← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1155

الشامل في زكاة الأسهم واستثمار أموال الزكاة

صالح بن زابن المرزوقي البقمي

Полный текст (168 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

زكاة شركات النقل: شركات النقل كشركات الطيران، والبواخر، والقطارات، والسيارات، تنشأ للحصول على الأرباح، كبقية الشركات، وذلك إما بقصد المساهم تحقيق أرباح نمائها، وإما بالمتاجرة في أسهمهما، وحكم زكاة أسهمها كزكاة أسهم المستغلات، على ما رجحنا فإذا كانت شركة تبيع وتشتري أو مساهماً يتاجر في أسهمه، فإنهما يزكيان أسهمهما حسب القيمة السوقية، ولا يحسمان شيئاً منها. أما إذا كانا لا يتاجران فيها، وإنما للحصول على أرباحها، فإن الزكاة واجبة في جميع أموالها النقدية والعينية المعدة للبيع، بنسبة ٢?٥%، وأما المعدة للنقل كالطائرات والبواخر والسيارات فإنه لا زكاة في أعيانها، كجميع الأشياء المعدة للاستعمال. وإذا كانت تبيع وتشتري في وسائل النقل -مع أن هذه شركة تجارية وليست شركة نقل- فعليها أن تضم أجرتها إلى موجوداتها الزكوية، كما قلنا في الشركات العقارية. فجميع أنواع الشركات التي سبق ذكرها، وما ماثلها مما لم يذكر، تجب الزكاة في أسهمها، بما فيها الأرباح، ويطبق عليها زكاة عروض التجارة، على التفصيل السابق، بين الأسهم المعدة للبيع، والمعدة للحصول على أرباحها، لأن المساهم الذي يتاجر في الأسهم تصبح أسهمه تجارية بحتة، حتى وإن كان ما تمثله مصنوعات أو مزروعات، أو مواشي، أو عقاراً، ونحوها، وله تأجيل زكاة الديون التي على غير ملئ إلى حين قبضها، وذلك بعد حسم الأعيان المعدة للاستعمال، وجميع الأشياء التي ليست معدة للبيع، كالعمائر والفنادق والطائرات والبواخر والقطارات والسيارات، وهذه الأشياء الثابتة إذا بيعت، سواء في وقت تصفية الشركة أو غير ذلك، تضم أثمانها إلى أموال الشركة وتزكى.

стр. 107

ومن قال من المعاصرين إن الأرباح يزكيها صاحبها بعد مضي حول من قبضها، مردود بما عليه الإجماع، كما ذكره ابن قدامة (١)؛ لأن شركات المساهمة، سواء كانت صناعية، أم زراعية، أم عقارية، أم خدمية، أم مواشي، أم شركة نقل، أم غيرها، من شركات العقد في القوانين الحديثة، أو ما ينطبق عليها أنها (من شركات العقد في مصطلح فقهاء الشريعة الإسلامية). لها صفة تجارية، وإن سميت صناعية ونحوها، سواء كان نشاطها تجارياً بشكل مباشر، أم كان ذلك بتحويل منتجاتها من حال إلى حال. وإذا تغيرت أسعار الأسهم بين يوم وجوب الزكاة ويوم أدائها، فالعبرة بأسعار يوم الوجوب، سواء زادت القيمة أو نقصت (٢).

стр. 108

الخاتمة في النتائج والتوصيات أولاً: النتائج: •اتفق الفقهاء المعاصرون على أن الزكاة واجبة في أسهم وأرباح الشركات التجارية، وأن الواجب فيها ربع العشر. وقال كثير منهم تزكى الأرباح مع رأس المال، وهو ما رجحه الباحث، و قال قليل منهم بعد حول من قبضها. ورد عليه بأن قولهم هذا مخالف للإجماع من أن أرباح التجارة حولها حول أصلها. • قال معظم الفقهاء إن الأسهم المعدة للتجارة في أي نوع من أنواع الشركات تجب الزكاة في أسهمها حسب القيمة السوقية، في الأوقات الطبيعية، دون أن يحسم شيء من جميع أموالها، ما عدا الديون التي على غير مليئ، وهو ما رجحه الباحث. واتفقوا أن الواجب فيها ربع العشر، إلا من شذ. •اختلفوا في الشركات الصناعية ونحوها المعدة أسهمها للحصول على أرباحها، فمنهم من قال تجب الزكاة في أسهمها وأرباحها، بنسبة ربع العشر، وهو ما رجحه الباحث على تفصيل ذكر في محله، ويأتي بيان بعضه، ومنهم من قال لا تجب الزكاة في رأسمالها، وإنما في أرباحها بعد حول من قبضها. ومن هؤلاء من قال فيها العشر، قياساً على غلة الأرض الزراعية. ومنهم من قال تعامل معاملة الأفراد. • الأسهم المعدة للحصول على أرباحها، وليست معدة للاتجار فيها، تجب الزكاة في أسهمها. •النصاب يعادل قيمة ٨٥ جراماً من الذهب، أو ٥٩٥ جراماً من الفضة في أي عصر من العصور، وتقوّم الزكاة بالأحظ للفقراء، وهو أقلهما قيمة على

стр. 109

الراجح، والغالب أن التقويم بالفضة أقل، فإذا بلغت قيمة الأسهم ما يعادلها، من العملة الرائجة في بلد الشركة، ولم تنقص عن النصاب خلال الحول، وجبت فيها الزكاة. •اتفق الفقهاء على أنه لا زكاة في آلات الشركة المعدة للاستعمال، ولا في أملاكها الثابتة، أو المنقولة، التي ليست معدة للبيع، إذا كانت الأسهم معدة للحصول على أرباحها. • بعد إيراد شروط زكاة الأسهم، استعرض الباحث آراء الفقهاء المعاصرين في زكاتها، باعتبار نوع نشاط الشركة، وحصرها في خمسة آراء، ثم ساق أدلة كل قول، وناقشها. ونظراً لأن الباحث لا يرى ترجيح أي من الآراء بجميع ما اشتمل عليه، وإن كان يرجح بعضه، أو معظمه، إلا أن فيه فرعاً أو أكثر لا يراه، لذا رأى أن يجعل ترجيحه في مبحث خاص، عنون له، بالرأي الذي توصل إليه، ومما جاء فيه: •إذا كان المساهم هو الذي يقوم بدفع الزكاة، فإنها لا تجب عليه إلا إذا بلغ ما يخصه نصاباً. • الراجح لدى المعاصرين، وهو ما رجحه الباحث تخريجاً على آراء المذاهب الأربعة، أن المعتبر هو: بلوغ مجموع مال الشركة نصاباً، لا أسهم كل مساهم على حدة. وذلك لثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء عند المذاهب الأربعة، وأخذاً بمبدأ الخلطة في أموال التجارة، عند من قال بها من الفقهاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية. •يشترط لوجوب الزكاة في الأسهم الحول الهجري، وبداية الحول هو منذ بلوغ رأسمال الشركة بمجموعه نصاباً.

