يغفر ما كشفت من سرقاته وكان الناس يحسبونه من المبدعين.
وفي أوائل شهر مايو دعاني الأستاذ الدكتور منصور فهمي إلى مكتبه وقال: أرسلت إدارة الجامعة تسأل عن تجديد العقد والنظام يوصي بأخذ رأي الدكتور طه حسين فاذهب يا بني وصف ما بينك وبينه وسأحفظ الخطاب حتى يتم بينكما الصفاء فأجبت الدكتور منصور فهمي بما نصه: "أنا على أتم استعداد لتصفية ما بيني وبين الدكتور طه ولكني لا أفعل ذلك في هذه الأيام, ولو أنك اقترحت ذلك منذ شهرين لقبلت, أما الآن فلا تسمح نفسي بمصافحة الدكتور طه وأنا أعلم أن لذلك دافعا من الغرض ومع ذلك ما الذي يزعجك يا سيدي العميد؟
أتظن أن الدكتور طه يتحين هذه الفرصة ويتشفى مني، إنه أعقل من أن يقترف مثل هذا الانتقام المفضوح.
فابتسم الدكتور منصور ابتسامة مرة وقال: أنت يا بني تسرف في حسن الظن بالناس.
وفي المساء الذي اختلفنا فيه بتكريم لطفي بك في فندق ميناهاوس تلفت فرأيت الدكتور طه فصافحته، وكان معه الدكتور حسن إبراهيم فوجه إليه الكلام قائلا: الدكتور زكي تلميذك وهو يحبك يا حضرة الأستاذ.
فقلت: أما إني كنت تلميذ الدكتور فصحيح ولكني لا أحبه وهو لا يستحق مني غير البغض.
فتكلف الدكتور طه الابتسام وقال: ألا أستحق منك غير البغض يا دكتور زكي؟
فقلت: أنت تعرف أن مودتنا كانت أطهر من الماء, وتعرف كيف
стр. 667
فتحت أذنيك للدساسين فأفسدوا ما كان بيننا إفسادًا لا يرجى له صلاح، ومزية زكي مبارك أنه لا يجامل ولا يصانع فأعرف الآن أن ما بيننا قد انقضى وأنك كنت من الآثمين".
والقصة معروفة فقد رفض طه حسين تجديد عقد الدكتور زكي مبارك وأخرجه من الجامعة وبدأت الحملة.
٨- مقالات مجلة الصباح ١:
الذي بيننا لم يكن خلافا في الرأي وإنما هو قتال عنيف بين شخصين، فالدكتور طه يرى أنني كنت تلميذه ومن واجب التلميذ فيما يزعم أن لا يخالف الأستاذ، وأما أنا فأرى الدكتور طه رجلا قليل العلم والمعرفة بالأدب العربي, وأراه استمرأ السطو على آراء المستشرقين وأراه في حياته العلمية نموذجا للفوضى والقلق والاضطراب, قد تقولون: وكيف سكت زكي مبارك عن نشر عيوب طه حسين وهو يصاحبه منذ خمسة عشر عامًا وأجيب بأن الدكتور طه ابتدأ التدريس في الجامعة المصرية قبل أن يقدم الدراسات الأدبية فكان منذ سنين مستور العيوب, على أن الخواص يعرفون أنني بدأت أعارضه منذ ١٩٢٧ حين اطلعت على عجزه الفاضح وعرفت أنه يعيش من سرقة آراء الأدباء والعلماء.
وأنتم تعرفون أني رجل صريح لم تستطع الأيام أن تروضني على المجاملة والمداراة فلم يكن بد من أن يعرف الدكتور طه أنني لا أحترمه ولا أحترم مسالكه الأدبية ولا أحترم تهافته الفاحش على موائد الأحزاب, وكذلك هدته غريزته إلى وجوب محاربتي في عملي في الجامعة وساعده على ذلك ناس كنت شجًا في حلوقهم, وكان هو في أنفسهم مثال الخادم الأمين.
стр. 668
فإذا كان الدكتور طه قد انتصر حين وجد من يساعدونه على إخراجي من الجامعة فليذكر وليذكر من عاونوه على شفاء صدره أن انتصارهم ليس إلا هزيمة شنعاء وسوف يعلمون.
٩- مثال من جهل طه حسين ١:
لقد انكشف أمر طه حسين منذ أصدرت كتاب النثر الفني فقد بينت أغلاطه وسرقاته، وتحديته أن يدافع عن نفسه، فتخاذلت قواه ولم يملك الجواب وعرف الأدباء في المشرق والمغرب أنه لا يملك شيئا أصيلا، وأن مؤلفاته ليست إلا هلاهيل انتزعها من كلام الناس، وأن ما يدعيه من الآراء ليس إلا صورًا ملفقة انتزعها مما يقرأ ويسمع؛ لأن قلمي ليس إلا محنة صبها الله على طه حسين, ولعله انتقام من الله على طه حسين، ولعله انتقام من الله صوبه إلى صدر ذلك الشخص الذي اجترأ على التوراة والقرآن واستطاع أن يقول في وقاحة "للتوارة أن تحدثنا وللقرآن أن يحدثنا" كأن العلم لا يكون إلا حيث تقع مساقط هواه, أما التوراة والقرآن فهي ظنون في ظنه؛ طه حسين جاهل. سبحان الله. وكيف يكون جاهلا وهو رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة المصرية، من الذي وضع طه حسين في ذلك المنصب؟ إن الذي وضعه فيه هو لطفي السيد مدير الجامعة المصرية. ولطفي السيد ليس حجة في الأدب العربي ولم ير في حياته جامعة أوروبية حتى يعرف كيف تكون الدراسات العليا؟
стр. 669
طه حسين جاهل. نعم طه حسين جاهل أشنع الجهل وإليكم اليوم مثال من جهله الميمون.
١- ألقى حضرته محاضرة في الجامعة الأمريكية عن شعر البحتري ونشرها في جريدة كوكب الشرق فهل تصدقون أنه وقع في خمس غلطات جوهرية في محاضرة واحدة ... إلخ إلخ.
٢- وقال في المقال الثاني: إن مصر١ لا يسرها أن يقوم مجدها الأدبي على أساس من خيوط العنكبوت وطه حسين أديب مزيف ومن الواجب أن يسبق المصريون إلى كشف القناع عن وجهه قبل أن يتقدم أدباء الشرق فيعدونا بسيطرة هذا الجاهل على الحياة الأدبية وهل خلت مصر من الرجال حتى يكون طه حسين عنوانا على مجدها الأدبي؟
إن٢ هذا الرجل لم يكن في جميع أدوار حياته العلمية إلا مرتزقا يتلمس فتات العلماء كلما نصبوا موائدهم أو أوقدوا نارهم، ولم يستطع حتى اليوم أن يواجه تلاميذه ببحث أصيل يشعرهم بأنه من أهل الفكر والبيان. إن كشف القناع عن معلومات طه حسين واجب أدبي يقوم به أحرار الأدباء، ولو كان طه حسين من الخاملين لأعفيت نفسي من تمزيق ما على وجهه من مختلف البراقع.
٣- وقال في مقاله الثالث: إنه في عام ١٩٣٢ كنت يومئذ على وفاق مع الدكتور طه، ولكني كنت أحب أن أداعبه بالنقد من حين إلى حين لأني كنت أعرف أنه في حاجة شديدة إلى من يذكره بالواجب، وهو كما
стр. 670
عرفته رجل قليل الاطلاع ولا يفهم الشعر إلا بعنف شديد، فلما سمعت محاضرته عن البحتري ورأيت ما تورط فيه من الأخطاء لم أجد بدًا من تنبيهه إلى عواقب الكسل والتفريط وكتبت عمودًا واحدًا في جريدة البلاغ تحت عنوان "الدكتور طه يخطئ خمس مرات فقط في محاضرة واحدة" فلما ظهرت تلك الكلمة انزعج الدكتور طه أشنع انزعاج، وصارع أصداقاؤه فرجوني أن أكف عنه، وأن أدع تقويمه إلى الأيام ولا سيما وهو رجل أخرجه وزير المعارف من الجامعة وهو يحاول أن يكسب قوته وكشف أغلاطه في جريدة البلاغ قد يصرف عنه طائفة من القراء.
وعندئذ تبينت أن من الذوق أن أترك طه حسين يخطئ كيف يشاء إلى أن تصلح حاله ويستطيع النضال، وذهبت إلى الجامعة الأمريكية لأسمع محاضرته الثانية فلما انتهى من إلقاء الدرس نظرت فرأيته قادما فأسرعت إليه وحييته فلما وضع يده في يدي شعرت بأنه يرتجف ارتجافا عنيفا وكاد يسقط من شدة الاضطراب ولكنه تمالك نفسه وقال:
أنت مخطئ، قلت: صدقت.
ولما خرج الدكتور طه١ أقبل تلاميذي بالجامعة الأمريكية وقالوا هاتفين: كيف تسكت عن مناقشة الدكتور طه وتعترف بأنك مخطئ وأنه مصيب؟ فقلت: انتظروا حتى أشتري بخمسة تعريفة ذوق وأوزعه عليكم, أتظنون أن أدبي يسمح لي بملاحاة طه حسين أمام الناس؟ إن مكان ذلك في جريدة البلاغ, ثم علمت أن الدكتور طه راح يزهو ويختال ويقول: إنه فند مزاعم زكي مبارك على رءوس الأشهاد.
стр. 671
إنني سكت عنه يومئذ إيثارًا للترفق برجل ضعيف, أما اليوم فهو بخير وعافية وكشف أغلاطه من الواجبات, فليجيبنا إن كان يملك الجواب.
وقال زكي مبارك في مقاله الرابع ١:
لقد درست طه حسين من جميع نواحيه فوجدته قليل العلم جدا ورأيته ضعيفا أبشع الضعف في فهم النصوص.
وأوردت الصباح رسالة بقلم أديب قال فيها: "قرأنا للدكتور طه بحوثا في الكتب المنزلة عامة والقرآن المحفوظ خاصة ثم قرأنا أشياء -كأنها هي- للمستشرق الإنجليزي "جرجس سال" وكتاب هذا المستشرق مطبوع بعد ترجمته والتعليق عليه منذ ثلاثين عاما".
لحظة قصيرة مع المنصفين في قرائي ٢:
أسارع فأقرر بأن طه حسين لم يكن يوما من المفكرين، وإنما هو أديب قليل الفكر قليل الاطلاع نشأ في أوقات لم يكن يعرف الناس فيها غير المجادلات السياسية وكان النقد فيها قليلا فتظاهر بالعلم فطنة القراء من العلماء.
لم يقرأ في حياته كتابا كاملا وإنما قرأ فقرات من هنا ومن هناك. وأخذ يشطح ذات اليمين وذات الشمال إلى أن اتصل بالمرحوم ثروت باشا فوضعه في الجامعة المصرية.
ظل طول عامين ظلا من الظلال في عالم السياسة ولم يترك حزبا إلا خدمه ودبج في تقريظه ألوانا من الرسائل الطوال, والاتجاه السياسي صورة من الاتجاه العقلي والرجل الذي يتردد بين المذاهب السياسية لا يبعد أن
стр. 672
يعيش فريسة الحيرة بين المذاهب الأدبية, وقد اتفق للرجل الصالح جدا طه حسين أن يخدم قبل الحرب ثلاثة أحزاب, وأن يخدم بعد الحرب أربعة أحزاب، وحظه من الثبات في المذاهب الأدبية يشبه حظه في الثبات على المذاهب السياسية؛ تردد هنا وحيرة هناك.
وقد بذل الدكتور طه جهودًا عنيفة في إخفاء حقيقته الأدبية عله يستر ما ظهر عنه في حياته السياسية ولكن هيهات فلن ينفع الكتمان.
إن الدكتور طه مقلد في كل شيء، حتى لتراه يهز كتفيه على الطريقة الفرنسية.
خصومتي للدكتور طه ستعود عليه بأجزل النفع فأنا واثق أنه سيحضر دروسه بعد اليوم وسيرى قلمي مصوبا فوق رأسه في اليقظه والمنام فلا يستسلم للجهل أو التفريط.
كيف ينظر الأحفاد إلى تاريخ الجامعة المصرية حين يعرفون أن أكبر أستاذ فيها لم تقم أستاذيته إلا بفضل انتهاب آثار المستشرقين.
النقل من المستشرقين ١:
كتب الدكتور طه في جريدة السياسة فقال: ولكن شجرت بين الفريقين اليمانيين والقيسيين معركة "مرجرات" ومرجرات كلمة لا يعرفها العرب, إنما هو مرج راهط.
وكتبت مجلة الجامعة الإسلامية بحلب "عدد ١٣ أغسطس سنة ١٩٣٤" مقالا ردت فيه على مقالة نشرها طه حسين في جريدة السياسة يوم ٢٢ فبراير عن الحياة العربية وأثرها في الشعر أيام بني أمية.
стр. 673
المعركة إذن مرج راهط ولكن الدكتور طه نقل كلمتها بل سرقها من أحد المستشرقين ولم يفطن إلى الأصل العربي لهذه الكلمة فجاءت أعجمية.
إني أنفق على الحبر والورق ما لا يستطيع طه حسين إنفاقه على الطعام والشراب، وإن صفحة واحدة من كتاب النثر الفني تساوي كل ما كتبه طه حسين في عمره الطويل فلا يحتوي أجهل مقدار ما أبذل من جهد في حياتي الأدبية ولا تظنوا أني أبالي طغيان تلك الشخصيات الضعيفة التي لا تنهض بلا عون ولا سناد.
القديم والجديد ١:
نحن نعلم أنه ما من أحد من الغلاة في التشيع للقديم يقول بأن كل قديم على علاته مفضل على كل جديد ولو كملت محاسن القديم وأربى عليها بفضل من محاسن الجديد. كذلك نعلم أن المتشيعين للجديد لا يقولون أن كل ما يكتب اليوم أجمل وأبلغ مما كتب في العهد الذي نسميه قديما.
إن شرط الأديب عندي أن يكون مطبوعًا على القول أي غير مقلد في معناه ولفظه وأن يكون له هبة في نفسه وعقله وليس لسانه فحسب.
إن أطفالي لو جاعوا لشويت طه حسين وأطعمتهم من لحمه٢.
قالت مجلة الصباح يعرف القراء حديث طه حسين وزكي مبارك وكيف أن الأول اجترأ على الثاني فحاربه في أدبه فلم يفلح فحاربه في رزقه فأفلح، لأن العيش أراد أن يكون زكي مبارك معيدًا وأن يكون طه حسين كبيرًا من أساتذة الجامعة فيكون للأول الغلبة على الثاني.
стр. 674
ودارت رحى الحرب في وجود الصحف فتكلم زكي وحده فلم يجد أنصارا وسكت طه وتكلم أنصاره حتى تحرك إبراهيم المازني فقال ما قال إلى أن قال كلمة سب هي من جوامع الكلم قال: "وإني لأحدث نفسي أحيانًا بأني لو كنت أقول الشعر في هذه الأيام لرثيت طه حسين فإنه يخيل إلي أنه قد مات طه حسين الذي عرفته وأحببته وأكبرته وجاء غيره الذي أنكره", حين يقول المازني -وهو من خلصاء طه- ذلك فقد حكم في القضية وانتصر زكي مبارك.
إلى الدكتور طه حسين من المازني ١:
أما عتابك يا أخي فنعام عين، وما قصرت لبخل في أو تعال مني، أو قلة إدراك للواجب نحو الزملاء والأصدقاء، ولا لأني نسيتك أو أني أرى أن أهملك أو أتكلف الإغضاء عنك فما كان هذا قط ولن يكون في طباعي.
ولكن أمرين حرماني من أن أفوز برضى الصديق وارتياح الزميل؛ أما الأول فهو أني أراني كلما كبرت صغرت في نفسي، نعم زادت معارفي وكثرت تجاربي وعظمت إحاطتي ورحب أفقي, ولكن كنت -ومازلت- أمرأ دأبه أن يدير عينيه في نفسه والشاهد أني مغرى بحساب نفسي.
أما الأمر الثاني فذاك أني أرى الدكتور طه قد خرج من زمرتنا معشر الأدباء الأحرار ودخل في زمرة الملقبين وذوي الجاه والسطوة والسلطان.
ولست أعني أنه اكتسب لقبا جديدًا، فما حدث له شيء من ذلك ولكني أعني أنه محشور -بكرهه أو رضاه- في هذه الزمرة وأنا أكرهها ولا أطيقها أو أحتملها لما يلوت من سخافة أخلاق أهلها وما عرفت رجلا علت
стр. 675
به الألقاب أو المناصب إلا رأيته يشيل في ميزاني، وإلا وجدتني أتقيه وأنبذه.
ألفيتني أشعر أن ما بيني وبينك من قرابة الأدب ونسبه يكاد ينقصم على الأيام, والأدب ينكر الأرستقراطية ولا يعرفها، ولست أصانعك أو أتملقك فما تملك لي نفعا أو ضرا فإن أمري بيد الله ثم بيدي.
