← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1155

الشامل في زكاة الأسهم واستثمار أموال الزكاة

صالح بن زابن المرزوقي البقمي

Полный текст (168 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثاني آراء العلماء في زكاة أسهم الشركات المساهمة باعتبار نوع نشاطها وأدلتهم قبل الدخول في تفاصيل أنواع الشركات التي يتناولها البحث، وآراء العلماء المعاصرين فيها، أبين أنه تجب الزكاة في قيمة عروض التجارة، في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول) (١)، وقال المجد ابن تيمية: (وهو إجماع متقدم) (٢)، روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي (٣). ويمكن جمع آراء الفقهاء المعاصرين في حكم زكاة أسهم الشركات المساهمة باعتبار نوع نشاط الشركة، في خمسة آراء، هي كما يلي: الرأي الأول: وقسمه القائلون به إلى قسمين: القسم الأول: أن الأسهم إذا كانت لشركة صناعية محضة، لا تمارس عملاً تجارياً؛ كشركات الصباغة وشركات التبريد وشركات الفنادق والنقل البري أو البحري أو الجوي، وشركات الإعلانات، فلا تجب الزكاة في أسهمها وأصولها الثابتة، وإنما تجب الزكاة في أرباح الأسهم، إذا بلغت نصاباً، أو كملت مع ما عند مالكها من مال آخر نصاباً، وحال عليها الحول.

стр. 72

القسم الثاني: إذا كانت الأسهم لشركات تجارية، أو لشركات صناعية تقوم ببيع منتجاتها؛ كالشركات التي تستخرج المواد الخام، أو تشتريها، ثم تجري عليها عمليات تحويلية ثم تبيعها؛ كشركات البترول، وشركات الغزل والنسيج، وشركات الحديد والصلب، والشركات الكيماوية، فتجب الزكاة في أسهمها، وقالوا تقدر بقيمتها الحالية، أما الأرباح فإذا قبضت وحال عليها الحول من قبضها فتزكى، وممن قال به الشيخ عبد الرحمن عيسى (١). ويتفق مع هذا الرأي في جزئيةٍ من فقرته الأولى، وهي قولهم: (لا تجب الزكاة في أصول الشركة الثابتة) سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ في فتواه التي نص فيها (أنه لا زكاة في سيارات النقل وفي عين البواخر، والفنادق، والمكائن والآلات، والدور والمراكب ونحوها) (٢). كما يتفق مع هذا الرأي في هذه الجزئية جميع الفقهاء قديماً وحديثاً، أما بقية آرائهم فلا يتناوله قوله فيما ظهر لي. وقال أصحاب هذا الرأي بالنسبة للشركات التجارية أو الصناعية وغيرها، تحسم قيمة المباني والآلات، والأدوات المملوكة للشركة، المعدة للاستعمال، لا للمتاجرة فيها، فقد تمثل هذه الأشياء ثلث قيمة الأسهم أو أقل أو أكثر، فيحسم من قيمة السهم ما يقابل ذلك، وتجب الزكاة في الباقي. ويمكن معرفة قيمة المباني ونحوها بالرجوع إلى ميزانية الشركة، وهي تنشر في بعض الصحف كل عام (٣).

стр. 73

وقالوا تقدر حسب القيمة السوقية (١)، وقال عبدالرحمن عيسى تقدر الأسهم حسب القيمة الحالية، ثم تحسم الموجودات -كما ذكر- ويزكى الباقي. دليل الرأي الأول: ١ - قال أصحاب الرأي الأول إن قيمة أسهم الشركات الصناعية ونحوها موضوعة في الآلات والإدارات والمباني وما يلزم الأعمال التي تمارسها، ولأنها لا تزاول عملا تجاريا حتى يطبق عليها زكاة عروض التجارة. الرأي الثاني: تجب الزكاة في أسهم وأرباح الشركات التجارية بنسبة ٢?٥% حسب قيمتها السوقية. أما أسهم الشركات الصناعية؛ كشركات الإسمنت والجبس والكهرباء والأدوية والصناعات الأساسية وغيرها، فإن كان مالك الأسهم اتخذها للاتجار فيها، فتأخذ حكم عروض التجارة، فتؤخذ الزكاة منها بقدر قيمتها نهاية العام بنسبة ٢. ٥%، بعد حسم الأصول الثابتة. وأما إذا كانت للاقتناء فإن الزكاة واجبة في صافي أرباحها فقط، إذا حال عليها الحول بعد قبضها، ويشترط بلوغ النصاب لكل مساهم. وقال به الشيخان عبد الله بن عبد الرحمن البسام، وعبد الله بن سليمان المنيع (٢). وللشيخ ابن منيع رأي آخر في الشركات الزراعية يتفق مع الرأي الخامس (٣).

стр. 74

وقالوا: (إن ربح الشركة الصناعية ما هو إلا ثمرة تلك الأدوات، من تالف مستهلك، ومن قائم معطل لأعمال الشركة، ومشغول لصالحها، ومتناقص ذاتاً وقيمة. فالأرباح هي نتاج هذه الأدوات، فكيف تقوّم في إخراج الزكاة) (١). ويلتقي رأي لجنة الفتوى الشرعية في وزارة الأوقاف الكويتية مع معظم هذا القول؛ إذ جاء في فتواها رقم ٦/ ١٤١/ ٨١ (إن كانت الأسهم تجارية، فتزكى على أصل السهم وربحه بقيمته يوم وجوب الزكاة، مع حسم الأموال الثابتة، وأما إذا كانت الأسهم عقارية أو صناعية، فإنها تجب الزكاة في أرباحها دون أصولها) (٢). إلا أن لجنة الفتوى ترى وجوب الزكاة في الأرباح يوم وجوب الزكاة، أما الشيخان فيريان الزكاة بعد حول من قبضها. وفي رأي لجنة الفتوى اضطراب، نبينه -إن شاء الله- في المناقشة. أدلة الرأي الثاني: ١ - لا زكاة في رأس مال الشركة الصناعية قياساً على العقار المعد للكراء، فكما أن العقار المعد للكراء لا زكاة في عينه، فكذلك الشركات الصناعية لا زكاة في رأس مالها، وإنما الزكاة في أرباحها (٣)، لأن الشركة المساهمة الصناعية شبيهة بالعقار المعد للكراء، من حيث إن كلا منهما تبقى عينه وتتجدد منفعته، إما على سبيل الاستغلال في العقار، أو على سبيل التصنيع وأخذ الكسب من المصنع، وقد أجمع العلماء -إلا من شذ- على أن العقار المعد للكراء تجب الزكاة في غلته (٤).