стр. 110

•إذا كانت الشركة تعد ميزانيتها بالسنة الميلادية، فيمكن إخراج الزكاة بها، وحينئذ تكون ٢?٥٧٧% بدلاً من ٢. ٥٠٠، والنسبة الواجب إخراجها حينئذ في السنة الميلادية. •إذا دفعت الشركة الزكاة حسب القيمة الاسمية، والقيمة السوقية للأسهم أكثر من القيمة الإسمية فعلى المساهم أن يكمل ما نقص وذلك بدفع الفرق بين القيمة الاسمية والقيمة السوقية. •إذا اشترى الأسهم أو اكتتب فيها؛ فإن حولها يكون من حين تملك ثمنها. لأن حولها حول أصلها. •إذا باع الأسهم بنقود أو بعروض تجارية، فإن الحول لا ينقطع؛ إذ إن حول هذه الأسهم يصبح حولاً للنقود أو العروض التجارية؛ لأن المباع والمشترى كلاهما مال زكوي، أما إذا أبدلها بأموال للقنية فإن الحول ينقطع. •إذا حصل على الأسهم ما يمنع تصرف مالكها فيها؛ كالرهن أو الغصب، أو كان ذلك بأمر السلطان، أو بسبب دعوى قضائية، فإن الحول ينقطع، فإذا زال المانع، وأمكنه التصرف، ابتدأ حولاً جديداً. •يشترط أن يكون تملك الأسهم بفعله؛ كالبيع والنكاح والخلع وقبول الوصية والغنيمة، أما إذا كان بغير فعله؛ كالأسهم الموروثة والممنوحة، فإن حولها يبدأ من وقت تملكها. •انتقال السهم من مالك لآخر لا يؤثر في وجوب الزكاة فيه، إذا كانت الشركة هي التي تخرج الزكاة، لأنه باق في الشركة لا يخرج منها، مهما تعدد المشترون المتعاقبون. •الراجح هو التخيير بين إخراج الزكاة من الأسهم، أو من النقود، لأن فيه عدد من المصالح للمستحق، أو المزكي، أو جابي الزكاة.

стр. 111

• الشركة سواء أكانت تجارية، أم صناعية، أم زراعية، أم عقارية، أم مواشي، أم شركة نقل، أم غير ذلك، إذا كانت تشتري مواد مجال استثمارها، أو تستخرجها، أو تجري عليها عمليات تحويلية، وتبيعها، فإنها تصبح بهذا الوصف تجارية، تأخذ حكم زكاة عروض التجارة، وهو قول جمهور الفقهاء، القدماء والمعاصرين. • إذا لم تزك الشركة الاحتياطيات، فيزكيها المساهم عند قبضها، أو عند تصفية الشركة، قياساً على المال الضمار، لسنة واحدة، أخذاً بمذهب المالكية. • إذا كانت الشركة الزراعية تقوم بالزراعة، وتبيع منتجاتها، وعائد بيعها لا تستثمره في الاتجار به، وإنما تعيد استغلاله في الزراعة، أو توزعه على المساهمين، فإنها تزكى زكاة الحبوب والثمار. • إذا كانت شركة المواشي لا تقوم بالمتاجرة، وإنما تستغلها في الدر والنسل، وتبيع إنتاجها ولا تستثمره، وإنما توزعه على المساهمين، فإنها تزكى زكاة سائمة بهيمة الأنعام. •المساهم الذي يتاجر في أسهمه العقارية يجب عليه أن يزكي أسهمه حسب قيمتها السوقية، على ما سبق بيانه. • إذا كانت الشركة العقارية تقوم باستغلال عمائرها عن طريق تأجيرها، وهو ما يسميه بعضهم بالمستغلات، فالراجح أنه لا زكاة في أعيان هذه المستغلات؛ لأنها ليست معدة للبيع، وهذا هو رأي جماهير العلماء القدماء والمعاصرين، وصدر به قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي بجدة، أما أسهم هذه المستغلات، التي يتاجر فيها فإن فيها الزكاة، حسب قيمتها السوقية. وإذا كانت معدة للبيع وتقوم بتأجيرها فإن عائد إجارها يزكى مضموماً إلى أموالها الزكوية الأخرى.

стр. 112

•شركات النقل كالطيران، والبواخر، والقطارات، والسيارات، إذا كان المساهم يتاجر في أسهمها، فإنه يزكيها حسب القيمة السوقية، ولا يحسم شيئاً منها. أما إذا كان لا يتاجر فيها، فإن الزكاة واجبة في جميع أموالها النقدية والعينية المعدة للبيع، بنسبة ٢?٥%، أما المعدة للنقل، فإنه لا زكاة في أعيانها، كجميع الأشياء المعدة للاستعمال، إلا في أثمانها عند بيعها. •جميع أنواع الشركات التي سبق ذكرها، وما ماثلها مما لم يذكر، تجب الزكاة في أسهمها، بما فيها الأرباح، ويطبق عليها زكاة عروض التجارة، على التفصيل السابق، بين الأسهم المعدة للبيع، والمعدة للحصول على أرباحها. •السندات والأسهم المحرمة كالأسهم الممتازة، أو أسهم الشركات التي تتعامل بالربا، أو غيره من المحرمات، تجب الزكاة فيها، قياساً على الحلي المحرم وأواني الذهب والفضة المعدة للاستعمال، لإجماع العلماء على وجوب الزكاة فيهما، ولأنها صارت عروضاً تجارية. ثانياً: التوصيات: •أوصي الجهات المعنية أن تتخذ من التدابير والجزاءات، ما يمنع إظهار الحسابات بصورة أقل، لإنقاص ما تدفعه الشركة من الزكاة عن مقدار الواجب، وعلى مجلس الإدارة، والجمعية العمومية، أن يحرصوا على الحصول على إثبات المعلومات، التي تبين المقدار الصحيح للزكاة، وأن يخرجوها طيبة بها نفوسهم. • أوصي أن تأخذ أنظمة الدول الإسلامية بما عليه نظام الشركات السعودي، وهو اشتراط أن تخرج الشركة الزكاة؛ لأنه شرط جائز، ويحقق مصالح كثيرة.

стр. 113

•أوصي الدول الإسلامية بإنشاء مؤسسة للزكاة، تكون لها الاستقلالية مالياً وإدارياً، كما عليه العمل في بعض الدول الإسلامية؛ كالمملكة العربية السعودية، والكويت. • من أهم مشكلات التطبيق المعاصر للزكاة، نقص الوعي بأهمية الزكاة دينياً، ودورها الاجتماعي والاقتصادي، والجهل بالأحكام الشرعية للزكاة، والخلط بينها وبين الصدقات التطوعية. لذا يجب نشر التوعية عن ذلك بوسائل الإعلام المختلفة. • يخص كثير من الناس شهر رمضان بتوزيع زكاته، إما لاعتقاده أنها تجب فيه، وإما رجاءً لكثرة الثواب فيه. والواجب شرعاً أداؤها عند تمام الحول، سواء صادف رمضان أو غيره من الشهور، وله تقديمها عن موعد وجوبها، ولا يجوز تأخيرها عنه إلا لسبب مشروع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 114

الباب الثالث استثمار أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع يعود على مستحقيها

стр. 115

استثمار أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع يعود على مستحقيها ملخص البحث: موضوع «استثمار أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع يعود على مستحقيها» هو أن تتولى إدارة يعينها ولي الأمر تنمية جزء من الزكاة؛ مثل إنشاء المصانع والمتاجر، وما ينتج عنه من أرباح يعاد توزيعه على الفقراء والمساكين. تناول البحث بيان آراء العلماء المعاصرين في الموضوع، فكانت ستة آراء، هي: لا يجوز استثمار أموال الزكاة، يجوز إما مطلقاً أو بقيود، يجوز من سهم «الفقراء والمساكين»، يجوز من سهم «في سبيل الله»، يجوز إنشاء مشاريع ليست ذات ريع تسد حاجات الفقراء والمساكين؛ كبناء المساكن للفقراء، يجب الاستثمار. وعرضت الأدلة، وتمت مناقشتها؛ وقد توصل الباحث إلى ترجيح الرأي القائل بعدم جواز استثمار أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع.

