← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بذلك عامل من عوامل الجامعة الإسلامية والثاني أن تصحيح الألفاظ العامية المصرية واستعمالها في الكتابة معطل للغة العربية الفصحى. إننا لسنا من أنصار هذه الجامعة المتخيلة بوصف كونها دينية لاقتناعنا بأن أساس الأعمال السياسية هو الوطنية وروابط المنفعة. ما نقترحه ليس من شأنه أن يعطل اللغة العربية الفصحى بل يزيدها فصاحة ويسرع في تطورها ولا يبقى منها إلا استعمال ألفاظ لا حاجة لنا بها ولا مانع يمنع من استعمالها في الشعر عند الوزن. الرد على لطفي السيد: ١- رد عبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة البيان: ليس١ من ينكر على الأستاذ الكبير أحمد لطفي السيد مدير الجريدة الغراء عبقريته ونبوغه وأنه من الأفذاذ المعدودين. وقد يعرف قراء البيان ما أثارته براعته الجبارة منذ ثلاثة أشهر حول مسألة اللغة والأخذ والرد الذي دار بينه وبين معارضيه والشجار الذي استطار بين الفريقين وامتد ومع ذلك انتهى إلى حيث ابتدأ شأن كل مسألة يتنازعها والمستقبل وحده هو الكفيل بفصل الخطاب وحل الإشكال فيها. أما المسألة فمنها ما يدور حول الأسلوب الكتابي وهل الرأي أن يكون أسلوبنا كأسلوب العرب الأولين؛ أسلوب الشعر الجاهلي والقرآن والحديث. أو أن نكتب بأسلوب مصبوغ باللون الأمي فيكتب المصريون بلغة مصرية يشترك في فهمها خاصة المصريين وعامتهم. هذا أحد شطري المسألة وشطرها الآخر يدور حول المفردات التي

стр. 72

يتألف منها الأسلوب وهذا يتشعب إلى مسألتين خلافيتين أولاهما: هل نضع للمسميات الحديثة أسماء عربية في مبادئها وأوزانها أو ننقل أسماء هذه المسميات من لغتنا الأجنبية بعد تهذيبها وجعلها بحيث لا تناكر الأوزان العربية, وقد رأيت أن من واجب "البيان" الذي رصد نفسه للغة العربية وأدبها أن يخوض في هذا الموضع الهام مع الخائضين، وهذه كلمة صديقنا النابغ الأديب السيد مصطفى صادق الرافعي. تمصير اللغة؛ رد على لطفي السيد بقلم مصطفى صادق الرافعي ١: نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام من الفضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استحفظوا عليها مصرية، بعد أن كانت مضرية وأن تطرد لهم مع النيل بعدد الترع عداد القرى حتى ترسل الكلمة من الكلام فلا يجهلها في مصر جاهل ويصدر الكتاب من الكتب فيجري من أفهام القوم في طريقة واحدة ويأخذ منهم مأخذا معروفا غير متباين بعضه من بعض ولا ملتو على فئة دون فئة. ومن ثم يزين لهم الرأي أنه لا يبقى في هذا الجم الغفير، من علمائنا وكتابنا وأدبائنا من لا يعرف أين يضع يده من ألفاظ اللغة ومستحدثاتها إذا هو كتب أو مصر عن لغة أجنبية. ولا نقول عرب فإن هذه بالطبع غير ما نحن فيه، بل يأخذ من تحت كل لسان ويلقف عن كل شقة ولا يبعد في التناول إلى مضطرب واسع ولا يمضي حيث يمضي إلا مخففا عن هذه القواعد وتلك الضوابط العربية إذ تتهاون يومئذ العدوتان: هذه العامية وهذه الفصحى وتصلحان بينهما صلحا أن لا ترفع إحداهما في وجه الأخرى قلمًا ولا لسانًا.

стр. 73

وعلى أن تبيح كلتاهما للثانية حرية الانتفاع بما يشبه حرية التجارة إلا في المواد المضرة التي يعبر عنها دعاة السياسة اللغوية بالألفاظ العامة المبتذلة والألفاظ العربية الغريبة، ثم على أن لا تحفل إحداهما ما تركت الأخرى سوى ذلك فتستمر العامية على ما هي وتذهب الفصحى على وجهها. إنما تلك آراء كان يتعلق عليها بعض فتياننا إفراطا في الحمية ومبالغة في الحفيظة لمصر وأملا مما يكبر في صدورهم على ما ترى من تهافتها وضعف تصريفها. فكان ذلك عذر العقلاء إذا مروا بها لماما وتروحوا بالإعراض عنها سلاما حتى تناولها الأستاذ مدير الجريدة فحذفها وسواها وأخرج منها طائفة من الرأي تصلح أن تسمى عند الممارضة رأيا فقال بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك، وتحيلها إليها، فسعى أن يأبى لا تكون العامية فيه شيئا مذكورا. إن مجم هذا الرأي ومستجمعه أن الأستاذ يرى "أخذ أسماء المستحدثات من اللغة اليومية" وإمرارها على الأوراق العربية بقدر الإمكان فإن لم يكن لها ثمت أسماء فمن معاجم اللغة وكتب العلم إن هذه عنده دون اللغة اليومية فإن لم يصب ذلك في هذه أيضًا وضع لها الواضع ما شاء، وإن استعمال مفردات اللغة وتراكيبها إحياء للغة الكلام وإلباسها لباس الفصاحة. هذا هو محصل رأي الأستاذ؛ فإن طال عليك ذلك السر وبرمت به جملة فإن لك أن تدمجه في كلمتين, ذلك أن الأستاذ يرى "تمصير اللغة" لأننا إذا تابعناه فإنما نلمس كل ما أشار إليه من العامية المصرية وحدها ونعطي هذه العامية سعة أنفسنا وبذل أقلامنا فنلبسها الفصيح ونخلط منهما

стр. 74

عملا صالحا وآخر سيئا. ولعل هذا الرأي أن يشيع من ناحيتنا ويطمئن في كل أمة لها عربية فتأخذ مأخذها في عاميتها وتنزع إلى ما تذعن إليه فإذا أمكن أن يتفق ذلك وأن تتوافى عليه الأمم كان لعمري أسرع في فناء العربية وجدا عليها شؤم هذا الرأي ما لا يجدوا تآلب الأعداء لو استأصلوا أهلها وبلغ منها ما لا يبلغه الفاتحون ولو ملكوا تلك الأرض كلها ثم نحن نتسامح في استعمال المفردات والتراكيب العامية وسينقاد لذلك من بعدنا، ثم من بعدهم إلى أجيال بعيدة ويتراخى بعضنا عن بعض فيوشك أن يأتي يوم تكون فيه تلك اللغة الفصحى ضربا من اللغات الأثرية في كتابها الكريم لأننا لا ننظر في الترخص منه الآن من كلمات معدودة صدرت بها "قرارات الأمة" أن لا تزال على وجه الدهر عامية ولكننا ننظر إلى الأصل في قاعدة التسامح والترخيص فإذا ثبتناه وأخذ به غيرنا ولم يكن عندنا لذلك نكير فما أشبه ما أن تكون كالقاعدة الاستعمارية التي تبتدئ بالتسامح للمستعمرة والغزاة في أخذ الشيء القليل ثم ينتهي بالتسامح في كل شيء. - لا نفهم كيف يكون إحياء العربية باستعمال العامية وكيف نروض لغة القرآن التي تأبى إلا أن تتقيد بها اللهجات الأخرى كما محت من قبل لغات الغرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطنة في أهلها وردتها إلى لغة واحدة هي القرشية ثم نرضى من جهة أخرى هذه اللهجات العامية التي تأبى أن تتقيد بشيء. - إذا حاولنا مذهب الإصلاح العامي فليت شعري أي لهجة نأخذ وأي لهجة في مصر هي غير مصرية فننبذها. - نحن لا نماري في وجوب الإصلاح اللغوي ووجوب أن يكون للغة في هذه النهضة مجمع يحوطها ويضع لها ولو على الأقوال كمصلحة الكنس والرش ولا نقول إن هذه اللغة كاملة في مفرداتها.

стр. 75

إنه لا يقيضنا من اللغة شيء وهي على ما هي من أحكام الأوضاع والتراكيب والاتساع للمفردات، ولو أقبلت كأعناق السيل ولكن يقتضي هذه اللغة رجال يعملون ويحسنون إذا عملوا. على أنه إن يكن في رأي التمصير خير فليس يقوم خيره بشؤمه، وهب أن أمرًا من ذلك كائن، وأننا أجرينا التراكيب العامية في الفصيح، أقحمنا مفردات القوم في اللغة، ومكنا للعامة على ما يتوهمون من مقاليد الكلام وأتبعناه مقادتهم، فما أجداه ذلك عنهم، وماذا يرد على الأمة! لا سبيل لتمصير العربية واعتبار هذه المصرية أصلا لغويا مجمعا عليه إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي يقوم على هذه العربية، فإن بعض ذلك سبب طبيعي إلى بعضه فمن كشف لنا عن الوجه الذي يكون به الدين مصريًا وطنيا بأسباب ذلك ونتائجه قلنا له: أخطأنا وأصبت ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ .

стр. 76

مجمع اللغة، ما هي مهمته ؟: بين منصور فهمي وطه حسين: هذه معركة جرت حول مهمة المجمع اللغوي، بدأها الدكتور طه حسين بآراء عرض فيها وجهة نظره في أمر المجامع اللغوية وعملها بمناسبة قرب دخوله إلى المجمع اللغوي الذي أنشئ في مصر سنة ١٩٣١ وظل الدكتور بعيدًا عنه، عارضه فيها الدكتور منصور فهمي وإسماعيل مظهر وجرت بينهم مناقشات انتهت بأن مهمة المجمع اللغوي الذي يقوم في مصر تختلف عن مهمة المجمع الفرنسي الذي أراد الدكتور طه أن نسير على نهجه، وذلك لمدى الفوارق في الاحتياجات اللازمة للغتنا والفرق بين اللغة العربية والفرنسية. قال الدكتور طه حسين ١: ١- إنها لكارثة كبرى أن يكلف مثلي وضع الاصطلاحات في الطب والطبيعة والفنون العملية المختلفة ولو أن الأكاديمية الفرنسية عنيت بوضع الاصطلاحات للعلوم والفنون لكانت موضع سخرية الفرنسيين جميعا والعلماء في مقدمتهم, فمن العبث إذن أن يكلف المجمع وضع الاصطلاحات أو يضيع وقته فيها. وهناك مسألة اللهجات فليس المجمع مدرسة وإنما تدرس اللهجات في معاهد خاصة تلحق بالجامعات وبكليات الآداب، وما أعرف المجمع الفرنسي مثلا عنى في يوم من الأيام باللهجات، بل هو يحاربها لأن عمله الأول إنما هو الاحتفاظ ببقاء اللغة وفصلها فإذا أريد درس اللهجات العربية القديمة كما تمثلها قراءات القرآن الكريم فهذه شيء متصل بالمعجم التاريخي وبالنحو والصرف, وهو شيء مخالف كل المخالفة لما يراد من درس اللهجات الحديثة. رد الدكتور منصور فهمي: إن وضع المصطلحات العلمية من صميم عمل المجامع. وأعضاء المجمع ليسوا لغويين فحسب، وإنما منهم من اختص أيضًا بعلوم غير علوم اللغة فعند اتصال بعضهم بالبعض الآخر ثمرة طيبة تعين على وضع مصطلحات علمية موقعة في مختلف نواحي العلوم والفنون. ١- أخالف الدكتور طه في رأيه بأن الأكاديمية الفرنسية لو عنيت بوضع الاصطلاحات للعلوم والفنون لكانت موضع سخرية الفرنسيين جميعًا.

стр. 77

وهل يسخر أحد حين يعلم أن جماعة من أهل اللغة يضعون اصطلاحات لما يرتجل ارتجالا تكون أوفق لروح اللغة وقد يستساغ بعضها وقد يصقل الاستعمال البعض الآخر. ولا أظن أن الدكتور طه حسين حين يستفهم ويقول نصا "أي أعضاء المجمع" يستطيع أن يضع الأسماء لأي آلة من الآلات المستحدثة التي لا عهد للعرب بها يحسب أن كتابا من الكتاب يرضى أن يستخدم كلمتي "فرملة" أو "دريكسون" التي يستخدمها عامل السيارة في حين أن أدباء المجمع بل وكل أديب بل وكل من له إلمام يسير باللغة يجد لهاتين اللفظتين من لغة العرب ما يناسب ذوقها وذوق الناس. ٢- ما قولكم في دراسة اللهجات التي تعرض لها الدكتور طه حسين؟ أما اللهجات فنعلم أن دراستها قد تعين على معرفة معنى الكلمة على وجهها الصحيح. فغير قليل من الكلمات قد تستخدم من ناحية أو في عدة نواح من البلاد العربية لمعنى من المعاني، وإن العناية بمعرفة هذه الألفاظ ومعانيها قد تعين على وضع كثير من المعاني والألفاظ موضعها الصحيح الأوفق فضلا عن أن اللهجات لم تخرج عن أنها جزء من تاريخ اللغة وتطورها. ومن أراد أن يزيد رسوخا في اللغة فليس له أن يهمل أجزاء تاريخها، زد على هذا أن البلاد العربية قد تعددت لهجاتها لدرجة الصعوبة في التفاهم أحيانًا وأنه من أمل مجمع اللغة المصري أن يكون لمصر مركز ممتاز بين البلاد العربية لتوحيد الأدوات والأساليب في التخاطب والكتابة والتفاهم بلغة مشتركة فصحى رقيقة فمن حقه إذن أن يعنى بلهجات البلاد العربية المختلفة، وذلك لدفع تلك اللهجات إلى لغة سليمة فصحى توحد بين الجميع في الكتابة والتخاطب. وما كان المجمع حين أراد أن يستبقي العناية باللهجات بغافل عن معرفة

стр. 78

حقيقة نفسه وأنه ليس مدرسة كما يقول الدكتور وأن من حق الكليات ومعاهد العلم العالية أن تعنى بدراسة اللهجات. ولكن المجمع رأى أن تقرير العناية بدراسة اللهجات يعينه على تحقيق أغراضه السامية في خدمة اللغة. أما قول الدكتور "أنه لم يعرف أن المجمع الفرنسي عنى في يوم من الأيام باللهجات وأنه يحاربها". فأحسبني لا أخطئ إذا قلت: إن العناية بدراسة اللهجات وما يتصل بها فائقة في فرنسا وفي غير فرنسا بل هي من الدراسات التي يحرص عليها العلماء خصوصا في الزمن الأخير لتفهم قانون تطور اللغات وما يستفاد من هذه الدراسة لتنمية ثروة القوانين العلمية والتاريخ. وقد ألفوا في ذلك المصورات والأطالس الكبرى. ٢- طه حسين ١: الدكتور منصور فهمي أعلم بشئون المجامع اللغوية من أن يحتاج إلى أن أنبه إلى أن هذه المجامع ليس من شأنها ولا ينبغي أن يكون من شأنها ولم تزعم قط أن من شأنها وضع اصطلاحات العلوم والفنون وإنما هي تسجل من ذلك ما يصنعه العلماء وأصحاب الفن إذا لائم اللغة وفرضه الاستعمال. مازلت أقول وسأقول دائمًا وسيقول المثقفون الفرنسيون معي دائما: إن المجمع اللغوي الفرنسي يضحك الناس من نفسه لو أنه انصرف إلى وضع الاصطلاحات في العناية بصفاء اللغة ونقائها، فالعلماء وحدهم هم الذين يضعون اصطلاحاتهم وألفاظهم الخاصة وما ينبغي لغيرهم أن يتطفل عليهم أو يشاركهم في تسمية ما لا يتقنه من معاني العلم واصطلاحاته. إن الأمور تقلب أوضاعها في مصر فنحن نريد أن يذهب الأطباء إلى

стр. 79

أعضاء المجمع اللغوي يلتمسون منهم الأسماء لمعاني الطب التي لا يحسنونها ولعلهم لا يعرفون عنها قليلا ولا كثيرا على حين يذهب أعضاء المجمع اللغوي الفرنسي إلى الأطباء يسألونهم عن معاني الكلمات الطبية التي يفرضها الاستعمال والتي يحتاج إلى أن تأخذ مكانها في المجمع اللغوي. ٣- إسماعيل مظهر ١: لأول وهلة أدركت أن الأستاذ "طه حسين" يحاول أن يثبت أن لمجامع اللغة طبيعة واحدة لا تختلف باختلاف الشعوب واللغات وظروف الأحوال فمضى يطبق القواعد التي يجري عليها مجمع اللغة الفرنسي مثلا على ما يجب أن يكون لمجمع اللغة العربية كأن الطبيعة والتاريخ لا حساب لهما في قياس الفارق بين اللغتين "اللغة العربية واللغة الفرنسية" وحال الشعبين. "أما ما ذكره" من أن المجامع اللغوية لا شأن لها بوضع المصطلحات العلمية وأخذه المثل على ذلك من المجمع الفرنسي ووضع بذلك مقياسا على الفارق البعيد والبعيد جدًا فلا جدال إطلاقا من أن المجمع اللغوي الفرنسي لن يقبل كلمة واحدة أو اصطلاحا يضعه عالم من العلماء أو مؤلف من المؤلفين ما لم ينطبق على القواعد المرعية في اللغة الفرنسية أولا أو في اللغتين اليونانية واللاتينية إذا كان المصطلح منهما، وإذا جاز هذا فإن ذلك يكون بمثابة حكم بالإعدام على المجمع يوقعه أعضاؤه على أنفسهم، فالمجمع الفرنسي يجيز المصطلحات الحدثية متى كانت صحيحة مطابقة لقواعد اللغات التي تؤخذ منها. إن طبيعة لغتنا والظرف القائم بيننا يجعل من أوليات المهام التي يجب أن يباشرها مجمع اللغة العربية النظر في وضع المصطلحات العربية الصحيحة مع