стр. 75

٢ - إن تقسيم المال إلى قسمين؛ مال ثابت ومال متحرك نام، هو من الأصول المقررة المتفق عليها لدى الفقهاء، وقد بنيت أحكام الزكاة من حيث وجوبها في المال أو عدمه على هذا الأصل (١)، فالزكاة كما قرر الفقهاء لا تجب في أدوات القنية، ولا في أدوات صاحب الصناعة والحرفة، التي يستعملها في صناعته (٢). ٣ - إن الزكاة واجبة في كل ما هو نام بالفعل أو بالقوة، ولا شك أن شركة المساهمة التجارية تجمع الأموال النامية بالفعل، وهي المتمثلة فيما لديها من سلع وبضائع معدة للبيع، وشراء بدلها، وبين الأموال النامية بالقوة، والمتمثلة فيما لديها من سيولة نقدية (٣). الرأي الثالث: إنه لا تأثير لنوع نشاط الشركة، ولا فرق بين شركة وأخرى، بل تجب الزكاة في أسهم الشركات وأرباحها، إذا بلغت نصاباً، أو كملت مع ما عند مالكها نصابا، وحال عليها الحول، بغض النظر عن نشاطاتها، وسواء كانت للمتاجرة، أم للاستثمار، لأن هذه الأسهم ما هي إلا عروض تجارية، فتزكى زكاة عروض التجارة، أي نسبة ٢?٥% مما وجبت فيه الزكاة. ومن القائلين بهذا القول من نص على حسم الأصول الثابتة غير المعدة للبيع، ومنهم من يفهم ذلك من كلامه، لقولهم تطبق عليها زكاة عروض التجارة، وهذا يفيد حسم ما ذكر. وممن قال به المشايخ محمد أبو زهرة، وهو قوله الأخير، إلا أنه قال في زكاة الشركات ذات الأصول الثابتة، العشر، وفي قوله هذا يلتقي مع أصحاب الرأي

стр. 76

الرابع. وعبد الرحمن حسن، وعبد الوهاب خلاف (١)، ومحمد المختار السلامي (٢) وعلي السالوس (٣)، ورجب التميمي (٤)، وأحمد الحجي الكردي (٥)، ولكنه استثنى الشركات الزراعية، وقال فيها العشر أو نصف العشر، وقال: (إذا صدر لهذه الأسهم أرباح قبل نهاية الحول وقبضها المساهم فإنها تضم إلى قيمة الأسهم وتزكى معها، ولو كان ذلك قبل أسبوع من نهاية الحول أو أقل من ذلك، فإن صدرت الأرباح وقبضت بعد نهاية الحول، فإنها لا تحسب مع الحول السابق عليه، ولكنها تضاف إلى قيمة الأسهم في الحول اللاحق إن بقيت في ملكية المساهم إلى نهايته، فإن استهلكها في الحول لم يجب عليه فيها شيء) (٦)، ووهبة

стр. 77

الزحيلي، وقال: لا أرى حاجة لهذا التفصيل، لأن الهدف من شراء الأسهم واحد، وهو الاتجار والاسترباح، وأن هذه الأسهم تزكى مثل زكاة عروض التجارة، ولا داعي للتفرقة بين أسهم التجارة وأسهم الاستثمار (١)، وعبدالرحمن الحلو (٢) وقال: وذلك بناءً على قيمتها السوقية. ويفهم من قول الدكتور بكر أبو زيد القول بهذا الرأي، إذ قال: (المساهمة التجارية في العقار التي يطلب بها الربح، أو تباع وتشتري، فإن الزكاة تجب فيها وفي ربحها) (٣). ويفهم كذلك من قول الدكتور محمد سليمان الأشقر القول بهذا الرأي؛ إذ قال: (الحيوانات المشتراة بقصد الاتجار بها، ومنها الإبل والبقر والغنم، فيكون فيها زكاة التجارة، وتسقط عنها زكاة السوم (٤). أدلة الرأي الثالث: استدل أصحاب الرأي الثالث القائلين بأنه لا تأثير لنوع نشاط الشركة بالأدلة التالية: ١ - إن الأسهم أموال قد اتخذت للاتجار، وصاحبها يتجر فيها بالبيع والشراء، وقيمتها السوقية تختلف في البيع والشراء عن قيمتها الاسمية، فهي إذاً من عروض التجارة، فتكون فيها الزكاة كسائر أموال التجارة، فهذه الأسهم لا تخلو من الصبغة التجارية، حتى وإن كان صاحبها قد اشتراها للاستفادة من ريعها، لكن الغالب هو ادخار هذه الأسهم بنية بيعها إذا ارتفعت أسعارها، أو تناقص ريعها، أو صار بيعها أجدى من الاحتفاظ بها. فإذا تحققت في الأسهم

стр. 78

التجارية جملة الشروط الموجبة للزكاة في الأموال، فقد وجب معاملة الأسهم على أنها عروض تجارية. ٢ - إن السهم في حقيقة التعامل خرج عن حقيقته إلى صورة قيمة متمولة، فلكل سهم قيمة مالية، ولا يفترق السهم سواء أكان النشاط نشاطاً زراعياً، أم صناعياً، أم تجارياً، فهو قيمة مالية تباع في الأسواق، ترخص وترتفع أثمانها حسب تغير السوق (١)، ولأن هذه الأسهم صار لها شبه بالنقود من حيث إمكان الحصول على أثمانها في أي وقت. ولأن هذا هو الأحوط في الدين والأحسن للفقراء (٢). ٣ - التفريق بين أسهم الشركات الصناعية وأسهم الشركات التجارية يؤدي إلى أن تؤخذ الزكاة من إيرادات بعض أسهم المساهم، وفي بعضها الآخر تؤخذ الزكاة من الأسهم نفسها، بحسب قيمتها، ومن إيراداتها أيضاً. ٤ - من يرى عدم اشتراط الحول من القائلين بهذا الرأي، علل لقوله بأن المساهم في شركة صناعية يمكن أن يمضي عليه أعوام دون أن تجب عليه الزكاة، لا في أسهمه ولا في أرباحها؛ لأنه ينفق أرباح أسهمه قبل أن يحول عليها الحول، بخلاف المساهم في شركة تجارية فالزكاة واجبة عليه في كل عام عن أسهمه وأرباحها. الرأي الرابع: تزكى أسهم الشركات التجارية زكاة عروض التجارة، وذلك بنسبة ربع العشر (٢?٥%) شاملة للأصل والأرباح.

