المواشي فيها أوقاص (١). فالخِلطة فيها نفع للمالك تارة وللمستحقين تارة أخرى، ولا وقص في غير المواشي (٢).
٢ - وأما قولهم: إن للشركة شخصية مستقلة، وأنها تصبح مالكة للأسهم دون المساهمين، فغير مسلم؛ لأن هذا رأي القانونيين، أما في الشرع فالأسهم تبقى ملكاً للمساهمين (٣). بدليل إمكانية بيعها وشراء غيرها. وكيف تكون ذاتاً معنوية وهل تثاب وتعاقب (٤)؟
٣ - قولهم: إن إلزام الشركة بإخراج زكاة الأسهم فيه منفعة أكبر للفقراء، وهو مقصد معتبر شرعا. يجاب عنه بأن العدالة أيضاً مقصد معتبر شرعا، بل على العدل قامت السماوات والأرض، فمراعاة منفعة الفقراء لا يسوِّغ ظلم المالك وأخذ الزكاة منه ولو لم يبلغ ماله نصاباً.
стр. 37
المبحث الخامس
الرأي الذي توصلت إليه
الرأي الذي توصلت إليه هو أن الزكاة واجبة في المال، لحديث «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» فالحديث خص المال؛ لأن الزكاة تكليف متعلق بالمال، ولذا فإنها تجب على الشخص الاعتباري؛ حيث لا يشترط لها التكليف الذي أساسه العقل والبلوغ، فالزكاة واجبة على الشركة، وكما أنه يجب على ولي الصبي أن يدفع الزكاة عنه، فكذلك يجب على من يقوم مقام مالك الأسهم وهو الشركة أن تدفعها. والأصل وجوب إخراج زكاة الأسهم على المساهم، لكن لما كانت الشركة -ممثلة في مجلس الإدارة- قائمة مقام المساهمين أمكن القول بأن وجوب الزكاة متوجه إلى الشركة لا إلى آحاد المساهمين، فيجب على ذي السلطة فيها إخراجها؛ وعليه فإذا كانت الشركة في دولة إسلامية تطبق نظام الزكاة، أو كانت في دولة غير إسلامية، لكنها تتمكن من أداء الزكاة لمصارفها، لزمها أن تقوم بحصر الزكاة وأدائها لمستحقيها، أو تسليمها للجهة الخاصة بجباية الزكاة من جهة الدولة.
وقلت بهذا لما يلي: حديث «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ»، وأخذاً بمبدأ الخِلطة في أموال التجارة، ولثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية التي تعلق بها الأحكام كتعلقها بالأشخاص الحقيقيين، ولوجوب الزكاة في أموال القصر، ولأن الشركة وكيلة عن الشركاء، وفيما يلي بيان ما أجملته.
ما قيل من أن قياس الأسهم على المواشي قياس مع الفارق. يجاب عنه بأنه ليس قياساً على المواشي فقط، ولكن العمدة في الدليل على ما توصلت إليه هو
стр. 38
الاحتجاج بعموم الحديث «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ» حديث صحيح، وهو عام فيعم كل مال مختلط؛ لأن الخِلطة تقع في كثير من الأموال؛ ومنها عروض التجارة؛ ومن عروض التجارة الأسهم في شركات المساهمة، وليس هناك مخصص لهذا الحديث بالمواشي. فإن قيل هو مخصص بحديث «الخليطان ما اجتمعا على الحوض والراعي والفحل» (١). أجيب عنه بأن هذا حديث باطل كما قاله أبو حاتم الرازي (٢)، وقال النووي: حديث ضعيف (٣) فلا دليل على القول بتخصيصها في الماشية.
وقولهم: لو كان الخلط يؤثر في غير الماشية لبينه الرسول ﷺ يجاب عنه بأن تخصيصها لم يصح كما سبق بيانه، ولأن الرسول أعطي جوامع الكلم، والشريعة لا تنص على كل قضية بعينها، وإنما تأتي بألفاظ عامة تنطبق على الموجود، وعلى ما لم يوجد من القضايا المماثلة.
يؤيد هذا أن المساهم لم يُعد له حق معين، وإنما هو حق مشاع في مجموع المال؛ بدليل أنه لا يستطيع أخذ سهمه المملوك له شرعاً وسحبه من الشركة، التي تنوب عنه في إحرازه، والمتاجرة به، ودفع أرباحه، وغير ذلك من التصرفات؛ ومنها دفع زكاته، ولأن المساهم لم يعد له حق عيني على الحصة التي قدمها للشركة، ويبقى حقه قبل الشركة من طبيعة منقولة، ولو كانت حصة الشريك عقاراً (٤).
ولو قلنا تُدفع الزكاة من قبل أصحاب الأسهم لربما أدى ذلك إلى أن ترفض الشركة إعطاء أصحاب الأسهم ما يدفعون به الزكاة في وقتها، ويشح المالك فتضيع الزكاة على الفقراء.
стр. 39
وقد قال بثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه سائر الشركاء: المالكية والحنابلة في الصحيح من المذهب؛ حيث قرروا ثبوت ذلك بمجرد عقد الشركة، سواءً خلطت أموالهم أم لم تخلط، غير أن الحنابلة قيدوا المسألة بما إذا تعّين المال بإحضاره، وقيده المالكية بغير المثلي (١).
وعليه فما يحصل من ربح، أو تلف فيما قدمه الشركاء فإنه لهم وعليهم جميعاً؛ لأن العقد اقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد (٢). جاء في مواهب الجليل: (الشركة الأعمية تقرر متمول بين مالكين فأكثر ملكاً فقط والأخصية بيع ملك كل بعضه ببعض كل الآخر موجب صحة تصرفهما في الجميع فيدخل في الأول شركة الإرث والغنيمة لا شركة التجر يريد أنها تخرج بقوله ملكاً فقط؛ لأن فيها زيادة التصرف) (٣). ولذا عرف ابن عرفة المالكي الشركة بأنها (بيع مالك كل بعضه ببعض كل الآخر، موجب صحة تصرفهما في الجميع) (٤).
وجاء في المغني: (وقولهم: إنه يتلف من مال صاحبه، أو يزيد على ملك صاحبه ممنوع، بل ما يتلف من مالهما، وزيادته لهما، لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصف مال صاحبه) (٥). وجاء في كشاف القناع:
стр. 40
(وتنعقد بمصير كل منهما أي المالين لهما) وجاء فيه: (وما يشتريه كل منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما مشترك. وإن تلف أحد المالين، أو بعضه ولو قبل الخلط فالتالف من ضمانهما، لأن العقد اقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد كنمائه) (١).
وقال ابن مفلح في تعريفه لشركة العنان هي: (أن يشتركا بماليهما المعلومين بما يدل على رضاهما بمصير كل واحد منهما لهما) (٢). وفي حاشية ابن قايد على منتهى الإرادات (أنه ينتقل ملك نصف مال كل واحد منهما للآخر، وأن ذلك مقتضى عقد الشركة) (٣).
وقال الشافعية والظاهرية وزفر من الحنفية: عقد الشركة بعد خلط رأس المال يثبت ملكية كل شريك في جميع أموال الشركة؛ لأن شركة العقد عندهم مبنية على ثبوت شركة الملك (٤). ولا شك أن أموال الشركة تختلط في حساب بنكي واحد.
وعلى فرض أن المال لم يختلط -على رأي من لا يرون ثبوت ملك جميع الشركاء إلاّ بالخلط- فإن الشركة تدفع الزكاة وكالة عن المساهمين، لأنه الأيسر على المساهمين، والأرفق بالمستحقين، ولأن من أحكام الشركة المتفق عليها بين الفقهاء أنها متضمنة للوكالة. واتفق الفقهاء على أنه يشترط في أهلية عاقد الشركة أن يملك أهلية التوكيل والتوكل، لأن كلاً منهما وكيل عن الآخر (٥).
стр. 41
وهذه الوكالة لا تتوقف على رضا الشريك؛ لأنها حكم لازم مترتب على عقد الشركة، دون صدور وكالة منه؛ فلا يتوقف تصرف الشركة عليها؛ لأن الشركة بمنزلة الشريك، بل هي أقوى، لأنها ممثلة لجميع الشركاء، ومن هذه التصرفات أداء الزكاة.
وبالنسبة للشخصية المعنوية للشركة: فلأنه يترتب عليها أن للشركة ذمة مالية مستقلة، وهذه الذمة المستقلة ممثلة لذمم الشركاء؛ وبموجبها تكتسب الشركة الحقوق وتلتزم بالواجبات، فهي تملك التصرف في الأموال بوصفها ممثلة لهم؛ وحينئذ يجب على القائمين عليها إخراج الزكاة عن جميع أموالها مجتمعة بوصفهم ممثلين للشركة. صحيح أن الشركة شخص معنوي، وليست شخصاً حقيقياً، ولكن هذا الشخص المعنوي، يمثله شخص حقيقي؛ وصحيح أن الشركة ليست مخاطبة بالزكاة؛ وأنها لا تثاب ولا تعاقب، ولكن خطاب التكليف بالزكاة، والثواب والعقاب متوجهان على الشركة في أشخاص القائمين عليها. كمديرها، أو مجلس إدارتها.
والشخصية المعنوية وما تفرع عنها من وجود ذمة مالية؛ أمر ثابت في الفقه الإسلامي؛ فهناك أحكام شرعية فرعية يستفاد منها أن الفقه الإسلامي عرفها وطبقها، وإن لم يذكرها باسمها. والدليل على ذلك أمور كثيرة منها بيت المال، وجهة الوقف، والمسجد، فإن لها حقوقاً وعليها واجبات يقوم بها القيّم عليها (١). إلاّ أن القانون الوضعي تناولها بهذا المصطلح فاشتهر بها.
стр. 42
وقد قال بالشخصية المعنوية كثير من الفقهاء المعاصرين بل يكاد يكون إجماعا.
أما القيود التي ذكرها قرار مجمع الفقه الإسلامي بهذا الشأن فهي:
- إذا نص في نظامها الأساسي على ذلك، أو صدر به قرار من الجمعية العمومية.
- أو كان قانون الدولة يلزم الشركات بإخراج الزكاة. اهـ.
كما عليه نظام الشركات السعودي؛ حيث نص في نموذج الشركة المساهمة في المادة (٤٣) منه على: تجنيب الزكاة المفروضة شرعاً قبل تقسيم الأرباح، وقبل تجنيب الاحتياطي النظامي، أو الاتفاقي، أو غيرهما.
وهذا اتجاه محمود من النظام السعودي أوصي بأن تحذو بقية القوانين في البلدان الإسلامية حذوه.
- أو حصل تفويض من صاحب الأسهم لإخراج إدارة الشركة زكاة أسهمه.
وكذلك القيود التي ذكرها مؤتمر الزكاة الأول الصادر عن الهيئة العالمية للزكاة بالكويت، وهي مماثلة لقيود مجمع الفقه بجدة.
فالذي أراه أن وجوب إخراج زكاة الأسهم من قبل الشركة لا يتوقف على شيء من هذه القيود، بل يجب عليها أداء الزكاة بدونها، لما يلي:
١ - لأن وجوب الزكاة متجهٌ إلى الشركة مباشرة، وهذا الخطاب إذا وجه إلى الشركة فهو توجيه للمساهمين؛ لأن الشركة أصبحت بمنزلة المساهمين، بل الشركة والمساهمون شيء واحد، وذمة الشركة هي ذمم المساهمين مجتمعة في ذمة واحدة، فليس هناك انفكاك بين المساهمين وبين الشركة.
٢ - لما أوضحناه - فيما سبق - من ثبوت ملكية كل شريك فيما يقدمه بقية الشركاء.
٣ - بناءً على القول بثبوت الملك لجميع الشركاء فيما يقدمه أي منهم فإنه يتخرج القول بأن على الشركة دفع الزكاة على مذهب المالكية والحنابلة، وكذلك
стр. 43
على مذهب الشافعية والظاهرية وزفر من الحنفية، لأن أموال الشركاء تختلط اختلاطاً يرتفع معه تمييز بعضها عن البعض لذا كانت نسبة الربح والخسارة لكل سهم واحدة.
٤ - وللوكالة التي هي حكم من أحكام الشركة، وأثر مترتب على عقدها، بدون أن ينص عليها.
٥ - وللشخصية المعنوية.
ومع قولي بعدم توقف أداء الزكاة من قبل الشركة على أيٍّ من هذه المبررات فإني أوصي أن تنص قوانين الدول الإسلامية بإلزام الشركات بإخراج زكاة أسهمها، لأن هذا من الأمر بالمعروف، الذي هو من أهم قواعد هذا الدين القويم، وليكون دافعاً للشركات على تنفيذ هذا الركن العظيم، لتتحقق المواساة المقصودة من هذه الفريضة.
كما أن من الأفضل أن ينص في نظام الشركة الأساسي على ذلك، بل أرى تأكيده، فإن لم ينص عليه فيه فينبغي أن يصدر به قرار من الجمعية العمومية؛ لئلا تخلو نظم الشركات من تأكيد وجوب إخراج الزكاة؛ ولإشاعة الالتزام بأحكام الدين الإسلامي في المؤسسات المالية عامة، ومنها الشركات.
وعلى الشركة أن تذكر في الخطاب الذي توجهه إلى المساهم عند نهاية السنة المالية المتضمّن مقدار نصيبه من الأرباح، مقدار الزكاة المدفوعة عن أسهمه؛ ليكون على بينة من ذلك.
والقول بوجوب إخراج الشركة لزكاة جميع الأسهم لمستحقيها، أو تسليمها للجهة المختصة بجباية الزكاة هو المتعيّن الذي لا ينبغي العدول عنه؛ للأدلة والتعليلات التي سبق عرضها، ولأنه يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في إبراء
стр. 44
الذمم، وحفظ حق الفقراء، والمبادرة به إليهم في وقته، الذي يغفل عنه بعضهم -لا سيما في هذا العصر- الذي ضعف فيه الوازع الديني لدى كثير من الناس. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن تسليم الزكاة مجتمعة من الشركة إلى الجهة المختصة بجباية الزكاة يؤدي إلى كثرة مبلغ الزكاة، وبالتالي يُمكْن تلك الجهة -إذا أخلصت في عملها- من أن توزعه توزيعاً يراعي مصالح المستحقين، ويغطي حاجاتهم.
وقلت بتسليمها للجهة المختصة من قبل الدولة، لأن الواقع يؤكد أن أسهم الشركات المساهمة في هذا العصر أصبحت أموالاً ظاهرة؛ لأنها تتداول في الأسواق المالية، وتُنشر أسعارها يومياً في الشبكة العنكبوتية، وعلى شاشات التلفاز، وفي الصحف اليومية، وتنشر ميزانية تلك الشركات، وبيان ما عندها من الموجودات من الأصول الثابتة والمتداولة، وما لديها من الاحتياطي، وغير ذلك من المعلومات عند إقرار الميزانية كل سنة.
وما قيل من أن أسهم بعض المساهمين قد لا تبلغ نصاباً، يجاب عنه؛ بأنه إذا كان تأثير الخِلطة هو تنزيل الملكين بمنزلة ملك واحد، في وجوب الزكاة، وقدرها، وأخذها شرعاً، كما نزلا منزلة ملك واحد في خفة المؤونة، وغزارة الرفق حساً وعرفاً. حتى وإن تفاوت مقدار مال الخليطين، ولو لم يبلغ مال كل منهما لوحده نصاباً وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١). فمن باب أولى جواز ذلك في أموال الشركة؛ لأنها أصبحت ملكاً لجميع الشركاء، فينظر إلى هذه الأموال مجتمعة.
стр. 45
يقول الشيخ الصديق الضرير: (ينظر في بلوغ النصاب إلى أموال الشركة مجتمعة، لا إلى مقدار ما يملكه كل مساهم) (١).
ونستأنس لهذا بما وضحه الشيخ أحمد الدردير في كتابه الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب مالك حيث قال: ("ويزكي العامل ربحه" بعد النضوض (٢) والانفصال (٣) " وإن قل" عن النصاب ولو لم يكن عنده ما يضمه إليه " لعام" واحد … " وحصة ربه بربحه نصاب" فأكثر .... وإن نابه هو نصاب بل يستقبل حينئذ به "أو" حصة ربه بربحه "أقل" من نصاب، "و" لكن "عنده" أي ربه "ما يملكه" فيزكي العامل وإن قل، لأن زكاته تابعة لزكاة ربه) (٤).
فالمنظور إليه بلوغ مجموع مال الشركة نصاباً، لا أسهم كل مساهم على حدة؛ أخذاً بمبدأ الخلطة في عروض التجارة، وعلى فرض وجود من لا تبلغ أسهمه نصاباً، وهي إن وجدت ستكون قليلةً جدا - فإنه يستفيد من ضمه إلى بقية أموال الشركة الكثيرة، فالغالب أن يربح ربحاً ما كان يربحه لو كان بمفرده، وهذا هو المعنى الذي لاحظه الإمامان الشافعي وأحمد في الرواية الثانية عنه في موضوع الخِلطة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهذا لا يمكن أن يتم إلا بعد التحقق من أن أصحابها لا يملكون ما يكمل النصاب، وفي هذا مشقة على الشركة، ويتعذر تنفيذه، والمشقة تجلب التيسير.
ولأن السهم وما يمثله من أموال، وإن انتقل من مالك لآخر، إلاّ أنه باقٍ في الشركة لا يخرج منها مهما تعدد المشترون المتعاقبون. ولذا فإن بيعه لا يؤثر في وجوب الزكاة فيه.
стр. 46
وإذا كانت الشركة في دولة غير إسلامية، أو في دولة إسلامية لا تعتني بجباية الزكاة وصرفها في مصارفها، فإنه يجب عليها دفعها لمستحقيها إن استطاعت.
وإذا كانت الشركة في دولة لا تسمح لها بجمع الزكاة وأدائها لمستحقيها، ففي هذه الحالة أرى أن الواجب على الشركة هو حساب الزكاة على أسهم كل مساهم على حدة، وإبلاغه بذلك، حتى يتمكن من أداء الزكاة بنفسه ليبرئ ذمته ويطّهر أمواله.
ومعرفة حساب زكاة الأسهم أمر سهل على الشركات في وقتنا الحاضر؛ نظراً لتطور النظم المحاسبية الإلكترونية.
стр. 47
الخاتمة
١ - الزكاة عبادة يتقرب بها إلى الله، وهي ركن من أركان الإسلام الخمسة. يتحقق بها التكافل الاجتماعي بين المسلمين، وتشيع التآلف بينهم، وتنشر الفضيلة، وتمنع بعض الظواهر السيئة في المجتمع.
٢ - إن ترك المسلم أداء الزكاة جاحداً لوجوبها مع توافر شروط وجوبها عليه كفر بذلك إجماعاً، ولو زكى، وهو مرتد تجري عليه أحكام المرتدين.
٣ - إن تركها بخلاً أو تهاوناً أو تأولاً، فإنه يعتبر بذلك فاسقاً، قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، وهو تحت مشيئة الله إن مات على ذلك.
٤ - الزكاة مورد رئيس من موارد الدولة الإسلامية، تسهم في زيادة التنمية الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، بما تحققه من آثار على الإنفاق والاستثمار والتوزيع والاستقرار الاقتصادي، كما تسهم في معالجة كثير من التقلبات الاقتصادية، كالتضخم والانكماش والبطالة، وكنز النقود.
٥ - بينت أن السهم هو حصة المساهم في رأس مال الشركة، وكل ما ينتج منه من أرباح واحتياطيات وحقوق. أما صك السهم فليس هو السهم، وإنما هو مستند لإثباته.
٦ - اختلف المعاصرون فيمن تجب عليه زكاة الأسهم، أهو المساهم أم الشركة؟ على ثلاثة أقوال.
أ- تجب على المساهم.
ب - تجب على المساهم، وتخرجها إدارة الشركة نيابةً عنه.
ج- تجب على الشركة.
٧ - الرأي الذي توصل إليه البحث هو أن الزكاة واجبة في المال، ويجب على مالكه أو من يقوم مقامه دفعها، لأن الزكاة تكليف متعلق بالمال ولذا فإنها تجب
стр. 48
على الشخص الاعتباري حيث لا يشترط لها التكليف الذي أساسه العقل والبلوغ، وذلك لوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ويدفعها عنهما وليهما، لذا فإن وجوب الزكاة متوجه إلى الشركة لا إلى آحاد المساهمين، وهذا هو ما رجحه البحث، لعموم حديث ((لا يفرَّقُ بين مجتمِعٍ ولا يجمَعُ بين متفرِّقٍ خشيةَ الصدقةِ))، وليس هناك مخصص له، وأخذاً بمبدأ الخلطة في أموال التجارة، لأن الأسهم من عروض التجارة، ولثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية ولمبررات أخرى وردت في المبحث الخامس. كما أن ما جاء في الفقرات التالية يؤيد ذلك.
٨ - يُخرَّج القول بوجوب الزكاة على الشركة على الأظهر من مذهب الشافعية، وإحدى الروايتين من مذهب الإمام أحمد؛ بناءً على قولهم بتأثير الخِلطة في عروض التجارة، والأسهم من عروض التجارة التي تجب فيها الزكاة.
٩ - قال الحنابلة في الصحيح من المذهب، والمالكية تثبت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء بمجرد عقد الشركة، فاقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد.
١٠ - قال الشافعية والظاهرية وزفر من الحنفية: عقد الشركة بعد خلط رأس المال يثبت ملكية كل شريك في جميع أموال الشركة.
١١ - اشتمل البحث على أدلة كل فريق، وتمت مناقشتها.
١٢ - من أحكام الشركة المتفق عليها بين الفقهاء أنها متضمنة للوكالة، ويشترط في أهلية عاقد الشركة أن يملك أهلية التوكيل والتوكل.
١٣ - يجب على ذي السلطة فيها إخراجها فيلزم الشركة أن تقوم بحصر الزكاة وأدائها لمستحقيها، أو تسليمها للجهة الخاصة بجباية الزكاة من جهة الدولة.
١٤ - إذا كانت الشركة في دولة لا تسمح لها بجمع الزكاة وأدائها لمستحقيها، فالواجب عليها في هذه الحالة بيان حساب زكاة كل مساهم على حدة، وإبلاغه بذلك، فإن لم تفعل وهو لا يعلم مقدار زكاة أسهمه، فعليه أن يطالب الشركة بذلك حتى يتمكن من أدائها بنفسه؛ ليبرئ ذمته، ويطّهر أمواله.
стр. 49
١٥ - ما نص عليه النظام السعودي من تجنيب الزكاة المفروضة شرعاً قبل تقسيم الأرباح؛ وقبل تجنيب الاحتياطي النظامي، أو الاتفاقي، أو غيرهما اتجاه محمود، وأوصي أن تحذو بقية القوانين في البلدان الإسلامية حذوه.
١٦ - على الدولة الإسلامية متابعة الشركات ومطالبتها بأداء الواجب، والتحقق من ذلك.
١٧ - تتوجه المطالبة بأداء زكاة أموال الشركة، إلى ذي السلطة فيها؛ كمديرها، أو مجلس إدارتها.
١٨ - ما قيل من أن أسهم بعض المساهمين قد لا تبلغ نصاباً، أجيب عنه أن أموال الشركة أصبحت ملكاً لجميع الشركاء، ولم يعد للشريك حق عيني فيما قدمه وإنما له نصيب مشاع، فجاز ذلك؛ فالمنظور إليه بلوغ مجموع مال الشركة نصاباً، لا أسهم كل مساهم على حدة.
١٩ - السهم وما يمثله من أموال، وإن انتقلت ملكيته من مالك لآخر، إلاّ أنه باقٍ في الشركة لا يخرج منها، مهما تعدد المشترون المتعاقبون، ولذا فإن بيعه لا يؤثر في وجوب الزكاة فيه.
٢٠ - أوصي أن يذكر لكل مساهم مقدار الزكاة المدفوعة عن أسهمه؛ ليكون على بيّنة من ذلك.
٢١ - أوصي أن ينص في نظام الشركة الأساسي على أن تقوم الشركة بإخراج زكاة أسهمها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد؛ وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
стр. 50
الباب الثاني
تحرير القول في زكاة أسهم الشركات
بالنظر إلى نوع نشاطها
стр. 51
الباب الثاني
تحرير القول في زكاة أسهم الشركات بالنظر إلى نوع نشاطها.
وجاء في أربعة مباحث.
المبحث الأول: شروط وجوب الزكاة في الأسهم، وحكم إخراج زكاة الأسهم منها أو من غيرها، وحكم زكاة الأسهم المحرمة.
المبحث الثاني: آراء العلماء في زكاة أسهم الشركات المساهمة باعتبار نوع نشاط الشركة، وأدلتهم.
المبحث الثالث: مناقشة الآراء والأدلة.
المبحث الرابع: الرأي الذي توصلت إليه.
الخاتمة: في نتائج البحث وتوصياته.
стр. 52
المبحث الأول
شروط وجوب الزكاة في الأسهم وحكم إخراج زكاة الأسهم منها أو من غيرها وحكم زكاة الأسهم المحرمة
وفيه مطالب
المطلب الأول: شروط الأسهم
لوجوب الزكاة في الأسهم شروط منها: الإسلام، والحرية، وبلوغ النصاب، وتمام الملك، ومضي الحول (١)، ويشترط بعض الفقهاء النية، ويشترط الحنفية النماء، وأن يكون المال خالياً من الحاجات الأصلية، وتراعي بعض المذاهب شرط النماء دون أن تنص على اشتراطه، وسأقتصر على بيان ما تدعو حاجة البحث إلى بيانه.
الفرع الأول: نصاب الأسهم ومقداره:
يشترط لوجوب الزكاة في الأسهم بلوغها نصاباً، من الذهب أو الفضة، كما في بقية عروض التجارة (٢). وقيمة النصاب في هذا العصر ٨٥ جراماً من الذهب، أما قيمته من الفضة فهي ٥٩٥ جراماً، والنصاب في عروض التجارة يقوم بالأحظ للفقراء (٣)؛ والأحظ هو أقل هذين المعدنين قيمة على الراجح (٤)، والغالب أن
стр. 53
التقويم بالفضة أقل، ففي هذا العصر وما قبله من عصور متقدمة تراجع صرف الفضة بالذهب من عهد الخلفاء الراشدين ﵃، ففي المأثور أن عشرة دراهم فضة كانت في عهد رسول الله ﷺ تساوي ديناراً، وبلغت في عهد عمر ﵁ كل اثني عشر درهماً بدينار (١). فإذا بلغت الأسهم عند حلول الحول من العملة -أياً كانت هذه العملة- الرائجة في بلد الشركة، قيمة نصاب الفضة وهو (٥٩٥ جراماً)، ولم تنقص عن ذلك أثناء الحول، وجبت فيها الزكاة. وهو لأوجه عند الشافعية (٢)، وهو المذهب المعتمد عند الحنابلة (٣)، وهو ما يرجحه الباحث.
والصحيح المشهور عند الشافعية أنه يعتبر في آخر الحول فقط، لأنه يتعلق بالقيمة، وتقويم العرض في كل وقت يشق، فاعتبر حال الوجوب وهو آخر الحول (٤).
وقال الحنفية وأحد الأوجه عند الشافعية: المعتبر طرفا الحول، ولو نقص النصاب في أثنائه (٥)، وقال الحنفية ما لم ينعدم المال كلية (٦).
والمقدار الواجب إخراجه في زكاة أسهم الشركات التجارية ربع العشر، ويعادل ٢?٥%. وهذا محل اتفاق لدى المعاصرين، والفقهاء القدماء حسب نصوصهم في عروض التجارة، قال النووي: (لا خلاف فيه) (٧)، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأكثر الحنفية (٨). أما أنواع الشركات الأخرى، فسيأتي بيان مقدار ما يجب إخراجه منها، عند الكلام على كل نوع منها (٩).
стр. 54
ويمكن معرفة مقدار الزكاة الواجب إخراجها بقسمة قيمة الأسهم عند حلول حولها على (٤٠)، ونتيجة القسمة هي الواجب دفعه.
الفرع الثاني: هل يشترط لوجوب الزكاة على الشركة بلوغ أسهم كل شريك نصاباً، أم يكفي بلوغ مجموع رأسمالها نصاباً؟
إذا كان المساهم هو الذي يقوم بدفع الزكاة، فإنها لا تجب عليه إلا إذا بلغ ما يخصه نصاباً.
أما إذا كانت الشركة هي التي تدفع الزكاة، ففيه تفصيل، هذا بيانه:
بنى كثير من الفقهاء المعاصرين رأيهم، في حكم هذه المسألة على خلاف الفقهاء في خلطة سائمة بهيمة الأنعام؛ أي هل يشترط للوجوب فيها بلوغ مال كل من الخليطين نصاباً؟ أم أنه يكفي أن يكون مجموع مالهما من السائمة نصابا؟ وهذا بيان آراء العلماء في هذه المسألة.
قال أبو حنيفة ومالك والمذهب عند الحنابلة: أنه يشترط لوجوب الزكاة على كل واحد من الخليطين أن يبلغ ماله وحده نصاباً (١). وقال مالك سواء خالطه بالنصاب أو ببعضه (٢).
وقال الشافعي، وهو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة: أن المعتبر هو بلوغ مجموع أموال الشركاء نصاباً (٣).
ونظراً لأن خلطة السائمة التي أجاز العلماء اعتبارها في وجوب الزكاة منها، هي خلطة الأوصاف؛ وهي أن تكون سائمة كل واحد منهما متميزة عن سائمة
стр. 55
الآخر (١)، ومع أن هذه ليست خلطة أملاك. إذ إنها لا تفيد ملك كل من الخليطين في مال الآخر، وإنما خلطتهما في المراح والمسرح والمرعى والحوض فقط فقد قال من ذكرنا من العلماء بوجوب الزكاة فيها إذا بلغ مجموعها نصاباً. بينما خلطة الشركاء في شركات العقد تفيد الملك، فهي أقوى وأولى بالقول في وجوب الزكاة فيها إذا بلغ مجموع مالها نصاباً. وبيان ذلك فيما يلي:
الراجح لدى الفقهاء المعاصرين، وتخريجاً على آراء المذاهب الأربعة. -في قولهم بثبوت ملك كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء- أن المعتبر هو: بلوغ مجموع مال الشركة نصاباً، لا أسهم كل شريك على حدة (٢). وقال به مجمع الفقه الإسلامي (٣)، وممن قال به الصديق الضرير (٤).
وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة في أموال التجارة، عند من قال بها من الفقهاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية، التي تتعلق بها الأحكام، كتعلقها بالأشخاص الطبيعيين. وأضيف لثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء.
فقد قال بثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه سائر الشركاء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب.
وقال الشافعية والظاهرية وزفر من الحنفية: عقد الشركة بعد خلط رأس المال يثبت ملكية كل شريك في جميع أموال الشركة؛ لأن شركة العقد عندهم مبنية على ثبوت شركة الملك (٥).
стр. 56
وحيث إن أموال الشركة المساهمة بطبيعتها تكون مختلطة، فإنه يتخرج ثبوت ملك كل شريك بقدر نصيبه في جميع الأسهم الأخرى عند المذاهب الفقهية الأربعة، وبهذا يتضح أنه يكفي بلوغ مجموع أسهم الشركة نصاباً، ولا يلزم أن تبلغ أسهم كل شريك لوحده نصاباً.
فإن قيل إن قياس الأسهم على المواشي قياس مع الفارق. أجيب عنه بأنه ليس قياساً على المواشي، لكن لأن الأسهم من عروض التجارة، وقد قال بعض الأئمة كما سبق بيانه أن الخِلطة تؤثر في عروض التجارة كخِلطة السائمة هذا من جهة، ومن جهة أخرى يحتج بهذا القول بعموم حديث: «لا يُجمعُ بين متفرِّقٍ ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدقةِ» رواه البخاري (١)؛ فقوله ﷺ «لا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ» عام فيشمل أسهم الشركات وليس له مخصص، فإن قيل هو مخصص بحديث «الخَلِيطانِ: ما اجْتمَعَا على الحَوضِ والفَحلِ والرَّاعي» (٢). أجيب عنه بأن هذا حديث باطل كما قال أبو حاتم الرازي (٣)، وقال النووي: حديث ضعيف (٤).
وحيث إن أسهم المساهمين في الشركة تختلط اختلاطاً يتعذر معه تمييز بعضها من بعض، فإنها تأخذ حكم المال الواحد، لأنه يصدق عليها قوله ﷺ : «ولا يُفرَّقُ بين مجتمعٍ».
وأما قول من يقول قد يوجد في المساهمين من لا تبلغ أسهمه نصاباً، فقد سبقت الإجابة عليه (٥).
وبالنسبة للشخصية المعنوية للشركة، فلأنه يترتب عليها ثبوت ذمة مالية مستقلة للشركة، هذه الذمة ممثلة لذمم الشركاء؛ وبموجبها تكتسب الشركة
стр. 57
الحقوق وتلتزم بالواجبات، فهي تملك التصرف في الأموال بوصفها ممثلة لهم؛ وحينئذ يجب على القائمين عليها إخراج الزكاة عن جميع أموالها مجتمعة، بوصفهم ممثلين للشركة.
يؤيد هذا أن المساهم لم يعد له حق معين على الحصة التي قدمها للشركة، ويبقى حقه قبل الشركة من طبيعة منقولة، ولو كانت حصة الشريك عقاراً (١). وبهذا يصبح حقه مشاعاً في مجموع المال؛ بدليل أنه لا يستطيع أخذ سهمه المملوك له وسحبه من الشركة، ولكنها تنوب عنه في إحرازه، والمتاجرة به، ودفع أرباحه، وغير ذلك من التصرفات، ومنها دفع زكاته.
الفرع الثالث: النية
يشترط جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية (٢)، في زكاة عروض التجارة النية، أي أن ينوي الاتجار في هذه العروض، وأن تكون النية سابقة للعقد، أو مرافقة له.
وحيث إن نية التجارة ملازمة -بطبيعة الحال- لعقد شراء أسهم الشركات، أو الاكتتاب فيها. فلا يشترط لوجوب زكاتها نية التجارة، لأن مالك الأسهم لا يريد بتملكه لها إلا التجارة؛ سواء كان ذلك بالبيع والشراء فيها، أم بالحصول على أرباحها، ولأن فعل الشراء والاكتتاب أقوى من النية، فإنه مقصد وهي وسيلة، والمقاصد مقدمة على الوسائل (٣)، ويؤيد ذلك أن الحنفية مع اشتراطهم نية التجارة قالوا: (أو دلالة بأن يشتري عيناً بغرض التجارة لا نية صريحة) (٤).
стр. 58
وقالوا: ما يشتريه المضارب فإنه يكون للتجارة مطلقاً، لأنه لا يملك بمال المضاربة غير المتاجرة به (١).
«ويثور سؤال، وهو كيف تتصور النية من غير المكلفين؟ والجواب عن ذلك أن نية الولي عليهم تقوم مقام نيتهم، لأن الأداء عنهم يكون بالنيابة الشرعية عنهم، فتعتبر نية من يؤدي عنهم، كنيتهم على السواء» (٢).
الفرع الرابع: الحول
يشترط لوجوب الزكاة في الأسهم تمام الحول، كبقية عروض التجارة (٣)، لقوله ﷺ : «وليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحولَ عليه الحولُ»، رواه أبو داود والإمام أحمد والبيهقي بسنده عن علي بن أبي طالب (٤).
قال ابن حجر بعد أن أورد عدة روايات بهذا المعنى: (حديث علي لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة) (٥)، وهذا اللفظ ليس على عمومه؛ إذ يخرج منه ما يكال ويدخر من الزروع والثمار، وكذلك المعدن، فهذان لا يعتبر لهما حول. والمعتبر في الحول هو الحول القمري أي الهجري، لا الشمسي (٦) أي الميلادي، وبداية الحول هو منذ بلوغ رأسمال الشركة بمجموعه نصاباً. و إذا لم يمكن مراعاة السنة الهجرية لارتباط الشخص أو الشركة بالسنوات المالية الميلادية، فإن له إخراجها بالسنة الميلادية، مع مراعاة ما في ذلك من تأخير يسير،
стр. 59
ودفع ما يعادله من زكاة؛ إذ إن المقدار الواجب إخراجه في السنة الميلادية هو: ٢?٥٧٧% (١).
ولحول الأسهم عدة حالات (٢):
١ - إذا اشترى الأسهم أو اكتتب فيها؛ فإن حولها يكون من حين تملك ثمنها، لأن حولها هو حول أصلها، لا من شراء الأسهم (٣)، أو الاكتتاب فيها؛ لأنه لو لم يشتر الأسهم، لوجبت الزكاة في ثمنها الذي شريت به، فتحويل هذا الثمن إلى أسهم لا يسقط حول الثمن.
٢ - إذا باع الأسهم بنقود أو بعروض تجارية أخرى، فإن الحول لا ينقطع؛ لأن المباع والمشترى كلاهما مال زكوي، أما إذا أبدلها بأموال للقنية فإن الحول ينقطع (٤).
٣ - إذا حصل على الأسهم ما يمنع تصرف مالكها فيها؛ كالرهن أو الغصب، أو كان ذلك بأمر السلطان، أو بسبب دعاوى قضائية، فإن الحول ينقطع، فإذا زال المانع، وأمكنه التصرف ابتدأ حولاً جديداً (٥).
٤ - إذا تملك أسهماً في أوقات متفرقة، وكل مجموعة منها تبلغ نصاباً، فإن لكل منها حوله الخاص به، ولا يضم بعضها إلى بعض (٦)، وإن كانت الأسهم الأولى لا تبلغ نصاباً، والأسهم الثانية تكمل مع الأولى نصاباً، فحولهما واحد منذ أن كمل بعضها بعضا (٧).
стр. 60
الفرع الخامس: أن تكون الأسهم مملوكة ملكاً تاما:
يشترط لوجوب الزكاة في الأسهم أن تكون مملوكة ملكاً تاماً، أما إذا كانت غير مملوكة ملكاً تاماً فإن الزكاة لا تجب فيها. ومنها الأسهم المملوكة للدولة، وأسهم الوقف الخيري، وأسهم الجهات الخيرية، وكذلك أسهم غير المسلمين (١)، فهذه الجهات لا زكاة في أسهمها، لتخلف شرط من شروط الزكاة، وهو تمام الملك، والملك العام ليس له مالك معين. وما بقي بعد ذلك تجب فيه الزكاة. فعلى الشركة قبل حساب الزكاة أن تحسم الأسهم المذكورة، وتزكي الباقي. وهذا قول جمهور العلماء.
وقد أوصت الندوة الثالثة عشرة لقضايا الزكاة في الكويت بوجوب الزكاة في أسهم الشركات المملوكة للدولة، المتخذة للاستثمار، إذا اختلطت بغيرها من الأموال الخاصة للأفراد، وكان في شركة ذات شخصية معنوية (٢)، ويتخرج هذا القول على رأي محمد بن الحسن الشيباني.
١ - يشترط أن يكون تملك الأسهم بفعله؛ كالبيع والنكاح والخلع، وقبول الوصية والغنيمة، أما إذا كان تملك الأسهم بغير فعله؛ كالأسهم الموروثة والممنوحة، فإن حولها يبدأ من وقت تملكها (٣).
٢ - انتقال السهم من مالك لآخر لا يؤثر في وجوب الزكاة فيه، إذا كانت الشركة هي التي تخرج الزكاة، لأنه باق في الشركة لا يخرج منها مهما تعدد المشترون المتعاقبون. قال بهذا مجمع الفقه الإسلامي الدولي. وقد اشترط نظام الشركات السعودي أن تخرج الشركة الزكاة، فيكون إخراجها من الأسهم، دون النظر إلى من هي في ملكه، وهو شرط جائز، لما فيه من المصلحة.
стр. 61
المطلب الثاني: حكم إخراج زكاة الأسهم منها أو من غيرها
قد لا يجد صاحب الأسهم من النقود ما يمكنه من دفع زكاتها، أو يكون واجداً لها، لكنه يرغب في دفع الأسهم بدلاً منها، كأن يراها أنفع للمستحق، أو أسهل عليه، وحكم إخراج زكاة الأسهم منها ينبني على الخلاف في حكم إخراج زكاة عروض التجارة من جنسها، أو من قيمتها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يجب إخراج زكاة العروض بقيمتها نقداً، ولا يجزئ إخراجها من العروض نفسها.
وهذه رواية عن مالك اختارها أكثر أصحابه، وهو المشهور في الجديد عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة (١).
ومن أدلة هذا القول:
١ - ما جاء عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: أمرني عمر ﵁ فقال: أدِّ زكاة مالك، فقلت: مالي مال إلا جعاب وأدم، فقال: قومها، ثم أد زكاتها (٢).
فقول عمر يدل على ارتباط زكاة العروض بالقيمة. قال ابن قدامة: (وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر فيكون إجماعاً) (٣).
وأجيب عن الحديث بأنه ضعيف الإسناد، وممن ضعفه ابن حزم والألباني (٤)، كما أن التقويم لبيان قدر المخرج لا يلزم منه أن يكون المخرج نقداً، بل يجوز أن يخرج من العروض بقيمة النقد.
стр. 62
٢ - إن النصاب معتبر بالقيمة، وهي النقود، فيجب الإخراج مما اعتبرت به، وهو القيمة، لا من عينه (١).
وأجيب عن هذا الدليل بأن اعتبار القيمة للنصاب لأنه أيسر في ضبطه به، بسبب تعدد أنواع العروض واختلافها، فيشق أن يكون لكل نوع نصاب خاص، فإذا عرف القدر الواجب، فإن ذلك لا يمنع من إخراج العين (٢).
القول الثاني: يجب إخراج زكاة العروض من العروض نفسها، ولا يجزئ إخراجها من النقد. وعلى هذا القول يجب إخراج زكاة الأسهم منها. وهذا قول قديم عند الشافعية (٣).
واستدلوا بما يلي:
١ - ما جاء عن سمرة بن جندب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمُرُنا أن نُخْرِجَ الصدقةَ من الذي نَعُدُّ للبيعِ» (٤). وإذا أمر بالإخراج منه، لم يجز العدول عنه (٥).
стр. 63
ويمكن أن يناقش بأن الحديث يدل على وجوب الزكاة في العروض المعدة للبيع، وليس فيه نص على اشتراط إخراج العروض (١).
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بأن (من) هنا تفيد التبعيض، أي بعض الذي نعد للبيع.
٢ - (لأنه مال مزكى فوجب أن تخرج زكاته منه كسائر الأموال (٢).
ونوقش بعدم التسليم بوجوب الزكاة في المال، بل وجبت في القيمة (٣).
ويرد على عدم تسليم المناقش بوجوب الزكاة في المال، بأن وجوب الزكاة ثابت في المال؛ لأنه لو لم يوجد المال، وتتوفر شروط الزكاة فيه، لما وجبت الزكاة على صاحبه، وهو مردود أيضاً بحديث: «وليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحولَ عليه الحولُ» (٤) إذ نص على أن الزكاة في المال.
القول الثالث: أن المزكي مخير بين الإخراج من العروض أو النقد.
وهذا مذهب أبي حنيفة (٥)، ورواية عن مالك (٦)، وقول عند الشافعية (٧)، ورواية عن أحمد (٨)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقيده بالحاجة والمصلحة الراجحة (٩). وقال: (هذا أعدل الأقوال) (١٠).
стр. 64
واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - إن الزكاة تتعلق بهما: العين والقيمة، فجاز الإخراج من أيهما شاء (١).
٢ - إخراج زكاة العروض منها، فيه توسعة على المزكي ورفق به؛ إذ قد يترتب على إلزامه بإخراج النقد أن يبيع الأسهم، ويستأجر غيره كالدلال، أو النشر في وسائل الإعلام لبيعها، وقد لا يجد من يشتري، وقد يبيع بأقل من قيمتها، فيكمل الواجب من ماله، أو يخرج أقل من الواجب (٢).
стр. 65
الترجيح
الراجح هو التخيير بين إخراج الزكاة من الأسهم، أو إخراجها من النقود، وتقييد ذلك بمصلحة المستحق. وممن رجح التخيير من المعاصرين الدكتور محمد سليمان الأشقر (١) والدكتور محمد عبدالغفار الشريف (٢)، والدكتور صالح بن عبدالعزيز الفوزان (٣). وذلك لأن هذا القول فيه تحقيق عدد من المصالح تعود إلى المستحق، أو المزكي، أو جابي الزكاة؛ كالدولة ومن يمثلها؛ فتخيير المزكي بين إخراج القيمة أو الأسهم في حالة تحقق مصلحة المستحق، فيه تيسير على المزكي، ومراعاة لمصلحة الفقير؛ من حيث حاجته إلى العرض أو النقد، ومراعاة لمن يجبي الزكاة؛ من حيث جمع الزكاة وحفظها وتوزيعها، فقد يكون إخراج النقد أيسر في حالة، وقد يكون إخراج العرض أيسر في حالة أخرى، ولأن المزكي واسى الفقراء، فأعطاهم من جنس ماله.
ويؤيد جواز إخراج زكاة الأسهم وبقية عروض التجارة منها أو من قيمتها، جواز إخراج القيمة في زكاة المواشي، لا سيما أنه لا يمنع من ذلك نص خاص، بل تدل عليه مقاصد الزكاة وحِكَمِ مشروعيتها (٤).
ومما يؤيد ذلك ما أورده أبو عبيد القاسم بن سلام، من روايات ووقائع عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، تبين جواز إخراج نوع من المال في زكاة غيره، وقال: (وجدنا السنة عن رسول الله ﷺ وأصحابه: أنه قد يجب الحق في
стр. 66
المال ثم يحول إلى غيره مما يكون عطاؤه أيسر على معطيه من الأصل)، وقال: (فكل هذه الأشياء قد أخذت فيها حقوق من غير المال الذي وجبت فيه تلك الحقوق، فلم يدعهم ذلك إلى إسقاط الزكاة؛ لأنه حق لازم لا يزيله شيء، ولكنهم فدوا ذلك المال بغيره؛ إذ كان أيسر على من يؤخذ منه، فكذلك أموال التجارة، إنما كان الأصل فيها أن تؤخذ الزكاة منها أنفسها، فكان في ذلك عليهم ضرر من القطع والتبعيض، فلذلك ترخصوا في إخراج القيمة.
وقال: ولو أن رجلاً وجبت عليه زكاة في تجارة، فقوم متاعه، فبلغت زكاته قيمة ثوب تام، أو دابة أو مملوك، فأخرجه بعينه، فجعله زكاة ماله، كان عندنا محسنا مؤديا للزكاة، وإن كان أخف عليه أن يجعل ذلك قيمة (١) من الذهب والورق كان ذلك له) (٢).
المطلب الثالث: حكم زكاة الأسهم المحرمة
قال كثير من الفقهاء المعاصرين تجب الزكاة في الأسهم المحرمة، منهم مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية (٣) والشيخ أبو زهرة (٤)، والدكتور وهبة الزحيلي (٥)، وعبدالرحمن الحلو (٦)، وعبدالله بن منيع (٧)، ومحمد عبداللطيف الفرفور (٨).
стр. 67
وقال بعض الفقهاء المعاصرين لا تجب الزكاة في الأسهم المحرمة والسندات، قياساً على المغصوب والمنهوب. وعللوا ذلك بأن من شروط الزكاة الملك، والغاصب لا يملك المغصوب.
ومع أن بعض العلماء قالوا بوجوب الزكاة في المال المغصوب والمنهوب؛ كأبي حنيفة (١) والمالكية (٢) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣) والنووي؛ إذ قال في المال المغصوب: (في الفصل مسائل إحداها إذا ضل ماله أو غصب أو سرق … ففي وجوب الزكاة أربعة طرق، أصحها وأشهرها فيه قولان أصحهما وهو الجديد وجوبها) (٤). والطريق الثاني: القطع بالوجوب وهو أشهرها (٥). فإنا لا نقيسهما عليهما.
وقياس من قاس الأسهم المحرمة على الأسهم المغصوبة والسندات فقياسه مع الفارق بينهما. لأن الأسهم والسندات المحرمة مملوكة، فيجب أن نقيسها على شيء مملوك، كالحلي المحرم، لا أن يقيسها على شيء غير مملوك كالمغصوب -على رأي من يرى أنه غير مملوك-؛ إذ قال العلماء بوجوب الزكاة في الحلي المحرم (٦). فتجب في الأسهم والسندات المحرمة قياساً عليه.
وقد أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في كل ما حرم استعماله واتخاذه من حلي الرجال، وكذا أواني الذهب والفضة للرجال والنساء، يقول ابن قدامة (إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم) (٧).
стр. 68
ويقول النووي: (ذكرنا أن المتخذ من ذهب أو فضة إن كان استعماله محرماً وجبت فيه الزكاة قولاً واحداً). قال الشافعي (١) والأصحاب: (فكل متخذ من الذهب والفضة من حلي وغيره إذا حكم بتحريم استعماله وجبت فيه الزكاة بلا خلاف ونقلوا فيه إجماع المسلمين) (٢). ويقول أيضاً: (ومن ملك مصوغاً من الذهب والفضة فإن كان معداً للقنية وجبت فيه الزكاة؛ لأنه مرصد للنماء فهو كغير المصوغ، وإن كان معداً للاستعمال نظر فإن كان لاستعمال محرم كأواني الذهب والفضة وما يتخذه لنفسه من سوار أو طوق أو خاتم ذهب وجبت فيه الزكاة؛ لأنه عدل به عن أصله بفعل غير مباح فسقط حكم فعله وبقي على حكم الأصل) (٣).
والزكاة في هذه الأحوال تكون في المال، سواء قيل هو ملك لمن هو بيده، أم للمغصوب منه (٤). وأما المالكية فقال ابن القاسم: (المال المغصوب في ضمان الغاصب ففيه الزكاة) (٥)، وقال الدردير: (وتزكى العين المغصوبة من ربها) (٦)، قال الشيخ أحمد الصاوي المالكي: (أما الغاصب فلا زكاة عليه قيده الحطاب بما إذا لم يكن عنده وفاء بما يعوضه به. وإلا زكاة وعلى هذا يحمل قول الشيخ أحمد الزرقاني) (٧).
فالراجح أن الزكاة واجبة في الأسهم المحرمة؛ كالأسهم الممتازة، أو أسهم الشركات التي تتعامل بالربا، أو غيره من المحرمات، وكذلك السندات، لعموم
стр. 69
النصوص الموجبة للزكاة، ولعدم المخصص، ومراعاة لحق الفقير، لأنها صارت عروضاً تجارية، ويتحمل المخالف إثم معصيته، وفساد عقده، وقد تبين مما تقدم أنه لا فرق بين زكاة الحلي المحرم، وبين زكاة الأسهم المحرمة، فالحكم الشرعي لا يتعلق بالذوات، وإنما يتعلق بالأفعال، وهي استعمال الحلي أو اتخاذه، وكذا كسب الأسهم الحرام؛ وحيث وجبت الزكاة في الحلي المحرم فإنها تكون واجبة في كل كسب محرم خبيث. ومن ذلك الأسهم المحرمة والسندات.
فإن وجد للسندات أو للأسهم المحرمة ربح خضع مع أصله للزكاة، ولا يصح أن تكون المعاصي سبباً في الإعفاء من أداء الواجبات، كما أن المكاسب المحرمة لا يجوز أن تكتسب مزية خاصة، تغري بالمزيد منها، لو أعفيت من الزكاة.
ولم يعهد في الشريعة أن يكون ارتكاب المخالفات سبباً في التخلص من الحقوق الواجبة الأداء.
والزكاة فريضة كتبها الله على الموسرين من عباده في أموالهم، وإذا كان بعضهم قد خالفوا أوامر الله، باكتسابهم أموالاً محرمة، عن طريق الربا أو الرشوة أو استغلال النفوذ، فإن هذا لا يكون مانعاً من أن تفرض عليهم الزكاة في هذه الأموال جميعها (١).
والقول بغير ذلك يؤدي إلى نتائج غير مقبولة، فلو أعفيت المكاسب المحرمة من الزكاة لما يلابسها من المحرم، لأقبل بعض الناس عليها، وتزودوا منها. فيكون ذلك الإعفاء مشجعاً على ارتكاب المحرمات، وفتح أبوابها، ومن ثم يجب القول بزكاتها، وزكاة أرباحها، بالرغم من حرمة هذه المكاسب والأرباح (٢).
стр. 70
يذكر أن بعض الشركات في العصر الحاضر تظهر الحسابات بصورة أقل، لإنقاص ما تدفعه من الزكاة عن مقدار الواجب، وهذا فعل منكر، وحرام شرعًا؛ لأنه عمل لإسقاط ركن من أركان الإسلام. وقد توعد الله مانعي الزكاة بالعذاب الشديد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، وفي الحديث الشريف: قال رسول الله ﷺ : «ما مِنْ صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْها حَقَّها، إلَّا إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، صُفِّحَتْ له صَفائِحُ مِنْ نارٍ، فَأُحْمِيَ عليها في نارِ جَهَنَّمَ، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يَومٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، حتَّى يُقْضَى بيْنَ العِبادِ» أخرجه مسلم (١).
وقد قاتل الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁ مانعي الزكاة، وأهدر دماءهم، فيجب على الجهات المعنية أن تتخذ من التدابير والجزاءات، ما يمنع هذه الحيل. وعلى مجلس الإدارة، والجمعية العمومية، أن يحرصوا على الحصول على المعلومات التي تبين المقدار الصحيح للزكاة، وأن يخرجوها طيبة بها نفوسهم (٢).
стр. 71
المبحث الثاني
آراء العلماء في زكاة أسهم الشركات المساهمة باعتبار نوع نشاطها وأدلتهم
قبل الدخول في تفاصيل أنواع الشركات التي يتناولها البحث، وآراء العلماء المعاصرين فيها، أبين أنه تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة، في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول) (١)، وقال المجد ابن تيمية: (وهو إجماع متقدم) (٢)، روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي (٣).
ويمكن جمع آراء الفقهاء المعاصرين في حكم زكاة أسهم الشركات المساهمة باعتبار نوع نشاط الشركة، في خمسة آراء، هي كما يلي:
الرأي الأول: وقسمه القائلون به إلى قسمين:
القسم الأول: أن الأسهم إذا كانت لشركة صناعية محضة، لا تمارس عملاً تجارياً؛ كشركات الصباغة وشركات التبريد وشركات الفنادق والنقل البري أو البحري أو الجوي، وشركات الإعلانات، فلا تجب الزكاة في أسهمها وأصولها الثابتة، وإنما تجب الزكاة في أرباح الأسهم، إذا بلغت نصاباً، أو كملت مع ما عند مالكها من مال آخر نصاباً، وحال عليها الحول.
стр. 72
القسم الثاني: إذا كانت الأسهم لشركات تجارية، أو لشركات صناعية تقوم ببيع منتجاتها؛ كالشركات التي تستخرج المواد الخام، أو تشتريها، ثم تجري عليها عمليات تحويلية ثم تبيعها؛ كشركات البترول، وشركات الغزل والنسيج، وشركات الحديد والصلب، والشركات الكيماوية، فتجب الزكاة في أسهمها، وقالوا تقدر بقيمتها الحالية، أما الأرباح فإذا قبضت وحال عليها الحول من قبضها فتزكى، وممن قال به الشيخ عبد الرحمن عيسى (١).
ويتفق مع هذا الرأي في جزئيةٍ من فقرته الأولى، وهي قولهم: (لا تجب الزكاة في أصول الشركة الثابتة) سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتواه التي نص فيها (أنه لا زكاة في سيارات النقل وفي عين البواخر، والفنادق، والمكائن والآلات، والدور والمراكب ونحوها) (٢). كما يتفق مع هذا الرأي في هذه الجزئية جميع الفقهاء قديماً وحديثاً، أما بقية آرائهم فلا يتناوله قوله فيما ظهر لي.
وقال أصحاب هذا الرأي بالنسبة للشركات التجارية أو الصناعية وغيرها، تحسم قيمة المباني والآلات، والأدوات المملوكة للشركة، المعدة للاستعمال، لا للمتاجرة فيها، فقد تمثل هذه الأشياء ثلث قيمة الأسهم أو أقل أو أكثر، فيحسم من قيمة السهم ما يقابل ذلك، وتجب الزكاة في الباقي. ويمكن معرفة قيمة المباني ونحوها بالرجوع إلى ميزانية الشركة، وهي تنشر في بعض الصحف كل عام (٣).
стр. 73
وقالوا تقدر حسب القيمة السوقية (١)، وقال عبدالرحمن عيسى تقدر الأسهم حسب القيمة الحالية، ثم تحسم الموجودات -كما ذكر- ويزكى الباقي.
دليل الرأي الأول:
١ - قال أصحاب الرأي الأول إن قيمة أسهم الشركات الصناعية ونحوها موضوعة في الآلات والإدارات والمباني وما يلزم الأعمال التي تمارسها، ولأنها لا تزاول عملا تجاريا حتى يطبق عليها زكاة عروض التجارة.
الرأي الثاني:
تجب الزكاة في أسهم وأرباح الشركات التجارية بنسبة ٢?٥% حسب قيمتها السوقية.
أما أسهم الشركات الصناعية؛ كشركات الإسمنت والجبس والكهرباء والأدوية والصناعات الأساسية وغيرها، فإن كان مالك الأسهم اتخذها للاتجار فيها، فتأخذ حكم عروض التجارة، فتؤخذ الزكاة منها بقدر قيمتها نهاية العام بنسبة ٢. ٥%، بعد حسم الأصول الثابتة. وأما إذا كانت للاقتناء فإن الزكاة واجبة في صافي أرباحها فقط، إذا حال عليها الحول بعد قبضها، ويشترط بلوغ النصاب لكل مساهم. وقال به الشيخان عبد الله بن عبد الرحمن البسام، وعبد الله بن سليمان المنيع (٢). وللشيخ ابن منيع رأي آخر في الشركات الزراعية يتفق مع الرأي الخامس (٣).
стр. 74
وقالوا: (إن ربح الشركة الصناعية ما هو إلا ثمرة تلك الأدوات، من تالف مستهلك، ومن قائم معطل لأعمال الشركة، ومشغول لصالحها، ومتناقص ذاتاً وقيمة. فالأرباح هي نتاج هذه الأدوات، فكيف تقوّم في إخراج الزكاة) (١).
ويلتقي رأي لجنة الفتوى الشرعية في وزارة الأوقاف الكويتية مع معظم هذا القول؛ إذ جاء في فتواها رقم ٦/ ١٤١/ ٨١ (إن كانت الأسهم تجارية، فتزكى على أصل السهم وربحه بقيمته يوم وجوب الزكاة، مع حسم الأموال الثابتة، وأما إذا كانت الأسهم عقارية أو صناعية، فإنها تجب الزكاة في أرباحها دون أصولها) (٢).
إلا أن لجنة الفتوى ترى وجوب الزكاة في الأرباح يوم وجوب الزكاة، أما الشيخان فيريان الزكاة بعد حول من قبضها.
وفي رأي لجنة الفتوى اضطراب، نبينه -إن شاء الله- في المناقشة.
أدلة الرأي الثاني:
١ - لا زكاة في رأس مال الشركة الصناعية قياساً على العقار المعد للكراء، فكما أن العقار المعد للكراء لا زكاة في عينه، فكذلك الشركات الصناعية لا زكاة في رأس مالها، وإنما الزكاة في أرباحها (٣)، لأن الشركة المساهمة الصناعية شبيهة بالعقار المعد للكراء، من حيث إن كلا منهما تبقى عينه وتتجدد منفعته، إما على سبيل الاستغلال في العقار، أو على سبيل التصنيع وأخذ الكسب من المصنع، وقد أجمع العلماء -إلا من شذ- على أن العقار المعد للكراء تجب الزكاة في غلته (٤).
стр. 75
٢ - إن تقسيم المال إلى قسمين؛ مال ثابت ومال متحرك نام، هو من الأصول المقررة المتفق عليها لدى الفقهاء، وقد بنيت أحكام الزكاة من حيث وجوبها في المال أو عدمه على هذا الأصل (١)، فالزكاة كما قرر الفقهاء لا تجب في أدوات القنية، ولا في أدوات صاحب الصناعة والحرفة، التي يستعملها في صناعته (٢).
٣ - إن الزكاة واجبة في كل ما هو نام بالفعل أو بالقوة، ولا شك أن شركة المساهمة التجارية تجمع الأموال النامية بالفعل، وهي المتمثلة فيما لديها من سلع وبضائع معدة للبيع، وشراء بدلها، وبين الأموال النامية بالقوة، والمتمثلة فيما لديها من سيولة نقدية (٣).
الرأي الثالث:
إنه لا تأثير لنوع نشاط الشركة، ولا فرق بين شركة وأخرى، بل تجب الزكاة في أسهم الشركات وأرباحها، إذا بلغت نصاباً، أو كملت مع ما عند مالكها نصابا، وحال عليها الحول، بغض النظر عن نشاطاتها، وسواء كانت للمتاجرة، أم للاستثمار، لأن هذه الأسهم ما هي إلا عروض تجارية، فتزكى زكاة عروض التجارة، أي نسبة ٢?٥% مما وجبت فيه الزكاة. ومن القائلين بهذا القول من نص على حسم الأصول الثابتة غير المعدة للبيع، ومنهم من يفهم ذلك من كلامه، لقولهم تطبق عليها زكاة عروض التجارة، وهذا يفيد حسم ما ذكر.
وممن قال به المشايخ محمد أبو زهرة، وهو قوله الأخير، إلا أنه قال في زكاة الشركات ذات الأصول الثابتة، العشر، وفي قوله هذا يلتقي مع أصحاب الرأي