стр. 80

الاستعانة بأهل الذكر من العلماء الذين هم على استعداد للتضحية في سبيل اللغة، لا أهل الذكر الذين يضنون على المجمع بجهودهم وكثير ما هم, أهل الذكر الذين يستطيعون التأليف باللغة العربية ولا يستكبرون أن تصحح لغتهم أو مصطلحاتهم التي يستعملونها إسرافًا بالأخذ من الأصول الأعجمية بغير حساب. ٤- الدكتور منصور فهمي ١: إني أعلم أن المجامع تسجل ما يلائم اللغة وما يفرضه الاستعمال إذا لاءم اللغة ومنذ القديم عربت كلمات ودخلت في معاجمها لمواءمتها أو أشير إلى أنها معربة؛ ولكن هل علمت أن لغة من اللغات الراقية الحية أو معجما من معاجمها القائمة لخدمتها وسلامتها يجيز أن نسجل لفظا فرضه استعمال عامة الناس أو فرضه استعمال أهل حرفة من الحرف أو طائفة من الطوائف دون أن يكون حقا هذا اللفظ ملائما للغة صحة أو وضعا أو قالبا، فمن هو ذلك الحكم الذي يحتكم إليه لمعرفة ما إذا كان اللفظ ملائما للغة أو نابيا عنها أو هناك في اللغة ما يعوض عنه. حدثني الأستاذ "فيشر" أن علماء الكيمياء والطبيعة من الألمان يستعينون بزملائهم العلماء في اللغات القديمة لعونهم على وضع مصطلحات في الكيمياء وفي الطبيعة فهل كان في ذلك خير. بل على العكس كان ذلك الدليل القاطع على أن أهل العلم يحتاجون لعلماء اللغة وأن ذلك يحصل كل يوم في فرنسا التي يستشهد بها الدكتور وفي غير فرنسا من البلاد.

стр. 81

المسألة إذن ليس أمرها واضحا وحظها من البداهة لا يحتمل الخلاف. بل إن المسألة هي خلاف بعيد في الرأي بيني وبينك. فأنا أرى أن من عمل المجمع وضع المصطلحات الموافقة لسلامة اللغة وذوقها وأن من عمله مؤازرة العلماء وأهل كل فن وحرفة لتسمية المسميات الحديثة وأنت ترى أن أهل الحرفة وأهل العلم وحدهم هم الذين يضعون هذه المصطلحات حتى "دون أن يشاركهم في تسمية ما لا يتقنه من معاني العلم واصطلاحاته أحد". تبارك الله يا صاحبي. إن الحياة كلها تقوم على التآزر والتعاون فالأمور لا تقلب أوضاعها في مصر كما تقول. الأطباء يتصلون بأعضاء المجمع يلتمسون فهم الأسماء العربية لمعاني الطب وعندي أن مثل هذا هو وضع للأمور في مواضعها وسواه هو القلب العنيف. أما اللهجات فأعود وأقول: لم يكن من مهمة المجمع أن يبحث فيها ليتوصل إلى توحيدها. لا لإحياء الميت منها وذلك بإصلاح ما فسد من مفرداتها ورده إلى الأصل العربي السليم الصافي وبهذا الاعتبار حرص المجمع على الاشتغال بمختلف اللهجات. ومن أهم الأسباب التي تدعو إلى البحث في اللهجات هو الوقوف على وسائل تطورها في مختلف العصور إذ إن ذلك يعين على معرفة نفس التطورات التي حدثت في العربية الفصحى قبل أن تبلغ وحدتها. ٥- طه حسين ١: إذا أردت الحق فإن مجمعنا اللغوي قد أنشئ على عجل, وأخشى أن

стр. 82

يكون إنشاؤه الأول قد قصد به الدعاية السياسية أكثر مما قصد به إلى المصلحة الحقيقة وإلا فقد كان الملائم لمصلحة مصر أن ينشأ فيها مجمع على طراز المجمع العلمي الفرنسي لا على طراز المجمع اللغوي. حرام١ عليكم أيها الأصدقاء فلا يباح لكم أن تقتلوا هذه العامية الحلوة فإنا نجد في اختلافها لذة ومتعة وعزاء في كثير من الأحيان. ٦- منصور فهمي ٢: حرام عليك أن تشجع تبلبل اللهجات وتطري اختلافها، فاللغة العربية هي التي تجمع بين البلاد العربية فلتكن موحدة في اصطلاحاتها اللغوية ولتكن موحدة في جمال نطقها فذلك أحرى للجمع والترابط والتفاهم. فأنا أقول لك إنه حلال أن تقتل لهجات قد تقوى فتتحول إلى لغات مختلفة تفرق بين بعض الأهل والبعض الآخر وحلال أن نسعى نرتفع باللهجات إلى لغة عربية موحدة فصحى تجمع بين أهل اللغة العربية الموحدة. ثم توحد في الثقافة إخوانا في اللسان والإنسانية والبيان. ٧- طه حسين: إن المجمع الفرنسي لا ينظم لجانه على هذا النحو المصري الطريف الذي يفرض فيه الخبراء فرضًا لأن المجمع الفرنسي لا يكلف نفسه ولا يكلف أحد ما لا يطيق من وضع الاصطلاحات العلمية. ولو قد كلفه أحد ذلك لرفضه لأنه يرفع نفسه عن العرض لما لا يحسن.

стр. 83

واللهجات إن حديثها لعجب، ماذا يراد من مجمعنا اللغوي أن يصنع؟ بل وكيف يكون درسه لها وقوله فيها؟ إنني أحقق أن الذين يفرضون على مجمعنا درس اللهجات لم يصوروا لأنفسهم هذا الموضوع تصويرا واضحا. كلا. إن لعلم اللهجات خطره وقيمته ولكن مكانه في الجامعة لا في المجمع, وإذا عرض المجمع له فإنما يعرض له مصادفة حين يحتاج إلى ذلك بين حين وحين. فأما أن يفرض درسه والعناية الخاصة به على المجمع فشيء لا يفهم ولا يستقيم.

стр. 84

معركة الكتابة بالحروف اللاتينية: بين: عبد العزيز فهمي ومحمد كرد علي هذه معركة من معارك التغريب، المتصلة بمحاولة القضاء على اللغة العربية بدأها وقدمها عبد العزيز فهمي عضو مجمع اللغة العربية في "يناير ١٩٤٤" ولقيت معارضة ضخمة من المفكرين والكتاب. وقد حاول عبد العزيز فهمي في أكثر من مرة أن يواجه العاصفة ولكنه عجز عن أن يقاومها واشترك في معارضته فيها عبد الوهاب عزام وإسعاف النشاشيبي وعباس العقاد ومحمد كرد علي ومحمود محمد شاكر وغيرهم. وقد تبين لي في السنوات الأخيرة بعد مراجعات واسعة أن عديدا من الصحف والباحثين شارك في هذه المعركة وأهمها مجلتي المنار والفتح. اقتراح اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية. قدمه إلى المؤتمر في ٢٤ يناير ١٩٤٤ عبد العزيز فهمي: إن اللغة كائن كالكائنات الحية ينمو ويهرم ويموت مخلفا من بعده ذرية لغوية متشعبة الأفراد هي أيضا في تطور مستمر، ولن يستطيع قوم للآن أن يغالبوا هذه الظاهرة الطبيعية فإن التطور يكبح شراسة من غالبه. كانت اليونانية القديمة لغة شعر وحكمة فلما اشتد التبلبل في ألسنة أهلها اضطروا على الرغم منهم أن يتخذوا من عاميتهم لهجة جعلوا لها قواعد نحو وصرف وهي التي يتكلمونها ويكتبون بها اليوم. وكانت اللاتينية لغة الإمبراطورية الرومانية فأتى عليها التطور فاشتقت منها الإيطالية والفرنسية والإسبانية وغيرها. وكل لغة من تلك اللغات الذراري هي كل يوم في تطور. ولكن حال اللغة العربية حال غريبة, بل أغرب من الغريبة لأنها مع سريان التطور في مفاصلها وتحولها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله لم يدر بخلد أي سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيا أن تجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها وتكون

стр. 85

هي المستعملة في الكلام الملفوظ, وفي الكتابة معًا تيسيرًا على الناس كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والإسبان وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة. إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا وأن يردعوا عقولهم عن التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة رغم أنوفهم في لهجات الجماهير. هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى كيما تصح قراءتهم وكتابتهم هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي، لأنه تكليف للناس بما فوق طاقتهم. ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن اللغة العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات الأجنبية الحية لكن تناولها من أشق ما يكون وكلنا يؤمن بهذا. وبعد أن أورد بعض صعوبات العربية: الأفعال مجرد ومزيد، الفعل الثلاثي وأوزانه، الأسماء المصروفة والممنوعة قال: تلك الأشواك والعقبات وهذا التعدد يريك الواقع من أن هذه اللغة العربية ليست لغة أمة واحدة لقوم بعينهم بل إنها جموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة جمعها علماء اللغة وأودعوها المعاجم وجعلوها حجة على كل من يرد الانتساب للغة العربية ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت. أفليس من الظلم المبين إلزام المصريين وغير المصريين من متكلمي

стр. 86

اللهجات العربية الحديثة بمعالجة التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض فانعجنت. لئن كان قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد هما اللذان رانا على جمال العربية فباعد بينها وبين أهلها وطلابها، وإنهما وحدهما اللذان يعملان في هدم كيانها، فإنها مع الأسف الشديد تكون آيلة للزوال لا محالة على الرغم ما فيها من قوة الحيوية الذاتية، إذ إن هذه الحيوية لن تستطيع مغالبة قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد. لكن الواقع لحسن الحظ أن السبب الحقيقي في فرض هذه اللغة الجميلة وانزوائها في عقر بيتها إنما هو استبداد أهلها وإكراههم إياها على الظهور في ثوب غير مقيس عليها وصورة مبهجة مشكلة لا تجلي من جمالها شيئًا, أريد رسم كتابتها. إن رسم الكتابة العربية هو الكارثة الحائقة بنا في لغتنا, إنه أكبر عون لقانون التطور والإحساس لما فيها من الصعوبات وللالتفات عما يزينها من جمال. إذن أول واجب على أهل اللغة العربية هو أن يبحثوا عن الطريقة التي تيسر لهم كتابة هذه اللغة على وجه لا يحتمل فيه الكلمة إلا صورة واحدة من صور الأداء. ولقد فكرت في هذا الموضوع من زمن طويل. فلم يهدني التفكير إلا في طريقة واحدة هي اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات بدل حروفنا العربية كما فعلت تركيا؛ أخطر هذا في بالي أني عقب أن أمر المرحوم مصطفى كمال باستبدال الحروف اللاتينية العربية التي كانت مستعملة في كتابة

стр. 87

اللغة التركية لاقيت أحد نظار المدارس بالأناضول فسألته عما يكون أحدثه هذا الانقلاب في التعليم عندهم فأخبرني أن اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات قد امتعض منه الأهالي في بادئ الأمر, ثم تدخلت الحكومة وابتدأ تعليم الأطفال اللغة مرسومة كلماتها بتلك الحروف فكانت دهشة الأساتذة ودهشة الأهالي كبيرة إذ وصل الطفل في شهرين أو ثلاثة إلى قراءة أي متن مكتوب بها قراءة صحيحة وذلك بعد أن كان الطفل يستغرق سنين في قراءة التركية مكتوبة بالحروف العربية ويصحفها بكل ضروب التصحيف على مثال ما هو حاصل عند أهل العربية. إن لكل تجديد غصة وفي كل خارج عن المألوف غضاضة، وإنما تنجع المقالة في المرء إذا ما صادفت هوى في الفؤاد. ثم بين الطريقة التي يرى استعمالها: وتحويل الكسرة إلى "i" والضمة إلى "u" والفتحة إلى "a" إلخ. ثم صور مزايا استعمال الحروف اللاتينية فقال: إن الحروف الهجائية بحسب ما وضعناها لا تخل بشيء من نغمات الحروف العربية بل هي تبرزها جميعًا بلا استثناء. وكل نغمة منها بشخصها كما هو الحال الآن حرف واحد لا يشرك غيره معه في أدائها. ثم قال: طريقة الحروف اللاتينية التي أقرها هي الوسيلة الوحيدة المتعينة لتخلية لغتنا الفصحى في جلالها وجمالها على الوجه الواحد المتعين من أوجه النطق بكلماتها. ٢- محمد كرد علي ١: سمعت زميلي عبد العزيز فهمي يتلو علينا موضوعه في الدعوة إلى

стр. 88

الاعتماد على الحروف اللاتينية في كتابه اللغة العربية, ثم قرأت مقترحه مطبوعا فرأيته مفتنا في إيراد البراهين عارفا بالاستطراد والاستنباط، يريد أن يؤثر في عقل السامع والقارئ، وقد وقعت له مقاطع من الكلام خانه فيها اللفظ منها قوله: إننا نحن الضعاف أي العرب نطأطئ كواهلنا أمام تمثال اللغة نحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت وأننا من أتعس خلق الله في الحياة لأننا لم نعالج التيسير الذي فعله أهل اللغات العربية إلى غير ذلك مما لم يكن غير أسلوب خطابي يحاول أن يخرج منه ليفرض على الناس اختراعه الجديد. وبلغ بالأستاذ فرط الغيرة على تبسيط اللغة أن رثى لها بما فيها من صعوبات ومنها تبرمه بما في الأفعال من مجرد ومزيد، ونعى على العربية تعدد جموعها وتشكل الواحد من الأسماء الجامدة جملة أشكال. يقول زميلي: إنه يوشك أن تغزونا اللغات الأجنبية فتترك لغتنا ونستعيض عنها بلغة من لغاتهم وهذا خوف لا محل له لأن العربية تزداد كل يوم رسوخا في نفوس أهلها بفضل النهضة التي نهضناها وبفضل توفر أسباب التعليم والنشر ومما قال إن لغتنا كانت سبب تخلفنا في مضمار الحياة, وما أظن شيخ القضاة إلا ويعرف أن لانحطاط الشعوب الإسلامية في بعض مظاهرها عوامل أخرى لا علاقة لها بحروف الكتابة وقواعد الرسم وأن برهانه هذا ضعيف لا يصح الاستدلال به على من هو بصدده. إنه يعرف كما نعرف جميعًا أننا أنشأنا مدنية شهد لعظمتها كل من قاموا بعدنا وما حال هذا الخط ومن قبله الخط الكوفي دون الانتفاع بما آل إلينا من علوم القدماء وما وضعناه نحن بصنعنا وقرائحنا من علوم وآداب١.

стр. 89

وتبرم حضرته من تعدد اللهجات العربية وأنا أبشره بأن هذه اللهجات يقل عددها ولا يزيد كما ادعى، إننا نقترب كل يوم من الفصحى بفضل المدرسة والجريدة والكتاب والخطبة والمذياع, أي أن اللهجة الدارجة تتضاءل أمام اللغة الأدبية، والفصحى تتغلب على العامية اليوم بعد اليوم. ومن الحجج التي أدلي بها لإثبات قضيته التمثيل لنا بالأتراك وهي في الواقع حجة عليه لا له. فالأتراك لما أخذوا بالحروف اللاتينية وقضوا على الأمية فيما زعموا بهذه البدعة الجديدة التي ابتدعوها قطعوا كل صلة بينهم وبين ماضيهم وعمر هذا الماضي لا يقل عن ستمائة سنة. وشأن العربية غير شأن التركية لأن العربية تمثل تراث العالم الإسلامي كله وإذا عملنا عمل الأتراك نقضي على تراث علمي وأدبي وديني دام مطردًا خمسة عشر قرنا مما لم يعهد لأمة مثله ومعنى ذلك الزهد فيما خلفه العرب من آثار، والقضاء على مشخصاتنا وهو ما لا يرضى بذلك عربي مسلم. خسر الأتراك أي خسارة بما أتوا من العبث بلغتهم فلا نريد أن نتقبل مثالهم ولا يجوز لأنفسنا الاقتداء بأهل لغة من اللغات فمنحانا غير منحاهم ولغتنا تتسامى عن جميع لغات الشرق. إن الصعوبة الموهومة في لغتنا ما وقفت في سورية دون تعليم الرجل البالغ من ابن العشرين إلى الخمسين في المدارس الليلية التي أنشأناها بما أخرجناه به في أربعة أشهر من الأمية. إذن؛ فالعربية ليست من الصعوبة بخطها على ما يزعم رصيفي والعرب إذا قصروا في التصوير فقد عوضوا عنه هذا الخط الجميل والنقوش, واللبس

стр. 90

إلى حروف الكتابة اللاتينية أقرب أن يحل حروف الكتابة بإحدى اللغات اللاتينية. نحن هنا لإحياء العربية ونخشى أن تدعو هذه الصيحة إلى زعزعة السمعة الأدبية التي أحرزتها مصر فإن في اعتماد الحروف اللاتينية بدل هذه الحروف العربية الجميلة يحدث تناقضا مع الغاية السامية التي أنشئ المجمع لأجلها نحن لا نملك بوجه من الوجوه إدخال جديد مضر يكون فيه القضاء على قديم مقدس. ٣- أستاذ جليل "إسعاف النشاشيبي": ذكر١ برناردشو في مقدمة كتاب "هجرة نشأة اللغة" للأستاذ ويلسون؛ إذ يرى أن حروف الهجاء الإنجليزية لا تناسب اللغة الإنجليزية نظرا لأنها وضعت في الأصل من أجل اللغة اللاتينية التي تختلف في مخارج ألفاظها عن لغة أبناء التاميز. وعلى ذلك فهجاؤها يبعد كل البعد عن وقعها على السمع. ولا شك أن الذين يرغبون في حذق الهجاء الإنجليزي يقرون نقده هذا وهو نقد لا شك سيهم القارئ العربي لاتصاله بالتغيير الذي يقترحه بعضهم بشأن كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، إذ يحق لنا أن نتساءل بعد ذلك إذا كان من الحكمة الاستغناء عن حروف الهجاء العربية التي تمتاز على الأقل بأنها وضعت خصوصًا للغة العربية واستبدال حروف بها وإن كانت شائعة الاستعمال إلا أنها لا تناسب حتى هذه اللغات التي دأبت على استعمالها منذ أول عهدها بالكتابة والحروف اللاتينية التي نقدها كاتب القوم

стр. 91

العبقري: برناردشو وأبدت هذه المجلة نقده إياها، إنما هي الحروف العربية غير المهذبة التي كتبها كاتبوها من الشمال مكثرين من حروف المد فيها، والبركات في تلك الحركات قد خفت وسهل النطق بأحرفها، مطيلين الكلمة بتسطير حروفها جميعها، والعربية قد أبدعت حين أخذلت، متعبين عيون القارئين بما صوروا وطولوا؛ وشتان ما بين حرفان أحدهما يريح البصر والآخر يرهقه. فسم الحرف اللاتيني بالحرف المتعب تنصفه. ولقد بالغ إخواننا الترك في الإساءة إلى أنفسهم باستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير وتفضيل الشمال على اليمين. أما مقترح تصوير العربية بالحروف اللاتينية الذي أشارت إليه مجلة المستمع العربي فهو كمقترح استعمال تلك العامية ولكل إقليم عربي عامية بل بلية، والأمم العربية قد أجمعت على أن تكون في هذه الدنيا في الكائنين لا أن تبيد في البائدين، وأن دعوة الباطل متلاشية ودعوة الحق هي الباقية. ٤- محمود محمد شاكر ١: عبد العزيز فهمي رجل كنا نعرفه بالجد والحرص والفقه وطول الباع في القانون وكنا نظنه رجلا محكم العقل في جميع نواحيه لا يتدهور إلى ما ليس به عهد ولا يرمي بنفسه في غمرات الرأي إلا على بصيرة وهدى. فلما قال ما قال عن الحروف العربية في المجمع. ونشرت الصحف قوله ورأيه قلنا: عسى أن يستفيق الرجل ويعود إلى سالف ما عهد فيه من الحكمة والمنطق، وأن يكون ما قال خالصًا لخدمة العربية. نحن نسلم للأستاذ الجليل بما يقول عن صعوبة الحرف العربي المكتوب وبأنه يعوق القراءة وأنه يجعل العربية أبعد متناولا عن عامة الناس، نسلم له

стр. 92

بهذا ثم ننظر كيف يكون الرأي الذي اعتسفه فظنه للتسهيل ومدعاة لنشر العربية، وكيف يكون الذي يخرج الحرف العربي الغامض إلى البيان والوضوح فلا يكون مضللا ولا معوقا، فإنه يزعم أن "ليس لدى المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية وقت فائض يصرفونه في حل الطلاسم" هذا هو محصول رأيه. إن أول التضليل في رسم العربية باللاتينية أن يضيع على القارئ تبين اشتقاق اللفظ الذي يقرؤه. فإذا عسر عليه ذلك صار اللفظ عنده بمنزلة المجهول الذي لا نسب له. وصار فرضًا عليه أن يعمد إلى رسم المادة الواحدة من اللغة في جميع صورها التي تكون في السياق العربي ثم عليه أن يحاول تقريب الشبه بالذاكرة الواعية ثم عليه أن يحفظ معاني ذلك كله. فإذا كان هذا شأنه في المادة الواحدة فما ظنك باللغة كلها. يومئذ تصبح العربية أجهد لطالبها من اللغة الصينية، نعم، وإذا ضل عن تبين الاشتقاق والتصريف، فقد ضل عن العربية كلها لأنها لم تبن إلا عليهما، وهي في هذه الوجهة مخالفة لجميع اللغات التي تكتب بالحرف اللاتيني، لأن الاشتقاق والتصريف يعرضان لها من قبل بناء الكلمة كلها حتى تختلف الحركات على كل حرف في كل بناء مشتق أو مصرف ثم يزيد على ذلك ما يدخل الكلمة من جميع ظروف الحروف العاملة وغير العاملة، ثم علل الإعراب والبناء والحذف، إلى آخر كل ما يعرفه مبتدئ في العربية١. وقوله: حل الطلاسم فأي الطلاسم؟ أهي الطلاسم التي تدخل على كل حرف من الحروف في المادة الواحدة، ألوانا من الحركات تكتب بين

стр. 93

كل حرف وحرف وفي أواخر كل كلمة وتقف فواصل متباينات بين حروف مادة واحدة من لغة بقيت على الاشتقاق وعلى الاختصار وجاء فيها الجموع المختلفة والصفات والأبنية ذوات المعاني. أهذه هي الطلاسم أم تلك؟ وأيهما أفسد لوقت المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية! بل أيهما أخزى وأشنع فتكا وشراسة، بل أيهما يغول العقل لا الوقت وحده. ولكنها فتنة، فتنة اغتر بها شيخ صالح فاستغلها من لا يرى للعربية حقًا ولا حرمة. ٥- إسماعيل مظهر ١: ما أشبه لغتنا العربية المجيدة بكرة الأرض وحادثتها مع الشيطان! فإن هذه اللغة ما فازت بالبقاء دون أخواتها الساميات إلا لأسرار فيها يعجز عن إدراكها الفكر ويضل في بحثها التاريخ، وكل تعليل لهذه الظاهرة إنما هو تعليل ناقص فإن ذلك التيه الواسع الذي نسميه اللغة العربية إنما هو على اتساعه وحدة كاملة الأطراف متماسكة الجوانب إذا اقتلعت منه حجرًا واحدًا انهارت منه أركان. وإذا زعزعت منه أساسا تداعت من حوله كثير من الأسس، فلقد تطورت هذه اللغة على مر السنين. وتكاملت على كر الأعوام حتى أصبحت كالبناء المصبوب من الفولاذ، ناحية النقص الواحدة فيه أنك لا تجد فيه منفذًا واحدًا يمكنك أن تضيف إليه جديدًا منه غير أنه يظهر كالرقعة المهلهلة في الثوب الجديد الكامل النسق.

стр. 94

وما الذي يحملنا على أن نفكر في الحروف اللاتينية لنكتب بها العربية، ما الذي يحملنا على أن نحمل ذلك الحجر الثقيل على أكتافنا من بلاد اللاتين إلى صميم بلاد العرب لنقذف به لغة العرب فيلوب في بحرها الخضم ثم يلوب ومن بعد تبتلعه، ولا نكسب من ذلك إلى تعب الحمل ووزر ذلك الشيطان الذي قذف كرة الأرض بحجره الثقيل، فلم ينتقصها وإنما ابتلعه جمالها فزادت به جمالا ولا يغير من طبيعتها وإنما زاد إلى تاريخها فضلا محجوبا مكروها. إنما يكون مثلنا في هذه الحال كالشمطاء التي أبت إلا أن تنتقص جمال حسناء، حقدًا وكيدًا فاجترت خصلة من لمتها فبدت غرتها أجمل وأفتن. ٦- عباس محمود العقاد ١: خالفت رأي معاليه لأن اقتراحه يترك الصعوبة الأصلية قائمة ويعنى بالصعوبة المتفرعة عنها وهي تابعة لها باقية ببقائها فلا صعوبة عندنا في كتابة حرف من الحروف مضموما كان أو مفتوحا أو مكسورًا إذا عرفنا أنه مضموم أو مفتوح أو مكسور ولا صعوبة كذلك في قراءته مع هذه المعرفة سواء أكان مشكولا أم غير مشكول. إنما الصعوبة الأصلية أن نعرف ما يضم وما يكسر ثم نكتبه ونقرأه على صواب. وترجع هذه الصعوبة إلى خواص في بنية اللغة العربية لا وجود لها في اللغات التي تكتب بالحروف اللاتينية غربية كانت أو شرقية. أما الكتابة بالحروف اللاتينية فإن صح أنها تضمن للقارئ أن يقرأ ما أمامه على صورة واحدة. فهي لا تمنع الكتاب المختلفين أن يكتبوا

стр. 95

الكلمة على صور مختلفة كلها خطأ وخروج على القواعد اللغوية ومن هنا يشيع التبلبل على الألسنة ويقرر الخطأ تسجيله في الكتابة والطباعة بدلا من تركه متحملا للقراءة على الوجه الصحيح. فقصارى ما نعنيه بهذا التبديل، أننا ننقل التبعة من القارئ إلى الكاتب ولا نمنع الخطأ ولا نضمن الصحة، وهي فائدة لا يبلغ من شأنها أن تبدل معالم اللغة وتفصل ما بين قديمها وحديثها. وكان من أسباب مخالفتي لاقتراح الأستاذ العلامة -وهي كثيرة- أن طريقته ليست بأيسر من طريقتنا التي نجري عليها الآن في كتابة الكلمات العربية مضبوطة بعلامات الشكل المصطلح عليها في موضع الحاجة إليها١. إن الطريقة اللاتينية المضاف إليها بعض الحروف العربية تعفينا من علامات الشكل ولكنها تضطرنا إلى زيادة الحروف حتى تبلغ ضعفها أو أكثر من ضعفها من كلمات كثيرة وتوجب هذه الكلفة على العارفين وهم غنيون عنها. ثم هي لا تغنينا بتة عن النقط والشكل لأنها تعود بنا إلى النقط في حروف وإلى ما يشبه الشكل في بعض الحروف لتمييز الألف والتاء والذال والشين. حاول الأستاذ عبد العزيز فهمي باشا أن يصلح من اللغة العربية بمشروعه ذلك بأن يجد طريقا يسهل على الناس قراءة العربية صحيحة كما تلقينا من الفصحاء. وأشار من طرف خفي إلى حروف الحركة، كأن اللغة العربية

стр. 96

ليس بها حروف حركة. ولكنه نسي أن العربية تمتاز على جميع لغات العالم من هذه الناحية، نسي أن بها حروف مد وحروف حركة. ما أريد أن أتكلم عن تراث العرب والعربية وما أريد أن أتكلم في أن هذه اللغة لغة دين ولغة أدب وعلم وفن انحدرت إلينا من خمسة عشر قرنا إلا قليلا تحمل إلينا في تضاعيفها مشعل الماضي مضيئا، إن هذه النزعات نزعات يبعثها ضعف في القومية واستهتار بتراث العرب الموروث ونبذ لكل تقليد قديم تلقيناه عن أصولنا.

стр. 97

الباب الثالث: معارك مفاهيم الثقافة مدخل ... الباب الثالث: معارك مفاهيم الثقافة مفاهيم الثقافة: هي البؤرة التي دارت حولها بعض المساجلات والمعارك الأدبية الجادة، كان هناك اتجاه تغريبي لفرض آراء جديدة، عفيفة صارمة، مخالفة تمام المخالفة لوجهتنا وقيمنا، ومحاولة لاتهامنا بالقصور والتخلف في مفاهيمنا الأساسية، وهي في جملتها ترديد لنظريات وضعها المفكرون الاستعماريون لفرض سلطان الغرب الفكري كأساس لتركيز قواعد الاستعمار والتجزئة ومسخ الشخصية المربية الإسلامية وتمييعها. المعارك: ١- ثقافة الشرق وثقافة الغرب. ٢- لاتينيون وسكسونيون. ٣- النزعة اليونانية. ٤- كتابة السيرة. ٥- كتابة التاريخ. ٦- معركة الترجمة. ٧- أدب الساويتش. ٨- غاية الأدب. ما هي؟ ٩- متى يزدهر الأدب؟ ١٠- الأدب المكشوف. ١١- التراث الشرقي. ١٢- ثقافة دار العلوم.

стр. 98

ثقافة الشرق ثقافة الغرب: معركة بين فيلكس فارس وإسماعيل أدهم: هذه معركة أدبية من أضخم المعارك التي دارت حول الثقافة العربية وهل هي شرقية أم غربية؟ بدأها توفيق الحكيم بمقال في الأهرام عنوانه "هل يوجد اليوم شرق؟ " ورد عليه فيلكس فارس بما كان قد أورده من قبل في مناظرة مع إسماعيل أدهم أحمد. ثم بدأت المساجلة بين فيلكس وأدهم واتسع نطاقها وشمل كل ما يتصل بفنون الثقافة والعلم والموسيقى وظهر الاختلاف واضحا بين مفاهيم الكاتبين، أحدهما مسيحي عربي يؤمن بثقافة العرب ويدافع عن كيان الأمة العربية أن تنمحي في الصورة الغربية، والآخر مصري تركي مسلم يؤمن بمفاهيم الغرب وآراء المستشرقين المتعصبين في العرب وفي عقلنا وتراثنا ويزدري كل مقدراتنا ويحتقر مقومات تفكيرنا، بينما يقف فيلكس فارس موقف الإيمان البصير بتراثنا وكياننا العربي ومدافعا عن هذا التراث بحرارة قوامها العلم والرأي النقي المتسامح غير المتعصب. وتعد هذه المناظرة خلاصة النظريتين اللتين تصارعتا في عالمنا العربي خلال هذه الفترة. هل يوجد اليوم شرق؟ توفيق الحكيم "الأهرام ١٣ مايو ١٩٣٨": قال "إذا لم يكن لنا قدرة على خلق حضارة شرقية فلنفعل ما فعلت تركيا وننخرط بكل بساطة في سلك الأمم الأوروبية". فيلكس فارس "الرسالة" ٦ يونيه ١٩٣٨: إن الأستاذ توفيق الحكيم لا يجهل أننا إذا عجزنا عن خلق الحضارة الشرقية وعن إحيائها بتعبير أصح، فإن انخراطنا في سلك الأمم الأوروبية لا يوصلنا إلى الهدف الذي تتجه إليه الأمة التركية ولما تصل إليه، فإن بين الفطرة التركية والفطرة العربية من الفروق ما لا يصح معه أن يتخذ العرب الترك قدوة

стр. 99

لذلك لا أحسبني مخطئا إذا ذهبت إلى أن الأستاذ الحكيم لم يخير العرب بين حضارتين إلا ليثبت لهم أن في أعماق قلوبهم شرقا لا حياة لهم إلا بالاتجاه إليه واستجلائه وراء ظلمات الأحقاب. وذكر أنه كان قد ناظر إسماعيل أدهم حول موضوع "أمن الخير لمصر أن تأخذ الحضارة العربية؟ " وهذا هو تفصيل رأيه: أولا: "التفريق بين الثقافة والعلم" إن العلم مشاع لكل الأمم ولكل الأفراد فهم يتفقون فيه على ما بينهم من اختلاف بعيد في نظرات الحياة، وفي حين أن الثقافة مستقرة في الشعور فهي "دماع في قلب" لا قانون لها لأنها راسخة في الفطرة، والفطرة في الفرد، كما هي في الأمم ميزة خاصة في الذوق، واستعداد خاص لفهم الحياة والتمتع بها، فإذا كان العقل رائدا لبلوغ الحاجة فليست الفطرة إلا القوة الممتعة للإنسان بتلك الحاجة بعد الظفر بها، وكما أن لكل فرد ثقافته التي تتجلى فطرته فيها، هكذا لكل أمة ثقافتها المستقرة في فطرتها، فلا ريب إذًا في أن سعادة الفرد والمجموع وشقاء كل منهما يتوقفان على ملاءمة الحياة أو عدم ملاءمتها لما فطرا عليه، وسواء أكان المرء مخيرًا أم مسيرا في إرادته وأعماله فإنه على الحالين غير مخير في ذوقه في الحياة وفي لذته وألمه منها، فكل فرد خالفت طريقة حياته ما استقر من الحوافز في فطرته يفقد الشعور التام بتلك الحياة ويتعرض للسقوط في المعترك، وهكذا الأمم إذا خدعت نفسها وسارت في حياتها على ما يؤلم فطرتها فإنها تفقد قوة الارتقاء بذاتها فتميت شخصيتها دون أن تتدفق إلى الأنبعات في شخصية تستعيرها من سواها.

стр. 100

ثانيا: "بين الحضارة الآلية والحضارة الذهنية": إن الخلاف الذي ينشأ بين باحثي مسألة الشرق والغرب إنما ينشأ من عدم التفريق بين المدنية الآلية والمدنية الأدبية. التغريب الشامل: ٢- إجابات إسماعيل أدهم على آراء فيلكس فارس: "أدهم": إن الشرق روحه الذي يستوحيه أبناؤه نزولا على فطرتهم وللغرب منطقه الذي يستنير به أفراده نزولا على وحي مشاعرهم. "ف": العلم مشاع بين كل الأمم وما اخترع الغرب المنطق ولا هو أوجد التفكير العلمي لنعترف له بثقافة قوامها التفكير ينفرد بها بين ما على الأرض من الشعوب. "أدهم": إن الحياة العلمية التي يحياها المصري الآن تجري على غرار ما كان بحياة أسلافه الفراعنة. "ف": أنا لا أرى في حياة المصريين اليوم أثرًا من الحضارة الفرعونية لا في الحياة العلمية ولا في الحياة الأدبية، كما لا أرى شيئا من حضارة الفينيقيين في حضارة أهل سوريا ولبنان، وما تبقى من هذه الحضارات المستغرقة في القدم إلا أهرام ومعابد وأعمدة وقصور وقبور. "أدهم": وجوب تلقيح الذهنية المصرية بثقافة غريبة تبث فيها النشاط وتدفع بالأمة إلى الحياة. "ف": إن السبب الذي يراه الناظر موجبا لهذا الانحراف إلى ثقافة

стр. 101

الغرب فقائم على اعتقاده بأن الثقافة العربية ذاتية تدفع بالإنسان إلى الذهاب مع الخيال، فردية تذهب بالفرد إلى الانعزال عن المجتمع في حين أن ثقافة الغرب أو ذهنيته تستجل حقائق الحياة بالتفكير الفلسفي والبحث العلمي. "أدهم": إن المدنية الغربية مستمدة من الثقافة الأوروبية العلمية في حين أن الشرق العربي يتوه ذاهبا وراء خياله. "ف": إن الأمر ليس كذلك، وإليكم البرهان، فهو يقول إن عصرنا عصر العلم. ولقد بدأ ذلك العصر بثورة نفر من رجال القرن السادس عشر على العقلية القديمة التي تبحث عن علل الأولى فسيروا سنن الطبيعة وأقاموا عليها المدينة مستمدة من الذهنية الآرية. إذ إن أصحابنا الآريين كانوا يغطون في نومهم ولم تراود أحلامهم الآلهة التي خلقتها عقلية التعاون فيهم فبلغ عدد هؤلاء الآلهة الثمانية، آلاف من الأساطير التي يراها الناظر غنية بالرمز والفن، وما هي في نظر الشرقي العربي إلا دلالة فقر مدقع في التفكير وجموح في خيال لم يدرك شيئا من الوحدة التي تقوم حقائق الأشياء عليها. وفي هذه الأثناء كانت الحضارة العربية تحتضن العلوم القديمة وهي ممثلة بأرسطو في الاستقراء وبأفلاطون في القياسات، وما كانت هذه العلوم في ذلك العصر إلا في طور التدرج الأولي فاستولى عليها التفكير العربي لا ليدفعها إلى الارتقاء فحسب، بل ليستنبط ويعدل ويوجد. ومما يجدر ذكره هو أن العرب حين اقتبسوا من تراث اليونان ما

стр. 102

يعززون به تفكيرهم العلمي ولم تستهوهم الثقافة اليونانية ولا حضارتهم الأدبية إذ أحسوا بما بين الحضارة التي كانت تمخض في شعورهم وتقديرهم للحياة وبين حضارة اليونان الاجتماعية من مهاو سحيقة فأعرضوا عن شعورهم وموسيقاهم ونظم إحيائهم، لذلك لا تجد في شعر العرب شيئا من إبهام بيندار وأوريبين وهيوس، وهذا الأخير بقي مجهولا حتى ترجمة البستاني في أوائل هذا القرن، وقد برز العرب في تقدمهم في علوم الآلات وتوازن السوائل ونظريات الضوء والإبصار والهندسة وعلم الهيئة فوضعوا علم الكيمياء واكتشفوا أجهزة للتقطير وأوجدوا الأسطرلاب ووضعوا جداول الأوزان النوعية والأرياح الفلكية. وهم واضعوا علم الجبر والأرقام. وما كاد ينقضي القرن الثامن الميلادي حتى كان هارون الرشيد يسير شوطًا بعيدًا في مضمار الرقي ليسلم إلى المأمون سنة ٨١٣ المدينة التي أصبحت عاصمة العلم الكبرى في ذلك الزمان. ويذكر التاريخ أن هارون الرشيد كان أرسل إلى شارلمان ساعة تدل على الزمان بحركة من الشريط المربوط فأفزعت حركتها هذا الملك حتى أمر بكسرها. أبعد هذا يصح لقائل أن يقول إن رسالة الشرق روح وشعور فقط وأن رسالة الغرب عقل ومنطق؟ إن مناظري قد ضيق عدسة منظاره، وحدق على مجال من الزمان لا يزيد على قرن ونصف قرن متطلعا إلى الرقي العلمي في طوره الأخير فخيل له أن الغرب قد أوجد وأبدع وأكمل بعقليته الآرية، ثم التفت إلى الشرق العربي وهو خارج محطما من عبودية نيف وأربعة قرون فحسب أن السامية العربية هي ما لمحه من عدسة منظاره.

стр. 103

"أدهم": إن هناك تجربة نجحت إذ كانت الدولة العثمانية تمتد حتى الدانوب وتعيش على غرار شرقي فكانت منبعا للفساد في العالم فلما استقلت عنها المجر ورومانيا والبلغار واليونان اليوغسلاف فأخذوا بمدنية الغرب تقدموا. "ف": إن الدولة العثمانية التي "عاشت على غرار شرقي" إنما كانت آرية في روحها وما تسنى لها طوال حكمها الذي سحب أذياله قرونا أن تدغم فيه العنصر العربي السامي أو تندغم فيه فارتفعت عليه ولم تتمكن من الارتفاع به بالرغم من اعتناقها دينه المبين. وليت الدولة العثمانية بعد أن بنت سلطانها على السطوة عرفت أن تحتفظ به بالعمل على ترقية الشعوب المستظلة بعلمها، ليتها لم تكتف بالمظاهر، معرضة عن الصفات العليا التي أنار الخلفاء الأقدمون بها وجه الأرض وأقاموا عليها أروع حضارة عرفها التاريخ، إذن لما كانت الشعوب التي ذكرها المناظر لتتنفس الصعداء بزوال كابوس الدولة العثمانية عنها, وما كان اليونان والبلغار وسواهم مرهقين متقهقرين لاتخاذهم الثقافة العربية فإنهم ما عرفوها وما عملوا بها. ما يقوله المناظر عن أن اليابان نهضت بالمدنية الغربية بعد أن أعرضت عن منطق الحياة الشرقية ففيه حقيقة كبرى تقدم برهانا على نظريته؛ فإن اليابان لم تزل متمسكة بثقافتها كل التمسك وفي ذلك سر ارتقائها، فهي لم تأخذ من الغرب إلا الآلة والآلة فقط. وما الآلة إلا نتاج العلم العملي الوضعي الذي رافق الإنسانية منذ اكتشف أول مكتشف شرارة النار في كهفه. وليس للهندسة والكيمياء وعلوم الأحياء وسواها طابع قومي١.

стр. 104

تحدث أدهم عن الثقافة الغربية والذهنية الآرية. "ف": ما تلك النظرية إلا توهم اتخذته نحو "جينو" وأتباعه إذ قالوا بتفوق السلالة الآرية على سائر الأرض لتفردهم بشكل خاص في جماجمهم وبنوع خاص في شعرهم، وبلون فارق في جلودهم، فادعوا أن هذا الشكل دون سواه من بني الإنسان يملك صفاء الذهن وقوة الاختراع والعبقرية بأنواعها, غير أن الاستقرار قد اضطر دهاقنة علماء الأحياء إلى الاعتراف بفساد هذه النظرية بعد أن رأوا أن الجماجم التي ينطح بها الآريون السحاب إنما يحمل مثلها أقزام أفريقيا الوسطى. "أدهم": إذا أخذنا بما اكتشفه العرب من علم يمكننا التحكم بمقدراتنا فإننا نستطيع أن نغير عقليتنا لنقيس طرائف الغرب التي توصلنا إلى خير النتائج. "ف": لماذا يجب أن تعمل الشعوب العربية على تغيير عقليتها وإنكار فطراتها وحوافزها التي تكونت من أعظم حوادث التاريخ طوال ألوف السنين ما دامت هذه العقلية نفسها قد أنارت الدنيا بعلومها وآدابها واكتسحت الغرب كله بروحانيتها وشرائعها؟ "أدهم": متى أصلحت روحانية الشرق النفوس ما دام العالم هو بشروره لم يتغير؟ "ف": نحن نقول إن روحانية الشرق هي التي أسقطت ألوف الآلهة في الغرب عن عروشها، وإن الشعوب الآرية بدون استثناء أي عنصر منها إنما اهتدت إلى الحق والجمال في منشأ حضارتها بتفكير الشرق ووحيه وإلهامه.

стр. 105

فإذا نحن رجعنا بالذكر إلى حضارة أوربا الوثنية التي بنيت على خرافات الأساطير لا يسعنا بعد ذلك أن ننكر الواقع ونقول بأن الإنسان كان سيهتدي دون أن يهدى. "أدهم": قال الدكتور باتروفيل: بأنهم سيصلحون بالعلم من البشر ما عجزت الأديان عن إصلاحه منذ ألوف السنين. "ف": إن العقلية الآرية المعززة بالعلم والثقافة العالية ستقطع دابر الإجرام بوسيلة علمية هي تعقيم المجرمين. وأنا أحد أبناء هذه الأمة العربية التي يدعى الآريون قصورها في ميدان التفكير، أنا على ما أنا عليه من ضيق الاطلاع وفي قومي من رجال العلم من لا يشق لهم غبار، أستنير بعقليتي السامية وبإيماني العربي المكين فأقول لعلماء الغرب: لقد ضللتم وأقول بخاصة إلى الدكتور باتروفيل إنه مغرور بعلمه وإنه لا يداوي من العلة إلا أعراضها. إن الغرب يرى تكاثر عدد المجانين والبلهاء والمجرمين في شعوبه فلا يبحث من منشأ العلة ليداويها بل يعمد إلى تعقيم ضحايا مدنيته وثقافته ظنا منه أن هناك بعض الأسر المصابة بداء وراثي وأنه إذا قضى على تناسلها خنقت العلة من منشأتها!. أما فرويد فنظريته صحيحة في هذه الأمراض النفسية التي تفتك فتكا ذريعا في أبناء المدينة الغربية، وما كانت مثل هذه الأمراض لتعيب أبناء بلادنا في العصور الماضية إلا في القليل النادر لأن الذهنية الشرقية لم تحارب الغريزة الجنسية بل اعتبرتها جزءا من إيمانها. وما التبتل إلا بدعة طرأت على تعاليم عيسى فاحتضنها الغرب وجعلها على ما هي والشرق منها براء. "أدهم": أراد أن يثبت لنا أن الموسيقى الغربية خير من موسيقى

стр. 106

الشرق وحجته العلمية في ذلك أن الغناء الإفرنجي غني بما فيه من طباق بين عدة أصوات. "ف": ونحن إذا صرفنا النظر عن الغرائز المستقرة في العقل والتي يصدر عنها الفن الخاص بكل أمة وبحثنا الموسيقى من وجهة علمية استقرائية نجد أن الموسيقى العربية أصدق تعبيرًا للطبيعة وأدق تصويرًا للمشاعر بعديد نغماتها في الصوت المنفرد. فإن الموسيقى العربية تمثل في نغماتها السبع الأساسية ألوان الطيف يتفرع منها ما يزيد على السبعين نغمة تخضع مرنة ناعمة للعاطفة فتظهر خفاياها كصورة اختطفت عن الأصل بجميع أنوارها وظلالها. إن الموسيقى الغربية رست على الطباق أو المطاوعة فكان لا بد لها من كبت النيران الدقيقة المتمردة على الطباق ومن الاكتفاء بنغمات معدودات هي محل ثروتها. أما الموسيقى العربية فإنها هتاف عميق من النفس منفردة تجاه الوحدة المتجلية في مستلهمات الشرق دينا وفنا. فهي وإن نقصها الطباق لعدم ملاءمته لحريتها ودقة نبراتها لا تزال في دور انحطاطها اليوم، أغنى بأوزانها ونغماتها من الموسيقى الغربية الغنية بالصخب والفقيرة بالتنوع المنفرد. يمكنني أن أؤكد أن الفن الغربي على ما بذل فيه من جهود لا يرتكز على أساس من الموسيقى الطبيعية التي تتجلى بكل روعتها في الإنشاد العربي المفرد. ولو أن رجال الفن عندنا أدركوا هذه الحقيقة وانصرفوا إلى شرقية موسيقانا على أساسها دون أن يستهويهم ما يتوهمونه رائعا في الموسيقى الغربية لكانوا ينتزعون من الطبيعة أروع موسيقاها ولكن أكثرهم كمن لديه ثروة يطبق خزانته عليها ليذهب مستجديا من الغرب كسرات تتخمه ولا تسد جوعه.

стр. 107

هل يظن الناظر الكريم أن تجربة التقليد شيء جديد لم يتضح لنا زيفه بعد. أفلا ترى في كل بلد من هذا الشرق العربي عددا من المتفرنسين والمتألمنين والمتأكلزين والمتروسين إلخ خرجوا عن الثقافة العربية وامتنع عليهم أن يتصفوا بالثقافات التي استهوتهم فأصبحوا لا الغرب يعرفهم ولا الشرق يعترف بانتمائهم إليه. وهناك ظاهرة غريبة نشأت من هذا التقليد وهي النعرة التي استحكمت بين هؤلاء المقلدين وهم أبناء البلد الواحد، فإنك لن تجد متفرنسًا يمكنه الاتفاق مع متألمن أو سواه من المستغربين. ثم وصف مثل هؤلاء المستغربين فقال: إنما هو شخصية تائهة فقدت ذاتها ولقد يلمع مثل هذا الإنسان بالظفر والمجد ولكن أنوار السعادة تبقى منطفئة في عينيه. ثم قال: إن كل أمة تحيا على غير ما تسوقها فطرتها إليها فهي أمة باكية بدموع صامتة هي أمة مستضعفة مستعبدة لا معنى لحياتها، وإذا كانت مدنية الغرب الحديثة ترى أن الارتقاء يقوم على العلم وحده، على الاستقرار دونا الاستلهام فإن للشرق العربي المتحفز للوثوب دستورا هو: اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا واعمل لدنياك كأنك لا تموت أبدًا١. ٣- آراء فيلكس فارس؛ أمة لها كيانها ومقدراتها: لخص فيلكس فارس آراءه فقال: إن العرب عندما رقوا العلوم ونشروها وأوجدوا أهمها إنما عملوا بعقليتهم الشرقية العربية. وإننا لسنا بحاجة لتقليد الغربيين في أسلوب تفكيرهم لتجاربهم في مضمار العلوم. ومن العرب اليوم في أوربا وأميركا ومصر وسائر الأقطار العربية علماء في كل فن يفتخر العالم بأسره؛ غربه

стр. 108

وشرقه بسمة اطلاعهم وعبقريتهم وما بلغ هؤلاء الأعلام مقامهم إلا بعقليتهم العربية. إن العلوم الرياضية مشاع بين البشر جميعهم فليس على الأرض سلالة خصها الله بالعلم دون سواها. إن لكل شعب فطرته وهي ميزة خاصة في الذوق واختصاص في فهم الحياة والتمتع بها، وإن كل أمة تستبدل ثقافة غريبة بثقافتها إنما تؤلم فطرتها وتموت شخصيتها. إن الأخذ بالعلم عن أي شعب لا يستلزم مطلقا اقتباس طرق حياته في الأسرة والمجتمع وتقليد ذوقه وسكناته وحركاته فإن العرب عندما احتضنوا العلوم الاستقرائية عن اليونان لم يأخذوا الفطرة اليونانية ولا ذوقها ولا معتقداتها كما أن أوربا عندما تلقت هذه العلوم عن العرب لم تتعرب بل بقي فيها كل شعب محتفظا بثقافته. هذا فضلا عن أن في الغرب ثقافات قد يراها من يحدجها من بعيد على شيء من التقارب غير أن من يدرسها عن كثب ليدهشه ما بينها من فروق تتناول صميم الذوق والعقيدة والشعور. فأي الثقافات يشار على الشرق بأن يتبع. ٤- بين الغرب والشرق: جملة آراء إسماعيل أدهم في ثقافة الشرق وثقافة الغرب: لكل شعب في العالم تراثه التقليدي الذي خرج به من ماضيه والذي يحف به حاضره ومصر لم تخرج عن كونها مجتمعًا استوحى روح الشرق عصورًا متطاولة. الثقافة التي كونتها مصر بما ورثته عن أسلافها الفراعنة في أصول الفن

стр. 109

الفرعوني القديم، تمثل وحدة الحياة المعاشية في مصر إلى عهد الفراعنة إلى يومنا هذا. أما الثقافة العقلية فهي فرعونية تكيفت تبعًا لها الثقافة العربية تكيفا يتلاءم وما تحتاج إليه الثقافة الفرعونية في عهد الحكم الروماني من ملابسات لتجازي فن الحياة في ذلك العصر، ومن هنا قامت أو قل استمدت اللغة العربية في مصر قدرتها على صوغ المعاني بما يتكافأ ومحيط مصر فكانت اللغة العامية في مصر وهي في الحقيقة الفرعونية الآخذة بأسباب التعرب. لمصر ثقافتها التقليدية التي تباين ثقافة السوريين التقليدية أو ثقافة اللبنانيين التقليدية وما ينجح لمصر قد لا ينجح لغيرها. لا أجد التفرقة بين العلم الوضعي والثقافة اعتباريا لأن الأولى نتيجة الثانية إن ثقافة اليوم من حيث إنها تتبع العلم لا يمكن تخليصها من آثار العلم والثقافة الأدبية يغزوها العلم بمنهجه الصارم ومنطقه فمن الخطأ أن نفرق بين الثقافة من حيث إنها نتيجة معاشية وأسلوب في الحياة وبين العلم ومنطقه وهو أداة اليوم للعيش والحياة. إن الفرق بين الشرق والغرب ينحصر في هذا وحده: الغرب يقيم الحياة على أساس إنساني ويترك للعلم أن ينظم الصلات بين البشر، والشرق يقيم الحياة على أساس غيبي ويترك للغيبيات تنظيم الصلات بين البشر والغرب يقيم حياته على أساس من التفكير في إيجاد التكافؤ بين حاجاته ومحيطه مستخدمًا في ذلك العلم. والشرق يقيم حياته على أساس من التواكل: قول مناظري: وما اخترع الغرب المنطق ولا أوجد التفكير العلمي. فذلك مجانب للحقائق المعروفة في التاريخ، من أن الإغريق هم أول من عرفوا المنطق وأوجدوا البحث وعنهم أخذ العالم المنطق.

стр. 110

هناك فرق أساسي في منطق التفكير بين الشرقي والغربي، وهذا الفرق ينحصر في الشرقي يبدأ بحثه من الوحدة المتجلية حوله فينتهي للخالق ومنه للطبيعة. بعكس الطبيعي الذي يبدأ بحثه من التغاير الذي يكتنفه فينتهي للطبيعة ومنها للخالق. هذا الفرق المشهور في أن الشرقي يبدأ من عالم الغيب لينتهي للعالم المنظور بعكس الغربي الذي يبدأ من العالم المنظور لينتهي لعالم الغيب كان سببا لظهور اللاهوت عند الشرقيين والفلسفة عند الغربيين. هذا التباين في نوع التفكير ذهب بالعقل الشرقي إلى الاعتقاد بأن العالم حادث، وأن الخالق مطلق التصرف في الكون منفصل عنه ومدبر له، وأنه السبب لكل ما يحدث والعلة الأولى والأخيرة لكل ما يكون وما سيكون. بينما البحث على التغاير المشهود في السكون يدفع بالأخذ بأساليب الاستقراء والمشاهدة إلى جانب أسلوب الاستنتاج والنظر، وهذا كله ينتهي بالإنسان كما انتهى بمفكري الغرب إلى أن لكل حادثة سببا في الكون وأن للعالم وحدته وانسجامه. والإنسان من حيث هو كائن في العالم المنظور فهو في نظر الشرق خاضع لإرادة عليا هي إرادة الخالق الحر، فهو الذي يقضي فيكون ويقدر فيحدث. وهذه فكرة القضاء والقدر عند الشرقيين. أما نظر الغربي فالإنسان وإن كان يتبع في تصرفاته وسلوكه نواميس الحياة ويخضع لها. فإن في قدرة الإنسان تغيير المقدر له عن طريق معرفة النواميس المتحكمة في وجود العمل على إيجاد الملائمة بين حاجات الإنسان في الحياة ومطالبه في الوجود. وخلاصة القول أن في الشرق استسلاما محضًا للغيب وفي الغرب نضالا محضًا مع قوى الغيب؟
следующие страницы →