стр. 79

وتزكى صافي غلاّت أسهم الشركات ذات الأصول الثابتة؛ كالصناعية والعقارية زكاة الخارج من الأرض، بنسبة العُشر (١٠%). وممن قال به أبو زهرة (١)، ومصطفى الزرقا (٢)، والهيئة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي السوداني (٣). قال الشيخ أبو زهرة: (الأسهم والسندات إذا اتخذت للتجارة فإن زكاتها تؤخذ من الأصل والنماء على حسب ما قرره جمهور الفقهاء، ويؤخذ منها ربع العشر كزكاة النقدين، لأنها عروض تجارة، وإذا كانت تؤخذ من الغلة فإنها تعامل معاملة الأموال الثابتة فتكون عشر ما ينتج من صافي الغلة) (٤). وقال الشيخ مصطفى الزرقا: (إذا كانت الأسهم قد اقتنيت للتجارة بها بيعاً وشراءً فهي كسائر العروض التجارية، فتزكى أعيانها بحسب قيمتها السوقية في كل عام بنسبة ٢?٥% من قيمتها، وأما إذا كانت مقتناة لأخذ عائدها من الأرباح السنوية أو الموسمية … فيزكى عائدها الصافي كلما قبض بنسبة ١٠% من العائد دون النظر إلى حولان الحول، ولا إلى القيمة السوقية للسهم، وذلك قياساً على الأرض الزراعية وما تنتجه، فالأرض لا تزكى عينها وإنما يزكى ما تنتجه يوم حصاده) (٥).

стр. 80

أدلة الرأي الرابع: حيث إن الأسهم نوع من عروض التجارة؛ فإنه يجب أن تكون زكاة أسهم الشركات التجارية، هي زكاة عروض التجارة. وقياس الشركات الصناعية والعقارية على الخارج من الأرض؛ حيث قاسوا الغلّة في هذه الشركات على الإنتاج الزراعي في الزروع والثمار إذا سقيت بغير آلة، والعلة الجامعة بينهما أن كلاً منهما نماء خالص، وكل واحد منهما أصلاً لا تجب الزكاة في ذاته، وإنما تجب في غلته .. الرأي الخامس: تنزيل الشركات مكان الأشخاص، فإذا كانت الشركة تجارية عوملت معاملة التاجر، وإذا كانت صناعية أو عقارية عوملت معاملة صاحب العقار أو المصنع، وإذا كانت زراعية عوملت معاملة المزارع، وإذا كانت شركة مواشٍ عوملت معاملة من يملك ماشية. وإذا استثمرت الشركة أموالها في مجالات متنوعة، من تجارة وصناعة وزراعة وغيرها، فحينئذ تعامل معاملة كل حال حسب نوعه، وتخرج زكاة كل مال بحسبه. وهذا رأي مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الصادر به قراره الثالث في دورته الرابعة (١)؛ إذ جاء فيه (تخرج إدارة الشركة زكاة الأسهم كما يخرج الشخص الطبيعي زكاة أمواله، بمعنى أن تعتبر جميع أموال المساهمين بمثابة أموال شخص واحد وتفرض عليها الزكاة بهذا الاعتبار؛ من حيث نوع المال الذي تجب فيه الزكاة، ومن حيث النصاب، ومن حيث المقدار الذي يؤخذ، وغير ذلك مما يراعى في زكاة الشخص الطبيعي، وذلك أخذاً بمبدأ الخلطة عند من عممه من الفقهاء

стр. 81

في جميع الأموال). وهو رأي الدكتور صديق الضرير (١) والشيخ عبدالله بن منيع (٢) والدكتور محمد بن عبدالله الصواط، وقيد ذلك بالقصد والنية (٣)، والدكتور أحمد الحجي الكردي في الشركات الزراعية فقط، إذ قال فيها العشر أو نصفه (٤). دليل الرأي الخامس: الأصل وجوب الزكاة على الأفراد حسب نوعية استثماراتهم، وبناءً عليه فإنه لا فرق بين ما إذا كان المزكون شركاء أم أفراداً.

стр. 82

المبحث الثالث مناقشة الآراء والأدلة مناقشة الرأي الأول وأدلته: ١ - قولهم بعدم وجوب الزكاة في القسم الأول من الشركات، لأنها لا تمارس عملاً تجارياً، صحيح لو كان واقعها كما يقولون، لكن واقعها ليس كذلك، فواقع هذه الشركات، أنها تمارس عملاً تجارياً، وأنشئت للتجارة، وابتغاء الربح، حتى وإن كانت فنادق أو طيران أو بواخر، كما ذكروا هذه الأمثلة لها؛ لأن حديث «كان رسول الله ﷺ يأمُرُنا أن نُخْرِجَ الصدقةَ من الذي نَعُدُّ للبيعِ» شامل لأسهم الشركات التجارية المحضة، وغيرها؛ كأسهم الشركات الزراعية، والصناعية، ونحوهما، مما هو معد للبيع، بصفتها أسهما يتاجر فيها مالكها بالبيع، وشراء بدلها من نوعها، أو من خلافه. وهي أيضاً تنتج بضائع تبيعها الشركة. فكما أنكم أوجبتم الزكاة في أسهم الشركة التي اصطلح على تسميتها تجارية؛ والشركة الصناعية التي تبيع منتجاتها، فإن شركات القسم الأول مثلها. ولذا فهي تساويها في الحكم. واقتصارهم على إيجاب زكاة الشركات الصناعية ونحوها يؤدي إلى عدم تزكية مال زكوي أوجب الله فيه الزكاة. والمتفق مع القواعد الشرعية، حسم مكوناتها الثابتة وأدواتها المستعملة، التي ليست معدة للبيع، وهو ما يقول به معظم الفقهاء المعاصرين، وما عداها من نقود وأرباح وغيرها من أموال تجب فيه الزكاة، إذا كانت أسهمها للحصول على أرباحها، أما إن كان المساهم يتاجر في أسهمها، فإنه يجب عليه أن يزكي قيمة هذه الأسهم بقيمتها السوقية، كعروض التجارة، دون أن يحسم شيئاً منها، لأن السهم بمجموعه أصبح سلعة تجارية.

стр. 83

فتحسب زكاته على قدر قيمته في السوق، إلا إذا تمكن من معرفة قيمته الحقيقية في موجودات الشركة (١) فيزكيه حسب القيمة الحقيقية. ٢ - قولهم في القسم الثاني تزكى أرباح الشركات الصناعية التي تبيع منتجاتها بعد حول من قبضها، يعارضه ويرده قولهم بوجوب زكاة رأس المال في هذه الشركات؛ إذ أوجبوا الزكاة فيها، لأنها أخذت حكم زكاة عروض التجارة، إذ من لازم هذا القول وجوب الزكاة في أرباحها مع رأس مالها، لأن من الثابت شرعاً المجمع عليه أن الربح ملحق بالأصل. مناقشة الرأي الثاني وأدلته: ١ - رأيهم في حكم زكاة أسهم الشركات التجارية مسلم، إلا ما يتعلق بحسم الأموال الثابتة. فإنه يجب التفريق في حسمها من الزكاة بين الأسهم المتاجر فيها، وأسهم القنية، ويأتي في المناقشة بيان ذلك. ٢ - قولهم في زكاة أسهم الشركات الصناعية المتخذة للبيع والشراء، تحسم الأصول الثابتة ويزكى الباقي، يجاب عليه إن السهم أصبح سلعة تباع وتشترى بجميع مكوناته؛ من ثابت ومنقول وحقوق معنوية وآلات وغيرها، وما دام أنه كذلك فالزكاة واجبة فيه حسب مقدار قيمته في السوق. ٣ - قياسهم الشركات الصناعية ونحوها على العقار المعد للكراء، يجاب عليه بأن العقار المعد للكراء، الاستثمار ناتج من منفعته، أما أسهم الشركات الصناعية ونحوها، فاستثمارها ناتج فيما تبيعه من الأعيان التي تستخرجها، أو تشتريها وتصنعها، فافترقا، كما أن الأسهم من المنقولات، فلا تقاس على العقار لأنه من الثابت؟ ويأتي -إن شاء الله- في مناقشة أدلة الرأي الرابع مزيد إيضاح.

стр. 84

٤ - قولهم لا زكاة في رأس مال الشركة العقارية والصناعية المتخذة للنماء، يؤدي إلى إسقاط الزكاة عن مال زكوي تجب فيه الزكاة، واحتجاجهم على ذلك بأن قيمة أسهم الشركات الصناعية موضوعة في الآلات والمباني والإدارات، وهي غير نامية، يُرد عليه بأنه ليس كل قيمة الأسهم في هذه الأشياء، بل إن الجزء الأكثر من أموال الشركة الصناعية يستغل في مجال الاستثمار الصناعي، وقولهم بعدم وجوب الزكاة في هذا الجانب من أموال الشركة لا يتوافق مع قولهم بالزكاة في رأس مال الشركات التجارية المتخذة أسهمها للاتجار؛ إذ إن الشركات الصناعية في حقيقتها تجارية، بدليل أنهم قالوا فيها إن اتخذها للاتجار فيها فتزكى زكاة عروض التجارة؛ فأعطوها حكمها، وقالوا تزكى حسب قيمتها نهاية العام، والمراد بها القيمة السوقية؛ إذ إنهم نصوا على هذه القيمة في زكاة الشركات التجارية، ومؤدى هذا شموله لجميع أموال الشركة، لأن القيمة السوقية شاملة جميع ما يخص السهم، من رأسمال وأرباح وقيمة معنوية بما فيها الأشياء الثابتة، ومنها الآلات، فالتفريق بينهما في الحكم تفريق بين متماثلين، ومعارض لحديث «كان رسول الله ﷺ يأمُرُنا أن نُخْرِجَ الصدقةَ من الذي نَعُدُّ للبيعِ»، لأن السهم معد للبيع بجميع مشتملاته بما فيها رأس المال. ويرد عليهم أيضاً بأن جزءًا من مال أسهم الشركات التجارية يوضع في مبان وفي أثاث لتستعمله الشركة في مكاتبها أو متاجرها ونحو ذلك، والباقي في بضائع. فقولهم تزكى حسب القيمة السوقية شامل لما قالوا باستثنائه، والشركات الصناعية مثلها تماما في المباني والأثاث، وقد تزيد عليها في اقتناء معدات التصنيع.

стр. 85

٥ - احتجاجهم بأن الزكاة لا تجب في أدوات القنية وآلات الحرفة والصناعة، مسلم في حال ما إذا كانت الأسهم لأخذ أرباحها، لا للمتاجرة فيها، ويتفق الباحث معهم فيه بالقيد المذكور، وإن خالفهم آخرون؛ إذ قالوا: (ماكينات المصانع اليوم لا تُقاس على الآلات اليدوية القديمة، كمنشار النجار ومطرقته، وسندان الحداد ومطرقته، بل إن هذه الآلات والماكينات والأجهزة في المصانع اليوم هي رأس المال، فتقوم … مع ملاحظة ما تنقص به الآلات بالاستعمال) (١). ورد أصحاب هذا الرأي على من قال بأن الفقهاء لم يقولوا بوجوب الزكاة في أدوات الصناعة في عصورهم؛ لأنها كانت أدوات أولية، والإنتاج فيها للعامل، قائلين بأن تغير أدوات الصناعات بزيادة حجمها، وكثرة إنتاجها لا يغير من حكمها شيئاً، فهي باقية على أصلها؛ لأن أحكام الشريعة تبقى على أصولها الأولى، ما دامت هي هي، فقطع المسافات البعيدة بالسيارات والطائرات لا يغير شيئاً من أحكام رخص السفر، وتنوع النفقات وتبدل أشكالها من المطاعم والملابس والمساكن لا يغير شيئا من حكم النفقة، فكذلك أدوات الصناعة لا تتغير أحكامها بتغيرها (٢). وقولهم إن الزكاة واجبة في صافي أرباحها إذا حال عليها الحول، هذا القول مردود بما عليه الإجماع من أن ربح التجارة حوله حول أصله (٣)، والأسهم تجارية. ٦ - الاحتجاج بأن شركة المساهمة التجارية، تجمع الأموال النامية بالفعل، وهي المتمثلة فيما لديها من سلع وبضائع معدة للبيع، وشراء بدلها، وبين الأموال النامية بالقوة، والمتمثلة فيما لديها من نقود، يجاب عليه بأن الشركات الصناعية