ويعز علي يا صاحبي أن أقول: إني أراهم عدوك ببعض ما فيهم، فما كدت ترجع إلى الجامعة حتى صببت نقمتك على الدكتور زكي مبارك تلميذك القديم الذي كان من حقك أن تفرح به ولكنك قطعت عيشه وحرمته وظيفته الصغيرة في الجامعة لأنك صرت ذا سلطان وأصبح بقاؤه وطرده في يديك، ووسعك أن تعاقبه على تسحبه عليك, وقد كنت أصدق أنك تفعل كل شيء إلا هذا فلما كان منك ما كان من زكي مبارك صعقت ولا أزال من هذا كالمضروب على أم رأسه، وأقسم لقد فجعتني ودفعتني إلى الكفر بالخير في هذه الدنيا وأقسم مرة أخرى أنك المسئول لا عما أصاب زكي مبارك أو يصيبه فعسى أن يكون الأمر أهون مما أظن بل عما أصابني أنا في نفسي من التحول وما اضطرم فيها من النورة.
إنك إذن من أصحاب السلطان يا صاحبي وممن يملكون أن يقطعوا أرزاق العباد أو يصلوها فلست اليوم بالأديب الذي عرفته وأحببته وأجللته وحدثت للناس عن رجولته ومروءته وحسن شمائله، وإنما أنت رجل يدني ويقصي، ويرزق ويحرم، ويطعم العيال أو يجيعهم، ويضرب اليد التي ترتفع باللقمة إلى الفم فيطيرها ويوقعها على التراب لتلتقطها الكلاب والقطط ويأباها على أخيه الإنسان.
وإني لأحدث نفسي أحيانا بأني لو كنت أقول الشعر في هذه الأيام
стр. 676
لرثيت طه حسين فإنه يخيل إلي أنه قد مات طه الذي عرفته وأحببته وأكبرته وجاء غيره الذي أنكره.
زكي مبارك؛ هل مات طه حسين ١:
شغلت الأندية الأدبية بالنضال الممتع أو الخطاب النفيس الذي وجهه الأستاذ إبراهيم المازني٢ إلى الدكتور طه حسين. ومن النادر أن يخرج الأستاذ المازني من صومعة السخرية بالحياة والأحياء ليكتب مثل هذا الخطاب وأغلب الظن أن الدكتور طه حسين لم يكن ينتظر ذلك الذي صب على رأسه صاحب "خيوط العنكبوت" ولكن الدكتور طه حسين يعاني في أعوامه الأخيرة أزمة روحية لم يشهد مثلها من قبل فقد تفرق عنه أصحابه جميعًا، ولم يبق حوله غير المراثين المشغفين الذين يعز عليهم أن يتركوه للوحدة والاكتئاب، وهو يحاول اليوم رأب ما صدعته الأثرة والغفلة عن عواقب الإجحاف وسبيله إلى ذلك أن يتخذ محطة الإذاعة مطية لوصف المؤلفات الجديدة على طريقة شوبش يا حبايب.
إنه لا يسرف في المدح حبا في تشجيع المؤلفين ولكن يريد أن يمدحهم جميعًا ليؤلف منهم جمعية أدبية يقارع بها خصمه الذي يعرفون.
стр. 677
ولكن رأسه انبطح حين اصطدم بالصخرة المازنية وانكشف للناس عواره حين أراد التقرب من صاحب "حصاد الهشيم".
من المازني إلى طه حسين ١:
لما كتبت أعاتب الدكتور طه حسين في فصل الدكتور زكي مبارك من الجامعة، وأقول: إن الدكتور طه أصبح ممن يملكون إشباع البطون وإجاعتها وأنه صار يضرب اللقمة التي ترتفع بها ليد إلى الفم ويطيرها فتسقط على الأرض فيعثر بها الكلاب ويحرمها الإنسان, لما قلت هذا لم أكن أعني أني أخشى على الدكتور زكي مبارك وأولاده الجوع من أجل أنه حرم وظيفة صغيرة في الجامعة ومعاذ الله أن يخطر لي على بال لا لأن الأدباء لا يتفق أن يعدموا القوت إلى أكثر من جاع منهم في حياته، بل لأني أعلم أن الدكتور زكي مبارك رجل كفء للحياة قادر على الاضطلاع بأعبائها وأنه أزكى وأعظم رجولة من أن يبالي كيف يكسب رزقه مادامت وسيلة الكسب مشروعة لا عيب فيها ولا دنس يعلق بها.
وقد أعجبني من الدكتور زكي مبارك قوله أنه لو خاف الجوع على عياله لشوى لحم الدكتور طه وأطعم عياله وليس الذي أعجبني أنه مستعد لشي لحم الدكتور طه، كلا، ولو أنه هم بذلك لكنت أول من يقاتله عليه ويحمي طه منه وإنما الذي أعجبني هذه الفحولة الساذجة التي لم تفسدها باريس.
стр. 678
زكي مبارك ١ يواصل حملته:
١- يا دكتور طه تذكر أن الدنيا تغرب وأن انتهاب آراء الناس لا يغني ولا يفيد، وتذكر أنك تتكلم باسم الجامعة وهي توجب على مثلك أن يدرس ويبحث ولا تقنع منه بالطواف حول ما كتب الناقدون عن المتنبي.
لقد أثبت آراء الباحثين المصريين وسطوت على آراء المستشرقين ثم مضيت في تعثر واضطراب لا يليقان ممن يفهم الكلام عن المتنبي أي تقدير.
٢- إنما٢ نشاغب عمد النخبة القائلين من أدعياء البيان وأنا أسعى إلى غرض هو شغل الناس بالأدب وجعل الأفكار الأدبية والاجتماعية والفلسفية ضرورة عقلية لا يستغني عنها أحد المثقفين.
إن شهرة كتابنا لا ترجع في الأغلب إلى الناحية العقلية وإنما ترجع إلى ما يتصل بها من الأحداث السياسية, وكذلك نهضة الأدب متصلة بالنهضة السياسية أوثق اتصال.
أنا لا يرضيني الإنصاف، لأن الظلم أشعل قريحتي ولو كنت لقيت العدل في حياتي لعشت منزويا في كلية الآداب أحقق الخلاف بين ابن جني وابن خروف.
٣- إن ما بيني٣ وبين الدكتور طه لا يصرفني عن التنويه بكتاب "على هامش السيرة" هذا الكتاب النفيس، فإنني أحب أعدائي وأتمنى لهم طيب الأحدوثة وبعد الصيت.
стр. 679
٤- هاجم١ زكي مبارك مؤلف كتاب المجمل, وقال: إن الدكتور طه حسين لا يعرف عقلية التلاميذ في المدارس الثانوية، وأن عمله في التدريس لا يزيد عن إلقاء المحاضرات في كلية الآداب، أما أحمد الإسكندري فهو باحث مفضال ولكن ترك المدارس الثانوية منذ ثلاثين عاما، وأما عبد العزيز البشري فهو كاتب بليغ ولكن لم يدخل في حياته مدرسة أميرية ولا يعرف كيف يخاطب التلاميذ.
وأحمد ضيف لم يشتغل بالتدريس في غير الجامعة ودار العلوم.
وأحمد أمين لا يعرف المدارس الثانوية إلا بمقدار ما يعرفها عبد العزيز البشري.
وعلي الجارم أديب وشاعر ولكن صلته بالتعليم الثانوي وقفت عن التفتيش والمفتش يتوهم أنه يعرف المدارس.
١٠- إلى الدكتور طه حسين بك من الدكتور زكي مبارك ٢:
١- يظهر أن المقادير لا تريد أن أسكت عنك أو تسكت عني وفي ذلك الخير كل الخير لو تعرف وأعرف؟ وهل ارتفع العقل إلا بفضل الخلاف؟
وهل يتصور الناس وجودًا للحيوية التشريعية لو لم يثر الخلاف بين الشافعية والحنفية؟ وهل تأصلت مشكلات النحو والصرف إلا بفضل الجدال بين البصريين والكوفيين؟ وهل تفوق العقل المصري في العصر الحديث إلا بسبب النزاع حول القديم والجديد والصراع حول المذاهب الاجتماعية والأحزاب السياسية.
стр. 680
إن بداوة الطبع التي كثر الكلام في ذمها وتجريحها لم تكن من المثالب إلا في كلام الشعوبية وهم قوم أرادوا الغض من شمائل العربية، ولولا ذلك الهجوم لبقيت من المحامد، فكيف تنكر على رجل مثلي أن يظل بدوي الطبع في زمن توارت فيه الصراحة وكثر فيه تنميق الأحاديث.
لا بد من خلاف بيني وبينك لتجد الأبحاث الأدبية والفلسفية وقودا يحيا به اللهب المقدس في حياة العقل والوجدان.
فإذا ضاق صدرك فهذه الحقيقة واكتفيت بمحاورة الرجل اللطيف الذي يقول: إن الصحراء تشكو الظمأ وإن البحر يشكو الري وإن الخير في امتزاج البحر بالصحراء. إن كان ذلك ما يرضيك فشرق في محاوته وغرب كيف شئت وكيف شاء.
٢- يا دكتور طه! ما سبب الخصومة بيني وبينك؟
منذ أكثر من سبعة أعوام ألقيت محاضرة في الجامعة الأمريكية عن البحتري وسجلتها جريدة كوكب الشرق وشاء "العفريت الذي يحتل رأسي حين أخلو إلى قلمي" أن أنشر في جريدة البلاغ مقالا عنوانه: "الدكتور طه حسين يغلط خمس مرات فقط في محاضرة واحدة".
ثم لقيتني بعد ذلك في الجامعة الأمريكية وجادلتني في تلك الأغلاط فأعلنت أني أخطأت، وكان ذلك لأن الجمهور قد أحاط بنا من كل جانب ليرى كيف أدفع هجومك وما كان يجوز لي أن أصنع غير الذي صنعت لأن أدبي لا يسمح لي بمجادلتك أمام الناس ولأن وجهك يشفع لك فهو وجه لا يلقاه الرجل الحر بغير الإعزاز والتبجيل.
فما الذي صنعت أنت في تصحيح الأغلاط التي أخذتها عليك؟ مضيت
стр. 681
فنشرت محاضرتك عن البحتري في كتابك حديث النثر والشعر وأبقيت تلك الأغلاط. أستغفر الله. بل تفضلت فشكلت الكلمات المغلوطة لتقول: إنك لا تعبأ بأي نقد يوجه إليك.
٣- ثم ماذا؟ ثم حدث في صيف عام ١٩٢٩ أن أنكرت علي أن أتخذ شواهد لتطور النثر الفني من رسائل عبد الحميد بن يحيى وقلت: إن عبد الحميد بن يحيى شخصية خرافية كشخصية امرئ القيس وكان ذلك بمسمع من شابين واعيين هما محمد مندور وعلي حافظ وكانت حجتك أن عبد الحميد بن يحيى لم يرد اسمه في مؤلفات الجاحظ، فرجعت إليك بعد أيام وأخبرتك أن الجاحظ تكلم عن عبد الحميد بن يحيى مرات كثيرة. وأن مؤلفات الجاحظ تعرف رجلين أحدهما عبد الحميد الأكبر والثاني عبد الحميد الأصغر فلم تجب بحرف واحد.
ثم ألقيت وأنا في باريس محاضرة قلت فيها: إن عبد الحميد بن يحيى أخذ أشياء من أدب اليونان وفاتك أن تنص على اسم الرجل الذي أقنعك بأنه لم يكن شخصية خرافية.
وقد حملني العفريت الذي يحتل رأسي حين أخلو إلى قلمي على أن أسجل هذه القصة في أحد هوامش كتاب النثر الفني فكانت فرصة اغتنمها صديقك الأستاذ أحمد أمين ليقول في مقال كتبه في مجلة الرسالة: إن زكي مبارك يعوزه الذوق في بعض الأحيان.
٤- أنت تعرف أني لم أنل ألقاب الجامعة المصرية بلا جهاد.
وأنت نفسك أسقطتني في امتحان الليسانس مرتين واشتركت في امتحان الدكتوراه الذي أديته أول مرة مع أنك لم تكن عضوًا في لجنة الامتحان.
стр. 682
وكان لخصومتك الصورية تأثير في الدكتوراه التي ظفرت بها للمرة الثالثة فلم أصل إليها إلا بعد جهاد سبع سنين.
٥- هل تذكر يا دكتور ما وقع في نوفمبر ١٩١٩:
هل تذكر ما وقع يوم غاب سكرتيرك، وكنت وحدي الطالب الذي يفهم العبارة الفرنسية لكتاب الأثينيين لأرسطو؟ هل تذكر أنك أعلنت سرورك بأن يكون في طلبة الجامعة المصرية من يفهم أسرار اللغة الفرنسية؟ فمن يبلغك أن الشاب العربي أدخل السرور على قلبك في ١٩١٩ هو الكهل الذي تنكره سنة ١٩٤٠؟
أنا أعرف ما تكره مني, أنت تكره الكبرياء وكيف أتواضع وقد أعانني الله على بناء نفسي؟ وكيف قد أقمت الدليل على أن الشباب المصري خليق بعظمة الاعتماد على النفس؟ وهل رأيت رجلا قبلي أتم دراسته في أوربا وهو مثقل بتكاليف الأهل والأبناء؟ هل رأيت رجلا قبلي يهتز بأوطار الشباب وهو مثخن بجراح الزمان بعد الأربعين؟ وهل رأيت رجلا قبلي يؤلف الكتب الجيدة في البواخر والقطارات والسيارات؟
ومن يصدق أني أنفق في سبيل الورق والمداد أضعاف ما ينفق بعض الناس في سبيل الطعام والشراب؟
أحمد الله إليك "من مبارك إلى طه" ١:
في شهر يوليو ١٩٢٨ تلقيت وأنا في باريس خطابا من الدكتور طه حسين جاءت فيه عبارة "أحمد الله إليك" فالتفت ذهني إلى هذه العبارة لأنها لم تكن من العبارات المألوفة في رسائله إلي.
стр. 683
وصح عندي بعد التأمل أن الدكتور قد يكون مشغولا بمراجعات متصلة بالسيرة النبوية؛ لأن عبارة "أحمد الله إليك" تكثر في الرسائل المأثورة عن عصر النبوة وعصر الخلفاء.
وبعد أعوام أخرج الدكتور طه كتابه "على هامش السيرة" فكتبت في جريدة البلاغ فقلت: إن الدكتور طه يجيد أعظم الإجادة حين يتروى في التأليف وكتابه الجديد أثر من آثاره الجيدة في تروية فهو مشغول بموضوعه منذ ١٩٢٨ وإن لم يقل ذلك فقد كتب إلي خطابا في يوليه من تلك السنة يقول: "أحمد الله إليك".
وقال الدكتور طه: إنه اختراع من اختراعات زكي مبارك في الأسماء والأحاديث.
وهذا نص الخطاب كما رواه زكي مبارك:
"أحمد الله إليك على ما أنت فيه من رضا بالإقامة في باريس، وأتمنى لك المزيد من هذا الرضا كما أتمنى أن تنتفع بأيامك في فرنسا إلى أبعد حد ممكن وتقبل من السيدة ومني تحية خالصًا وشكرًا جميلا".
وسرد زكي مبارك نص خطاب آخر وجده في أوراقه جاء فيه:
"لست أدري كيف أشكر لك عنايتك بفلسفة ابن خلدون وأنا مقتنع فما بيني وبين نفسي بأنها لا تستحق هذه العناية، ومع ذلك فسأشتري المقطم منذ اليوم لأقرأ ما تكتب لأنك أنت الذي ستكتبه لا لأني أنا موضوعه.
وكل ما أرجوه لك أن تصدر فيما تكتبه عن الحرية الصادقة القاسية، لا عن الإخاء والمودة اللذين يدفعان في كثير من الأحيان إلى شيء من الرفق الذي لا يخلو من إثم، وأنا أعيذ أصدقائي من أن يتورطوا من أجلي في إثم
стр. 684
الإسراف في البر كما أكره أن يتورطوا في إثم العقوق". وتاريخ هذا الخطاب أغسطس ١٩٢٥.
فإن قيل: وكيف أمكن بعد ذلك الوداد الوثيق أن تفسد العلائق بيني وبين الدكتور طه حسين؟ فإني أجيب بأن لله حكمة فيما وقع بيني وبين الصديق.
لم يكن لي بد من خصومة أتخذ منها فرصة لتوجيه الجمهور إلى الحقائق الأدبية وكذلك خاصمت عددا من رجال الأدب كان أظهرهم الدكتور طه حسين.
الأيام؛ لطه حسين ١:
هذا الرجل موهوب بلا جدال ولكنه قليل الصبر على تكاليف المواهب فهو يطع في اللمحة الأولى ثم يجنح إلى الأقوال.
ترجم لأبي العلاء فأفلح ثم ترجم للمتنبي فأخفق لأنه لم يصحب المتنبي بقدر ما صحب أبا العلاء.
وأخرج الجزء الأول من الأيام فكان أعجوبة ثم فتر في الجزء الثاني.
والجزء الأول من هامش السيرة سفر نفيس أما الجزء الثاني فهو أيضا "سفر نفيس".
وكان أستاذا في الجامعة المصرية القديمة، أستاذًا عظيما, أستاذًا يملك القدرة على إسقاط زكي مبارك في امتحانات الليسانس مرتين. أما في الجامعة المصرية الجديدة فهو أستاذ هيوب يستر كسله الجميل بالتغاضي عن ضعف الطلاب.
стр. 685
وأمره في الصداقة أعجب من العجب، فهو يؤاخيك ويصافيك إلى أن تظن أنه قطعة من قلبك، ثم يتحول في مثل ومضة البرق إلى عدو مبين، وهو على الرغم من ضعفه في الاضطلاع بتكاليف المواهب، رجل جذاب لأنه معسول الحديث ولأنه قد يصدق في الحب وفي البغض إلا أنه تهديه حاسة النفع إلى أن يعادي من يعادي ويصادق من يصادق كالذي صنع في طوافه بأركان الأحزاب.
ولشعوره بأن لسانه مصدر قوة يلح في الحديث وفي الإملاء إلحاحًا يترك سامعيه وقارئيه على أهبة الاقتناع بما يملي وبما يقول.
وللدكتور طه أسلوبان: أسلوب حين يملي، وأسلوب حين ينظم. أما أسلوبه حين يملي فلا يخلو من ركاكة واضطراب لأنه رهين بما في الإملاء من سرعة وإبطاء.
إن لنشر كتاب الأيام تاريخ هو تاريخ مجهول ولأنه يصور كيف رجع الدكتور طه إلى ألفاف ماضيه لينشر منه صفحات تسير مسير الأمثال من حيث لا يقصد ولا يريد.
في مطلع الربيع من سنة ١٩٢٧ ثار الأزهريون وتبعهم فريق من النواب على الدكتور طه حسين لآرائه في الشعر الجاهلي واشتدت الثورة ثم رحل إلى فرنسا مع الصيف ليتناسى كروبه الداجية في ربوعها النيح.
وهناك خطر له أن يملي أشياء بعيدة كل البعد عن الشعر الجاهلي والأزهر والدين فكلفت تلك الأمالي وهي تاريخ طفولته بلا تزيين ولا تهويل.
وفي صباح يوم من أيام الخريف في سنة ١٩٢٦ عرفت من الدكتور طه أنه كتب مذكراته عن حداثته وأنه قدمها للأستاذ عبد الحميد العيادي
стр. 686
ليطمئن إلى أنها مما تجوز إذاعته بين الناس، وفي صباح يوم آخر حضر الأستاذ العبادي ومعه أصول المذكرات وهو يقترح أن تحذف الفقرة الخاصة بالضريرة نفيسة؛ فلم ير الدكتور طه أن تحذف، وفي ليلة شاتية جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، فسألته عن موضوع تلك المذكرات، فوقف وقفة الخطيب المكروب وقص علي قصة يوم بدا له أن ينقل اللقمة إلى فيه بيديه الاثنين وكيف أضحك إخوته وبكت أمه وانزعج أبوه فعرفت أن المذكرات سيكون لها في تاريخ الأدب مكان.
يزيد من طرافة هذه الاعترافات أن بعضها معيب فصدورها من رجل مثل طه حسين يشهد بأنه فنان يقيم فنه على قواعد من الصراحة والصدق.
وأن طه حسين قد التزم الصدق التزاما في كتاب الأيام.
لعلي أريد القول بأن طه حسين من أساتذة الأخلاق فهو يقصد إلى إفهام الشباب بأن العظيم لم ينشأ عظيما وإنما هو عظيم بفضل الصبر على متاعب الجهاد، لعلي أريد القول بأن طه حسين أراد محاكاة جان جاك روسو وأناطول فرانس.
١٩- "الحب الضائع" ١:
هو كتاب يصور العواطف الطبيعية في الريف الفرنسي لعهد الحرب الماضية والكتاب ليس بجديد لا في الروح ولا في الأسلوب، فله أمثال تعد بالعشرات أو بالمئات ومع ذلك فلن يقول الفرنسيون حين يترجم إلى لغتهم هذه بضاعتنا ردت إلينا؛ لأن طه حسين حين يقتبس لا يفوته أن يضفي ثوب الابتكار على الاقتباس.
стр. 687
تلك الصفحة تقيس ما يقع فيه الدكتور طه من وقت إلى وقت فهو يقطع ما بينه وبين أصدقاء لا يجود بأمثالهم الزمان، وهو قد يصل أقواما لا يمتون إلى روحه بسبب قريب أو بعيد ولعله أكثر الناس ابتلاء بالمخادعين والمرائين لأنهم أحرص على مراعاة الظواهر من المصافين والموافين والكاذب يسبق الصادق إلى امتلاك القلوب الخواضع لخوادع الوداد.
وهناك صفحة عجيبة تذكر بأدب أبي حيان التوحيدي في تشريح العواطف، وهي الصفحة الخاصة بالشوائب التي تفسر الوداد ومن تلك الصفحة تعرف كيف جاز أن يتعرض الدكتور طه حسين لتقلبات في المورات والصدقات يستفظعها من لا يعرف ما فطر عليه من توهج الإحساس.
٢٠- طه حسين وإمارة الشعر:
إن الدكتور طه حسين "مسيو" بالفعل فلغته ولغة زوجته وأبنائه هي اللغة الفرنسية، ولكنه برغم ذلك من أعاظم الرجال في اللغة والدين. ولو كان الأمر بيدي لقتلت الدكتور طه حسين، ولو كان الأمر بيده لقتلني فقد تحاربنا سنتين، وأردت أن أقتله فيها فما استطعت وأراد أن يقتلني فما استطاع، نحن يا سيدي الدكتور لم نخلق للموت وإنما للحياة والمجد، فمن واجبك أن تكف شرك عني لأكف شري عنك وأنا على الشر أقدر منك.
أشعت أن إمارة الشعر بعد شوقي قد انتقلت إلى العراق:
أخطأت يا سيدي الدكتور إن الشعر لمصر حتى آخر الزمان، أنت نفسك حاولت أن تكفر عن ذنبك فخلعت إمارة الشعر على الأستاذ العقاد وهو أديب فاضل بدليل أنك أهديت أحد كتبك إليه، ولكنه شاعر صغير بالقياس إلى العبقرية المصرية.
стр. 688
العقاد في الشعر كالزيات في النثر كلاهما يأخذ قوته من الانفعال وهذا لا يمنع من الاعتراف بأنهما أديا خدمات عظيمة للحياة الأدبية.
٢١- زكي مبارك؛ عدوي طه حسين:
نشرت الهلال مبحثا من فصلين, صديقي طه حسين الدكتور أمير بقطر وكتب زكي مبارك: "عدوي طه حسين".
إنه عدو عزيز! إي والله، فما أذكر أني عاديت إنسانا أحبه قبل الدكتور طه حسين، والعداوة والحب يجتمعان في القلب الواحد، وإن عجب من ذلك من لا يفقهون، وآية الصدق في هذه القضية أني لم أتورط في عداوة الدكتور طه حسين إلا منذ أشفقت عليه، فقد ابتدأ هذا الرجل حياته الأدبية بداية حسنة، ولكنه لم يستطع الصبر على مكاره الجد، ولم تقو نفسه على معالجة البحث العميق وعندئذ عرفت أن الرجل سيضيع نصيبه من الخلود، وعز علي ذلك فأردت أن يبقى اسمه في الدنيا بعد أن تبيد ملايين الأسماء ولا يبقى إلا من أشار إليهم صاحب "النثر الفني".
وكان الدكتور طه في بداية هذه العداوة يظنها جمرة سريعة الخمود، ولكنها تضرمت، واستطارت أقباسها من المشرق والمغرب، ولم يبق إنسان يقرأ ويفهم إلا عرف أن في الدنيا رجلا اسمه طه حسين، وصار لا يدخل في محفل، ولا يتكلم في مجتمع، ولا نشر مقالا في جريدة، إلا قال الناس: هذا هو الرجل الذي رأينا اسمه في مؤلفات زكي مبارك.
والدكتور طه رجل فيه شيء من الذكاء، وقد هداه ذكاؤه إلى هذه الحقيقة فاندفع يعاديني بلا ترفق ليتم له من نباهة الذكر ما يريد.
ولكن هل يستحق الدكتور طه أن يشغل رجلا مثلي؟
هذا هو السؤال.
стр. 689
وأجيب بأنه يستحق ذلك الاستحقاق، فما ينكر أحد أن لهذا الرجل شخصية قوية، وأنه استطاع أن يكون غرضا ترميه الأقلام، وهذا دليل على ماله من وجود ملحوظ.
ومن مظاهر القوة في هذا الرجل أنه تماسك في أزمات كثيرة، وأنه عرف كيف يقارع الأحداث والخطوب, حتى أصبح رجلا يحسب له حساب.
ومن مظاهر القوة أيضا في هذا الرجل أنه حلو المودة، مر العداوة، يضر وينفع، وبعض الناس تغلب عليهم التفاهة فلا ينفعون ولا يضرون.
ولا يمكن أن نعرف قيمة الدكتور طه إلا إن نظرنا في مهارته الأدبية، وبيان ذلك أن هذا الرجل قليل المحصول، ولعلي لم أر في حياتي رجلا قليل العلم مع الصيت البعيد، كما رأيت طه حسين، ومع قلة محصوله العلمي نراه يتكلم كلام المحققين، ويمضي فيبني ويهدم، ويبرم وينقض، كأنه عالم محقق أخذ بنواحي المعارف الإنسانية في القديم والحديث، وهذا لا يقع إلا من رجل وصل في المهارة إلى أبعد حدود.
يضاف إلى ذلك كله لسان يحكي ملاسة المرمر، وليونة الماء، فإذا سمعت طه حسين وهو يحاضر شعرت بأنك أمام إنسان يملك ناصية الحديث، وليس ذلك بالقليل.
ولكن للشخصية العلمية شيء غير ذلك، فالدكتور طه الذي يضر وينفع ويبرم وينقض، ويحدث فيحسن الحديث، هذا الرجل قد انهزم في الميادين العلمية، ولم يظفر من المجد الأدبي بأيسر نصيب, وأعيذكم أن تفتنوا بأنه ألف أقصوصة اسمها "الأيام" نشرها الهلال ثم ترجمت إلى الإنجليزية والروسية، فإن تأليف الأقاصيص ليس من الفنون العالمية، وإنما هو فن
стр. 690
يمثل سذاجة الإنسان الأول يوم كان يملأ الدنيا أساطير وأحاديث. وهل رأيتم في الدنيا كلها رجلا يرأس كلية آداب ثم يقف مجده عند الأقاصيص؟
انظروا ما وقع للدكتور طه يوم قرر المشاركة في تأليف كتاب فجر الإسلام، فقد كانت النية أن يؤلف في الناحية الأدبية، أتعرفون ما وقع؟ كانت النتيجة أن نشر أحمد أمين أربعة مجلدات وطه حسين ساكت يترقب.
وكيف تفسرون ذلك السكوت؟ إنه تفسير سهل؛ وهو يتلخص في أن طه حسين لا يحسن الكتابة العلمية، وإنما يحسن تلخيص الأقاصيص.
وهناك جانب آخر من ضعف هذا الرجل، وهو حرمانه من حاسة العدل، فما أعرف أن هذا الرجل استطاع أن يقهر أهواءه وهو يعامل الناس، وقد اتفق أن يصطنع النقد الأدبي حينا من الزمان، فكانت أحكامه كلها وليدة الهوى والغرض، ولم يستطع أن يكشف للناس عن موهبة مستورة أو نبوغ مكنون.
ولو سئل طه حسين عما صنع في النقد الأدبي لعجز عن الجواب، وهل من النزاهة أن يقصر محاضراته في الراديو على ما أخرجته لجنة النشر والتأليف؟
إن طه حسين تسامى إلى منزلة أدبية عالية يوم سعى إلى الظفر بعمادة كلية الآداب، ولكن هل استطاع أن يخلق لتلك الكلية نصيرًا واحدًا؟ هل استطاع أن يخرج من عمره كله بكتاب جيد يضيفه إلى منازل الباحثين من عمداء الكليات؟
وليته اكتفى بهذه المزايا العظيمة من الضعف! بل رأيناه يتكلم عن البحتري فيقع في أغلاط، فلما نبهناه أصر واستكبر ونشر المحاضرة في كتاب، وشكل الأغلاط ليدلنا على أنه لا يهتم بالنقد، ولا يحسب للحق أي حساب.
стр. 691
وقد ظن من لا يفهمون أننا نعني شخصه حين نجادله، وهيهات أن يكون الأمر كذلك، إنما يهمنا أن نحاسب من يشغل أكبر المناصب الأدبية حين يسيطر على كلية الآداب، ولا يرضينا من عادة مثل هذا الرجل إلا أن يكون باحثًا نرى في وجهه وجه برونو ودي لا كروا من الذين تولوا كلية الآداب جامعة باريس.
نحن قوم غلبتنا الأقدار في الميادين السياسية، فمن العيب أن نرضى بمثل ذلك الحظ في الميادين العلمية، وإذا قيل: إن الإنجليز غلبونا في السياسة فلا يصح أن يقال: إن العجز غلبنا في العلوم والآداب.
стр. 692
الفصل الثاني عشر: بين شباب الأدب وشيوخه
...
الفصل الثاني عشر: المعارك الأدبية؛ بين شباب الأدب وشيوخه
جرت معارك متعددة بين شباب الأدب وشيوخه، وتنوعت، وتنوعت، ولكنها لم تصل إلى مجال المعارك الكبرى إلا في معركة واحدة: هي معركة أنصار العقاد وأنصار الرافعي وكانت مناوشات كتاب الشباب تمثل الهجوم على "نفوذ" كبار الكتاب على اتجاهاتهم الغربية.
وقد اشترك فيها عدد كبير منهم محمد علي غريب وعبد الله عفيفي ومحمد أمين حسونة ورئيف خروي ومحمود شاكر ودريني خشبه.
١- محمد علي غريب١؛ أبناء المدرسة الحديثة يهدمون القديم والجديد:
وللأدب عند أخواننا مقياس غير محدود فهم يطلبون التجديد من الأدب ولكنهم لا يكلفون أنفسهم عناء في الخلق والابتكار ويكادون يجمعون على أنه ليس في مصر أدب ترتضيه عقولهم أو تستسيغه نفوسهم، ولهذا تراهم يشيدون بأدباء الغرب من شكسبير فنازلا أو فصاعدًا ولكنهم لا يعيشون طويلا على تمجيد أولئك الأدباء ومن ثم تسمع واحدا منهم يلقي بيديه على حافتي المقعد ويميل برأسه إلى الوراء متحدثا في وقار وحلم قائلا: أنا لا يعجبي من نيتشه تطرفه بالنسبة للمرأة.
٢- محمد خصار المغرب ١:
ومنذ سنوات كانت جماعة المجددين المصريين تبرق وترعد بمحاسن المدينة الغربية وأفضليتها وسوء الحضارة الشرقية ولما أراد الله رفع الستار عن مساوئ الأولى وظهر إفلاسها بعد الحرب فبرز كتاب أوروبيون عظام للتنديد بها
стр. 693
وتفضيل الحضارة الشرقية في عدة نواح خصوصا الروحية منها أخذت هذه الجماعة نفسها تمجدها تقليدًا لهؤلاء لا عن عقيدة.
٣- عبد الله عفيفي ١؛ بائع أحذية مؤلف في الأدب:
يا أساتذة الجامعة المصرية، يا أساتذة الجامعة الأزهرية، يا أساتذة دار العلوم العليا، يا أعلام الأدب وأقطاب البيان.
اطووا أوراقكم وحطموا أقلامكم واسرحوا إن شئتم بالبقل والخضر أو اعملوا إن شئتم في الحجر والمدر فقد تولى مئونة التأليف عنكم بائع أحذية في محل سمعان، أتحسبوني أهزل، وهل أبقت الحياة مكانا للهزل.
إي والله لقد فرغ صاحبكم أو نقيبكم بائع الأحذية في محل سمعان ساعة أو بعض ساعة وقت قيلولة العمال في الظهر فأخرج كتابا في فلسفة الأدب ونقد الأدب لا في الأدب وحده ولا في الشعر وحده.
وأشهد لقد رأيت هذا البائع الأحذية في محل سمعان فيلسوفا في فقهه لبقا في مهنته فهو يريك أن الجزمة المصنوعة في شارع بين الصورين ثم واردات الإلزاس واللورين.
وحسب صاحبنا البائع الباتع أن هذا كله من الأدب أو فلسفة الأدب فظهر على الناس مؤلفًا في الأدب وفلسفة الأدب.
ويا أشراط السادة هل بقي فيك شرط واحد ما يظهر للناس بعد أن أخرج بائع الأحذية في سمعان كتابا في فلسفة الأدب ونقد الأدباء بعشرة قروش صاغ.
стр. 694
هل تحب أن تسمع شيئا من أدب هذا البائع الأحذية, قال في وصف شاعر شاب؛ لقد سلم الناس من شعره ولم يسلموا من علله المعدية وأمراضه المتنقلة، ويقول فيه: لقد نفخه ... الأثيم المغرور؛ هذا أسلوب بائع الأحذية في كتابه في فلسفة الأدب ونقد الأدباء، لقد احتملنا رغم أنوفنا فساد الجو الأدبي حتى سأمه من لا يحسن كتابة اسمه فهل نرضى أن يسوء أدب الباعة والعمال وهم يقدمون السلع المرغوبة للآنسات والسيدات وذوي الكرامات، اللهم عونك ورحمتك١.
٤- محمد أمين حسونة ٢؛ مدارس الفكر في الأدب المصري:
نادى أنصار الجديد بقطع الصلة بالماضي واستندوا إلى محاكاة الغرب دون أن يحاولوا الابتكار لأن الأفكار الأوروبية لم تكن قد تأصلت في نفوسهم ومن ناحية أخرى لم يكن في وسعهم أن يهزوا الوسط الذي عاد إليه ولا البيئة التي يعيشون فيها، لأن هذه البيئة كانت لا تزال فطرية، للماضي سلطان قوي عليها وهو حي في أعماق عقولهم.
وأول من سعت لحل قيود العقل والتخلص من الأسار الضيقة نتيجة التأثر بمظاهر الحركات السياسية التي لمسوها في الغرب وقوي فيهم هذا الميل اطلاعهم على الآداب الفرنسية.
وهناك فريق أدرك بعد التبصر وإنعام النظر أن الثبات على القديم سيؤدي إلى الفناء فقالوا إذا كان للقديم حق وللتراث قيمة بارزة فلا يجوز نبذه والقضاء عليه ويمكن إعادة تنظيمه وفق الأصول والدراسات الخصبة.
стр. 695
٥- رئيف خوري ١؛ من عهد الجرأة إلى عهد التراجع:
الذي يبدو لي أن حياة الدكتور طه حسين الأدبية حتى الآن تقع في قسمين بينين:
فالقسم الأول هو ما يجوز أن تدعوه دور الجرأة على الأساليب والآراء القديمة, وهي جرأة نلمس فيها حب الدهش والمفاجأة والظهور أكثر من الحرص المتزن على إبراز الحقيقة.
في هذا الدور ألف كتاب في الشعر الجاهلي، والحق أن الكتاب في حد ذاته يسير الابتكار، فالمستشرقون قبل الدكتور طه حسين كتبوا ما كتب بصورة أقوى علمًا, ثم إن كون الشعر الجاهلي منحولا أو غير منحول قضية قليلا ما هي خطيرة، ولكن طارئًا طرأ فخرج الدكتور طه حسين من هذا الدور الأول من حياته إلى دوره الثاني اليوم، هناك كثيرون من الكتاب في مطلع حياتهم الأدبية خلعوا على أنفسهم جبة الجرأة, لماذا؟ لأن الجرأة في الكتاب كما هي في غيرهم فضيلة، أقول: إن كثيرا من الكتاب يخلعون على أنفسهم جبة الجرأة من أجل هذا المورد, مورد الشهرة فإذا ظفر أولئك الكتاب بما يطمعون فيه عمدوا إلى طرح جبة الجرأة عنهم وهم يعتقدون أن سوقهم نافقة.
أجل إن كثيرين من الكتاب يصيرون في دور من أدوارهم إلى استغباء القراء أو استحمارهم إذا صح الاشتقاق.
المفروغ منه أن الدكتور طه حسين لبس جبة الجرأة في دوره الأول.
стр. 696
وهو الآن لا يقبل مهما كان الأمر أن يقال عنه أنه خلعها.
لذلك يبدو في الدكتور تهالك على أن يظهر أبدًا بمظهر الشهيد المضحى به. كان الدكتور طه في دوره الأول مشهورا بشقة الخلاف الواسعة بينه وبين الأزهر على أن الدكتور طه في دوره الثاني قد رغب في التسوية، ولست أعترف أكان حقا هو القائل هذه الكلمة التي شاعت مؤخرًا، إن الدكتور طه يعتبر أنحس أيامه ذلك اليوم الذي رمى فيه بعمته إلى البحر.
أما أثر هذا التحول في أدبه نجده واضح ملموس، فإن الدكتور أخذ بعده بأسباب نوع من إنشاء دعاة الإنشاء الخالص في مقدمة كتابه "على هامش السيرة" وهو نوع من الإنشاء لا يقوم في أساسه على فكرة تؤدي بل على جمال رصف ووصف.
والدكتور زكي مبارك قد سجل على الباحثين في مصر "الحديث، كانون الثاني ١٩٢٩" إنهم اليوم انصرفوا عن المسائل التي تصدمهم برجال الدين.
والمؤسف١ أن الدكتور طه حسين قد أوشك أن يتوصل إلى تلك الدرجة التي يستغبي فيها الكتاب قراءهم أو يستحمرونهم وعندي على ذلك دلائل هامة وشواهد معينة.
١- كان في إنشاء الدكتور طه صفة الإطناب والتكرير، وكنا نقول إن الآفة التي حرمته البصر لا تمكنه من مراجعة ما يكتب، على أنني يسوءني الآن أن أقرر أن صفة الإطناب والتكرير في إنشاء الدكتور قد أصبحت شيئا يتوخاه توخيا وهو مطمئن إلى أن القراء لن يفطنوا إليه.
إن خوف الدكتور من أن تعني عروبة مصر هدم أبي الهول والأهرام
стр. 697
والتغاضي عن جميع الآثار التي تزين متاحفها ومتاحف العالم، خوف يدعو إلى القهقهة وإنا ندعو الدكتور إلى الاطمئنان، فالعروبة كما يعلم قد دخلت في ماضيها مصر ولم تهدم أبا الهول ولا الأهرام.
وكم كنت أحب أن يكون الدكتور قد استغنى عن هذا التصريح الذي أذعته بخصوص حديثه مع الدكتور نجيب صدقة وأظهر عليهم غضبا لأنهم لم يستأذنوا في نشر ما نشروا فقد أتشمم من وراء ذلك أن الدكتور يقول في سره ما لا يقول في علانيته، وأنا لا أقبل أن أعتقد بأن فيه شيء من الدجل بعد أن ثبتت لي عادته الكريهة في استغباء القراء.
ولنا كلمة إلى الدكتور هي أن يقوي ثقته بالشعب المصري فثقته به ضعيفة إلى حد بعيد، فالمصري عنده يمتاز بتسرعه وإهماله وخفة دمه لا يستطيع إجهاد نفسه في قراءة بحث مفيد والمصري عنده يأنف وتقاعس عن القيام بالأعمال البسيطة التي تسهل للمرء سبيل الحياة "المكشوف ١٧٥" وكل هذا كلام ينصف الشعب المصري من ناحية وفيه ما هو غير صحيح من ناحية أحرى وفيه أيضًا ما يرتد ارتدادًا على طه حسين ولا شك أن الشعب المصري شعب كبير فيه كوامن نهضة جبارة إذا حطمت عنه كوابيسه يا دكتور.
٦- محمود شاكر: تقارض المقالات ١:
قرأت أخيرًا مقالتين إحداهما للدكتور طه والأخرى للأستاذ أحمد أمين وهما بهذا العنوان "رحلة" وقد تعود الأستاذان أن يتقارضا المقالات منذ أسابيع طويلة, وأكثرا من ذلك إكثارًا لا يمكن أن نغضي عنه، وكنت أحب ألا أعرض له لعله ينتهي إلى نهايته، فإذا هو شيء لا ينقطع
стр. 698
فمن يوم أن كتب الأستاذ أحمد أمين ما كتب وسماه "مدرسة الزوجات" وقارضه الدكتور طه بمدرسة الأزواج، ثم مدرسة المروءة ثم "مدرسة ... " إلى آخر هذه الأشياء، وافتتنا بهذه الطاحون التي تدور على دقيق مطحون قد فرغ منه من ذلك اليوم وأنا لا أرى فيما يكتبان إلا استسلامًا للقلم وبداوته وبوادره، واجتلبنا في ذلك من الرأي ما لا يستقر ولا يتماسك.
وفي هاتين الرحلتين رأيت العجب! فالدكتور طه مثلا قد أطال في تحقير مصر والزراية عليها وعلى أرضها بما احتمله عليه الغضب الذي رغب في إنشاء مدرسة له ليسميها "مدرسة الغضب" رحل الدكتور طه بالسيارة في الطريق الزراعية فغاظه التراب الذي يثور حوله فيطلق لسانه بهذه الأسئلة "لماذا تدفع الضرائب" فليخبرنا الدكتور طه عن السبيل الذي تتقي به الزراية على أرض مصر. ماذا تصنع الدولة عن طريق جانبية من تلك الأراضي الخصبة الواسعة التي تسعى لتطعم أهل مصر من خيراتها؟ والأستاذ أحمد أمين هو الذي حمل على الأدب العربي وحقر الشعر الجاهلي ودفع بحجته في وجوب نبذ هذا الأدب وذلك الشعر الجاهلي لأنه كان جناية على أدبنا وأنا كنت هممت أن أؤدي واجبي للأدب العربي بإظهار فساد هذه الآراء التي لم تنضج ثمراتها.
٧- درني خشبة ١:
وأظرف ما في معسكر الشيوخ من فتنة مكبوتة تلك النذر الضاحكة التي يلوكها الدكتور زكي مبارك فزكي مبارك جريء عن المازني جرأة لا حد لها والمازني لائذ بأذيال الصمت, والمازني بهذا الصمت يمكر بزكي مبارك الذي لا ينال منه إلا صمت مناوشيه، ونادى زكي بأعلى صوته فقال: أنا أكتب منك يا عقاد، وأنا أشعر منك يا عقاد، ومؤلفاتي لا تسمو إليها
стр. 699
مؤلفاتك ثم لم يلبث أن ختم صيحته بكلمات هن إلى الملاينة والاسترضاء أقرب منهن إلى ما هو دون الملاينة والاسترضاء ثم عاد في كلمة أخرى فسأل بعض القراء ألا يوقعوا بينه وبين العقاد ليقعدوا هم ويتفرجوا ولست أدري العلة في جرأة زكي مبارك على المازني وإشفاقه من العقاد على هذا النحو المكشوف أفصح يا دكتور ولا تحسبن أن أحدا قد صدقك حينما رفعت عقيرتك بأنك أشعر شعراء هذا الزمان ولا أكتب أهله بل أنت أجرأ كاتب في الشرق العربي فما علة إشفاقك من العقاد.
انتهى المجلد الأول؛ المعارك الأدبية, ويليه المجلد الثاني: المساجلات والمعارك الأدبية, ويضم خمسون معركة أخرى.
стр. 700
محتويات الكتاب:
الصفحة الموضوع
٥ مدخل.
١٥ الفصل الأول: معارك الوحدة والتجزئة.
١٦ ١- معركة الوحدة العربية "طه حسين وعزام والخطيب".
٢٨ ٢- مصر بين العربية والفرعونية "الزيات وعثمان".
٥٩ ٣- معركة العروبة والمصرية "ساطع الحصري وطه حسين".
٧١ الفصل الثاني: معارك اللغة العربية.
٧٢ ١- تمصير اللغة العربية "مصطفى الرافعي ولطفي السيد".
٨٢ ٢- مجمع اللغة: ما هي مهمته؟
٩٠ ٣- معركة الكتابة بالحروف اللاتينية.
١٠٣ الفصل الثالث: معارك مفاهيم الثقافة.
١٠٤ ١- ثقافة الشرق وثقافة الغرب.
١٠٤ معركة بين فيلكس فارس وإسماعيل أدهم.
стр. 701
الصفحة الموضوع
١٢٧ لاتينيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين.
١٣٧ النزعة اليونانية: بين زكي مبارك وطه حسين.
١٤٨ كتابة السيرة: بين التاريخ والأسطورة، بين هيكل وطه حسين.
١٥٥ كتابة التاريخ: بين رفيق العظم وطه حسين.
١٦٣ معركة الترجمة: بين منصور فهمي وطه حسين.
١٦٩ أدب الساندويش: بين أمين الزيات والمازني والعقاد.
١٧٤ أدبنا هل يمثلنا؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي.
١٧٨ غاية الأدب, ما هي؟ بين زكي مبارك وسلامة موسى.
١٨١ متى يزدهر الأدب؟ بين لطفي جمعة وزكي مبارك.
١٨٥ الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى.
١٩٤ التراث الشرقي: يكفي أو لا يكفي، بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد.
١٩٨ ثقافة دار العلوم: بين أحمد أمين ومهدي علام.
الباب الرابع: معارك الأسلوب والمضمون.
٢٠٥ الفصل الأول: الأسلوب والمضمون؛ بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين.
стр. 702
الصفحة الموضوع
٢١٣ أسلوب الكتابة: معركة بين شكيب أرسلان وخليل السكاكيني.
٢٢٣ أساليب الكتابة: بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي.
الباب الخامس: معارك النقد.
٣٢١ الفصل الأول: أسلوب طه حسين؛ معركة بين المازني وطه حسين.
٢٤١ الفصل الثاني: مقومات الأدب العربي؛ معركة بين زكي مبارك وأحمد أمين.
٢٦٦ الفصل الثالث: مذهبان في الأدب؛ معركة بين أنصار الرافعي وأنصار العقاد.
٢٩٦ الفصل الرابع: بين النقد الذاتي والموضوعي؛ بين أحمد أمين وطه حسين.
٢٩٩ الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف؛ بين زكي مبارك وزكي أبو شادي.
٢٠٧ الفصل السادس: هل نقتبس أم نقلد؟ بين منصور فهمي وطه حسين.
стр. 703
الصفحة الموضوع
٣١٠ الفصل السابع: معركة فقدان الثقة؛ بين الدكتور محمد حسين هيكل وطه حسين.
٣١٩ الفصل الثامن: الفن للفن والفن للجميع بين أحمد أمين وتوفيق الحكيم وعبد الوهاب عزام.
الباب السادس: معارك النقد حول الكتب.
٣٢٩ الفصل الأول: رسالة منصور فهمي للدكتوراه.
٣٣٤ الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم؛ معركة حول كتاب علي عبد الرازق.
٣٤٦ الفصل الثالث: معركة الشعر الجاهلي.
٣٧٩ الفصل الرابع: كتاب النثر الفني؛ بين زكي مبارك وفريد وجدي ولطفي جمعة.
٣٨٨ الفصل الخامس: كتاب أوراق الورد؛ بين مصطفى صادق الرافعي ولطفي جمعة وإبراهيم المصري.
٣٩٤ الفصل السادس: كتاب ثورة الأدب؛ بين فريد وجدي والدكتور هيكل.
٤٠٤ الفصل السابع: كتاب مع المتنبي؛ بين محمود شاكر وطه حسين.
стр. 704
الصفحة الموضوع
٤٠٩ الفصل الثامن: معركة مستقبل الثقافة؛ بين طه حسين وساطع الحصري وزكي مبارك ومحمد
حسين.
الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين.
٤٢٧ الفصل الأول: معارك الرافعي مع العقاد وطه حسين وزكي مبارك وعبد الله عفيفي.
٤٤٥ الفصل الثاني: معركة فضل العرب على الحضارة؛ بين طه حسين وأحمد زكي باشا وشكيب أرسلان.
٤٥١ الفصل الثالث: الدين والمدنية؛ بين محمود عزمي وعلماء الأزهر.
٤٥٥ الفصل الرابع: التغريب؛ بين حسين فوزي وسعيد العريان.
٤٥٧ الفصل الخامس: حقوق المرأة؛ مساجلة بين رشيد رضا ومحمود عزمي.
٤٦٣ الفصل السادس: معركة حول التراث القديم؛ بين زكي مبارك والسباعي بيومي.
٤٧٥ الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم.
стр. 705
الصفحة الموضوع
٤٩٠ الفصل الثامن: جمال الدين الأفغاني ورينان؛ معركة بين رشيد رضا ومصطفى عبد الرازق.
٥٠٢ الفصل التاسع: خم النوم؛ معركة ساخرة بين أحمد زكي باشا وزكي مبارك.
٥١١ الفصل العاشر: بين النقد والتقريظ؛ بين زكي مبارك وعبد الله عفيفي.
الباب الثامن: معارك بين المحافظين حول اللغة.
٥١٨ بين أحمد زكي باشا ومحمد مسعود.
الباب التاسع: معارك نقد الشعر.
٥٣٧ الفصل الأول: بين شوقي ونقاده.
٥٤٧ الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني.
٥٦٥ الفصل الثالث: إمارة الشعر بين الزهاوي والعقاد ومطران.
٥٧٠ الفصل الرابع: ديوان وحي الأربعين بين مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد.