← Адаб

Адаб · id 11546

المعارك الأدبية

أنور الجندي

Полный текст (707 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ولكنه على كل حال لا يعلن رأيه السياسي أو لا يتكلف إعلانه ولا يتخذ لنفسه لونا. وهو من أنصار الجديد, وهو يعلم أني أرى رأيه وأشاركه فيه دون حفظ ولا احتياط، ولكن نصره للجديد قد اضطره إلى شيء من الإسراف. كنت أحب ومازلت أحب ألا يتورط فيه الباحثون المنصفون، وهو مسرف في ازدراء الأدب العربي القديم والغض منه وقد أفهم ألا يكون هذا الأدب القديم كما هو ملائما كله لذوقنا الحديث أو كافيا لحاجات أنفسنا، ولكن القدماء لم يضعوا أدبهم لنا وإنما وضعوه لأنفسهم. وليس من شك في أن هذا الأدب القديم كان يلائم أذواق القدماء وحاجات نفوسهم، فإذا لم يلائم أذواقنا وأهواءنا فلنبتغ غيره لا أكثر ولا أقل، وهو مسرف أيضا حين يقول: إن الأدباء المصريين لم يكن لهم شأن في حركة الاستقلال، لم يقودوا الأمة في هذه الحركة، وإنما قادتهم الأمة بل قادهم الرعاع إلى الاستقلال، وقد يكون هذا حقا بالقياس إلى هؤلاء الشعراء الذين تبعوا الجمهور ولم يتبعهم. رد سلامة موسى: لقد اتهمني الدكتور طه حسين بالشعوبية أو كاد، وكأنه نسي كفاحي لأجل الشعب ضد فاروق الفاسد، هذا الفاروق الذي وقف الدكتور طه نفسه في حرم الجامعة ومن منبرها يخاطبه بالصوت العالي بقوله: صاحب مصر. واتهمني عباس العقاد بأني لست عربيًا، مع أنه هو وهو التركي النوبي وصف فاروق بأنه فيلسوف من أعظم الفلاسفة.

стр. 632

إن أدب الملوك والأمراء والباشوات هو الذي يدعو إليه طه حسين. ٤- من سلامة إلى توفيق الحكيم: أحب أن أسأل توفيق الحكيم: ما هي رسالتك الأدبية في مصر؟ وهل تستطيع أن تفهم هذه الرسالة مثلا من "أهل الكهف"؟ وأحب أن أسال عباس محمود العقاد: لقد ألفت نحو خمسين أو ستين كتابا فما هي رسالتك الإنسانية فيها؟ وأحب أن أسال طه حسين مثل هذا السؤال. لقد عشنا في مجتمع مصري لابسته ظروف سياسية استعمارية واستبدادية والكاتب الذي وقف بعيدًا لا يكتب عن هذه الظروف لمصالح الشعب أو الذي كتب في مدح المستبدين والمستبدين والمستعمرين لا يمكن أن يوصف بأنه كان أمينا للإنسانية والمجتمع. وعرض سلامة موسى لخصومه في كتابه "الأدب والشعب"١ فردد ما اتهمه به توفيق الحكيم من أنه متخلف الفكر وأن طه حسين يرى أن جريمة شوقي في نظر سلامة موسى في هذه القصائد التي تغنيها أم كلثوم أي قصائد شوقي في مدح الرسول. وقال كامل الشناوي: إن سلامة موسى حاقد موهوب وهو يحقد على الأموات أكثر مما يحقد على الأحياء وحقده على الضعيف أشد من حقده على القوي. ٥- سلامة موسى في رأي العقاد: كل ما يهدف إليه سلامة موسى في حملاته على الأدب العربي هو تشويه الأدب العربي عامة ورميه بالقصور والجهل وانحلال مجتمعه. والذنب الأكبر للأدب العربي عند سلامة موسى هو أن هذا الأدب عربي وسلامة موسى ليس بعربي.

стр. 633

والواقع أنه "أي سلامة موسى" ليس أديبا وعالما ولكنه قارئ لبعض العلم وبعض الأدب في بعض الأوقات وما يفهمه أتفه مما لا يفهمه. ٦- رأي سلامة موسى في طه حسين والمازني والعقاد: أدب الملوك والأمراء والباشوات هو هذا الأدب الذي يدعو إليه الدكتور طه حسين, ومن أحسن ما اقترحه الدكتور طه حسين قبل نحو عشرين عاما أننا يجب أن تنقل إلى لغتنا ترجمة أدبية لأحد الكتاب الأوربيين. إنه لولا انغماس العقاد وطه حسين في الأدب العربي القديم لما خاطب طه حسين الفاروق بكلمة "يا صاحب مصر" ولما وصفه العقاد بأنه فيلسوف؛ ذلك لأن الأدب العربي القديم هو إلى حد بعيد أدب الملوك. إن تاريخ أدبائنا في مصر هو مأساة إنسانية قبل أن يكون مأساة أدبية، ولست أذكر شوقي الذي طعن في وطنية عرابي ونظم الأشعار في سبه ومحمد حسين هيكل الذي أيد عدلي في تحطيم وحدة الأمة، ثم بعد ذلك أيد زيور الذي جمع البرلمان في الظهر ثم حله مساء اليوم نفسه وطرد الأعضاء ثم أيد محمد محمود في تعطيل البرلمان ثلاث سنوات تقبل التجديد. وأديب آخر هو إبراهيم عبد القادر المازني فقد اشترك مع الدكتور طه حسين في تحرير جريدة يومية تخدم زيور في مكافحة الشعب. "هي جريد الاتحاد". وكان طه حسين والمازني القلمين الفصيحين في الدعوة إلى هذا التحطيم ووجد فاروق الدكتور طه حسين الذي خاطبه أمام الطلبة: "يا صاحب مصر", ووجد عباس محمود العقاد الذي يقول فيه: "إنني لم أسعد من قبل بفرصة كهذه الفرصة الواسعة لاستجلاء طلعة المليك عن كثب والإصغاء إلى جلالته على

стр. 634

على انفراد في جو لا مثيل له بين أجواء اللقاء والحديث لأن جو الملك والديمقراطية ممثلين في شخصية الكريم أجمل تمثيل, لقد سمعت في هذا الحديث الواحد كلام فيلسوف, وكلام وطني غيور وكلام محدث ظريف, وطاف بخاطري الإيمان وذكر الوطن". قال توفيق الحكيم: إن سلامة موسى يتحدى للحكم على قضايا لا يملك أسباب التصدي لها ويخيل إلي أنه قد انقطع للقراءة منذ ربع جيل على الأقل فإني كلما قرأت له لمحت أثر تفكير القرن التاسع عشر في اتجاهات تفكيره والتفاتات ذهنه. إنه لا زال يقيم فلسفته -إن كان له فلسفة- على الاعتراف بالمادة وإنكار الروح. وقال: إن ما قرأته لسلامة موسى منذ ثلاثين عاما لا يختلف عما أقرؤه له اليوم نزعة وأسلوبا واتجاها حادًا إلى إنكار كل شيء والاستخفاف بكل شيء. وقال العقاد: إن كل ما يهدف إلى سلامة موسى بين حملاته على الأدب العربي هو تشويه للأدب العربي عامة، ورميه بالقصور والجهل وانحلال مجتمعه.

стр. 635

الفصل التاسع: بين المازني وخصومه لم تكن للمازني خصومات واضحة، ولعل أكبر معاركه الأدبية كانت مع طه حسين١ ولعل الخلاف السياسي كان مصدرا من مصادرها، أو سببا من أسبابها، ومعركته مع عبد الرحمن شكري تدل على قدرته على ضبط النفس والرجوع إلى الحق، وقد ظل على رأيه في أن مدرسة "شكري، العقاد، المازني" كانت هي مطلع النهضة الفكرية الحقيقية وليست مدرسة "طه حسين، هيكل" في جريدة السياسة وفي ذلك يقول موجها قوله إلى الدكتور طه حسين: "أستأذن صديقي الدكتور طه حسين في أن أقول من غير غمط لأحد أو إنكار لفضل أحد أن أدب العقاد وشكري وإخوانهما هو عندي مظهر النشوء الطبيعي للأدب العصري، وهو لهذا تيار رئيسي في رأيي الحركة الأدب عندما تسايره تيارات أخرى يتعذر الحكم عليها الآن لأنها صاخبة لم تستقر، فيما عدا هيكل بك فقد اهتدى إلى طريقة وأخذ سمته فيه إلى غايته أما تيار العقاد وشكري وإخوانهما فقد أخذ الطريق منذ اللحظة الأولى ولايزال ماضيا فيه على سنته في هدوء وصراحة وإيمان واطمئنان. ولا أنكر أني من هذه المدرسة بحكم مزاجي وتربيتي واطلاعي ولعله من سوء حظها أني معدود من رجالها". وقد عني المازني بالكتابة في نقد الكتب ثم انصرف عنها مغضبا بعد أن أحس بعجز المثقفين عن تقبل النقد، فقد رأى أنهم يريدون منه أن يكتب مدحا خالصا تحت ستار النقد وقد عدد الأضرار التي وقعت له من جراء بعض كلماته الصريحة عن بعض الكتاب، وبعض الشعراء، ولذلك فقد قرر أن يعدل نهائيا عن نقد الكتب حتى لا يقرأ منها ما لا يريد وحتى يقتني منها ما يحب فقط وحتى يربح "دماغه" من آلام هو في غنى عنها وقد حدث هذا بعد مناقشة لكتاب "النثر الفني" للدكتور زكي مبارك ويقول في مقاله عن هجر النقد:

стр. 636

المازني والنقد ١: أقول: إني صرت أعتقد أن هذا النقد هدم وتخريب وقلة حيلة وضيعة وإفلاس, وما رأيت أحدًا زاد علما بالقديم أو فهما له من أجل النقاد تناولوه بفلسفتهم وما ضر لو تركنا الناس يتدبرون هذا القديم بعقولهم التي خلقها الله لهم ويقدرونه على قدر فهمهم وإدراكهم له. من أجل هذا آليت ألا أتناول شيئا بنقد -لا جديدا ولا قديما- فمن كان له كتاب وكان يشتهي أن يكتب عن الكتاب فليضن به علي كناقد وليحتقب شكري له كعادتي. تهمة السرقة: ولعل أبرز الاتهامات التي وجبت إلى المازني اتهامه بالسرقة في الشعر وفي القصة, فقد هاجمه عبد الرحمن شكري بأنه يترجم شعر بعض الشعراء الإنجليز وينقله إلى قصائد دون الإشارة إليه٢، كما وجهت إليه الاتهامات بأنه ترجم قصة "ابن الطبيعة" وأنه نقل فصولا كاملة منها في قصته الأولى "إبراهيم الكاتب". وقد حفلت أعداد مجلة "النهضة الفكرية" التي أصدرها الدكتور محمد غلاب سنة ١٩٣٢ بمقالات متعددة تحت عنوان "سرقات المازني" وقد رد المازني على هذه الاتهامات فقال: في سنة ١٩٢٦ شرعت أكتب في قصة إبراهيم الكاتب وانتهيت منها ولم أرض عنها فألقيتها في درج حتى كانت سنة ١٩٣٠ فخطر لي أن أنشرها فدفعت بها إلى المطبعة فاتفق بعد أن طبعت نحو نصفها أن ضاعت بعض

стр. 637

الأصول وكنت لطول العهد قد نسيت موضوعها وأسماء أشخاصها فحرت ماذا أصنع؟ ثم لم أر بدا من المضي في الطبع فسددت النقص ووجهت الرواية فيما بقي منها توجيها جديدًا ونشرت الرواية. وبعد شهور تلقيت نسخة من مجلة الحديث التي تصدر في حلب وإذا فيها فصل يقول فيه كاتبه: إني سرقت فصلا من رواية "ابن الطبيعة" فدهشت ولي العذر, واذكروا أني أنا مترجم ابن الطبيعة وناقلها إلى العربية وأن ٤ آلاف نسخة نشرت منها في العالم. وإني أكون أحمق الحمقى إذا سرقت من هذه الرواية على الخصوص فبحثت عن ابن الطبيعة وراجعتها وإذا بالتهمة صحيحة لا شك في ذلك بل هي أصح مما قاله الناقد الفاضل. وقد اتضح لي١ أن أربع أو خمس صفحات منقولة بالحرف الواحد من ابن الطبيعة في روايتي "إبراهيم الكاتب" أربع أو خمس صفحات سال بها القلم وأنا أحسب أن هذا كلامي، حرف العطف هنا هو حرفه هناك، وأول السطر في إحدى الروايتين هو أوله في الرواية الأخرى لا اختلاف على الإطلاق في واو أو فاء أو اسم إشارة أو ضمير مذكر أو مؤنث ومن الذي يصدقني إذا قلت: إن رواية ابن الطبيعة لم تكن أمامي ولا في بيتي وأنا أكتب روايتي؟ من الذي يمكن أن يصدقني وأنا أؤكد له أني لم أر رواية ابن الطبيعة منذ فرغت من ترجمتها وأني لو كنت أريد اقتباس شيء من معانيها أو مواقعها لما عجزت عن صب ذلك في عبارات أخرى! لهذا سكت ولم أقل شيئًا, والواقع أن صفحات أربعا أو خمسا من رواية ابن الطبيعة علقت بذاكرتي -وأنا لا أدري- لعمق الأثر الذي تركته هذه الرواية في نفسي فجرى بها القلم وأنا أحسبها لي.

стр. 638

حدث ذلك على الرغم من السرعة التي قرأت بها الرواية والسرعة التي ترجمتها بها أيضا ومن شاء أن يصدق فليصدق ومن شاء أن يحسبني مجنونا فإن له ذلك. ولست أروي هذه الحادثة لأدافع عن نفسي فما يعنيني هذا، وإنما أرويها على أنها مثال لما يمكن أن تؤدي إليه معابثة الذاكرة للإنسان.

стр. 639

الفصل العاشر: معارك أدبية؛ بين الدكتورين هيكل وطه حسين تاريخ طويل من العمل السياسي بين هكيل وطه فقد عملا معا في حزب الأحرار الدستوريين وجريدة السياسة منذ صدورها عام ١٩٢٢ حتى انفصلا عام ١٩٣٣, عندما ترك طه حزب الأحرار, وانضم للوفد, وبدأ يكتب في جريدة الكوكب, ثم استمرت الصلة بالرغم من اختلاف طه حسين مع الوفد وهيكل مع الأحرار حتى كانت ١٩٤٦, حينما عاد الأحرار إلى الحكم مع السعديين, وما وقع لطه حسين من أزمة اضطرته للسفر إلى أوربا, وأن يبقى هناك فترة, وأن يوجه من هناك عديدا من الرسائل إلى خصوم اليوم وأصدقاء الأمس ومنهم الدكتور هيكل, ثم عودة طه حسين بعد ذلك وبقاء الخصومة بينهما، ثم ما كان من تولي طه حسين منبر وزير المعارف في عهد حكومة الوفد عام ١٩٥٠ ثم زالت الخصومة بينهما، ثم زالت الخصومة بعد الثورة, وكتب طه حسين نقدا لقصة هيكل الأخيرة "هكذا خلقت" قبيل وفاة هيكل, والواقع أن طه وهيكل كانا في السياسة كفرسي رهان، يتقارضان الثناء والنقد في كل مناسبة، ولكنهما عندما اختلفا لم يختلفا إلا في أمر جد خطير، كان ذلك حين تحول هيكل من الإعجاب بالحضارة الغربية إلى نقمة عليها ومقاومة حركة التغريب ومهاجمة المستشرقين والمبشرين الذين غضوا من تراثنا وكياننا، وكانت كتاباته عن محمد والإمبراطورية الإسلامية مقدمة هذا التحول، وهذه نماذج من المعارك الأدبية بين هيكل وطه حول كتاب هيكل "جان جاك روسو" و"ثورة الأدب" ثم صورة من خطابات طه المجهولة إلى هيكل إبان الأزمة. ١- جان جاك روسو؛ نقد طه حسين: "يجب أن يكون هيكل شديد الالتواء على النقاد, مسرف في ازدراء القراء غاليا في الاقتناع بأنه وحده موفق للخير حين يفكر وحين يعمل, فقد أذكر أني تناولت الجزء الأول من كتابه حين ظهر في سنة ١٩٢١ فقرأته بعد مشقة وكنت انتظر الجزء الثاني من كتابه لأثني ثناء خالصا من كل عيب، ولكني أعترف بأني أحسست شيئًا كثيرًا مما يسمونه خيبة الأمل حين انتهى إلى هذا الكتاب, ذلك أني رأيت صاحب هذه المرة كما رأيته في هذه

стр. 640

المرة الماضية مزدريا لقرائه ولنقاده، ولا يحفل بأولئك ولا بهؤلاء، وما أحسب إلا أن هذا الازدراء خلق من أخلاقه ليس إلى إصلاحه من سبيل. ثم لم يقف أمر هذا الكتاب عند سوء الطبع وقبح الورق، فما رأيك في كتاب يبحث فيه عن فهرست فلا تجد! وما رأيك في كتاب لا تستطيع أن تلم بما فيه إلا إذا قرأته من أوله إلى آخره! ثم لم يقف الأمر في هذا الكتاب عند هذا الحد، فهيكل لم يكتف بإهمال الطبع والورق, ولا بإهمال الفهرست ولا بإهمال التقسيم والترتيب، بل أضاف إلى هذه الضروب من الإهمال ضربًا آخر ليس أقل قبحا عندي وقد يكون أشد منها قبحا عند غيري من الأدباء والنقاد، ذلك هو إهمال اللغة. لقد أعطيت نفسي من الحرية في نقد هذا الكتاب أكثر مما ينبغي لها فيما يظهر، وما رأيك في محرر السياسة الأدبي يتناول بهذا النقد العنيف، رئيس تحرير السياسة ثم لا يستحي أن ينشر هذا النقد العنيف في جريدة السياسة نفسها١. أليس هذا إسراف أو شيئا فوق الإسراف! كلا ليس إسرافا، وإنما هو القصد كل القصد والاعتدال كل الاعتدال، فهيكل تلميذ لطفي السيد، ولقد أذكر أن لطفي السيد علمنا حين كان مدير "الجريدة" أن ننقد أصحاب الصحف في صحفهم، وعودنا أن ينشر نقدنا راضيا به مبتهجا له معتذرًا إن كان في الأمر ما يدعو إلى الاعتذار، ولو علمت أن في هذا النقد ما يغضب صاحبي أو يغيظه لما نشرته لا في السياسة ولا في غير السياسة، أستغفر الله.

стр. 641

بل لو علمت في هذا النقد ما يغضب صاحبي أو يغيظه لنشرته ولضحيت بصحبة هيكل في سبيل ما أعتقد إنه حق. وليس معنى هذا أني لن ألقى من رئيس تحرير السياسة شططا ولا عنتا، فأنا أعلم ما ينتظرني منه بعد أن يعود من سفره. ولكني أعلم أننا سنتحاور ونختصم، ثم نتضاحك ونفترق. رد هيكل على طه: أود أن أسألك عما إذا كان القارئ البعيد عني وعن روسو شعر بمثل شعوري بعد أن يفرغ من قراءتك، وقد عرف أن الكتاب مطبوع طبعا سيئا على ورق رديء, وأنه على ذلك كتاب دسم مفيد، ولكن سوء طبعه يصد عن قراءته، فما الذي يمكن أن يقف عليه من أمر الكتاب؟ ألا تظن أن يشعر بأنك لم تقرأ الكتاب بل اكتفيت بتقليب صفحاته، واقتصرت بعد ذلك على الكتابة عن الشكل والصورة الظاهرة من غير أن تكلف نفسك عناء الوقوف على موضع الكتاب لترى إن كان على سوء شكله يستحق احتمال القراء عناء مطالعته ولتندر مباحث الكتاب فنحكم له أو عليه. وهب أن قارئك كان من الذين يولعون باستقصاء ما في الكتب مهما يحملهم هذا الاستقصاء من عناء وهب أنه كان من الذين لا يحفلون بالظواهر ولا يعنون كثيرا باللباس ولا يفهمون قيم الناس بأرديتهم ويحسبون التأنق لهوا، فماذا يكون حكم هذا القارئ على ما كتبت حين يراك اقتصرت على نقد الطبع والورق. أما نقدك له غياب الفهرس والتبويب فكنت أود أن أشاركك رأيك

стр. 642

فيه لولا أن الجزء الثاني من كتاب جان جاك في غير حاجة إلى فهرس أو تبويب فهو يلخص رواية ماويز الجديدة وكتاب التربية وينقدهما، وليس فيه شيء آخر، وهل تحسب أن الفارق الكبير في نظم العلم والأدب إلى حد لا يصبح معه نقدك مشوبا بشيء غير قليل من الإسراف الذي ذكرت أنك لا ترضاه. كنت أرجو أن لا يقف نقدك عند الغضب لي مني، وإظهار هذا الغضب في ثورة صريحة، وكنت أود أن نتناول موضوع الكتاب وأن تبين لقارئك في شيء من التفصيل ما تراه من وجوه حسنه وقبحه، وكماله ونقصه وما أحسبك حين تعرض لهذا النقد مضيعًا وقتك سدى. ٢- ثورة الأدب لهيكل؛ نقد طه حسين: هل أنا في حاجة إلى أن أصف هيكلا وأحمد قلبه الزكي وعقله القوي وبصيرته النافذة وفهمه الصحيح لحقائق الحياة, فهيكل صاحب صحيفة يشرف عليها ويدير أمورها ويكتب فيها فصلا في كل يوم على أقل تقدير. وهو عضو في حزب سياسي يشارك زملاءه فيما يعملون, ويتحدث إليهم كل يوم في السياسة إذا كان الصباح فإذا كان المساء وهو أديب يقرأ فيكثر في القراءة وينوعها فيحسن تنويعها، يقرأ في الأدب الأنجليزي ويقرأ في الأدب الفرنسي، ويقرأ في السياسة ويقرأ في التاريخ، والغريب أنه لا يكره أن يقرأ في علوم القانون وهو على هذا كله يكتب في الأدب في موضوعات مختلفة منه، يكتب في الأدب الإنشائي فإذا هو يصف فيبدع في الوصف، وإذا هو يقص فيجيد القصص ويكتب في الأدب الوصفي فإذا هو ينقد الشعر وينقد النثر، ويوفق في هذا النقد إلى خير ما يطمع

стр. 643

فيه الناقدون، وهو على ذلك كله أب وزوج لا يبخل على أسرته بحقها عليه، وهو صديق لا يبخل على أصدقائه بحقوقهم، وهو رجل له مكانته الظاهرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية وهو ينهض بما تستتبعه هذه المكانة من حقوق وواجبات، والغريب مع هذا كله أنك تلقاه فإذا رجل هادئ مطمئن كأنه أفاق منذ حين قصير من نوم مريح فهو لم ينشط كل النشاط بعد ولكنه بعيد عن الجمود والفتور ولا تكاد تتحدث إليه دقائق حتى يفتنك ويروعك فكأنك تتحدث إلى جني ولكنه جني عذب الروح لذيذ الحديث. لم أجد في الكتاب شيئا جيدا وأرجو ألا يغضب هيكل فالكتاب كله جديد ولكني أعرفه لا لأني قرأت كثيرا من فصوله، بل لأني قرأته وسأقرؤه كله في هيكل كلما لقيته أو تحدثت إليه، وأظلم هيكل، وأظلم نفسي إن قلت إني راض على كتابه كل الرضا فهيكل من أصحاب المعاني بين الكتاب وإنه يهمل لغته إهمالا شديدا ويتورط في ألوان من الخطأ واضطراب الأسلوب، يدنيه أحيانا من الابتذال، والغريب أنه لا يضيق بذلك ولا يجد به بأسا ولا يعترف بأنه يسيء إلى نفسه وإلى أدبه معا. رد هيكل: ويأخذ هيكل في عرض موجز للكلمات التي سبق أن كتبها طه مثنيا على أسلوبه وأدبه من قبل عندما صدر في أوقات الفراغ ١٩٢٦ حيث تقول: كذلك كنت منذ عشرين سنة أو نحو ذلك حين كنت تكتب في الجريدة وكذلك أنت الآن, وإن يكن قد جد شيء فهو فهمك, ازددت فيما أنت فيه من القوة ثباتا ورسوخ قدم، وأنك استطعت أن تملك اللغة العربية وتسخرها لأغراضك، وقد كانت تستعصي عليك وتنتهي

стр. 644

بك أحيانا إلى ما يكره سيبويه والخليل وصديقك طه حسين, وأنت تذكر ما كان بيني وبينك من جدال متصل في هذا الموضوع. فقد كنت أتهمك بقلة البلاغة في اللغة العربية وكنت تجيبني بأني أزهري, وكان أستاذنا لطفي السيد يسخر منك ومني في رفق وحنان، وقد مضيت أيام وأعوام، ومازلت أنا أزهريا كما كنت أما أنت فقد أتقنت اللغة العربية إتقانًا١. من هيكل إلى طه: هذا البحث يشعرني بما لك من أثر في مجهودي وإنتاجي يجعلك صاحب فضل فيه كبير، ولست أخفيك أني مدين في حياتي ككاتب لأشخاص كثيرين شجعوني وآذروني وعاونني بوحيهم ونقدهم وبحسن توجيههم إياي وأني ماأزال بحاجة إلى هذه المؤاذرة وإلى هذا الوحي. ولست أخفيك أن فضلك عن "ثورة الأدب" قد أثار مني ابتسامات دهشة وخجل متصلين، فقد رأيتك تصورني فيه بصورة لا أعرفها لنفسي، سورة جني لا ينقطع إنتاجه وأب لا يبخل على أسرته بحقها عليه, وصديق لا يضن على أصدقائه بحقوقهم عليه، فلست أعرف لنفسي من هذا كله شيئا، غنما أنا مقصر في حقوق أصدقائي أكثر من مقصر في حق أسرتي. ثم ماذا تراني يا صديقي أنتجت، دعك من فصول يومية تكتب في الصحف أنت أعرف الناس بتفاهة ما ينفق من مجهود في هذه الفصول، ودعك من العمل في حزب سياسي فأنت أدرى بالسياسة المصرية، ما هي

стр. 645

وما مبلغ الجهد فيها، دعك من هذين وانظر وإياي فيما أنتجت، إنه لا شيء أو لا يكاد يكون شيئا فأنا رجل بيني وبين الخامسة والأربعين شهور، وهذا أنا. وما أدري يا صديقي ما عساي أقول لك فيما كتبت عن "ثورة الأدب" لند آثار دهشتي وآثار خجلي فما كنت أحسبه ينال منك كل هذا التقدير وما كنت أحسبه جديرًا به. ولعلك أنت شعرت بهذا وخشيت أن يتهمك الناس بالإسراف في الثناء على صديقك إسرافا يصرفهم عن حسن الاستماع لهن فأردت أن تحصي عليه وعلى كتابه بعض هنات تجعلهم أدنى إلى الإيمان بعدالة ثنائك وأنت على حق فيما أحصيت من بعض الهنات وإن كنت قد أسرفت في بعضها فقد ذكرت أن هيكلا من أصحاب المعاني بين الكتاب وأنه يهمل لغته إهملا شديدًا. والحق يا صديقي أني لا أضيق بأسلوب ولا أجد به بأسا ولعلك يا صديقي على حق بل إنك لعلى حق، فليكن أسلوبي ما يكون فلن أرضى به بديلا، فأسلوب الكاتب هو الكاتب ولن أرضى لنفسي أن أكون إلا أنا بما في من حسن وقبح، ومن خير وشر، ومن عرف ونكر، والحمد لله الذي لم يجعلني شرا مما أنا. وما لي أضيق بأسلوبي ولم أتخذ الأدب يوما صناعة ولا أنا توفرت على دراسة الأدب، إنما أنا رجل درس القانون والاقتصاد والسياسة ومال إلى قراءة الفلسفة والأدب لا إلى دراستهما دراسة انقطاع وتمحيص، وطبيعي

стр. 646

أن يكون أسلوبي أسلوب الذين يدرسوا القانون والذين يرون أن تؤدى المعاني بألفاظ لا تزيد عليها ولا تضيق بها. والذين لا يعنيهم لذلك بهرجة اللفظ وقد زادني حرصا على هذا الأسلوب أني رأيت مثله موضع الإطراء من طائفة كبار الكتاب والفلاسفة. ولعل ميل العالم الحاضر إلى السرعة في كل شيء هو الذي عفا على الإطالة، فمل الاستماع إلى الأشخاص الذين يعجبون بالاستماع, لعل هذا الميل إلى السرعة هو الذي مال حتى بالأدب إلى أسلوب القانون وهو الذي جعل الذين درسوا القانون في فرنسا وفي مصر وفي كل أمة من الأمم يجددون في الأساليب كما يجدد فيها الذين توفروا على دراسة الأدب أو أكثر مما يجدد فيها هؤلاء في بعض الأحايين ولكني أعترف يا صديقي بأنك على حق حين آخذتني بأنني أسرع فيفوتني لذلك التحقق من بعض الشئون وأنك وقعت على هنة ما كان أن أقع فيها حين أردت أن أذكر الأوديسا فذكرت الإنياد. من طه إلى هيكل: فاخجل يا صديقي ما وسعك الخجل وادهش ما وسعك الدهش واغضب يا صديقي ما استطعت احتمال الغضب، فأنت كاتب بارع وأديب فذ كثير الإنتاج كأنك الجني. فيك إسراع إلى الحكم وفتور عن البحث ورغبة عن الاستقصاء تضطرك أحيانا إلى الخطأ وتصرفك أحيانا عن الحق، وفي أسلوبك الرائع البارع وبيانك الفائق الرائق شيء من الضعف يقربه أحيانا الابتذال، ويخيل إلي أن هذه الملاحظة وحدها هي التي آلمتك، فأذن لي في أن أصر عليها وألح فيها، وأذن لي في أن أصر أيضا على كل رأي

стр. 647

فيك لا أغير منه حرفا ولا أنقص منه شيئا فأنت تجيد حتى تصل إلى الإبداع وتضعف حتى تشرف على الابتذال، ولك أن تلومني ما شئت لأني لم أهدك إلى مواطن الضعف في أسلوبك فقد يئست من هدايتك لأنك كما يقول محب لأسلوبك كما هو مشغوف به على علاته ولا تريد أن تغيره ولا أن تصلح مواضع النقص فيه. رسالة إلى ... خطاب مجهل من طه إلى هيكل بعد الخلاف والقطيعة: لست أدري كيف أدعوك! فقد كنت فيما مضى من الأيام أدعوك بالأخ العزيز والصديق الكريم، وأنا أخشى أن أسوءك وأن أسوء الحق إن دعوتك بهاتين الصفتين، إحداهما أو كلتيهما. نعم؛ لست أدري كيف أدعوك! فلست أريد أن أسوءك ولست أريد أن أسوء الحق، فالحق يعلم أنك كنت لي أخا عزيزا صديقًا كريما ثم ألغيت الإخاء إلغاء ومحوت الصداقة محوًا. وكنت أحبك أشد الحب وأترك على الناس جميعا وأوثرك على نفسي قل أو أوثرك على الناس, وكنت تحبني أشد الحب، وتؤثرني على الناس جميعا، وكان كل واحد منا حريصا من أجل ذلك على أن يعرف من أمر صاحبه كل شيء. إنك لتفهم عني وإن لم أدعك وإني لأوجه إليك القول وإن لم تسمع دعائي، فأنت رجل تتحدث عنه الصحف فتكثر الحديث. وتروي أنباءه فتحسن رواية الأنباء، لا أعرف من أمرك إلا ما يعرفه كل قارئ للصحف، ولا ألقاك إلا حين تفرض علينا ظروف الحياة أن نلتقي في هذا الحفل أو ذاك.

стр. 648

وقد يقبل أحدنا على الآخر مكرها فيهدي إليه تحية فاترة ملؤها الاستحياء أو الاستخذاء وفيها كثير من التعجل. ستقرأ هذا الكتاب ما في ذلك شك لأنك تقرأ كل ما أكتب كما أقرأ أنا كل ما تكتب, فأنت مريض بي كما أني مريض بك؟ لا نلتقي ولا نتزاور ولا نتحدث ولكننا نتصل على رغم هذا كله اتصالا يشوبه الرضى حينا ويشوبه السخط حينا ويشوبه الحزن دائما.

стр. 649

الفصل الحادي عشر: معركة لقمة العيش أضخم معركة في تاريخ الأدب العربي المعاصر بين زكي مبارك وطه حسين: هذه أضخم معركة أدبية دارت من جانب واحد بين زكي مبارك وطه حسين، واستمرت منذ ١٩٣١ إلى ١٩٤٠ على مراحل متعددة منها الخصومة الفكرية ثم خصومة "لقمة العيش" حين أقصى طه حسين زكي مبارك من الجامعة، وأثار ذلك سلامة موسى وإبراهيم المازني ثم أصبحت خصومة حقيقية وصداقة تشوبها خصومة ممتدة كلما أنتج طه حسين شيئا أو كتب عن شيء, وجملة القول أن زكي مبارك ظل مشدود البصر إلى طه حسين طوال حياته منذ عرف الأزهر إلى الجامعة عام ١٩١٢ وحين ترك الأزهر إلى الجامعة ١٩١٦ ثم بعد ثورة ١٩١٩ واتجاه زكي مبارك إلى الجامعة نهائيا كاتصاله بطه حسين وعمله كسكرتير له ثم موقفه منه إبان أزمة الشعر الجاهلي وهو موقف يصفه زكي مبارك بأنه الرجل الوحيد الذي وقف إلى جوار طه حسين ودافع عنه وكتب في المقطم والأهرام يذود عنه خصومة، إلى أن أمره طه بأن يصمت حتى تمر العاصفة بسلام. ويحرز زكي مبارك الدكتوراه من "الأخلاق عند الغزالي" ويهاجم "الغزالي" صاحب الإحياء رغبة في خلق جو من الشهرة، ثم يحاول أن يسافر إلى أوربا عن طريق الجامعة، فإذا حيل بينه وبين ذلك سافر عن طريق جريدة البلاغ, ثم يرى رأيا في النثر الفني يخالف رأي المستشرقين ورأي طه حسين ويقع الخلاف بينه وبين أساتذته في السربون ويصر على رأيه ويسجله في رسالة الدكتوراه "النثر الفني" ثم يعود إلى مصر مواصلا الحملة على آراء مسيو مرسيه كبير المستشرقين في السربون، وهنا يصدر كتابه النثر الفني فيلقاه الكتاب بالنقد ويساجلونه في آرائه، إلا أن الدكتور طه فهو الذي يشير إليه إشارة عابرة بأنه "كتاب من الكتب ألفه كاتب من الكتاب" ثم يقع المعركة بينهما، ويخرج طه حسين من الجامعة في إبان حكم صدقي ويدافع مبارك عن طه، ثم يتاح لزكي أن يعود إليها، مدرسا بكلية الآداب ويتغير الجو السياسي ويعود طه حسين ويرفض تجديد عقد زكي مبارك

стр. 650

وفصل طه حسين زكي مبارك من الجامعة فيهاجم طه حسين هجوما مرًا ويكتب تحت عنوان "لو جاع أولادي لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه" وجاء فيها "لقد ظن طه حسين أنه انتزع اللقمة من يد أطفالي فليعلم حضرته أن أطفالي لو جاعوا لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه ولكنهم لن يجوعوا ما دامت أرزاقهم بيد الله". وتستمر المعركة بينهما طويلة لا تنتهي، ويصل فيها زكي مبارك إلى حد بعيد من الإسفاف ويرى النقاد أن هذه المعركة لها صلة بالتغريب ونفوذ المستشرقين وآرائهم وتبعية المثقفين الذين يتلقون دروسهم في السربون في ترويج آراء الغرب والإيمان بها ويقولون: إن آراء طه حسين في الشعر الجاهلي كانت آراء مسيو مرسيه وغيره, وأن زكي مبارك حين ناقض هذه الآراء إنما أراد أن يتحرر من سلطان المستشرقين الفكري والتغريبي ولذلك أغروا به طه حسين الذي فصله من الجامعة وألجأه إلى العمل في مجال آخر حتى يكون عبرة لغيره، ويرى بعض النقاد أن "الكرامة" التي حاول زكي مبارك أن يحتفظ بها إزاء طه هي التي صنعت الخصومة ويرون أن زكي مبارك تحول تحولا كبيرًا بعد هذه المعركة فهاجم آراء المستشرقين التغريبية وخالفهم وكشف عن تعمدهم في خلق الشبهات، ودعا إلى بعث أمجاد العرب وظاهر القومية العربية, ودعا إلى التعليم في الجامعة باللغة العربية، وقال النقاد: إن المستشرقين وأساتذة باريس وطه حسين يرون أن زكي مبارك رجل غير مصقول وعاق لأنه خان أمانته للتغريب والحضارة الغربية رسالة الفكر الفرنسي في تسميم الفكر العربي وهدمه والتقليل من شأنه وإثارة الشبهات حوله. وترسم مجموعة مقالات زكي مبارك التي تضمها هذه المعركة، صورة

стр. 651

رجل طيب القلب كان يتطلع إلى أستاذه في وفاء ولا يرى أن معارضة رأيه تفسد ما بينهما من ود، فإذا بطه حسين ينتقم منه انتقاما عنيفا يحوله إلى إعصار عاصف، يأكل الأخضر واليابس. ويرى زكي مبارك أن كتابه "النثر الفني" هو نقطة الخلاف، ولذلك يعلم يعلن "أن الدكتو طه علم اليقين أن كل نسخة توزع من كتاب النثر الفني" هي سهم مسموم يصوب إلى صدره وهو لذلك يتجاهل اسم المؤلف واسم الكتاب. ويشير إلى رأي طه حسين فيه حين يصفه بأنه أي زكي مبارك "الرجل الذي لا يخلو إلى قلمه إلا وعلى رأسه عفريت" يقول مبارك: تلك كلمتك وأنا عنها راض وبها مختال فما هو العفريت الذي يحتل رأسي حين أخلو إلى قلمي، إن كان ذلك فأنت تشهد لي بالعبقرية، وهل تكون العبقرية إلا من نصيب من يخاصم رجلا مثلك في سبيل الحق وما هي المنفعة التي أرجوها من مخاصمتك وأنت رجل يضر وينفع. ويستطيل زكي مبارك في مساجلاته ويقول لطه حسين: هل تذكر يا دكتور ما وقع في نوفمبر سنة ١٩١٩. هل تذكر ما وقع يوم غاب سكرتيرك وكنت وحدي الطالب الذي يفهم العبارة الفرنسية لكتاب "نظام الأثينيين" لأرسطو. هل تذكر أنك أعلنت سرورك بأن يكون في طلبة الجامعة المصرية من يفهم أسرار اللغة الفرنسية. ويستعلي في مناقشة أخرى فيقول:

стр. 652

طلبته بالتليفون لأسأله عن معنى كلمة الزمالك وهو يقيم بالزمالك. فقال: لا أعرف يا دكتور زكي. فقلت: إن الزمالك جمع زملك بضم الزاي وهي كلمة ألبانية والأصل فيها أن محمد علي أسكن جنده بتلك البقعة في مواسم الاصطياف والزملك هي الخيمة في اللغة الألبانية. وقد هاجم زكي مبارك طه حسين في أمرين هامين: الأول: رأيه في أن الأدب العربي يرجع إلى أصول فارسية ويونانية. الثاني: رأيه في أن عقلية مصر عقلية يونانية١. ومع ذلك فإن زكي مبارك يبدو منصفا لطه حسين مرتين, إبان أزمته الأولى من أجل كتاب الشعر الجاهلي والمرة الثانية عندما هوجم في مارس ١٩٣٢ ونقل من الجامعة إلى وزارة المعارف وقد كتب زكي مبارك يقول: "وطه حسين هذا يزعم فريق أنه ملحد ويزعم آخرون أنه يدعو إلى الفسق والمجون، وأقسم بالله صادقا ما رأيت من هذا الرجل وقد صاحبته اثني عشر عاما إلا القلب الطيب والأدب البارع والخلق المتين". بدأت المعركة بينهما بصفة جدية عندما أعيد زكي مبارك إلى الجامعة بعد إخراج طه حسين منها فلما عاد طه مرة أخرى رفض تجديد عقده وقال: أنا لم أستشر في تعيينه فكيف أستشار في تجديد عقده. وكان ذلك دافعا له لكتابة مقالته النارية "طه حسين بين البغي والعقوق". والتي قال فيها "إن عودتي إلى الجامعة لا تدهش لأني لم أعد إليها من

стр. 653

عرض الطريق فقد ذكاني طه حسين للتدريس في الجامعة منذ تسع سنين, ثم اشتغلت بالتدريس إلى جواره ثلاثة أعوام". وقال: إن إرادة فوق إرادة الدكتور طه هي التي أخرجته -أي مبارك- من الجامعة ثم عاتبه على أنه ذكر بأن عودة مبارك إلى الجامعة كانت مكرمة من "حلمي عيسى" وبعد فهذه فصول المعركة: ١- زكي مبارك؛ "طلائع المعركة": مرت١ المناقشات هادئة في هذا الكتاب "النثر الفني" ولم تستمر إلا حين اتصلت برجلين من كرام الرجال، هما المسيو مرسيه والدكتور طه حسين. أما المسيو مرسيه فعالم واسع الاطلاع، وهو رأس المستشرقين الفرنسيين لهذا العهد، وكانت له آراء مدونة عن نشأة النثر الفني عن العرب، وما كدت أصل إلى باريس حتى هممت بمهاجمته فنصحني المسيو ماسنيون وأفهمني أنه رجل صعب المراس، وأن منزلته في المعهد العلمي عظيمة وأن المستشرقين جميعا يجلونه أعظم الإجلال, ولكن كتب الله أن لا أنتصح برأس المسيو ماسنيون، فابتدأت رسالتي التي قدمتها للسوربون بفصلين في نقض آرائه من الأساس فغضب الرجل وثار, وصمم على حذف الفصلين وصممت على بقائهما بحجة أنهما العماد الذي تنهض عليه نظريتي في نشأة النثر الفني. وكأنما عز عليه أن أهاجمه في عقر داره فمضى يعاديني عداء خفيا كانت له أثار بشعة لا أتذكرها إلا انتقضت رعبا من عجز الرجال عن ضبط النفس وقدرتهم على تقويض دعائم الإنصاف.

стр. 654

وقد قابلت خصومته بلدد أقسى وأعنف، ورأيت الحرص على آرائي أفضل من الحرص على رضاه فأبقيت الفصلين الذين أغضباه، وانتهينا إلى عاقبة أفصح عنها المسيو ماسنيون كل الإفصاح حين لقيته في باريس إذ قال: "إن المسيو مارسيه لا يحبك ولكنه لا يستطيع أن ينساك". أما الدكتور طه حسين فما أدري والله ما ذنبه حتى يهاجهم أعنف الجهود في هذا الكتاب, إن هذا الرجل تربطني به ألوف من الذكريات، يرجع بعضها إلى العهد الذي كنت فيه طالبا بالجامعة المصرية القديمة يوم كان يصطنع العدل الذي يلبس ثوب الظلم في امتحان الطلاب، فقد ساعد مرة على إسقاطي في امتحان الجغرافيا ووصف الشعوب وأسقطني مرة ثانية في امتحان تاريخ الشرق القديم، والسقوط في الامتحان مما يحفظه الطالب المخلص لأستاذه المنصف. ويرجع بعض الذكريات إلى العهد الذي كنت فيه مدرسا بالجامعة المصرية الجديدة، حين كنت أحمل إليه على أكتافي أحجار الأساس لنرفع القواعد من كلية الآداب. وأدق ما يتصل بيننا من الذكريات منا وقع في ربيع سنة ١٩٢٦ يوم ظهر كتاب الشعر الجاهلي؟ وثارت الأمة والحكومة والبرلمان، وكان أصدقاؤه وزملاؤه بين خائف يترقب، وحاسد يتربص، وكانت وحدي صديقه الذي لا يهاب وزميله الذي لا يخون. ولكن حماستي للفكرة التي أدافع عنها، غرام الدكتور طه بنقضها في رسائله وأحاديثه ومحاضرته، كان مما حملني على مقاومته بعنف وقوة، حتى ليحسب القارئ أن بيننا عداوة سقيت لأجلها القلم قطرات من السم الزعاف حين عرضت لدحض آرائه من فصول هذا الكتاب.

стр. 655

اكتب هذا وقد شرق الدكتور طه وغربت ولم يبق بيننا إلا أطياف من الذكريات. ٢- طه حسين: النقد والطربوش وزجاج النافذة١ ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة، واعتقدت أنا أو خيل إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خيل إلي أنك اعتقدت. واعتقد صديقي المازني أو خيل إلي نفسه وإلينا أن يعتقد أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة. وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحاما، وما خطبه مع النقد والطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت وماء المخلل وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء. فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إلي وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني فهو الذي تحدث عن هذا كله. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء وعن هؤلاء الأشخاص فيثيرني إلى أن أتحدث عنه وعنها وعنهم؟ هو شيء يسير جدا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب ويكتب في الصحف وينقد الكتاب والمؤلفين. وتتغير الأزمان وتتبدل ظروف الحياة، ولكن هناك شيء لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء.

стр. 656

وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظا عظيما فجعله شاعرًا مجيدا وكاتبًا بارعًا، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس وأشدهم طلبا له وإلحاحا فيه، والكتب تمطر على الأستاذ المازني ويمطر منها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس، وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه إلا هؤلاء الذين يكتبون. ومن هنا ومن جهات أخرى كان المازني شقيا بالأدب وإن كان الأدب سعيد بالمازني, وأي شيء أدل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن, فقد أخر "كاتب من الكتاب كتابا من الكتب" وأهداه إلى الأستاذ بالطبع، وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئا كان الإلحاح، واضطر المازني أن يذعن، وأكره المازني على أن يكتب ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد فدفع إلى رحلة غريبة وإلى استكشاف أغرب دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع والتي لا تتغطى أرضها بالوحل إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق. ثم عرف قصة الرجل الذي يطلب كتابا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين. ولكنه السؤال الذي أحب أن أسأله هو: هل يظن المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف

стр. 657

بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة وعما تحمل الأرض من وحل وما تمطر السماء من مرق. وسؤال آخر أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه، ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال والذي لا نحبه لها، فهل من الحق أنه هياب إلى هذا الحد؟ كلا ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث وأكبر الظن أننا إن حدثاه في ذلك ضاق بنا وسخر, وخشي أن لا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده فمضى به الخيال، ومضت به الدعاية إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم تفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نفاذته ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئا، وويل للكتاب والمؤلفين من دعاية المازني ومجونه, وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل، جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا لا كالمردة وشيطانا لا كالشياطين. ٣- من زكي مبارك إلى طه حسين: أنا أعرف الدكتور طه حسين١ أقسم جهد اليمين ليمسخن كتابي مسخا وليمحونه من الوجود وليصيرن اسم زكي مبارك مرادفا لاسم عيسى بن هشام، اسمع ما يقول الدكتور طه حسين:

стр. 658

"أخرج كاتب من الكتاب كتابا من الكتب" فمن هو الكاتب وما اسم ذلك الكتاب، لعلكم فهمتم أن الرجل طوى اسم كتابي فاستطاع بذلك أن يمحوني وأن يجر على كتابي ذيل البستان، ولم لا يفعل ذلك وهو يتوهم أنه يرفع أقواما ويخفض آخرين، وأن المؤلفين لا يعرفون إلا إذا زكاهم وأثنى عليهم. سألت جميع الناس أن ينقذوا كتابي "النثر الفني". لقد سألت فلانا وفلانا ... وكان الدكتور طه هو الرجل الوحيد الذي لم أسأله على الإطلاق فكيف تخطيته مع أنه يكتب كل يوم. تخطيته لأنه يقدر على كل شيء إلا الإنصاف، وهو لا ينصف حين ينصف إلا لحاجة في النفس, وقد قطعت بيني وبينه الأسباب منذ اعتزمت كشف ما تورط فيه من الأخطاء، والرجل لا يرضى إلا عمن يؤمنون بأن باطله أشرف من الحق وأن خطأه أفضل من الصواب. يا دكتور طه!: أنا ما أسأت إليك بل أحسنت إليك بعض الإحسان حين دللت القراء على أنك لم تبتكر ما تورطت فيه من الأخطاء، وإنما أخطأ جماعة المستشرقين فتبعتهم بلا روية, فكان عليهم إثم السنة السيئة وكان عليك إثم التقليد. كنت أنتظر أن تفرح بكتابي لأنه كما تعلم جهد أعوام طوال، لكن خاب الظن وعرفت أنك وسائر الناس تغضب وتحقد، وكنت أرجو أن يكون عندك شيء من تسامح العلماء. تعال نتحاسب يا ناسي العهد ويا منكر الجميل، لقد مرت أعوام لم يكن

стр. 659

يذكرك فيها بخير أحد غيري، هل كان في أصحاب الأقلام من انبرى للدفاع عن طه حسين غير تلميذه وصديقه زكي مبارك, لقد ذكوتك بالخير في جميع مؤلفاتي، فهل يضيع عندك كل هذا المعروف لأني بددت أوهامك في كتاب النثر الفني. كان في همي دائما أن أحرص على واجبات المروءة، وقد رأى الدكتور موقفي يوم أخرجه وزير المعارف من كلية الآداب، فقد دافعت عنه في البلاغ دفاعا ما كان ينتظره ولعله قد دهش منه وكنت في محضره ومغيبه من المنافحين عنه، لأن المروءة كانت تطالبني بذلك ... أفيعجز الدكتور وهو أكبر مني سنا وأرفع صوتا عن مقابلة المروءة بالمروءة. لقد كان يجب أن يكون الضمير العلمي أقوى من أن تؤثر فيه الأحقاد اليومية وكان يجب أن يكون العلماء أرفع من أن يخضعوا للأهواء والشهوات وكان الدكتور طه أولى الناس وأجدرهم بأن يتخلق بالخلق الجميل. ٤- زكي مبارك: "طه حسين بين البغي والعقوق" ١: لقد ذهبت أنت فأتممت دراستك في باريس وذهبت أنا فأتممت دراستي في باريس فهل تعلم ما الفرق بيني وبينك؟ اسمع أيها الصديق القديم البالي: ذهبت على نفقة الجامعة ومضيت أنا متوكلا على الله فأنفقت ما ادخرت من عرق الجبين, واتصلت أنت بالمسيو كازانوفا ففرض عليك آراءه فرضا ولم تكن رسالتك عن ابن خلدون إلا نسخة من آراء ذلك الأستاذ، اتصلت أنا بالمسيو مرسيه ففرضت عليه آرائي فرضا واتصلت بيننا وبينه الخصومة

стр. 660

فأذاني إيذاء شديدًا، ولكن قناتي ظلت صلبة واستطعت أن أقوض كبرياءه في عقر بيته وفوق كرسي السربون. ولم تمر هذه المعركة بلا غنيمة، وقد وقف المسيو ماسنيون يوم أديت امتحان الدكتوراه وقال: "إنني حين أقرأ أبحاث طه حسين أقول هذه بضاعتنا ردت إلينا، وحين أقرأ أبحاث زكي مبارك أشعر بأنني أواجه شخصية جديدة". فإن كنت في ريب من ذلك فاسأل من حضروا امتحاني في السربون وكانوا مئات، وفيهم مدير البعثة المصرية في باريس. لقد اشتغلت أنا بالصحافة واشتغلت أنت بالصحافة, وإليك الفرق بين الشخصيتين، كنت أنا رئيسا لتحرير جريدة الأفكار، وكانت تدافع عن مبادئ الحزب الوطني وكان يشرف عليها عبد اللطيف بك الصوفاني فكنا نختلف ونختصم كل صباح لأني كنت آبى أن أكتب غير ما أراه من التعليقات السياسية, وأنت اليوم رئيس تحرير جريدة وفدية فهل تدري ماذا تصنع! تدخل إلى مكتبك فلا تكتب سطرا قبل أن تتصل تليفونيا بهذا أو ذاك لتتلقى الوحي ثم تكتب ما يلقى عليك وكأنك الببغاء. اشتغلت أنت بالتأليف واشتغلت أنا بالتأليف وإليك الفرق، مضيت أنت فانتهبت آراء المستشرقين وتوغلت فسرقت حجج المبشرين وكان نصيبك ذلك التقرير الذي دمغتك به النيابة العمومية، وأنت تعلم أن ليس لك رأي واحد وصلت إليه بعد جهد وبحث. واشتغلت أنا بالتأليف فكانت آرائي مبتكرة ولم يستطع أحد

стр. 661

أن يتهمني بالسرقة من فلان أو فلان كما اتهموك بالسرقة من جميع الناس. ومؤلفاتك تموت يوم تولد، ولك أن تسأل لجنة التأليف لتخبرك أن كتاب الأدب الجاهلي لم يبع منه شيء بعد النسخ التي فرضتها أنت على طلبة كلية الآداب. ثم رأيت مائدة الوفد أشهى من غيرها وأمتع فذهبت وقدمت إليها نفسك وهددت الدكتور بكشف أسرار الدستوريين. كنت لوحة إعلانات لا تذيع الرأي إلا لتغيظ الجمهور لتصبح حديث الناس في الأندية والمجتمعات. أعلنت بعد إخراج الشعر الجاهلي نداء قلت فيه: "أشهد أني أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" أنت تؤمن بالله وكتبه يا دكتور طه وأنت تكذب التوارة والقرآن اعتمادا على رأي خاطئ سرقته من أحد المبشرين. أنت لم تترك حزبا إلا خدمته ولا جريدة حكومية إلا توددت إليها بعدد عديد من الرسائل الطوال. ٥- زكي مبارك: الجديد في دم الأديب١ سترون أن أبلغهم أثرا في نفس الجماهير وأقدرهم على أسر القلوب وغزو العقول واحتلال النفوس هم الأدباء الذين ابتلتهم الحياة بصنوف من الأرزاء، وعرفوا كيف تقسو الحياة؟ وكيف تلين؟ أولئك هم الذين يكتبون وفي كل حرف سر ظاهر أو غرض دفين, أما الأدباء المدللون الذين حبتهم الدنيا

стр. 662

بألوان من الترف والنعيم فهم ينظمون ويكتبون وكأنهم يلعبون، وليس للألاعيب في عالم الأدب بقاء. الحياة هي كتاب الأديب ومن حظه أن يعرف البؤس والشقاء وأن يدرك كيف يكون الضجر والاكتئاب؟ وأن يشهد بعينيه كيف يرتفع السفلة والأغبياء؟ وكيف يطيش الحظ الأهوج فيظلل بجناحيه رءوس المحررين من أهل الجاه المزيف والمجد المكذوب؟ والأديب الذي يتهيب الحياة ويخاف مجاهلها هو أديب رخو ضعيف ليس أهلا لمجد القلم ولا شرف البيان، الأدب الصادق ليس إلا حومة قتال ولكن أي قتال؟ قتال في سبيل الحق والخير والجمال. والحياة لم تكن يوما دار سلام، وإنما السلام في المقابر، فمن أراد أن يستريح فليمت أما الأحياء فقد كتب عليهم أن يناضلوا ويقاتلوا ويصاولوا ما بقي فيهم عرق ينبض وقلب يثور، فإن جنحوا للسلم فقد استلموا إلى سكرات الموت وبئس المصير، خذوا وحيكم من الحياة يا طلاب الأدب، وتذكروا دئما أن وقود عقولكم وقلوبكم لا يكون إلا من الألم ومن الصدق. الأدب الصادق هو الذي يحمي صاحبه من بريق الزيف والبهرج ويصونه من الخضوع لأرباب الألقاب، وإن أديب واحد بهذه الخلال أجدى على الأدب من ألوف الأدباء. ٦- أول هجوم سافر على طه حسين ١: أما الأحقاد التي تتلظى في صدر طه حسين فستقضي عليه شر قضاء وتنكل به تنكيلا ولن تدوم له أيام الطغيان، ولن يبقى له فلان وفلان، والكرسي الذي يجلس عليه في الجامعة هو أقل ما أنتظره من الجزاء في المستقبل

стр. 663

القريب، إن أعظم منصب في الجامعة لا ينيلني من المجد ما أنالني كتاب النثر الفني، ستفنى أحجار الجامعة المصرية وتبيد ذكرياتها ثم يبقى ذلك الكتاب على مر الزمان والذين يحاربونني لم يطمعوا في محاربتي إلا لظنهم أني رجل أعزل لا أنحاز إلى حزب من الأحزاب وليس لي في الحكومة عم ولا خال، ولكن خاب ظنهم فإن الحق أعز وأقوى وسيرون كيف أزلزل أرواحهم وكيف أملأ قلوبهم بالرعب وكيف أريهم عواقب ما يصنعون. إن النصر سيكون حليف من يصلون النهار بالليل في تثقيف عقولهم، أما الثرثرة الفارغة التي يعتصم بها طه حسين فلن يكون لها في عالم الجد بقاء. ٧- زكي مبارك: كيف هاجمت طه حسين١ ١- إني بدأت أناوش الدكتور طه حسين منذ سنين حين تبين أنه كالطبل الأجوف وأنه لا يعرف من تاريخ الأدب العربي إلا قشور عديمة المحصول وكنت كلما هاجمته تخذل وضعف وخشي عاقبة النضال, ثم اتفق أني عينت في الجامعة المصرية فبدا له أن يتشجع ويناوشني ظنا منه أني أخاف المناوشات احتفاظا بمنصبي في الجامعة ودفعا لمغبات القتال، فأمهلته قليلا وتركته يصول في مناوشتي ويجول وكذلك أمليت له حتى جاءت, الموقعة الحاسمة يوم عين نجيب الهلالي وزيرا للمعارف وكان يعرف الصلة التي بينه وبين نجيب الهلالي وفي هذا ما هوى المحالفة بين رجلين لهما خصم لا سند له بين الأحزاب ولا عم له في الحكومة ولا خال. في تلك الأيام أراد طه حسين أن يناوشني وكان يثق أني سأسكت فلا أجيب ورأى فريق من زملائي في الجامعة أن أتسامح مراعاة للظروف،

стр. 664

فأقسمت لأقذين مشرع حياته ولأجعلنه مثلا في الآخرين وكذلك كتب مقال "طه حسين بين البغي والعقوق" الذي أبكى طه حسين بالدمع السخين وكان يظن أنه لن يعرف البكاء وعاد طه حسين إلى الجامعة في زفة لم يسمع بمثلها منذ كان يسكن في كفر الطماعين، وظن الناس أني سألاينه ولكن هيهات فقد تجاهلت عودته سبعة أيام إلى أن جمع بيننا مجلس قسم اللغة العربية. في تلك الأثناء أراد الشيخ أمين الخولي أن يصلح بيننا فعرض الفكرة على الدكتور طه فقبل وعرضها علي فقبلت وكنت أرى أن الصلح خير وأن الزهد فيه بغي وعدوان. وكنت أحسب أن الصلح لن يزيد عن المصافحة وتبادل التحيات ولكني فوجئت مفاجأة لم تخطر على بال، فإن الأستاذ أمين الخولي انتظر حتى اجتمع بعض الزملاء ثم نهض فقال: هذه أول جلسة يحضرها الدكتور طه حسين بعد عودته وأنا أقترح أن تلقى كلمة ترحيب وأفضل أن يلقيها الدكتور زكي مبارك لأن بينهما أشياء يجب أن تزول. وكان موقفا في غاية الحرج ولكني تحفظت، إذ كنت أعرف أن العداوة التي بيني وبين الدكتور طه يصعب أن تزول، ومن الحزم أن لا أقول كلاما ينطوي على تودد أو ترفق فوقفت وقلت: إني أرحب بعودة الدكتور طه وقد زاملته من قبل من ثلاث سنين، وكنت من قبل ذلك من تلاميذه الأوفياء، والذي وقع بيني وبينه لم يكن فيه شيء جارح إلا المقال الذي نشرته في البلاغ، وهو مقال أعرف بأن فيه شيئا من الشطط ولكني لا أعتذر عنه لأنه من بعض ما علمني، ومن الخير

стр. 665

أن نتناسى ما فات لأن مصلحة العمل توجب الوفاق, وقد ابتسم الأساتذة حين ذكرت أن الشطط كان من بعض ما علمني وعدوها خطبة لبقة فيها ترضية وفيها احتراس، وبعد أيام دار طلبة الجامعة على الأساتذة يطالبونهم بدفع قيمة الاشتراك في تكريم الدكتور طه، وكانت خمسين قرشا وهو مبلغ زهيد ولكني رأيت من الأشرف أن لا أدفع خمسين مليما في تكريم شخص مثل طه حسين. فلما طالبوني بالاشتراك أبيت وكانت حجتي أني لا أحب أن أهجو رجل وأكرمه في أسبوع واحد, وكذلك عصمت نفسي من هذا التكريم. وبعد شهرين من ذلك التاريخ أقام طلبة قسم اللغة العربية حفلا لتكريم طه حسين وجاء تلاميذي فرجوني أن أحضر ذلك الاحتفال ودعيت للخطابة فألقيت كلمة حازمة في الموازنة بين أساتذة دار العلوم وأساتذة كلية الآداب وكان في تلك الكلمة درس نافع، قلت: إني أوجهه إلى نفسي وإلى تلاميذي وإلى الدكتور طه إن شاء ومع ما في تلك الكلمة من إيذاء الدكتور طه فقد قابلها الطلبة بالتصفيق والإعجاب لأني ألقيتها في حزم وإخلاص. ٢- أما موقفي في جلسات قسم اللغة العربية فكان دائما موقف المعارضة الصريحة لنزعات طه حسين، وكان لا يسلم مني إلا بأخذ الأصوات، وكان أساتذة اللغة العربية لا يرون فائدة في معارضته إذ كانوا يعرفون أن كل شيء مصيره إلى هواه بفضل الوسائل التي يعرفها الجميع. ٣- لا أنكر أني أسرفت ولكن الأيام أرتني أن الحزم كان أوجب ولولاه ما استطعت الآن أن أناقش من يزعم أني قابلت الدكتور طه حسين بالترحيب وأنه مع ذلك لم ينس ما كويت به جنبيه من قوارع التثريب ولم

стр. 666

يغفر ما كشفت من سرقاته وكان الناس يحسبونه من المبدعين. وفي أوائل شهر مايو دعاني الأستاذ الدكتور منصور فهمي إلى مكتبه وقال: أرسلت إدارة الجامعة تسأل عن تجديد العقد والنظام يوصي بأخذ رأي الدكتور طه حسين فاذهب يا بني وصف ما بينك وبينه وسأحفظ الخطاب حتى يتم بينكما الصفاء فأجبت الدكتور منصور فهمي بما نصه: "أنا على أتم استعداد لتصفية ما بيني وبين الدكتور طه ولكني لا أفعل ذلك في هذه الأيام, ولو أنك اقترحت ذلك منذ شهرين لقبلت, أما الآن فلا تسمح نفسي بمصافحة الدكتور طه وأنا أعلم أن لذلك دافعا من الغرض ومع ذلك ما الذي يزعجك يا سيدي العميد؟ أتظن أن الدكتور طه يتحين هذه الفرصة ويتشفى مني، إنه أعقل من أن يقترف مثل هذا الانتقام المفضوح. فابتسم الدكتور منصور ابتسامة مرة وقال: أنت يا بني تسرف في حسن الظن بالناس. وفي المساء الذي اختلفنا فيه بتكريم لطفي بك في فندق ميناهاوس تلفت فرأيت الدكتور طه فصافحته، وكان معه الدكتور حسن إبراهيم فوجه إليه الكلام قائلا: الدكتور زكي تلميذك وهو يحبك يا حضرة الأستاذ. فقلت: أما إني كنت تلميذ الدكتور فصحيح ولكني لا أحبه وهو لا يستحق مني غير البغض. فتكلف الدكتور طه الابتسام وقال: ألا أستحق منك غير البغض يا دكتور زكي؟ فقلت: أنت تعرف أن مودتنا كانت أطهر من الماء, وتعرف كيف

стр. 667

فتحت أذنيك للدساسين فأفسدوا ما كان بيننا إفسادًا لا يرجى له صلاح، ومزية زكي مبارك أنه لا يجامل ولا يصانع فأعرف الآن أن ما بيننا قد انقضى وأنك كنت من الآثمين". والقصة معروفة فقد رفض طه حسين تجديد عقد الدكتور زكي مبارك وأخرجه من الجامعة وبدأت الحملة. ٨- مقالات مجلة الصباح ١: الذي بيننا لم يكن خلافا في الرأي وإنما هو قتال عنيف بين شخصين، فالدكتور طه يرى أنني كنت تلميذه ومن واجب التلميذ فيما يزعم أن لا يخالف الأستاذ، وأما أنا فأرى الدكتور طه رجلا قليل العلم والمعرفة بالأدب العربي, وأراه استمرأ السطو على آراء المستشرقين وأراه في حياته العلمية نموذجا للفوضى والقلق والاضطراب, قد تقولون: وكيف سكت زكي مبارك عن نشر عيوب طه حسين وهو يصاحبه منذ خمسة عشر عامًا وأجيب بأن الدكتور طه ابتدأ التدريس في الجامعة المصرية قبل أن يقدم الدراسات الأدبية فكان منذ سنين مستور العيوب, على أن الخواص يعرفون أنني بدأت أعارضه منذ ١٩٢٧ حين اطلعت على عجزه الفاضح وعرفت أنه يعيش من سرقة آراء الأدباء والعلماء. وأنتم تعرفون أني رجل صريح لم تستطع الأيام أن تروضني على المجاملة والمداراة فلم يكن بد من أن يعرف الدكتور طه أنني لا أحترمه ولا أحترم مسالكه الأدبية ولا أحترم تهافته الفاحش على موائد الأحزاب, وكذلك هدته غريزته إلى وجوب محاربتي في عملي في الجامعة وساعده على ذلك ناس كنت شجًا في حلوقهم, وكان هو في أنفسهم مثال الخادم الأمين.

стр. 668

فإذا كان الدكتور طه قد انتصر حين وجد من يساعدونه على إخراجي من الجامعة فليذكر وليذكر من عاونوه على شفاء صدره أن انتصارهم ليس إلا هزيمة شنعاء وسوف يعلمون. ٩- مثال من جهل طه حسين ١: لقد انكشف أمر طه حسين منذ أصدرت كتاب النثر الفني فقد بينت أغلاطه وسرقاته، وتحديته أن يدافع عن نفسه، فتخاذلت قواه ولم يملك الجواب وعرف الأدباء في المشرق والمغرب أنه لا يملك شيئا أصيلا، وأن مؤلفاته ليست إلا هلاهيل انتزعها من كلام الناس، وأن ما يدعيه من الآراء ليس إلا صورًا ملفقة انتزعها مما يقرأ ويسمع؛ لأن قلمي ليس إلا محنة صبها الله على طه حسين, ولعله انتقام من الله على طه حسين، ولعله انتقام من الله صوبه إلى صدر ذلك الشخص الذي اجترأ على التوراة والقرآن واستطاع أن يقول في وقاحة "للتوارة أن تحدثنا وللقرآن أن يحدثنا" كأن العلم لا يكون إلا حيث تقع مساقط هواه, أما التوراة والقرآن فهي ظنون في ظنه؛ طه حسين جاهل. سبحان الله. وكيف يكون جاهلا وهو رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة المصرية، من الذي وضع طه حسين في ذلك المنصب؟ إن الذي وضعه فيه هو لطفي السيد مدير الجامعة المصرية. ولطفي السيد ليس حجة في الأدب العربي ولم ير في حياته جامعة أوروبية حتى يعرف كيف تكون الدراسات العليا؟

стр. 669

طه حسين جاهل. نعم طه حسين جاهل أشنع الجهل وإليكم اليوم مثال من جهله الميمون. ١- ألقى حضرته محاضرة في الجامعة الأمريكية عن شعر البحتري ونشرها في جريدة كوكب الشرق فهل تصدقون أنه وقع في خمس غلطات جوهرية في محاضرة واحدة ... إلخ إلخ. ٢- وقال في المقال الثاني: إن مصر١ لا يسرها أن يقوم مجدها الأدبي على أساس من خيوط العنكبوت وطه حسين أديب مزيف ومن الواجب أن يسبق المصريون إلى كشف القناع عن وجهه قبل أن يتقدم أدباء الشرق فيعدونا بسيطرة هذا الجاهل على الحياة الأدبية وهل خلت مصر من الرجال حتى يكون طه حسين عنوانا على مجدها الأدبي؟ إن٢ هذا الرجل لم يكن في جميع أدوار حياته العلمية إلا مرتزقا يتلمس فتات العلماء كلما نصبوا موائدهم أو أوقدوا نارهم، ولم يستطع حتى اليوم أن يواجه تلاميذه ببحث أصيل يشعرهم بأنه من أهل الفكر والبيان. إن كشف القناع عن معلومات طه حسين واجب أدبي يقوم به أحرار الأدباء، ولو كان طه حسين من الخاملين لأعفيت نفسي من تمزيق ما على وجهه من مختلف البراقع. ٣- وقال في مقاله الثالث: إنه في عام ١٩٣٢ كنت يومئذ على وفاق مع الدكتور طه، ولكني كنت أحب أن أداعبه بالنقد من حين إلى حين لأني كنت أعرف أنه في حاجة شديدة إلى من يذكره بالواجب، وهو كما

стр. 670

عرفته رجل قليل الاطلاع ولا يفهم الشعر إلا بعنف شديد، فلما سمعت محاضرته عن البحتري ورأيت ما تورط فيه من الأخطاء لم أجد بدًا من تنبيهه إلى عواقب الكسل والتفريط وكتبت عمودًا واحدًا في جريدة البلاغ تحت عنوان "الدكتور طه يخطئ خمس مرات فقط في محاضرة واحدة" فلما ظهرت تلك الكلمة انزعج الدكتور طه أشنع انزعاج، وصارع أصداقاؤه فرجوني أن أكف عنه، وأن أدع تقويمه إلى الأيام ولا سيما وهو رجل أخرجه وزير المعارف من الجامعة وهو يحاول أن يكسب قوته وكشف أغلاطه في جريدة البلاغ قد يصرف عنه طائفة من القراء. وعندئذ تبينت أن من الذوق أن أترك طه حسين يخطئ كيف يشاء إلى أن تصلح حاله ويستطيع النضال، وذهبت إلى الجامعة الأمريكية لأسمع محاضرته الثانية فلما انتهى من إلقاء الدرس نظرت فرأيته قادما فأسرعت إليه وحييته فلما وضع يده في يدي شعرت بأنه يرتجف ارتجافا عنيفا وكاد يسقط من شدة الاضطراب ولكنه تمالك نفسه وقال: أنت مخطئ، قلت: صدقت. ولما خرج الدكتور طه١ أقبل تلاميذي بالجامعة الأمريكية وقالوا هاتفين: كيف تسكت عن مناقشة الدكتور طه وتعترف بأنك مخطئ وأنه مصيب؟ فقلت: انتظروا حتى أشتري بخمسة تعريفة ذوق وأوزعه عليكم, أتظنون أن أدبي يسمح لي بملاحاة طه حسين أمام الناس؟ إن مكان ذلك في جريدة البلاغ, ثم علمت أن الدكتور طه راح يزهو ويختال ويقول: إنه فند مزاعم زكي مبارك على رءوس الأشهاد.
следующие страницы →