стр. 86

ونحوها مثل الشركات التجارية فيما تنتجه من سلع، وما يتوفر لديها من سيولة نقدية. ومع قول الهيئة الشرعية لبيت الزكاة الكويتي (١) بقصر الزكاة على الربح دون رأس المال؛ إذ قالت: (أما الشركات العقارية والصناعية فإنه تجب الزكاة في أرباحها دون أصولها)، وقد رددت على هذه الجزئية ضمن ما سبق من ردود، وقد ناقضت نفسها بقولها: (المواد الخام المستخدمة في المصنع إذا حال عليها الحول، أو ضمت إلى حول نصاب مشابه كالنقود أو عروض التجارة، تجب فيها الزكاة، سواء كانت مخزنة لدى الشركة لم تستعمل بعد، أو استعملت في أشياء قد تمت صناعتها ولم يتم بيعها إلى موعد الزكاة فتؤخذ الزكاة من قيمة ما فيها من المادة الخام، ولا تؤخذ مما زادت الصناعة في قيمتها)، أي تزكى قيمتها خالية من الصناعة. فقولها بزكاة المواد الخام معارض لقولها السابق، لأن المواد الخام من رأس المال، وقد قالت بعدم تزكيته. وكذلك قولها: (لو اشترت هذه الشركات الصناعية بضائع ومواد بقصد بيعها بعد تصنيعها فإن هذه المواد تعتبر عروضاً تجارية) (٢). معارض لقولها بعدم زكاة رأس مال الشركات الصناعية. مناقشة الرأي الثالث وأدلته: ١ - قولهم هذه الأسهم ما هي إلا عروض تجارة، يمكن للمعارض أن يجيب عليه بأنا لا نسلم أنها عروض تجارة في جميع الشركات، وفي جميع الأحوال، فإذا كانت الأسهم للحصول على ربحها، لا لبيعها فإنها ليست عروضاً تجارية، ولو أننا نسلم بذلك، لما خالفنا في زكاتها.

стр. 87

ويرجح الباحث أنها عروض تجارة، وأن الزكاة واجبة فيها جميعاً، ما عدا الأشياء التي ليست معدة للبيع، إنما للاستعمال، في حال ما إذا كانت الأسهم معدة للحصول على أرباحها. ٢ - قولهم إن التفريق بين أسهم نوعي الشركات -أي نوع التجارية-، والنوع الثاني الصناعية والزراعية والعقارية والمواشي والنقل ونحوها، لا دليل عليه. أُجيب عليه بأن هذا التفريق، تابع للفروق التي بين الشركات الصناعية والشركات التجارية، في القصد من المشاركة فيها، وفي مجال عملها، والشريعة الإسلامية كما أنها لا تفرق بين متماثلين، كذلك لا تجمع بين الضدين، وإذ تأملنا فرق ما بين شركة صناعية وأخرى تجارية أدركنا ما بينهما من فوارق وأحكام متباينة، يترتب على كل منهما حكمها (١). ويمكن أن يرد على هذا الجواب بأنه لا فرق بينهما في القصد والعمل، إذ إن قصد جميع أنواع الشركات الحصول على الأرباح، والعمل هو التجارة بالبيع والشراء، كل منها في مجاله المتخصص فيه. وقولهم الشريعة لا تفرق بين متماثلين صحيح، وهو حجة لمن أوجب الزكاة في أنواع الشركات، لأنها متماثلة، كما سبق بيانه، ويوجب الزكاة فيها جميعاً قوله ﷺ : (أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الزكاة من الذي نعد للبيع). لأن جميع أموال الشركات معدة للبيع، ما عدا المعدة للاستعمال. ٣ - قولهم إن الأسهم أموال قد اتخذت للاتجار وصاحبها يكسب منها، يمكن أن يجاب عليه بأن هذا ليس في كل الأسهم، وإنما يصدق فيمن يريد اتخاذها

стр. 88

للاتجار، أما من اتخذها للنماء، والحصول على ربحها السنوي، فهذا ليس متجراً فيها، وليس الأمر كون صاحب أسهم الشركات الصناعية يكسب منها، وإلا فصاحب العقار أيضاً يكسب منه، وصاحب الحرفة كذلك يكسب من حرفته، فهل يجب في ذات العقار زكاة، وهل يجب في غلة الحرفة زكاة، لأن صاحبها يكسب منها، ما لم تبلغ تلك الإيرادات عنده نصاباً، ويحول عليها الحول؟ إذاً فالأمر هو كون الأسهم اتخذت للاتجار. ٤ - قولهم إن السهم خرج عن صورته في حقيقة التعامل إلى صورة قيمة متمولة، ترخص وترتفع أثمانها، حسب تغيرات السوق، يمكن أن يجاب عليه بأن هذا يرد فيمن اتخذ الأسهم للاتجار بها بيعاً وشراءً، وهذا لا نخالف فيه، أما من اتخذها للحصول على أرباحها السنوية فهذا القول لا ينطبق عليه؛ لأنه لا يستفيد من القيمة السوقية للأسهم. ٥ - قولهم إن في التفريق بين أسهم نوعي الشركات تعقيداً غير مسلم؛ لأن من يشتري الأسهم من نوعي الشركات يدرك حقيقتها، وكيف يستفيد منها، فلا يصعب عليه معرفة زكاة النوعين. وعلى فرض التسليم بالتعقيد المذكور، فعلى صاحب الأسهم عندئذ أن يستعين بأهل الخبرة في حساب زكاة أسهمه. ٦ - قول من يرى من هذا الفريق عدم اشتراط الحول معللاً لقوله بأن المساهم في شركة صناعية قد يمضي عليه أعوام دون أن تجب عليه الزكاة، يجاب عليه بقاعدة «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب». فلا يجب على الشخص تحصيل النصاب لكي تجب عليه الزكاة (١)، كما لا يحرم عليه الإنفاق من ماله خشية نقصان

стр. 89

النصاب قبل الحول، فتسقط عنه الزكاة، ما لم يقصد بإنفاقه التحايل والفرار من الزكاة. ويجاب أيضاً بأن قولهم هذا مخالف للقواعد العامة للفقه، لأنه ما دام أنهم قاسوها على الشركات التجارية، وأسهمها عروض تجارية باتفاق الجميع، فيجب أن يطبق عليها شروط الشركات التجارية، ومنها الحول. أما قولهم: إذا تحققت في الأسهم جملة الشروط الموجبة للزكاة في الأموال، فقد وجب معاملة الأسهم على أنها عروض تجارة، فيرد عليه بأن هذا محل اتفاق، ولكن محل الخلاف، ما هي الأسهم التي تأخذ هذا الوصف فتجب فيها الزكاة، والتي لا يتحقق فيها هذا الوصف فلا تجب فيها الزكاة، والمعارض لا يسلم بأن تكون الأسهم عروضاً تجارية في جميع الحالات، كما بيناه فيما سبق. وقول أحمد الحجي الكردي: إذا صدرت الأرباح وقبضت بعد نهاية الحول، فإنها لا تحسب من الحول السابق عليه، ولكنها تضاف إلى قيمة الأسهم في الحول اللاحق … فإن استهلكها في الحول لم يجب عليه فيها شيء، قوله هذا مردود بما عليه الإجماع (١)، من أن ربح التجارة حوله حول أصله، فتجب على مالك الأسهم زكاة أرباحها، ولا يجوز له تأخيرها إلى عام قادم، من غير عذر شرعي، ولا يجوز إسقاط الزكاة عنه لأنه استهلكها بعد تمام الحول، لأن هذا إسقاط لركن من أركان الإسلام. بل إن توفي ولم يخرجها وجب إخراجها من تركته (٢)، لأن دين الله أحق بالوفاء.

стр. 90

مناقشة الرأي الرابع وأدلته: قولهم في الأسهم المعدة للبيع، تزكى بنسبة ربع العشر ٢?٥% شاملة للأصل والأرباح كعروض التجارة، متفق مع الأصول الشرعية، وما قرره الفقهاء القدماء فيما ماثل الأسهم. أما قولهم في أسهم الشركات ذات الأصول الثابتة، وفي الأسهم المقتناة -أي التي ليست معدة للبيع والشراء- بتزكية عائدها الصافي فقط، أي الغلة، كلما قبض دون النظر إلى حولان الحول، بمقدار العشر أي ١٠%، فمحل نقاش، ويجاب عليه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قولهم بعدم إيجاب الزكاة على رأس مال الشركات ذات الأصول الثابتة، أي الصناعية والزراعية والمواشي ونحوها، بناءً على نظرتهم بأن رأس مالها في أشياء ثابتة غير مسلم، وقد تمت الإجابة عن هذا عند مناقشة أدلة الرأي الأول. وفي الفقرة الرابعة من مناقشة أدلة الرأي الثاني. الوجه الثاني: أنهم أوجبوا الزكاة على مالك الأسهم قبل استيفاء أحد شروط وجوب أداء الزكاة، وهو تمام الحول، (لقولهم: بإخراج العشر من الربح فور قبضه) وهذا غير جائز شرعاً، لقوله ﷺ : «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (١). الوجه الثالث: قولهم بإخراج العشر من الربح أي ١٠% فور قبضه، قياساً على غلة الأرض الزراعية إذا سقي بلا مؤونة، يجاب عنه بأنه قياس مع الفارق، لما يلي: أولاً: لأنه قياس في مقابلة النص، لأن الربح الذي يقبضه المساهم نقود، فزكاتها زكاة الأثمان؛ المنصوص عليها، وهي ربع العشر، ولا تجب فيها الزكاة إلا بعد تمام الحول من قبضها، كسائر الأثمان، وفي هذا الحال تكون زكاة نقود لا زكاة أسهم.

стр. 91

ثانياً: إن الخارج من الأرض إنتاج زراعي تجب زكاته منه بشروطه، أما الناتج من الأعيان المعدة للاستغلال فهي في معظم أحوالها نقود، تجب فيها الزكاة وجوبها في النقدين بشروطه (١). وما كان منها عينيا لا يبقى على عينيته. ثالثاً: إن نسبة كبيرة من ثمرة الخارج من الأرض تتحقق دون عمل بشري؛ كالذي يسقى بالمطر ونحوه، أما الأعيان المعدة للاستغلال، فإن غلتها تحصل نتيجة مجهود بشري، فاختلف الجنسان، وبهذا تخلف شرط صحة القياس (٢). ويمكن أن يجاب على هذا بأن كلاً منهما فيه عمل بشري في جميع الأحوال، حتى لو سقي بالمطر، فإنه بحاجة إلى عمال، لبذره، وحصده، وتصفيته، وغير ذلك، وقد أوجب الشارع في الخارج من الأرض الزكاة وقدرها نصف العشر إذا سقي بمؤنة، لأن فيه عملاً بشريا. رابعاً: إن الأرض الزراعية مصدر دائم للدخل، لا يعتريه توقف، ولا يلحقه بلى أو تآكل بتقادم العهد، بخلاف المستغلات، فإنها مصدر مؤقت، يبقى مدة من الزمن ثم يتوقف ريعه، إما لتلفه، أو لعدم صلاحيته للاستغلال، فكيف يصح القياس مع هذا الاختلاف بين الأصل والفرع. فهذا القياس لا يستقيم، لأنه قياس نقود وديون وعروض على الأرض والشجر. فلم يكن حكم الفرع مساوياً لحكم الأصل، ومن شروط العلة المتفق عليها بين الأصوليين أن لا تخالف العلة أصلاً أو إجماعاً، وأن توجد علة الفرع في الأصل بتمامه (٣)، وهذه الشروط غير متحققة في العلة التي ذكروها، لما سبق بيانه.

стр. 92

قال الرازي: (وشرطه، [أي الفرع] أن يوجد فيه مثل علة الحكم -في الأصل- من غير تفاوت ألبتة، لا في الماهية، ولا في الزيادة، ولا في النقصان) (١). والقول بأنه نماء خالص غير مسلم؛ إذ إن النماء لا يتحقق إلا بعد حسم المصاريف والنفقات الكثيرة. خامساً: القائلون من أصحاب هذا الرأي يؤخذ منها العشر، قياساً على غلة الأرض الزراعية، لم يفرقوا بين حالتين نص عليهما الشرع، وهما إذا كانت تسقى بمؤنة ففيها نصف العشر، وبدون مؤنة فيها العشر، فقول القائل العشر مردود بما نص عليه الشارع، من حيث التفريق بينهما. مناقشة الرأي الخامس وأدلته: قولهم إذا كانت الشركة تجارية فتعامل معاملة التاجر مسلّم. أما قولهم إذا كانت صناعية أو عقارية عوملت معاملة الصانع وصاحب العقار، ففيه إجمال؛ إذ إنه ليس هناك نص يبين كيف يزكي الصانع المنفرد صناعته، وكذلك صاحب العقار، فهذا القول يحتاج إلى بيان ما أجمل، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن حال الشركة الصناعية يختلف اختلافاً كبيراً عن حال الصانع المنفرد، وهكذا في أنواع الشركات العقارية، والزراعية، والمواشي والنقل، فأسهم هذه الأنواع من الشركات، صارت أموالاً متحركة، تنتقل بالبيع والشراء من شخص إلى آخر، ممثلة في هذه الأسهم، دون النظر إلى مكونات هذه الشركة، وهذا غير موجود في الصانع المنفرد. ثم إن الصانع المنفرد غالباً يعمل لغيره، فهو في هذه الحالة كالأجير المشترك، وإذا أحضر المواد لتصنيعها فهي مواد ضئيلة، ربما لا تبلغ قيمتها نصاباً، وإن بلغت قيمتها نصاباً فأكثر، استهلكها في مصاريفه الخاصة ونفقاته قبل الحول، ففرق بينهما.

стр. 93

ولأن الصانع المنفرد يقوم بإصلاح المصنوعات، ويأخذ أجرة على إصلاحه، بينما الشركة الصناعية تنتج آلاف الأطنان من البضائع التي تصنعها ابتداءً، أو تشتري موادها الخام وتحولها إلى بضائع؛ كالإسمنت والجبس والفوسفات، والبتروكيماويات وغيرها، ويمثل رأس مالها الملايين من النقود وربما المليارات، فهي وإن كانت تسمى صناعية، لقيامها بأعمال صناعية، إلا أنها في حقيقة أمرها تجارية، لأنها تمارس عملاً تجارياً، بل إن الجانب التجاري طاغ على نشاطها، وتسميتها صناعية لا يغير حقيقتها التجارية، ولذا فإن النظر الفقهي الدقيق يدعو إلى القول بوجوب زكاة أسهمها، لأن منتجاتها عروض تجارية، فيطبق عليها أحكام زكاة الشركات التجارية، على ما يأتي بيانه إن شاء الله.

стр. 94

المبحث الرابع الرأي الذي توصلت إليه بعد إمعان النظر في الآراء السابقة، وأدلتها، وما أورد عليها من مناقشة، وإجابة عليها، أرى أن الزكاة واجبة في جميع أسهم الشركات المساهمة، سواء أكان قصد المساهم من أسهمه المتاجرة فيها، أم كان قصده الحصول على أرباحها، على تفصيل يأتي قريباً، لأن الأسهم أصبحت عروضاً تجارية، وباب زكاة التجارة قاسم مشترك بين جميع أوعية الزكاة وأصنافها، بل تعد كلها جداول تصب في هذا الوعاء، تأخذ أحكامه متى تخلت عن صفاتها الأساسية، وقصد منها الاسترباح، ومن ثم جعل الفقهاء هذا الباب خاتمة مباحث الزكاة (١). فمناط الحكم فيها وجوداً وعدماً هو قصد الاسترباح فيها، وفي ضوء هذا جرى تمييز الفقهاء، لما فيه زكاة التجارة أو غيرها، كما يتضح من نصوصهم التي سنورد بعضاً منها إن شاء الله. وقولي هذا لا يعني أني أرجح الرأي الثالث بإطلاق. ولكني التقي معه في وجوب الزكاة في رأسمال وأرباح جميع الشركات. وللحاجة فإني أزيد ما سبق إجماله بياناً فيما يلي: زكاة الشركات التجارية المحضة (٢): تكون الزكاة في أسهم الشركة التجارية عند تمام الحول، مشتملة على جميع أموالها المعدة للبيع والشراء، من رأس مالها، بما اشتمل عليه من أعيان، ومنافع مقومة، ومنقولات ومثليات، ومالها من ديون على مليء، وأرباح، واحتياطيات،

стр. 95

سواء أكانت الأسهم معدة للتجارة، أم معدة للحصول على الأرباح، على التفصيل التالي: إذا كانت الأسهم معدة للتجارة، سواء من المساهم أم من الشركة، فإنها تزكى حسب قيمتها الحقيقية (١)، فإن تعذر أو شق -وهو غالباً كذلك-فحسب قيمتها السوقية، دون أن يحسم أي شيء من أموال الشركة في هذا الحال، لأن السهم في حال المتاجرة به أصبح بمجموع مكوناته عبارة عن سلعة لها قيمة مالية، تزداد الرغبة فيه، والإقبال على شرائه، وتقل بناءً على عوامل أهمها ما يحققه من أرباح، دون النظر إلى ما يمثله، ودون أن يُلمس أي فارق في أنها أسهم شركة إسمنت، أو شركة مواد غذائية. وتكون الزكاة حسب القيمة السوقية في الأوقات الطبيعية، أما إذا كانت أسعار الأسهم متأثرة، ارتفاعاً أو نزولاً، بظروف غير طبيعية، فإنه يرجع إلى أهل الخبرة، أو يقومها المالك بنفسه. ويزكيها بناءً على ذلك، لأن سعر الأسهم يتأثر ارتفاعاً وانخفاضاً بالعوامل السياسية والاقتصادية، وبحسب وضع الشركة وسمعتها، ونشاطها في الإنتاج، وقدراتها في التوزيع، وجودة منتجاتها ورداءتها، وعلاقتها بالحكومة، ومدى حصولها على إعانة من الدولة، ومدى فرض الضرائب عليها أو إعفائها منها، كل ذلك له تأثير في سعر الأسهم، وفي تقديرها (٢). وتُزكى جميعها بما فيها الأرباح؛ فيُخرج الواجب، وهو

стр. 96

ربع العشر، أي نسبة ٢?٥%، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا (١) فربح التجارة حوله حول أصله؛ لأنه تابع له في الملك، فتبعه في الحول، كالسخال (للغنم) (٢). وهذا قول مالك وأحمد وإسحاق وأبي يوسف (٣). ولكن إذا كان نظام الدولة -كما في المملكة العربية السعودية- يلزم الشركة بدفع الزكاة، ودفعتها حسب القيمة الاسمية (٤)، والقيمة السوقية للأسهم أكثر من القيمة الإسمية فعلى المساهم أن يكمل ما نقص حسب ما أوجبه الله عليه، وذلك بدفع الفرق بين القيمة الاسمية والقيمة السوقية. أما إذا كانت الشركة لا تدفع الزكاة فعلى المساهم إذا جاء شهر زكاته أن يزكي جميع أمواله الزكوية بما فيها الأسهم، لأنه يبيع ويشتري، ولا ينتظر ميزانية الشركة السنوية، وقد لا يتفق شهر زكاته مع شهر زكاة الشركة. وإذا كانت الأسهم غير معدة للبيع والشراء، وإنما لغرض الحصول على أرباحها، فإنها تزكى بناءً على مقدار رأس المال الأساسي، أو بعد زيادته إن كانت الشركة قد زادت رأسمالها، بما فيها الأرباح، والديون التي على ملئ، وذلك بناءً على ميزانية الشركة، أو تقديراتها. فإن تعذر ذلك، أو شق، لأي سبب من الأسباب، مع أنه يستحيل أو يندر ذلك، مع وجود وسائل التقانة الحديثة، فعلى مالكها زكاتها خالية من الأرباح، وذلك بنسبة ٢?٥%، بعد حسم الديون التي