стр. 116

المبحث الأول معنى الاستثمار وتصويره أولاً: معنى الاستثمار: الاستثمار لغة: طلب الثمر، فيقال: أثمر الشجر، إذا خرج ثمره، وثَمَر الشيء إذا تولد منه شيء آخر. وثَمَّر الرجل ماله تثميراً: أي كثَّره عن طريق تنميته (١)، بمعنى كثرة المال، قال تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] وعلى هذا فإن الاستثمار: هو طلب الحصول على الثمرة، واستثمار المال هو طلب الحصول على الأرباح. والفقهاء يستعملون هذا اللفظ بهذا المعنى، جاء في المنتقى للباجي في أول كتاب القراض: أن يكون لأبي موسى الأشعري النظر في المال بالتثمير والإصلاح (٢)، وجاء في تفسير الكشاف عند قوله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] فالسفهاء: المبذرون أموالهم، الذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يقومون بإصلاحها، وتثميرها، والتصرف فيها (٣). ثانياً: تصوير الموضوع: تتلخص فكرة هذا الموضوع في أنه بدلاً من توزيع جميع الزكاة للمصارف الثمانية، يكتفى بتوزيع جزء منها عليهم، وتكلف إدارة معينة، مثل بيت الزكاة بالعمل على تنمية الجزء الباقي في مشاريع استثمارية، يتوقع أن تدر ربحاً؛ مثل:

стр. 117

المصانع، أو عمارات سكنية، أو شركة نقل، لينمى هذا الجزء، دون أن تملك الأعيان المستثمرة لأحد، وإنما تعتبر شخصية معنوية، تمثلها تلك الإدارة الموكلة لها. ويرى البعض أنها مملوكة للأصناف الثمانية ملكاً جماعياً، وما يحصل من أرباح نتيجة استثمار الأعيان المذكورة، يعاد توزيعه على تلك الأصناف. ويرى القائلون باستثمار الزكاة إنها لأجل زيادة مواردها، وأن مصلحة الفقراء والمساكين تقتضي ذلك لئلا يستهلك مال الزكاة، ويفنى بمجرد توزيعه، بل ليكون الاستثمار سنداً للزكاة بزيادة الأرباح.

стр. 118

المبحث الثاني آراء العلماء المعاصرين في استثمار أموال الزكاة اختلف العلماء المعاصرون في حكم استثمار أموال الزكاة من قبل الإمام، أو من قبل جهة تتولى الإشراف والاستثمار على ما صورناه، ويمكن تقسيم آرائهم إلى ستة آراء: الرأي الأول: عدم جواز استثمار أموال الزكاة. وممن وجدنا له كلاماً من العلماء السابقين حول هذا النووي ﵀، إذ قال: (لا يجوز للإمام ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانها؛ لأن أهل الزكاة أهل رشد ولا ولاية عليهم، فلم يجز بيع مالهم بغير إذنهم) (١). فالنووي ﵀ لا يرى جواز بيع أموال الزكاة، وأنه يجب على الإمام والساعي تسليمها إلى مستحقيها بأعيانها، ومن لازم هذا القول أنه لا يجوز عنده استثمارها؛ بل هو أولى؛ لأن الاستثمار لا يخلو من بيع. وممن قال به من المعاصرين الشيخ الدكتور بكر أبو زيد، والشيخ محمد تقي العثماني، والشيخ خليل محيي الدين الميس، والدكتور وهبة الزحيلي، ونجاتي صابون محمد (٢)، والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع، والدكاترة عمر الأشقر، ومحمد نعيم ياسين، وعيسى زكي شقرة، ومحمد رأفت عثمان (٣).

стр. 119

وقد صدر بهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي بالهند، ونصه: (لا يجوز شرعاً أن تودع أموال الزكاة في مشاريع استثمارية من إنشاء المصانع والشركات لتوزيع منافعها بين أصحاب الاستحقاق للزكاة، سواء أفعل ذلك المزكون أنفسهم أو الجهات الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها؛ لأن أموال الزكاة لا تصل إلى مستحقيها في هذه الصورة، وكما يخشى في ذلك لحوق الخسائر بالمصانع وضياع المبلغ الكبير من أموال الزكاة، بالإضافة إلى الإمساك عن تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتجميد أموال الزكاة) (١). الرأي الثاني: ويرى أصحابه جواز استثمار أموال الزكاة. وأصحاب هذا القول فريقان: أحدهما أجازه بدون قيود، وهم الدكاترة عبد العزيز الخياط، وحسن عبد الله الأمين، والشيخ مصطفى الزرقا (٢)، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة (٣)، والدكتور عبد الستار أبو غدة (٤). والفريق الثاني قيدها كل منهم بقيود خاصة، وهم: مجمع الفقه الإسلامي بجدة (٥)، والندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة بالكويت (٦)، والدكاترة محمد عبد اللطيف الفرفور، ومحمد عثمان شبير (٧)، ومحمد سليمان الأشقر.

стр. 120

وقد قيده مجمع الفقه بجدة بأن يكون الاستثمار بعد تلبية الحاجات الماسة الفورية للمستحقين، وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر (١). وقيدت الندوة الثالثة لقضايا الزكاة الجواز بالقيود التالية: ١ - أن لا تتوافر وجوه صرف عاجلة تقتضي التوزيع الفوري لأموال الزكاة. ٢ - أن يتم استثمار أموال الزكاة -كغيرها- بالطرق المشروعة. ٣ - أن تتخذ الإجراءات الكفيلة ببقاء الأصول المستثمرة على أصل حكم الزكاة، وكذلك ريع تلك الأصول. ٤ - المبادرة إلى تنضيض (٢) «تسييل» الأصول المستثمرة إذا اقتضت حاجة مستحقي الزكاة صرفها عليهم. ٥ - بذل الجهد للتحقق من كون الاستثمارات التي ستوضع فيها أموال الزكاة مجدية ومأمونة وقابلة للتنضيض عند الحاجة. ٦ - أن يتخذ قرار استثمار أموال الزكاة ممن عهد إليهم ولي الأمر بجمع الزكاة وتوزيعها لمراعاة مبدأ العناية الشرعية وأن يسند الإشراف على الاستثمار إلى ذوي الخبرة والكفاءة والأمانة (٣). وقيد الشيخ الفرفور جواز ذلك بشكل مؤقت، لا بصورة دائمة، وإذا انتهى الأجل المضروب للاستثمار رفع كل من القائمين عليه يده، وأعاد القاضي، أو ولي الأمر، الأموال إلى الفقراء المستحقين بالتمليك الشرعي، مع الريع الناتج عن ذلك.

стр. 121

وقيده محمد عثمان شبير: ١ - بأن لا توجد وجوه صرف عاجلة لأموال الزكاة، كسد الحاجات الضرورية للمستحقين من طعام وكساء ومسكن وغير ذلك. ٢ - أن تتحقق من استثمار أموال الزكاة مصلحة حقيقية للمستحقين. ٣ - أن يتم استثمار أموال الزكاة في مجالات الاستثمار المشروعة. ٤ - أن تتخذ كافة الإجراءات التي تضمن بقاء تلك الأموال على أصل حكم الزكاة. ٥ - أن تسبق الاستثمار دراسات دقيقة من أهل الخبرة في الجدوى الاقتصادية لمشاريع الاستثمار. ٦ - أن يعتمد قرار استثمار أموال الزكاة ممن له ولاية عامة كالإمام أو القاضي، أو أهل الحل والعقد. ٧ - أن يسند أمر الإشراف والإدارة إلى ذوي الكفاءة والخبرة والأمانة. ٨ - أن تكون نفقات الاستثمار من أجرة القائمين عليه وغيرها من بيت المال في بداية المشروع، أما إذا أصبح يدر ربحاً فلا مانع من أن تحسم تلك النفقات من أرباح ذلك المشروع (١). وقال محمد الأشقر: (الإمام هنا له الحق أن يتصرف بالنيابة لا بالوكالة، فله أن يفعل ذلك إذا رأى من المصلحة ذلك؛ فلا بد أن ينظر إلى الضوابط التي تكفل عدم إساءة التصرف في هذا المال) (٢).

