ومنهم الأشوريون، ومنهم الرومان المتعجرفون الذين أرادوا أن يؤثروا في الثقافة المصرية بقوتهم الغشوم فكان جزاؤهم الفشل والخذلان والطرد.
وأخيرًا جاء العرب بثقافتهم الخاصة إذ كانت لهم ثقافة واندمجوا في الثقافة المصرية كالكرات الحمراء ودفعتها إلى التقدم والمدنية والرقي.
ولكنها لم تتغلب عليها قط إذ إنها مازالت محتفظة بطابعها المصري حتى الآن في نواح متعدد من الحياة في مصر، ومن السهل على المرء أن يميز آثارها في البيت المصري الصميم وفي الأغاني الشعبية القومية العامية التي يرددها الفلاحون بل في اللغة العربية التي نتكلم بها الآن.
وأن عشر اللغة التي نتكلم بها هيروغليفي، مثل نون الوقاية وكاف الخطاب والفعل أدى، فهذه كلها ألفاظ تعود بأصلها إلى الهيروغليفية.
وانتقل إلى الثقافة المصرية الدينية فذكر أن المصريين نشئوا جاهلين كالعرب ولكنهم مع ذلك عبدوا الخالق في صور عديدة، ومعنى هذا أنهم عرفوا فكرة التوحيد في الإسلام وفكرة التثليث في المسيحية.
وعاد فقال إن الأرغول والناي بشكل القيثارة والدف هذه كلها أدوات مصرية فرعونية قديمة.
١٥- لا فرعونية ولا عربية: محمد كامل حسين ١:
ذهب بعضهم إلى أن هذه الثقافة يجب أن تكون فرعونية وقال البعض: إن ثقافة مصر يجب أن تكون عربية خالصة.
أما هؤلاء الذين يريدون لمصر الثقافة الدينية فلا نتفق معهم أيضًا في
стр. 37
هذا الرأي، فطبيعة مصر تختلف اختلافا طبيعيا عن طبيعة بلاد العرب.
والحياة المصرية، تختلف عن حياة العرب وللمصريين عقلية خاصة تختلف أيضًا عن عقلية العرب فكل الظروف تدل على أن المصريين يختلفون عن العرب في أشياء كثيرة وإن كان المصريون والعرب -كما يقول البعض- من أصل واحد إذ إنهم اتصلوا ببعض اتصالا يكاد تاما حتى حينما دخل العرب مصر وهاجرت قبائل عربية إليها واستوطنوا بها، نرى الحياة التي كانوا يحيونها قبل دخولهم مصر تتغير ويصبحون كالمصريين في كل شيء، والثقافة العربية نفسها التي حملوها إلى مصر اختلفت في كثير عن الثقافة العربية في البلاد الأخرى.
ثم إن اللغة العربية التي يدرسونها لمصر محدودة لا تتعدى اللغة والشعر وبعض القصص، أما العلوم الأخرى من فلسفة ومنطق وغيرهما فلم يكن للعرب حظ منها وإنما عرفها المسلمون بعد الفتوح الإسلامية.
كل الذين يسمون الثقافة الإسلامية بالثقافة العربية قد أخطئوا في هذه التسمية لأن هذه الثقافة اشتملت على علوم وأفكار ليست عربية في شيء كما أن القائمين بها كثرتهم من غير العرب.
ولكن هذه الثقافة الإسلامية لا تكفي وحدها لأن تكون ثقافة مصر بعد أن رأيت هذا الجمود الذي حل برجال الأزهر نتيجة اتخاذهم الثقافة الإسلامية وحدها دون غيرها.
ثم عمدنا إلى الثقافات الأجنبية المختلفة التي كلف بها المصريون وأحبوها.
стр. 38
١٦- هذا الوطن المصري، سلامة موسى:
لسنا في دعوتنا إلى درس الفراعنة رجعيين، لا بل نحن ندرس هذه الحضارة بروح يقرب جدًا من الروح الديني فإننا نزداد صلاحا بهذا الدرس إذ نجد فيها الأسباب الكبيرة لأن يحب بعضنا بعضا. فنحن أسرة قد عشنا في هذا الوادي أكثر من عشرة آلاف سنة وليس فينا مصري واحد كائنة ما كانت البقعة التي يعيش فيها إلا وفيه قطرة من الدم الذي جرى في رمسيس وخوفو ومنقرع وأخناتون.
ولكن بعض الناس يتهموننا بما يسمونه "الفرعون" وهذه اللفظة لم تجر قط على قلم واحد من الكتاب المصريين في صدد الدفاع عنها وإنما هم اخترعوها لكي يشتمون بها، وقد بلغ السخف بأحدهم أن يقف في منبر مصري ويشتمنا على هذه الفرعونية المزعومة ويسب الفراعنة. وهم يقصدون بالفرعونية أننا نريد أن نجحد العرب ونرجع بالناس إلى ديانة الفراعنة وأنظمتهم، وهذا سخف لا يعرفونه هم أنفسهم ولكنهم يتوسلون به للطعن فينا.
ثم يدعون علينا الدعاوي في الكراهية لوحدة العرب بل يتهموننا بخدمة الاستعمار بتفتيت الوحدة.
وليس في العالم كله صحف تدافع عن الأقطار العربية وتعنى بأخبارها كالصحف المصرية، ولكن مجهود هذه الصحف لا يعترف به إذ هي لا تكتب في الليل والنهار عن الوحدة العربية ولا تنغمس في دعاية تعترف أنها تعد الآن سخيفة وأن الوقت لم يحن لها.
стр. 39
كلا أيها الإخوان لا تلوموننا على الزهو بالفراعنة لأن لنا حقًا في هذا الزهو يعترف به العالم كله.
١٧- عربية مصر، سعيد حيدر ١:
أريد أن أطمئن الأستاذ صاحب البلاغ أن دعاة القومية العربية لا يسيئهم ولا يضيرهم مطلقا أن تستلهم مصر -في جهودها لتبوئ مكانتها السامية بين الأمم- مجد الفراعنة. لأن هؤلاء الدعاة يعلمون أن كبار علماء الآثار والعاديات يكادون يجمعون على أن أصل الفراعنة ومنشأهم بلاد العرب وأن مباحث اشتقاق اللغات تكاد تقرر أن لغة الفراعنة واللغة العربية شقيقتان، وأن المصريين القدماء والعرب سامية وأن الهكسوس عرب خلص.
إنما الذي يسيء دعاة القومية العربية ويضيرهم هو سعي بعض أعلام الكتاب في مصر لإسدال ستر النسيان على تراث مصر من مجد آبائهم من العرب، ذاك المجد الخالد الذي قد لا يضاهيه مجد آخر ولا يضارعه حافز نحو العلاء وانصرافهم بكليتهم إلى ادعاء فرعونية مصر، والقول بأن العرب غرباء أجانب جاءوها غزاة فاتحين فأضروا بها وأخروها من سلم الحضارة العالمية أحقابا مما لا يتفق مع التاريخ والعلم ومصلحة مصر، حيث يبذرون بذور الكراهية والبغضاء بين الأخوة الأشقاء.
وحين شرع أعلام الكتاب في مصر يترنمون بمجد العرب الخالد والحضارة الإسلامية الزاهرة ويمزجون بين هذا ومجد الفراعنة لاستثارة حماسة الشباب المصريين وتوجيه مطامحهم نحو العلاء فلم يبقَ بينهم وبين دعاة القومية أي خلاف.
стр. 40
يكاد يحار المرء في إدراك المصلحة التي ينشدها لمصر دعاة الرجوع إلى الفرعونية والجنوح عن العربية، ماذا عساها تكون؟
أظن أن التجارب القاسية التي مرت بمصر أقنعت العقلاء والمفكرين بأن الاتجاهات الإقليمية لن تؤدي إلى حسن النتائج. وأن اتجاها مصريا واتجاها سوريا وآخر عراقيا وهلم جرا لن يصل بنا إلا إلى الفشل المرير وأن النجاح مضمون حين نجتمع على اتجاه عربي شامل.
إن علماء الاجتماع وعلماء الحقوق والمؤرخين نبذوا منذ سنين نظرية الدم والعرق في التعرف على القومية وقالوا بوحدة اللغة ووحدة الثقافة والدين وتماثل الأخلاق والعادات والتقاليد ... فهل بين هذه الصفات ما يكذبنا إذا ادعينا أن مصر عربية في نظر العلم أيضا؟
١٨- عربية أم فرعونية، "حسن عارف ١ ":
الواقع أن الدعوة العربية حديثة جد الحداثة لم يقل بها النبي الكريم ولم تتواتر على الألسنة ولم تطرق ذهن رجل كجمال الدين أو الإمام والواقع أنها فكرة نشأت غامضة مبهمة مكبوتة حائرة في نفوس الشعوب العربية حين كانوا يأتمرون بها ويعصفون بكرامتها وعواطفها، وحين كانوا يعلنون أن العرب جنس خلق ليحكم ويجلد ويعامل معاملة الأنعام وحين شعرت الأمم العربية أن الترك لا ينظرون للخلافة على أنها رمز الوحدة الإسلامية حيث يتآخى الكل وحيث لا فضل لتركي على عربي.
فأين مصر من هذا كله؟
стр. 41
كرم ملحم كرم، صاحب العاصفة "بيروت"١:
الرغبة في رؤية الكتاب المصريين في الصف الأول حملت جريدة العاصفة على أن تحذرهم من داء كمن في نفوس بعضهم.
وكانت مقاطعة السوريين لمؤلفات طه حسين ومناداتهم بإحراقها؛ فوقفت منذ تلك الدعوة المقاطعة موقفا حملنا على الميل إلى الصفاء والسلام، وقلنا للغاضبين لماذا إحراق الكتب وفي إحراقها دليل على التقهقر والتأخر فاكتبوا إلى الرجل واطلبوا منه الاعتذار، وفي اعتقادي أنه سيعتذر عن خطأ لم يقصده وإلا فالمجال أمامكم فسيح لا لإحراق كتبه بل للامتناع عن شرائها وقراءتها.
هذا ما قلناه والدكتور طه حسين اعتذر بمهارة وحذق.
نعم؛ نحن تمادينا فيما كتب عن إحراق كتب طه حسين وقلنا: إن بعض الكتاب المصريين يتناسى حيث يكتب أن هناك شعبًا غير الشعب المصري مع أن هناك في العالم العربي البلدان الوسيعة وفي كل منها أدباء لا يقلون عن الأدباء المصريين شأنا. ولو اتفق لهؤلاء أن يقيموا في بيئة كالبيئة المصرية لمشوا في الصف الأول من صفوف أدباء العرب٢.
стр. 42
إن مصر لم تقل يوما: إنها عربية بل قالت: إنها إسلامية، وظلت ساخطة على الترك متبرمة من تعسفهم وجهل أحوالهم ورجالهم ولكنها لم تربط سخطها على الترك بسخط أمة أخرى ولم تلج باب الوحدة العربية علمًا منها بأنها ليست عربية.
وحين ثار في مصر عرابي لم يقل بالعربية بل كان شعاره مصر للمصريين.
ولما دخل الإنجليز مصر وأوهنوا حريتها كان الناقمون على الإنجليز ينادون بالفكرة الإسلامية لا العربية.
ونخرج بك الآن إلى الغرض الذي ترمي إليه الدعوة العربية. ذلك أن هذه الدعوة لن تضر البلاد العربية شيئًا؛ لأن فيها أمة عربية لها معالم ومظاهر تميزها عن غيرها تمييزًا محسوسا، وفخر هذه الأمة بتاريخها ومدنيتها وثقافتها أمر طبيعي يزيد ثقة في مستقبلها ويمهد الأمل ويفتح لها الطريق، ولكنها تضر مصر ضررا بالغًا، فمصر تتكلم العربية وتدين بالإسلام ولكنها تختلف عن العرب في كل شيء.
أما الذين يدعون إلى الفرعونية فأسألهم: ماذا يريدون؟ فصحيح أن مصر كانت فرعونية وصحيح أن هناك بقايا كثيرة جدا من الحضارة الفرعونية تطفو على سطح العادات المصرية القديمة.
ولكن علام يدل كل هذا؟ وما الفائدة من تكراره، والتكالب عليه وبعثه إلى الوجود؟
لا فرعونية ولا عربية. نريد اتجاها جديدًا مستقلا عن كل نفوذ أجنبي والعربية نفوذ أجنبي أي خارجي من حيث المكان، والفرعونية نفوذ أجنبي أي خارجي من حيث الزمان.
стр. 43
مصر بين العربية والفرعونية:
معركة بين هيكل والزيات:
بدأت معركة "العربية والفرعونية" بمعركة الأدب القومي وتعزيز "المصرية" وحملت لواءها بعض الصحف وفي مقدمتها جريدة السياسة ومجلة السياسة الأسبوعية، ودافع عنها هيكل وطه حسين ومحمد عبد الله عنان وسلامة موسى.
كانت مصر في فترة التطلع إلى هدف، وكان الاستعمار الفكري من وراء بلبلة الثقافة المصرية إنما يبعدها عن مجال الدعوة إلى القومية العربية بدعاوي الاعتزاز بالمصرية والتاريخ المصري القديم، وكان ظهور بعض الآثار الفرعونية في هذه الفترة كقبر توت عنخ آمن "١٩٣٣" وغيره من المغريات له أثره في بروز هذه الدعوة؛ دعوة المصرية التي تحولت بعد قليل إلى دعوة تغليب الفرعونية على العربية.
وقد اتجهت مجلة السياسة الأسبوعية إلى إنشاء جماعة للدعوة إلى الأدب المصري، ثم لم يلبث الدكتور هيكل أن حمل لواء الدعوة إلى الفرعونية، وقد ظهرت في هذه الفترة كتابات متعددة تحاول إحياء الأدب الفرعوني القديم على أنه تراث فكري كما فعل حسن صبحي بكتابه أوراق البردي وكتاباته الأخرى، ثم اتجه الدكتور هيكل إلى حمل لواء الدعوة لا إلى الفرعونية في مصر، بل إلى أن يقوم كل قطر عربي بالبحث عن تاريخه القديم وذلك بإحياء البابلية والأشورية وغيرها.
ولم يقف كتّاب الأمة العربية صامتين أمام هذا التيار بل شاركوا فيه وعارضوا الفكرة وأظهروا جوانب الخطأ فيها.
١- المصرية؛ تراث قومي أثيل لمصر:
محمد عبد الله عنان. ملحق السياسية الأسبوعية "١٤ أكتوبر ١٩٣٢":
من الطبيعي أن تكون الفكرة القومية في مصر أثيلة في مصريتها وأن تكون هذه المصرية المؤثلة رمزا لكل مظاهر الطموح المصري في جميع ميادين الحياة العامة وأن تتقدم كل ما عداها من الفكر والمظاهر، ولم يقف هذا الروح عند الجهاد الوطني ولكنه شمل التفكير والأدب بطبعها لون عميق من المصرية فأصبحت تمتاز رغم كونها عربية إسلامية بخواص تميزها عما عداها.
ومصر اليوم تحمل لواء الزعامة والقيادة في إحياء تراث التفكير
стр. 44
الإسلامي ولكن فهم القومية المصرية على هذا النحو لا يروق لبعض المفكرين من إخواننا في البلاد العربية، فهم يأخذون على مصر أنها تغلو في مصريتها ويقولون: إنها بذلك تخرج من حظيرة الأمة العربية مع أنها ليست إلا واحدة منها. وفي حين أن هذه الأمم تتوق كلها إلى الالتفاف من الوجهة العامة حول لواء واحد لتكون في ميدان النضال السياسي والفكري كتلة موحدة من بعض الوجوه، فانسلاخ مصر عن هذا الاجتماع بدعوى أنها فرعونية أو مصرية يضعف هذا الاجتماع ويضعف نهضة الأمم العربية في سبيل حرياتها السياسية وتقدمها الفكري والاجتماعي.
ويعبر البعض عن مثل هذا الاندماج في الفكرة العربية بالجامعة العربية التي أصبحت الدعوة إليها ظاهرة بارزة في الحياة العامة بفلسطين وسوريا والعراق وأحيانا تبدو الدعوة إلى العروبة وما إليها من الفكر التي يحمل لواءها أنصار الجماعة العربية أيضًا، ويدعو إليها في مصر بعض المصريين أو المتمصرين القلائل.
والدعوة إلى الجامعة العربية شاملة فيما نفهم، يقصد بها إلى نوع من التضامن العام بين الأمم العربية سواء في الخطط والجهود السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية والفكرية. وأحيانا تتخذ صورة الدعوة إلى اندماج فعلى بين أمتين أو أكثر من الأمم العربية، كما تسفر أحيانا عن بعض المشاريع السياسة العامة كمشروع الحلف العربي الذي تكررت الدعوة إليه آخرًا.
ولقد صرحنا برأينا أكثر من مرة في شأن فكرة الجامعة العربية. فهي على ما يصورها الغلاة من دعاتها في نظرنا أمنية خيالية لا تقوم على أية أسس أو تقديرات عملية، وقد تكون مثلا أعلى يرجع بالأذهان إلى عصور المجد التي جمعت بين جميع الأمم العربية تحت خلافة أو سلطنة إسلامية واحدة، فلها
стр. 45
بذلك روعتها، ولكنها مع ذلك سراب تبدده الحقائق والظروف الواقعة. بل إن التعلق بها ضار في نظرنا بجهود الأمم العربية بما قد ينبه إليها من الوهن المترتب على إغفال الحقائق.
على أننا نسيغ هذه الجامعة العربية بمعنى أدق وأكثر تحديدًا هو تقوية الروابط الفكرية والاجتماعية بين الأمم العربية وتنظيمها وتوجيهها إلى ما يرفع روح هذه الأمم وعقليتها ويصقل تفكيرها وهمها.
وهنا تعرض مسألة القومية المصرية بصورة بارزة فمن الخطأ البين أن تنضم مصر في سلك البلاد العربية، إذا تعلق الأمر بالناحية القومية، فالقومية المصرية قديمة وأثيلة، وقد وجدت الأمة المصرية منذ أقدم عصور التاريخ واقترن اسمها بحضارة من أقدم وأمجد الحضارات.
فلما جاء الفتح الإسلامي، وكانت مصر ولاية رومانية ولكنها كانت أمة فورثت من غزاتها الجدد: الإسلام واللغة العربية، ولكنها حافظت على خواصها القومية ونشأت في ظل الإسلام أمة مصرية مسلمة عربية لا بخواصها الجنسية ولكن فقط باللغة التي تنطق بها ولم تفقد قط شخصيتها المصرية في ظل الدول الإسلامية المختلفة.
