Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
العقل حسن الرأي ميمون النقيبة ورزق دنيا طائلة واسعة وكان كثير التنعم وافر العزة محفوظًا في الدنيا وبلغ من العمر كثيرًا وهو في نشاط الشبان وبالجملة فإنه كان ممن توفرت له الدواعي ونال من الأيام حظه وكان مع ذلك سمح الكف دائم البشر وكانت صدقاته على الفقراء دارة وخيراته واصلة. وانتفع به جماعة ومنه أثروا وبه استفادوا والحاصل أن كان من محاسن دهره وأكارم عصره وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ستين بعد الألف ودفن بمقبرة باب الفراديس في تربة الغرباء رحمه الله تعالى برحمته انتهى.
(يقول المختصر محمد جميل الشطي) هذا آخر الحنابلة من بني الاسطواني الذين عرفوا من أوائل القرن العاشر وهو كما ترى أول الحنفية منهم وقد تركوا مذهبهم الحنبلي لأسباب اجتماعية سامحهم الله غير أنهم لم يتركوا العلم ففضلهم بين الأنام مشهور وذكرهم على مدى الأيام مأثور.
* الشيخ عثمان الفتوحي
عثمان بن أحمد بن تقي الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبد
العزيز علي بن إبراهيم بن رشد الفتوحي القاهري الشهير بابن النجار أحد أجلاء علماءُ الحنابلة بمصر كان قاضيا بالمحكمة الكبرى بمصر فاضلًا جليلًا ذا وجاهة ومهابة عند عامة الناس وخاصتهم حسن السمت والسيرة والخلق قليل الكلام له في الفقه مهارة كلية وإحاطة بالعلوم العقلية والنقلية ولد بمصر وبها نشأ وأخذ الفقه عن والده وعمه الجمال يوسف وعن الإمام محمد المرداوي الشامي وعبد الرحمن البهوتي وأخذ العلوم العقلية عن كثيرين كالعلامة الشهاب إبراهيم اللقاني ومن عاصره وأخذ عنه جماعة كثيرون كولده القاضي محمد والقاضي محمد الحواوشي وعبد الله بن أحمد المقدسي وألف المؤلفات النافعة كالحاشية الجليلة على المنتهى في الفقه وكانت وفاته بمصر في شهور ربيع الأول سنة أربع وستين وألف دفن بتربة المجاورين تربة أبيه وجده رحمهم الله تعالى.
* الشيخ عبد الحق المرزناتي
عبد الحق بن محمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن عمر بن إسماعيل بن أحمد بن الفرد الشيخ محيي الدين الأدهمي الدمشقي الصالحي الصوفي القادري المعروف بالمرزناتي ويتصل
стр. 107
نسبه بسلطان الأولياءِ إبراهيم بن أدهم ﵁ وكان صاحب الترجمة كوالده من مشاهير الصوفية بالشام له الوقار والهيبة وعنده إلمام بمعارف كثيرة وكان مع ذلك أديبا بارعًا حسن المحاضرة وله اطلاع كثير على الأشعار والنوادر ترجمه المحبي وقال: ورأيت بخطه مجموعًا فيه كل معنى نادر وحكاية مستلذة وكان رحل إلى الروم في سنة ١٠٢٨ ونال بعض جهات في الشام ثم قدم دمشق وأقام في داره بالصالحية وكان مخالطا للأدباء وله كرم وإيثار لا يزال محله غاصا بأهل الأدب والمعرفة وكان يجري بينهم وبينه محاورات وكان ينظم الشعر وشعره مستحسن فمن مشهور ماله قوله وكتب به إلى فتح الله بن النحاس الحلبي الشاعر المشهور ويستدعيه إلى محله:
أن أغلق الأعداء أبوابهم … عني ولم يصغوا إلى نصحي
وزرتني يوما ولو ساعة … في الدهر تبغي بينهم نجحى
علمت أن الحق من لطفه … قد خصني بالنصر والفتح
لا زالت في عز مدى الدهر ما … غردت الأطيار في الصبح
فراجعه الفتح المذكور بقوله:
مولاي يا من خصه ربه … بين الورى بالنصر والفتح
في الظهر والعصر إلى بابكم … أسعى وفي المغرب والصبح
وكيف لا أسعى إلى باب من … في وجهه داع إلى النجح
لا زلت من قدح العدا سالما … ولا خلا زندك من قدح
ولصاحبه الترجمة أيضًا قوله:
إذا اجتمعت في المرء سبع خصائل … تدانت له الدنيا يقينًا بلا شك
حياء وعلم وانقياد وعفة … ولطف وإحسان ومعرفة التزكي
وقرأت بخطه أن ولادته كانت في أول ساعة من نهار الخميس ثامن ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وتسعمائة وتوفي ليلة الثلاثاء أربع عشر جمادي الأولى سنة سبعين وألف وصلى عليه بالجامع المظفري ودفن بروضة السفح القاسيوني والمرزناتي نسبة إلى جده الشيخ محيي الدين المرزناتي المقدم ذكره وأصله المرزبان وهو بالفراسية السلطان انتهى.
стр. 108
* القاضي نعمان الدمشقي
نعمان بن أحمد الدمشقي قاضي قضاة الحنابلة بمحكمة الباب بدمشق كان من فضلاء الحنابلة ووجهائهم تفقه على جماعة ولزم من أول عمره هو وأخوه الشيخ عبد السلام أديب الزمان أحمد بن شاهين وتخرجا عليه وانتفعا به علمًا وجاها وولي القاضي نعمان صاحب الترجمة النيابات بوسيلته والتقرب إليه إلى أن استقر آخرًا بالباب وكان أمثل القضاة في عصره وجيهًا مهابا نقي العرض عما يدنس ملازمًا خويصة نفسه ودرس بالمدرسة الحجازية وكان له بها خلوة يقيم بها أكثر أوقاته وكانت وفاته في سنة إحدى وسبعين وألف انتهى من تاريخ المحبي.
* المسند الشهير عبد الباقي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق
عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر بن محمد البعلي المولد الأزهري الطلب الدمشقي المنشأ والوفاة الإمام تقي الدين مفتي السادة الحنابلة بدمشق يعد الشهاب المفلحي شيخ الإسلام أوحد العلماء بقية السلف عمدة الخلف العلامة المحدث الفقيه المقري صاحب الفنون وغيث الإفادة الهتون المبرز في جميع العلوم الذي يهتدي به في أراضي الفضائل كما يهتدي بالنجوم أشع الدواوين تحريرًا وأوسع الدروس تقريرًا فهو وحيد دهره وفريد عصره وسيد شامه ومصره حاز فضلا وأفضالا ورقي رتبة عزت منالا بفكر ثاقب وذهن متوقد كتوقد الكواكب وعلم عزيز غزير وإتقان كبير كثير ولد هذا الهمام في بعلبك واشتهر بابن فقيه فصة وهي قرية ببعلبك من جهة دمشق كان أحد أجداده يخطب بها في كل جمعة وأجداده كلهم حنابلة قال ﵀ في الثبت الذي جمعه وتعب عليه وسماه رياض الجنة في آثار أهل السنة وجدت بخط والدي أني ولدت ليلة السبت ثامن عشر ربيع الثاني سنة خمس وألف وحفظت القرآن على والدي وتولى قراءتي بنفسه وتيتمت بعد ذلك فشرعت بالاشتغال في طلب العلم فأخذت الفقه عن القاضي محمود بن عبد الحميد سمط الشيخ موسى الحجاوي وعن الشهاب أحمد الوفائي المفلحي ورحلت إلى مصر سنة ١٠٢٩ فأخذت الفقه عن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي والشيخ مرعي الكرمي والشيخ عبد القادر الدنوشري والشيخ يوسف الفتوحي وأخذت القراءات عن
стр. 109
الشيخ عبد الرحمن اليماني والحديث عن الشيخ إبراهيم اللقاني والشيخ أحمد المقري المغربي المالكي والفرائض عن الشيخ محمد الشمريسي وعن الإمام زين العابدين بن أبي درى المالكي وحضرت في باقي العلوم على كثير من مشايخ الجامع الأزهر ثم عدت إلى دمشق سنة اثنين وثلاثين وألف بإجازات الأشياخ بالفنون المزبورة وغيرها وبالافناء والتدريس فدرست في جامع بني أمية وقرأت بعد ذلك في الشام عَلَى شيخ الإسلام الشيخ عمر القاري في النحو المعاني والحديث والأصول وكتب لي إجازة وحججت سنة ١٠٣٦ فأخذت عن جماعة من أهل مكة من أجلهم مولانا الشيخ محمد بن علان الصديقي وأجازني
وأخذت من أهل الحرم المدني عن جماعة من أجلهم الشيخ عبد الرحمن الخياري فقد أجازني ولله الحمد أهل مكة والمدينة ومصر ودمشق وبيت المقدس وأعلى أسانيدي في جميع مرويات الحافظ بن حجر وفي جميع كتب الحديث عن الشيخ حجازي الواعظ عن ابن أركماس عن الحافظ العسقلاني انتهى. وحضر صاحب الترجمة دروس الحديث تحت قبة النسر من الجامع الأموي عند الشمس الميداني ثم درس الحافظ شيخ الإسلام النجم الغزي ودروس التفسير عند الشيخ عبد الرحمن العمادي المفتي وأجاز له من مصر غير من تقدم ذكرهم وكلهم كتبوا له الاجازات وعنونوه فيها بالشيخ الإمام العلامة النحرير الفهامة إلى غير ذلك من الأوصاف وقد تصدر للاقراءَ بالجامع الأموي في سنة إحدى وأربعين وألف بكرة النهار وبين العشائين فقرأ الجامع الصغير في الحديث مرتين وتفسير الجلالين مرتين وقرأ صحيح البخاري بتمامه وصحيح مسلم والشفاء والمواهب والترغيب والترهيب والتذكرة للقرطبي وشرح البرأة والمنفرجة والشمائل والاحياء جميع ذلك بطرفيه ولازم ذلك ملازمة كلية بمحراب الحنابلة أولا ثم بمحراب الشافعية ولم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفا ولا ليلة عيد حتى ليلة وفاة زوجته وحتى ليلة عرس ولديه وكان فيه نفع عظيم وله خلوة في المدرسة البدرأية معروفة به ودرس بالمدرسة العادلية الصغرى وصار خطيبًا بجامع منجك في محلة مسجد الاقصاب وأخذ عنه خلق كثير أجلهم الأستاذ الكبير برهان الدين إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والأستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي وهو أبوه من الرضاع والسيد العالم محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني وولد صاحب الترجمة محدث دمشق الشيخ
стр. 110
محمد أبو المواهب والشيخ مصطفى بن سوار شيخ المحيا بدمشق والشيخ رمضان بن موسى العطيفي والشيخ عبد الحي العكري وغيرهم وله مؤلفات منها شرح على البخاري لم يكمله وكان شيخ القراء بدمشق ونظم الشعر إلا أن شعره شعر الفقهاء؟ وبالجملة ففي ذكر ما اشتمل عليه. من العلوم والأوصاف الحميدة ما يغني عن الشعر وأشباهه وكانت وفاته ليلة الثلاثاء سابع عشري ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وألف ودفن بتربة الغربا من مقبرة الفراديس رحمه الله تعالى.
* المسند شمس الدين محمد البلباني
محمد بن بدر الدين بن عبد القادر بن محمد البلباني البعلي ثم الدمشقي الصالحي الخزرجي الشيخ العلامة المحقق الفهامة الورع الزاهد العالم العامل القدوة الحجة خاتمة المسندين بقية السلف الصالحين شيخ الإسلام أبو عبد الله شمس الدين أحد الأئمة الزهاد وأوحد العلماء الأفراد ولد بدمشق سنة ست وألف ظنا كما قاله وكان من كبار أصحاب الشهاب أحمد أبي الوفا الوفائي في الفقه والحديث ثم زاد عليه في معرفة فقه المذاهب زيادة على مذهبه فكان يقرئ في المذاهب الأربعة وتفقه أيضًا على القاضي محمود الحميدي وسمع ببعلبك وبدمشق على الشهاب أحمد العيثاوي الكبير والشمس محمد الميداني وأفتى مدة عمره وانتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية بعد الشيخ علي القبردي وكان عالمًا عاملًا ورعًا زاهدًا فقيهًا محدثًا عابدًا معمرًا قطع أوقاته في العبادة والعلم والكتابة والدرس حتى مكن الله تعالى منزلته من القلوب وأحبه الخاص والعام وكان ربانيا متألها متواضعًا مخفوض الجناح حسن الخلق والخلق والصحبة حلو العبارة كثير التحري في أمر الدين والدنيا منقطعًا إلى الله تعالى وكان كثيرًا ما يورد كلام الحافظ ابني الحسن علي بن أحمد الزيدي ويستحسنه وهو قوله اجعلوا النوافل كالفرائض والمعاصي كالكفر والشهوات كالسم ومخالطة الناس كالنار والغذاء كالدواء - (قال المؤلف الغزي) وقد عقد هذه المقالة جدي العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الغزي بقوله:
اجعل النفل كالفروض وقرب … الناس كالنار تنف هما وغما
واجعل الأكل كالدوا والمعاصي … مثل كفر وشهوة النفس سما
стр. 111
وكان صاحب الترجمة في أحواله مستقيمًا على نسق واحد وأوقاته مقسومة إلى أقسام إما صلاة أو قراءة قرآن أو كتابة اقراء وانتفع به خلق وأخذ عنه جمع من أعيان العلماءُ منهم الإمام المحقق محمد بن محمد المغربي والوزير الكبير مصطفى باشا بن محمد باشا الكوبري والشيخ أبو المواهب الحنبلي والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري وأبو الفلاح عبد الحي العكري الصالحي والأمين
المحبي والسيد سعدي ابن السيد عبد الرحمن بن حمزه الحسيني والشيخ إبراهيم الخياري المدني - وله من التآليف النافعة مختصر في الفقه صغير الحجم كثير الفائدة ومختصر في التجويد مشهور بالرسالة البلبانية وغير ذلك وله محاسن ولطائف وولي خطابة الجامع المظفري المعروف بجامع الحنابلة - وبالجملة فقد كان بقية السلف وبركة الخلف وكانت وفاته ليلة الخميس لتسع خلت من رجب سنة ثلاث وثمانين وألف وصلى عليه بالجامع المظفري المذكور ولده الفاضل الشيخ عبد الرحمن في جمع عظيم ودفن بسفح جبل قاسيون في الطرف الشرقي ﵀ رحمة واسعة.
* الشيخ محمد الخلوتي
محمد بن أحمد بن علي البهوتي الشهير بالخلوتي المصري القاهري ابن أخت العلامة منصور البهوتي العالم العلم الفقيه النحرير إمام المنقول والمعقول مخرج الفروع على الأصول المحقق المدقق المفتي والمدرس بمصر القاهرة ولد بمصر ونشأ بها وأخذ الفقه عن العلامة عبد الرحمن البهوتي تلميذ محمد الشامي صاحب السيرة ولازم خاله شارح الإقناع والمنتهي ومحشيهما المقدم ذكره، وأخذ العلوم العقلية عن الشهاب الغنيمي وعليه تخرج وانتفع واختص بعده بالعلامة نور الدين على الشبراملسي ولازمه في دروسه في كثير من العلوم فكان لا يفارقه في العلوم النظرية وكان يجري بينهما في الدرس من المحاورات والنكات الدقيقة مالا يعرفه أحد من الحاضرين إلا من كان من أكابر المحققين وكان الشبراملسي يجله ويثني عليه ويعظمه ويحترمه ولا يخاطبه إلا بغاية التعظيم لما انطوى عليه من الفضل ولكونه رفيقه في الطلب ولم يزل ملازمًا له حتى مات وكتب كثيرًا من التحريرات منها تحريراته على الإقناع وعلى المنتهى جردت بعد موته من هوامش النسختين فبلغت حاشية الإقناع اثني عشر كراسا وحاشية المنتهى أربعين
стр. 112
كراسا وله حاشية على شرح العقائد للنسفية للسعد جردها من خط شيخه الشهاب أحمد الغنيمي فرتبها وله شعر لطيف منه قوله:
كأن الدهر في خفض الأعالي … وفي رفع الأسافل واللئام
فقيه عنده الأخبار صحت … بتفضيل السجود على القيام
وأخذ عن صاحب الترجمة جماعة من الفضلاءِ منهم الشيخ الإمام أبو المواهب الحنبلي وترجمه في مشيخته ومنهم الشيخ إسماعيل والشيخ إبراهيم الجينينيان والشيخ عيسى الكناني الصالحي والشيخ تاج الدين بن أحمد الشهير بالدهان المكي وغيرهم من أهل مصر والشام وكانت وفاته بمصر ليلة الجمعة تاسع عشر ذي الحجة الحرام سنة ثمان وثمانين وألف رحمه الله تعالى.
* المفنن الشيخ عبد الحي العكري - صاحب شذرات الذهب
عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد أبو الفلاح العكري بضم العين الدمشقي الصالحي الشيخ العالم الهمام المصنف الأديب المفنن الطرفة الاخباري العجيب الشأن في المذاكرة والاستحضار والتمتع بالخزائن العلمية وتقييد الشوارد من كل فن وكان من أعرف الناس بالفنون الكثيرة وأغزرهم إحاطة بالآثار وأجودهم مساجلة وأقدرهم على الكتابة والتحرير له من التصانيف شرحه على غاية المنتهى في الفقه للشيخ مرعي حرره تحريرًا أنيقا (يقول المختصر وصل فيه إلى باب الوكالة فقط فيا للأسف) وله التاريخ المشهور الذي سماه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ابتدأ فيه من الهجرة إلى سنة ألف ومنها وذكر فيه ما وقع من الحوادث المشهورة وتراجم الأعوان من العلماء والملوك وغيرهم وجميع ذلك على سبيل الاختصار في مجلدين وله غير ذلك من الرسائل والتحريرات وخرج لنفسه ثبتا لمشايخه ومروياته - ولد بدمشق نهار الأربعاء ثامن رجب سنة اثنين وثلاثين وألف وبها نشأ وقرأ القرآن العظيم وطلب العلوم مشمرًا عن ساق الاجتهاد فأخذ عن أعلام الأشياخ بدمشق من أجلهم الأستاذ الكبير الشيخ أيوب الخلوتي وتلقى الفقه قراءة وأخذًا عن الشيخ تقي الدين عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق وعن الإمام شمس الدين البلباني الصالحي المقدم ذكرهما وأجازوه
стр. 113
ثم رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة طويلة للأخذ عن علمائها فأخذ بها
عن الشيخ سلطان المزاحي والنور على الشبراملسي والإمام شمس الدين محمد البابلي والشهاب أحمد القليوبي وغيرهم ثم رجع إلى دمشق وهو فضل ولزم الإفادة والتدريس وانتفع به كثير من أبناء عصره وكان لا يمل ولا يفتر من المذاكرة والاشتغال وكتب الكثير بخطه الحسن المضبوط وكان خطه حلو الأسلوب متناسبا قال تلميذه المحبي في تاريخه وكان مع كثرة امتزاجه بالأدب وأربابه مائل الطبع إلى نظم الشعر إلا أنه لم يتفق له نظم شيء فيما علمته منه ثم أخبرني بعض الإخوان أنه ذكر له أنه رأى في المنام كأنه ينشد هذين البيتين قال وأظن أنهما له وهما:
كنت في لجة المعاصي غريقًا … لم تصلني يد تروم خلاصي
أنقذتني يد العناية منها … بعد ظني أن لات حين مناص
وكنت في عنفوان عمري تلمذت له وأخذت عنه وكنت أرى لقيه فائدة اكتسبها وجملة فخر لا أتعداها فلزمته حتى قرأت عليه الصرف والحساب وكان يتحفني بفوائد جليلة ويلقيها على وحباني الدهر مدة بمجالسته فلم يزل يتردد إليَّ تردد الآسي إلى المريض حتى قدر الله تعالى لي الرحلة عن وطني إلى ديار الروم وطالت مدة غيبتي وأنا أشوق إليه من كل شيق حتى ورد عليَّ خبر موته وأنا بها فتجددت لوعتي أسفا على ماضي عهوده وحزنا على فقد فضائله وآدابه وكان قد حج فمات بمكة المشرفة وكانت وفاته سادس عشر ذي الحجة الحرام سنة تسع وثمانين وألف ودفن بالمعلا وكان عمره ثمانا وخمسين سنة انتهى كلام المحبي وأخذ عن صاحب الترجمة الشيخ عثمان بن أحمد بن عثمان النجدي والمؤرخ الشيخ مصطفى بن فتح الله الحموي المكي ﵀.
* الشيخ شهاب الدين أحمد الكرمي
أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي ثم المقدسي الشيخ الفاضل العالم النبيل الفقيه شهاب الدين أبو العباس قال المحبي في ترجمته كان من العلماء العاملين والأولياء الزاهدين ولد ببيت المقدس في سنة ألف من الهجرة وقرأ القرآن بطور كرم وأخذ الطريق عن
العارف بالله محمد العلمي ورحل إلى القاهرة في سنة ١٠٢٦ فأخذ بها الفقه وغيره عن عمه الشيخ مرعي الكرمي وعن
стр. 114
الشيخ منصور البهوتي وعن الشيخ يوسف بن محمد الفتوحي وأخذ النحو عن محمد الحموي والفرائض والحساب عن الشيخ عبد المنعم الشربوني والحديث عن الإمام الشيخ إبراهيم اللقاني والإمام الشيخ علي الأجهوري وكثيرين وكان ملازمًا مكانه المعروف بالجامع الأزهر مشتغلا بالعلوم الدينية لا يتردد إلى أحد من أرباب الدول قانعا باليسير من الرزق متقيدًا بصلاة الجماعة في الصف الأول في الأوقات الخمسة بالأزهر قليل الكلام حسن السيرة جامعًا لصفات الكمال ليس فيه شيءُ يشينه في آخرته ودنياه حكى عنه ولده الشيخ عبد الله أنه رأى الحق ثلاث مرات وفي إحداها رأى الملائكة ذاهبين به إلى النار فإذا بمناد من قبل الحق سبحانه ليس من أهلها اذهبوا به إلى الجنة فقام فرأى نفسه في الجامع الأزهر وكانت وفاته ليلة رابع عشر صفر الخير سنة إحدى وتسعين وألف ودفن بتربة المجاورين بقرب عمه الشيخ مرعي رحمه الله تعالى.
* الشيخ إبراهيم الذنابي العوفي
إبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل الذنابي العوفي نسبة إلى سيدنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ الدمشقي الصالحي الأصل المصري المولد والوفاة كان من أعيان الأفاضل له اليد الطولى في الفرائض والحساب مع التبحر في الفقه وغيره من العلوم الدينية ولد بمصر ونشأ بها وأخذ الفقه عن العلامة منصور البهوتي والحديث عن جمع من شيوخ الأزهر وأجازه غالب شيوخه وألف مؤلفات نافعة منها شرح على منتهى الإرادات في الفقه في مجلدات ومناسك الحج في مجلدين ووسائل كثيرة في الفرائض والحساب وكان لطيف المذاكرة حسن المحاضرة قوي الفكرة واسع العقل وكان فيه رياسة وحشمة وكان حسن الخلق والأخلاق مع الكلام المفرط وكان يرجع إليه في المشكلات الدنيوية لكثرة خبرته في الأمور وبالجملة فقد كان من حسنات الزمان وكانت ولادته بالقاهرة سنة ثلاثين وألف وتوفي بها فجأة ظهر يوم الاثنين الرابع عشر من شهور ربيع الثاني
سنة أربع وتسعين وألف وصلي عليه يوم الثلاثاء ودفن بتربة الطويل عند والده رحمه الله تعالى انتهى من تاريخ المحبي.
стр. 115
* القاضي عبد اللطيف بن طريف
عبد اللطيف بن محمد بن محمد المعروف بابن طريف الدمشقي الصالحي قاضي القضاة ومرجع الحنابلة بدمشق كان عالمًا كاملًا عارفًا بمداخل القضاء وصنعة التوريق أمهر أهل فنه في عصره وصار رئيس الموقعين بالمحكمة العونية بدمشق وقد تقدمت ترجمة والده القاضي محمد وعنه تلقى صنعة التوريق وكتابة الصكوك الشرعية وكانت وفاته في سنة ثمان وتسعين وألف ودفن على والده بسفح جبل قاسيون بالروضة رحمه الله تعالى.
* الشيخ أحمد السجان
أحمد بن علي الشهير بابن السجان البعلي مفتي الحنابلة ببعلبك الشيخ العالم العلامة الفقيه الفرضي النحوي الكامل الإمام المقري الصالح الناسك الدين قدم دمشق وقطن بها مجاورًا في المدرسة العمرية بصالحية دمشق وقرأ على العلامة الشيخ محمد بن بلبان الصالحي العربية والفرائض والحساب وتفوق بالفقه وكانت وفاته يوم الخميس آخر جمادي الثانية سنة أربع عشرة ومائة وألف ودفن ببعلبك عند الشيخ العارف الولي عبد الله اليونبني رحمه الله تعالى - انتهى من تاريخ المرادي.
* السيد مصطفى الجعفري
مصطفى بن صلاح الدين بن مصطفى المعروف كأسلافه بالحنبلي والجعفري النابلسي نقيب الأشراف بالديار النابلسية وعالم هاتيك المعالم السنية بين سيادة العلم والنسب وبلغ من الرياسة كوالده أعلى الرتب ولد بنابلس ونشأ بها وتلا القرآن العظيم وأخذ في طلب العلم فقرأ على والده المذكور وثقفه على عمه السيد أحمد وأخذ الحديث عن الشيخ أبي بكر الأحزمي شارح الجامع
الصغير وعن غيرهم ونبل قدره واشتهر بين العلماء أمره ودرس وأفاد وهرعت إليه الطلاب والوراد وكان رحمه الله تعالى كثير التهجد رحيب النادي كريم السجايا والأيادي وكانت وفاته في أواخر رمضان سنة خمس عشرة ومائة وألف ودفن بنابلس رحمه الله تعالى وجميع المسلمين انتهى منه.
* الشيخ عبد الجليل المواهبي
عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي الدمشقي الشهير بالمواهبي
стр. 116
الشيخ العالم المحقق المدقق الفهامة الإمام الفاضل ولد بدمشق في سادس شعبان سنة تسع وسبعين بعد الألف ونشأ بها في كنف والده العلامة المحدث الشيخ أبي المواهب (الآتية ترجمته) واشتغل بطلب العلم عليه ولازم الشيخ إبراهيم الفتال ومفتي دمشق الشيخ إسماعيل الحايك والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي أخذ عنهم الأصلين والنحو والصرف والمعاني والبيان وأخذ الفقه والحديث ومصطلحه عن والده المقدم ذكره وقرأ على العلامة الشيخ عبد الرحيم الكابلي نزيل دمشق والشيخ عثمان القطان وأجازه المحقق الرباني الشيخ إبراهيم الكرواني نزيل المدينة المنورة والعلامة السيد محمد البرزنجي الكوراني نزيلها أيضًا وبرع صاحب الترجمة في المعقولات لا سيما النحو والصرف والمعاني والبيان وجلس للتدريس بالجامع الأموي وعكف عليه الطلبة للاستفادة وكان عجبًا في تقرير العبارة يؤديها بفصاحة وبيان وله من التآليف نظم الشافية في الصرف وشرحها شرحا حافلا وله تشطير بديع على ألفية ابن مالك في النحو وله ارجوزة في العروض وغير ذلك من الرسائل وكان وقورًا ساكنًا كثير البر بوالده وشوهد مرارًا إذا كان في درسه ومر عليه والده يقوم من الدرس ويأخذ مدارس والده منه ويمشي خلفه بأدب وسكينة ويلازم حضور دروس والده بالجامع الأموي بين العشائين وكان والده يحبه كثيرًا ويحترمه ويدعو له لما كان عليه من البر وملازمة الطاعات وكف اللسان عن اللغو والانقطاع عن الناس وكان ينظم الشعر الباهر فمنه قوله مشطرًا هذه الأبيات المنسوبة لابن عباس ﵄.
(احبوا الخيل واصطبروا عليها) … فإن بها المسرة والكمالا
وراعوا حقها في كل وقت … (فإن العز فيها والجمالا)
(إذا ما الخيل ضيعها أناس) … أنلناها الترفه والدلالا
فخير في نواصيها اقتضى أن … (حفظناها فأشبهت العيالا)
(نقاسمها المعيشة كل يوم) … ولا نخشى لنعمتنا زوالا
ونلبسها المحاسن من حلي … (ونكسوها البراقع والجلالا)
وقوله مذيلا على البيت الأول:
стр. 117
إذا ملك لم يكن ذا هبه … فدعه فدولته ذاهبه
فجد للفقير بما يبتغي … وأفضل مالك كن واهبه
ولا تلق دهرك مستوهبا … فخير اليدين يد راهبه
وفي الله عن كل شيء غنى … فكن راغبا فيه أو راهبه
ونل طيب العيش وأنعم به … ولا تك أشعث كالراهبه
وعمرك رأس جميع الذي … ملكت فبالخير كن ناهبه
وحاذر معاصي الإله التي … تكون لأجر الفتى ناهبه
ومن مال ربك أنفق فما … تملكت عارية لاهبه
ودم في رضاه لنرقى العلا … وتنجو من ناره اللاهبه
وقوله في فوارة:
انظر إلى فوارة قد حكت … جارية قوامها كالغصين
أرخت على أعطافها حلية … بديعة مثل خيوط اللجين
وكانت وفاة المترجم في جمادي الثانية سنة تسع عشرة ومائة وألف ودفن بتربتهم شرقي مزار الشيخ بكار بمرج الدحداح وتأسف عليه الغالب من الناس لا سيما والده فصبر واحتسب ورثاه الشيخ سعدي العمري بقوله:
الاتبا ليومك من ذميم … أيا فرد الفضائل والفهوم
أبحت لنا به أسفًا وحزنا … يزيلان الحياة عن الجسوم
وغادرت الزمان بلا إمام … يرينا كيف فائدة العلوم
فلو تفدى النفوس فدتك منا … قلوب من حمامك في حميم
ولكن لا مرد لما قضاه … علينا الله في الأزل القديم
وحين قضى إمام العصر طرًا … أتى التاريخ بيتًا من نظيمي
جزاه الله عن دنياه مجدًا … وأسكنه جنات النعيم
* السيد عبد الله الجعفري
عبد الله بن أحمد بن مصطفى المعروف كأسلافه بالحنبلي والجعفري النابلسي السيد الفاضل الأديب الفرضي الكامل نقيب الأشراف بنابلس أخذ العلم عن أفاضل كرام
стр. 118
وكان له قدر راسخ في العبادة واجتهاد في الافادة وكان والده السيد شهاب الدين وعمه السيد صلاح الدين من أعيان نابلس وفضلائها وكانت وفاته في أواخر سنة عشرين ومائة وألف رحمه الله تعالى - انتهى من تاريخ المرادي وتقدمت ترجمة ابن عمه قريبًا.
* العلامة المحدث الشيخ أبو المواهب الحنبلي
أبو المواهب بن عبد الباقي بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي البعلي الأصل الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق القطب الرباني والهيكل الصمداني الإمام العلامة الفقيه الكامل والمسند الحجة المحدث الفاضل الولي الخاشع التقي الناسك شيخ القراء والمحدثين فريد العصر أوحد الدهر كان إماما جليلا عالمًا عاملًا ورعًا زاهدًا عابدًا آية من آيات الله تعالى (وتقدمت ترجمة أبيه وابنه الجليلين) ولد بدمشق في رجب سنة أربع وأربعين وألف ونشأ بها في كنف والده وقرأ القرآن العظيم وحفظه وجود على والده المذكور ختمة للسبع من طريق الشاطبية وختمة للعشر من طريق الطيبة والدرة وقرأ عليه الشاطبية مع مطالعة شروحها وأخذ العلم عن جماعة كثيرين من دمشق ومصر والحرمين وأفرد لهم ثبتًا ذكر تراجمهم فيه فمن علماء دمشق النجم الغزي العامري حضر دروسه في صحيح البخاري في بقعة الحديث في الأشهر الثلاثة مدة مديدة وقرأ عليه ألفية
المصطلح وأجازه إجازة خاصة وحضر دروسه في المدرسة الشامية في شرح جمع الجوامع في الأصول ومنهم الشيخ محمد الخباز المعروف بالبطنبني والشيخ إبراهيم الفتال والشيخ إسماعيل النابلسي والد الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ زين العابدين الغزي العامري قرأ عليه في الفرائض والحساب والمنلا محمود الكردي نزيل دمشق والعارف الشيخ أيوب الخلوتي والشيخ رمضان العكاري الحنفي والشيخ محمد نجم الدين الفرضي والشيخ محمد الاسطواني والعلامة السيد محمد بن كمال الدين بن حمزة الحسبني والشيخ محمد المحاسني ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي ورمضان بن موسى العطيفي ورجب بن حسين الحموي المبداني وعلي بن إبراهيم القبردي وأجازه الشيخ محمد بن سليمان المغربي وأخذ عن الشيخ عيسى الجعفري نزيل المدينة والشيخ أحمد القشاشي المدني والشيخ محمد بن علان البكري وإبراهيم بن حسن الكوراني وغيرهم وارتحل إلى مصر سنة ١٠٧٢ (فيه نظر) وأخذ
стр. 119
فيها عن جماعة منهم الشمس محمد البابلي والشيخ علي الشبراملسي والشيخ سلطان المزاحي والشيخ عبد السلام اللقاني ومحمد بن قاسم البقري ومحمد بن أحمد البهوتي وغيرهم ومات أبوه في غيبته بمصر فعاد إلى دمشق وجلس للتدريس مكان والده في محراب الشافعية بين العشائين وبكرة النهار لإقراء الدروس الخاصة فقرأ بين العشائين الصحيحين والجامعين الكبير والصغير للسيوطي والشفاء ورياض الصالحين للنووي وتهذيب الأخلاق لابن مسكويه واتحاف البررة بمناقب العشرة للمحب الطبري وغيرها من كتب الحديث والوعظ وأخذ عنه الحديث والقراءات والفرائض والفقه ومصطلح الحديث والنحو والمعاني والبيان أمم لا يخصون عددًا وانتفع الناس به طبقة بعد طبقة وألحق الأحفاد بالأجداد ولم ير مثله جلدًا على الطاعة مثابرًا عليها - وله من التآليف رسالة تتعلق بقوله تعالى مالك لا تأمنا على يوسف ورسالة في قوله تعالى فبدت لهما ورسالة في تعلمون في جميع القراءات بالخطاب والغيبة ورسالة في قواعد القراءة من طريق الطيبة وله بعض كتابة على صحيح البخاري بنى بها على كتابة لوالده عليه لم تكمل غير ذلك من التحريرات المفيدة - وكان يسقى به الغيث حتى استقى به في سنة ١١٠٨ فكان الناس قد قحطوا من المطر فصاموا ثلاثة أيام وخرجوا في اليوم الرابع إلى المصلى صيامًا فتقدم صاحب
الترجمة وصلى بالناس إماما بعد طلوع الشمس ثم نصب له كرسي في وسط المصلى فرقى عليه وخطب خطبة الاستسقاء وشرع في الدعاء وارتفع الضجيج والابتهال إلى الله تعالى وكثر بكاءَ الخلق وكان الفلاحون قد أحضروا جانبًا كبيرًا من البقر والمعز والغنم وأمسك المترجم بلحيته وبكى وقال إلهي لا تفضح هذه الشيبة بين عبادك فما نزل حتى خرج من جهة المغرب سحاب أسود بعد أن كانت الشمس نقية من أول الشتاء لم ير في السماء غيم ولم ينزل إلى الأرض قطرة ماء ثم تفرق الناس ورجعوا فلما أذن المغرب تلك الليلة انفتحت أبواب السماء بماء منهمر ودام المطر ثلاثة أيام بلياليها غزيرًا كثيرًا وفرج الله بفضله الكربة عن عباده - وله كرامات كثيرة وصدقات سرية عَلَى طلبة العلم وأهل الصلاح وكسبه من الحلال الصرف في التجارة بالعقول الصحيحة وكان لا يخاف في الله لومة لائم ولا كتاب الوزراء ولا غيرهم وله في ذلك آثار حسنة وأصيب بولده الشيخ عبد الجليل فصبر واحتسب ثم بولده الشيخ مصطفى وكان
стр. 120
شابا فصبر واحتسب كذلك ولم يزل على حالته الحسنى وطريقته المثلى إلى أن اختار الله له الدار الباقية وكانت وفاته عصر يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شوال سنة ست وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح ﵀ ونفعنا ببركاته آمين - انتهى من تاريخ المرادي.
* العلامة الشيخ عبد القادر التغلبي
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر بن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشيباني الصوفي الدمشقي الشيخ الإمام العالم الفقيه الفرضي الصالح العابد الناسك أبو التقي ولد في دمشق سنة اثنين وخمسين وألف وقرأ القرآن العظيم في صغره ولزم الشيخ عبد الباقي الحنبلي وولده الشيخ أبا المواهب وقرأ عليهما كتبًا كثيرة في عدة فنون وأعاد للثاني درسه بين العشائين من ابتداء سنة ١٠٧٣ إلى أن توفي ولازم الشيخ محمد البلباني فقرأ عليه الفقه والفرائض والحساب وأجازه بمروياته وحضر دروس الشيخ محمد بن يحيى الخباز البطنيني الشافعي واجتمع بالمحقق الشيخ إبراهيم الكوراني المدني في إحدى حجاته سنة ١٠٩٤ وأجاز له
وقرأ على الشيخ عثمان القطان والشيخ سعودي الغزي والشيخ منصور الفرضي والشيخ محمد الكتبي والشيخ إبراهيم الفنال ومحمد بن أحمد العمري بن عبد الهادي والشيخ أحمد النخلي وغيرهم من الأجلاء الذين يجمعهم ثبته وكان يرزق من عمل يده في تجليد الكتب ومن ملك له في قرية دوما وبارك الله له في رزقه فحج أربع مرات وكان يلازم الدرس لإقراء العلوم بالجامع الأموي بكرة النهار وبعد وفاة شيخه أبي المواهب بين العشائين بالجامع الأموي أيضًا وأخذ عنه خلق لا يحصون وانتفعوا به وكان دينا صالحا عابدًا خاشعًا ناسكًا مصون اللسان منورًا بشوش الوجه تعتقده الخاصة والعامة ويتبركون به ويكتب التمائم للمرضى والمصابين فينفعهم الله بذلك ولا يخالط الحكام ولا يدخل عليهم وصنف شرحًا على دليل الطالب (مطبوع معروف) وكانت وفاته ليلة الثلاثاء الثامن عشر من ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين ومائة وألف ودفن تحت رجلي والده بمقبرة مرج الدحداح رحمه الله تعالى وأعاد علينا من بركاته انتهى منه.
* الشيخ محمد المواهبي
محمد بن عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي البعلي الأصل الدمشقي المعروف
стр. 121
بالمواهبي تقدم ذكر والده وجده (وأبي جده) وكان هذا عالمًا فاضلًا بارعًا مفتي الحنابلة بدمشق بعد جده أبي المواهب ولد في سنة إحدى ومائة وألف ونشأ في كنف والده وجده وأخذ الفقه والحديث والفرائض عنهما وقرأ في علوم العربية كالنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع عَلَى والده وقرأ في الفرائض على تلميذ جده الشيخ عبد القادر التغلبي وأجاز له الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ إلياس الكردي نزيل دمشق وغيرهما وبرع وفضل وصارت فيه البركة التامة وجلس للتدريس بالجامع الأموي وقرأ عليه جماعة من الحنابلة وغيرهم وانتفعوا به وكان دينا متواضعا مواظبًا على حضور الجماعات والسعي إلى أماكن القربات وكانت وفاته في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ودفن بتربة سلفه بمرج الدحداج رحمه الله تعالى - انتهى منه قدس الله روحه.
* الشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي
مصطفى بن عبد الحق النابلسي اللبدي ثم الدمشقي الشيخ العالم الفقيه البارع الفرضي الحيسوب الإمام المتفرق العمدة عز الدين كان من أجل أهل عصره في الفقه وأصوله له الباع الطويل في علمي الفرائض والحساب قدم من بلده كفر اللبد في جبل نابلس إلى دمشق سنة إحدى عشرة ومائة وألف وسكن في المدرسة المرادية وطلب العلم ولازم أوحد عصره الشيخ أبا المواهب بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق وأخذ عنه الفقه والحديث وأخذ أيضًا عن تلميذه أبي التقي عبد القادر بن عمر التغلبي فقرأ عليهما كتب عديدة في الفقه كدليل الطالب والمنتهى والإقناع وعدة كتب في الفرائض والحساب منها شرح الرحبية وشرح اللمع وشرح النزهة وشرح الفصول لشيخ الإسلام زكريا وشرح الترتيب للجمال عبد الله الشنشوري وقرأ على الفاضل محمد حفيد الشيخ أبي المواهب المقدم ذكره لما جلس في مكان جده في الجامع الأموي بين العشائين وأعاد له الدرس إلى أن توفي وأجاز له جميع شيوخه وأخذ أيضًا عن الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري وأجاز له الأستاذ العارف مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي سنة ١١٤٧ وترجمه الجد الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي بترجمة حسنة وقال في حقه وكان بارعًا في الفقه كثير الاستحضار لفروعه ماهرًا في الفرائض والحساب حتى كاد أن ينفرد بهذين الفنين بدمشق وكان دينًا صالحا ورعا متواضعًا ومناقبه جمة وكان بيني وبينه محبة في الله
стр. 122
انتهى قلت ودرس صاحب الترجمة بعد وفاة مشايخه في الجامع الأموي وأقبلت عليه الطلبة وانتفعوا به وصار إليه المرجع في عمل الشجرات والمناسخات وكانت وفاته كما قال الجد المذكور في غرة رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف وصلي عليه في الجامع المذكور ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى.
* الواعظ الشيخ علي البرادعي
علي بن أحمد بن عبد الجليل بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الشهير بالبرادعي الشيخ الإمام العالم النخبة النحرير العمدة الواعظ الهمام الأوحد أبو
الحسن نور الدين ولد بصالحية دمشق ونشأ بها وتلا القرآن العظيم ثم طلب العلم فأخذ عن مشايخ كثيرين كالشيخ أبي المواهب الحنبلي وتلميذه الشيخ عبد القادر التغلبي والشيخ محمد الكاملي والعارف الشيخ عبد الغني النابلسي ولازمه وحضر دروسه في تفسير القاضي البيضاوي وقرأ على السيد إبراهيم بن محمد بن حمزة في الحديث والمعقولات وانتفع به كثيرا وأخذ عن الملا إلياس الكوراني والشيخ إسماعيل اليازجي ونبل وفضل وتقدم على أقرانه بالعلم والعمل ودرس في المدرسة العمرية وفي داره وأقرأ الحديث في الجامع الجديد بصالحية دمشق وكان له مجلس وعظ تحت القبة عند باب المقصورة بعد صلاة الجمعة لا يتركه صيفا ولا شتاء وولى خطابة جامع سنان باشا وإمامة المدرسة العمرية وكان إذا قرأ العبارة يحفظها من مرة واحدة ولا تغيب عنه لشدة حفظه ولما توفى شيخه الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي تولى غسله بيده وكفنه وواراه التراب بوصية من الاستاذ بذلك وبالجملة فقد كان المترجم من أعيان العلماء وخاتمة الوعاظ بدمشق ولم يزل على طريقته المثلى وحالته الحسنة إلى أن توفي في سابع عشر ذي الحجة سنة خمس وخمسين ومائة وألف وصلى عليه في جامعة السليمية ودفن بسفح جبل قاسيون في الروضة رحمه الله تعالى.
* الشيخ عبد الكريم الجراعي
عبد الكريم بن محيي الدين بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن زيد الدمشقي الشهير بالجراعي الشيخ الصالح البركة الفاضل الهمام الكامل الأوحد عز الدين ولد بدمشق سنة ثمان وتسعين وألف ونشأ بها وطلب العلم فأخذ
стр. 123
الفقه عن الأستاذ أبي المواهب الحنبلي وعن ولده الشيخ عبد الجليل وعن الشيخ عبد القادر التغلبي وأخذ العربية والأصلين عن الشيخ عبد الجليل المذكور وعن الشيخ عثمان القطان والشيخ عبد الرحمن السليمي المجلد وأخذ الحديث والتصوف عن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وحضر دروس الحديث تحت القبة على الشيخ يونس المصري نزيل دمشق وأخذ الفرائض والحساب عن الشيخ محمد الخليلي الدمشقي صارت له الملكة التامة في الفقه
وكان شيخا صالحا حسن السيرة سالم السريرة وكانت وفاته بدمشق سنة إحدى وستين ومائة وألف ﵀.
* الشيخ محمد البعلي إمام الرابعة وقاضي الحنابلة بدمشق
محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن الإمام عبد الباقي الحنبلي البعلي الأصل الدمشقي الشهير بإمام الرابعة الشيخ الفاضل النبيل الذكي التفوق مجير الدين ولد بدمشق ونشأ بها وأخذ عن عم أبيه العلامة المحدث الشيخ أبي المواهب وتلميذه أبي التقي عبد القادر التغلبي والشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي والشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي وعليه تخرج وبه انتفع وكان يكتب بيده اليسرى ومع ذلك كان سريع الكتابة وخطه حسن مضبوط وأم بالحنابلة في محرابهم من الجامع الأموي وبها اشتهر وولى قضاء الحنابلة بدمشق بعد وفاة القاضي أسعد الوفائي فسار به على نهج الاستقامة وكان قصير القامة نحيف الجسم خفيف اللحية محببا للناس عشورا مطبوعًا محبًا للعلماء وأهل الدين متحريا أكل الحلال بالكسب من الكتابة وكانت وفاته بدمشق سنة ثلاث وستين ومائة وألف وصلى عليه في الجامع الأموي ودفن بمرج الدحداح ولم يعقب رحمه الله تعالى وإنما سميت صلاة الحنابلة الرابعة لأنها تكون رابعة الصلوات بالجماعة في الجامع الأموي (يقول المختصر) سقى الله أيام انتظام الجماعات فقد ابتدعوا اليوم إقامة الصلوات في أن واحد أما الحنابلة فلا يزالون على الفطرة.
* الشيخ عواد الكوري
عواد بن عبيد الله بن عابد الدمشقي الشهير بالكوري الشيخ الفقيه الواعظ الصالح الناسك العمدة القدوة البركة الأوحد بقية السلف الصالح أبو الفضائل ولد بالكورة وقدم دمشق وقرأ القرآن العظيم وشرع في طلب العلم فأخذ الفقيه والعربية عن الشيخ
стр. 124
الإمام أبي المواهب الحنبلي فقرأ عليه كتاب المنتهى بطرفيه والإقناع وقرأ على ولده أبي الفضل عبد الجليل وعلى الإمام عبد القادر التغلبي وأجازوا له بخطوطهم وأخذ الحديث عن الشهاب أحمد بن عبد
الكريم الغزي العامري والشمس محمد بن علي الكاملي والملا إلياس بن إبراهيم الكوراني وغيرهم ونبل قدره وغزر فضله ودرس في الجامع الأموي بعد وفاة مشايخه وأقبلت عليه الطلبة فكان يقرى في الفقه والعربية واشتهر بالفتوح وكان يغلب عليه الصلاح والتقوى ووعظ في الجامع المذكور على الكرسي وكان محل وعظه وكرسيه تجاه بيت الخطابة وكان الناس يزدحمون على سماع وعظه ويتبركون بتقبيل يديه والانتماء إليه وكانت وفاته بدمشق في صفر سنة ثمان وستين ومائة وألف رحمه الله تعالى.
* الشيخ أحمد بن ذهلان النجدي
أحمد بن ذهلان بن عبد الله بن محمد بن ذهلان النجدي المقرني المتصل النسب بسيدنا خالد بن الوليد ﵁ الشيخ الفاضل العالم الفقيه النخبة العمدة مفتي البلاد النجدية والديار الإحسائية أبو العباس شهاب الدين ولد في بلدة مقرن ونشأ في حجر والده وتلا عليه القرآن العظيم وأخذ عنه الفقه وغيره وأخذ أيضًا عن عالم البلاد النجدية ابن شحيم النجدي وبرع وفضل وصارت فيه البركة التامة في الفقه وولى قضاء بلاد نجد وإفتائها وسار في ذلك سيرًا حسنًا ولم يزل على طريقته المثلى حتى توفي وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة وألف ودفن هناك (قال المؤُلف الغزي) كذا أملاه علينا ولده صاحبنا الشيخ عبد العزيز من لفظه بدمشق رحمه الله تعالى.
* الشيخ أحمد المواهبي
أحمد بن محمد بن عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي البعلي الأصل الدمشقي مفتي الحنابلة بدمشق الشيخ الفاضل الكامل الشاعر البارع الأوحد أبو العباس شهاب الدين الشهير بالمواهبي ولد بدمشق سنة أربع وعشرين ومائة وألف ونشأ في حجر والده وأخذ الفقه عنه وتلا القرآن العظيم على الإمام المقري عبد الرحمن بن أحمد النابلسي المكتبي وأجاز له جد والده الشيخ أبو المواهب والشمس محمد بن علي الكاملي والبدر محمد بن محمد الخليلي وغيرهم ولما توفي
والده سنة ١٠٤٨ وجهت له عنه فتوى
стр. 125
السادة الحنابة وبقي مفتيًا لهم إلى وفاته وله شعر لطيف فمنه قوله:
تمتعتما يا ناظري بنظرة … وأوردتما قلبي أشد الموارد
أعيناي كفا عن فؤادي فإنه … من البغي سعى اثنين في قتل واحد
واجتمع بدمشق هو والشمس محمد بن أحمد السفاريني في منتزه بدمشق فانشد صاحب الترجمة مساجلا السفاريني بقوله:
أحبتنا لئن زالت عهود … لكم فعهودنا أبدًا تدوم
وإن طال الفراق بنا تركنا … قلوبا في دياركم تحوم
فقال الشمس السفاريني:
عسى ولعلما فرج قريب … تزول به المصائب والهموم
فعادته إذا ما ضاق أمر … أتي فرج به تبرا الكلوم
وابتنى صاحب الترجمة قاعة في داره فكتب له الأديب سعيد بن محمد الشهير بابن السمان قوله:
لله قاعة أنس طاب موردها … للوافدين وللالاف معهدها
حوت بدائع وشي لا يماثلها … زهر الرياض وزهر الأفق تجسدها
فالسعد في ربعها ألقى مقالده … وداعيات المنى فيها ترددها
قد شادها أحمد الوصف الجميل ومن … به عيون الأماني قر سؤددها
سليل قوم بها الأيام قد فخرت … وافتر عن مبسم الاسعاد مقصدها
لا زال من حادثات الدهر في دعة … من حلها ودواعي اليمن تقصدها
ما صاح في ربعها الأسنى مؤرخها … يا قاعة في مراقي المجد أحمدها
وكان صاحب الترجمة طويل القامة جسيم البدن أشقر اللون وكان له تردد على أعيان دمشق ورؤسائها وجسارة واقدام في الأمور ومشاركة في العلوم وكانت وفاته في العشرين من شعبان سنة اثنين وسبعين ومائة وألف وصلي عليه في
الجامع الأموي ودفن بتربة الذهبية عند قبور أسلافه وتقدمت تراجمهم جميعًا رحمهم الله تعالى.
* الشيخ عمر الطوراني مفتي الحنابلة ببغداد
عمر بن مصطفى الشهير بالطوراني البغدادي الشيباني أحد خدام حضرة العارف
стр. 126
الرباني سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره الشيخ الصالح الفاضل النبيل البارع المتفوق نجم الدين ولد ببغداد ونشأ بها وقرأ على فضلائها فأخذ العلوم العقلية والنقلية عن الجمال عبد الله بن حسين السويدي الشافعي والعالم ياسين بن عبد القادر الهبتي الشافعي وتولى رياسة المؤذنين بجامع الأستاذ المنوه به وإفتاء السادة الحنابلة ببغداد واستمر على ذلك مدة من السنين يفتي ويقريء ويفيد ثم توجه لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية وتزج بها وسكنها إلى أن توفي وكانت وفاته سنة أربع وثمانين ومائة ألف رحمه الله تعالى.
* الشيخ عبد الله الحطابي
عبد الله بن شحاده السفاريني النابلسي الشهير بالحطاب الشيخ العالم الذكي الماهر المتقن المتفنن المحصل اللبيب الأوحد زكي الدين أخذ عن عالم الديار النابلسية الشيخ محمد السفاريني ثم قدم دمشق وأقام بها للأخذ والتحصيل فأخذ الفقه وأصوله عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي والعربية عن الشهاب أحمد بن علي المنبني قرأ عليه مغني اللبيب بطرفيه والأصول عن المحقق عليم الله بن عبد الشكور الهندي نزيل دمشق ثم رجع إلى دياره وكان يكتب الخط الحسن وكتب بخطه الأساس في اللغة للزمخشري وما زال منقطعًا في خدمة شيخه السفاريني المذكور حتى اخترمته المنية وكان نحيف الجسم ومع ذلك كانت له قوة زائدة على التهجد وقيام الليل وتلاوة القرآن وله فهم رائق وشعر فائق ومحاضرة لطيفة تؤذن برتبة منيفة وكانت وفاته سنة سبع وثمانين ومائة وألف ودفن بنابلس ﵀.
* العلامة الشيخ محمد السفاريني - صاحب العقيدة
محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني الشهرة والمولد النابلسي شيخنا الشيخ الإمام والحبر البحر الهمام العالم العامل والنحرير الكامل العلامة المحقق والفهامة المدقق صاحب التآليف الكثيرة والتصانيف الشهيرة بهجه الفقهاء والمحدثين شمس الدنيا والدين خاتمة الحنابلة في الديار النابلسية صاحب الفيوضات الآلهية والعلوم اللدنية عمدة المتأخرين حجة المناظرين مخرج الفروع على الأصول
стр. 127
الجامع بين المعقول والمنقول مطرز أردية الفتاوى النحرير مرجل هامات المباحث بتيجان التقرير سيد أهل التحقيق على التحقيق وسعد أرباب التدقيق بنظرة التدقيق - ولد ﵁ بقرية سفارين من قرى نابلس سنة أربع عشرة ومائة ألف ونشأ بها وتلا القرآن العظيم ثم رحل منها إلى دمشق لطلب العلم مشمرا عن ساق الاجتهاد فقرأ على المتصدرين بها إذ ذاك من الأئمة كالأستاذ العارف الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي وجدي الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي الشافعي وأخذ الفقه عن جماعة كالشيخ عبد القادر التغلبي والشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي وأخذ التفسير والحديث عمن ذكر وعن العلامة الشهاب أحمد بن علي المنيني والشيخ عبد الرحمن السليمي الشهير بالمجلد والشيخ مصطفى السواري شيخ المحيا النبوي بدمشق وانتفع ونفع وساد وبرع وبعد أن امتلأت صدفته بجواهر العلوم وطفح حوضه بماء المفهوم رجع من دمشق إلى قرية سفارين واستقام بها مدة ثم ارتحل منها إلى مدينة نابلس وتوطنها إلى وفاته وكان رحمه الله تعالى جليلا جميلًا صاحب سمت ووقار ومهابة واعتبار وكان كثير العبادة والأوراد ملازمًا على قيام الليل يحث الناس دائمًا عليه وكانت مجالسته لا تخلو من فائدة وكان يشغل أوقاته بالإفادة والاستفادة ويطرح المسائل على الطلاب والأقران وتدور بينه وبينهم المحاورات المفيدة وكان صادعا بالحق لا يماري فيه ولا يهاب بل كان يهابه الجميع من أعيان بلده وأمرائها يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكان خيرًا جوادا لا يقتني شيئًا من الأمتعة والأسباب
الدنيوية سوى كتب العلم فإنه كان حريصًا على جمعها ويقول دائمًا أنا فقير من الكتب وكان ينفق كل ما يدخل إلى يده من الدنيا وعاش مدة عمره في بلده عزيزًا موقرًا محتشما وألف التآليف العديدة وصنف الأجوبة السديدة فمن تآليفه شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد في مجلد ضخم. وشرح نونية الصرصري سماها معارج الأنوار في سيرة النبي المختار في مجلدين. وتحبير الوفا في سيرة المصطفى مجلد وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب مجلد ضخم. والبحور الزاخرة في علوم الآخرة مجلد ضخم. وكشف اللثام في شرح عمدة الأحكام. ونتائج الأفكار في حديث سيد الاستغفار
стр. 128
والجواب المحرر في الكشف عن حال الخضر والاسكندر. وعرف الزرنب في شأن السنيدة زينب. والقول العلي في شرح أثر أمير المؤمنين علي ﵁. وشرح منظومة الكبائر الواقعة في الإقناع. ونظم الخصائص الواقعة فيه أيضًا. والدر المنظم في فضل شهر الله المحرم. وقرع السياط في قمع أهل اللواط. والملح الغرامية في شرح منظومة ابن فرح اللامية. والتحقيق في بطلان التلفيق (يقول المختصر هذه الرسالة ردَّ بها صاحب الترجمة على العلامة الشيخ مرعي الذي أفتى بجواز التلفيق ثم أن العلامة الجد الشيخ حسن الشطي تعقب الشيخ المترجم في هذه المسألة وناقشه فيها فأورد الرسالتين والمناقشة في باب الإِمامة من كتابه "تجريد زوائد الغاية والشرح" وأيد ما ذهب إليه الشيخ مرعي وكثير من العلماء من جواز التلفيق بشرطه وهو أن لا يكون بقصد تتبع الرخص وقد جردت هذا البحث برمته من كتاب الجد ﵀ وطبعته في رسالة مستقلة سنة ١٣٢٨ فليرجع إليها ولواقح الأفكار السنية في شرح منظومة الحافظ أبي بكر بن أبي داود الحائية مجلد (وقد سبق إثباتها في ترجمته في هذا المختصر) وتحفة النساك في فضل السواك والدرة المضية في عقد الفرقة المرضية. وشرحها المسمى لوامع الأنوار البهية وسواطع الآثار الأثرية مجلد ضخم (هذا الكتاب من أعظم كتب الشيخ الدالة على سعة علمه وقوة حجته وقد طبع بمصر سنة ١٣٢٥ وعم النفع به) وتناضل العمال بشرح فضائل الأعمال. والدرر المصنوعات في الأحاديث الموضوعات. ورسالة في بيان الثلاث والسبعين فرقة والكلام عليها. واللمعة في فضائل الجمعة. والأجوبة النجدية عن الأسئلة النجدية والأجوبة الوهبية عن الأسئلة الزعبية.
وشرح دليل الطالب لم يكمل وتعزية اللبيب بأحب حبيب وغير ذلك - وأما الفتاوي التي كتب عليها الكراس والأقل والأكثر فكثيرة ولو جمعت لبلغت مجلدات وبالجملة فقد كان غرة عصره وشامة مصره لم يخلف بعده مثله وكان يدعى للملمات ويقصد في المهمات جسورًا على ردع الظالمين وزجر الباغين إذا رأى منكرًا أخذته رعدة وعلا صوته من الحدة وإذا سكن غيظه وبرد قيظه يقطر رقة ولطافة وحلاوة وظرافة وله الباع الطويل في علم التاريخ وحفظ وقائع الملوك والأمراء والعلماء والأدباء وكان يحفظ من أشعار العرب العرباء والمولدين شيئًا كثيرًا وله من الشعر في المراسلات والغزليات والوعظيات والمرثيات شيء كثير فمنه قوله:
стр. 129
مالي تحيرت دون الناس في أمري … أحس قلبي على مستوقد الجمر
أجوب في الأرض وحدي لا أرى أحدًا … أشكو إليه غراما حل في صدري
وقوله:
أحبة قلبي تزعموا أن حبكم … صحيح فإن كنتم كما تزعموا زوروا
وأحيوا فتى فت الغرام فؤاده … وإلا فدعوى حبكم كلها زور
وقوله وكتبه على شرح الملتقى للسيد مصطفى التميمي ارتجالا:
شرح عليه من القبول دلائل … ومن النقول عن الفحول غلائل
وبه البحوث عن الليوث وفيه من … علم الفروع مع الأصول مسائل
وإذا تصفحه اللبيب بدا له … فقه عليه من الجمال خمائل
وإذا رآه أخو النباهة والحجى … هاجت عليه من الغرام بلابل
إلى آخره. وقوله:
الصبر عيل من القلى … والنفس أمست في بلا
والجفن جف من البكا … والقلب في الشجوى غلى
وشكا اللسان فقال في … شكواه لا حول ولا
وقوله:
ومن العجائب والعجائب جمة … تسطو الظباء فتفرس الأسادا
وتقلب الأحوال في ذا الدهر قد … جعل الحمير الناهقات جيادا
وله غير ذلك من الأشعار والنظام والنثار وكانت وفاته في مدينة نابلس في شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف ودفن من يومه في تربتها الشمالية وقبره ظاهر يزار ويتبرك به ﵀ وجزاه عن الإسلام خيرًا.
* الشيخ إبراهيم المواهبي
إبراهيم بن محمد بن عبد الجليل بن أبي المواهب بن عبد الباقي الدمشقي الشهير بالمواهبي مفتي الحنابلة بدمشق الشيخ الفاضل الصالح الكامل الفقيه البارع النبيل النبيه برهان الدين ولد بدمشق سنة خمس وأربعين ومائة وألف ونشأ بها وتلا القرآن العظيم على شيخنا مقري دمشق الشيخ محمد بن عبد الرحمن المكتبي النابلسي واشتغل
стр. 130
بعد ذلك بطلب العلم فقرأ الفقه والعربية عَلَى أمين فتواه في حياته شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي وعلى غيره وله إجازة من والده الشمس محمد المقدمة ترجمته ولما توفي أخوه الشهاب أحمد في سنة ١١٧٢ جلس مكانه للفتوى ووجهت له بمرسوم من قاضي القضاة بدمشق وبقي مفتيا إلى وفاته وكانت له عدة وظائف دينية وجهت له عن والده وأخيه فقام بها أحسن قيام وكان شهما متواضعا لين الجانب ذا ابهة ووقار نحيف الجسم فقيرًا صابرًا وامتحن فخلصه الله تعالى منها بحسن إخلاصه وبياض سريرته ولم يزل على أحسن حالة حتى توفي وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف وصلي عليه بالجامع الشريف الأموي ودفن عند أسلافه بتربة الغربا من مرج الدحداح قرب قبر العارف الشيخ أيوب بن أحمد الخلوتي من جهة الشمال وأعقب ولدين ذكرين وفقهما الله تعالى.
(يقول المختصر محمد جميل الشطي) كان صاحب الترجمة آخر مفاتي الحنابلة من بني المواهبي بل آخر من عرف من هذه الأسرة الكريمة والسلسلة
العلمية التي كان أولها مسند دمشق العلامة الشيخ عبد الباقي الحنبلي جد جد صاحب الترجمة والله أعلم هل كان سبب انقراضهم واندراس رسومهم ترك العلم والاتكال على شهرة الآباء كما فعل الله ذلك بكثير من العائلات العلمية قديمًا وحديثًا - أو سلب الرياسة والوصائف من أيديهم حيث كانت تنشطهم للعلم والعمل فتحيي ذكرهم وتجعل خلفهم يتبع سلفهم أوامر أراده الله تعالى ألا وأن لكل نجم أفولا ولكل ناضر ذبولا "ولكل أجل كتاب" فسبحان الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية.
* العلامة الشيخ أحمد البعلي
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن مصطفى الحلبي المحتد ثم البعلي الدمشقي المولد والسكن والوفاة مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد تلميذه المترجم قبله الشيخ الإمام العلامة العامل الفقيه الفرضي الحيسوبي الصوفي الخلوتي الخاشع الناسك النحرير الأوحد شيخنا وأستاذنا شهاب الدين كان مولده في ثامن رمضان سنة ثمان ومائة وألف بدمشق ونشأ بها في كنف والده وتلا القرآن العظيم ثم شرع في طلب العلم مشمرًا عن ساق الاجتهاد فأخذ التفسير والحديث وألفه عن والده الجمال
стр. 131
عبد الله بن أحمد البعلي وعن خاتمة المسندين الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة بدمشق وعن حفيده الشيخ محمد بن عبد الجليل المواهبي والشيخ عبد القادر بن عمر التغلبي والشيخ عواد بن عبيد الله الكوري والشيخ مصطفى بن عبد الحق اللبدي وأخذ التفسير والحديث أيضًا وباقي العلوم عن جماعة كالأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وجدي الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري والمحدث الشيخ إسماعيل العجلوني الجراحي والشمس محمد بن علي الكاملي وولده العز عبد السلام وابن عمنا الشهاب أحمد بن عبد الكريم الغزي مفتي الشافعية بدمشق والشيخ محمد بن عيسى البناني الصالحي ولما قدم دمشق عالم الحجاز الشمس محمد بن عقيلة المكي سمع منه حديث الأولية وأجاز له بما تجوز له روايته وحج صاحب الترجمة سنة ١١٦٥ فأخذ بالمدينة المنورة عن الشيخ الإمام جعفر بن حسن بن
عبد الكريم البرزنجي وجميع من ذكر كتبوا له إجازات بخطوطهم وقفت عليها فرأيتها مشحونة بالثناء عليه وقد ألف شيخنا المترجم مؤلفات نافعة فمنها الروض الندي بشرح كافي المبتدي وذخر الحرير بشرح مختصر التحرير للتقي الفتوحي ومنية الرائض لشرح عمدة كل فارض وغير ذلك من التعليقات في الحساب والفرائض والفقه ودرس بالجامع الأموي فأفاد وأجاد وانتفع الناس به طبقة بعد طبقة وكان يأكل من كسب يمينه في حياكة "الألاجه" وفي آخر عمره ترك ذلك لعجزه وحج ودرس بالمدينة المنورة ولازمه جماعة من أهلها وما زال عَلَى أحسن حال وأبدع منوال إلى أن توفي في محرم سنة تسع وثمانين ومائة وألف ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى.
(يقول المختصر) إلى صاحب الترجمة ينتهي سند الفقه في ديارنا الشامية الآن بروايته عن الشيخ أبي المواهب عن والده الشيخ عبد الباقي الحنبلي صاحب الثبت المشهور جزاهم الله عنا خيرًا.
* الشيخ عبد الرحمن البعلي
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي الخلوتي شقيق الذي قبله الشيخ الإمام العالم العامل الأديب البارع الفقيه المقري المفنن الأوحد زين الدين ولد بدمشق ضحوة يوم الأحد ثاني عشر جمادي الأولى سنة عشر ومائة وألف ونشأ بها وتلا القرآن على والده
стр. 132
في مدة يسيرة واشتغل بطلب العلم فقرأ على أبي الفضائل عواد بن عبيد الله الكوري في مقدمات العلوم ولازم دروس الأستاذ أبي المواهب بن عبد الباقي الحنبلي في الفقه والحديث نحو خمس سنين ودروس الفقيه الشيخ عبد القادر التغلبي في علوم شتى مدة خمس عشرة سنة وأجازاه إجازة عامة ثم لازم بعدها الشيخ محمد الموهبي حفيد أبي المواهب المذكور نحو تسع سنوات وأجازه وأخذ التفسير والتصوف عن العارف الشيخ عبد الغني النابلسي وحضر عليه الفتوحات المكية والفصوص وشرح الديوان الفارضي ولازمه نحو ثمان سنوات وأجازه إجازة عامة بخطه وأخذ طريق الخلوتية ومقدمات في الأدب عن الشيخ محمد الكناني الخلوتي ولازمه نحو خمسة عشر سنة وأجاز له وأخذ
أيضًا عن غير هؤلاء ثم ارتحل إلى الروم ورجع منها إلى حلب سنة ١١٤٤ فأخذ جملة من المنطق والأصلين عن الشيخ صالح البصري والشيخ محمد بن الزمار والشيخ قاسم البكرجي وقد ذكر سائر مشايخه في ثبته وعظم أمره واشتهر ذكره وله شعر لطيف جمعه في ديوان فمنه قوله مقتبسًا:
أعبد الله وأجاهد … فإذا فرغت فانصب
والزم التقوى خلوصًا … وإلى ربك فارغب
وله غير ذلك وكانت وفاته بحلب سنة اثنين وتسعين ومائة وألف ودفن بها رحمه الله تعالى (يقول المختصر) اطلعت عندنا على شرح لصاحب الترجمة على كتاب أخصر المختصرات للشمس محمد البلباني في مجلد تاريخ تأليفه سنة ١١٣٨ وعلى ظهر الشرح المذكور هذان البيتان منسوبين إلى المؤلف وهما:
عدة كتب ذا الكتاب عشره … مع ثمان كلها مشتهرة
أبوابه سبع فصول مائة … وستة وهي به منتشره
* الشيخ محمد اللبدي
محمد بن مصطفى بن عبد الحق اللبدي الأصل والشهرة الدمشقي المولد والوفاة مفتي السادة الحنابلة بدمشق بعد شيخنا الشهاب البعلي الشيخ العالم الفاضل الكامل المتفوق الفرضي الحيسوب الفقيه النحرير الصالح الناسك الهمام الأوحد مصلح الدين أحد أشياخنا الأئمة الأعلام كان مولده بدمشق سنة أربعين ومائة وألف ونشأ بها في كنف
стр. 133
والده المقدم ذكره وتلا القرآن العظيم على شيخنا محمد بن عبد الرحمن المكتبي وشرع في طلب العلم فأخذ الفقه عن شيخنا البعلي المقدم ذكره وأخذ بقية العلوم عن شيخنا علاء الدين علي بن صادق الطاغستاني وقرأ الأربعين النووية مع شرحها لابن حجر المكي وأول البخاري على الإمام عبد الرحمن بن جعفر الأزرملي نزيل دمشق وأجاز له وأخذ النحو عن الشيخ البركة أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي ودرس في الجامع الأموي وانتفعت به الطلبة وخصوصًا الحنابلة ولم يزل على طريقة مثلى حتى توفي
وكانت وفاته قبيل فجر يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائة وألف وصلي عليه عقب صلاة الظهر بالجامع الشريف الأموي ودفن بمرج الدحداح قريبًا من قبر شيخ شيوخه العلامة عبد القادر بن عمر التغلبي تجاه باب الجبانة الكبرى وأعقب ثلاثة أولاد ذكور رحمه الله تعالى.
* القاضي عبد الرحيم البرادعي
عبد الرحيم بن علي بن أحمد بن عبد الجليل بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الشهير بالبرادعي الشيخ الفاضل الهمام الأوحد الكاتب الماهر قاضي الحنابلة بدمشق كان مولده بصالحية دمشق سنة سبع عشرة ومائة وألف ونشأ في كنف والده المقدمة ترجمته وقرأ القرآن العظيم على السيد ذيب بن أصلان البعلي المكتبي وشرع في طلب العلم فأخذ الفقه عن والده وعن الفقيه محمد بن عبد الجليل المواهبي وحضر دروس العارف الشيخ عبد الغني النابلسي وأخذ عن غيرهم ونبل قدره وعظم مجده وفخره وولي قضاء الحنابلة بدمشق مدة تزيد على ثلاثين سنة ولم يزل على طريقته المثلى إلى أن توفي وكانت وفاته يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة وألف وصلى عليه بجامع السلطان سليم خان العثماني بصالحية دمشق ودفن بالروضة من السفح القاسيوني بجانب والده ﵀.
* السيد إسماعيل الجراعي مفتي الحنابلة بدمشق
إسماعيل بن عبد الكريم بن محيي الدين بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الهادي بن علي بن محمد بن زيد الشهير بالجراعي الدمشقي الشريف لأمه النابلسي الأصل مفتي السادة الحنابلة بدمشق الشيخ الفاضل الأديب الفقيه الفرضي المحصل البارع المتفوق
стр. 134
ولد بدمشق في خامس ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة وألف ونشأ بها في كنف والده المقدمة ترجمته وتلا القرآن العظيم على الشيخ إسماعيل بن محمد اللبدي وأخذ علم القراءات عن الشيخ إبراهيم بن عباس الحافظ شيخ الأقراء بدمشق وعن الشيخ عبد الرحمن القاهري
مقري الديار المصرية حين قدم دمشق وأخذ عقائد تقي الدين بن تيمية الحراني وموفق الدين بن قدامة الصالحي والشمس محمد البلباني عن والده وأخذ عنه أيضًا الفقه والفرائض والحساب وأخذ النحو والمنطق والأصلين عن الشيخ أسعد بن عبد الرحمن المجلد السليمي والجد شيخ الإسلام (أو مفتي الشافعية بدمشق) الشمس محمد الغزي العامري والشهاب أحمد المنيني والجمال عبد الله البصروي والشرف موسى المحاسني والعماد إسماعيل العجلوني والعلامة علي الطاغستاني وأخذ الفقه أيضًا عن الشيخ عواد الكوري والشيخ مصطفى اللبدي والشيخ إسماعيل اللبدي المذكور وأخذ علم الحديث عن الشيخ صالح الجينيني وعن العجلوني المقدم ذكره وحضره في مجالس الحديث تحت القبة بالجامع الأموي ونبل قدره وغزر فضله وارتحل إلى قسطنطينية المحمية مرارًا وحظي ببعض الوظائف السلطانية من العثامنة والتداريس بدمشق واجتمع بأفاضل الروم وصدورها وفي سنة ١١٩٥ وجهت له فتوى الحنابلة بدمشق وعزل عنها الشيخ محمد بن أحمد البعلي الدمشقي ثم عزل عنها ووجهت للبعلي المرقوم ولم يزل كل منهما يعزل صاحبه حتى استقر أمرها لصاحب الترجمة وبقيت عليه إلى وفاته ودرس في الجامع الشريف الأموي بعد وفاة الشيخ محمد اللبدي وأقبلت عليه الطلبة من الحنابلة وغيرهم وتولى وظيفة التكلم على أوقاف الجامع المظفري بصالحية دمشق وكان كثير المخالطة لأمور الناس وألف مؤلفات نافعة فمنها شرح دليل الطالب في مجلدين قرظه له العلماء من أهل المذهب وغيره وشرح غاية المنتهى لم يكمله وشرح قصيدة ابن أبي عوانة الشاعر الجاهلي التي مطلعها:
أفاطم لو شهدت ببطن خبت … وقد لاقى الهز بر أخاك بشرا
وله عدة مقامات أنشأها في وقائع مخصوصة أوقفني على بعضها فرأيته في غاية النفاسة وكان بيني وبينه من المحبة والمودة ما لا مزيد عليه (هذا عجيب من المؤلف الغزي إذ صاحب الترجمة أكبر من والده فهو من طبقة شيوخه لا محالة وليت شعري ماذا يريد بهذا
стр. 135
وأمثاله مما وجدته في الأصل بخطه سامحه الله) وكان طويل القامة بشوشًا متواضعًا لطيف المحاضرة حلو المذاكرة بديع النكتة والنادرة ذا همة عالية في قضاء حوائج الناس مبادرًا إلى رد الحقوق إلى أهلها وله شعر
لطيف وكانت وفاته يوم الاثنين حادي عشر جمادي الأولى سنة اثنين ومائتين وألف بداره بزقاق الشالق بمحلة سويقة صاروجا وصلي عليه بجامع التوبة بعيد العصر ودفن بتربة مرج الدحداح قرب قبورنا رحمه الله تعالى.
* الشيخ حامد اللبدي النابلسي
حامد بن مصطفى اللبدي الأصل النابلسي الشهرة الدمشقي المولد والوفاة الخلوتي شيخ السجادة الطباخية بدمشق بعد شيخنا البدر حسن المرجاني الشهير بالطباخ الشيخ الصالح البركة الدين الورع السالك الأوحد تقدمت ترجمة أبيه وأخيه وكان مولد هذا بدمشق سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف كما أخبرني بذلك من لفظه ونشأ بها وتلا القرآن العظيم عَلَى الشيخ الصالح سعيد بن محمد الجعفري وأخذ الفقه عن شيخنا الشهاب أحمد البعلي وبه انتفع وعانى صنعة التجليد فكان يأكل من كسب يده ثم تزوج بابنة شيخنا المرجاني المقدم ذكره ولازمه وخدم الطريق الخلوتي مدة ثم لما كان يوم الجمعة في جمادي الثانية سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف دعا البدر المرجاني المذكور جماعة من علماء دمشق إلى حجرته الغربية في الخانقاه السميساطية فعمل حلقة الذكر بعد صلاة الجمعة على عادتهم وأقام صاحب الترجمة خليفة عنه وأشهد من حضر عَلَى ذلك وبالجملة فكان المترجم رجلًا صالحًا ذا شيبة منورة ووجه وضيء بشوشا له تودد للناس ملازمًا لخويصة نفسه ولم يزل على طريقته المثلى وحالته الحسنة حتى توفاه الله تعالى وكانت وفاته يوم الأحد رابع عشري جمادي الثانية سنة خمس ومائتين وألف وصلي عليه وقت صلاة العصر في الجامع الأموي ودفن بمرج الدحداح رحمه الله تعالى.
* الشيخ إبراهيم النجدي
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن أبي يوسف النجدي الأصل والشهرة الأشيقري نسبة إلى بلدة من بلاد نجد نزيل دمشق الشيخ الفاضل الفقيه الفرضي المحصل اللبيب الناسك المتقشف بقية السلف الصالح برهان
الدين ولد في منتصف جمادي
стр. 136
الآخرة سنة ست وأربعين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم على محمد بن أحمد بن سيف وأحمد بن سليمان النجديين وأخذ بعد ذلك في طلب العلم فقرأ في مبادئ الفقه على خاله الشيخ عثمان بن عبد الله وحج من بلادهم ثلاث مرات وفي المرة الأخيرة قدم دمشق صحبة الركب الشامي فدخلها في صفر سنة ١١٨١ واستقام بها لطلب العلم فأخذ الفقه وأصوله عن شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله البعلي والشيخ محمد بن مصطفى اللبدي وأخذ العربية عن شيخنا القطب عمر بن عبد الجليل البغدادي وحضر في الصحيحين على شيخنا الشهاب أحمد بن عبد الله العطار في الجامع الأموي بين العشائين وأخذ الفرائض عن الشيخ إبراهيم الكردي وحضر دروس شيخنا المحقق علي أفندي الطاغستاني ونبل قدره وعلا ذكره ودرس في الجامع المعمور الأموي بعد وفاة شيوخنا وأقبلت عليه الحنابلة وانتفعوا به وصار مرجعا في مسائل المذهب ودقائقه وكان فقيرًا صابرًا عليه سيما العلم والعمل والتقوى وكان متقللا من الدنيا معرضا عن زخارفها لا يتردد إلى أحد من أبنائها مثابرًا على صلاة الجماعة في الجامع الأموي مصون اللسان عن اللغو وبالجملة فهو آخر الفقهاء الحنابلة موتًا بدمشق ولم يزل على هذه الحالة حتى توفي مطعونا شهيدًا طعن ليلة الأربعاء سادس عشر شوال سنة خمس أو ست ومائتين وألف توفي بعيد عصر اليوم المذكور وهو في غاية من اليقظة وصلي عليه في مسجد الشيخ عبد الله المنكلاني بمحلة القيمرية ودفن قبيل الغروب في الجبانة الرسلانية تجاه السور الدمشقي وكثر الأسف عليه رحمه الله تعالى.
الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الطائفة الوهابية وأمير البلاد النجدية
لم يذكره المؤلف الغزي في طبقاته هذه وإنما ذكره العم الفاضل مراد أفندى الشطي في رسالة انتقاها من كتاب أبجد العلوم للعلامة الشهير صديق حسن خان ملك بهوبال فقال ما خلاصته: هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف صاحب نجد وإليه تنتسب الطائفة الوهابية وهذا هو المعروف من نسبه ويُذكر أنه من مضر ثم بني تميم ولد سنة خمس عشرة ومائة وألف بالعينية من بلاد نجد ونشأ بها وقرأ القرآن وسمع الحديث وأخذ
стр. 137
عن أبيه وهم بيت فقه حنابلة ثم حج وقصد المدينة المنورة ثم تنقل مع أبيه إلى جريمل قرية من نجد أيضًا ولما مات أبوه رجع إلى العينية وأراد نشر الدعوة فرضي أهلها بذلك ثم خرج عنها بسبب إلى الدرعية وأطاعه أميرها محمد بن سعود من آل مقرن ويذكر أنه من بني حنيفة ثم من ربيعة وذلك في حدود سنة ١١٥٩ فانتشرت دعوته في نجد وشرقي بلاد العرب إلى عمان ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلا في حدود المائتين والألف وكانت وفاته سنة ست ومائتين وألف
ومن مؤلفات صاحب الترجمة كتاب فيه نبذة في معرفة الدين الذى معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار. وكتاب التوحيد المشتمل على مسائل من هذا الباب. وكتاب في مسائل خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية من أهل الكتاب وغيرهم وهو مختصر في نحو كراسة. وكتاب كشف الشبهات في بيان التوحيد وما يخالفه والرد على المشركين. ورسالة في أربع قواعد من قواعد الدين في نحو ورقة، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكتاب في تفسير شهادة لا إله إلا الله وكتاب في تفسير الفاتحة، ورسالة في معرفة العبد ربه ودينه ونبيه. ورسالة في بيان التوجه في الصلاة ورسالة في معني الكلمة الطيبة. ورسالة في تحريم التقليد
وهذا جل ما وقفت عليه من تآليفه وفيها ما يقبل ويرد وعلى كتابه التوحيد شرح مبسوط مفيد لحفيده مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن صاحب الترجمة سماه فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد ولأتباعه أيضا رسائل منها الرسالة الدينية في معني الألوهية للشيخ عبد العزيز بن محمد بن سعود.
وبالجملة فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن اختلف فيه اعتقاد الناس فمنهم من أثنى عليه في كل ما وضعه ونشره ودعا إليه وقاتل عليه فانتصر له وافتخر بالانتساب إليه وإلي طريقته، ومنهم من أساء الظن به كل الظن فرد عليه كل نقير وقطمير اختاره وذهب إليه وكفره وبدعه، ومنهم من سلك سبيل الإنصاف فقبل من أقواله ما كان صوابًا ورد ما خالف منها سنةً وكتابًا، ولعمري هذا هو الطريق السوي والصراط المستوي انتهى
(يقول الفقير محمد جميل الشطي) وقد اطلعت عندنا علي أربع رسائل للمترجم وأتباعه كتب عليها سيدنا الجد شيخ الحنابلة في عصره الشيخ حسن الشطى ﵀ عبارات الرد والصد وقد أُرسلت إليه وقتئذ ليقرظ عليها فيما سمعنا
стр. 138
فمما كتبه عليها بخطه قوله في إحداها: أما بعد فقد تأملت هذه الرسالة المشتملة على تضليل وتكفير المسلمين وتحليل دمائهم وأموالهم ونقل كلام الأئمة وأنه موافق لما ادعاه صاحبها فهي في الافتراء والكذب بمكان عظيم قبح الله وجه جامعها وعامله بعمله السيء وردها واضح لمن كان من أهل الفضل فهي كغيرها من رسائلهم في ذلك فلا حاجة إلى الإطالة ومن طالع الكتاب المسمى بالصواعق والرعود في الرد على ابن سعود قضى بالعجب من أمرهم وأنهم توصلوا بالدين إلى الدنيا وقد أخمد الله فتنتهم وشتت شملهم وبقيت بقية من شيعتهم لأمر أراده الله تعالى وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم انتهى كلام الجد،
قلت: وحادثة الوهابية واستيلاؤهم على المدينة المنورة وما فعلوه بها مشهور كل ذلك وما زالوا مستمرين في سلطتهم وبغيهم يكفرون المسلمين ويدعون إلى ما عندهم من الدين، حتى أوفدت الدولة العثمانية محمد علي باشا بجيشه المصري فحاربهم وأجلاهم عن المدينة المنورة وأوقفهم عند حدهم وكان ذلك في حدود سنة ١٢٥٠.
هذا وقد قلدوا الشيخ ابن تيمية في مسائل وفارقوه بمراحل ولولا خوف الفتن الدينية والسياسية لما انتسبوا إلى ابن حنبل ولا ابن تيمية فهم وصمة في مذهبنا النقي (وأين الشقي المستهام من التقي) ولم تزل نعرتهم فاشية ودعوتهم متمادية حتى سرت إلى كل فؤاد وذكرها الناس في كل ناد وخطب بها الغمر الجاهل ودعا إليها الغر الغافل وما أشبه هؤلاء بالخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ إذ فروا من الكفر فوقعوا فيه وتمسكوا بالدين فزادوا عليه ولا شك أن الزيادة في الدين نقصان والعطاء في غير محله حرمان ولا سيما أن تكفير المسلمين كفر، والخروج عما عليه سوادهم ضلال وخسر، اللهم إلا من اعتدل فبحث متنورا، وحقق متبصرا، ناهجا منهج السلف الصالحين والحنابلة الأثريين، فقد أفرطت الطائفة الأخرى في حشوها وجمودها ومكابرتها وتقليدها والحق لا يزال بين الإفراط والتفريط ومن نحو هذا الاعتدال كان مشرب أستاذنا العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي قدس الله روحه.
وبالجملة فالفرقة الوهابية كما قال العلامة صديق حسن خان أحسن الله إليه يؤخذ من كلامهم ويرد، كما أن فيهم من يعد ومن لا يعد، وقد جرى ذكر مسائلهم في دمشق سنة ١٣١٩ فرد عليهم كل من العالمين الأستاذين الشيخ عطا أفندي الكسم والعم الشيخ مصطفى أفندى الشطي. فألف الأول رسالته الأقوال المرضية
стр. 139
في الرد على الوهابية، وألف الثاني رسالته النقول الشرعية في الرد على الوهابية. ثم إنه ألف العلامة الشيخ يوسف النبهاني كتابه شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق طعن فيه على الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه العلامة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية وتلميذه صاحب مجلة المنار بمصر وعلى العلامة الكبير محمود أفندي الآلوسي مفتي بغداد وولده العلامة نعمان أفندي وابن أخيه السيد محمود شكرى أفندي وتكلم فيهم بكلمات جارحة. فانتدب هذا ورد على النبهاني المذكور بكتاب أطنب فيه وأسهب سماه غاية الأماني في الرد على النبهانى، ثم عمل الشيخ النبهاني أيضا قصيدته الرائية الصغري ورد فيها على من ذكر أيضاً فقابله بعض علماء نجد بثلاث قصائد من بحره وقافيته وكل ذلك مطبوع مشهور. ثم اطلعت على قصيدة أيضًا لبعض أصحابنا الفضلاء سماها الطامة الكبري على الرائية الصغرى كفانا الله الجدال ورزقنا الاعتدال في كل الأحوال
* الشيخ عبد الكريم الحيري
عبد الكريم بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم الحلبي الحيري المحتد والشهرة الشيخ الفاضل البارع الذكي المتفوق النحرير الهمام الأوحد عز الدين ولد بحلب في ثالث ربيع الثاني سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم على البدر حسن بن أحمد السرميني الشافعي وأخذ عنه شيئًا من الفقه والعربية ثم طلب العلم فقرأ بحلب على الشيخ علي بن الزمار وعلى والده الشيخ محمد وأخذ بها عن الشريف مصطفى البكفالوني وعن قاسم بن أحمد البكرجي وأجاز له بمروياته وعن الشريف يوسف أفندي الشامي نقيب حلب وعن الشيخ طه الجبريني والسيد عبد السلام الحريري والشيخ علي بن مصطفى الدباغ الميقاتي مسند حلب وأجاز له ثم رحل إلى القاهرة سنة ١١٥٠ وأخذ بها عن جماعة من صدور علمائها كالشهاب الملوي والشهاب الجوهري والشهاب الدمنهوري والشمس الحفني وأخيه الجمال يوسف
ثم رجع إلى بيت المقدس وهو فاضل فأخذ بها عن الأستاذ مصطفى بن كمال الدين البكري وأجاز له وكان والد صاحب الترجمة قدم إلى دمشق سنة ١١٤٠ ومعه المترجم فاجتمع بالقطب الشيخ عبد الغني النابلسي وأخذ عنه ثم قدم دمشق أيضًا فأخذ عن الأستاذ الشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ موسى المحاسني والشيخ محمود الكردي والشيخ علي الكزبري واجتمع بالولي الشيخ أحمد النحلاوي
стр. 140
وأخذ الطريقة القادرية بمصر عن الشيخ علي البيومي وألبسه الخرقة وأجازه ثم دخل حلب مسقط رأسه ودرس بجامعها وبالمدرسة العلمية ثم ذهب لدار السلطنة العلية قسطنطينية المحمية وتردد إليها مرارًا وولى القضاء مرارًا في عدة بلاد من الروم وحمدت سيرته ولازم من محمد حياتي زاده مفتي التخت العثماني ثم صار له اعتبار الخارج من فيض الله أفندي داماد زاده مفتي التخت المزبور ولم يزل يتنقل بالاعتبارات حتى وصل إلى اعتبار ابتداء التمثلي وكان لطيف الذات حلو المحاورة ظريف المذاكرة منور الوجه مضيء الشيبة وله شعر قليل أنشدني من لفظه لنفسه قوله مضمنا:
رسول الله ضاق بي الفضاء … وجل الخطب وانقطع الاخاء
وجاهك يا رسول الله جاه … رفيع ما لرفعته انتهاء
وبي وجل شديد من ذنوبي … وما أدري أعفو أم جزاء
وما كانت ذنوبي عن عناد … ولكن بالقضا غلب الشقاء
رسول الله حقق فيك ظني … فجودك ليس لي عنه غناء
سمعنا فيك مدحًا فابتهجنا … وسر قلوبنا هذا الثناء
وأجمل منك لم تر قط عين … وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأً من كل عيب … كأنك قد خلقت كما تشاء
وقدم المترجم أخيرًا إلى دمشق في سنة ١٢٠٤ ونزل بدار شيخ الإسلام العلامة الأثري أبي الفضل السيد محمد خليل أفندي المرادي مفتي دمشق (رحم الله روحه) فأكرمه وأحسن نزله واجتمعت به إذ ذاك وأخذت عنه وأجازني بعد إسماع الحديث المسلسل بالأولية وسمعت من فوائده ولطائفه ثم لما ذهب المولى
المزبور إلى حلب رجع المترجم صحبته إليها وبقى عَلَى أحسن سيرة وأطيب سريرة حتى توفي بحلب في شهر ربيع الأول سنة سبع ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
* الشيخ محمد أبو شعر وشعير
ذكره المؤلف في كتابه المورد الأنسي في ترجمة الشيخ عبد الغني النابلسي فقال هو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي المعروف بأبي شعر وشعير النابلسي الأصل الدمشقي المولد والسكن والوفاة الشاغوري الشريف لأمه الفاضل الكامل الولي الصوفي المبارك
стр. 141
التقي النقي الأوحد بحر العلوم والأذواق شيخا تقي الدين قدم والده من بلدة نابلس إلى دمشق وتوطنها وتزوج بوالدة المترجم وهي أخت شيخنا (أو شيخ شيوخنا) الشهاب أحمد البعلي ولد صاحب الترجمة بدمشق سنة ثمان وعشرين ومائة وألف ونشأ بها في حجر والده المذكور وقرأ القرآن العظيم وطلب العلم وأخذ عن جماعة من العلماء منهم خاله الشهاب المذكور ثم أحضره والده بين يدي الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي واستجاز له منه فأجازه بما يجوز له وصافحه ثم سأله عن اسمه فقال له والده محمد فقال الأستاذ وأنا ألقبه بتقي الدين ثم أوصاه به وقال له احترس عليه فسيكون له شأن عظيم وقد صار لشيخنا المترجم أحوال عجيبة وأطوار غريبة؟ واعتقده العامة والخاصة حتى الوزراء والحكام يهدونه الهدايا الجليلة وينذرون له النذور لمآرب لهم فتقضى ويوفون بنذورهم ويقبلون شفاعاته ومن مؤلفاته كتاب عقيدة الغيب والصلوات المعروفة؟ وكانت وفاته عشية يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة سبع ومائتين وألف وصلي عليه بجامع سنان باشا ودفن بتربة الباب الصغير داخل بناء على جادة الطريق وقبره مشهور يزار ويتبرك به (يقول المختصر) أن الصلوات المنسوبة إلى صاحب الترجمة كلها ألفاظ سافلة رذيلة لا ندري كيف نأولها وعلى أي محمل نحملها مع اتفاق الجميع على اعتقاد ولايته وعلو قدره حتى أن العلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن الكزبري ذكره في ثبته في عداد شيوخه وأثنى عليه كما أثنى عليه في هذه الترجمة المؤلف السيد كمال الدين الغزي مفتي
الشافعية بدمشق والذي أراه في مثل صاحب الترجمة من أرباب الأحوال السكوت عنهم بلا اعتقاد ولا انتقاد.
والسلام
فساد كبير عالم متهتك … وأكبر منه جاهل متنسك
هما فتنة في العالمين عظيمة … لمن بهما في دينه يتمسك
تم الجزء الثاني من مختصر طبقات الحنابلة ﵃ على يد الحقير محمد جميل الشطي الإمام الحنبلي بدمشق.
غفر الله له
стр. 142
كلمة للمختصر
إلى هنا انتهى ما اختصرناه من ذيل الفاضل السيد كمال الدين الغزي الشافعي جزاه الله خيرًا ولا بد لنا من كلمة في هذا الذيل وكيف وجدناه وكيف اختصرناه فقد كنا اطلعنا على نسخة المؤلف بخطه وتمتعنا بها زمنًا فوجدناها مخرومة بنقص طبقتين من سنة ١١٠٠ إلى سنة ١١٥٠ فاستدركناه بما وجدناه في تاريخ المرادي مختصرًا معزوًا على عادتنا. وأعظم من هذا ما تركه المؤلف خلال التراجم بياضًا لم يكتب فيه شيئًا ما بين سطر وصحيفة يريد الرجوع إليه كما وصل في كتابه إلى أبي شعر وشعير فأدركته المنية قبل بلوغ الأمنية وقد تصرفنا فيما كان من هذا القبيل واقعًا فيما اخترناه من التراجم بنقل عن مآخذ أخرى وتقريب بعض العبارات من بعض. ثم أن المؤلف عليه الرحمة كان مشربه في كتاب الاطناب في كثير من المواضع والتمدح في بعض الرجال؟ وغير ذلك ولذا فقد عنينا بتهذيب هذه الزوائد كي يشاكل الكتاب نوعًا ما كتاب العليمي الكاتب المجيد رحمة الله عليه ويكون له روح عصرية في الجملة حتى أننا حذفنا مقدمته وترجمة الإمام منه اكتفاء بترجمة العليمي الطويلة البديعة ونرجو أن يكون بذلك قد أحسنا عملا وخدمنا المؤلف وأحيينا أثره وعلى كل حال فهو جدير بالشكر
والثناء عَلَى فضله وسبقه لهذا الذيل مع تقصير الحنابلة أنفسهم في جمع مثله والحمد لله أولًا وآخرًا.
وكان الفراغ من طبع هذا الجزء في ٢٥ ربيع الثاني سنة ١٣٣٩. ويليه ذيله للمختصر وفقه الله تعالى.
стр. 143
(يقول جامع هذه الطبقات ومختصرها محمد جميل الشطي هذا أول ما جمعته من تراجم علمائنا المتأخرين من الحد الذي وقف عليه العلامة الغزي إلى يومنا هذا)
ولنذكر قبل الشروع في ذيلنا نبذة من ترجمة سلفنا الغزي المشار إليه كما فعل هو بسلفه عند استفتاح ذيله وذلك تنويهًا بفضله وشكرًا على صنعه وإن يكن غير حنبلي فإنه أخذ عن الحنابلة وخدمهم جزاه الله خيرًا بما لم يخدموا به أنفسهم فنقول ملخصين ترجمة عن تاريخنا روض البشر في أعيان القرن الثالث عشر الذي عنينا بجمعه منذ سنة ١٣٢٣.
هو أبو الفضل كمال الدين محمد بن محمد شريف بن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن زين العابدين بن زكريا بن بدر الدين محمد بن رضى الدين محمد بن رضى الدين محمد أيضًا ابن شهاب الدين أحمد الغزي العامري الدمشقي وأحمد هذا هو جد بني الغزي الأعلى الذي جاء من غزة هاشم إلى دمشق سنة ٧٧٠ وتوفي سنة ٨٢٢ - الشيخ العالم الفقيه الفرضي الأديب المتفنن المؤرخ النسابة الناظم الناثر الهمام الأوحد مفتي الشافعية بدمشق وابن مفاتيها وصدرها وابن صدورها صاحب التصانيف الفائقة والمجاميع الرائقة ولد بدمشق في تاسع عشر جمادي الثانية سنة ١١٧٣ ونشأ بها في حجر والده وقرأ القرآن على الشيخ محمد الحجاوي وأخذ العلم عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد سعيد السويدي البغدادي وتلقى عنه حديث الأولية والشيخ هبة الله الناجي والسيد كمال الدين البكري والشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق وعلي أفندي الطاغستاني
والشمس محمد الكزبري والشهاب أحمد العطار والسيد محمد العاني والشيخ أحمد البعلي وتلميذه الشيخ محمد اللبدي واستجاز الشيخ يحيى الجامي المدني لما قدم إلى دمشق سنة ١٢٠٥ وكثيرين غيره وولي إفتاء الشافعية بدمشق بعد وفاة والده في محرم سنة ١٢٠٣ وألف مؤلفات لطيفة أغلبها في التاريخ والأدب فمنها هذه الطبقات التي سماها النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل ورتبها على ثلاث عشرة طبقة كل طبقة لخمس عشرين سنة من أول القرن العاشر مصدرة بمقدمة ذكر فيها
стр. 144
سبب التأليف وشيوخه من الحنابلة وترجمة الإمام ﵁ ومنها التذكرة الكمالية وهي عشرون جزءًا تحتوي على فوائد وآداب شتى وقد رأيت الطبقات والتذكرة في مكاتب آل المترجم بخط يده فإذا في الطبقات نقص لم يقدر له إكماله وفي التذكرة بياض كثير ومن مؤلفاته التامة المورد الأنسي في ترجمة الشيخ عبد الغني النابلسي وله غير ذلك وشعره كثير ونثره غزير وكان بينه وبين المولى خليل أفندي المرادي مفتي دمشق ومؤرخ القرن الثاني عشر صحبة شديدة ومحبة أكيدة ومكاتبات أدبية ومساجلات شعرية ولا عجب فإن بينهما جامعة الإفتاء والفتوة والأدب حتى نقل له المرادي في تاريخه المذكور شيئًا من الشعر وممن اجتمع بالمترجم الأديب الشهير السيد أحمد البربير والبيروتي فكتب إليه قوله:
ضقت لعبد الكمال ذرعًا … وزاد طول البعاد دائي
إن فراق الكمال نقص … حتى على البدر في السماء
يا سيدي زدت بعادي إلى … أن صار جسممي للتجافي خيال
أنقصت حظ الصب مع أنه … لم ير في خلق إلا الكمال
فإذا المترجم بقوله:
مولاي ياذا المكرمات التي … في نظمها والحسن تحكي اللآل
ومن رقى هام العلى وانتهى … لفضله بين الورى الانتهال
بمن حباكم رق قلب غنا … يحكم ذا وله واختيال
كفوا بساط الذل حلما ولا … تؤاخذوني بمطال المطال
وكانت وفاة صاحب الترجمة في صفر سنة ١٢١٤ عن ٤١ سنة ودفن في تربة الدحداح عند قبور عائلته الغزيه وعلى قبره تاريخ صديقه الأديب الفاضل السيد عبد الحليم اللوجي وهو قوله:
أيا سحب الرضا والعفو سحي … على قبر حوى النفس الزكية
محمد الفتى الغزي أرخ … كمال الدين مفتي الشافعية
وقد انقرض عقب صاحب الترجمة وإنما بقي عقب أخيه السيد عبد الغني أفندي فهو والد الأخوين العلامة عمر أفندي مفتي الشافعية بدمشق المتوفى منفيا سنة ١٢٧٧
стр. 145
وإسماعيل أفندي أحد خلفاء مولانا خالد النقشبندي المتوفى حاجًا سنة ١٢٤٧ وهما جدا الموجودين الآن بدمشق من بني الغزي رحم الله سلفهم ووفق خلفهم آمين.
* الشيخ مصطفى الدوماني
ذكره سيدي العم محمد مراد أفندي الشطي ﵀ في مسودة له فقال هو الشيخ مصطفى الدوماني مولدًا وشهرة العلامة الفاضل المفسر الفقيه المتفنن ولد في قصبة دوما ونشأ في صالحية دمشق وأخذ عن الشيخ علي السليمي والملا علي أفندي الطاغستاني وغيرهما وكان آية باهرة من بداية أمره أقبل على حفظ المتون ونقل تقريرات الشيوخ وقد اشتهر أمره وعلا قدره وألف مؤلفات عديدة فما رأيته بخطه ضوء النيرين لفهم تفسير الجلالين في مجلدين وشرح على الكافي في علمي العروض. والقول في حاشية عَلَى دليل الطالب في الفقه نحو عشرة كراريس ورحل صاحب الترجمة إلى مصر وولى المشيخة على رواق الحنابلة في الأزهر ثم رحل إلى القسطنطينية وتوفي بها في خلافة السلطان عبد الحميد الأول رحمه الله تعالى.
* الشيخ محمد هاشم الجعفري
أخبرنا عنه حفيد حفيده الفاضل الشيخ قاسم أفندي نزيل دمشق وغيره من أصحابنا الأدباء فهو محمد بن محمد زيتون بن حسن بن هاشم الجعفري
النابلسي العلامة الفاضل الفقيه القرضي الأديب الشاعر ولد بنابلس سنة ١١٥٦ ونشأ بها وتفقه على والده الشريف زيتون المقدم ذكره وعلى العلامة الشيخ محمد السفاريني وأخذ الحديث عن السيد محمد مرتضى الزبيدي ورحل إلى دمشق فأخذ عن الشهاب أحمد العطار وغيره ثم عاد إلى نابلس وأقام بها يدرس ويفيد وكان مقبول الشفاعة عند حكامها مسموع الكلمة بين أهلها ولما كانت حادثة الوهابية في الديار الحجازية وصُد الحاج الشامي عن دخول مكة سنة ١٢١٢ أوفده أسعد باشا العظم والي الشام وقتئذ هو والشيخ إسماعيل القدومي إلى رئيسهم الأمير ابن سعود فردا عليهم في قصة طويلة كان فيها ما كان ثم صنف صاحب الترجمة رسالة في ذلك وحج في تلك السنة وعاد إلى وطنه وما زال على حالته الرضية وطريقته السوية إلى أن توفى وكانت وفاته
следующие страницы →