стр. 122

الرأي الثالث: جواز استثمار أموال الزكاة من سهم الفقراء والمساكين. وقال به الشيخ آدم شيخ عبد الله علي (١). الرأي الرابع: الجواز من سهم في سبيل الله. وقال به الشيخ عبد الله المحفوظ بن بيه (٢) الرأي الخامس: إنشاء مشاريع ليست ذات ريع تلبي حاجات الفقراء. وقال به الدكتور عبد السلام العبادي. ويرى أن تتوجه مؤسسة الزكاة لإقامة مشاريع لمصلحة الفقراء العاجلة الملحة كمشاريع التأهيل، وإيواء المسنين الذين لا يجدون من يؤويهم، وكالمستوصفات والمستشفيات لمعالجة الفقراء، ويقول: كل هذه مشاريع ليست ذات ريع، ولكنها تلبي حاجات ملحة قائمة عند الفقراء الآن وليست متوقعة، ويرى أن تملك المؤسسة الزكاة باعتبارها جهة اعتبارية لها حق التملك، مع الضمانات بأن لا تستغل، وأن تكون الجهات الممثلة في هذه المؤسسة جهات تصون الحقوق، وتحفظ مصالح الفقراء، ويقول: أما تمليكها للمسنين فيوقعنا في مشكلة كبيرة عند وفاة المسن أو غير ذلك (٣). الرأي السادس: يجب استثمار أموال الزكاة. وقال به الدكتور حسين حامد حسان (٤). ومما قال: «وأضيف الوجوب بدلاً من الجواز؛ لأنه لا يجوز في الشرع أن يحبس مال دون أن يستثمر، فالقول إذن الوجوب؛ ولأن مقصد الشارع من الزكاة هو

стр. 123

إغناء الفقير والمسكين، وذلك يتحقق بأعطائهما ما تحصل به الكفاية على الدوام، ولذا يمكن إغناؤه عن طريق الاستثمار والانتاج» (١).

стр. 124

المبحث الثالث الأدلة المطلب الأول: أدلة القائلين بعدم الجواز: استدل القائلون بعدم جواز استثمار أموال الزكاة، بأدلة منها ما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فالمراد الزكاة، والأمر المطلق يقتضي الفور (١)، وفورية إخراج الزكاة بعد وجوبها مذهب جمهور الفقهاء؛ فهو القول المختار والمفتى به عند الحنفية، وهو المذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة (٢). ٢ - ما روي عن عقبة بن الحارث قال: صلى النبي ﷺ العصر فأسرع ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج، فقلت - أو قيل- له، فقال: «كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ» (٣). قال ابن بطال: (فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود). زاد غيره: (وهو أخلص للذمة وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب) (٤).

стр. 125

فإسراع الرسول ﷺ ومبادرته بقسمة التبر المذكور وكراهته أن يبقى حتى يبيت عنده ليلة واحدة، كل هذا دليل على وجوب توزيع الزكاة على الفور، إلا لسبب مشروع، أو ضرر. وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز استثمار أموال الزكاة؛ لأنه ينافي الفورية المنصوص عليها في الآية الكريمة، والمفهومة من الحديث الشريف. ٣ - المال المستثمر هو مال مستحق للفقراء وغيرهم، بوصفهم هم الذين يجب تمليكهم لهذا المال، وهم بالاستثمار لم يملكوا الأصول، وإنما يملكون العائد أو بعضه فقط، وذلك بعد فترة من الزمن، فإذا قلنا بالاستثمار فمن هو المالك للأموال المستثمرة؛ هل هم الفقراء وغيرهم من الأصناف المستحقة للزكاة؟ الواقع أنه لا مالك لها حقيقة؛ لأنها خرجت من ملك المزكي، ولم تدخل في ملك أحد من مصارف الزكاة، ومن المعلوم أنه لا يجوز النزول عن الملك إلى غير مالك. ٤ - إن هذه الأعمال تعرض المال للفائدة والخسارة، فربما ترتب عليها ضياع أموال الزكاة (١). ٥ - حاجة الفقراء ناجزة، فيجب أن يكون الوجوب على الفور، واستثمار أموال الزكاة في أي من المشاريع الإنمائية يؤدي إلى انتظار الفائدة المترتبة عليها، وهذا ما يأخذ وقتاً طويلاً؛ فيكون سبباً لتأخير تسليم أموال الزكاة لمستحقيها بدون دليل شرعي؛ بل يكون مصادماً للأمر باستعجال تسليم الزكاة لمستحقيها كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].

стр. 126

٦ - إن أموال الزكاة أمانة في يد المسؤولين عنها، حتى يسلموها إلى أهلها، وشأن الأمانة الحفظ فقط، أما تصرف الإمام أو الساعي في أموال الزكاة بدون تمليك المستحقين لها أو صرفها عليهم، فغير جائز، إلا في المنافع التي لا تزول أعيانها؛ كالركوب مثلاً، أو شرب ألبانها، وما شاكل ذلك (١). ٧ - الزكاة عبادة تتكرر في كل عام، فلم يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها؛ كالصلاة والصوم، والاستثمار يؤدي حتماً إلى تأخيرها فلم يجز. ٨ - الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، وهذه القاعدة من القواعد التشريعية التي أنزلها الشارع بيقين وروداً ودلالة، وأجمع عليها العلماء سلفاً وخلفاً، وقد تضمنت أصلين عظيمين دل عليهما الكتاب والسنة، في مواضع كثيرة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. ويعبر عن هذه القاعدة أيضاً بأن (الأصل في العبادات التوقيف)، وقد يعبر عنها بأن (الأصل في العبادات البطلان)، ومؤداها كلها واحد، وهو أن جميع الأمور التعبدية التي لها هيئات، وأوصاف شرعية خاصة، لا تهدي إليها الغرائز ولا العقول؛ كالصلوات المحدودة بأوقاتها وأعدادها وهيئاتها، وكالزكاة المحدودة بأنواعها ونصابها، ومقاديرها، ومواقيتها، وكالصيام المحدود بزمانه وكيفيته، والحج كذلك، وكالأضاحي والكفارات، وأحكام التوارث والعقوبات المحددة المسماة بالحدود، ونحو ذلك من الأمور التي لاحظَّ للاجتهاد في وضعها، ولا في تبديلها، وتغييرها، مهما تغيرت الأحوال والعصور.

стр. 127

وهذه الأمور التعبدية هي شعار العقيدة، وعنوانها، وهي جديرة بأن تسمى تكاليف شرعية، وشعائر إسلامية، لأنه لا يشارك فيها مع باعث الدين باعث آخر من غرائز النفوس، ولا هداية العقول (١)؛ لذا كان الأصل فيها الحظر. والزكاة عبادة من العبادات بل هي قرينة الصلاة، وقد بين الله مصارفها، وبمقتضى هذه القاعدة، فإنه يحظر علينا أن نحيد عن توزيع جميع الزكاة في مصارفها، وأن نستثمرها؛ لأن الأصل في العبادات الحظر. المطلب الثاني: أدلة القائلين بالجواز: ١ - استثمر النبي ﷺ وأصحابه إبل الصدقات، وغنمها، وأنعامها، وذلك مثل حلبها، وجز صوفها، وأنفقها على الفقراء. ٢ - استثمار أموال الزكاة يجوز استحساناً خلافاً للقياس للضرورة، أو الحاجة بإشراف ولي الأمر، أو من يفوضه كالقاضي الشرعي. ٣ - يجوز تأجيل دفع الزكاة على مذهب أبي حنيفة، فيجوز استثمار أموال الزكاة بتأجيل دفعها إلى مستحقيها. ٤ - توسع العلماء في معنى (سبيل الله)؛ فشمل كل قربة إلى الله تعالى؛ كبناء الملاجئ، والمستشفيات، وغيرها. فيجوز استثمار أموال الزكاة في مثل هذه المشاريع. ٥ - سواء أكانت اللام في الآية الكريمة للتمليك، أو للاختصاص، فإن تمليك الجماعة من الفقراء والمساكين جائز.

стр. 128

٦ - دلت الآية على وجوب إعطاء الغارمين، وليس في الآية ما يمنع من أن يستثمروا أموال الزكاة؛ وقد أعطوها في استعادة تجارتهم، أو صناعتهم، أو في استغلالها زراعياً؛ للإنفاق عليها. ٧ - إن إنشاء المشروعات يفيد الأمة قطعاً، ويحيى اقتصادها، ويدفع البطالة عن المحتاجين القادرين على العمل، ونستهدي في ذلك بدفع الرسول ﷺ السائل إلى العمل بالاحتطاب وعدم السؤال (١). ٨ - إن معنى «سداد العيش» الوارد في الحديث يدل على أن سداد العيش المستمر بعمل الفقير القادر على العمل في أموال الزكاة المستثمرة أولى وأفضل من أن يعطى لفترة قصيرة فيصرفه ويعود مستحقاً. ٩ - واستدل البعض بأن الشافعية ذهبوا إلى أن الواجب بالنسبة للفقير والمسكين أن يعطى كفاية العمر الغالب لأمثاله ما يغنيه أخذاً من حديث «سِدادًا مِنْ عَيْشٍ «أو «قِوامًا مِنْ عَيْشٍ «وكان عمر يقول: «إذا أعطيتُمْ فأغنوا». وكان يقول: «والله لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل»، مائة من الإبل يساوي عشرين نصاباً من أنصبة الزكاة، فأخذ الشافعية أن الفقير يعطى ما يغنيه طوال عمره. وقالوا إذا كان زارعاً تشترى له ضيعة أو حصة في ضيعة تغنيه طول العمر، وقال: الزركشي إن للإمام دون المالك شراءه له، وله إلزامه بالشراء وعدم إخراجه عن ملكه، يعني كأنه شبه وقف عليه، حينئذ ليس له إخراجه فلا يحل ولا يصح فيما يظهر بيعه.

стр. 129

١٠ - إن تغيير الأسلوب من اللام إلى استعمال «في» في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، للدلالة على أن جانب التمليك ليس وحده المقصود في الآية، وإنما جانب الصرف مقصود أيضاً؛ فالصرف للأربعة الأخيرة في الآية، والتمليك للأربعة الأولى فيها. ١١ - المصانع أو المشاريع التي تنشأ بقصد الربح لصالح جهات استحقاق الزكاة، هي ملك للمستحقين عامة، ويجوز أن تكون ملكاً لأصناف منهم. ١٢ - إن الأمر في نهايته راجع إلى ملكية الفقراء لهذا المال ولو بعد حين مع أرباحه وتثميره لهم (١).

стр. 130

المبحث الرابع مناقشة الأدلة مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز الاستثمار: ١ - القول بأن استثمار أموال الزكاة ينافي الفورية، يجاب عنه بأن الفورية تتعلق بالمالك لا بالإمام، فيجب على المالك إخراج الزكاة على الفور، وإذا وصلت إلى الإمام أو نائبه تحققت الفورية. أما الإمام فيجوز له تأخير قسمتها للمصلحة عند جمهور العلماء - إذا أده اجتهاده إلى ذلك (١). ٢ - القول بأن استثمار أموال الزكاة ينافي تمليك الفقراء لها، يجاب عنه بأن اشتراط التمليك محل نظر؛ فقد أجاز بعض العلماء صرف الزكاة دون تمليك فردي في صور كثيرة، كشراء العبيد وعتقهم، وصرفها لأبناء السبيل، دون تمليك فردي للمستحق. وعلى فرض التسليم باشتراط التمليك، فإن التمليك يتحقق في إنشاء المشاريع الاستثمارية، وتمليكها جماعياً للمستحقين، أو بعضهم. ٣ - وأما القول بأن الاستثمار يعرض أموال الزكاة للخسارة، فتضيع حقوق المستحقين، فيجاب عنه بأن احتمال الخسارة في الأموال لا يمنع الاتجار بها، كما لا يمنع ذلك الأغنياء من الاتجار بأموالهم، بحجة أنه يعرضها للخسارة؛ فتضيع حقوق الفقراء في الزكاة. ثم إن الاستثمار - يخضع في هذا الوقت- لدراسات اقتصادية دقيقة قبل الإقدام على أي مشروع، مما يقلل جداً احتمال الخسارة.

стр. 131

٤ - القول بأن الزكاة أمانة في يد المسؤولين عنها حتى يسلموها إلى أهلها، وشأن الأمانة الحفظ، لا التصرف ولا الاستثمار؛ فهذا غير مسلم، لأن بعض الفقهاء أجازوا للإمام والساعي التصرف في مال الزكاة للمصلحة، إذا اقتضت ذلك ضرورة أو حاجة (١). مناقشة أدلة القائلين بجواز الاستثمار: ١ - قياسهم جواز استثمار أموال الزكاة على ما ذكروه بأن النبي ﷺ وأصحابه استثمروا إبل الصدقة وغنمها، ليس فيه دلالة على الاستثمار؛ لأن هذا ليس استثماراً، فإذا ولدت ناقة فأعطى حليبها لمرضى أو غير مرضى، أو أطعمها، أو رعاها، أو أعد خيلاً للجهاد، فإن هذا كله ليس هو الاستثمار الذي نتكلم عليه؛ لأن توزيع ما يحصل من توالد وتناسل ودر لبن أمر طبيعي وهو من المصلحة. بل إنَّ عدم الاستفادة منه يترتب عليه ضرر بالأنعام، وإضاعة للمال وإهداره، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال في قوله ﷺ : «إنَّ اللهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ وكثرةَ السُّؤالِ وإضاعةَ المالِ» متفق عليه (٢)؛ أما جعل أموال الزكاة في مشاريع استثمارية فإن هذه المشاريع تحجز الزكاة عن أصحابها. نعم لو ثبت أن إبل الصدقة كانت تؤخر عن التوزيع، وتحجز كي تتناسل وتتكاثر، لصح القياس على ذلك، والقول بجواز استثمار أموال الزكاة، لكن ذلك لم يحصل.

стр. 132

٢ - القول بأنه يجوز استثمار أموال الزكاة استحساناً خلافاً للقياس للضرورة أو الحاجة، يناقش بأن الاستدلال بالاستحسان يمكن في حالة وجود قياسين متعارضين فيرجح المجتهد أحدهما لمعنى محدد، كما إذا أوقف إنسان أرضاً على جهة خيرية، كدار لتحفيظ القرآن، ولم ينص في الوقف على حق تبعية المرور للأرض الموقوفة، فحق المرور للأرض الموقوفة يتبع الوقف بدون نص أم لا؟ هنا قياسان: قياس على البيع، فلا يتبع؛ لأن البائع إذا لم ينص في العقد على تبعية حق المرور للمشتري فليس من حق المشتري أن يطالب بحق المرور. وأما إذا قسناه على عقد الإيجار فالإجارة تقتضي تبعية حق المرور للمستأجر. فهل نقيس الوقف على عقد البيع أو على عقد الإجارة؟ المعنى هنا يبرر القياس على عقد الإجارة؛ لأن الوقف ما وقف أصلاً إلا لأجل أن يستوفي الموقوف عليهم العائد، وأن تنوبهم هذه الثمرة المقصودة من الوقف، وبالتالي يكون أشبه بعقد الإجارة، هذا نوع من الاستحسان. وأيضاً قال الحنفية: الاستحسان هو أن يكون قاعدة عامة في الشريعة، يستثنى منها أمر من الأمور، لكن لا بد من الاستناد إلى دليل شرعي كما في السلم مثلاً؛ فالقواعد الشرعية تمنع جواز السلم، لكن لما جاءت النصوص الشرعية في السنة الشريفة وأباحته، قالوا إن هذا نوع من الاستحسان، وهذا على رأي الحنفية. إذن الاستحسان لا بد أن يكون مبنياً على دليل، أو على معنى، أو على مبرر شرعي (١). وليس في موضوع استثمار أموال الزكاة قياسان، بل فيه استحسان من البعض يقابله نص من كتاب الله، فهل نقدم النص أم الاستحسان؟ الحق أنه لا استحسان ولا قياس مع النص، فضلاً أن يقدما عليه.

стр. 133

٣ - الاستدلال على جواز استثمار أموال الزكاة بجواز تأجيل دفع الزكاة إلى مستحقيها - على مذهب أبي حنيفة- لا يصلح دليلاً على هذه الدعوى؛ لأن قول الفقيه ليس دليلاً من الأدلة الشرعية، وإنما هو قول إنسان يؤخذ من كلامه ويرد. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن التأجيل لا يدل على جواز الاستثمار. ومن جهة ثالثة فإن هذا القول خلاف مذهب جمهور الفقهاء، وخلاف المختار المفتى به من مذهب الحنفية. قال المالكية والشافعية والحنابلة والمفتى به عند الحنفية إذا وجبت الزكاة، وجبت المبادرة إلى إخراجها على الفور مع القدرة على ذلك، وعدم الخشية من الضرر (١). جاء في الدر المختار: (وقيل فوري، أي واجب على الفور، وعليه الفتوى .. فيأثم بتأخيرها بلا عذر، وترد شهادته؛ لأن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور، وهي أنه لدفع حاجته، وهي معجلة، فمتى لم تجب على الفور لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام) (٢). وفي رد المحتار على الدر المختار: (فتكون الزكاة فريضة وفوريتها واجبة، فيلزم بتأخيرها من غير ضرورة الإثم، كما صرح به الكرخي، والحاكم الشهيد في المنتقى، وهو معنى ما ذكره الإمام أبو جعفر عن أبي حنيفة أنه يكره؛ فإن كراهة التحريم هي المحمل عند إطلاق اسمها، وقد ثبت عن أئمتنا الثلاثة وجوب فوريتها) (٣)، وحتى العلماء الذين يرون بأن مطلق الأمر لا يقتضي الفور- وهم أكثر الحنفية والشافعية- يقولون إن الزكاة واجبة على الفور؛ وذلك لقرينة حاجة الفقير وهي معجلة. جاء في فتح القدير

стр. 134

لابن الهمام (١): (المختار في الأصول أن مطلق الأمر لا يقتضي الفور ولا التراخي، بل مجرد طلب المأمور به .. والوجه المختار -أي في الزكاة أن الأمر بالصرف إلى الفقير معه قرينة الفور، وهي أنه لدفع حاجته وهي معجلة، فمتى لم تجب على الفور لم يحصل المقصود من الإيجاب على وجه التمام). وجاء في المجموع (٢): (الزكاة عندنا يجب إخراجها على الفور، فإذا وجبت وتمكن من إخراجها لم يجز تأخيرها). وعند عامة مشايخ الحنفية ومنهم أبو بكر الرازي الجصاص أنها على التراخي (٣). ٤ - القول بأن الأمر في نهايته راجع إلى ملكية الفقراء لهذا المال ولو بعد حين، هذا القول لا يصلح دليلاً على جواز الاستثمار، وعلى فرض صحة أن ملكيته سترجع إلى الفقراء فهذا لا يبرر الجواز؛ لأنه بدفع الزكاة إلى الجهة التي تتولى الاستثمار انتقل الملك من المزكي ولم يدخل في ملك الفقراء وغيرهم من الأصناف، فحينئذ لمن يكون ملك مال الزكاة؟ ومن المعلوم أنه لا يجوز النزول عن الملك إلى غير مالك. والقول بأن الفقراء يملكونه ملكاً جماعياً غير مسلم؛ لأن الملك الجماعي فرع عن الملك الفردي؛ لأن الأفراد إذا تملكوا المال سواء كان زكاة أو غيره أمكنهم أن يتفقوا على الاستثمار، ويوكلوا من شاءوا، وهنا يتحقق الملك الجماعي. أما أن نطلق الأقوال بالملك الجماعي مع أنه لا حقيقة له فهذا غير صحيح.

стр. 135

والقول بأن الجهة التي تتولى الإشراف تملك ملكاً اعتبارياً، فإن كان المراد أن الملك ينتقل إلى الشخص المعنوي فهذا غير مسلم؛ لأن الشخصية المعنوية وإن كنا نعترف بها على ضوء الفقه الإسلامي، ولكنه لا يثبت لها من الذمة مثل ما يثبت للإنسان (١)، وبالتالي فإنه لا يجوز استثمار أموال الزكاة على هذا الأساس. ٥ - قياس جواز استثمار أموال الزكاة على ما قاله بعض العلماء في مصرف «في سبيل الله» أنه يشمل كل قربة؛ كبناء المستشفيات والملاجئ والمدارس، هذا القياس غير مسلم؛ لأن مصرف «في سبيل الله» للجهاد، وليس ذلك محصوراً على شخص المجاهد، بل يشمل هذه الأشياء للاستفادة منها في الدعوة إلى الإسلام؛ لأنها تحقق وسيلة من وسائل الجهاد؛ فإقامة هذه المشاريع داخلة في مصرف «في سبيل الله». ولهذا رأى مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، كما رأى بعض العلماء دخول الدعوة وما يعين عليها في مصرف «في سبيل الله» اعتماداً على أن الجهاد في الإسلام لا يقتصر على القتال بالسيف، بل يشمل الجهاد بالدعوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مشاقها (٢). لكن قرار المجمع المذكور وما ذكر بهذا الشأن لا يصح الاحتجاج به ولا القياس عليه للقول بجواز استثمار أموال الزكاة فهو بعيد كل البعد عن القول بذلك. وقد ناقش المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة موضوعي: «الاستفادة بأموال الزكاة لبناء المدارس والمستشفيات في البلاد الأوربية، وتأسيس صندوق للزكاة فيها»، واتخذ قراراً في هذا الشأن في دورته التاسعة، أكد ما قرره في دورته

стр. 136

الثامنة، وأضاف: (يقرر المجلس أن المؤسسات التعليمية والاجتماعية من المدارس والمستشفيات ونحوها، إذا كانت في بلاد الكفر، تعتبر اليوم من لوازم الدعوة وأدوات الجهاد في سبيل الله، وهي مما يدعم الدعوة ويعين على أعمالها، بل هي لازمة للمحافظة على عقائد المسلمين وهويتهم الدينية في مواجهة التخريب العقائدي والفكري الذي تقوم به المدارس والمنشآت التنصيرية واللادينية، على أن تكون هذه المؤسسات إسلامية خالصة محضة، لأغراض الدعوة والرسالة والنفع لعموم المسلمين، وليست لأغراض تجارية تخص أفراداً أو فئة من الناس) (١). وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية: (لا مانع من صرف الزكاة للدعاة إلى الله في أي مكان من أرض الله، إذا كانوا متفرغين للدعوة إلى الله ، وليس لديهم ما يغنيهم عنها) (٢). وهنا فرق بين استثمار أموال الزكاة والمتاجرة بها، وبين إقامة مرافق تحقق النفع للمجاهدين وغيرهم من المسلمين؛ ولذا فإن هذا قياس مع الفارق. (أما ما يتعلق بتأسيس صندوق للزكاة؛ لجمعها من المكلفين بها، وصرفها في مصارفها الشرعية، ومنها ما ذكرناه أعلاه، فهو أمر محمود شرعاً؛ لما وراءه من تحقيق مصالح مؤكدة للمسلمين، بشرط أن يقوم عليه الثقاة المأمونون العارفون بأحكام الشرع، وتحصيل الزكاة وتوزيعها) (٣). ٦ - قولهم إن تمليك الجماعة من الفقراء والمساكين جائز، هذا مسلم إذا تحقق تمليكهم، لكن استثمار أموال الزكاة من قبل جهة تعينها الدولة دون أن يكون

стр. 137

للفقراء والمساكين دخل في تعيينها أو توكيلها، ودون أن يقبضوا الزكاة، فهذا ليس تمليكاً، والقول بأنه تمليك فيه قلب للحقائق. ٧ - قياس تجويز استثمار أموال الزكاة على جواز أن يستثمر الغارم ما دفع إليه، بناءً على أنه ليس في الآية ما يمنع من ذلك، قياس مع الفارق؛ لأن الغارم قبض الزكاة وملكها، وللمالك أن يتصرف في ملكه، أما استثمار الزكاة من قبل جهة غير أصحابها فهو تصرف من غير مالك ولا وكيل؛ فتصرف كتصرف الفضولي؛ فيكون باطلاً. ٨ - قياسهم استثمار أموال الزكاة على دفع الرسول ﷺ السائل إلى العمل بالاحتطاب وعدم السؤال، وقياسهم ذلك أيضاً على معنى سداد العيش الوارد في الحديث، وغير ذلك من الأقيسة الواردة لتبرير استثمار أموال الزكاة يجاب عنه بأن هذه الأقيسة غير مسلمة؛ لأنها ضعيفة ضعفاً واضحاً أمام النصوص الشرعية التي توجب التمليك الذي لا محيل عنه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ … ﴾ ولأن هذه الأقيسة غير مستوفية لشروط القياس؛ فمن شروطه أن لا يقوم دليل قاطع على خلافه؛ ولأنه قياس مع النص، وهنا قامت الأدلة على خلافه، فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يوجب إيتاء الزكاة لأصحابها، وحيث إن استثمار أموال الزكاة يحول دون إيتاء الأموال المستثمرة لأي من أفراد الأصناف الثمانية، لأنها لا تعطى لهم كما أوجب الله يوم حصاده، فيكون القياس معارضاً للنص. ولأن من شروط القياس اشتراك الأصل والفرع في علة جامعة، وليست هنا علة جامعة.

стр. 138

٩ - الاستدلال على جواز الاستثمار بما ذهب إليه الشافعية من إعطاء الفقير والمسكين كفاية العمر؛ أخذاً من حديث «سِدادًا مِنْ عَيْشٍ» (١)، ومن قول عمر ﵁: (إذا أعطيتم فأغنوا) (٢). وقوله فيما نسب إليه ﵁: (والله لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل) (٣)، يجاب عليه بأن هذا ليس فيه استثمار ولا ما يدل على الاستثمار؛ لأن هذه الأدلة تفيد في جواز زيادة مقدار نصيب الفقير والمسكين من الزكاة، وهذا لا ينازع فيه المانعون لاستثمار الزكاة، لكن لا يصلح الاستدلال به على جواز الاستثمار؛ بل إنه يدل على تسليمه للفقير والمسكين، وهذا تمليك له، فهو جائز، سواء كان ما أعطي قليلاً أم كثيراً. وما ذكر عن الزركشي أن للإمام دون المالك إذا كان زارعاً أن يشتري له ضيعة … إلخ، يجاب عليه بأن أقوال الفقهاء ليست دليلاً شرعياً من الأدلة المعتبرة المقررة في أصول الفقه، ولو أخذنا بهذا المبدأ لأصبح رأي هؤلاء المشايخ وغيرهم من العلماء المعاصرين بعد فترة من الزمن دليلاً يستدل به الآخرون، ولا قائل بهذا. ١٠ - أما قولهم إن تغيير الأسلوب من اللام إلى «في» يدل على أن جانب التمليك ليس وحده المقصود، وإنما جانب الصرف مقصود أيضا، فيجاب عنه بأنه سواءً كان المقصود أن الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول به الإمام مالك ﵀، فالمراد أنهم المستحقون لهذا المال المختصون به، فلا يجوز التصرف فيه بالاستثمار بدون إذنهم.

стр. 139

١١ - وأما من قال بوجوب الاستثمار مستدلاً بأن المقصد من الزكاة هو إغناء الفقير والمسكين، فيجاب عليه بأنه لا دليل على الجواز فضلاً عن الوجوب، ثم إن المقصود هو سد حاجات المحتاجين، أما إغناؤهم فإن أمكن ذلك عن طريق توزيع الزكاة عليهم، وإلا فلسنا مكلفين بإغنائهم لا سيما إذا أدى ذلك إلى الخروج بالزكاة عن مقصدها الشرعي. الرد على المناقشة: وما ناقش به المجيزون أدلة المانعين، يمكن الرد عليه بما يلي: ١ - قولهم إن الفورية تتعلق بالمالك لا بالإمام غير مسلم؛ لقول النبي ﷺ : «كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ «. حيث كره النبي ﷺ وهو الإمام- تأخير توزيع الصدقة، فهذا يدل على أن الفورية تتعلق بالإمام كما تتعلق بالمالك. ٢ - قولهم إن اشتراط التمليك محل نظر؛ لأن بعض العلماء أجاز صرف الزكاة دون تمليك فردي في صور كثيرة، يجاب عليه بأن قول بعض العلماء بالجواز ليس دليلاً على الجواز حتى يثبتوا قولهم بالدليل الشرعي، وعندئذ يكون الدليل الشرعي هو المعتمد وليس قولهم، وليس معهم دليل شرعي. ومن جهة أخرى فإن الصور التي أجازوا فيها صرف الزكاة دون تمليك فردي كشراء العبيد وعتقهم، هذا التصرف ممن وجبت عليه الزكاة، وهو جائز شرعاً؛ إذ إنه استجابة لنص القرآن الكريم حيث جاء فيه «وفي الرقاب» وهذا ليس فيه دليل شرعي يسوغ الاسثتمار. ٣ - قولهم إن احتمال الخسارة في الأموال لا يمنع الاتجار بها، كما لا يمنع ذلك الأغنياء من الاتجار بأموالهم، يجاب عن ذلك بأن احتمال الخسارة لا يمنع

стр. 140

صاحب المال من الاستثمار، ولكن الإمام هنا ليس هو صاحب المال حتى يطلق حرية التصرف في أموال الزكاة كتصرف الملاك. ٤ - قولهم إن بعض الفقهاء أجاز للإمام والساعي التصرف في مال الزكاة لمصلحة إذا اقتضت ذلك ضرورة أو حاجة، يجاب عنه أيضاً بما سبق، وهو أن قول بعض الفقهاء ليس دليلاً يعتمد عليه، ثم إن الفقهاء الذين أجازوا ذلك قيدوه بالضرورة، ولا ضرورة في الاستثمار.

стр. 141

المبحث الخامس الرأي الذي توصلت إليه لو كان الدين بالرأي لرجحت القول باستثمار جزء من أموال الزكاة بضوابط، كما قال الصحابي الجليل والخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِه»، ولذلك وبعد عرض الآراء وأدلتها، ومناقشتها، يترجح لي عدم جواز استثمار أموال الزكاة، لقوة أدلة هذا القول؛ فهي نصوص شرعية من القرآن الكريم والسنة الشريفة، آمرة بدفع الزكاة إلى مستحقيها فوراً، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، ومبينة مصارفها وحاصرة لها فيها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، لأن إنما أداة حصر، وكما في قوله ﷺ : «فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ في فُقَرائِهِمْ» (١). ولأن أدلة القائلين بجواز استثمار الزكاة لم تثبت أمام المناقشة، وما أجابوا به على أدلة المانعين قد أمكن الرد عليه. وأيضاً فإن استثمار أموال الزكاة يزيد المشكلة ولا يحلها؛ لأن الجموع الهائلة في العالم الإسلامي تنتظر لقمة العيش، فالناس يسقطون موتى من الجوع، بينما البعض يناقش ويحاور في تكديس أموال الزكاة والمتاجرة بها (٢)، فالمبادرة بإطفاء لوعة جوع الجياع، وكساء العراة، أولى من استثمار أموال الزكاة وحجبها عن مستحقيها.

стр. 142

ولأنه يجب توزيع الزكاة على مستحقيها على الفور؛ والمراد به هنا الفورية الممكنة، ولأن استثمار الزكاة يؤدي إلى انتقال الملك من المزكي، ولا يدخل في ملك الفقراء وغيرهم من الأصناف. وفي هذه الحالة إما أن يبقى المال على ملك المزكي، أو ينتقل إلى غير مالك، ومن المعلوم أنه لا يجوز النزول عن الملك إلى غير مالك، والقول بأن مجموع الفقراء يملكون ملكاً جماعياً غير صحيح. ولأن الحاجة إلى استثمار أموال الزكاة ليست نازلة جديدة تستوجب النظر فيها، بل إن الضرورة الملازمة لطائفة كبيرة من المسلمين، لا سيما في بعض البلدان أظهر وأبين في المبادرة بتوزيع الزكاة عليهم. ولأن الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. ومعلوم أن الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله والمتابعة لرسوله ﷺ ، وهذان الأصلان شرط لصحة كل عمل شرعي ظاهر؛ كأقوال اللسان، وأعمال الجوارح، أو باطن كأعمال القلوب قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فمن عمل عملاً عليه أمر الله وأمر رسوله ﷺ مخلصاً فيه، فعمله مقبول وسعيه مشكور. ومن عمل عملاً ليس عليه أمر الله وأمر رسوله ﷺ فعمله فاسد لا يعتد به لقول رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه (١)، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢).

стр. 143

فهذا الحديث أصل عظيم من الأصول الإسلامية، إذ إنه يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو مقبول. والمراد بأمره هنا دينه وشرعه، فمن كان عمله خاضعاً لأحكام الشريعة، موافقاً لها؛ فهو مقبول ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود. قال ابن القيم ﵀: «لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله؛ فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر … ». وأما قول من يقول بجواز استثمار أموال الزكاة من سهم الفقراء والمساكين فهو مردود بأدلة المانعين، والمناقشة التي أوردت على أدلة المجيزين شاملة له. والقول بجواز الاستثمار من سهم «في سبيل الله» لا يصح؛ إذ يجب قصره على الجهاد، وعلى إنشاء أمور تخدم الدعوة وتصب في مجال الجهاد بأنواعه كما ورد في قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة. والقول بجواز إنشاء مشاريع ليست ذات ريع تلبي حاجات الفقراء لا يجوز لعدم توفر الفورية التي وردت بها النصوص، ولعدم تحقق ملك المستحقين.

стр. 144

خاتمة الباب الثالث بعد هذا العرض توصل الباحث إلى نتائج، أهمها ما يلي: -الراجح الذي تعضده النصوص الشرعية من الكتاب والسنة هو الرأي القائل بعدم جواز استثمار أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع تعود على مستحقيها، أما الآراء المجيزة للاستثمار فليس مع أصحابها دليل قوي، وإنما معهم تعليلات وأقيسة ضعيفة، لا تقوم بها حجة على دعواهم. - الزكاة من العبادات، والأصل فيها الحظر، وقد حدد الله مصارفها، وأمر بصرفها في وجوهها على الفور في قوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فلا يجوز تأخيرها عن وقتها بحجة استثمارها ليستفيد المستحقون من أرباحها. فإذا وصلت الزكاة إلى يد الإمام أو من ينوب عنه وجب صرفها لأهلها على الفور- قدر الإمكان- إلا لعذر شرعي. - الناس يسقطون موتى من الجوع، والمؤكد أن المبادرة بإطفاء لوعة جوع الجياع، وكساء العراة أولى من استثمار أموال الزكاة. - القيود والضوابط التي ذكرها بعض مجيزي الاستثمار تدل على عدم الجواز، كقيد «عدم وجود وجوه صرف عاجلة لأموال الزكاة مثل سد الحاجات الضرورية للمستحقين من طعام وكساء ومسكن»؛ لأن هذه حاجات قائمة بصفة دائمة لكثير من المجتمعات الإسلامية في العالم. - الزكاة كفيلة بسد حاجات الفقراء في المجتمعات الإسلامية إذا تم أداؤها وتطبيقها كما يجب دون الحاجة إلى استثمار، لأن المشكلة ليست في عدم كفاية إيرادات الزكاة للأصناف المستحقة لها، ولكن المشكلة في قلة عدد المزكين بالنسبة للقادرين عليها، وعدم التطبيق الدقيق لنظام الزكاة في كثير من أنحاء العالم

стр. 145

الإسلامي، فلو أن جميع دول العالم الإسلامي والمجتمعات الإسلامية في البلدان غير الإسلامية، قامت بالتطبيق الدقيق لنظام الزكاة في الإسلام، لسدت حاجات الفقراء والمساكين. - يمكن إنشاء مشاريع استثمارية ذات ريع بأموال الزكاة، إذا اتفقت طائفة معلومة من المستحقين على أن يستثمر نصيبهم من الزكاة في مثل هذه المشاريع، سواء كان ذلك باقتراحهم ابتداء، أو بإشارة من جهة أخرى، فيوافقوا عليه، وعندئذ يكون ذلك المشروع ملكاً لتلك الطائفة، فتوكل من يقوم بمباشرة أعمال المشروع، ويمكن أن توكل جهة حكومية مثل مصلحة الزكاة لتتولى الإشراف عليه. أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →