الأقدمون علمهم الباطن على هذا النحو، وأظهره بعضهم بذلك الوضوح، وجعلوا علم الشريعة المنزلة على رسوله ﷺ علمًا خاصًا بالعوام، وجعلوا علمهم الباطني علمًا خاصًا بالخواص يتلقى رأسًا عن الله بطريق انكشاف حجاب الغفلة ـ في زعمهم ـ لم يكتف المتأخرون منهم بهذا التقسيم، بل غالوا إلى أن جعلوا علوم الشريعة مرحلة فقط لعلمه الباطني، وجزموا بأن من وقف عند علم الشريعة، وتقيد بظاهره فقط فلا ينجو من الآخرة، بل هو غافل عن دين محمد، شأنه شأن الكافرين. يقول الشيخ عبد الغني النابلسي (وهو كما ترجم له صاحب " الأعلام " من كبار العلماء المتأخرين، له مصنفات كثيرة جدًا في علوم الشريعة والتصوف والأدب، ولد ونشأ في دمشق، وتوفي بها سنة ١١٤٣هـ ـ يقول فيكتابه: " الفتح الرباني والفيض الرحماني ص١٣٣ ") : " فكل من اشتغل بالعلوم الظاهرة، ولم يعتقد أن وراء ما هو ساع في تعلمه من الفقه والحديث والتفسير حقائق وعلومًا باطنة، رمزها الشارع تحت ما أظهر من هذه الرسوم هي مقصودة له، لأنها المنجية عند الله تعالى، فهو غافل

стр. 92

عن الله تعالى، جاهل بدين محمد ﷺ داخل تحت قوله تعالى: ﴿يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخر هم غافلون﴾ " [الروم: ٧] . ا. هـ. وقد ساغ في كلام الشيخ كما ترى أن يستدل بالآية السابقة على أن علوم الشريعة من الفقه والحديث والتفسير، العلم بها كالعلم بظاهر الحياة الدنيا. والغفلة بها عن العلم الباطني كالغفلة بعلوم الدنيا وزخرفها عن حقائق الآخرة! ! . الذنب عند النابلسي لقد كتب الشيخ عبد الغني النابلسي هذا الكلام في كتابه الفتح الرباني، وقد قال في مقدمته: إنه يكتب كتابه هذا مترجمًا عن الإلقاء الرحماني له مباشرة، وبغير وساطة، فهو وحي أو إلهام أو كشف حسب ما يدعيه، قال النابلسي في تعريف الذنب حسب العلم الباطني: " اعلم أن الذنب له حقيقة متى علمت علم سره، ومتى علم سره علم جهره، وله حال ومقام، وله أقسام، وأنا أتكلم لك الآن في ذلك بحسب الوارد ترجمة عن الإلقاء الرحماني ". فالنابلسي عندما قرر في (ص١٣٣ من كتابه الفتح الرباني) أن علوم الشريعة لا تنجي وحدها من عذاب الآخرة، بل لا بد أن يدخل المتعلم إلى الحقائق والعلوم الباطنية التي ذكرت في الشريعة بالرمز فقط، ولم ينص عليها نصًا؛ وذلك لينجو من عذاب الله يوم القيامة، عندما قرر النابلسي كل ذلك فإنما قرره ترجمة عن الإلقاء الرحماني في زعمه، ولم يقرر ذلك إجتهادًا ورأيًا! ! ولعلك أخي القارئ تحب أن تقف على نماذج من هذا الإلقاء الرحماني على الشيخ عبد الغني النابلسي، لتعلم الحقيقة الباطنة التي أرادها الله، وأرادها رسوله ﷺ في زعم القوم ـ والتي تكلم الله ورسوله عنها بطريق الرمز في زعمهم، والتي فهمها وعقلها، بل نزل الفيض الرحماني والفتح الرباني بها على الشيخ عبد الغني النابلسي! ! يقول الشيخ في بيان حقيقة الذنب: " وأما الذنب بحسب باطن الأمر الإلهي المسمى الحقيقة فهو: الموافقة للرب

стр. 93

سبحانه وتعالى في شيء مما أراد بنفسه من نفسه بعد وصول التبليغ عن نفسه بنفسه إلى نفسه، ويرجع ذلك إلى تعيين وجود العبد " ا. هـ. (ونفسه) هذه التي تكررت في العبارة خمس مرات هي مضمون وحدة الوجود، فالله نفسه هو المريد، وما أراد شيئًا بغيره، وإنما أراد بنفسه، والمبلّغ عنه هو الرسول، وهو الله نفسه في زعمهم، والمبلغ إليهم هم البشر، وهم الله نفسه أيضًا ـ في زعمهم ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وحتى لا يظن القارئ أن تفسيري هذا تجن على الرجل أنقل نص عبارة الشيخ النابلسي في تفسيره للفقرة السابقة. يقول: " ما ثم إلا ذات وصفات، وصفات صفات، وهي الأفعال، ومنفعلات وهي العالم فالأول هو المعبود، والثاني الموصل إليه وهو الوساطة، والثالث هو العابد، والرابع هو العائق والمانع، والأول مرتبة الله تعالى، والثاني مرتبة محمد ﷺ والثالث مرتبة المؤمنين، والرابع مرتبة الشيطان، وهذه الأربعة في الحقيقة شيء واحد، لكنه تنزل وتفصل، فظهرت له هذه الأطوار وتعددت وجوداته " (الفتح ص٥١) . فهذا شرح واضح لوحدة الوجود التي ينقلها الشيخ عبد الغني النابلسي عن شيخه الأكبر ابن عربي، فليس في الوجود عندهم إلا الله، وهذه الموجودات المشاهدة جميعها صفاته، تعددت وتنوعت لتعرب عن الصفات الكثيرة التي يتصف بها الرب في زعمهم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وهو حسبنا ونعم الوكيل. فالمعبود والرسول والمؤمنون والشياطين كلهم بنص النابلسي شيء واحد، ولذلك فالذنب عند النابلسي هو " الموافقة للرب سبحانه " وهذا راجع بنص كلامه إلى " تعين وجود العبد ". ويشرح النابلسي " تعين الوجود " هذا بقوله: فمن تعين عنده وجوده مع الله تعالى ظاهرًا أو باطنًا فقد أفحش، وبغى وقال ما لم يعلم (كذا! !) وذلك لأن التعينات في الوجود الحادث إنما هي

стр. 94

لبيان امتياز المحضرات الصفاتية، لتنفصل مجملاتها، وتبين كمالاتها، وليست المغايرة أمرًا مقصورًا، وإنما لزمت من ظهور حقائق بعض الصفات كالغفور والحليم والمنتقم بوساطة تحقق الذنب. قال الجنيد: ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها، وأنا مار ببعض الطرقات منها: وإن قلت: ما ذنبي إليك؟ ** أجبتني: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب (الفتح ص٤٩) فالذنب عند النابلسي بمقتضى كلامه السابق هو أن يظن العبد أن له وجودًا مستقلًا عن وجود الله! ! ومن ظن ذلك فقد أفحش وبغى، وقال ما لم يعلم، واستدل على ذلك ببيت الشعر الذي سمعه الجنيد. ويبالغ النابلسي أكثر من ذلك، فيزعم أن حال الذنب هو القرب من الله، وليس البعد منه. ولذلك يقول بالنص: " فالمذنب في حال ذنبه أقرب إلى الله منه في حال طاعته "! ! الفرق بين الصديق والزنديق وقد أوضح النابلسي هذه العقيدة الباطنية أكثر من ذلك عندما عقد فصلًا مطولًا قارن فيه بين الزنديق والصديق، وكانت خلاصة هذا الفصل أن الزنديق من يرى أن كفره وفسقه صادر منه فقط، وأنه مستقل بهذا الكفر. وأما الصديق فهو من يرى أن كل أفعال العباد صادرة من الله سبحانه ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ وأن المؤمن والكافر والفاسق والبار ما هم جميعًا إلا مظاهر مختلفة لحقيقة الرب الموجود وحده، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣] ، فالمؤمن عنده والكافر من خلق الله، ولا فرق بين هذا وذاك، ومن عرف هذه الحقيقة فهو الصديق، ومن جهلها وظن أن الكافر يصنع كفره، ويخلق فعله، ويستقل

стр. 95

بأمر نفسه فهو الزنديق! ! . ويحسن أن أنقل كلامه في هذه المسألة بنصه حتى تتضح صورة هذه العقيدة الباطنية وضوحًا لا شك فيه. يقول الشيخ النابلسي: " واعلم أن الأديان كلها التي في العالم بالنسبة إلى المتدينين بها من الخلق تنقسم إلى قسمين: دين واحد حق وهو الإسلام، وأديان جميعها باطلة، وهي ما عدا دين الإسلام. وأما بالنسبة إلى الخالق فجميع الأديان الباطلة والصحيحة مخلوقة له تعالى، وهو خالقها، وقد قال تعالى: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون﴾ [آل عمران: ٨٣] ، أي انقادوا إليه طائعين في حق المؤمنين، ومكروهين، لأنه لا خالق غيره، في حق الكافرين. فمن نظر إلى ما يظهر من كلا الفريقين، وقال: إن جميع ذلك صواب وحق فهو الزنديق، ومن لم ينظر إلى ما يظهر من كلا الفريقين، وإنما نظر إلى يد الله العليا التي فوق أيديهم جميعًا، واعتقد أن جميع ما يصدر منها صواب وحق فهو الصديق، والفرق بينهما دقيق. لا يدرك إلا بعناية من الله تعالى وتوفيقه. فربما يظهر الصديق في حلية الزنديق، وربما يظهر الزنديق في حلية الصديق، وموقع النظر واحد، وهو الخلق. فمن نظر إلى الخلق وقال: إنهم كلهم على الصواب: فإما أن ينظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القديم، ويقول ذلك فهو الصديق. وإما أن ينظر إليهم من حيث ذواتهم ويقول ذلك فهو الزنديق. وسبب ذلك أن من نظر إليهم من حيث صدورهم عن الصانع القديم، فحكم بالتساوي بينهم، لأن الله تعالى يقول: ﴿ما ترى في خلق الرحمن

стр. 96

من تفاوت﴾ [الملك: ٣] ، (انظر كيف قطع النابلسي هذا المقطع من الآية عن موضعه، فبدل معناه، وموضعه هكذا: ﴿الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ [الملك: ٣] . والتفاوت المقصود هنا هو التفاوت في خلق السماوات والأرض، لا في فعل البشر، لأن كل عاقل يعلم أن فعل البشر متفاوت، فكم بين الإيمان والكفر من تفاوت! !) ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الرعد: ١٨] ، فلا يكلف إلى الفرق والتمييز حينئذ، وهو صادق في حكمه بذلك التساوي، لأنه مأمور بالإيمان بذلك. وأما من نظر إليهم من حيث ذواتهم، وما هم عليه من الأحوال، فحكمه بالتساوي بينهم خطأ محض وجهل. قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ [القلم: ٣٥: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص: ٢٨] . وإنما يكلف إلى الفرق والتمييز حينئذ، وهو كاذب في حكمه بالتساوي بينهم، قد يشتبه كلام الصديق بالزنديق، والقصد هو الفارق، ويعرف ذلك من كلام آخر في موضع آخر كقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ﵁ من أبيات الفتوحات المكية: عقد البرية في الإله عقائدًا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه ومراده جميع ما اعتقدوه من حيث صدور ذلك عن الصانع القديم، فإن جميع ذلك آثار دالة عليه تعالى، لا من حيث صدور ذلك عن المعتقدين لأنها من حيث هم دالة عليهم لا عليه، وعقيدة أهل الاختصاص فيها الغفلة عن الآثار، والنظر إلى المؤثر، يعلم ذلك في مواضع شتى في كلامه " (الفتح ص٨٥ ـ ٨٦) . وبهذا النقل المطول عن الشيخ النابلسي تتضح أمامنا الآن صورة العقيدة

стр. 97

الباطنية التي سعى القوم إلى غرسها وبنائها، وأنها التحقق ـ في زعمهم ـ من أن الموجودات ما هي إلا مظاهر لحقيقة واحدة هي الله، وأن الأفعال لا تتفاضل ولا تتناقض إلا بالنظر إلى الخلق، وأما بالنظر إلى الله الفاعل الحقيقي ـ في زعمهم ـ فإنما هي شيء واحد يدل على ذات واحدة. وبهذه العقيدة هدموا جميع الأديان، وأبطلوا جميع الشرائع واستحلوا كل المحرمات، وهذا الذي أقرره هنا لا أقرره أيضًا استنباطًا واجتهادًا، وتحميلًا لألفاظ القوم ما لا تحتمل، فقد مر بك بيت الشعر المنسوب إلى ابن عربي عقد البرية في الإله عقائدًا ** وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه وقد فسره ابن عربي بأن من اعتقد بأن هناك دينًا واحدًا حقًا، وبقية الأديان باطلة فقد فاته خير كثير، لأنه آمن بجزء من الحقيقة، ولم ير الحقيقة كاملة، وهي أن كل هذه الأديان التي ظنها باطلة هي مرادة لله ﵎ بل هو خالقها وبارئها. وأصرح من هذا كله ما وصل إليه الشيخ النابلسي، وهو أن مقام الزهد المشهور في التصوف ما هو إلا مرحلة في الطريق الصوفي، وأما المرحلة النهائية في فهو ترك الزهد، والاستمتاع بالمقسوم على أتم وجه، وفي ذلك يقول النص: " وأما بالنظر إلى غير الله تعالى فهو اشتغال الروحانية بما يرد عليها من أسئلة الأكوان السائرة للكون الحق، والستر هو الكفر، وأصحاب هذا الاشتغال المذكور هم الزهاد الذين يزهدون في الأشياء، فإنهم لولا ملاحظتهم للأشياء وادعاؤهم بثبوتها ما زهدوا فيها، فقد استتر الحق عنهم بزهدهم في الأشياء، فكفروا كفرًا خفيًا، ولو عقلوا لما زهدوا في شيء، لأن الذي ليس لهم عدم، فكيف يزهدون في العدم وهو غير مقدور، والذي لهم لا بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه، لما أمكنهم وعاندوا الأقدار فهم مشغولون بزهدهم عن الله تعالى، فمتى يتفرغون له تعالى؟ ولله در القائل:

стр. 98

تجرد عن مقام الزهد فلبي** فأنت الحق وحدك في شهودي أأزهد في سواك، وليس شيء** أراه سواك يا سر الوجود (الفتح الرباني ص١٣٤) . فانظر كيف نسب الكفر الخفي إلى الزهاد، لأنهم اشتغلوا بزهدهم في الأشياء، لأن الذي ليس لهم عدم، أي أن ما قدر لهم لا بد أن يكون. ولذلك يقول: " والذي لهم لا بد أن يصيبهم، فلو زهدوا فيه لما أمكنهم ". ولذلك رآهم النابلسي معارضين للأقدار، مشغولين بزهدهم عن الله ﵎. . أحب أن أكرر هنا أن النابلسي ليس رجلًا مغمورًا جاهلًا، بل هو مقدم عند القوم، مستشهد بأقواله عند الجميع وبعضهم يعتذر عن مثل مقالاته هذه بأنه من الشطح، والشطح مغفور لهؤلاء، لأن ذلك من غلبة وجدهم وحبهم لمولاهم. وأقول: إذا كان ثم شطح مغفور عند الله، معذور صاحبه، فهو أن تصدر كلمة أو جملة في غلبة حال كما يقولون. أما أن يؤلف رجل مئتي كتاب، كلها على هذا النحو، وذلك يستغرق آلاف الساعات والأيام، فكيف يكون التأليف والتحقيق شطحًا وسكرًا؟ فافهم أخي المسلم هذه الحقيقة فإنها سهم قاتل لهذا الباطل. وبعد هذا الاستطراد أعود إلى السياق الأصلي، وهو أن القوم في نهاية مطافهم وصلوا إلى هدم الأديان، والتسوية بين الكفر والإيمان، بل وجعل مرتبة الزهد التي هي بداية للطريق الصوفي، ومرحلة من مراحله شركًا خفيًا بالله، لأن ذلك غيبة بالزهد عن الله تعالى. ولعل ظانًا يظن أن هذه العقيدة الباطنية التي وصل إليها كانت عقيدة نظرية فقط، ولم يكن لها واقع عملي في حياة القوم، وهذا الظن ساذج ومريض، بل إن القوم قد مارسوا هذه العقيدة الباطنية ممارسة واقعية، وقد جاءت ممارستهم الواقعية لهذه العقيدة شيئًا صارخًا لا يكاد العقل يصدق به. ولكن ماذا نفعل والحقيقة قد أصبحت أكبر من الخيال.

стр. 99

الفصل السابع: الحقيقة المحمدية في الفكر الصوفي يستحيل علينا أن نفهم ما يريده المتصوفة بقولهم (الحقيقة المحمدية) إلا بمعرفة عقيدتهم في الله. فالنظرية الصوفية الفلسفية قد وصلت في نهاية القرن الثالث إلى القول بأن الله هو هذا الوجود القائم المتجدد المتغير فهو السماوات والأرض والعرش والكرسي والملائكة والإنسان والحيوان والنبات وهو الأزل والأبد ـ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ـ وإن كانت عباراتهم تختلف أحيانًا فمرة يقولون: هو الروح الساري في الموجودات ويشبهون هذا السريان بأنه كرائحة الورد في الورد. ووجود الروح في الجسم الحي. وتارة يقولون نفس وجود الموجودات هو وجود الله فليس عناك اثنان في الوجود خالق ومخلوق بل المخلوق هو عين الخالق، والخالق هو نفس المخلوق، اعتقد بذلك ونشره في الناس كبار الصوفية من أهل الزندقة والإلحاد كابن عربي، والحلاج، والجيلي، وابن سبعين، ومن على شاكلتهم، وهؤلاء الصوفية أنكروا في كتبهم على من يشهد بأن الله هو الإله القائم بنفسه المستوي على عرشه البائن من خلقه والذي هو معتقد المسلمين في ربهم . وقد كان هذا المعتقد أيضًا هو معتقد بعض من نسب إلى التصوف ولذلك شدد ابن عربي عليهم النكير أيضًا وخطّأهم ونسبهم إلى القصور وعدم الفهم (اقرأ كتاب ابن عربي التجليات الذي يزعم فيه أنه التقى برجال التصوف السابقين في البرزخ وناقشهم في عقائدهم هذه في التوحيد وبين لهم خطأهم وعرفهم في النهاية أن لا موجود إلا الله، وأن الله والعبد شيء واحد، وأنهم أقروا جميعًا بذلك وكل ذلك في كتاب التجليات) . والمهم أن هؤلاء المتصوفة الذين نقلوا عقيدة وحدة الوجود عن الفلسفة الأفلاطونية واعتقدوها وجعلوها هي الحقيقة الصوفية وسر الأسرار وهي معتقد أهل الإسلام في زعمهم، نقلوا ما قاله هؤلاء الفلاسفة في نظرياتهم في بدء الخلق فقد قال الفلاسفة الأقدمون " إن أول شيء

стр. 100

بدأ في الخلق هو الهباء (أي الذرات) وإن أول موجود وجد هو العقل الأول وسموه (العقل الفعال) ، وأنه عن هذا العقل الأول نشأ العالم العلوي السماوات والكواكب ثم العالم السفلي. . إلخ. هذه النظرية الفلسفية القديمة جاء ابن عربي ونقلها هي نفسها إلى الفكر الصوفي ولكنه استبدل بدلًا من العقل الفعال عند الفلاسفة ما أسماه هو الحقيقة المحمدية فزعم أن أول الخلق كان هباء، ـ كلام الفلاسفة نفسه ـ وأن أول موجود هو " الحقيقة المحمدية " التي زعم ابن عربي أنها أول الموجودات وعلى حد تعبيره أول التعينات ـ أي أول عين تشكلت وتصورت من الذرات ـ يتطاول ابن عربي ويقول إن هذه (الحقيقة المحمدية) هي التي استوت على العرش الإلهي. فيجعل ما حدثنا الله به عن نفسه من أنه خالق الخلق، وأنه المستوي على العرش. . يلوي ابن عربي كل ذلك ويلبس على المسلمين وينقل لهم كلام الفلاسفة الملحدين في أسلوب جديد بغطاء إسلامي وآيات قرآنية فيقول إن ذات محمد هي أول ذات تكونت من الهباء وهي التي استوت على العرش الإلهي. ومن نور هذه الذات خلق الله الخلق جميعًا بعد ذلك فالملائكة والسماوات والأرض كل ذلك قد خلق من نور الذات الأولى وهي الذات المحمدية عند ابن عربي، والعقل الفعال في الفكر الفلسفي، وهكذا استطاع ابن عربي أن ينقل ترهات الفلاسفة وتخيلاتهم المريضة إلى دنيا المسلمين وعقائدهم بل جعل هذه العقيدة الإلحادية هي العقيدة الأساسية التي قام الفكر الصوفي كله بعد ذلك عليها، فإذا علمنا ماذا يعنيه المتصوفة المتفلسفون بوحدة الوجود وأن الله عندهم ليس ذاتًا يراها المؤمنون في الآخرة وتستوي على العرش، وإنما هو نفس الوجود بكل درجاته وتناقضاته، فالله عندهم هو عين وجود المَلَك والشيطان والإنس والجان، والحيوان والنبات، أقول إذا علمنا بعد ذلك ماذا يريد المتصوفة من قولهم بالحقيقة المحمدية المستوية على العرش وجعل النبي محمدًا ﷺ هو المخلوق الأول قبل الأكوان جميعًا وهو الذي

стр. 101

استوى على العرش ومن نور النبي ﷺ خلق الله جميع الأكوان بعد ذلك السماوات والأرض والملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات. فأصبحت الحقيقة المحمدية ـ في زعمه ـ الصورة الكاملة المتجسدة للذات الإلهية التي لا ترى بذاتها، ولا تنفصل عن هذا الوجود. . فالنبي محمد ﷺ عند ابن عربي ومشايخ التصوف الذين جاؤوا من بعده هو الله المتجلي على العرش. أو ـ قل ـ هو صورة الله المصغرة وهو الذي منه استمدت كل الموجودات وجوداتها وانفلقت عنه كل الأنوار وكل الأكوان وكل الموجودات. . وهو يعني أن محمدًا ﷺ هو البذرة الأولى لكل موجود فكأنه بذرة لشجرة كان منها بعد ذلك الساق والفروع والأوراق والثمار والأشواك، فهكذا بدأ الوجود بمحمد ﷺ ثم خلق من نوره العرش والكرسي والسماوات والأرض وآدم وذريته وتفرع الخلق وتدرج بعد ذلك من المخلوقات التي خلقت من نور النبي محمد ﷺ فالموجودات كلها في عقيدة التصوف شيء واحد متفرع عن أصل واحد أو قل شجرة متفرعة عن بذرة واحدة. وإليك الآن نصوص عبارات هؤلاء الملاحدة الكافرين في هذه العقيدة الكفرية الزندقية: قال القاشاني شارح فصوص الحكم لابن عربي: " إن محمدًا أول التعينات التي عين به الذات الأحدية قبل كل تعين فظهر به ما لا نهاية من التعينات، فهو يشمل جمع التعينات. فهو واحد فرد في الوجود لا نظير له: إذ لا يتعين من يساويه في المرتبة، وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة المنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحدّ ونعت، فله الفردية المطلقة، ومن هذا يعلم أن الاسم الأعظم لا يكون إلا له دون غيره من الأنبياء، ومن فرديته يعلم سر قوله: (كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين) كونه خاتم النبيين وأول الأولين وآخر الآخرين، ومن أوليته وجمعيته سر قوله: (أوتيت جوامع الكلم) وكونه أفضل الأنبياء فإنهم في التصاعد وسعة الاستعداد والمرتبة ينتهون إلى التعين الأول ولا يبلغونه، والتعين الأول هو محمد الذي يرجع إليه جميع التعينات فهو البرزخ بين الذات الأحدية وبين سائر الموجودات " (شرح القاشاني على الفصوص ص ٢٦٦، ٢٦٧) .

стр. 102

ومعنى أول التعينات أي أول موجود معين له ذات وجسمه وقبله لم يكن هناك أي ذات لا عرش ولا كرسي ولا سماوات ولا أرض. وقول القاشاني شارح الفصوص (وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة المنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحد ونعت. . الخ) يعني أنه ليس فوق مرتبة الرسول شيء إلا الذات الإلهية التي لا توصف بأي صفة بتاتًا لأن ذات الله عنده مطلقة عن كل قيد ـ في زعمه ـ منزهة عن أن تكون ذاتًا معينة محدودة مثلًا كأن يقول لله وجه أو يد أو ساق، أو استوى على العرش، أو يأتي يوم القيامة لأن الذات الإلهية في العقيدة الصوفية هي المطلقة عن كل هذه القيود لأنها كل الموجودات. ويشرح ابن عربي نفسه عقيدته هذه بقوله: " بدء الخلق الهباء وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني وهو العرش الإلهي " (الفتوحات المكية ج١ ص١٥٢) . فالخلق في زعمه بدأ بالهباء أي الذرات وأول موجود وجد بذات قائمة محدودة هي ذات الرسول التي سماها الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني وهو العرش الإلهي. وجاء بعد ابن عربي من شرح هذه العقيدة واستفاض فيها، قال أحمد بن مبارك السلجماسي في كتابه الأبريز فيما يرويه عن شيخه عبد العزيز الدباغ: " (وسمعته) ﵁ يقول في قوله وانفلقت الأنوار أن أول ما خلق الله تعالى نور سيدنا محمد ﷺ ثم خلق منه القلم والحجب السبعين وملائكتها ثم خلق اللوح ثم قبل كماله وانعقاده خلق العرش والأرواح والجنة والبرزخ أما العرش فإنه خلقه تعالى من نور وخلق ذلك النور من النور المكرم نور نبينا ومولانا محمد ﷺ وخلقه أي العرش ياقوتة عظيمة لا يقاس قدرها وعظمها وخلق في وسط هذه الياقوتة جوهرة فصار مجموع الياقوتة والجوهرة كبيضة بياضها هو الياقوتة وصفارها هو الجوهرة ثم إن الله تعالى أمد تلك الجوهرة وسقاها بنوره ﷺ فجعل يخرق الياقوتة ويسقي الجوهرة فسقاها مرة

стр. 103

ثم مرة ثم مرة إلى أن انتهى إلى سبع مرات فسالت الجوهرة بإذن الله تعالى فرجعت ماء ونزلت إلى أسفل الياقوتة التي هي العرش ثم إن النور المكرم الذي خلق العرش إلى الجوهرة التي سالت ماء لم يرجع فخلق الله منه ملائكة ثمانية وهم حملة العرش فخلقهم من صفائه وخلق من ثقله الريح وله قوة وجهد عظيم فأمرها تعالى أن تنزل تحت الماء فسكنت تحته فحملته ثم جعلت تخدم وجعل البرد يقوى في الماء فأراد الماء أن يرجع إلى أصله ويجمد فلم تدعه الرياح بل جعلت تكسر شقوقه التي تجمد وجعلت تلك الشقوق تتعفن ويدخلها الثقل والنتونة وشقوق تزيد على شقوق ثم جعلت تكبر وتتسع وذهبت إلى جهات سبع وأماكن سبع فخلق الله منه الأرضين السبع ودخل الماء بينها والبحور وجعل الضباب يتصاعد من الماء لقوة جهد الريح ثم جعل يتراكم فخلق الله منه السماوات السبع ثم جعلت الريح تخدم خدمة عظيمة على عادتها أولًا وآخرًا فجعلت النار تزيد في الهواء من قوة حرق الريح للماء والهواء وكلما زندت نار أخذتها الملائكة وذهبت بها إلى محل جهنم اليوم فذلك أصل جهنم فالشقوق التي تكونت منها الأرضون تركوها على حالها والضباب التي تكونت منه السماوات تركوه على حاله والنار التي زندت في الهواء أخذوها ونقلوها إلى محل آخر لأنهم لو تركوها لأكلت الشقوق التي منها الأرضون السبع والضباب الذي منه السماوات السبع بل وتأكل الماء وتشربه بالكلية لقوة جهد الريح ثم إن الله تعالى خلق ملائكة الأرضين من نوره ﷺ وأمرهم أن يعبدوه عليها وخلق ملائكة السماوات من نوره ﷺ وأمرهم أن يعبدوه عليها، وأما الأرواح والجنة إلا مواضع منها فإنها أيضًا خلقت من نور وخلق ذلك النور من نوره ﷺ وأما البرزخ فنصفه الأعلى من نوره ﷺ فخرج من هذا أن القلم واللوح ونصف البرزخ والحجب السبعين وجميع ملائكتها وجميع ملائكة السماوات والأرضين كلها خلقت من نوره ﷺ بلا وساطة وأن العرش والماء والجنة والأرواح خلقت من نور خلق من نوره ﷺ ثم بعد هذا فلهذه المخلوقات أيضًا سقي من نوره ﷺ أما القلم فإنه سقي سبع مرات سقيًا عظيمًا وهو أعظم المخلوقات بحيث إنه لو كشف نوره لجرم الأرض لتدكدكت

стр. 104

وصارت رميمًا وكذا الماء فإنه سقي سبع مرات ولكن ليس كسقي القلم وأما الحجب السبعون فإنها في سقي دائم وأما العرش فإنه سقي مرتين مرة في بدء خلقه ومرة عند تمام خلقه لتستمسك ذاته وكذا الجنة فإنها سقيت مرتين مرة في بدء خلقها ومرة بعد تمام خلقها لتستمسك ذاتها وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذا سائر المؤمنين من الأمم السابقة ومن هذه الأمة فإنهم سقوا ثماني مرات الأولى في عالم الأرواح حين خلق الله نور الأرواح جملة فسقاه الثانية حين جعل يصور منه الأرواح فعند تصور كل روح سقاها بنوره ﷺ . الثالثة يوم ألست بربكم فإن كل من أجاب لله تعالى من أرواح المؤمنين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام سقي من نوره ﷺ لكن منهم من سقي كثيرًا ومنهم من سقي قليلًا فمن هنا وقع التفاوت بين المؤمنين حتى كان منهم أولياء وغيرهم. وأما أرواح الكفار فإنها كرهت شرب ذلك النور وامتنعت منه فلما رأت ما وقع للأرواح التي شربت منه من السعادة الأبدية والإرتقاآت السرمدية ندمت وطلبت سقيا فسقيت من الظلام والعياذ بالله. الرابعة عند تصويره في بطن أمه وتركيب مفاصله وشق بصره فإن ذاته تسقى من النور الكريم لتلين مفاصله وتنفتح أسماعها وأبصارها ولولا ذلك ما لانت مفاصلها. الخامسة عند خروجه من بطن أمه فإنه يسقى من النور الكريم ليلهم الأكل من فمه ولولا ذلك ما أكل من فمه أبدًا. السادسة عند التقامه ثدي أمه في أول وضعه فإنه يسقى من النور الكريم أيضًا. السابعة عند نفخ الروح فيه فإنه لولا سقي الذات بالنور الكريم ما دخلت فيها الروح أبدًا مع ذلك فلا تدخل فيها إلا بكلفة عظيمة وتعب يحصل للملائكة معها ولولا أمر الله لها ومعرفتها به ما قدر ملك على إدخالها بالذات ". انتهى. منه بلفظه (الأبريز ص٢٢٤، ٢٢٥) . وهذا الهذيان الكامل، والتخريف الكامل شرح لعقيدة الصوفية فيما يسمونه بالحقيقة المحمدية، وأنها الذات الأولى التي انطلقت منها بعد ذلك كل الذوات

стр. 105

والكائنات والموجودات. ويستطرد أحمد مبارك شارحًا عقيدة الصوفية فيما يسمونه بالحقيقة المحمدية فيقول أيضًا: " (وسمعته) ﵁ يقول مرة أخرى إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن سقوا من نوره لم يشربوه بتمامه بل كل واحد يشرب منه ما يناسبه وكتب له فإن النور المكرم ذو ألوان كثيرة وأحوال عديدة وأقسام كثيرة فكل واحد شرب لونًا خاصًا ونوعًا خاصًا، قال ﵁: فسيدنا عيسى ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام الغربة، وهو مقام يحمل صاحبه على السياحة، وعدم القرار في موضع واحد. وسيدنا إبراهيم ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام الرحمة والتواضع مع المشاهدة الكاملة؛ فتراه إذا تكلم مع أحد يخاطبه بلين، ويكلمه بتواضع عظيم، فيظن المتكلم أنه يتواضع له وهو إنما يتواضع لله لقوة مشاهدته. وسيدنا موسى ﷺ شرب من النور المكرم فحصل له مقام مشاهدة الحق سبحانه في نعمه وخيراته وعطاياه التي لا يقدر قدرها. وهكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة الكرام والله أعلم " (الأبريز ص٢٢٦) . ويقول كذلك: " (وسمعته) ـ أي شيخه عبد العزيز الدباغ ﵁ يقول إني لم أزل أتعجب من الوالي الذي يقول إنه يملأ الكون وذلك لأن للكون بابًا منه يقع الدخول إليه وهو النبي ﷺ ولا يطيق مخلوق من المخلوقات أي يحمل نوره ﷺ ومن عجز عن الباب فكيف يطيق غيره اللهم إلا أن يكون دخل من غير باب؛ يعني فيكون فتحه شيطانيًا ظلمانيًا، وهذا لا يملأ بيته فضلًا عن داره فضلًا عن شيء آخر. قال ﵁ واعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها وجدت بعضًا من نور النبي ﷺ وأن مجموع نوره ﷺ لو وضع على العرش لذاب ولو وضع على

стр. 106

الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع عليه ذلك النور العظيم لتهافتت وتساقطت وإذا كان هذا شأن نوره ﷺ فكيف يقول من يقول إنه يملأ الكون، فأين تكون ذاته إذا بلغت المدينة المنورة، وقربت من القبر الشريف. أم كيف تكون إذا تصاعدت نحو البرزخ وقربت من الموضع الذي فيه النور العظيم القائم بالروح الشريفة؟ أفتكون ذاته حاملة له والمخلوقات بجملتها عاجزة عنه أم يتخطى ذلك الموضع فلم يملأ الكون؟ والغرض أن الموضع المذكور آخذ من القبر الشريف إلى قبة البرزخ تحت العرش ولعله أراد بالكون ما بين السماء والأرض ما عدا موضع البرزخ الذي فيه نور المعظم فقلت ولعله أنه يملؤه من حيث النور أي يملؤه بنوره لا بذاته كالشمس التي سطعت على السماوات والأرض. فقال ﵁ وما مراده إلا أنه يملؤه بنوره ولا يريد أنه يملؤه بذاته. ولكن أين نوره من نور المصطفى ﷺ فإن ذلك النور من النور المكرم بمنزلة الفتيلة في وسط النهار وقت الظهيرة. وهل يصح أن يقال إن تلك الفتيلة كسفت نور الشمس؟ فقلت ونور الشمس من النور المكرم بمنزلة الفتيلة فما باله ملأ الأكوان؟ فقال ﵁: لم يملأ الأكوان بمعنى أن النور المكرم ذهب بسببه واضمحل فكيف ونور الشمس إنما هو من نور أرواح المؤمنين الذي هو من نوره ﷺ وإنما سبب ذلك أنا حجبنا عن مشاهدة النور المكرم كما حجبنا عن مشاهدة أنوار الأولياء فلو كشف الحجاب لكانت له أنوار من النور المكرم بمنزلة الفتائل وسط النهار ولم يظهر للشمس ولا لغيرها نورًا إلا كما يظهر للفتائل وسط النهار " (الأبريز ص٢٣٠) . ا. هـ ويقول أيضًا في شرح قول الشاذلي (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار) . الباب السابع في تفسيره ﵁ لبعض ما أشكل علينا من كلام الأشياخ ﵃) فمن ذلك أنه شرح لنا ﵁ بعض الألفاظ من صلاة القطب الكامل الوارث الواصل مولانا عبد السلام بن مشيش رضي

стр. 107

الله عنه فسمعته ﵁ يقول في شرح قوله (اللهم صل على من منه انشقت الأسرار) حاكيًا عن سيد محمد بن عبد الكريم البصراوي ﵁ أن الله تعالى لما أراد إخراج بركات الأرض وأسرارها مثل ما فيها من العيون والآبار والأنهار والأشجار والثمار والأزهار أرسل سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك ثلاث سبعينات من الألوف فنزلوا يطوفون في الأرض؛ فالسبعون الأولى يذكرون اسم النبي ﷺ ومرادنا بالاسم الاسم العالي ما يأتي في شرح وتنزلت علوم آدم. والسبعون الثانية يذكرون قربه ﷺ من ربه ومنزلته ﷺ منه. والسبعون الثالثة تصلي عليه ﷺ ونوره ﷺ مع الطوائف الثلاث فتكونت الكائنات ببركة ذكر اسمه ﷺ وحضوره بينها ومشاهدتها قربه ﷺ من ربه قال وذكروه على الأرض فاستقرت وعلى السماوات فاستقلت وعلى مفاصل ذات ابن آدم فلانت بإذن الله تعالى وعلى مواضع عينيه ففتحت بالأنوار التي فيها فهذا معنى قوله منه انشقت الأسرار. فقلت: فهذا معنى دلائل الخيرات وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار وعلى السماوات فاستقلت وعلى الأرض فاستقرت وعلى الجبال فرست وعلى البحار ففجرت وعلى العيون فنبعت وعلى السحاب فأمطرت. فقال ﵁: نعم ذلك الاسم هو اسم نبينا ومولانا محمد ﷺ فببركته تكونت الكائنات والله أعلم. قلت وقد سبق كلام سيدي أحمد بن عبد الله الغوث ﵁ وقوله لمريده يا ولدي لولا نور سيدنا محمد ﷺ ما ظهر سر من أسرار الأرض؛ فلولا هو ما تفجرت عين من العيون ولا جرى نهر من الأنهار، وإن نوره ﷺ يا ولدي يفوح في شهر مارس ثلاث مرات على سائر الحبوب فيقع لها الإثمار ببركته ﷺ ولولا نوره ﷺ ما أثمرت، ويا ولدي إن أقل الناس إيمانًا من يرى إيمانه على ذاته مثل الجبل وأعظم منه فأحرى غيره، وأن الذات تكل أحيانًا عن حمل الإيمان فتريد أن ترميه فيفوح نور النبي ﷺ عليها فيكون معينًا لها على حمل الإيمان فتستحيله وتستطيبه " (الأبريز ص ٢٢٢) . اه ـ. وصلاة ابن مشيش هذه يقول فيها