هذه "المصرية" هي في الواقع دعامة شخصيتنا القومية فلسنا نفهم كيف ينكرها علينا بعض إخواننا من العرب؟ وكيف يتخذونها مثارًا للانتقاص من موقف مصر إزاء الأمة العربية؟ وهي ترى من وراء محيط العربية أو العروبة الضيق محيطا أوسع وأبعد مدى هو محيط الأمم الإسلامية.
أما العمل تحت لواء العربية أو العروبة فأصلح ما يرتبط في نظرنا بالجانب الفكري والاجتماعي.
стр. 46
٢- مصر القديمة ومصر الحديثة، هيكل:
وكتب١ الدكتور هيكل: تعليقا على كتاب حسن صبحي "قصص البردي" فقال:
بين مصر الحديثة ومصر القديمة اتصال نفسي وثيق ينساه كثيرون ويحسبون أن ما طرأ على مصر منذ عصور الفراعنة من تطورات في نظم الحكم وفي العقائد الدينية وفي اللغة وفي غير ذلك من مقومات الحياة، وقد فصل بين هذه الأمة الحاضرة وبين الأمة المصرية القديمة فصلا حاسمًا جعلنا إلى العرب أو إلى الرومان أقرب منها إلى أولئك الذين عمروا وادي النيل في ألوف السنين التي سبقت المسيحية.
فكيف ترى المصريين الذين يتكلمون العربية المصرية اليوم، والذين يتصورون الأشياء على ما تريدهم لغة العرب أن يتصوروها، تتصل حياتهم النفسية فيما يتعلق بالتصور والخيال بحياة الذين كانوا يتكلمون الهيروغليفية بما كانت تحمله ألفاظها وعباراتها المتوارثة إلى القلوب والعقول من صور.
لا سبيل إلى إنكار ذلك الاتصال النفسي الوثيق الذي يربط تاريخ مصر منذ بدايته إلى عصرنا الحاضر وإلى آخر العصور المستقبلة التي يمكن أن يعرفها التاريخ ولئن تبدلت أسباب العيش ما تبدلت. فسيبقى أبدًا هذا الاتصال النفسي الوثيق الذي يجعل من مصر وحدة تاريخية أزلية خالدة فيما يصل إليه عقلنا من تصور الأزل والخلد مادام النيل ومادامت سماء مصر ومادامت هذه الطبيعة الباقية في هذا الوادي، ومادام ناس يعتمدون فيه على ما يورث
стр. 47
الأجداد والأحفاد مما سكبته طبيعة الوادي في وجودهم من حياة نفسية.
كلنا صفق طربا لاكتشاف آثار توت عنخ آمون، وكلنا ملأ ماضيه فخرا بمدينة هذه الأسرة الثامنة عشر الفرعونية على ما بيننا وبينها من آلاف السنين.
وإذا كان لنا من آثار الأقدمين المتصلين بنا هذه الصلة النفسية الوثيقة ما يطوع لنا أن نجدد مصر القديمة كما جدد الغربيون اليونان والرومان، وكان لنا من وراء ذلك مطمع في أن نقر في مصر حضارة قوية متينة كالحضارة التي أقرها الغربيون في أوربا فمن الجريمة على أنفسنا وعلى الوطن أن ننهى عن ذلك أو نقصر فيه أي تقصير، والسبيل إلى ذلك كله هو البحث عن موضع الاتصال بين مصر القديمة ومصر الحديثة في ميادين الأدب وكتبه والعقائد وطقوس العبادة.
٣- وكتب الدكتور حسين هيكل، ملحق السياسة "٢٩ سبتمبر ١٩٣٣":
بينما كنت في لبنان في شهر يوليو الماضي قصد إلي صحفي يتحدث في شئون وفي أخرى وكان من بين ما سألني عنه هذه "الفرعونية" التي أدعو إلى بعثها في الأدب وفي غير الأدب.
وقد كان يبدو عليه شيء من الإنكار للفكرة الغربية التي تشغل أذهان رجال الشرق العربي وقلوبهم جميعًا، ولأنها فيما يقول لا فائدة منها بعد أن غزا الإسلام بلاد هذا الشرق العربي فعفى فيها على كل أثر قبله. وأحل بها حضارة جديدة لا صلة بينها وبين ما سبقها من الحضارات.
стр. 48
ولقد كنت أسمع لزميلي وهو يحدثني معترضا على فكرتي في كثير من الرفق والإشفاق على ما نسميه الحقائق. وبينما كنت أسمع كنت أذكر ما ثار في وجه هذه الفكرة بالذات من اعتراضات عنيفة في بلاد الشرق العربي المختلفة بل في مصر نفسها. ما رميت به هذه الفكرة من مقاصد مستترة لم تجل بخاطري يوم دعوت إليها. فقد اتهمنا بأنها ترمي إلى فصل مصر عن الكتلة العربية حينا وعلى فرض زعامة مصر على الكتلة العربية حينا آخر. وإلى محاربة الفكرة الإسلامية والحضارة الإسلامية تارات. وكنت أذكر كذلك أن العالم الفيلسوف يهوذا تحدث إلي في شأن هذه الفكرة سنة ١٩٢٩، وسألني عما أقصد إليه منها حاسبًا أنني أريد أن تحيا مصر في هذا القرن المسيحي حياة مصر منذ خمسين قرنا مضت، تعيش كما كان الفراعنة يعيشون، تؤمن بما كان الفراعنة يؤمنون، وتفكر كما كان الفراعنة يفكرون، وهم بعد أن تذوقوا الحرية الفكرية والحضارة العلمية لن يستطيع أحد أن يقيد أفكارهم أو يردهم إلى حضارة الخضوع والإذعان.
إنني حين أدعو المصريين إلى هذا إنما أراه واجبًا قوميًا يجب أداؤه في البلاد المختلفة بالدعوة إلى مثله وبتفسير قليل يقنع بأن تطبيق هذه الفكرة في بلاد الشرق العربي يؤدي إلى نتيجة هي خير النتائج، وبودي أن يصل أهل الشام حاضرهم بماضيهم منذ عهد الفينيقيين وإلى أن يصل أهل العراق حاضرهم بماضيهم إلى عهد آشور وبابل.
ليست الدعوة لدراسة تاريخ مصر الفرعونية مقصودًا بها رد التاريخ على أعقابه ليصب في منبعه ولا هي مقصود بها إلى الإعراض عن دراسة تاريخ الشرق في مختلف عصوره.
стр. 49
أما القول بأن الدعوة إلى إحياء الفرعونية في الفن والأدب وما سواهما من ميادين الحياة إنما يقصد بها إلى أن تحيا مصر اليوم كما كانت تحيا مصر الفراعنة فإن ذلك محاولة المستحيل لأنها محاولة رد التاريخ القهقرى وصد تياره ليكر راجعًا إلى المنبع بدلا من أن يظل مندفعًا نحو المصب.
ولكن ثمة حقيقة ليست أقل من هذه وضوحًا وقوة؛ تلك أن كل حاضر لا يتصل بماضيه لا مستقبل له.
لا أقصد إلا أن يتصل الروح المصري الحديث بالروح القديم وأن يتابع هذا الوحي على تعاقب العصور من بعد الفراعنة أثناء حكم البطالسة وأثناء العهد الروماني في مصر. وأثناء أطوار الحياة المختلفة التي تعاقبت على مصر الإسلامية إلى عصرنا الحاضر وما يخالجني ريب في أن كل اتصال بين روحنا اليوم وبين روحنا في مختلف العصور يضاعف قوتنا وحيويتنا ويسمو بروحنا إلى مقام البقاء والخلود.
٤- وكتب محمود سيف الدين الإيراني في "السياسة الأسبوعية" ٣ فبراير ١٩٣٣ يرد على هيكل:
هذه الدعوة التي يبذل كثير من المفكرين في مصر في سبيل تعميمها، وتوجيه الأذهان إليها جهودًا كبيرة، وكيف تتلقاها الأمم في بلاد الشرق العربي وكيف تنظر إليها باعتبارها موجهة إليها. الحق أن هذه الدعوة تعتبرها الأمم في بلاد الشرق العربي صدمة قوية لشعورها وترى أنها تحمل في أطوائها معاني الاستخفاف والرغبة في الانسلاخ عن كل ما هو عربي ومعاني النكران والإهمال لكل ما تمحض هاته الأمم مصر من عطف وحب
стр. 50
إلى حد الاهتمام بكل ما جل ودق من شئونها، ثم هي ترى أن في الفكرة تطرفًا وغلوًا وأن من حقها أن نتناول بالتمحيص كل ما يتخذه الداعون إلى هذه الفكرة.
وأول ما يلمس المتأمل لهذه الأبحاث التي تدور حول هذه الفكرة هو هذا الاندفاع من جانب يتولى قيادته الأستاذان عبد الله عنان وسلامة موسى، ثم فريق آخر متريثا متمهلا على رأسه طه حسين وهيكل.
٥- وكتب أحمد حسن الزيات في "مجلة الرسالة" أول أكتوبر ١٩٣٣:
عفا الله عن كتابنا الصحفيين! ما أقدرهم على أن يثيروا عاصفة من غير ريح ويبعثوا حربا من غير جند، أفرعونيون نحن أم عرب؟ أنقيم ثقافتنا على الفرعونية أم نقيمها على العربية؟
نعم؛ قالوا ذلك القول وجادلوا فيه جدال من أعطى أزمة النفوس وأعنة الأهواء. ثم اشتهر بالرأي الفرعوني اثنان أو ثلاثة من رجال الجدل وساسة الكلام. فبسطوه في المقالات وأيدوه بالمناظرات. ورددوه في المحادثات.
حتى خال بنو الأعمام في العراق والشام أن الأمر جد، وأن الفكرة عقيدة.
وأن ثلاثة من الكتاب أمة، وأن مصر رأس البلاد العربية قد جعلت المآذن مسلات والمساجد معابد. والكنائس هياكل. والعلماء كهنة.
لا نريد أن نحاجهم بما قرره المحدثون من العلماء من أن المصرية الجاهلية تنزع بعرق إلى العربية الجاهلية فإن هذا الحجاج ينقطع فيه النفس ولا ينقطع به الجدل. وكفى بالواقع المشهود دليلا وحجة.
وهذه مصر الحاضرة تقوم على ثلاثة عشر قرنًا وثلثا من التاريخ العربي
стр. 51
نسخت ما قبلها كما تنسخ الشمس الضاحية سوابغ الظلال.
أزهقوا إن استطعتم هذه الروح، وامحوا ولو بالفرض هذا الماضي، ثم انظروا ماذا يبقى في يد الزمان من مصر, وهل يبقى إلا أشلاء من بقايا السوط.
وأنضاء من ضحايا الجور. وأشباح طائفة ترتل "كتاب الأموات" وجباه ضارعة تسجد للصخور، وفنون خرافية شغلها الموت حتى أغفلت الدنيا وأنكرت الحياة.
لا تستطيع مصر الإسلامية إلا أن تكون فصلا من كتاب المجد العربي لأنها لا تجد مددًا لحيويتها، ولا سندًا لقوتها، ولا أساسًا لثقافتها، إلا في رسالة العرب.
أنشروا ما ضمت القبور من رفات الفراعين، واستقطروا من الصخور الصلاب أخبار الهالكين، وغالبوا البلى على ما بقي في يديه من أكفان الماضي الرسيم، ثم تحدثوا وأطيلوا الحديث عن ضخامة الآثار وعظمة النيل وجمال الوادي وحال الشعب، ولكن اذكروا دائمًا أن الروح التي تنفخونها في مومياء فرعون هي روح عمرو، وأن اللسان الذي تنشرون به مجد مصر هو لسان مضر، وأن القيثار الذي توقعون عليه ألحان النيل هو قيثار امرئ القيس. وأن آثار العرب المعنوية التي لا تزال تعمر الصدور وتملأ السطور وتغذي العالم، هي أدعى إلى الفخر وأبقى على الدهر وأجدى على الناس من صفائح الذهب وجنادل الحجارة.
وبعد فإن ثقافتنا المدنية إنما تقوم في روحها على الإسلام والمسيحية، وفي آدابها على الآداب العربية والغربية، وفي علمها على القرائح الأوروبية
стр. 52
الخاصة. أما ثقافة البردي فليس يربطها بمصر العربية رباط، ولا بالمسلمين ولا بالأقباط.
٦- وكتب "أبو الخطاب، يافا" يرد على هيكل في "السياسة الأسبوعية":
كنت أزعم أن نصيب دعاة الفرعونية بعد جهاد طويل ومحاولات عنيفة أن انشق عليهم من كان أكثرهم للدعوة تحمسا وأبرعهم دعاية وأبعدهم أثرًا وهذا الأستاذ محمد عزمي ينقلب من فرعوني متعصب إلى عربي صميم يصدر في قلب لندن جريدة دعاها "العالم العربي" وكلها عطف على سوريا واهتمام بالعراق.
كنت أزعم هذا كله، وكنت جد مؤمن بحقيقة ما أزعمه وقد زادني الأستاذ الكبير إبراهيم المازني وثوقا بمزاعمي وارتياحا إليها عندما التففنا حوله نسائله عن الفرعونية فيجيب بأنها عاصفة في فنجان لا يجدر بنا أن نوليها هذا الاهتمام وأن نخافها هذا الخوف.
إذن: فالدعوة الفرعونية باطلة كدعوة قومية والجدال حولها مهما كان عنيفا فهو عنف من غير طائل، صاخب من غير حاجة إلى الصخب إذ لا أصل له ولا يقوم على أساس من المنطق ولا تضرم نيرانه الحقائق العلمية، فليصخب دعاة الفرعونية ما يصخبون، فما أحسبهم راجعين إلى رمسيس وأمنحوتب وهاتور يستوحونهم الفلسفة ويستلهمونهم الدين ويتلقون عنهم العلم ويتذوقون منهم الأدب ويستصدرون عنهم الثقافة. وما أحسبهم كافة منسلخين عن العرب والشرق ومتنكرين للعرب والشرق، يطمعون في حياة
стр. 53
سياسية واجتماعية منفصلة عن الأقطار العربية كل الانفصال، منقطعة عن العراق وسوريا كل الانقطاع وإذا أرادت هي هذا الانقطاع فلن تسعفها الظروف ولن يستقيم لها الانفصال.
لماذا ترى مصر تعود إلى الفراعنة إذا ما أرادت وحدة روحية قوية تنتظم الحاضر والمستقبل وتدفع الناس إلى حضارة تتضاءل أمامها الحضارات التي عرفت حتى اليوم.
ولكن حتى دعوة مصر الحديثة إلى العودة إلى مصر الفرعونية دعوة باطلة في أساسها، فإن مصر اليوم عربية دينًا ولغة وثقافة وجدير بثلاثة عشر قرنًا وثلث قضاها العرب في مصر أن تجعل مصر عربية الروح، مضرية اللسان، محمدية الدين وجدير بالأزهر أن يزري بالكرنك والأهرام وجدير بدار الكتب أن يكف نورها بقايا من الآثار والمومياء والأكفان طريحة في دار الآثار.
تعليق:
تحول الدكتور "هيكل" عن رأيه في "الفراعنة" وأعلن صراحة في مقدمة كتابه "منزل الوحي" أنه لم يجد هذه الدعوة محققة لهدفه في بعث مصر فتحول عنها.
стр. 54
معركة العروبة والمصرية:
بين ساطع الحصري وطه حسين:
عاد الدكتور طه حسين عام ١٩٣٨ مرة أخرى إلى معارضة القومية العربية والسخرية بالوحدة العربية عندما أدلى بتصريحات إلى مجلة المكشوف اللبنانية في حديث جرى بينه وبين بعض الشباب العرب ويحمل هذا الحديث:
- إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وأنها ستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى.
- إن المصري مصري قبل كل شيء فهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف. ولا تصدقوا ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة فالفرعونية متأصلة في نفوسهم، وستبقى كذلك.
- إن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمت بصلة إلى الدم العربي بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء.
- إن تاريخ مصر مستقل عن تاريخ أي بلد آخر.
- لو كان للغة وزن في تقرير مصير الأمم لما كانت بلجيكا ولا سويسرا ولا البرازيل ولا البرتغال.
وقد رد عليه ساطع الحصري ردًا علميا مقنعا عجز أمامه طه حسين أن يرد واكتفى بأن نشر فصلا من كتابه "مستقبل الثقافة" ... وكتب الدكتور طه مرة أخرى آراءه بصورة وبأخرى وبثالثة وفي كل مرة كان يجد الرد من كتاب العالم العربي الذين كالوا للدكتور طه بالباع باعين وفندوا آراءه ومزقوها شر ممزق، وهذه ملامح المعركة:
مصر والعروبة، من ساطع الحصري إلى طه حسين ١:
أيها الأستاذ:
نشرت مجلة المكشوف البيروتية حديثا جرى بينكم وبين جماعة من شباب العرب على ظهر باخرة تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، قلتم في خلال هذا الحديث: إنكم تنادون بتوحيد برامج التعليم في جميع الأقطار العربية وتسهيل
стр. 55
التبادل الثقافي بينهما وترون "من المفيد أن يكون تعاونا اقتصاديا وحتى تحالفا عسكريا" بين تلك الأقطار. غير أنكم لا ترضون وحدة سياسية، سواء أكانت "بشكل إمبراطورية جامعة" أم على طراز "اتحاد مشابه للاتحاد الأمريكي أو السويسري" وعللتم آراءكم هذه بقولكم: "إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وأنها ستبقى كذلك. بل يجب أن تبقى وتقوى".
قرأت هذه الآراء بدهشة غريبة لأنني استبعدت صدورها منكم كل الاستبعاد. وقلت في نفسي "لعل الكاتب نقلها على غير حقيقتها" ... أو لعل الدكتور أراد أن يمتحن هؤلاء الشبان. ويتأكد من مبلغ إيمانهم بالقضية، فالآراء التي أدلى بها ربما كانت من نوع الآراء الجدلية التي ترمي إلى حمل المخاطب على التعمق في التفكير، فوجدت نفسي تجاه هذه الملاحظات بين عاملين مختلفين: عامل يدفعني إلى الإسراع في مناقشة هذه الآراء لكي لا أترك مجالا لزعزعة إيمان بعض الشبان، وعامل يدفعني إلى التريث في الأمر لكي أتأكد من صحة الحديث المعزو إليكم.
قلتم: إن المصري مصري قبل كل شيء فهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف فاسمحوا لي أن أسألكم: هل الوحدة العربية تتطلب من المصريين التنازل عن المصرية؟
أنا لا أتردد في الإجابة عن هذا السؤال بالنفي؛ لأني أعتقد بأن دعوة المصريين إلى الاتحاد مع سائر الأقطار العربية لا تتضمن بوجه من الوجوه حثهم على التنازل عن المصرية، إن دعاة الوحدة العربية لم يطلبوا ولن يطلبوا من المصريين -لا ضمنا ولا صراحة- أن يتنازلوا عن مصريتهم، بل إنهم يطلبون إليهم أن يضيفوا إلى شعورهم المصري الخاص شعورًا عربيًا عامًا. وأن يعملوا للعروبة بجانب ما يعملونه للمصرية.
стр. 56
قلتم: ولا تصدق ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة في نفوسهم، ثم أضفتم إلى ذلك حكما قاطعا فقلتم: "وستبقى كذلك".
فهل تسمحون لي أن أستوضحكم ما تقصدونه من كلمة "الفرعونية" هل تقصدون منها الأخذ بحضارة الفراعنة؟ أم الاعتزاز بثقافة الفراعنة؟ أم تقصدون بث اللغة الفرعونية أو الآداب الفرعونية أو الديانة الفرعونية أو السياسة الفرعونية؟
أنا لا أستطيع أن أشك في أنكم لم تقصدوا منها الحضارة أبدًا؛ لأنكم لستم -بدون ريب- ممن يقبلون لمصر ولغير مصر حضارة في هذا العصر غير الحضارة العلمية الحالية، كما لا أستطيع أن أشك في أنكم لم تقصدوا من هذه الكلمة "الديانة الفرعونية".
إنكم أشرتم في حديثكم إلى الآثار الباقية من عهد الفراعنة بشكل يستوقف الأنظار وأردتم أن تدعموا آراءكم. بجلال تلك الآثار إذ قلتم: "لا تطلبوا من مصر أن تتخلى عن مصريتها"، وإلا كان معنى طلبكم: اهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام، وتغاضي عن جميع الآثار التي تزين متاحفك ومتاحف العالم، وانسي نفسك واتبعينا".
يظهر من هذه التأويلات أنكم تودون أن تخلقوا للفكرة العربية خصوما من الآثار القديمة وأن تضعوا في سبيل تيار هذه الفكرة سدودًا من الرموس والأطلال، فهل فاتكم أن التعارض والتصادم لا يحدثان إلا بين الأشياء التي تسير على مستوى واحد. في عالم واحد؟
وإن الفكرة العربية التي تعمل في القرن العشرين -للأجيال القادمة-
стр. 57
لا يمكن أن تتعارض مع آثار بقيت ميراثا من ماض سحيق، يرجع إلى أكثر من خمسة آلاف من السنين؟
إن مصر قد تباعدت عن ديانة الفراعنة دون أن تهدم أبا الهول، وتخلت عن لغتها القديمة دون أن تقوض الأهرام. وجميع آثار الفراعنة التي زينت بها متاحف مصر ومتاحف العالم لم تولد نزوعا للعودة إلى الديانة التي أوجدت تلك الآثار الخالدة، ولا حركة ترمي إلى بعث اللغة التي رافقتها خلال قرون طويلة فهل من موجب لطلب هدم الأهرام وتناسي الآثار لأجل الوحدة العربية.
إن الأهرام -مع جميع الآثار الفرعونية- لم تمنع مصر من الاتحاد مع سائر الأقطار العربية اتحادًا تامًّا في ميدان اللغة، فهل يمكن أن تحول دون اتحادها مع تلك الأقطار في ميدان السياسة أيضًا!
كلا أيها الأستاذ: إن التيارات القوية العميقة التي جرفت حياة مصر إلى اتجاهات جديدة منذ عشرات القرون، والتي أخرجتها من ديانتها القديمة وأنستها لغتها الأصلية بالرغم من وجود الأهرام وقيام أبي الهول سوف لا تحتاج إلى هدم شيء من آثارها القديمة؛ لتجرفها نحو السياسة التي يؤمن بها دعاة الوحدة العربية. ولا سيما أن هذه السياسة ليست إلا نتيجة طبيعية للغة مصر الحالية ووضعها العام.
قلتم: أتريدون أن تتحقق الوحدة العربية؟ فعلى أي أساس علمي تنادون بها؟ تعالوا معي نستعرض الروابط التي تصل مصر بالأقطار العربية الأخرى.
لقد وقفتم أولا أمام قصة "الأصل والدم" وقلتم: إن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمت بصلة إلى الدم العربي، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء.
وأسألكم بدوري: هل علمتم بوجود أمة على الأرض انحدرت من
стр. 58
أصل واحد تمامًا؟ هل تستطيعون أن تذكروا أن أمة واحدة ترتبط بروابط الدم فعلا وحقيقة؟
إن جميع الأبحاث العلمية تدل على عكس ذلك تمامًا، إنها تدل على أنه لا توجد على وجه البسيطة أمة خالصة الدم، حتى الأمة الفرنسية التي سبقت جميع الأمم الأوروبية في طريق الوحدة والاستقرار، لا تدعي وحدة الأصل والدم، وعلماؤها يعترفون بأن الأجناس التي دخلت في تركيبها تعد بالعشرات.
ثم وقفتم أمام مسألة التاريخ وادعيتم أن "تاريخ مصر مستقل تمام الاستقلال عن تاريخ أي بلد آخر" فاسمحوا لي أن أقول بأن هذا الادعاء افتئات صارخ على الحقائق الواقعة؛ فإن تاريخ مصر اختلط اختلاطًا عميقًا بتاريخ سائر البلاد العربية وتشابكت أوشاجه معها خلال القرون الثلاث عشرة الآخيرة على الأقل، فكيف يحق لكم أن تحذفوا هذه الورقة من تاريخ مصر؟
أنا لا أنكر أن تاريخ مصر لم يبق متصلا بتاريخ سائر الأقطار العربية على الدوام غير أنني أدعي أن ذلك شأن تواريخ الأمم الأخرى بدون استثناء.
فإن تواريخ الأمم تشبه الأنهر الكبيرة التي تتكون من روافد عديدة بوجه عام.
إن من يلقي نظرة عامة على تواريخ الأمم المعاصرة لنا يضطر إلى التسليم بأن العلاقات التاريخية التي تربط مصر بسائر الأقطار العربية أقوى وأعمق وأطول من العلاقات التاريخية التي تربط الأقاليم الفرنسية بعضها ببعض.
أنكرتم "تأثير اللغة" في تكوين الوحدة العربية وقلتم: لا تنخدعوا. لو كان للغة وزن في تقرير مصير الأمم لما كانت بلجيكا وسويسرا ولا أمريكا
стр. 59
ولا البرازيل ولا البرتغال فاسمحوا لي أن أناقشكم:
إن تقلبات الزمان، أزالت من الوجود جميع تلك الأمثلة الشواهد. وحرمت النظرية التي تقولون بها إمكان الاستناد إليها.
"إن قضية هذه البلاد لا تشبه قضية البلاد العربية بوجه من الوجوه فإن الأقطار العربية تتصل بعضها ببعض اتصالا جغرافيا تمامًا ... والقطر المصري يشغل بين هذه الأقطار مركزًا هاما. أما الحدود التي تفصلها عن سائر الأقطار العربية فتنحصر -في بعض الجهات- بخطوط وهمية ممتدة فوق رمال الصحراء. فهل تعتقدون أن هذه الخطوط الوهمية التي تفصل مصر عن سائر الأقطار العربية بصورة اعتبارية واصطناعية تستطيع أن تعمل عملا مماثلا لعمل المحيط الذي يفصل أمريكا عن أوربا؟
قلتم: إن كان لي نصيحة أسديها إليكم فهي أن تتمسكوا بالواقع العملي وتهملوا ما سواه مهما كانت قوته العاطفية والخيالية، افهموا أن المنفعة تسير الشعوب فإن لم تفهموا هذا فسترغمون على فهمه غدا.
تقولون: إن المنفعة تسير الشعوب. فهل تعتقدون أن اتحاد الأقطار العربية مخالف لمنافعها أو خال منها؟ وهل تدعون أن منافع كل واحد من الأقطار العربية ستحول دون اتحادها؟
أما أنا فأعتقد عكس ذلك تمامًا. أعتقد أن فكرة الوحدة العربية لا تستند إلى العاطفة وحدها بل تستند إلى المنفعة أيضًا، أعتقد أن منفعة مصر نفسها تتطلب منها الاتحاد مع سائر البلاد العربية، بل هي من المنافع الهامة الحيوية، وإذا كان الذين يقدرون أهمية هذه المنافع لا يزالون قليلين اليوم فلا شك أنهم سيكثرون يوما بعد يوم.
стр. 60
-٢-
ورد طه حسين، مجلة الرسالة، ٢٦ ديسمبر ١٩٣٨:
كان رد طه حسين هو نشر فصل من كتابه "مستقبل الثقافة" الذي وصفه بأنه "كتب وطبع قبل مقال الأستاذ الحصري" وهو يتناول دور مصر في الثقافة بالنسبة للأمم العربية وقد رد عليه ساطع الحصري ردًّا أوردناه في معركة كتاب مستقبل الثقافة في هذا السفر.
وفي هذه الفترة طلب فؤاد مغبغب، رئيس تحرير مجلة "زهرة المشرق" من الدكتور طه حديثا عن الوحدة العربية وذلك صدى لتصريحاته لمجلة المكشوف لنشره في العدد الأول من مجلته الذي صدر في أول يناير ١٩٣٩ وقدمه بهذه المقدمة:
كانت المشاكل الشرقية التي نشأت من أثر الحرب العظمى واحتكاك الشرقيين بالغربيين من جرائها والعوامل التي أوحت إلى فريق من شباب العرب بفكرة الوحدة العربية. ولم يستطع القائلون بها أن يوضحوها الإيضاح الكافي.
وقد غلا بعض أنصار هذه الفكرة في تصويرها حتى لقد جعلوا منها عقيدة يدينون بها ويتهمون كل من يعارضها بنقص في وطنيته وقوميته، وأعلن طه حسين "أنه من أنصار الوحدة العربية في الثقافة، ولكنه يعارض الوحدة العربية السياسية". ولما كان الرأي الذي أبداه مجملا وكان القراء يهمهم الإيضاح في هذا الموضوع فقد طلبنا منه أن يتحدث في هذا الأمر بتوسع.
قال الدكتور طه:
لست أفهم كيف يختصم الناس في هذه المسألة؟ أو كيف يجعلونها موضوعا للحوار؟ فهي في نفسي أوضح وأجلى:
"الأمم والشعوب التي تتكلم هذه اللغة مضطرة سواء أرادت أم لم ترد وحدة الثقافة، ومعنى وحدة الثقافة وحدة العقل فيما أظن، فإذا أضفت إلى ذلك أن هذه الشعوب لا تشترك في اللغة وحدها وإنما تشترك معها في الدين أيضا فكثرتها مسلمة وقلتها مؤمنة بالديانتين السماويتين الأخريين كان ذلك داعيا إلى اشتداد ما يجب أن يكون بينها من التقارب.
إذن ففيم يمكن أن يكون الخلاف؟ وفيم يمكن أن يكون الجدل؟ في أمر
стр. 61
واحد أراه بديهيا بالقياس إلى المصريين وما أعرف أن مصريا واحدا يستطيع أن يخالفني فيه مهما تكن ميوله ومذاهبه وهو أمر "الوحدة السياسية".
فالمصريون لا يتصورون اشتراكهم في إمبراطورية عربية مهما يكن مستقرها ومهما يكن شكلها ومهما تكن نظم الحكم فيها، لا يتصورون إلا أن يكونوا دولة مستقلة معاونة لغيرها من دول الشرق العربي بأسباب المعاونة السياسية المعقولة التي تلائم المنفعة والحق والعدل، وما أرى أن عليهم في ذلك بأسًا. وما أرى أن أحدًا يستطيع أن يطالبهم بأكثر من ذلك. وما أرى أن مطالبتهم بأكثر من ذلك نفعا لأحد وإنما الكلام في ذلك لغو وإطالة لا غناء فيهما.
ومن الناس من ينكر على مصر حرصها على تراثها الفرعوني القديم ويشوهون هذا الحرص ألوانا من التشويه، فليكن رأيي في ذلك واضحا جليا وهو فيما أعتقد رأي المصريين جميعا لا يختلفون فيه، فمصر حريصة على تاريخها كله لا تنزل عنه عن قليل أو كثير وهي إذا حرصت على تاريخها الفرعوني لا تريد أن تعود إلى دين الفراعنة. فهذا سخف، ولا تريد أن تتكلم اللغة المصرية القديمة مكان اللغة العربية فهذا سخف أيضًا ولا تريد أن تصطنع نظم الحكم الفرعوني مكان نظمها الديموقراطية الحديثة.
وإنما تريد أن تنظر إلى هذا التاريخ بما كان فيه من خير وشر على أنه جزء من حياتها ومقوم لوحدتها ومكون لوطنيتها، تفخر بما يدعو منه إلى الفخر، وتألم بما يدعو منه إلى الألم وتعتبر بما يثير منه العبرة وتنتفع بما يمكن أن يكون مصدرًا للنفع، وكل مصري يزعم غير هذا فهو إما خادع أو مخدوع أو ضعيف الوطنية وما أعرف أن من المصريين من تضعف وطنيته فيفرط في تاريخه أو تضعف أخلاقه فيؤثر الخداع أو تضعف شخصيته فينخدع بتمويه الموهمين.
стр. 62
الرد على الدكتور طه ١؛ بقلم عربي "مجلة زهرة الشرق":
الدكتور طه حسين بالرغم من كتابه في الرد على الصحفي علي العراقي على دفعتين وفي كل دفعة يتراجع قليلا في العرض دون الجوهر، لم يصارح الرأي العام العربي في هذا الأمر بل جعل المغالطة أساسًا لرديه حتى جاء الردان كالصفر على الشمال.
يؤمن الدكتور طه بوحدة الثقافة بين العرب ويضع اللغة أساسًا لهذه الوحدة وهو قول لم يناقضه فيه أحد من العالمين، ولكن الدكتور لا يؤمن بالوحدة السياسية وهذا بيت القصيد وموضع المغالطة؛ إن الدكتور يعلم أن أوربا قسمت ممالكها بعد الحرب العظمى تقسيمًا سياسيًا بمقتضى اللغة وحدها، لأنها جعلت أساسًا للعنصرية وهو يعلم أيضا بأن الدنيا كادت تتحول إلى براكين في الخريف الماضي من أجل إلحاق بقية الألمان والذين يتكلمون الألمانية بأمهم. وقد فازت نظرية العنصرية على أساس اللغة.
والعرب لا يتطلبون إلغاء استقلال مصر وضمها إلى العراق أو ضم سورية إليها برئاسة الحجاز وإنما يدعون إلى وحدة تشبه الوحدة الألمانية السابقة أو الولايات المتحدة. وأمر الوحدة هو المثل الأعلى لكل أمة خصوصًا إذا كانت في رد الدكتور أنه لا يستطيع الإشارة إلى هذه البديهيات ولكنه يحاول أن يوهم أن الوحدة العربية تقضي على تاريخ مصر القديم وهذا النوع من المغالطة لم نسمع به من قبل، فلماذا لا يقول السوري: إن وحدة العروبة تحاول إلغاء تاريخي القديم وأمجادي التاريخية؟
стр. 63
ولكل شعب أمجاده والتاريخ لا ينفصل بل يستمد حديثه من قديمه ولكن هذا القديم لا يضيره أن يسير مع الحديث في وحدة من شأنها أن تخلق للحاضر قوة من الوحدة لا بد منها لحفظ كيانه الحديث والقديم.
لقد جرب العرب بعد بزوغ فجر الإسلام هذه الوحدة فكانوا سادة الدنيا فما الذي يضير الدكتور من هذا وهو يعلم أن مصر سيكون لها فخر الرئاسة لهذا الاتحاد العربي.
كان الناس يأملون أن يكون عميد كلية الآداب في مصر أول دعاة هذه الوحدة ولكن خاب ظنهم وخابوا في معرفة السر الذي يجعل الرجل الذي ينشر آداب العرب في العالم العربي كله لا يريد وحدة تصون هذا العالم من عبث العابثين.
بين الحصري بك وطه حسين ١، عز الدين التنوخي:
لا نكتم الدكتور طه أننا كنا قد اعتبرنا الإحالة إلى الفصل الذي نشره من كتاب مستقبل الثقافة يومئذ ضربا من الفرار من معركة المناظرة.
أجمل بالدكتور طه حسين أن يكون أديب الأقطار العربية كلها من أن يكون في قطر واحد أديبًا. وليته -أصلحه الله- جامل في المكشوف أدباء العرب الذين يتنافسون في اقتناء آثاره، أو ليته وهو مسلم مصري خاطب العرب بما خاطبهم به الأستاذ مكرم عبيد وهو النصراني المصري وهو لذلك أشد اتصالا منه بالفراعنة ذوي الأوتاد.
стр. 64
قال مكرم عبيد: المصريون عرب. فنحن معشر المصريين جئنا من آسيا. ونحن أدنى إلى العرب منذ القدم من حيث اللون والخصائص السامية والقومية، نحن عرب ويجب أن نذكر في هذا العصر دائما أننا عرب قد وحدت بيننا الآلام والآمال ووثقت بيننا الكوارث والأشجان، وصهرتنا المظالم وخطوب الزمان، فالوحدة العربية حقيقة قائمة. وهي موجودة ولكنها في حاجة إلى تنظيم. والغرض من التنظيم إيجاد جبهة تناهض الاستعمار وتحفظ القوميات وتوفر الرخاء وتنمي الموارد الاقتصادية وتشجع الإنتاج المحلى وتزيد في تبادل المنافع وتنسق المعاملات فكما أن أوربا خلقت شيئا معنويا ترتبط به وتلتف حوله أغراض سكانها على اختلاف أممهم فكذلك نحن سيئول مصيرنا إلى الالتفاف حول مثل أعلى يوفق بيننا فنصير كتلة واحدة وتصير أوطاننا جامعة وطنية واحدة أو وطنًا كبيرًا يتفرع منه عدة أوطان لكل منها شخصيته لكنها في خصائصها القومية العامة متحدة متصلة اتصالا قويا بالوطن الأكبر".
وقد قال لي: نحن عرب في مصر ولا نمجد الفراعنة إلا لأنهم عرب.
الأستاذ مكرم عبيد فرعوني صميم ومن نوابغ مصر في ثقافته وأخلاقه ووطنيته والأستاذ طه حسين المسلم المصري يحكم والناس معه بالظن على فرعونيته فلن يكون ذلك أصدق تفرعنا من مكرم عبيد وإذا ما ادعى ذلك كان أشد فرعونية من فرعون نفسه، أو أشد كما قيل: ملكية من الملك، والأستاذ طه حسين ينكر الوحدة العربية بأنواعها وشرائطها، ويعد من يقول بهذه الوحدة من أصحاب العقل القديم.
رأي طه حسين في الوحدة العربية، الهلال ١٩٣٩:
ربما كان من الأمثلة الطريفة التي تبين الفرق بين العقل العربي القديم،
стр. 65
والعقل العربي الحديث في هذا العصر الذي نعيش فيه مسألة الوحدة العربية أو الوحدة الإسلامية التي يكثر فيها الكلام وتشتد فيها الخصومة فما أظن الناس يختلفون في أن هذه الوحدة نافعة للشعوب العربية والشعوب الإسلامية أشد النفع، وفي أن مصالحهم تدعوهم إليها وتدفعهم إليها دفعا ولكنهم مع ذلك يختلفون ويختصمون لا لشيء إلا لأنهم يختلفون في تصورهم هذه الوحدة حسب ما يتاح لهم من العقل القديم أو العقل الحديث.
أما أصحاب العقل الحديث -أي الدكتور طه حسين وأنصار التغريب- فيفهون هذه الوحدة على نحو ما تفهم عليه في البلاد المتحضرة بالحضارات الحديثة الأوروبية، يفهمونها على أنها لا تنفع ولا تضر إلا إذا احتفظت بالقوميات والشخصيات الوطنية والحريات الكاملة لأعضائها والسيادة العامة لهم في حياتهم الداخلية والخارجية وقامت على الحلف الذي لا يفني أمة في أمة ولا يخضع شعبا لشعب١.
стр. 66
الباب الثاني: معارك اللغة العربية
مدخل
...
الباب الثاني: معارك اللغة العربية
كانت اللغة العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر مجالا لمعركة كبرى.
بدأت هذه المعركة بمحاولات الغزو الثقافي والاستعمار في العالم العربي وكانت "مصر" من أهم المناطق التي ركز عليها الاستعمار بعد الاحتلال فظهرت دعوات ومؤلفات لكتاب أجانب تدعو إلى الكتابة باللغة العامية وهي ما أطلق عليها المقتطف عبارة "اللغة المحكية" ثم حمل لواء الدعوة كتاب عرب. وما نعرضه هنا ليس إلا جانبا من المعركة التي سنفصلها في كتابنا: اللغة العربية، بين دعاتها وخصومها.
"ثبت المعارك":
١- تمصير اللغة العربية: مصطفى الرافعي ولطفي السيد.
٢- مجمع اللغة العربية: منصور فهمي وطه حسين.
٣- معركة الكتابة بالحروف اللاتينية: عبد العزيز فهمي ومحمد كرد علي.
стр. 67
تمصير اللغة العربية:
بين مصطفى صادق الرافعي ولطفي السيد:
هذه معركة من أخطر المعارك التي واجهت اللغة العربية، ومن أقدم المعارك الأدبية، فقد حمل لطفي السيد عام ١٩١٣ في الجريدة لواء الدعوة إلى تمصير اللغة العربية فكتب أكثر من سبع مقالات في خلال شهري أبريل ومايو ١٩١٣ وكتب عدد من تلاميذه مقالات متعددة كهيكل وطه حسين وغيرهما.
ولقد كانت مداخل البحث عند لطفي السيد بارعة دقيقة، فهو لم يفاجئ القارئ في هذا الوقت المبكر بالحملة على اللغة العربية، أو الدعوة إلى ترك الكتابة بها إلى العامية، وإنما تسلل إلى ذلك بطريقة فيها كثير من المداورة، وقد لخصنا هنا عبارته تلخيصا أمينا حتى تبرز صورة التيار الذي جرى فيه القاضي وليم موير من قبل وقاسم أمين ووليم ولكوكس وسلامة موسى من بعد.
ولقد وقف عبد الرحمن البرقوقي ومصطفى صادق الرافعي لهذه الدعوة موقفا حماسيا جريئا حملا فيه لواء الاتهام مؤمنين بأن القضاء على اللغة قضاء على مقدسات الفكر العربي والإسلامي.
ولقد كان للغة العربية قضية طويلة عريضة، ومعارك متعددة، بين حماتها وخصومها، وكان للدعوة التغريبية التي كانت تجتاح العالم العربي في فترة ما بين الحربين أثرها في محاولة خلق لغات إقليمية مصرية وسورية وعراقية ومغربية للقضاء على اللغة العربية وإدخالها إلى المتحف أسوة باللغة اللاتينية.
ولكن هذه المحاولات المتعددة فشلت وانتصرت اللغة العربية وبقيت.
آراء لطفي السيد في تمصير اللغة العربية:
١- لغتنا١ واسعة في القاموس ضيقة في الاستعمال، مخصبة في المعاني والمسميات القديمة، مجدبة في المعاني الجديدة والاصطلاحات العلمية قد انقطع رقيها من قرون طويلة فوقفت عند الحد الذي وصلت إليه أيام النهضة العباسية، فهي الآن لأننا هجرناها في المحادثة إلى لهجة غير مصرية ولحن غير مغتفر صارت تراكيبها غير مصقولة على الألسن ولا حية بالاستعمال.
стр. 68
٢- الأوتومبيل١ والبسكليت والجاكيته والبنطلون والجزمة والمودة؛ كل هذه الأسماء ما ذنبها حتى تهجر في الكتابة إلى غيرها من الألفاظ التي نحاول انتحالها مع التكلف لنعبر بها عن هذه المسميات؟ إن هذه الأسماء الأعجمية وأمثالها قد دخلت لغتنا دخولا تاما واستعملت استعمالا شائعًا بحيث لا نستطيع أن نضع لها ولغيرها من المسميات الجديدة أسماء جديدة لا يعتد بها ولا يستعملها إلا بعض الكتاب، إننا لو اخترعنا أسماء للمسميات الجديدة لنستعملها في الكتابة وحدها من غير أن تدخل في أحاديث العوام ولا في أحاديث الخاصة أنفسهم، ولكنا عاملين بذلك على توسيع مسافة الفرق بين لغة الكتابة ولغة الكلام وذلك مؤخر للغة البيان والفصاحة، للتقدم من جميع الوجوه.
ولا أراني أعرف سببا في الرغبة عن المألوف المشهور إلى ابتكار غيره إلا حب الإغراب، وإلا فما الذي ينفعنا من زيادة الأزمة اللغوية حرجا وإدخال التعقيد على البيان العربي الموجود بالفعل والذي نستعمله نحن أبناء اللغة وأبناء العرب؟
سيقال: إننا في جيل إحياء اللغة بعد مواتها فعلينا أن ننحت من اللغة وعلى موازين اللغة أسماء للمسميات الجديدة حتى لا ندخل الغريب في لغتنا.
هذا كلام طيب، ولكن لدينا لإحياء اللغة العربية وجعلها لغة العامة، ينطقونها صحيحة معربة كما كان يفعل آباؤنا الأولون، لدينا عقبات لا يسهل تخطيها فلو حاولنا التمسك بالكمال والتزمنا في إحياء اللغة هذا التخرج المتعب، وقسمنا مجهودنا بعضه لتصحيح بناء الكلمات التي فسد بناؤها على لسان العوام، وبعضه لإصلاح الأسلوب العربي وبعضه لتعليم الإعراب وضبط
стр. 69
أواخر الكلمات على قواعد اللغة لأضعنا مجهودنا الموزع من غير أن تجيء فائدة كبرى، وأضعنا الوقت في الاشتغال باللغة عن نتائج البيان وهي العلوم والمعارف، ويكفينا أن نتمسك بشخصية لغتنا والمحافظة على الموجود منها إلى الآن في الاستعمال اليومي ونحيي قواعد الإعراب.
في لغتنا أسماء أعجمية كثيرة جدًا لم يخل وجودها بالفصاحة ولا بالبلاغة فإن بعضها قد وجد في القرآن وهو المعجز بفصاحته وبلاغته إلى الأبد.
بل لقد أخذ آباؤنا بعض الألفاظ الأعجمية واستعملوها مع وجود مرادفها في اللغة العربية ثم هجروا العربي وقصروا استعمالهم على الأعجمي.
واجبنا أن نطرح هذه المشاعر الساذجة؛ مشاعر الامتعاض من استعارة الأسماء الأجنبية للغتنا.
لذلك نرفع النصيحة لزملائنا الكتاب أن يتساهلوا في قبول المسميات الأوربية ويدخلوها في الاستعمال الكتابي كما أدخلها الجمهور في المخاطبة.
٣- الأسماء الجديدة١ ما لها، لو أخذناها "ذي ما هيه" فنيت في لغتنا واتبعت أوزانها وجرت عليها أحكام الإعراب فأصبحت عربية بالزمان.
ما لنا لا نعتبر لغتنا كالعلم نزيد عليها كل جديد بمقدار الحاجة؟ ما لنا لا نزيد على أسمائها أسماء المخترعات الحديثة في العلم وفي الفنون والصناعة والتجارة؟
стр. 70
نحن نعمل ذلك بالفعل ولكننا نذكره بالقول. فالذين يأبون علينا إدخال الضروري من الكلمات الأجنبية يكتبون بأيديهم "التلغراف" و"التليفون" بغاية السهولة، كما يكتبون "الورد" الذي هو ليس عربيا, والأمة سائرة على هذا النمط من التطور فهي تعرف الكمبيالة ولا تعرف "السفتجة" ولا يقف في طريقها عائق، غير أن خمسة أو ستة من الكتاب هم الذين لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة وتقف أقلامهم عند كتابة أسماء المخترعات الحديثة إذا لم يجدوا تسمية سعيدة. اللغة ملك الأمة وللكتاب الحرية في الزيادة عليها بأساليب جديدة وألفاظ جديدة إذا قبلها الجمهور وراجت وأصبحت من لغة الأمة.
سيقولون: هذا المبدأ يدعو إلى الفوضى، ربما كان ذلك، ولكن الفوضى واقعة لا محالة في زمن الانتقال الشديد الذي نحن فيه, ولا بأس بالفوضى إذا كانت لازمة لحال التطور وصارفة لنا عن هذا الجمود الذي نحن فيه.
سيقولون: وما الذي يمنع من تأليف المجمع اللغوي من اليوم؟ نقول: إن كل عمل عام لا تقتضيه حاجة الأمة اقتضاء تاما إنما هو عمل صناعي عقيم النتيجة، وقد تألف المجمع اللغوي ثلاث مرات ولم يفلح فكان فشله دليلا على أنه غير ضروري لحياة الأمة أو على الأقل إن الأمة لا تراه ضروريا لها الآن؛ وإلا لحكم له بالبقاء.
إن الخروج باللغة من جمودها إلى طور جديد لا بد فيه من الفوضى الموصلة إلى الطور الراقي المتفق مع أطماع الأمة عن التقدم في كل شيء إلى الأمام.
لا حرج على الكاتب أو المترجم أن يستعمل من الألفاظ ما شاء لما شاء من المعاني وكلما توسع الكاتب في استعمال ألفاظ كثيرة كان ذلك إحياء
стр. 71
بذلك عامل من عوامل الجامعة الإسلامية والثاني أن تصحيح الألفاظ العامية المصرية واستعمالها في الكتابة معطل للغة العربية الفصحى.
إننا لسنا من أنصار هذه الجامعة المتخيلة بوصف كونها دينية لاقتناعنا بأن أساس الأعمال السياسية هو الوطنية وروابط المنفعة.
ما نقترحه ليس من شأنه أن يعطل اللغة العربية الفصحى بل يزيدها فصاحة ويسرع في تطورها ولا يبقى منها إلا استعمال ألفاظ لا حاجة لنا بها ولا مانع يمنع من استعمالها في الشعر عند الوزن.
الرد على لطفي السيد:
١- رد عبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة البيان:
ليس١ من ينكر على الأستاذ الكبير أحمد لطفي السيد مدير الجريدة الغراء عبقريته ونبوغه وأنه من الأفذاذ المعدودين. وقد يعرف قراء البيان ما أثارته براعته الجبارة منذ ثلاثة أشهر حول مسألة اللغة والأخذ والرد الذي دار بينه وبين معارضيه والشجار الذي استطار بين الفريقين وامتد ومع ذلك انتهى إلى حيث ابتدأ شأن كل مسألة يتنازعها والمستقبل وحده هو الكفيل بفصل الخطاب وحل الإشكال فيها. أما المسألة فمنها ما يدور حول الأسلوب الكتابي وهل الرأي أن يكون أسلوبنا كأسلوب العرب الأولين؛ أسلوب الشعر الجاهلي والقرآن والحديث. أو أن نكتب بأسلوب مصبوغ باللون الأمي فيكتب المصريون بلغة مصرية يشترك في فهمها خاصة المصريين وعامتهم. هذا أحد شطري المسألة وشطرها الآخر يدور حول المفردات التي
стр. 72
يتألف منها الأسلوب وهذا يتشعب إلى مسألتين خلافيتين أولاهما: هل نضع للمسميات الحديثة أسماء عربية في مبادئها وأوزانها أو ننقل أسماء هذه المسميات من لغتنا الأجنبية بعد تهذيبها وجعلها بحيث لا تناكر الأوزان العربية, وقد رأيت أن من واجب "البيان" الذي رصد نفسه للغة العربية وأدبها أن يخوض في هذا الموضع الهام مع الخائضين، وهذه كلمة صديقنا النابغ الأديب السيد مصطفى صادق الرافعي.
تمصير اللغة؛ رد على لطفي السيد بقلم مصطفى صادق الرافعي ١:
نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام من الفضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استحفظوا عليها مصرية، بعد أن كانت مضرية وأن تطرد لهم مع النيل بعدد الترع عداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل ويصدر الكتاب من الكتب فيجري من أفهام القوم في طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذا معروفا غير متباين بعضه من بعض ولا ملتو على فئة دون فئة.
ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجم الغفير، من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصر عن لغة أجنبية. ولا نقول عرب فإن هذه بالطبع غير ما نحن فيه، بل يأخذ من تحت كل لسان ويلقف عن كل شقة ولا يبعد في التناول إلى مضطرب واسع ولا يمضي حيث يمضي إلا مخففا عن هذه القواعد وتلك الضوابط العربية إذ تتهاون يومئذ العدوتان: هذه العامية وهذه الفصحى وتصلحان بينهما صلحا أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلمًا ولا لسانًا.
стр. 73
وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في المواد المضرة التي يعبر عنها دعاة السياسة اللغوية بالألفاظ العامة المبتذلة والألفاظ العربية الغريبة، ثم على أن لا تحفل إحداهما ما تركت الأخرى سوى ذلك فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها.
إنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطا في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملا مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها. فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها لماما وتروحوا بالإعراض عنها سلاما حتى تناولها الأستاذ مدير الجريدة فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند الممارضة رأيا فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك، وتحيلها إليها، فسعى أن يأبى لا تكون العامية فيه شيئا مذكورا.
إن مجم هذا الرأي ومستجمعه أن الأستاذ يرى "أخذ أسماء المستحدثات من اللغة اليومية" وإمرارها على الأوراق العربية بقدر الإمكان فإن لم يكن لها ثمت أسماء فمن معاجم اللغة وكتب العلم إن هذه عنده دون اللغة اليومية فإن لم يصب ذلك في هذه أيضًا وضع لها الواضع ما شاء، وإن استعمال مفردات اللغة وتراكيبها إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة.
هذا هو محصل رأي الأستاذ؛ فإن طال عليك ذلك السر وبرمت به جملة فإن لك أن تدمجه في كلمتين, ذلك أن الأستاذ يرى "تمصير اللغة" لأننا إذا تابعناه فإنما نلمس كل ما أشار إليه من العامية المصرية وحدها ونعطي هذه العامية سعة أنفسنا وبذل أقلامنا فنلبسها الفصيح ونخلط منهما
стр. 74
عملا صالحا وآخر سيئا. ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذها في عاميتها وتنزع إلى ما تذعن إليه فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم كان لعمري أسرع في فناء العربية وجدا عليها شؤم هذا الرأي ما لا يجدوا تآلب الأعداء لو استأصلوا أهلها وبلغ منها ما لا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك الأرض كلها ثم نحن نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية وسينقاد لذلك من بعدنا، ثم من بعدهم إلى أجيال بعيدة ويتراخى بعضنا عن بعض فيوشك أن يأتي يوم تكون فيه تلك اللغة الفصحى ضربا من اللغات الأثرية في كتابها الكريم لأننا لا ننظر في الترخص منه الآن من كلمات معدودة صدرت بها "قرارات الأمة" أن لا تزال على وجه الدهر عامية ولكننا ننظر إلى الأصل في قاعدة التسامح والترخيص فإذا ثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك نكير فما أشبه ما أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل ثم ينتهي بالتسامح في كل شيء.
- لا نفهم كيف يكون إحياء العربية باستعمال العامية وكيف نروض لغة القرآن التي تأبى إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبل لغات الغرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطنة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية ثم نرضى من جهة أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء.
- إذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري أي لهجة نأخذ وأي لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها.
- نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه النهضة مجمع يحوطها ويضع لها ولو على الأقوال كمصلحة الكنس والرش ولا نقول إن هذه اللغة كاملة في مفرداتها.
стр. 75
إنه لا يقيضنا من اللغة شيء وهي على ما هي من أحكام الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات، ولو أقبلت كأعناق السيل ولكن يقتضي هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا.
على أنه إن يكن في رأي التمصير خير فليس يقوم خيره بشؤمه، وهب أن أمرًا من ذلك كائن، وأننا أجرينا التراكيب العامية في الفصيح، أقحمنا مفردات القوم في اللغة، ومكنا للعامة على ما يتوهمون من مقاليد الكلام وأتبعناه مقادتهم، فما أجداه ذلك عنهم، وماذا يرد على الأمة!
لا سبيل لتمصير العربية واعتبار هذه المصرية أصلا لغويا مجمعا عليه إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي يقوم على هذه العربية، فإن بعض ذلك سبب طبيعي إلى بعضه فمن كشف لنا عن الوجه الذي يكون به الدين مصريًا وطنيا بأسباب ذلك ونتائجه قلنا له: أخطأنا وأصبت ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ .