المقدمة
الحمد لله القائل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (الشمس: ٩ - ١٠)
والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد، القائل: «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً» (١). وبعد:
فقد تناول هذا الكتاب موضوعين كل منهما في غاية الأهمية.
أولهما: الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام؛ فرضها الله على كل مسلم قادر.
وثانيهما: أسهم شركات المساهمة؛ وهي نوع جديد من المعاملات المالية، لم يسبق للفقه الإسلامي في عصور ازدهاره أن عرفها.
ولظني أنه اشتمل على معظم المسائل المهمة في موضوعه، إن لم يكن كلها سميته (الشامل في زكاة الأسهم واستثمار أموال الزكاة)
وأسهم الشركات، وما تعلق بها نازلة من النوازل الفقهية، ولها جوانب متعددة؛ ومن أهم هذه الجوانب زكاتها.
ومن أهم ما يتعلق بزكاة الأسهم معرفة من يجب عليه أداؤها، أهو المساهم أم الشركة، وقد تم بيان ذلك في الباب الأول وهو: (من تجب عليه زكاة أسهم الشركة المساهمة). وقد جاء في خمسة مباحث.
ولتنوع استثمارات أموال الشركات في هذا العصر تنوعاً كثيراً؛ كأن تكون شركة تجارية محضة، أو أن تكون زراعية، أو عقارية، أو خدمية، أو شركة نقل، أو مواشٍ، أو غير ذلك، وكل نوع من هذه الأنواع قد يتداخل مع نوع آخر.
стр. 2
ولتباين وجهات نظر المعاصرين في مسائل كثيرة من زكاة أسهم الشركات؛ من حيث شمول الزكاة لرأس المال والأرباح، أو قصره على الأرباح؛ ومن حيث التسوية بين جميع الشركات، أو عدم ذلك مراعاة لنوع نشاطها. أو بناءً على الأصل المعهود من نشاط الأفراد فيما شابهها؛ ومن حيث إن صاحب الأسهم أعدها للتجارة أو للحصول على أرباحها؛ ومن حيث مقدار الواجب فيها، تناولت هذا الموضوع في الباب الثاني وهو: (تحرير القول في زكاة أسهم الشركات بالنظر إلى نوع نشاطها).
وقد أوردت للعلماء المعاصرين خمسة آراء، يختلف كل منها عن الآخر، وقد يلتقي بعضها في جزئية محددة أو أكثر.
ولما أثير بشأن (استثمار أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع يعود على مستحقيها)؛ وذلك بأن تتولى إدارة معينة من قبل ولي الأمر استثمار جزء من موارد الزكاة؛ كإنشاء مصانع أو مزارع، أو متاجر لينمى هذا الجزء، وما ينتج عنه من أرباح يوزع على مستحقيها. تناولت هذا الموضوع في الباب الثالث، وجاء في أربعة فصول.
وقد أفردت مبحثاً خاصاً في كل باب أوضحت فيه رأيي مؤيداً ذلك بالأدلة، وبنقول عن أصحاب المذاهب الفقهية.
ولست أزعم أنني لم اُسبق بالكتابة في هذه الموضوعات، بل كُتبت فيها بحوث عديدة، وصدرت في شأنها قرارات من مجامع فقهية وهيئات شرعية. وبعض البحوث كانت جيدة وعميقة، لكنها لم تستوف كل جوانب الموضوع من جهة، ومن جهة أخرى لم يسلك معظمها منهج البحث العلمي؛ كما أن لي وجهة نظر
стр. 3
لا تتوافق مع بعض آرائها، وبالنسبة لقرارات الهيئات الشرعية (١). وإن كان فيها خير كثير، وكانت موفقة أيما توفيق، إلاّ أنها لم تتناول بعض الجوانب بوضوح.
وقد تجنبت ذكر الآراء الضعيفة والشاذة، أو الجزئيات غير المؤثرة، لأنها من جهة مستوفاة في كتب الفقه، ومن جهة أخرى ليست من أهداف البحث، ولأن من منهجي الإيجاز ما أمكن.
وفيما أرى أن الكتاب أثار مشكلات عديدة وأجاب عنها، مستفيداً ممن سبقني، ومن واقع التطبيق العملي، والاعتماد على الأدلة والاهتداء بمقاصد الشريعة الغراء، والأخذ في الحسبان أنا أمام قضايا لها جوانب متعددة وشائكة؛ لزاماً على الباحث أن يلتمس في هدي الشريعة وسماحتها ما يجلي الصورة، ويوضح الجواب، ونأمل أن الله جلت قدرته قد يسّر ذلك.
ومنهجي في ذلك على ما يلي:
١ - جمع أهم ما يتعلق بكل موضوع من المصادر الأصيلة القديمة، ومن بحوث المعاصرين، وعرضه عرضاً جديداً، مبوباً ومرتباً، يساعد على توضيحه، وعلى بيان الحكم الشرعي الذي يفضي البحث إليه.
٢ - تمحيص ما ورد في الموضوع من خلافات كثيرة، واضحة حيناً، ومتشابكة أحياناً أخرى، وتصنيفها وضم كل صنف منها إلى صنفه؛ حتى تتجانس جزئياته مندرجة تحت كلياته.
٣ - عرض آراء الهيئات الشرعية التي لها رأي في الموضوع، وآراء العلماء المعاصرين، وتخريج هذه الآراء على ما يمكن تخريجه عليه من أقوال العلماء السابقين والأئمة المتبوعين.
стр. 4
٤ - تحرير محل النزاع، وذكر نصوص القرارات، ونقل نصوص بعض العلماء إذا دعت الحاجة.
٥ - إيراد أدلة كل فريق، وعند عدم وفاء ما ذكروه فإني أفترض لهم أدلة وأوردها، أو أكملها، وأعمل على إيضاحها، وأبين وجه دلالتها، وأذكر مصادرها، وإن كانت الأدلة حديثية فإني أبين درجة الاحتجاج بها.
٦ - مناقشة هذه الأدلة مناقشة أرجو أن تكون وافية، وفي حالة عدم وجود مناقشة لأي من الفريقين، فإني أفترض لهم مناقشة في ضوء رأيهم وأدلتهم.
٧ - بعد ما سبق أقوم بترجيح الرأي الذي أراه أقوى دليلاً، مع بيان سبب الترجيح، وأُورد الأدلة، والتعليلات التي تؤيده، وربما افترضت ما يمكن أن يورد عليها، وأُجيب عن هذا الافتراض.
٨ - اختيار سهولة العبارة، ووضوح الفكرة، مع البعد عن الإطناب.
٩ - الاتصال ببعض الشركات في المملكة العربية السعودية؛ لمعرفة كيفية تزكيتها لأسهمها.
وكما اشتمل الكتاب على الأبواب الثلاثة المذكورة، فقد اشتمل على هذه المقدمة، وعلى مبحث تمهيدي، وخاتمة، وثبت للمراجع.
اللهم أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 5
سائلاً المولى جلت قدرته أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخراً لي يوم الدين، وأن ينفع به عموم المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
تم هذا الشامل بفضل الله
يوم الاثنين ٠٧/ جمادى الآخرة/ ١٤٤٣ هـ _ ١٠/ يناير/ ٢٠٢٢ م
في حي العوالي- بمكة المكرمة
стр. 6
الباب الأول
من تجب عليه زكاة أسهم الشركة المساهمة
стр. 7
ملخص الباب الأول
اختلف العلماء المعاصرون فيمن تجب عليه زكاة الأسهم أهو المساهم أم الشركة؟ على ثلاثة أقوال:
أ- تجب على المساهم.
ب- تجب على المساهم، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنه.
ج- تجب على الشركة.
والرأي الذي توصلت إليه هو أن وجوب الزكاة متوجه إلى الشركة لا إلى آحاد المساهمين، لأن الزكاة تكليف متعلق بالمال، ولذا فإنها تجب على الشخص الاعتباري حيث لا يشترط لها التكليف الذي أساسه العقل والبلوغ، كوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ويدفعها عنهما وليهما، هذا إذا كانت الشركة تقوم بإخراجها، أما إذا كانت لا تقوم بذلك فيجب على المساهم أن يخرج زكاة أسهمه. وما توصلت إليه هو للأدلة التي أُوردت في المبحث الخامس ومنها عموم حديث «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ» (١)، وكذلك أخذاً بمبدأ الخلطة في أموال التجارة، ولثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية، فيجب على ذي السلطة فيها إخراجها، وعليه فإذا كانت الشركة في دولة إسلامية تطبق نظام الزكاة، أو كانت في دولة غير إسلامية، لكنها تتمكن من أداء الزكاة لمصارفها، لزم الشركة أن تقوم بحصر الزكاة، وتسليمها إلى الجهة المختصة بها، لتقوم بتوزيعها على مستحقيها.
стр. 8
مبحث تمهيدي
في حكم الزكاة، وحكم من لم يؤدها جحوداً أو تهاوناً
المطلب الأوّل:
حكم وجوب الزكاة:
الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وفرضٌ من فروضه، وهي حق مالي، فُرضت للمواساة والإحسان، فتجب العناية بها، والحرص على أدائها كما أوجب الله، وقد جمع الله بينها وبين الصلاة في اثنين وثمانين موضعاً من كتابه الكريم، منها قول الله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ (البقرة: ٤٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ (النور: ٥٦)، وقوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥)، وكذلك جمع بينهما الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ لما بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن: «ادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأَنِّي رَسولُ الله، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لذلكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عليهم خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لذلكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ الله افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ» (١).
وبهذا تبين عظم شأن الزكاة، وأنها في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ قرينة الصلاة، والصلاة لا يخفى عظم شأنها، فهي عمود الإسلام، وهي أعظم الأركان
стр. 9
بعد الشهادتين، والزكاة أختها وقرينتها، فمن بخل بها حُشر مع أعداء الله، الذين آثروا المال على طاعة الله ورسوله (١).
وقد وجبت بالكتاب والسنة والإجماع (٢)، وقد سبق ذكر بعض آياته الدالة على ذلك، أما السنة فمنها حديث معاذ الذي سبق ذكره، ومنها قوله ﷺ : «بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَان »(٣). وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة على قتال مانعها (٤).
فيجب على كل مسلم مكلّف، إحصاء ما لديه من المال الزكوي، وإخراج زكاته إذا حال عليه الحول، وبلغ نصاباً، ويكون طيب النفس بذلك، أداءً لما أوجبه الله، وشكراً لنعمته، وإحساناً إلى عباده، وإذا فعل المسلم ذلك، ضاعف الله له الأجر، وأخلف عليه ما أنفق (٥)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (سورة البقرة: ٢٧٧). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سورة سبأ: ٣٩) وبارك له في الباقي، قال ﷺ : «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٦). وزكاه وطهره، كما قال الله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١٠٣).
стр. 10
ويجب على المسلم أن يعظم حرمات الله، وأن يحذر من التساهل في أداء الزكاة، للأدلة التي سبق ذكرها، أما غير المكلف من المسلمين؛ كالصغير والمجنون، فالواجب على وليّه إخراج زكاة ماله (١)، كلما حال عليه الحول، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ابتَغُوا في مالِ اليتامى لا تأكُلُها الزكاةُ» (٢)، ولعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب الزكاة في مال المسلم مكلفاً أو غير مكلف.
ويرى الحنفية أنها لا تجب على الصبي والمجنون، وعّللوا ذلك بأنها عبادة محضة، وليسا مخاطبين بها (٣).
والراجح هو رأي الجمهور لعموم الأدلة الشاملة للمسلم مكلّفاً أو غير مكلّف، وليس في أيٍ منها استثناء للصبي والمجنون، بل ورد الحديث المحتج به مؤيداً لعموم الأحاديث الأخرى. كما يؤيد ذلك ما أخرجه ابن زنجويه بسنده إلى الحكم ابن أبي العاص الثقفي قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ قال لي: هل قبلكم متجر؟ فإن في يدي مالاً ليتيم، قد كادت الصدقة أن تأتي عليه. (٤)
стр. 11
المطلب الثاني:
حكم من لم يؤد الزكاة جحوداً أو بخلاً أو تهاوناً
الفرع الأول: حكم من لم يؤد الزكاة جحوداً لوجوبها
في حكم تارك الزكاة تفصيل، فإن تركها جاحداً لوجوبها مع توافر شروط وجوبها عليه كفر بذلك إجماعاً، ولو زكّى ما دام جاحداً لوجوبها (١)، وهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين (٢).
فالجاحدون لوجوب الزكاة حكمهم حكم الكفرة، ويحشرون معهم إلى النار، وعذابهم فيها مستمر أبد الآباد كسائر الكفرة؛ لقول الله في حقهم وأمثالهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ البقرة: (١٦٧). وقال ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٧). والأدلة في ذلك كثيرة، ومن السنة حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلُ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، ويُؤْمِنُوا بي، وبِما جِئْتُ به، فإذا فَعَلُوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ، وأَمْوالَهُمْ إلَّا بحَقِّها، وحِسابُهُمْ علَى اللَّهِ» (٣) فدّل هذا الحديث، وما جاء في معناه، على أن الذي يمتنع من أداء الزكاة، يُباح قتاله، كما قاتل الصديق مانعيها؛ لأنه لا يكون معصوم الدم إلاّ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولهذا لما توفي النبي ﷺ امتنع بعض العرب من أداء الزكاة، وارتدوا عن الإسلام، وتنوعت ردتهم، فبعضهم قال: لو كان نبياً ما مات، وجهل أن الأنبياء ماتوا قبله ﵊. وبعضهم قال: هذه الزكاة لن نؤديها، وبعضهم ارتد بأنواع أخرى، فقام أبو بكر في الناس خطيباً ﵁ وأرضاه، وحث الصحابة على قتالهم
стр. 12
حتى يدخلوا في الإسلام كما خرجوا منه، فراوده عمر في ذلك (١) جاء في صحيح البخاري: «لمّا توفي رسول الله ﷺ ، وكان أبوبكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁ كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقها وحسابه على الله» (٢). فقال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، واللهِ لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلى رَسولِ الله ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ علَى مَنْعِهَا» (٣) وفي لفظ (عِقالاً).
قَالَ عُمَرُ ﵁: «فَما هو إلَّا أنْ رَأَيْتُ أنَّ الله شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ ﵁ بالقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ» (٤). فأجمع الصحابة على هذا، وقاتلوا المرتدين، وجاهدوهم جهاداً عظيماً، حتى أدخلوهم في الإسلام كما خرجوا منه، إلاّ من سبقت له الشقاوة فقُتل على ردته؛ كمسيلمة الكذاب وآخرون. وهدى الله من هدى منهم من بقاياهم (٥).
وإذا طلبها ولي الأمر وجب أن تؤدى إليه، فإن لم يطلبها وزعها المسلم بين المستحقين لها. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مانع الزكاة إذا أُخذت منه قهراً لا يؤخذ معها من ماله شيء.
وذهب الشافعي في القديم (٦)، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر عبد العزيز من أصحاب أحمد إلى أن مانع الزكاة يؤخذ شطر ماله عقوبةً له، مع أخذ الزكاة منه (٧).
стр. 13
يُستدل لقول الجمهور بحديث «ليس في المالِ حقٌّ سوَى الزَّكاةِ» (١) وبأن الصحابة ﵃ لم يأخذوا نصف أموال الأعراب الذين منعوا الزكاة.
واستدل أصحاب القول الثاني: بقول النبي ﷺ : «في كلِّ إبلٍ سائمةٍ في كلِّ أربعينَ ابنةُ لبونٍ لا يفرَّقُ إبلٌ عن حسابِها من أعطاها مؤتَجرًا فلَهُ أجرُها ومن أبى فإنَّا آخذوها وشطرَ إبلِهِ عزمةٌ من عزماتِ ربِّنا لا يحلُّ لآلِ محمَّدٍ منْها شيءٌ» (٢).
والراجحُ قول الجمهور لقوة أدلتهم، وأُجيب عن حديث «فإنَّا آخِذوها وشَطْرَ مالِهِ» بما قاله البيهقي وغيره: بأنّ حديث بهز منسوخ (٣)، وبما أجاب به إبراهيم الحربي (بأن: لفظه وهم فيه الراوي، وإنما هو: «فإنّا آخذوها من شطر ماله» أي نجعل ماله شطرين، فيتخير عليه المصدّق، ويأخذْ الصدقة من خير الشطْرين عقوبةً لمنعه الزكاة، فأمّا ما لا يلْزمه فلا) (٤).
ومن كان مقراً بوجوب الزكاة، ومنعها وهو خارج عن قبضة الإمام، فعلى الإمام أن يقاتله، لأن الصحابة قاتلوا الممتنعين من أدائها، فإن ظفر به أخذها منه من غير زيادة على قول الجمهور كما تقدم.
ومانع الزكاة المنكر لوجوبها، إن كان جاهلاً ومثله يجهل ذلك، لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية بعيدة عن الأمصار، أو نحو ذلك، فإنه يعرَّف وجوبها ولا يُحكم بكفره، لأنه معذور، وإن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين
стр. 14
أهل العلم فيُحكم بكفره، ويكون مرتداً، وتجري عليه أحكام المرتد، لكونه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة (١).
الفرع الثاني: حكم من لم يؤدها بخلاً أو تهاوناً أو تأولاً
إن تركها المسلم بخلاً أو تهاوناً أو تأولاً، فإنه يعتبر بذلك فاسقاً، قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، وهو تحت مشيئة الله إن مات على ذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٤٨). ولا يحكم بكفره، ولذا فإن مات في قتاله عليها، ورثه المسلمون من أقاربه وصُلى عليه.
وفي رواية عن أحمد يحكم بكفره ولا يُورثْ ولا يُصلى عليه، لما روي أن أبا بكر لما قاتل مانعي الزكاة، وعضتهم الحرب قالوا: نؤديها، قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ووافقه عمر. ولم ينقل إنكار ذلك عن أحدٍ من الصحابة فدّل على كفرهم (٢).
وكل مالٍ لا تُؤدى زكاته فهو كنز، يعذب به صاحبه يوم القيامة، وقد دل القرآن الكريم والسنة المتواترة على أن تارك الزكاة يعذب يوم القيامة بأمواله التي ترك زكاتها، ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وهذا الوعيد في حق من ليس جاحداً لوجوبها. قال : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: ٣٤) وقال رسول الله ﷺ : «ما مِنْ صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، صُفِّحَتْ له صَفائِحُ مِنْ نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ
стр. 15
ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ). (١) كما دلّت على تعذيب من لم يزك ما عنده من بهيمة الأنعام - الإبل والبقر والغنم - وأنه يعذب بها نفسها يوم القيامة. وإذا بخل بالزكاة وتهاون بأمرها، غضب الله عليه، ونزع بركة ماله، وسلط عليه أسباب التلف والإنفاق في غير الحق، وعذبه به يوم القيامة قَالَ ﷺ : «تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَقَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ قَالَ وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ» (٢)، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثم يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثم يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٨٠) (٣).
وحُكم من ترك زكاة العملة الورقية، أو عروض التجارة، ومنها الأسهم حكم من ترك زكاة الذهب والفضة؛ لأنها حلت محلها وقامت مقامها.
стр. 16
المبحث الأول في تعريف الزكاة، والشركة، والأسهم
المطلب الأول: تعريف الزكاة
الزكاة لغة: مصدر زكا الشيء إذا نما وزاد؛ يقال زكا الزرع يزكو زكاءً، والمال يزكو إذا كثر وزاد (١).
وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح (٢). قال أبو الحسن الواحدي: والأظهر أن أصلها من الزيادة (٣)، وقد جاء لفظ الزكاة بجميع هذه المعاني في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١٠٣)، وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي طهرها من الأدناس، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ
أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النجم: ٣٢) أي لا تمدحوها. وقال ابن فارس: الأصل في الزكاة: رجوعها إلى هذين المعنيين، وهما النماء والطهارة (٤).
فالزكاة في اللغة تطلق على النماء، وتطلق على المدح والصلاح والطهارة والبركة، فإن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه المدح والثناء الجميل.
قال أبو علي: الزكاة: صفوة الشيء (٥).
стр. 17
واصطلاحاً: للعلماء اتجاهان في تعريف الزكاة، فمنهم من يعرفها بالمعنى الاسمي، أي باعتبار القدر المخرج، ومنهم من يعرفها بالمعنى المصدري، أي باعتبار الإخراج.
فمن تعريف الزكاة بالمعنى الاسمي، أنها «اسم لقدر مخصوص يجب صرفه لأصناف مخصوصة بشرائط» (١).
ومن تعريفها بالمعنى المصدري، أنها: «إخراج جزء مخصوص من مال مخصوص بلغ نصاباً إن تم الملك وحال الحول» (٢).
وقد عرف ابن عرفة الزكاة بالاعتبارين، فقال: «الزكاة اسماً: جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصاباً، ومصدراً: إخراج جزء … الخ» (٣).
إذاً فهي تطلق شرعاً على إخراج مال الزكاة، كما تطلق على القدر المخرَج من المال، ولذلك عرفها ابن قدامة بأنها: «حق يجب في المال» (٤)؛ والحق يشمل الإخراج والقدر المخرج معاً.
وترد شرعاً بالاعتبارين معاً؛ أما الأول؛ فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلق أهلها بالأموال ذات النماء كالتجارة، والزراعة، كما جاء أن الله تعالى يربي الصدقة (٥). قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولَا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كما يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» (متفق عليه) (٦).
стр. 18
أما الثاني؛ فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وطهرة من الذنوب، كما أن معنى الثناء والبركة والصلاح مراد شرعاً.
والمناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي للزكاة ظاهرة، قال ابن عابدين: وكلها توجد في المعنى الشرعي؛ لأنها تطهر مؤديها من الذنوب ومن صفة البخل بإنفاق بعضه؛ ولذا كان المدفوع مستقذراً … وتنميه بالخلف (١) قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ (سبأ: ٣٩)، ويمدح بها الدافع، ويثني عليه بالجميل (٢) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ (المؤمنون: ٤).
стр. 19
المطلب الثاني: تعريف الشركة:
تعريفها لغة: للشركة في اللغة ثلاثة معان وهي:
المخالطة (١)، والاختلاط (٢)، والخلط (٣).
(هذه العبارات كل منها له معنى خاص، فالمخالطة مفاعلة تدل على خلط من كل من الشريكين، والخلط يدل على وجوده من أحدهما، والاختلاط هو أثر الخلط، سواء تم بصنع الشريكين، أو بدون صنعهما، بأن اختلط المالان بعامل خارج عن إرادتهما (٤).
(فمن عبر بالخلط، أو المخالطة راعى الفعل الصادر من الشريكين، ومن عبر بالاختلاط راعى أثره. لكن لما كانت الشركة تحصل تارة في رأس المال، وتارة في الربح، كان التعبير بالاختلاط أعم؛ لأنه يشمل ما حصل بخلط، أو بدونه؛ كالحاصل في ربح المضاربة، وشركة الأبدان) (٥).
تعريفها اصطلاحاً:
عرف الحنفية شركة العقد بأنها: (عقد بين المتشاركين في الأصل والربح) (٦).
وعرفها الدردير من المالكية بأنها: (عقد مالكَيْ مالين فأكثر على التجر فيهما معاً، أو عقد على عمل بينهما والربح بينهما بما يدل عليه عرفاً) (٧).
وعرفها الشافعية بأنها: (ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع) (٨).
стр. 20
وعرفها الحنابلة بأنها: (اجتماع في تصرف) (١).
وقد أضفنا لتعريف الحنابلة قيد «للكسب لهما»، فصار التعريف: «اجتماع في تصرف للكسب لهما» (٢). وفائدة هذا القيد بيان للغرض الذي تنعقد الشركة من أجله، وهو طلب الكسب. ولتخرج الوكالة، فإنه قد يجتمع اثنان في التصرف في الوكالة.
ولعل أجمعها وأدقها عبارة تعريف المالكية.
المطلب الثالث: تعريف شركة المساهمة، والأسهم:
الفرع الأول: تعريف شركة المساهمة: (عقد يلتزم بمقتضاه شخصان، أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح، بتقديم حصة من مال، أو عمل، أو منهما معاً، لاقتسام ما ينشأ عن هذا المشروع من ربح، أو خسارة) (٣).
تناول التعريف شركات العقد، وهي التي تتم بطريق التعاقد بين أطرافها، وبين أركان الشركة، فأشار بقوله: (عقد) إلى الصيغة، وبقوله: (شخصان فأكثر) إلى العاقدين، وبقوله: (بتقديم حصة من مال، أو عمل) إلى المحل المعقود عليه.
وحيث إن الصيغة هي التي تنبئ عن رضا الأطراف، بوصفها الإرادة الظاهرة المعول عليها في إنشاء العقد، فالإشارة إليها تدل على أنه يجب أن يكون هناك تراضٍ على رأس مال الشركة، وشروطها، ومجال نشاطها، حتى يصح العقد ويترتب عليه أثره. (٤)
ثم ذكر التعريف أهم أحكام الشركة، وهو الاشتراك في الربح والخسارة (٥).
стр. 21
الفرع الثاني: تعريف الأسهم:
الأسهم لغة: جمع سهم، أي النصيب والحظ. والسهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح، ثم سمي به ما يفوز به الفالج سهمه، ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما، ويجمع على أسهم، وسهام وسُهْمان (١).
السهم في الاصطلاح: اختلف الكتَّاب من فقهاء وقانونيين في تعريف السهم؛ بناءً على اختلافهم في المراد منه. وذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: الحصة التي يقدمها الشريك في شركة المساهمة (٢).
الثاني: الصك الذي يعطى للمساهم (٣).
الثالث: هناك من جعله للاثنين؛ أي للصك، ولحق الشريك في الشركة (٤).
والذي نراه أن السهم هو حصة المساهم في رأس مال الشركة، وكل ما ينتج منه من أرباح، واحتياطات، وحقوق. ولذا فإن التعريف المختار لدينا في تعريف السهم اصطلاحاً: (هو الجزء الذي ينقسم على قيمته مجموع رأس مال الشركة، المثبت في صك له قيمة اسمية، وتمثل الأسهم في مجموعها رأس مال الشركة، وتكون متساوية القيمة) (٥).
стр. 22
أما الورقة التي تسمى صك السهم، فليست هي السهم، ولكنها وسيلة لإثباته، وهي وثيقة مستقلة تعطى للمساهم، وتتضمن المعلومات الخاصة بالشركة، مثل اسم الشركة، ومقدار رأس مالها، وجنسيتها، ومركزها الرئيس، ورقم السهم، وقيمته، واسم صاحبه إن كان سهماً اسمياً، أو يكتب فيه أنه لحامله (١).
стр. 23
المبحث الثاني
آراء العلماء في من تجب عليه زكاة أسهم الشركات المساهمة
اتفق معظم العلماء المعاصرين- لا سيما بعد أن اتضحت صورة الأسهم، وأنواعها وخصائصها، وأمعنوا في بحثها- على جواز إنشاء الأسهم، وتداولها بالبيع والشراء، ونحوهما، بشرط أن تكون الأسهم خالية من أي مخالفة شرعية، وأن تكون الشركة خالية من الربا، أو التعامل في المحرمات. (١)
أما وجوب الزكاة في الأسهم فيكاد يكون إجماعاً (٢).
ولكن العلماء المعاصرين اختلفوا فيمن تجب عليه زكاة الأسهم، أهو المساهم أم الشركة؟ ويمكن حصر أقوالهم في ثلاثة آراء، هي:
الرأي الأول: أن زكاة الأسهم تجب على المساهم، ويجب عليه إخراجها، وهذا هو رأي مجمع البحوث الإسلامية. جاء في توصيات مؤتمره الثاني: (في الشركات التي يسهم فيها عدد من الأفراد لا ينظر في تطبيق هذه الأحكام إلى مجموع أرباح الشركات وإنما ينظر إلى ما يخص كل شريك على حدة) (٣). وممن قال بوجوب زكاة الأسهم على المساهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، والشيخ محمد المختار السلامي، والشيخ سالم عبد الودود، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدكتور فاضل الدبو. (٤)
стр. 24
الرأي الثاني: إن زكاة الأسهم تجب على المساهم، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنه، وهذا هو قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة. (١)
وممن قال به الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير. (٢)
والمجمع وإن قال بوجوبها على المساهم، إلا أنه فصل في ذلك؛ حيث يرى إخراجها من قبل الشركة بناءً على خِلطة الأموال في الحالات التي بينها، فنص على أنه:
(أولاً: تجب زكاة الأسهم على أصحابها، وتخرجها إدارة الشركة نيابة عنهم، إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية، أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة، أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه.
ثانياً: تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعد جميع أموال المساهمين أموال شخص واحد وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار، من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخِلطة عند من يعممه من الفقهاء في جميع الأموال. ويطرح نصيب الأسهم التي لا تجب فيها الزكاة، ومنها أسهم الخزانة العامة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجِهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين.
ثالثاً: إذا لم تزك الشركة أموالها لأي سبب من الأسباب، فالواجب على المساهمين زكاة أسهمهم … ) وقد توافق قول الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير مع ما جاء في قرار المجمع من قيود بشأن إخراج الشركة للزكاة نيابة عن المساهمين (٣).
стр. 25
ومجمع الفقه الإسلامي بجدة والشيخ صديق الضرير يرون الأخذ بمبدأ الخِلطة في زكاة الأسهم؛ من حيث بلوغ مجموعها نصاباً وإن قل نصيب بعض الملاك عن النصاب، وأن الأسهم المباعة حولها حول أصلها (١)، ولا تأثير لما يباع من الأسهم في أثناء الحول، وتضمن قرار المجمع رقم ٣ د ٤/ ٨/ ٨٨، أن الأسهم المضافة في أثناء العام تضم إلى موجودات الشركة ولا يستقبل بها عام جديد (٢).
الرأي الثالث: تجب زكاة الأسهم على الشركة، وهي التي تتولى إخراجها، وقال بهذا مؤتمر الزكاة الأول في الكويت بقيود تأتي قريبا إن شاء الله (٣). وقال الشيخ أبو الأعلى المودودي: (نرى أن تقوم الشركات بعد طرح المساهمين الذين لم تبلغ أسهمهم قدر النصاب، أو الذين لم يحل حول كامل على امتلاكهم السهم بأداء زكاة سائر المساهمين مجتمعين، لما في ذلك من تسهيلات إدارية، ولعدم منافاته أي أصل من أصول الشريعة) (٤).
وقال بوجوب الزكاة على الشركة الدكتور وهبة الزحيلي والدكتور عبد اللطيف صالح الفرفور والدكتور عمر الأشقر (٥). والدكتور علي السالوس (٦) ومن الجدير بالذكر أن الدكتور وهبة الزحيلي كان له رأي سابق وهو أنه يدفع مالك الأسهم الزكاة، أو الشركة (٧)، ويظهر لنا أنه رجع عن هذا القول إلى ما بيناه؛ لأن ما نسبناه إليه هو آخر القولين.
стр. 26
وقد بنى أصحاب الرأي الثالث قولهم: على أن للشركة شخصية معنوية، مستقلة عن أشخاص الشركاء (١). جاء في فتوى المؤتمر الأول للزكاة المنعقد في الكويت (تربط الزكاة على الشركات المساهمة نفسها؛ لكونها شخصاً اعتبارياً، وذلك في كل من الحالات الآتية:
١ - صدور نص قانوني ملزم بتزكية أموالها.
٢ - أن يتضمن النظام الأساسي ذلك.
٣ - صدور قرار الجمعية العمومية للشركة بذلك.
٤ - رضا المساهمين شخصياً.
والطريق الأفضل -وخروجاً من الخلاف- أن تقوم الشركة بإخراج الزكاة، فإن لم تفعل فاللجنة توصي الشركات بأن تحسب زكاة أموالها، وتلحق بميزانيتها السنوية بياناً بحصة السهم الواحد من الزكاة) (٢).
وجاء فيه: (إذا قامت الشركة بتزكية أموالها فلا يجب على المساهم إخراج زكاة أخرى عن أسهمه منعاً للازدواج.
أما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فإنه يجب على مالك السهم تزكية أسهمه … ).
يقول الدكتور وهبة الزحيلي: (وبما أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، فإنها تجب على الشخص الاعتباري، حيث لا يشترط لها التكليف الذي أساسه البلوغ مع العقل) (٣).
стр. 27
ويقول الدكتور الفرفور: (يجب على الشركة بوصفها شخصية اعتبارية أن تخرج الزكاة عن كل الأسهم … دون أن يعطى هذا الحق للشريك المالك للسهم، ما دام هذا السهم ذائباً في الشركة فلا سلطان له عليه) (١).
ويتخرج القول بوجوب الزكاة على الشركة على مذهب الإمام الشافعي (٢)، قال النووي: المذهب الجديد الصحيح إن الخِلطة تؤثر في غير الماشية، كما يتخرج على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، بناءً على قوله بتأثير الخِلطة في كثير من الأموال الزكوية؛ كعروض التجارة والزروع والثمار (٣). وهو قول إسحاق والأوزاعي في الحب والثمر (٤)، وهذه الرواية عن الإمام أحمد اختارها الآجري، وصححها ابن عقيل، قال أبو الخطاب في خلافه الصغير: هذا أقيس.
قال المرداوي: فعلى هذه الرواية تؤثر خِلطة الأعيان (٥) بلا نزاع، وكذلك خِلطة الأوصاف. قال الزركشي: وهو ظاهر كلام الأكثرين؛ لإطلاقهم الرواية (٦).
стр. 28
المبحث الثالث
الأدلة
أدلة الرأي الأول:
استدل القائلون بأن زكاة الأسهم تجب على المساهم لا على الشركة، بما يلي:
١ - إن وجوب الزكاة خطاب تكليفي متوجه إلى المكلف، ويتعلق به الثواب والعقاب، والشركة ليست أهلاً لخطاب التكليف، ولا يتعلق بها الثواب والعقاب، فلا يجب عليها شيء (١).
٢ - إن الشركة مملوكة للمساهمين؛ لأن كل سهم يمثل جزءًا من الشركة، فالقول بوجوب الزكاة على الشركة يؤدي إلى أن تكون هي المالكة للأسهم، بينما هي مملوكة لأصحاب الأسهم، وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى (٢).
٣ - إن الأسهم تنتقل من مالك إلى آخر في أثناء الحول، فإذا أوجبنا زكاة الأسهم على الشركة أدى ذلك إلى إخراج الزكاة قبل أن يحول عليها الحول عند المالك الجديد للأسهم، وفي ذلك ظلم له (٣)، ومخالفة صريحة لقول الرسول ﷺ «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (٤).
стр. 29
وعن أم سعد الأنصارية امرأة زيد بن ثابت قالت قال رسول الله ﷺ : «ليسَ على منِ استفادَ مالًا زكاةٌ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ». رواه الطبراني (١)، وفيه عنبسة بن عبد الرحمن وهو ضعيف (٢).
٤ - يقول ابن رشد: (إلا أنه لما كان مفهوم اشتراط النصاب إنما هو الرفق، فوجب أن يكون النصاب من شرطه أن يكون لمالك واحد، وهو الأظهر والله أعلم (٣). فلو قلنا إن الشركة هي التي تجب عليها زكاة الأسهم لأدى ذلك إلى إخراج الزكاة ممن لا تبلغ أسهمه نصاباً، وفي ذلك مخالفة صريحة للحديث الشريف، وظلم على المالك الجديد (٤). قال ﷺ : «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ من الورِقِ صدقةٌ» (٥).
٥ - قال ﷺ : «فأَعْلِمْهُم أنَّ اللهَ افترضَ عليهم صدقةً في أموالِهم تُؤخذُ من أغنيائِهم وتُرَدُّ على فقرائِهم» (٦). وحد الفقر والغنى هو ملك النصاب، فغير مالك النصاب لا يعد غنياً، بل هو صالح لأن يتقبل الزكاة، وهو مصرف من مصارف الزكاة (٧).
أدلة الرأي الثاني:
استدل القائلون بأن زكاة الأسهم تجب على المساهم وتخرجها الشركة نيابة عنه، بما يلي:
стр. 30
١ - موافقة للقول بتأثير الخِلطة في زكاة التجارة كما في المواشي وغيرها؛ وهو مذهب الشافعية الجديد، وهو الصحيح عند محققي المذهب كالنووي (١)، وهو إحدى الروايتين عند الإمام أحمد. وهو مذهب المالكية والحنابلة في المواشي (٢).
٢ - إن أموال المساهمين صارت كالمال الواحد في المؤن، فأثرت الخِلطة في زكاتها كالمواشي (٣).
أدلة الرأي الثالث:
استدل القائلون إن زكاة الأسهم تجب على الشركة بما يلي:
١ - عملاً بعموم الحديث؛ وهو قول الرسول ﷺ : «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ» (٤)، فهو عام في كل مال مختلط، وليس من الأدلة ما يخصصه، ومنه أسهم الشركات؛ ففيه دلالة واضحة على أن ملك الخليطين كملك رجل واحد لا يجوز التفريق بينه (٥)، فكذلك أسهم الشركات ينبغي أن تكون كملك رجل واحد؛ نظراً لاختلاط أموال المساهمين بعضها ببعض، فلا يجوز التفريق بينها عند إخراج الزكاة.
٢ - إن الشركة المساهمة لها شخصية اعتبارية مستقلة، ولها ذمة مالية تكتسب بموجبها الحقوق، وتلتزم بالواجبات، وبما أن الزكاة تكليف متعلق بالمال نفسه، فإنها تجب على الشخص الاعتباري؛ حيث لا يشترط في الزكاة التكليف والبلوغ (٦).
стр. 31
٣ - إن في إلزام الشركة بإخراج زكاة الأسهم جميعها منفعة أكبر للفقراء، وهو مقصد شرعي (١).
٤ - إذا كانت مصلحة جباية الزكاة تحرص على أخذ الزكاة من مجموعة من سائمة الأنعام، فالأولى أخذها من أموال الشركة مجتمعة، لأنه أيسر، وأكثر نصيباً للفقراء، لا سيما أنها تجتمع بالملايين، وطلب جابي الزكاة لها من أيدي الشركاء بعد قبضهم لها أمر عسير، إن لم يكن متعذراً، أو سيكون مبلغ الزكاة قليلاً.
стр. 32
المبحث الرابع
مناقشة الأدلة
مناقشة أدلة الرأي الأول:
١ - قولهم: إن وجوب الزكاة خطاب تكليفي متوجه إلى المكلّف، والشركة ليست من أهل التكليف. يجاب عنه بأن تعلق الزكاة بالمال من باب خطاب الوضع، وليس من باب خطاب التكليف؛ بدليل وجوبها في مال الصبي، وهو ليس من أهل التكليف، وعليه فالزكاة واجبة في المال، وقد استقل المال بشخصية ممثلة في الشركة، فلا مانع أن تجب عليها الزكاة -بمعنى على القائمين عليها- كما يجب على القائم على مال الصبي (١).
٢ - قولهم: إن الشركة مملوكة للمساهمين، فكيف تكون مالكة لأسهمهم؟ يجاب عنه بأنه ليس هناك مانع في العقل ولا في الشرع، من أن يكون الشيء مالكاً باعتبار ومملوكاً باعتبار آخر.
أما عقلاً فلأنه لا يلزم من وقوعه محال، وأما شرعاً فإنه قد دل الشرع على إمكان وقوعه، كما هو الحال في العبد، فقد جاء في الحديث: «ومَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وله مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» متفق عليه (٢). فقد أثبت الحديث صفة الملك للعبد مع كونه مملوكاً.
٣ - قولهم: إذا باع أحد المساهمين أسهمه في أثناء العام، وأوجبنا الزكاة على الشركة فإنه يترتب على ذلك إخراج الزكاة عن هذه الأسهم قبل أن يحول عليها الحول. يجاب عنه بأن هذا لا يؤثر في إخراج الزكاة؛ لأن السهم وما يمثله من
стр. 33
أموال باقٍ في الشركة مهما تعدد المشترون المتعاقبون، فهو وإن انتقل من مالك لآخر إلاّ أنه باق في الشركة لا يخرج منها. وإنما تغير مالكه، ولذا فإن بيعه لا يؤثر في وجوب الزكاة فيه، ولا يضر كون المالك الجديد لم يمض حول على ملكه، ما دام السهم قد حال عليه الحول عند الشركة، ولو تنقل بين عدد من الأشخاص فإن الحكم واحد لا يتغيّر (١). قال الصديق الضرير: وإيجاب الزكاة على المشتري الجديد يتبع أصله، ولا يشترط فيه حولان الحول، و (يخضع لمبدأين: مبدأ الخلطة، ومبدأ المال المستفاد. فبعدما قررنا أن الزكاة واجبة على المساهمين، وهذه الشركة قد اشترك فيها عدد من المساهمين، ثم خرج أحدهم ودخل شخص آخر فهذا مال مستفاد بالنسبة لهؤلاء الشركاء المساهمين الذين تجب عليهم الزكاة والذي اعتبرنا الأموال كلها كمال شخص واحد بمقتضى مبدأ الخِلطة) (٢).
(والأسهم التي تدفع قيمتها، أو تعرضها الشركة للاكتتاب في أثناء العام لا يستقبل بها عام جديد، وإنما تضم إلى موجودات الشركة، ويكون حولها حول المال الذي ضمت إليه إذا كان نصاباً، عملاً بمذهب جماهير الفقهاء (٣). في أن الفوائد كلها تزكى بحول الأصل إذا كان الأصل نصاباً) (٤).
٤ - قولهم: إن وجوبها على الشركة يؤدي إلى إخراج الزكاة ممن لا تبلغ أسهمه نصاباً، وفي ذلك مخالفة لمقصود الشرع، وظلم على المالك الجديد. لقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ من الورِقِ صدقةٌ»، ولقوله ﷺ : «إِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عن أرْبَعِينَ شاة شَاةً واحِدَةً، فليسَ فِيهَا صَدَقَةٌ».
стр. 34
يجاب عنه بنعم ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورق صدقة، وليس فيما دون أربعين من الغنم زكاة، ولكن المراد به حال الانفراد. فيكون جمعاً بين الأخبار، وفق القواعد الأصولية المعمول بها. وحديث «إِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عن أرْبَعِينَ … » عام في غير الخِلطة، وحديث «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ» خصص عموم الحديث السابق. وإنما جاز ذلك، لأن تأثير الخِلطة تنزيل الملكين بمنزلة ملك واحد في وجوب الزكاة، وقدرها، وأخذها شرعاً، كما نزلا منزلة ملك واحد لخفة المؤونة وغزارة الرفق حسّاً وعرفاً. ولأن الزكاة حق الله تعالى يتعلّق بقدر من المال؛ وهو النصاب سواءً كان هذا النصاب لواحد، أم لجماعة، كالقطع في السرقة، يتعلق بالقليل والكثير؛ إذا كان ربع دينار فصاعدا؛ فكذلك الزكاة تتعلق بالواحد، وبالجماعة إذا كان المملوك لهم نصاباً.
وهذا موافق لمذهب الشافعي الجديد، وإحدى الروايتين عند أحمد، خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأرجح الروايتين عند أحمد. وسبب اختلافهم الإجمال في قوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسِ أواقٍ من الورِقِ صدقةٌ» فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه إنما يخصه هذا الحكم إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه أنه يخصه هذا الحكم كان المالك واحداً، أو أكثر من مالك واحد (١).
قولهم: في ذلك مخالفة لمقصود الشرع. يجاب عنه بل ذلك ملائم للشرع، ووضع الزكاة؛ لأن الشرع لما أوجب في سبعين من البقر تبيعاً ومسنة، اقتضى الحساب أن يجب في كل واحدة سُبْعُ عشرِ مسنة وتبيع، تقسيطاً للواجب على ما وجب فيه، ولكن لم يوجب الشرع في الواحد المنفرد؛ لأن مؤنته تكثر، ورفقه يقل، وذلك يؤذن بمنع احتمال المواساة. فأما إذا اختلطوا، واكتفوا براع واحد، ومبيت، ومسرح، وحوض واحد، قلت المؤونة وكثرت الفائدة) (٢).
стр. 35
(فجاز لخفة المؤونة، وكمال النماء أن تبقى فيه على موجب التقسيط، بتعلق الزكاة بكل واحد منهما بحسبه. فهذا نوع من القياس يجوز تنزيل الشرع عليه) (١).
٥ - قولهم: غير مالك النصاب لا يعد غنياً بل هو صالح لأن يتقبل الزكاة. يجاب عنه بما قاله أبو الخطاب الكلوذاني (أن هذا اعتماد على أن من يجوز له الأخذ لا يجب عليه الإعطاء، وليس ذلك بصحيح؛ فإنه لا خلاف بيننا أنه يجوز للإنسان أخذ العشر، ويجب عليه العشر، وكذلك تجب عليه الكفارة، وإن جاز له أخذ الكفارة، وكذلك العامل، وابن السبيل، ومن يقاتل في سبيل الله، يجوز لهم الأخذ من الزكاة، وتجب عليهم الزكاة، فلا يمتنع في مسألتنا مثل ذلك) (٢). بخلاف المدين؛ فإنه يسقط من الزكاة عنه بمقدار الدين، لأن ملكه على ما يقابل الدين ناقص؛ بدليل أنه ينتزع من يده، ويحجر عليه في التبرعات، فهو كملك المكاتب (٣).
مناقشة أدلة الرأي الثاني:
١ - قياس زكاة الأسهم على زكاة الماشية قياس مع الفارق، ثم إن هذا رأي الشافعية فقط، أما جمهور العلماء فيرون عدم تأثير الخلط في غير المواشي.
٢ - قولهم: إن المالين صارا كالمال الواحد في المؤن والتكاليف، فهو كالمواشي. يجاب عنه: بأن تخصيص المواشي بالذكر يدل على أن حكم الخلط خاص بالمواشي، لا يتعداها إلى غيرها من الأموال؛ إذ لو كان الخلط يؤثر في غيرها لبيّن ذلك الرسول ﷺ .
مناقشة أدلة الرأي الثالث:
١ - قياس الأسهم على المواشي في تأثير الخلط، ثم الاستدلال على ذلك بحديث «لا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ» قياس مع الفارق، والفرق أن
стр. 36
المواشي فيها أوقاص (١). فالخِلطة فيها نفع للمالك تارة وللمستحقين تارة أخرى، ولا وقص في غير المواشي (٢).
٢ - وأما قولهم: إن للشركة شخصية مستقلة، وأنها تصبح مالكة للأسهم دون المساهمين، فغير مسلم؛ لأن هذا رأي القانونيين، أما في الشرع فالأسهم تبقى ملكاً للمساهمين (٣). بدليل إمكانية بيعها وشراء غيرها. وكيف تكون ذاتاً معنوية وهل تثاب وتعاقب (٤)؟
٣ - قولهم: إن إلزام الشركة بإخراج زكاة الأسهم فيه منفعة أكبر للفقراء، وهو مقصد معتبر شرعا. يجاب عنه بأن العدالة أيضاً مقصد معتبر شرعا، بل على العدل قامت السماوات والأرض، فمراعاة منفعة الفقراء لا يسوِّغ ظلم المالك وأخذ الزكاة منه ولو لم يبلغ ماله نصاباً.
стр. 37
المبحث الخامس
الرأي الذي توصلت إليه
الرأي الذي توصلت إليه هو أن الزكاة واجبة في المال، لحديث «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فالحديث خص المال؛ لأن الزكاة تكليف متعلق بالمال، ولذا فإنها تجب على الشخص الاعتباري؛ حيث لا يشترط لها التكليف الذي أساسه العقل والبلوغ، فالزكاة واجبة على الشركة، وكما أنه يجب على ولي الصبي أن يدفع الزكاة عنه، فكذلك يجب على من يقوم مقام مالك الأسهم وهو الشركة أن تدفعها. والأصل وجوب إخراج زكاة الأسهم على المساهم، لكن لما كانت الشركة -ممثلة في مجلس الإدارة- قائمة مقام المساهمين أمكن القول بأن وجوب الزكاة متوجه إلى الشركة لا إلى آحاد المساهمين، فيجب على ذي السلطة فيها إخراجها؛ وعليه فإذا كانت الشركة في دولة إسلامية تطبق نظام الزكاة، أو كانت في دولة غير إسلامية، لكنها تتمكن من أداء الزكاة لمصارفها، لزمها أن تقوم بحصر الزكاة وأدائها لمستحقيها، أو تسليمها للجهة الخاصة بجباية الزكاة من جهة الدولة.
وقلت بهذا لما يلي: حديث «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ»، وأخذاً بمبدأ الخِلطة في أموال التجارة، ولثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية التي تعلق بها الأحكام كتعلقها بالأشخاص الحقيقيين، ولوجوب الزكاة في أموال القصر، ولأن الشركة وكيلة عن الشركاء، وفيما يلي بيان ما أجملته.
ما قيل من أن قياس الأسهم على المواشي قياس مع الفارق. يجاب عنه بأنه ليس قياساً على المواشي فقط، ولكن العمدة في الدليل على ما توصلت إليه هو
стр. 38
الاحتجاج بعموم الحديث «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ» حديث صحيح، وهو عام فيعم كل مال مختلط؛ لأن الخِلطة تقع في كثير من الأموال؛ ومنها عروض التجارة؛ ومن عروض التجارة الأسهم في شركات المساهمة، وليس هناك مخصص لهذا الحديث بالمواشي. فإن قيل هو مخصص بحديث «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل» (١). أجيب عنه بأن هذا حديث باطل كما قاله أبو حاتم الرازي (٢)، وقال النووي: حديث ضعيف (٣) فلا دليل على القول بتخصيصها في الماشية.
وقولهم: لو كان الخلط يؤثر في غير الماشية لبينه الرسول ﷺ يجاب عنه بأن تخصيصها لم يصح كما سبق بيانه، ولأن الرسول أعطي جوامع الكلم، والشريعة لا تنص على كل قضية بعينها، وإنما تأتي بألفاظ عامة تنطبق على الموجود، وعلى ما لم يوجد من القضايا المماثلة.
يؤيد هذا أن المساهم لم يُعد له حق معين، وإنما هو حق مشاع في مجموع المال؛ بدليل أنه لا يستطيع أخذ سهمه المملوك له شرعاً وسحبه من الشركة، التي تنوب عنه في إحرازه، والمتاجرة به، ودفع أرباحه، وغير ذلك من التصرفات؛ ومنها دفع زكاته، ولأن المساهم لم يعد له حق عيني على الحصة التي قدمها للشركة، ويبقى حقه قبل الشركة من طبيعة منقولة، ولو كانت حصة الشريك عقاراً (٤).
ولو قلنا تُدفع الزكاة من قبل أصحاب الأسهم لربما أدى ذلك إلى أن ترفض الشركة إعطاء أصحاب الأسهم ما يدفعون به الزكاة في وقتها، ويشح المالك فتضيع الزكاة على الفقراء.
стр. 39
وقد قال بثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه سائر الشركاء: المالكية والحنابلة في الصحيح من المذهب؛ حيث قرروا ثبوت ذلك بمجرد عقد الشركة، سواءً خلطت أموالهم أم لم تخلط، غير أن الحنابلة قيدوا المسألة بما إذا تعّين المال بإحضاره، وقيده المالكية بغير المثلي (١).
وعليه فما يحصل من ربح، أو تلف فيما قدمه الشركاء فإنه لهم وعليهم جميعاً؛ لأن العقد اقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد (٢). جاء في مواهب الجليل: (الشركة الأعمية تقرر متمول بين مالكين فأكثر ملكاً فقط والأخصية بيع ملك كل بعضه ببعض كل الآخر موجب صحة تصرفهما في الجميع فيدخل في الأول شركة الإرث والغنيمة لا شركة التجر يريد أنها تخرج بقوله ملكاً فقط؛ لأن فيها زيادة التصرف) (٣). ولذا عرف ابن عرفة المالكي الشركة بأنها (بيع مالك كل بعضه ببعض كل الآخر، موجب صحة تصرفهما في الجميع) (٤).
وجاء في المغني: (وقولهم: إنه يتلف من مال صاحبه، أو يزيد على ملك صاحبه ممنوع، بل ما يتلف من مالهما، وزيادته لهما، لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصف مال صاحبه) (٥). وجاء في كشاف القناع:
стр. 40
(وتنعقد بمصير كل منهما أي المالين لهما) وجاء فيه: (وما يشتريه كل منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما مشترك. وإن تلف أحد المالين، أو بعضه ولو قبل الخلط فالتالف من ضمانهما، لأن العقد اقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد كنمائه) (١).
وقال ابن مفلح في تعريفه لشركة العنان هي: (أن يشتركا بماليهما المعلومين بما يدل على رضاهما بمصير كل واحد منهما لهما) (٢). وفي حاشية ابن قايد على منتهى الإرادات (أنه ينتقل ملك نصف مال كل واحد منهما للآخر، وأن ذلك مقتضى عقد الشركة) (٣).
وقال الشافعية والظاهرية وزفر من الحنفية: عقد الشركة بعد خلط رأس المال يثبت ملكية كل شريك في جميع أموال الشركة؛ لأن شركة العقد عندهم مبنية على ثبوت شركة الملك (٤). ولا شك أن أموال الشركة تختلط في حساب بنكي واحد.
وعلى فرض أن المال لم يختلط -على رأي من لا يرون ثبوت ملك جميع الشركاء إلاّ بالخلط- فإن الشركة تدفع الزكاة وكالة عن المساهمين، لأنه الأيسر على المساهمين، والأرفق بالمستحقين، ولأن من أحكام الشركة المتفق عليها بين الفقهاء أنها متضمنة للوكالة. واتفق الفقهاء على أنه يشترط في أهلية عاقد الشركة أن يملك أهلية التوكيل والتوكل، لأن كلاً منهما وكيل عن الآخر (٥).