стр. 108

" اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، ووحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا هو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط " (أذكار الطريقة الشاذلية) . والحق أن هذه العبارات في وصف (الحقيقة المحمدية) حسب المفهوم الصوفي الفلسفي، قد يختلف بعضها عن بعض قليلًا ولكنها جميعها مجمعة على شيء واحد وهو أن الرسول هو أول موجود فمنهم من يقول نور الرسول هو أول موجود، ومنهم من يقول بل وأيضًا ذاته النورانية المستوية على العرش، وأن وجوده البشري في وقته إنما كان مجرد تعيين جديد، وتجسد جديد لذات الرسول ﷺ وبعض الصوفية أيضًا يجعل عين الرسول وذاته هي عين الله وذاته، وأنه ليس هناك حقيقة إلهية غير الحقيقة المحمدية ومن ذهب إلى ذلك عبد الكريم الجيلي وغيره، وبعضهم يفرق بين الذات الإلهية التي ليس لها تعين ذاتي ووجود منفصل عن الخلائق بل هي كل الموجودات بل هي في زعمهم الروح الخفي الساري في الموجودات. وأن هذه الذات الإلهية خلقت النبي محمدًا أولًا قبل المخلوقات جميعًا ثم خلقت المخلوقات بعد ذلك من نور ذات الرسول، وأن ذات الرسول هي المستوية على العرش الرحماني كما قال ابن عربي. ومنهم ولا سيما المتأخرون يجعل ذات الرسول والحقيقة المحمدية هي عين الحقيقة الإلهية، ويجعلون الرسول بصورته البشرية صورة كاملة أو هو أكمل صورة للحقيقة الإلهية. ويجعلون كذلك الصورة البشرية المحمدية هي إحدى الصور الممكنة للرسول، ويعتقدون أنه يتشكل كثيرًا في أي صورة يشاء وهذا نص عبارة عبد الكريم الجيلي في ذلك قال في الباب الستين: " اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك

стр. 109

الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس (الإنسان الكامل للجيلي) ، فيسمى به باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ووصفه عبد الله، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخر أسام، وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان، فقد اجتمعت به ﷺ وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي، ولست أعلم أنه النبي ﷺ وكنت أعلم أنه الشيخ، وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة، وسر هذا الأمر تمكنه ﷺ من التصور بكل صورة، فالأديب إذا رآه في الصورة المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه، وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد، فلا يسميه تلك الصورة، ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية. ألا تراه ﷺ لما ظهر في صورة الشبلي ﵁ قال الشبلي لتلميذه أشهد أني رسول الله وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وهذا أمر منكور، وهو كما يرى النائم فلانًا في صورة فلان وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم ولكن بين الكشف والنوم فرقًا، وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد ﷺ في النوم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية، لأن عالم المثال يقع في التعبير فيه فيعبر عن الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة، بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية أنها متجلية في صورة من صور الآدميين، فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية، ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد ﷺ لما أعطاك الكشف أن محمدًا متصور بتلك الصورة، فلا يجوز لك بعد شهود محمد ﷺ فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل، ثم إياك أن تتوهم شيئًا في قولي من مذهب التناسخ، حاشا الله وحاشا رسول الله ﷺ أن يكون ذلك مرادي، بل إن

стр. 110

رسول الله ﷺ له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلى في هذه الصورة، وقد جرت سنته ﷺ أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم مَيَلانَهُم فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم ". ا. هـ وأظن أنه قد وضح الآن حقيقة المعتقد الصوفي الفلسفي في النبي ﷺ وحتى تتضح الصورة أمامنا أكثر من ذلك نجمل ما قدمناه فيما يلي، فنقول. . معتقد المتصوفة في النبي محمد ﷺ على ثلاث درجات: ١ ـ من يقولون بوحدة الوجود، وأن الله هو ذات الموجودات فيجعلون الرسول هو المخلوق الأول ومنه وعنه صدرت الموجودات جميعًا وهو الإله المستوي على العرش وهذا هو معتقد ابن عربي ومن على شاكلته. ٢ ـ من يقولون إن نور الرسول هو أول موجود فعلًا ومنه انشقت الأنوار وخلق الخلق جميعًا لكن لا يقولون بأن ذات الرسول مستوية على العرش. ٣ ـ من يقولون بأن نور الرسول أول موجود وهو أكرم الخلق ومن أجله خلق الله الكون جميعًا دون أن يصرحوا بأن العوالم قد خلقت من نوره، وإنما يقولون خلقت لأجله. هذا وبالرغم من أن الصوفية على هذه الدرجات الثلاث في الاعتقاد في النبي محمد ﷺ فإنهم متفقون ومجمعون تقريبًا إلا ما شذ منهم أن ذات الرسول الذات التي منها تفيض كل العلوم وتنزل كل الرسالات، فالرسل لا ينزل عليهم الوحي إلا من الرسول ويعبرون عن ذلك بقولهم إن الرسل جميعًا والأولياء أيضًا لا تفيض ولا تنزل عليهم العلوم الإلهية إلا من ذات الرسول في الأزل والأبد أي قبل أن يوجد الرسول بذاته الترابية في الأرض، وبعد أن وجد ثم بعد أن خرجت ما يسمونه بذاته الترابية من هذه الأرض. . وهذا بالطبع هو حاصل اعتقادهم في أن الرسول أول موجود وأن العوالم من نوره، أو أن الكون خلق لأجله. وكذلك مفهوم المتصوفة ـ المعتدلين ـ منهم يعتقدون أن الرسول يعلم الغيب كله، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماوات. ولا شك أن المتصوفة الذين يعتقدون في مثل هذه العقائد في الرسول ﷺ لم
следующие страницы →