← Акыда

Акыда · id 11545

الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة

عبد الرحمن بن عبد الخالق

Полный текст (469 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عقيدتهم في الجنة والنار وأما الجنة فإن الصوفية جميعًا يعتقدون أن طلبها منقصة عظيمة وأنه لا يجوز للولي أن يسعى إليها ولا أن يطلبها ومن طلبها فهو ناقص، وإنما الطلب عندهم والرغبة في الفناء المزعوم في الله، والإطلاع على الغيب والتصريف في الكون. . هذه جنة الصوفي المزعومة. وأما النار فإن الصوفية يعتقدون أيضًا أن الفرار منها لا يليق بالصوفي الكامل لأن الخوف منها طبع العبيد وليس الأحرار بل منهم من تبجح أنه لو بصق على النار لأطفأها، كما قال البسطامي. وأما من يعتقد بوحدة الوجود منهم فإنه يعتقد أن النار بالنسبة لمن يدخلها تكون عذوبة ونعيمًا لا يقل عن نعيم من يدخل الجنة. وهذه عقيدة ابن عربي كما ذكر ذلك في الفصوص. عقيدتهم في إبليس وفرعون وأما إبليس فيعتقد عامة الصوفية أنه أكمل العباد وأفضل الخلق توحيدًا لأنه لم يسجد إلا لله بزعمهم وأن الله قد غفر له ذنوبه وأدخله الجنة، وكذلك فرعون عندهم أفضل الموحدين لأنه قال ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . فعرف الحقيقة لأن كل موجود هو الله ثم هو في زعمهم من آمن ودخل الجنة. وأما الشعائر الصوفية اعتقادهم ففي العبادات يعتقد الصوفية أن الصلاة والصوم والحج والزكاة هي عبادات العوام وأما هم فيسمون أنفسهم الخاصة، أو خاصة الخاصة ولذلك فإن لهم عبادات مخصوصة. وقد شرع كل قوم منهم شرائع خاصة بهم كالذكر المخصوص بهيئات مخصوصة، والخلوة والأطعمة المخصوصة، والملابس المخصوصة والحلقات الخاصة. وإذا كانت العبادات في الإسلام لتزكية النفس وتطهير المجتمع فإن العبادات

стр. 37

في التصوف هدفها ربط القلب بالله للتلقي عنه مباشرة حسب زعمهم، والفناء فيه واستمداد الغيب من الرسول والتخلق بأخلاق الله حتى يقول الصوفي للشيء كن فيكون ويطلع على أسرار الخلق، وينظر في كل الملكوت، ويتصرف في الكون. ولا يهم في التصوف أن تخالف الشريعة الصوفية ظاهر الشريعة المحمدية الإسلامية. فالحشيش والخمر واختلاط النساء بالرجال في الموالد وحلقات الذكر كل ذلك لا يهم لأن للولي شريعته تلقاها من الله مباشرة فلا يهم أن يوافق ما شرعه الرسول محمد ﷺ لأن لكل واحد شريعته فشريعة محمد للعوام وشريعة الصوفي للخواص. اعتقادهم في الحلال والحرام وكذلك الشأن في الحلال والحرام فأهل وحدة الوجود في الصوفية لا شيء يحرم عندهم لأن لكل عين واحدة. . ولذلك كان منهم الزناة واللوطية، ومن يأتون الحمير جهارًا نهارًا. ومنهم من اعتقد أن الله قد أسقط عنه التكاليف وأحل له كل ما حرم على غيره. اعتقادهم في الحكم والسلطان والسياسة وأما في الحكم والسلطان والسياسة فإن المنهج الصوفي هو عدم جواز مقاومة الشر ومغالبة السلاطين لأن الله في زعمهم أقام العباد فيما أراد. اعتقادهم في التربية ولعل أخطر ما في الشريعة الصوفية هو منهجهم في التربية حيث يستحوذون على عقول الناس، ويلغونها وذلك بإدخالهم في طريق متدرج يبدأ بالتأنيس، ثم بالتهويل والتعظيم بشأن التصوف ورجاله ثم بالتلبيس على

стр. 38

الشخص ثم بالزرق إلى علوم التصوف شيئًا فشيئًا ثم بالربط بالطريقة وسد جميع الطرق بعد ذلك للخروج. ولكن كيف بدأت هذه العقائد الصوفية وتطورت على هذا النحو. .؟ ! تعالوا نشاهد كيف بدأت العقيدة الصوفية وتطورت. .

стр. 39

الباب الثالث: نشأة العقيدة الصوفية وتطورها الفصل الأول: طريق الهداية الصوفي لم يصل في ـ حدود علمي ـ أحد ممن بحث في التصوف إلى معرفة الرجل الأولي الذي تسمى باسم (الصوفي) في الإسلام ولا من وضع اللبنات الأولى لهذا الفكر. ولا شك أن التصوف منهج نشأ قبل الإسلام فكرًا وسلوكًا وعقيدة، وأنه كان في كل الأمم والديانات وخاصة في البرهمية الهندوكية والفلسفة الإشراقية اليونانية والمجوسية الفارسية، وكذلك نشأت النصرانية ـ ولا شك أن التصوف غير الرهبانية وغير الزهد كما سنعلم تفصيلًا ـ ثم انتقل بعد ذلك إلى الفكر الإسلامي عن طريق الزنادقة المجوس، وأخذ مجراه في واقع الأمة الإسلامية وتطور حتى بلغ شأوه وألفت مصادره، ووضعت أصوله وقواعده النهائية في القرن الرابع والخامس الهجري. ولكن بعض الكتاب ظن أن هناك صلة بين التصوف والزهد، ولذلك نسب إلى التصوف كل من عرف بالزهد والرغبة عن الدنيا، والإقبال على الله كإبراهيم وكالفضل بن عياض، وعبد الله بن المبارك وبشر الحافي وإبراهيم بن أدهم ونحوهم من العباد والزهاد. . والذي ساعد في هذا الخلط بين الزهد والتصوف أن الذين وضعوا طبقات الصوفية جعلوا أمثال هؤلاء أئمة في هذا الشأن، بل تجاوز بعضهم الحدود من أمثال الشعراني، وجعل الخلفاء الراشدين هم أو رجال في طبقات الصوفية وحاشاهم. . والحال أنه شتان ما بين الزهد والتصوف فالزهد في الدنيا فضيلة وعمل مشروع مستحب وهو خلق الأنبياء والأولياء وعباد الله الصالحين الذين يؤثرون ما عند الله على التنعم، والتلذذ والانشغال بالمباحات، بل يتركون بعض الطيبات في المباحات طمعًا فيما عند الله كما قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩] . وقال أيضًا: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ [الإنسان: ٩] . وفي الصحيحين أن عائشة ﵂ قالت (كان يأتي الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار) . قيل فما كان طعامكم: قالت (الأسودان التمر والماء) . وهذا لكمال زهدهم، ورغبتهم عن الدنيا. وأما التصوف فمنهج آخر لأن الصوفي إذا تحقق في صوفيته يصبح الزهد عنده شيئًا لا معنى له، فهو قد يحتاج الزهد فقط في أول الطريق الصوفي ثم في النهاية عليه أن يعب من كل ما قدر عليه ولو كان حرامًا في الشرع خمرًا أو زنا، أو حتى إتيانًا للذكران لأن عقيدة وحدة الوجود لا تجعل في النهاية فرقًا بين الزنديق والصديق، ولا بين الأخت والأجنبية، ولا بين الملَك والشيطان، بل ولا بين العبد والرب على حد قول ابن عربي المهندس الأخير للفكر الصوفي: العبد رب والرب عبد ** ياليت شعري من المكلف؟ ! إن قلت عبد فذاك ربُّ ** وإن قلت رب أنى يكلف؟ ! وهذا سيأتي تفصيله وبيانه، والشاهد هنا أن هناك فرقًا هائلًا بين الزهد الذي هو فضيلة ونهاية في الشريعة الإسلامية وبين التصوف الذي قد يجعل الزهد من شعائره ولكنه للمبتدئين فقط وأما في النهاية فيجب عند الصوفي أن يتمتع بكل ما قدر عليه. وأعود فأقول أنه لا يعرف بالتحديد من أول من تسمى بالصوفي حقيقة في الإسلام وكنت في الطبعة الثانية من الكتاب لما قرأت ما كتبه أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية عن إبراهيم بن أدهم وما روي بإسناده من حكايات شممت منها بدايات هذا الفكر وأول بذوره وقرأت ترجمة إبراهيم بن أدهم فوجدت أن أئمة الجرح والتعديل منهم من يوثقه ومنهم ينسبه إلى الخرافة والجهل بشرع الله فغلب على ظني أنه ربما كان الرائد الأول الذي وضع البذرة الصوفية. . ولقد لفت نظري بعد ذلك كثير من الأخوة أن شيخ الإسلام ابن تيمية أثنى على إبراهيم بن أدهم فكيف يكون منتميًا إلى هذا المنهج وكنت قد قرأت ما كتبه شيخ الإسلام ﵀ وقد رأيت أنه ربّما يثني على شخص ما من أجل موقف صحيح في العقيدة، وهو قد لا يرضى عنه في موقف آخر بل إنه كثيرًا ما يستدل بأقوال النصارى واليهود إذا وافقت شيئًا من الحق. . وبعد أن أعدت النظر وجدتُ أن كلام أئمة الجرح والتعديل لا يرقى إلى اتهام إبراهيم بن أدهم ﵀ بشيء مما وضعه المتصوفة في عقائدهم ومناهجهم، وأما الحكايات التي رويت عنه والموجودة في طبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن السلمي فإنه لا يعول عليها في الجرح والتعديل لأن أبا عبد الرحمن السلمي نفسه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يضع الحكايات للصوفية ولعل ذلك بل هذا هو الظاهر أن هذا مما كذبه وافتراه على إبراهيم بن أدهم ﵀. وعلى كل حال فيعلم الله أن قصدي من تأليف الكتاب هو بيان الفكر الصوفي من حيث هو مدون ومسطور في كتب القوم وبيان ما فيه من الباطل والتغرير، وأنا أعلم أيضًا أن الذين وضعوا هذا الفكر قد كذبوا على كثير من فضلاء الناس، وزهاد الأمة وليس قصدنا عداوة مع هؤلاء الفضلاء فنعوذ بالله أن نؤذي مسلمًا بلسان أو يد. . وإنما مقصدنا الذب عن عقيدة الإسلام وشريعة سيد المرسلين وبيان ما في هذا الفكر من الانحراف، وما في هذه الحكايات من الباطل. ومرة أخرى أقول لا نستطيع أن نجزم من هو أول شخص تسمى باسم الصوفي في الإسلام، وألقى بالكلمات الأولى والقواعد الأولى ليؤسس هذا المنهج. ولا شك أن ذلك كان في منتصف أو أوائل القرن الثاني من الهجرة. فإن الإمام الشافعي المتوفي سنة ٢٠٥هـ ـ يقول: " تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئًا يسمونه السماع " ا. هـ (والزنادقة) هنا هم الصوفية (والسماع) هو الغناء والأناشيد التي كانوا يتجمعون عليها، ولا شك أن ظهور الصوفية بهذه البدعة لم يكن وليد سنة أو سنتين إنما كان وليد سنوات تطورت بدعة الصوفية حتى استطاعوا أن يعلنوا بدعتهم بالغناء والطرب بالدفوف ونحو ذلك في عاصمة الخلافة ببغداد، ولا شك أن مثل هذه المظاهر والعقائد المنافية للإسلام الصحيح بدأت دعوة سرية ثم تطورت واستفحل شرها، وأعلن عنها أصحابها ومن أجل ذلك لا يعلم على القطع والحقيقة الرائد الأول للفكر الصوفي في الإسلام وواضع لبناته الأولى. . ومما يدل على أن الأمر كان سريًا في أوله ما روي عن الإمام أحمد أنه سمع الحارث المحاسبي يجتمع مع جماعة في منزل من المنازل وأنهم يقضون ليلهم في البكاء ومحاسبة النفس والكلام على الخطرات والوساوس وأن الإمام أحمد بعد أن استمع إليهم خلسة من منزل مجاور أصبح يقول: نفروا الناس عن الحارث المحاسبي، وقال لمن سأله هل يجلس معهم ويقضي الليل معهم قال: لا أرى لك أن تجالسهم. والشاهد أن هذه البدعة لا شك أنها بدأت سرية ثم تطورت واستعلنت. ونعود إلى أبي عبد الرحمن السلمي المتوفي سنة ٤١٢هـ ـ والذي لفق حكايات الصوفية ووضعها على ألسنة المشايخ السابقين لنجد أنه جعل إبراهيم بن أدهم رائدًا ومؤسسًا لبدايات هذا الفكر. . نأتي إلى حكايات السلمي لنناقش هذه الحكايات لا من حيث ثبوتها ونفيها ولكن من حيث أنها قد أصبحت هي العماد الذي قام عليه هذا الفكر. . نأتي لنناقش هذه الحكايات على ضوء الكتاب والسنة لنرى ما فيها من الباطل ولنعرف كيف بدأ هذا الفكر وتطور: ١ ـ قال أبو عبد الرحمن السلمي (توفي سنة ٤١٢هـ ـ) : " سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الخشاب قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد المصري، قال حدثني أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم بالشام، أنا وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبد الله السنجاري، فقلت: يا أبا إسحاق! خبرني عن بدء أمرك كيف كان؟ قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكنت شابًا فركبت إلى الصيد، فخرجت يومًا على دابة لي، ومعي كلب، فأثرت أرنبًا أو ثعلبًا، فبينما أنا أطلبه، إذ هتف بي هاتف لا أراه، فقال: يا إبراهيم: ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ ففزعت، ووقفت، ثم

стр. 40

عدت فركضت الثانية، ففعل بي مثل ذلك ثلاث مرات، ثم هتف بي هاتف من قربوس (قربوس: كحلزون، حنو السرج ومنعطفه، وهما قربوسان) السرج: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. قال: فنزلت فصادفت راعيًا لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبته الصوف، فلبستها ودفعت إليه الفرس، وما كان معي، وتوجهت إلى مكة فبينما أنا في البادية، إذ أنا برجل يسير ليس معه إناء ولا زاد، فلما أمسى وصلى المغرب، حرك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام، وإناء فيه شراب، فأكلت وشرب، وكنت معه على هذا أيامًا، وعلمني (اسم الله الأعظم) ثم غاب عني وبقيت وحدي، فبينما أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة، دعوت الله به، فإذا أنا بشخص آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه! ! فراعني قوله، فقال: لا روع عليك أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم، فلا تدعو به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادعُ الله أن يشجع به جبنك ويقوي به ضعفك، ويؤنس به وحشتك، ويجدد في كل ساعة رغبتك، ثم انصرف وتركني " (طبقات السلمي (٢٩ ـ ٣١)) . وهذا خبر آخر: ٢ ـ " سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول: سمعت علي بن الحسن بن أحمد المصري يقول: سمعت أحمد بن عيسى الخراز يقول: حدثني غير واحد من أصحابنا منهم: سعيد بن جعفر الوراق، وهارون الآدمي، وعثمان النجار، قالوا: حدثنا عثمان بن عمارة قال حدثني إبراهيم بن أدهم عن رجل من أهل الإسكندرية يقال له أسلم بن يزيد الجهني قال: لقيته بالإسكندرية فقال لي: من أنت يا غلام؟ قلت: شاب من أهل خراسان. قال: وما حملك على الخروج من الدنيا؟ قلت زهدًا فيها، ورجاء لثواب الله تعالى. فقال: إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر. فقال رجل ممن كان معه: وأي شيء الصبر؟ فقال: إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس. قال: قلت: ثم مه؟ قال: إن كان

стр. 41

محتملًا للمكاره أورث الله قلبه نورًا. قلت: وما ذلك النور؟ قال: سراج يكون في قلبه، يفرق بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه، قلت: هذه صفة أولياء رب العالمين. قال: استغفر الله، صدق عيسى بن مريم ﵇ حين قال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتضيعوها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموها! ! فبصصت إليه، وطلبت إليه، وطلب معي أصحابه إليه، فقال عند ذلك: يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار أو حادثت الأبرار أن تغضبهم عليك، فإن الله يغضب لغضبهم، ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، وهم الراضون عن الله إذا سخط الناس، وهم جلساء الله غدًا بعد النبيين والصديقين. يا غلام احفظ عني واعقل، واحتمل ولا تعجل، فإن التأني معه الحلم والحياء، وإن السفه معه الخرق والشؤم، قال: فسالت عيناي، وقلت: والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي، إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى. قال: فإياك والبخل، قلت: وما البخل؟ فقال: أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل بخيلًا بماله، وأما الذي عند أهل الآخرة فهو الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى. ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطى السكينة والوقار والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك تفتح له أبواب السماء، فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحًا، فقال له رجل من أصحابه: " اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلامًا قد وفق لولاية الله تعالى! ! " قال: فتعجب الشيخ من قول أصحابه: " لقد وفق لولاية الله تعالى " فقال لي: يا غلام أما إنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضًا يطأون عليها، وإن ضربوك وشتموك وطردوك، وأسمعوك القبيح، فإن فعلوا بك ذلك ففكر في نفسك: من أين أتيت، فإنك إذا فعلت ذلك يؤيدك الله بنصره، ويقبل بقلوبهم عليك،

стр. 42

واعلم أن العبد إذا قلاه (أي كرهه) الأخيار، واجتنب صحبته الورعون وأبغضه الزاهدون، فإن ذلك استعتاب من الله تعالى لكي يعتبه، فإن أعتب الله أقبل بقلوبهم عليه، وإن تمرد على الله أورث قلبه الضلالة، مع حرمان الرزق، وجفاء من الأهل، ومقت من الملائكة، وإعراض من الرسل بوجوههم، ثم لم يبال في أي واد يهلكه. قال: قلت: إني صحبت ـ وأنا ماش بين الكوفة ومكة ـ رجلًا فرأيته إذا أمسى يصلي ركعتين فيهما تجاوز، ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه، فإذا جفنة من ثريد عن يمينه، وكوز من ماء، فكان يأكل ويطعمني. قال: فبكى الشيخ عند ذلك، وبكى من حوله، ثم قال: يا بني أو يا أخي ذاك أخي داود، ومسكنه من وراء بلخ، بقرية يقال لها (الباردة الطيبة) وذلك أن البقاع تفاخرت بكينونة داود فيها، يا غلام: ما قال لك؟ وما علمك؟ قال: قلت: علمني اسم الله الأعظم، فسأل الشيخ ما هو؟ فقلت: إنه يتعاظم علي أن أنطق به. فإني سألت به مرة، فإذا برجل آخذ بحجزتي وقال: سل تعطه، فراعني، فقال: لا روع عليك: أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك إياه، فإياك أن تدعو به إلا في بر، ثم قال: يا غلام إن الزاهدين في الدنيا، قد اتخذوا الرضا على الله لباسًا، وحبه دثارًا والأثرة له شعارًا، فتفضّل الله تعالى عليهم ليس كتفضله على غيرهم، ثم ذهب عني. فتعجب الشيخ من قولي، ثم قال: إن الله سيبلغ بمن كان في مثالك ومن تبعك من المهتدين، ثم قال يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك، وعلمناك علمًا. ثم قال بعضهم: يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه، قال إبراهيم: فما أدري أين ذهبوا؟ ! ! ! " (ا. هـ من طبقات السلمي بنصه) . لقد وضع من وضع هاتين الحكايتين أصول التصوف، ومنها تفرع الفكر الصوفي فيما بعد، ولنستعرض معًا أصول هذا الفكر: أولًا: إن الهداية قد جاءت بزعمه لإبراهيم من هاتف هتف به أولًا، ثم من

стр. 43

كلام خرج من قربوس السرج، ولست مناقشًا الآن صحة هذه الدعوى أو بطلانها، ولكني أريد أن أذكر الآن أن هذا طريق للهداية يغاير ويخالف الطريق الذي جاء به الرسول ﷺ فالهداية في الإسلام إنما تكون دائمًا عن طريق كتاب الله الذي أنزل للناس هدى ونورًا. والدعوة إلى الإيمان في شريعة الرسول محمد ﷺ إنما تكون بالحجة والإقناع، وبتقديم الدليل على إعجاز القرآن وصدق رسول الله ﷺ . ثانيًا: الهداية التي ادعاها أبو عبد الرحمن السلمي لإبراهيم بن أدهم قد حملته على ترك أبيه وأمه وبلدته وخلع ثيابه، (وترك الدنيا) على حد التعبير، وليس ملابس الصوف التي كانت على جسم الراعي، ومن سمي هذا المنهج بالتصوف، وليس من شروط الهداية في الإسلام أن يترك المهتدي الدنيا، ويفر بدينه من وطنه، إلا إذا قابل فيه اضطهادًا أو منعًا من أداء الشعائر، أو كان في بلد كثير المعاصي وأراد النقلة إلى بلد آخر يكثر فيه الصالحون، ولم تكن (بلخ) التي هجرها إبراهيم كذلك؛ لأنه جاء في حكايته أنها مسكن (داود) وأن البقاع قد تفاخرت بكينونة داود فيها، هكذا قال، فكيف تترك هذه البقعة الطيبة، والقرية التي سميت (الباردة الطيبة) التي يسكن فيها داود ويخرج إلى البراري والقفار، وليس من سبب شرعي لهذا التحول؟ ثالثًا: جاء في الحكاية أن إبراهيم لقي رجلًا بالبادية يسير، وليس معه زاد ولا طعام، وأنه صاحبَه، وكان يطعمه من الطعام الذي يأتيه هكذا من الغيب، وأن هذا الرجل علمه اسم الله الأعظم، ثم أخبر أن هذا الرجل إنما هو داود ﵇ وأنه لما دعا باسم الله الأعظم حضر الخضر إليه في الحال، وسأله عن طلبه. ولست أدري شرعًا ما الذي يدعو داود ﵇ أن يعود إلى الدنيا، (إن كان ذلك في مكنته) ويتجاوز حدود رسالته ونبوته، ليعلم رجلًا من أمة محمد ﷺ اسم الله الأعظم، مع العلم أن الرسول ﷺ قال لعمر: (والله لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني) فكذلك لو عاد

стр. 44

داود حيًا لوجب أن يتبع رسول الله ﷺ ولا يجوز له أن يعلم الناس شيئًا من الدين لم يعلّمه رسول الله ﷺ . وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو قائلًا: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله (رواه أحمد (٥/٣٤٩ ـ ٣٥٠) وأبو داود (١٤٩٩٣) وغيرهما عن بريدة بن الحصيب ﵁ الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال: ﷺ : (قد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سأل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) فالرسول ﷺ أخبر أن اسم الله الأعظم في هذا الدعاء، وأن الله ﵎ إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولم يقل ﷺ : إن هذا الاسم من دعا به أتاه الخضر في التو والحال، وقال: سل تعطه! ! هكذا على الإطلاق: اسأل ما بدا لك. . ما أشبه هذا الكلام بالقصص الخرافي الذي يزعم بأن سليمان نبي الله ﵇ كان له خاتم إذا حركه أتاه عفريت من الجان! ! . ثم لو فرضنا صحة الحكاية، أليس لنا أن نسأل: لما خص داود ﵇ إبراهيم بن أدهم باسم الله الأعظم، ولم يخص به أحدًا قبله من الصحابة والتابعين؟ . ثم لماذا يقول الخضر لإبراهيم بن أدهم ـ كما جاء في الحكاية ـ: لقد تعلمت اسم الله الأعظم، فلا تدع به على أحد بينك وبينه شحناء، فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، هكذا وإبراهيم بن أدهم ليس معصومًا، فربما تخاصم مع رجل مسلم، فإذا دعا باسم الله الأعظم على هذا الرجل هلك هلاك الدنيا والآخرة، وحرم جنة الله، وباء بالنار، لأنه خاصم إبراهيم بن أدهم فقط، وهذا ليس للرسول، لأن الرسول دعا على أناس فقال له الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] . (انظر حديث البخاري في شأن نزول هذه الآية) . هذا مع أن الحال في الخصومة بين النبي ﷺ وبين أعدائه إنما هو من أجل

стр. 45

العقيدة والدين، وليس كخصومة غيره من أهل الدنيا. رابعًا: جاء في الحكاية أن إبراهيم بن أدهم أطلق على طريقة ومنهجه الذي سلكه في تعبده أنه " الخروج من الدنيا " ولقد علمنا نتائج هذا الخروج، وهي خلع ملابسه، ولبس الصوف وترك دياره، ووطنه، والدخول في البادية، ولن نناقش الآن مدى قرب هذا المسلك أو بعده عن الرسالة التي بعث بها محمد بن عبد الله ﷺ ولكننا سنناقش الآثار التي ترتبت على ذلك، وهي الزعم أن إبراهيم أخبره أسلم بن يزيد الجهني في الإسكندرية أنه إذا كان حقًا طالبًا لثواب الله فلا بد له من تحمل الصبر، وأنه إن فعل ذلك أورث الله قلبه نورًا يفرق به بين الحق والباطل، والناسخ والمتشابه (هكذا) ! ! وهنا تضع الحكاية الأصل الرابع في التصوف، وهو أنه بالمجاهدة والصبر يحصل النور الذي يعرف به علم الحق والباطل، والناسخ والمتشابه! ! والمعروف أن المجاهدة بالصبر مهما عظمت لا تعلم الإنسان الآيات الناسخة والمنسوخة، والمحكم والمتشابه من كلام الله ﵎ ولا تجعله يفرق بين حق وباطل، بل لا بد من التعلم، لأن رسول الله ﷺ يقول: (إنما العلم بالتعلم) (ذكره البخاري في (صحيحه ـ ١/١٧٠ من فتح الباري) معلقًا، وبين الحافظ بن حجر من وصله في شرحه عليه، وحسن إسناده، وأورده أستاذنا الألباني في (السلسلة الصحيحة ـ ٣٤٢) بأتم منه، وصححه وقال في مختصره لصحيح البخاري (١/٢٨) : " هو طرف من حديث رواه ابن خيثمة (١١٤) بسند صحيح عن أبي الدرداء موقوفًا، ورواه غيره عنه مرفوعًا، وله شاهد من حديث معاوية ") ولم يقل: إنما العلم بالصبر. وأما أن الله ﵎ يوفق العامل بعلمه، والقائم بتقواه إلى الهداية والعلم فنعم، وذلك بتيسير أسباب العلم الجديد فقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢] . هي ختام أطول آية في كتاب الله، وقد نزلت بشأن الدّين وكتابته والإشهاد عليه، والتعلم المقصود في الآية هو هذا التعلم الذي أنزله الله على الرسول ﷺ . ويستحيل شرعًا وعقلًا أن يبلغ المسلم علم شيء بالصبر أو

стр. 46

الصيام مثلًا دون بذل السبب الموصل إلى هذا العلم. فالعلم الشرعي بالتعلم، والعلم الدنيوي أيضًا بالتعلم، وليس شيء من ذلك يورث بالصبر والمجاهدة. ولا شك أن الحكاية عندما دعت إلى هذا العلم فإنما أرادت علمًا آخر، لأنها قالت على لسان أسلم بن يزيد: " وذلك أن الحكماء هم العلماء " فهو يعني طائفة أخرى لها تقاليدها وعاداتها، ومجاهداتها المستقلة وعلمها المستقل أيضًا، وستعلم هذا بأدلته فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ولم يعن بالطبع علماء الشريعة الذين يعلمون الكتاب والسنة، لأن علم هؤلاء لا يتأتى إلا بالدرس والنقل والكتابة والحفظ، وسؤال الله الفهم والعمل والتوفيق، وأما طريق القوم الذين عنتهم الحكاية فإنما هو المجاهدة بأسلوب خاص، وعادات خاصة، ومنهج خاص ليصل الإنسان منهم إلى علم خاص، وفهم خاص، ووجد خاص، ولا يستطيع علماء الشريعة مهما بلغ علمهم أن يصلوا إلى شيء منه. وباب هذا العلم الخاص الذي عنته الحكاية هو ما عبر عنه بقوله: " وأن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطي السكينة والوقار، والعلم الراجح، والعقل الكامل، ومع ذلك يفتح له أبواب السماء فهو ينظر إلى أبوابها بقلبه كيف تفتح، وإن كان في طريق الدنيا مطروحًا "! ! . فهذا العلم الخاص بابه السماء، وينظر أهل هذا العلم إلى فتح هذه الأبواب بقلوبهم حتى لو كانوا مطروحين في طريق الدنيا، وقبل أن نحكم على هذا العلم المزعوم بالصحة أو البطلان لا بد أن نرى نماذج منه، وهذا موعده فيما يأتي إن شاء الله. خامسًا: الغاية التي حددتها هذه الرواية المزعومة لهذا الطريق، وهذا المنهج هو: " والله ما حملني على مفارقة أبوي، والخروج من مالي إلا حب الأثرة لله، ومع ذلك الزهد في الدنيا، والرغبة في جوار الله تعالى " وقد فسر له على حد زعمه أسلم بن يزيد (البخيل) بأنه " الذي يبخل بنفسه عن الله تعالى ".

стр. 47

فالأثرة لله التي جاءت في الحكاية ليست هي حب الله وإيثار مرضاته، والطمع في جنته، وخوف ناره، بل سنعلم بالنصوص والنقول من مقالات القوم أنهم يعنون بالأثرة لله (الفناء به عن كل ما سواه) وعبادته دون رجاء مثوبة، أو خوف عقوبة، وسنعلم كيف تطور هذا الفكر فيما بعد إلى أن أنتج القول بوحدة الوجود، وأن العابد هو عين المعبود! ! سادسًا: من الغرائب في الحكاية عن إبراهيم السابقة أنه قال إن أصحاب أسلم بن يزيد الجهني قالوا له: " اضربه فأوجعه، فإنا نراه غلامًا قد وفق لولاية الله " وكأن إبراهيم في زعم الحكاية قد فاز بكنز لم يفز به أحد قبله، وهو ولاية الله وقد ذكر الله أنه ولي كل مؤمن. قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وأخبر الرسول ﷺ في حديث البخاري الصحيح أن الله تعالى يقول (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به. .، الحديث) . فبين الله ﵎ طريق ولايته، وهي أداء الفرائض ثم الاستزادة من النوافل، ولم يذكر ﵎ أن الولاية تأتي بهاتف من قربوس السرج، ثم بلقاء مع داود في البادية وتعليم للاسم الأعظم. وسنعلم في جولتنا القادمة في الفكر الصوفي أن الولاية ستصبح قاصرة على أناس مخصوصين، لهم منهج مخصوص وطريق مخصوص، وأن هذه الولاية سيجزم بها جزمًا، وسيدعيها من يدعيها بكل إصرار وتشبث! ! . سابعًا: جاء في الحكاية أن أسلم بن يزيد الجهني نصح إبراهيم قائلًا: " يا غلام أما أنك ستصحب الأخيار، فكن لهم أرضًا يطئون عليك، وإن ضربوك وشتموك، وطردوك وأسمعوك القبيح " ولا نعلم أن صحبة الأخيار تكون كذلك، بل الأخيار إذا صحبتهم أكرموك وسامحوك، وعلموك وقربوك وغفروا إساءتك، وسيعلم القارئ السر وراء هذا

стр. 48

المنهج، في النقول القادمة وفي بيان فرعيات هذا المنهج ودروبه. ثامنًا: جاء في الحكاية أن الشيخ وهو أسلم بن يزيد الجهني قال له: " إن الله سيبلغ بمن كان مثالك، ومن تبعك من المهتدين، وإنه قال له: يا غلام إنا قد أفدناك ومهدناك وعلمناك علمًا ". وهذا كله إشعار بأن هناك طريقًا آخر وروادًا جددًا قد هيئوا لأمر ما، ووجهوا وجهة خاصة، وأن الله سيبلغ بهم ما لم يبلغ بسواهم من قبل في رجال القرن الأول، ومن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، وسيعلم القارئ إن شاء الله تعالى أي مهمة هذه التي توجهت إليها هذه الفئة، وأي بلاغ عن الله ﵎ سيبلغون! ! . تاسعًا: لقد ختمت الحكاية بمثل ما بدئت، وهي أن قائلًا ممن كانوا حول الشيخ أسلم بن يزيد قال: يا إلهنا احجبه عنا، واحجبنا عنه. ففي الحال ذهبوا، ولا يدري أين ذهبوا؟ هكذا كما جاءه الهاتف وقال له: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. وهذا الأصل من الحكايات الغريبة سيكون بداية لحكايات تعتبر هذه الحكاية بالنسبة إليها أمرًا مقبولًا وسائغًا، فما هذه الحكايات؟ وبهذه الأضواء يكون أمامنا تسع نقاط يجب أن نكون على ذكر منها في رحلتنا هذه في الفكر الصوفي، وخلاصة هذه النقاط هي أن هناك طريقًا للهداية هو طريق الهواتف، وأن هذه الهداية تحمل الإنسان على ترك الدنيا، وترك الآباء والأمهات والدخول إلى البراري والقفار، وأن المهتدي على هذا النحو يرى الأنبياء ويتكلم معهم، ويأكل من الغيب لا من الشهادة، وأن الخضر ﵇ خادم لاسم الله الأعظم، هذا الإسم الذي يتعاظم على العارف أن ينطق به، وأن هذا الطريق الذي يلج فيه الصوفي يتصل به بالسماء فيتعلم العلوم، وأن هذا الطريق هو المنهج الوحيد للحصول على ولاية الله وأنه يجب الصبر مع أهل هذا الطريق، وعدم الإنكار عليهم،

стр. 49

بل يجب على المهتدي أن يكون أرضًا لهم يطئون عليها. وأن هؤلاء القوم قد أرسلوا في مهمة خاصة، وأنهم يتلقون عن الله هكذا رأسًا بلا وساطة، ويبلغون علمًا خاصًا، وأنه بدعاء واحد يختفي الموجود، ويوجد المفقود! ! . .

стр. 50

الفصل الثاني: طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا في الفصل السابق علمنا أن التصوف في بدء نشأته قد جعل غايته ما عبر عنه إبراهيم بن أدهم (بالأثرة لله) ، وأنه في سبيل ذلك يجب أن تتحقق مفارقة الدنيا والانخلاع منها، وعلى هذا الأصل كان تشريع ترك الزواج والتكسب، لأنهما من أسباب القعود عن تحقيق هذه الغاية. وهذا الإله الذي سعى المتصوفة الأولون ومن بعدهم إلى إثاره على كل شيء. لا يستمدون معرفته والعلم بذاته وأفعاله عن طريق الكتاب والسنة، وإنما عن طريق فتح أبواب السماء ـ على حد تعبيرهم ـ بالمجاهدة والسلوك الصوفي، لينكشف لهم وجه الحق، ويعلموه على حقيقته، وعندما نتتبع هذه العقيدة منذ ظهورها إلى أن اكتملت في صورتها النهائية، وحددت تحديدها الأخير، فإننا سنعلم الصورة الكاملة للعقيدة الصوفية في الرب ، والجنة والنار، والرسالات والغيب كله. أولًا: عبادة الله لذاته زعم المتصوفة أن العبادة الحقة هي ما كانت دون طلب العوض من الله وأن يشهد فيها فعل الله لا فعل العبد، وأن من شاهد فعله في الطاعة فقد جحد، وقد استدلوا على ذلك بأدلة نذكرها فيما يلي: ١ ـ ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتابه (التعرف لمذهب أهل التصوف) وهو الموسوعة الفقهية التي نشرها الدكتور عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، وشهدا في مقدمة الكتاب بأنه أقدم ما كتب عن هذا العلم ورجاله وأدقه وأصفاه، أقول؛ قال الكلاباذي في بيان المعنى الحق للعبادة، وأنها لا تجوز في حق الصوفي أن تكون عن عوض، قال: " العوض ما لله عليك في العمل في قوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ " [التوبة: ١١١] ، ولم يكمل الآية ثم

стр. 51

قال: " لتعبدوه بالرق لا بالطمع " (ص١٤١) فرؤية الجنة عندهم معصية، وطلبها نقص في حق العابد ". ولذلك قال (ص١٥٥) : " دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حالك؟ قالت: والله ما أعرف لعلتي سببًا، غير أني عرضت على الجنة (هكذا) فملت بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار علي، فعاتبني فله العتبى ". ومعنى هذا أن مجرد ميل القلب إلى الجنة يعتبره المتصوفة ذنبًا يعاقبون عليه. وفي سبيل هذه العقيدة حول المتصوفة معاني الآيات والأحاديث إلى ما يريدون إثباته من ذلك. وهذه بعض أدلتهم التي أخذوها من الآيات والأحاديث: ١ ـ قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ [التوبة: ١١١] . بهذا المقطع من الآية فقط يستدل الكلاباذي علي عقيدة القوم، ويقول: ليعبدوه بالرق لا بالطمع. ويقطع الآية عن نهايتها التي ترد فيها قوله، وهي قوله تعالى: ﴿بأن لهم الجنة﴾ [التوبة: ١١١] . فشراء الله لأنفس المؤمنين وأموالهم إنما كان بعوض وهو الجنة، وعمل المؤمنين كان سببًا للوصول إلى هذه الجنة، وإن كان غير مكافئ لها، ولكن لا يمنع هذا المؤمن أن يطمع في فضل الله ورحمته، ودخول الجنة، وأن يسعى إلى ذلك، بل هذا هو التعبد الصحيح. ٢ ـ قوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ [الحاقة: ٢٤] . يقول الكلاباذي: " أي الخالية عن ذكر الله، لتعلموا أنه بفضله نلتم لا بأعمالكم " (ص١٤٢) فسر الخالية هنا بمعنى الخالية عن ذكر الله، أي لأنكم لم تذكروا الله في بعض الأيام استحق هذا مني أن أدخلكم الجنة، لتعلموا أنما دخلتموها بفضلي لا بعلمكم. وهذا تفسير خاطئ معكوس لمعنى الآية، فالله يقول للمؤمنين يوم القيامة: كلوا واشربوا هنيئًا بسبب ما أسلفتموه في الأيام الخالية أي السابقة التي خلت. والذي أسلفوه هو العمل الصالح.

стр. 52

٣ ـ استدل الكلاباذي أيضًا على هذه العقيدة بقول الرسول ﷺ في الحديث القدسي: (الصوم لي، وأنا أجزي به) (هو جزء من حديث رواه بنحوه البخاري ومسلم (٣/١٥٧ و١٥٨ نووي) والترمذي (٧٦٤) عن أبي هريرة) قال: " قال أحد الكبراء: أي أنا الجزاء به " (ص١٤٣) . وأحد الكبراء هذا هو الحلاج. وهذا تحريف لمعنى الحديث، ليوافق هذا المعتقد الباطل. وقد يظن المسلم في عصرنا الحاضر أن هذه العقيدة في الجنة عقيدة سامية، وهي أن يعبد الإنسان الله، لا طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار، ولكنها عقيدة غير صحيحة إذ هي مخالفة لعقيدة الكتاب والسنة. فقد وصف الله حال الأنبياء في عبادتهم وتقربهم ودعائهم بأنهم كانوا ﴿ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ [الأنبياء: ٩٠] ، والرغب هو الطمع في جنة الله وفضله، والرهب هو الخوف من عقابه، والأنبياء هم أكمل الناس عقيدة وإيمانًا وحالًا. وكذلك وصف ﵎ أكمل المؤمنين إيمانًا بقوله تعالى: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكّروا بها خروا سجدًا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا وممّا رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفسٌ مّا أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٥ ـ ١٧] . فهؤلاء الذين ادخر الله لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر لا شك أنهم أكمل الناس إيمانًا وحالًا، ومع ذلك فهم يدعون ربهم خوفًا وطمعًا: خوفًا من عذابه، وطمعًا في جنته. وآيات القرآن في هذا المعنى لا تحصى كثرة. وأما السنة فلا حصر للأحاديث في ذلك، ومن أبلغها في الدّلالة على هذا

стр. 53

الأمر قول أحد الأعراب للنبي ﷺ : والله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار؛ فقال ﷺ : [حولها ندندن] (رواه أبو داود (٧٩٢ و٧٩٣) وابن ماجة (٩١٠) وأحمد (٣/٤٧٤ و٥/٧٤) وابن خزيمة، وصحح إسناده الألباني في (صفة الصلاة ـ ٢٠٢)) ، فإذا كان الرسول ﷺ يدندن بدعائه حول الجنة، فهل يتصور عقلًا وجود رجل أو امرأة أكمل منه ﷺ فيدعو الله ويعبده لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من نار؟ . وهذه الحالة التي سعى المتصوفة إلى تحقيقها، أعني عبادة الله مجردة عن الطمع والخوف جرت عليهم البلايا: فقد سعوا إلى غاية أخرى بالعبادة وهي القول بالفناء في الرب، وجرهم هذا إلى الجذب، ثم جرهم هذا إلى الحلول، ثم جرهم هذا في النهاية إلى وحدة الوجود. وفي هذا الفصل من الرسالة سنسوق إليك الأدلة على هذا التسلسل العقائدي. وقد مر بك أن رابعة العدوية لما اشتكت، وعادها بعض المتصوفة زعمت أن ذلك بسبب غيرة الله عليها (هكذا) لأنها مالت بقلبها إلى الجنة. وإني لأتساءل: من أين لها أن تعلم حب الله لها وقبوله لعملها، فضلًا عن غيرته عليها؟ وقد وصف الله ﵎ المؤمنين بقوله: ﴿إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٥٧ ـ ٦١] . وقد سألت السيدة عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ [المؤمنون: ٦٠] . فقالت يا رسول الله يسرقون ويزنون ويخافون؟ قال: (لا يابنة الصديق، ولكن يصومون ويصلون ويخافون

стр. 54

أن لا يتقبل منهم) (رواه أحمد في (المسند ـ ٦/١٥٩ و٢٠٥) والترمذي في (سننه ـ ٢٠١/٢) وابن ماجه (٤١٩٨) وإسناده ضعيف: منقطع، عبد الرحمن بن سعيد بن وهب لم يدرك عائشة، كما قال الحافظ العسقلاني في (التهذيب) ولكن له عند ابن جرير (١٨/٢٦) طرقًا وشاهدًا موصولًا يتقوى به، وقد حسنه الألباني في (الصحيحة ١٦٢) . فإذا كان حال المؤمن هو الخوف دائمًا من الله ﵎ حتى مع الطاعة، فمن أين لرابعة العدوية أن تعرف أن الله قد غار عليها؟ (العياذ بالله. .) لأنها مالت بقلبها إلى الجنة؟ أليس هذا القول من رابعة (إن صح نسبته إليها، وقد ذكر في أقدس كتب القوم وأنقاها باعترافهم) هو قول على الله بلا علم، وهو من اتباع خطوات الشيطان التي نهانا الله عنها بقوله: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إن لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٨: ١٦٩] .

стр. 55

الفصل الثالث: التنفير من الطريق الشرعي للهداية لما كان الدخول في الطريق الصوفي لا يشترط له التوجه إلى الكتاب والسنة، بل إن التوفيق له يأتي أحيانًا عن طريق الهاتف، وأحيانًا بطرق أخرى سنعرفها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإن القوم منذ نشأتهم رأوا أن علمهم الذي يحصلون عليه ـ في زعمهم ـ أفضل من علم الكتاب والسنة، بل رأوا أن علم الكتاب والسنة مشغلة عن طريقهم ومسلكهم، وهذه بعض عباراتهم في ذلك: أـ قال أبو يزيد البسطامي (مات سنة ٢٦١هـ ـ) ناعيًا على علماء الشريعة مفاخرًا لهم: " أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات " (الفتوحات المكية ج١ ـ ص٣٦٥) . ب ـ وهذا الجنيد يقول: " ما أخذنا التصوف عن القيل والقال " (طبقات السلمي ١٥٨) . ج ـ ويقول أيضًا: " أحب للمبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث، وإلا تغيرت حاله: التكسب وطلب الحديث والتزوج، وأحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه " (قوت القلوب: ٣/١٣٥) . د ـ وقال أبو سليمان الداراني: " إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في

стр. 56

طلب المعاش، أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا " (الفتوحات المكية ١/٣٧) . وهذه أقوال قليلة مما نسب إلى القوم في وجوب ترك علم الشريعة، والانصراف إلى طريقهم الخاص في التلقي والكشف. ولا يخفى على أي منصف يتقي الله ﵎ ويقول كلمة الحق أن هذه الأقوال كافية في هدم الشريعة الإسلامية، بل في هدم العمران كله، لأن الحضارة الإنسانية حتى المادية منها لا تقوم إلا على هذه الثلاث: العلم، وطلب الكسب والمعاش، والزواج. وحضارة الإسلام خاصة تقوم على هذه الثلاث، وتأمر بطلب علم الآخرة وهو علم الكتاب والسنة، وكذلك علم الدنيا وهو كل علم نافع لحياة الإنسان ورقيه في هذه الأرض. ولم يكتف أهل هذا المنهج من المتصوفة بالتنفير من علم الشريعة والحديث بل جعلوا كشفهم، وما يزعمون نقله من العلم عن الله ﵎ حاكمًا على إسناد الحديث فيصححون ما شاؤوا من الأحاديث، وإن كانت ضعيفة عند علماء الحديث والسنة، ويضعفون ما شاؤوا منها، وإن كانت ثابتة صحيحة حسب الموازين العلمية الدقيقة التي تعارف عليها علماء الحديث ومصطلحه، والتي هي بحق مفخرة الإسلام، فليس عند أمة من أمم الأرض قديمًا وحديثًا تثبت في النقل على النحو الذي درج عليه علماء هذه الأمة في التعرف على الحديث الصحيح من الضعيف، وبذلك ـ ولله الحمد ـ سلم دين الأمة من دخول أقوال الزنادقة والملاحدة فيه. أقول عمد رؤساء المتصوفة إلى هدم الإسناد في الحديث، وهو مفخرة الإسلام بحق، وذلك عن طريق الحكم على الإسناد بعلمهم الخاص. يقول ابن عربي في رسائله: " وربما قالوا (أي علماء الشريعة) إذا عاينوهم (أي عاينوا علماء الصوفية) يتكلمون بمواجيدهم مع أصحابهم: دين مكتوم، دين مشوم، وما عرفوا جهات الدين. وهؤلاء ما تكتموا بالدين فقط، وإنما تكتموا بنتائجه، وما وهبهم الحق تعالى في طاعته حين أطاعوه، وبما صح عندهم من أحاديث الأحكام ما اتفق

стр. 57

على ضعفه، وتجريح نقلته، وهم أخذوه عن الكشف (الكشف: هو انكشاف حجاب القلب ورؤيته أشياء من الغيب زعم الصوفية أنه يحصل لهم، ومراد ابن عربي هنا بالكشف الاتصال بالرسول، ومعرفة الحديث منه رأسًا (انظر الباب الخاص بالكشف الصوفي)) ، عن قائله صحيحًا، فتعبدوا به أنفسهم على غير ما تقرر عند علماء الرسوم، فينسبونهم إلى الخروج عن الدين، وما أنصفوا فإن للحق وجوهًا يوصل إليه منها هذا أحدها، ورب حديث قد صححوه واتفقوا عليه، وليس بصحيح عندهم من طريق الكشف، ويتركون العمل به مثل ذلك سواء " (رسائل ابن عربي: ص٤) . ومعنى هذا كله أن للمتصوفة حكمهم الخاص على إسناد الحديث، فعن طريق الكشف يتصلون رأسًا بالنبي ويصححون الحديث أو يضعفونه! ! وبهذا الهجوم على قواعد علم الحديث تتهدم السنة، وتبقى ألعوبة في يد هؤلاء الذين يحكمون عليها بما شاؤوا وليس من ضابط يرجع إليه، ولا فيصل يحتكم إليه ما دام أن الكشف هذا علم غيبي، وقد يكون كشف هذا غير كشف ذاك. أقول: لم يكتف المتصوفة بوضع الأصول على ترك العلم الشرعي والتنفير منه، بل أصلوا الأصول أيضًا لهدم علوم الشريعة وزوالها، وهذا أول معول من معاول الهدم، هدم الإسناد لمعرفة الحديث الصحيح من الضعيف. ولم يكتف المتصوفة بالنهي عن العلم، بل جعلوا العلم عورة يجب أن تستر وتغطى، حتى إن شيخًا يرى مريدًا له، وقد سقطت منه محبرة، فيقول له: اخف سوأتك! ! (عن تلبيس إبليس لابن الجوزي ص٣٧٠) وبعد أن وضع المتصوفة هذه القواعد لهدم العلم الشرعي والتنفير منه دعوا الناس إلى العلم الباطني الذي أطلقوا عليه اسم الحقيقة، وقالوا: إن طريق الوصول إليه هو الكشف والفتح الرباني والفيض الرحماني. لنعلم أنهم لا يعنون

стр. 58

بالعلم الباطن إصلاح حال القلوب كما يزعم بعضهم، بل إنهم يعنون علمًا خاصًا يكشفون به حقائق يزعمون رؤيتها والتحقق بها. ولقد بالغوا في تفضيل هذا العلم، وتشديد التنكير على من نفاه أو خالفه. وقد كانوا يخفون هذا العلم والكشف في أول أمرهم، ويجعلونه من الأسرار والخصوصيات، ولكنهم سرعان ما أعلنوا عنه وكشفوه بعد أن تحولت دفة الناس إليهم.

стр. 59

الفصل الرابع: القول بالحلول لما كان طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا عند المتصوفة بل كان هذا هو طلب العامة والدهماء في زعمهم فإن المتصوفة جعلوا لهم أهدافًا أخرى غير ذلك وهو أن يكون كل منهم إلهًا وربًا يعلم الغيب كله كما يعلمه الله ويتصرف في الكون كله كما يتصرف الله فيحيي، ويميت ويخفض ويرفع، ويعز ويذل. . لقد أصبح الهدف الصوفي هو الوصول إلى مقام النبوة أولًا ثم الترقي حتى يصل الفرد منهم في زعمهم إلى مقام الألوهية والربوبية. فهذا مثلًا أبو يزيد البسطامي وهو من أئمة القوم ومقدميهم، توفي سنة ٢٦١هـ ـ فهو من أعلام القرن الثالث في التصوف، وقد مر بك كلامه في شأن الرجل الذي استفتاه في أنه لا يجد في نفسه من علوم القوم شيئًا، فأفتاه بتلك الفتوى العجيبة. يذكر عن نفسه ما يأتي: " رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا " (اللمع ص٤٦١) . وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير وتأويل، والاعتذار عنه مشاركة لصاحبه في الباطل الذي يسعى إليه، ولنترك سيد الطائفة في وقته (الجنيد) يفسر كلام صاحبه أبي يزيد البسطامي يقول الجنيد في تفسير الكلام السابق:

стр. 60

" هذا كلام من لم يلبسه حقائق وحدة التفريد في كمال حق التوحيد، فيكون مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله. . وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك، وليس المقارب للمكان بكائن فيه على الإمكان والاستمكان. . وقوله: ألبسني وزيني، وارفعني يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه " ا. هـ (اللمع ص٤٦١) . وبالطبع لن يستطيع أحد أن يفهم شرح الجنيد لكلام صاحبه أبي يزيد إلا من فهم عقيدة القوم، وعرف محتواها على الحقيقة. وإليك شرح كلامه حتى كأنك تحسه وتراه إن شاء الله. أقول: حكم الجنيد على صاحبه أبي يزيد بأنه لم يصل بعد إلى كمال حقيقة التفريد (ومعنى التفريد أن يعتقد الصوفي أنه ما تم في الحياة إلا فرد واحد، هو الله، تعددت وجوداته بحسب ما يظهر للناس، ولكن الحق واحد! ! ولذلك قال عن أبي يزيد: " هذا كلام من لم يُلبسْهُ (أي الله تعالى) حقائق وحدة التفريد "، أي لم ير غير الله غيرًا كما مر من كلام الحلاج. . ولذلك قال عنه أيضًا بأنه لو رأى التفريد على الحقيقة لكان مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله، فقد سأل البسطامي ربه أن يلبسه أنانيته، ويرفعه إلى أحديته. . ولو كان متحققًا من القول بوحدة الوجود لم يقل ذلك، ولم يطلبه، لأنه سيعلم يقينًا أنه هو الله. . ولذلك رآه الجنيد بسؤاله هذا مقاربًا للحقيقة الصوفية النهائية، فقال: " وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك. . " ثم شرح هذا القول بقوله: " وقوله ألبسني وزيني وارفعني: يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه " أي فهذا مكان أبي يزيد في فهم الحقيقة الصوفية، ولم يصل بعد إلى فهمنا على الحقيقة. فانظر أيها الأخ المنصف أين كان الجنيد سيد الطائفة الصوفية من قضية التوحيد في الإسلام. . ولم يكن حكم الجنيد على أبي يزيد البسطامي في قوله السابق منفردًا به، بل حكم بهذا الحكم صاحبها الشبلي الذي كان أوحد القوم حالًا كما قالوا.

стр. 61

وروى صاحب اللمع الحكاية الآتية (ص٧٤١) : " حكي عن الشبلي ﵀. . أنه سئل عن أبي يزيد البسطامي ﵀. وعرض عليه ما حكي عنه مما ذكرناه وغير ذلك، فقال الشبلي ﵀: لو كان أبو يزيد ﵀ ها هنا لأسلم على يد بعض صبياننا. .، وقال: لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشددت الزنانير ". فانظر كيف حكم الشبلي على أبي يزيد بأنه لا يصلح تلميذًا له، بل لو كان موجودًا معه الآن في وقته لأسلم على يد بعض صبيان الشبلي. . وأنا أجزم الآن أنه يقصد بهذا الإسلام أن يعلمه أنه لا موجود إلا الله. . ولذلك قال بعد ذلك: " لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشدد الزنانير " ومعنى شد الزنار أن يلبس لباس أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس، لأنه كان يعتقد ـ بما لبس على الناس ـ أن أحدًا من معاصريه لا يفهم ما يشير إليه بهذه الأقوال. . وهذا حق، لأن القوم ليسوا على الناس بما ادعوه من الصلاح والتقوى ومحبة الله ورسوله. وقد مر بك أن هذا الشبلي كان سمينًا بدينًا، ومع ذلك كان يزعم أنه يحمي المرود ويكتحل به حتى لا ينام. ومما يدلك على ما جزمت به سالفًا من تفسير قول الشبلي الآنف ما فسر به أيضًا الجنيد حال أبي يزيد البسطامي قائلًا: " إن أبا يزيد ﵀. . مع عظم حاله، وعلو إشارته لم يخرج من حال البداية، ولم أسمع منه كلمة تدل على كمال النهاية " (ص٤٧٩) . فانظر وتيقن الآن معتقد القوم الذين يشهدون على البسطامي بأنه لم يجاوز حال البداية، وهو الذي قال الأقوال السالفة. . ولا غرو في ذلك ما دام الشبلي يقول عن نفسه لأبي عبد الله بن جابان بعد أن زاره، وأراد أن يخرج من عنده هو وبعض زملائه: " مروا أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي " (ص٤٧٨) . فالذي وصل إلى هذه النهاية لا شك أنه يحكم على كلام البسطامي أن ما جاوز البداية. . وقد يظن ظان أن الجنيد كان دون الشبلي في هذه الأقوال، وهذا من

стр. 62

الجهل والغفلة، وعدم تتبع القضية الصوفية، والغوص على مغاليقها وأسرارها، والأمر على غير ذلك، فالجنيد كان أسبق أولئك القوم إلى العقيدة الصوفية، وأعلم الناس بها، ويدلك على هذا أن الشبلي يسأله يومًا، فيقول له: يا أبا القاسم ما تقول فيمن كان الله حسبه قولًا وحقيقة؟ فقال الجنيد ﵀. . يا أبا بكر (وهي كنية الشبلي) بينك وبين أكابر الناس في سؤالك هذا عشرة آلاف مقام، أوله محو ما بدأت به (اللمع ص٤٨٧) . فانظر كيف سأل الجنيد عن حقيقة من حقائق الإسلام، وهي أن يكون الله حسب المرء في اعتقاده وقوله وكل شؤونه، أي أن يعتقد المسلم أن الله كافيه في كل ما يهمه ويشغله، وهذا من كمال التوحيد كما قال تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه﴾ [الزمر: ٣٦] ، وقال الرسول ﷺ عندما قيل له: إن قريشًا عزمت أن ترجع لتستأصل شأفة المسلمين بعد هزيمة أحد قال ﷺ : (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي الله كافينا ومنجينا . انظر كيف حكم الجنيد على هذه الحقيقة الشرعية بأن سؤال الشبلي عنها يدل على أن بينه وبين أكابر الناس أي (كبراء الصوفية) عشرة آلاف مقام، أول هذه المقامات محو هذه الحقيقة الشرعية التي بدأ الشبلي بالسؤال عنها. .

стр. 63

الفصل الخامس: القول بوحدة الوجود لما بدأ القول بالحلول، وجعل المتصوفة غايتهم من التصوف أن يتشبهوا بصفات الله في زعمهم فيكون أحدهم إلهًا يعلم كل شيء، ويتصرف في كل شيء فإن هذا الحال استمر بهم حتى وصلوا في النهاية إلى القول بوحدة الوجود، وأن كل شيء إنما هو الله وأن الله هو الذي في الكون وحده وليس هناك شيء آخر معه. ومصطلح وحدة الوجود يعني في العقيدة الصوفية أنه ليس هناك موجود إلا الله فليس غيره في الكون، وما هذه الظواهر التي نراها إلا مظاهر لحقيقة واحدة، هي الحقيقة الإلهية (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) ، هذه الحقيقة التي تنوعت وجوداتها ومظاهرها في هذا الكون المشاهد، وليس هذا الكون ـ في هذه العقيدة الباطلة ـ إلا الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك. وقد رأينا كيف عبر الحلاج عن هذه العقيدة بكل صراحة ووضوح فيما نقلناه عنه آنفًا، وكيف عبر عنها الشبلي بشيء من التعمية واللف والدوران، وكيف جاءت في الكلام المنسوب إلى الجنيد في شيء من الحذر والحيطة. ولقد استمرت هذه العقيدة معلومة عند أناس مخصوصين فقط بلغوا النهاية في الطريق الصوفي، ولكنهم لم يعبروا عنها إلا بتعبيرات ملفوفة غامضة، لا يفهمها إلا من سار سيرتهم، وذاق ذوقهم، وكشف غوامض كلامهم. ولكن القرن السادس الهجري شهد في أواخره، وبداية القرن الذي يليه رجلًا عجيبًا استطاع أن يصوغ هذه العقيدة صياغة كاملة، ويضرب لها آلاف الأمثلة، ويبني عليها فروعها المختلفة في الاعتقاد والتصور، ويؤلف فيها عشرات الكتب، ذلك الرجل هو محيي الدين بن عربي المتوفي سنة ٦٣٨هـ

стр. 64

ـ نشأ هذا الرجل في الأندلس، واستقر به المقام في الشام، ورمي بالكفر والزندقة والإلحاد والكذب، ولكن عقيدته ومذهبه وجدت المشيعين والمروجين الذين استطاعوا أن يرفعوه ـ كما رفع نفسه ـ إلى مرتبة الولاية، بل إلى ختم الولاية ومرتبة المشيخة الكبرى وإحياء الدين. وبالرغم من أن ابن عربي هذا قد زعم أنه نقل علمه وكتبه عن الرسول ﷺ مباشرة، وكتب عن اللوح المحفوظ بلا وساطة، وصاغ عقيدة وحدة الوجود بكل جرأة وبلا مواربة، بل بقليل من التدليس والمراوغة، واستطاع أن يحرف آيات القرآن فيزعم أن قوم هود الكافرين كانوا على الصراط المستقيم، وأن فرعون كان مؤمنًا كامل الإيمان، وأن قوم نوح كانوا مؤمنين، فجازاهم الله بأن أغرقهم في بحار الوحدة، وأدخلهم نار الحب الإلهي ليتنعموا فيها، وأن هارون أخطأ لأنه نهى بني إسرائيل عن عبادة العجل، وما كان العجل إلا المعبود الحق، أو صورة من صور المعبود الحق، وأن قوم نوح أصابوا في عدم تركهم ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا لأنها مظاهر للإله الواحد، وأن النار عذوبة لا عذاب، وأنه ما من إنسان إلا مرحوم مرضي عنه، وأن الله لا يعلم شيئًا قبل وجوده، لأن وجود الشيء هو وجود العلم، بل وجود كل شيء هو ترجمة لوجود الله (تعالى الله عن ذلك) أقول: بالرغم من أن ابن عربي قال هذا الكلام كله، بل هذا جزء يسير جدًا مما قاله، فإنه أدعى بأن كل ذلك قد نقله بلا زيادة ولا نقصان عن الرسول الذي أمره بتبليغ ذلك للناس، وبالرغم أيضًا من كل ذلك فقد وجد هذا الرجل من المروجين والأتباع ما لا يقع تحت الحصر منذ ظهوره إلى زماننا هذا، ومن أمة الإسلام الذين يشهدون في كل يوم مرات كثيرة بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا من أعجب العجب. وهاك الآن نقولًا صوفية من كتبه تدلك على هذه العقيدة. ١ ـ قال في مطلع كتابه " فصوص الحكم " وهو الكتاب الذي جعله خاتمة لأعماله جامعًا لعقيدته: " أما بعد فإني رأيت رسول الله ﷺ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده

стр. 65

ـ ﷺ كتاب، فقال لي: هذا " كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا " ثم يقول: فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي الرسول ﷺ من غير زيادة ولا نقصان " (الفصوص، ص٤٧، طبع بيروت. تحقيق: أبو العلاء عفيفي) . ويقول في مكان آخر بعد أن ذكر مواضيع الكتاب: " فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب، فامتثلت ما رسم لي، ووقفت عند ما حد لي، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت فإن الحضرة تمنع من ذلك " (ص٥٨) . ويقول أيضًا في " فص حكمة علوية في كلمة موسوية ": " وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب " (ص٥٨) . وهذه النقول من مقدمة الكتاب ومن ثناياه تعلمك إصرار الرجل أنه ينقل عن الله مباشرة بل مشافهة، وعن اللوح المحفوظ رأسًا، وعن الرسول الذي أمره في تلك الرؤيا المزعومة أن يخرج على الناس بهذا الكتاب، فماذا في هذا الكتاب من العلم بالله ورسالاته والهدى والنور؟ لننظر. ٢ ـ يزعم ابن عربي أن قوم نوح أجابوا رسولهم إجابة حقيقية، وأن نوحًا مكر بهم فمكروا به، وأن تمسكهم بآلهتهم إنما هو تمسك بحق أراد نوح أن يزيلهم عنه، وهاك نص عباراته في ذلك: " علم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ﵇ في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه. .، دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه ﷺ . لذلك ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾ [نوح: ٧] . وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، لا بلبيك.

стр. 66

قال نوح في حكمته لقومه: ﴿يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [نوح: ١١] . وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، ﴿ويمددكم بأموال﴾ [نوح: ١١] . أي بما يميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرفه، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف " (ص٧١) . فانظر كيف جعل المطر والخصب الذي هو نتيجة للصلاح والتقوى والإيمان والاستغفار والمعارف العقلية. . وكيف جعل الأموال أي ما يميل بهم إليه فيرون صورتهم فيه، وهذه هي وحدة الوجود، ولذلك يقول بعدها: " فمن تخيل أنه رآه فما عرف وأما من رأى نفسه فهو العارف ". ثم يقول: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾ [نوح: ٢٢] . لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، أدعو إلى الله فهذا عين المكر، فأجابوه مكرًا كما دعاهم (ص٧٢) ، فانظر كيف جعل الدعوة إلى الله مكرًا بالمدعوين، بل عين المكر ثم بين نوع المكر الذي قابل قوم نوح نوحًا، فيقول: " فقالوا في مكرهم: لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودًا ولا سواعًا، ولا يغوث ويعوق ونسرًا، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله. .، فما عبد غير الله في كل معبود " (ص٧٢) . وبهذا يجعل ابن عربي تلك الآلهة الباطلة التي عبدها قوم نوح آلهة حقة، لأنها في زعمه وجه من وجوه الحق. ثم يقول مكملًا تبديل آيات الله: ﴿ولا تزد الظالمين﴾ [نوح: ٢٤، ٢٨] . لأنفسهم (المصطفين) الذين أورثوا الكتاب أول الثلاثة، فقدمه على المقتصد والسابق ﴿إلا ضلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . إلا حيرة " (ص٧٣) . وهنا يجعل ابن عربي قول الله في شأن قوم نوح: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . وهو الدعاء الذي دعا به نوح على قومه، يجعل ابن عربي هذا الظلم كالظلم الذي وصف الله به طائفة من الذين أورثهم الكتاب حيث قال: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾ فيجعل هذا الظلم كذاك الظلم،

стр. 67

وهذا غاية التلبس والثعلبية. ثم يقول ابن عربي: ﴿مما خطيئاتهم﴾ [نوح: ٢٥] . فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله. ﴿فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا﴾ [نوح: ٢٥] . فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد " (ص٣٣) ، ثم يحرف قول الله تعالى: ﴿إنك إن تذرهم يضلوا عبادك﴾ [نوح: ٢٧] . قائلًا: " أي يحيروهم، فيخرجوهم من العبودية إلى ما هم فيه من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أربابًا بعدما كانوا عند أنفسهم عبيدًا، فهم العبيد الأرباب " (ص٧٤) . فيجعل ضلال قوم نوح إنما هو حيرة، لأنهم عرفوا أسرار الربوبية، وأن كل موجود هو الله، فأصبحوا بذلك أربابًا عند أنفسهم. . ثم يحرف كلمات الآية الباقية فيجعل ﴿رب اغفر لي﴾ [نوح: ٢٨] . وهو بقية كلام نوح أي استرني، ﴿ولوالدي﴾ [نوح: ٢٨] . يعني العقل والطبيعة و ﴿لمن دخل بيتي﴾ [نوح: ٢٨] . يعني قلبي، ﴿وللمؤمنين﴾ [نوح: ٢٨] . أي العقول. ﴿والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨] . أي النفوس ﴿ولا تزد الظالمين﴾ [نوح: ٢٨] . أي أهل الغيب، ﴿إلا تبارًا﴾ [نوح: ٢٨] . أي هلاكًا، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم، ثم يقول بعد ذلك: " ومن أراد أن يعرف أسرار نوح فعليه بالرقي في فلك نوح، وهو في (التنزلات الموصلية) لنا والله يقول الحق " ا. هـ (ص٧٤) . ٣ ـ لم يكتف ابن عربي بتصحيح موقف قوم نوح الضالين المكذبين، بل عمد إلى جميع كفار الأرض فجعلهم مؤمنين موحدين عارفين واصلين، وعمل إلى المسلمين فجعلهم مؤمنين بجزء من الحق فقط كافرين بأجزاء أخرى، ولم ينس ابن عربي فرعون اللعين الذي لم تعرف الأرض قبله أكفر منه ولا أظلم، فجعله من المؤمنين الموحدين الفائزين بالجنة حيث يقول: " ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي، لذلك قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . أي وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما فأنا ربكم الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه، بل أقروا له بذلك، فقالوا: ﴿إنما تقضي هذه الحياة الدنيا﴾ [طه: ٧٢] . ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢] . فالدولة لك، فصح قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . (ص٢١٠، ٢١١) .

стр. 68

وهذا الكلام واضح ووازنه بكلام الحلاج الآنف في شأن فرعون، لتعلم وحدة العقيدة التي دعا إليها هؤلاء الأقوام. بقي أن تعلم إشاراته الخبيثة في كلامه، نحو: أن فرعون كان الخليفة بالسيف، ويعني بالخليفة قول الله لداود: ﴿إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ [ص: ٢٦] . فيقيس الخلافة الشرعية النبوية على الملك المتسلط الفاجر، ثم شريعة موسى عُرفًا، أي ما يعرفه موسى، ولذلك اتهم بعض الصوفية الآخرين موسى ﵇ بالجهل، وفرعون بالعلم والمعرفة، فقال: كان فرعون أعلم بالله من موسى، لأنه عرف حقيقة الحق، وأما موسى فما عرف إلا وجهًا واحدًا، ولم يعرف أن الكل أرباب وأنهم مخلوقون في نفس الوقت، فالإنسان عندهم هو الحق والخلق، كما سيأتي بالنص إن شاء الله من كلام ابن عربي، ولذلك قال ابن عربي معللًا كلمة فرعون: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [الذاريات: ٢٤] . أن الكل أرباب بنسبة ما؛ وفرعون أعلى من هؤلاء الأرباب، لأنه الملك المطاع في ذلك الوقت. وعلى هذا فقد حكم له بالإيمان والجنة زاعمًا أنه آمن عندما رأى انفلاق البحر لبني إسرائيل، فنجاه الله من العذاب الآخروي، وعمته النجاة حسًا ومعنى، وأنكر على من يقول: إنه من المعذبين قائلًا: " ليس لديهم نص في هذا المعنى "، مع العلم أن الله يقول عنه: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ [هود: ٩٦ ـ ٩٩] . وما غاب هذا النص عن ابن عربي، ولكنه التلبيس والثعلبية والمكر، ومخالفة سبيل المؤمنين من أولهم إلى آخرهم. وعلى هذه العقيدة الباطلة أيضًا صحح ابن عربي موقف السامري، وصناعته للعجل الذي فتن به بنو إسرائيل، فعبدوه من دون الله، وخطّأ ابن عربي هارون ﵊، لأنه ما عرف الحق، وأنكر على بني إسرائيل، وزعم ابن عربي أن موسى عرف الحق وأنكر على السامري أن يحصر

стр. 69

الإله في شيء واحد فقط، لأن عين كل شيء هي عين الإله، وهي عين الحق ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ. يقول ابن عربي في ذلك: " ثم قال هارون لموسى ﵇: ﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل﴾ [طه: ٩٤] . فتجعلني سببًا في تفريقهم، فإن عبادة العجل فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعًا للسامري وتقليدًا له، ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه أن الله قضى ألا يعبد إلا إياه. . وما حكم الله بشيء إلا وقع. . فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء " ا. هـ (الفصوص ص١٩٢) . فانظر كيف زعم الخبيث أن موسى علم أن أصحاب العجل ما عبدوا إلا الله، لأن الله قال: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] ، فجعل هذا القضاء قضاء كونيًا قدريًا، وأن الله ما حكم بشيء إلا وقع، ومعنى هذا عنده أن كل معبود في الأرض إنما هو الله، وما عبد الإنسان شيئًا حجرًا أو غيره إلا عبد الله، مستدلًا بالآية السالفة بمعنى حكم وأمر، وهذا الحكم والأمر حكم شرعي، فمن هداه الله ووفقه إليه امتثله. ومن اتبع سبيل الغواية والشيطان انحرف ومال عنه، كبقية الأوامر الشرعية، نحو وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ونحو قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦] . وقد خالف قضاء الله وأمره كثير من الكفار والملاحدة والجاحدين، وخالف بعض المؤمنين بعض ما قضى الله به ورسوله، وكثيرًا مما أمر به. وها قد رأيت أن ابن عربي ختم عبارته بقوله: " فالعارف من يرى الحق

стр. 70

في كل شيء، بل يراه عين كل شيء " وهذا منتهى العقيدة الصوفية، والفارق هو الاصطلاح الصوفي لمن تحقق من هذه العقيدة الخبيثة، ووصل النهاية في هذا العلم الخبيث (والحق) هو الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك وسبحانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم يتمم ابن عربي شرح عقيدته الباطلة، فيحرف معنى قول الله تعالى: ﴿فما خطبك يا سامري﴾ [طه: ٩٥] . قائلًا: " يعني فما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص " ا. هـ أي لماذا خصصت العجل فقط بكونه إلهًا، والحال في هذه العقيدة أن كل شيء هو الله، ولذلك حرق موسى العجل حتى لا يحصر الإله في شيء واحد ـ تعالى الله عن ذلك ـ ثم يستطرد الخبيث قائلًا: " وقال له: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ [طه: ٩٧] . فسماه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم أنه بعض المجالي الإلهية " ا. هـ. فانظر كيف زعم أن قول موسى للسامري: ﴿وانظر إلى إلهك﴾ [طه: ٩٧] . أن هذا اعتراف موسى بألوهية العجل، لأنه بعض الأشياء التي يتجلى فيها الرب (سبحانك هذا بهتان عظيم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) . ثم يفلسف ابن عربي عدم تسلط هارون على نسف العجل وإحراقه، وكون موسى هو الذي سلط على ذلك، زاعمًا أن هذا كان ليعبد الله في كل صورة، والعجل هو إحدى هذه الصور التي يجب عنده ـ لعنه الله ـ أن يعبد الله فيها، ويحرف في ذلك قول الله تعالى: ﴿رفيع الدرجات﴾ [غافر: ١٥] . فلله درجات يعبد فيها، وكل صنم وإله عبد في الأرض، فهو إحدى درجات الله في زعمه ـ تعالى الله عن ذلك ـ ثم يجعل عبادة الهوى أعظم هذه الدرجات وأسماها. وهاك نص عبارته في ذلك: " فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود، ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية " ثم يقول " وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في

стр. 71

قلبه، وكذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل. . رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيًا عبد فيها، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه (الهوى) كما قال: ﴿أفرءيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا به. . ولا يعبد هو إلا بذاته، وفيه أقول: وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى " (الفصوص ص١٩٤) ثم يقول بعد ذلك: " والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهًا مع اسمه الخاص بحجر أو شجر، أو حيوان أو إنسان، أو كوكب أو ملك " (الفصوص ص١٩٥) . ثم جعل ابن عربي بعد ذلك كفار قريش الذين تمسكوا بآلهتهم الباطلة قائلين ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] . غير منكرين لله، بل متعجبين لأنهم وقفوا مع كثرة الصور، ونسبوا الألوهية إليها، ثم يزعم أن الرسول محمد ﷺ قد جاء داعيًا لهم إلى إله يعرف، ولا يشهد. . ثم يصف ابن عربي هذا الإله قائلًا: " فدعا (أي الرسول محمد ﷺ ) إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة. . ولا يشهد ولا تدركه الأبصار، للطفه وسريانه في أعيانه الأشياء، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة، وهو اللطيف الخبير، والخبرة ذوق، والذوق تجل، والتجلي في صور فلا بد منها، ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت. . " ا. هـ ثم يقول مستهزئًا بعقول الجاهلين: ﴿وعلى الله قصد السبيل. .﴾ [النحل: ٩] . وأظنك أيها القارئ قد فهمت الآن العقيدة التي دعا إليها ابن عربي

стр. 72

والإله الذي تخيله، وهو ما زعم أنه الروح الذي يسري في جميع الموجودات، بل الموجودات هي صورته الظاهرة. . وهي عينه (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا) ولم يكتف أن ينسب هذا إلى نفسه، ومن شايعه، بل زعم أن هذه هي عقيدة موسى وعيسى ومحمد، بل وجميع الأنبياء والمرسلين الذين عرفوا الأمر على حقيقته، وأن الرسول قد أعطاه هذا الكتاب، ليخرج به على الناس ليبلغهم الدين الحق، والرسالة الصحيحة، وأنه نقل فقط، وما تصرف في شيء، بل سار في حدود ما أمر به، ولم يزد حرفًا واحدًا. ٤ ـ ولم تستطع عقبة أن تقف أمام ابن عربي لترده إلى صوابه، وليعلم العقيدة الحقة، ولكنه مضى في شوط التلبيس والتخطيط إلى منتهاه. وكانت من هذه العقبات العقيدة في النار: جهنم التي أعدها الله للكافرين، والتي يصطرخون بها: ﴿ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] . والتي يتمنون فيها الموت، بل يكون هو منتهى آمالهم وغاية مطلبهم ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] . فيرد عليهم مالك قائلًا ﴿إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧] ، جهنم التي يدعو أهلها على أنفسهم بالويل والثبور، ويرد الله عليهم قائلًا: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] لأنه لا استجابة لهم، ولا خروج منها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وآيات كثيرة في وصف جهنم، وبشاعتها وحرقتها، وعذاب أهلها بها، كل هذه الآيات لم تمنع ابن عربي الذي حكم لقوم نوح بالمعرفة والإيمان، ولقوم فرعون ولكفار مكة كذلك، بل لكل كافر على الأرض أنه ما عبد إلا الله في صورة من الصور، أقول: كذلك هذه الآيات لم تمنع ابن عربي أن يحكم لأهل النار بالنعيم المقيم، والسعادة والهناء.

стр. 73

وأين ذلك؟ . . في النار نفسها، هذه النار التي وصفها الله بما وصف، ووصف أهلها بما وصف. . هذه النار دار سعادة عند ابن عربي، لا دار شقاوة وعذاب، بل دار عذوبة وهناء. وهاك نص عبارته في ذلك: " وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ** على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد، فالأمر واحد** وبينهما عند التجلي تباين يسمى عذابًا من عذوبة طعمه** وذاك له كالقشر والقشر صاين (الفصوص ص٩٤) فانظر كيف جعل نعيم النار كنعيم الجنة، لأن الأمر واحد في زعمه، وأن العذاب من العذوبة، وأن النار قشرة تخفي وراءها النعيم المقيم لأهل النار. ويقول أيضًا: " فمن عباد الله من تدركه تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمى جهنم، ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه إنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم، إما بفقد ألم كانوا يجدونه، فارتفع عنهم، فيكون نعيمهم راحتهم عن وجدان ذلك الألم. . أو أن يكون النعيم مستقلًا زائدًا كنعيم أهل الجنان والله أعلم ". انتهى (الفصوص ص١١٤) . ومع أنه تناقض هنا مع ما قرره في أبياته السابقة، وقال: يكون النعيم لأهل النار بفقد آلام سابقة، أو بحصول لذة ومتاع بالنار كنعيم الجنة و (أو) تقتضي الشك، ولذلك قال: والله أعلم، مع العلم أنه قال في مطلع الكتاب وفي ثناياه أنه ينقل عن الله بلا زيادة ولا نقصان. . فانظر هذا التهافت والتخبط والعمى. . نعوذ بالله من الخذلان. أقول مع هذا يعود ويقرر دون شك أن النار ستكون بردًا وسلامًا على أهلها، كما كانت نار إبراهيم بردًا وسلامًا عليه، يقول في (الفصوص ص١٦٩) : " وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار. . إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن تكون بردًا وسلامًا على من فيها، وهذا نعيمهم، فينعم أهل النار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه ﵇ تعذب برؤيتها.

стр. 74

وبما تعود في علمه، وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان " ا. هـ. ٥ ـ أظنك أيها القارئ الكريم قد عرفت الآن فرعيات هذه العقيدة الصوفية الباطلة، ولمزيد من هذه المعرفة والتوضيح سأنقل إليك بيانًا واضحًا من كلام ابن عربي أو الشيخ " الأكفر أو الأكبر " كما يسمونه، مما تتصور به هذه العقيدة، ويكفي في إبطالها أن تتصورها، فهذه العقيدة لا تحتاج إلى رد يبطلها، وإنما تصورها تصورًا صحيحًا يكفي لبطلانها. فما عرف البشر في تاريخهم الطويل كفرًا وإلحادًا أعظم من هذا الكفر؛ فإن الله ﵎ استعظم مقالة من قالوا: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾ [البقرة: ١١٦] . عن ذلك قائلًا: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا﴾ [الكهف: ٤ ـ ٥] . وقال جل وعلا: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا أن دعوا للرحمن ولدًا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٨٨ ـ ٩٥] . فإذا كانت السماوات تكاد تنفطر من تلك المقالة الخبيثة، بل وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا، فكيف بمن ينسب كل شيء خبيث في الأرض إلى ذات الله، بل جعله عين الله؟ ! . . فالذين نسبوا لله ولدًا نسبوا شيئًا صالحًا كنبي أو ملك، أما الذي جعل الله عين كل شيء. . أقول: إن تصور هذه العقيدة يكفي لبطلانها عند من له أدنى حس أو شعور، ولا أقول عقل ولب، فالقضية لا تحتاج معقولية لردها، وإنما تحتاج قليلًا من الإحساس والشعور، والحياء والخجل، وقد لبّس هؤلاء الشياطين على الناس زاعمين أن كلامهم لا يفقهه إلا من ذاق ذوقهم، ووجد وجدهم، وعرف معرفتهم، هأنا ذا أعطيك مفاتيح هذه المعارف الباطلة، والذوق الخبيث، والوجد اللعين، لتعرف الأمر عندهم على ما هو

стр. 75

عليه، ولذلك فسأسرد لك طائفة أخرى من الشرح التفصيلي لهذه العقيدة، وكل هذا الشرح من كلام القوم حتى لا يبقى عندك في الحق لبس، ولتعلم أيضًا أن من زعم منهم أن هذا الكلام المنقول عن أساتذة الضلال إنما هو شطح فقط، وغلبة حال فزعمه باطل، لأن الأمر ليس شطحًا، وإنما هو عقيدة فلسفية مقررة مشروحة في عشرات الكتب، وأن كل آي القرآن قد حرفوها واستدلوا بها، ليغيروا عقيدة المسلمين الحقة في إلههم ، الذي يتصف بصفات الكمال، والذي لا يشبه أحدًا من خلقه، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولمن يكن له كفوًا أحد. يقول ابن عربي شارحًا عقيدته مستدلًا عليها بالحديث الموضوع: " من عرف نفسه عرف ربه " قال: " قال ﵇: " من عرف نفسه عرف ربه "، وهو أعلم الخلق بالله، فإن بعض الحكماء وأبا حامد ادعوا أنه يعرف الإله من غير نظر في العالم، وهذا غلط، نعم تعرف ذات قديمة أزلية، لا تعرف أنها إله حتى يعرف المألوه، فهو الدليل عليه، ثم بعد هذا في ثاني حال يعطيك الكشف أن الحق نفسه كان عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته، وأن العالم ليس سوى تجليه في صور أعيانهم الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه، وأنه يتنوع ويتصور بحسب حقائق هذه الأعيان وأحوالها، وهذا بعد العلم به منا أنه إله لنا، ثم يأتي الكشف الآخر، فيظهر لك صورنا فيه، فيظهر بعضنا لبعض في الحق، فيعرف بعضنا بعضًا " ا. هـ (الفصوص ص٨١، ٨٢) . فهنا قد أنكر ابن عربي على أبي حامد وبعض المتصوفة الآخرين الذين قالوا: إن الحق لا يشترط لمعرفته النظر في الكون، بل قد يأتي ذلك عن طريق الكشف رأسًا دون استدلال بالكون المشاهد على الخالق . وقال ابن عربي: " إن هذا لا يكفي إلا لمعرفة ذات قديمة أزلية، ولكن لا بد من النظر في الكون لتعلم أن الذي تشاهده هو الحق، وهو الدليل على الحق، أي أن الصور المشاهدة في الكون هي الله، وهي الدليل عليه، ثم يأتي بعد ذلك الكشف الآخر الذي يتحقق الإنسان فيه من نفسه أيضًا بأنه نفسه صورة من صور الحق، فعند ذلك يعرف نفسه، فيعرف ربه، يعرف نفسه أنه
следующие страницы →