стр. 97

على غير مليء، ويزكيها عند قبضها عن كل سنة عند الجمهور، أو لسنة واحدة كما هو رأى المالكية، وهو ما يرجحه الباحث. ويزكي الأرباح حسب المبلغ الذي يقبضه. أما الاحتياطيين النظامي والاتفاقي، فإن كانت الشركة تقوم بدفع الزكاة، وهو ما عليه العمل في نظام الزكاة بالمملكة العربية السعودية (١)، وفي القانون الباكستاني (٢)، وهما أو شيء منهما موجودان لديها، فيجب عليها دفع زكاته كل عام. وإن كان الذي يدفع الزكاة المساهم فله تأجيل زكاته إلى أن يقبضه، عند تصفية الشركة، قياساً على المال الضمار، فيدفع زكاته لسنة واحدة أخذاً بمذهب المالكية، ومن قال بقولهم من الفقهاء. وفي حالة أن الأسهم معدة للحصول على أرباحها، فإنه لا زكاة في آلات الشركة؛ كالسيارات المعدة للاستعمال، ولا في أملاكها الثابتة، أو المنقولة، التي لا تعد للتجارة؛ كالمباني المعدة لمكاتب الشركة، أو سكن عمالها وموظفيها، ونحو ذلك، وما تحفظ فيه أموال التجارة، إلا أن يريد بيعها بما فيها، كزجاجات الأدوية فيزكي الكل؛ لأنه مال تجارة (٣). زكاة الشركات الصناعية: إذا كانت الشركة صناعية، تقوم بتصنيع المواد الخام، أو تقوم بتجميع القطع الجاهزة، حتى تكون صالحة للاستعمال، ونحو ذلك، مما يحول الأشياء إلى

стр. 98

مصنوعات، ويدخل في هذا الأواني الجاهزة أو التي يراد تصنيعها، لتوضع منتجات الشركة فيها (١) وتبيع منتجاتها، فإنها تصبح بهذا الوصف تجارية، تأخذ حكم زكاة عروض التجارة، حتى وإن كان الأصل في تأسيسها أنها صناعية أو زراعية، فلا تخلو شركة مهما كان نوع استثمارها، من طغيان النشاط التجاري على أنشطتها (٢). فإذا كانت أسهم هذا النوع من الشركات معدة للبيع والشراء، أو أنها لأجل الحصول على أرباحها، فيطبق عليها ما سبق قوله بهذا الشأن في زكاة الشركات التجارية المحضة. وإن كانت الشركة هي التي تخرج الزكاة فيجب عليها أن تقوّم ما لديها من مواد مصنعة، وخام، وما يتوقف عليه الإنتاج أو التصنيع من طاقة الوقود؛ كالنفط والغاز وغيرهما إذا لم تستهلك، وهو قول جمهور الفقهاء (٣)، وكذلك ما لديها من نقود، أو لها من ديون حالة على مليء، بعد حسم ما عليها من ديون، وتزكي هذه الموجودات بما فيها الأرباح، والاحتياطيات زكاة عروض التجارة بنسبة ٢?٥%.

стр. 99

قال الشاطبي: إن الصانع حكمه حكم التاجر المدير، لأنه يصنع ويبيع، أو يعرض ما صنعه للبيع، فيقوّم كل عام ما بيده من السلع، ويضيف القيمة إلى ما بيده من الناض (النقود) ويزكي الجميع، إن بلغ نصاباً (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الطحانين والخبازين: (إن هؤلاء تجار، تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة، وجمهور علماء المسلمين، كما يجب على كل من اشترى شيئاً يقصد أن يبيعه بربح، سواء عمل فيه عملاً أو لم يعمل … فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجارة) (٢). وأما الآلات التي ليست للبيع ولا للتصنيع، وإنما هي أدوات للصناعة بذاتها كالمكائن، ومثلها السيارات المعدة للنقل، فيطبق عليها ما سبق بيانه؛ فإن كان المساهم لا يتاجر في أسهمها فإنه لا زكاة فيها، وإن كان يتاجر في أسهم هذه الشركات، فالزكاة واجبة في جميع موجودات الشركة، دون أن يحُسم شيء منها، حسب قيمتها السوقية، لما سبق بيانه من أدلة وتعليلات. زكاة الشركات الزراعية: إذا كانت شركة زراعية تتاجر في المنتجات الزراعية عامة، أو تتاجر في ما تنتجه من مزروعات، أو تجمع بين الزراعة وتصنيع منتجاتها، وتتاجر في هذا المجال، فإنه يجب عليها أن تزكي جميع موجوداتها زكاة عروض التجارة، أي بنسبة ٢?٥% بما فيها الأرباح. قال بهذا الحنفية والشافعية والحنابلة (٣)، وأما المالكية، وإن وافقوا المذاهب السابقة وقالوا بوجوب زكاة الغلة مع زكاة الأصل، إلا أن لهم تفصيلاً؛ إذ قال بعضهم يستقبل بها حولاً جديداً، وبعضهم قال تزكى وقت وجوب زكاة الأصل (٤).

стр. 100

وقد أورد العلماء نصوصاً كثيرة، تؤكد هذه الأحكام، منها ما أورده صاحب شرح منتهى الإرادات؛ إذ جاء فيه ( … أو ملك أرضاً لتجارة فزرعت فعليه زكاة تجارة فقط، أو ملك نخلاً فأثمر فعليه زكاة تجارة ولو سبق وقت الوجوب حول التجارة فقط، لأن الزرع والثمر جزء ما خرج منه فوجب أن يقوّما مع الأصل كالسخال والربح المتجدد) (١). وجاء في كشاف القناع: (وإن اشترى أرضاً لتجارة يزرعها، وبلغت قيمتها نصاباً، زكى الجميع زكاة قيمة، أو اشترى أرضاً لتجارة، وزرعها ببذر تجارة زكى الجميع زكاة قيمة، إن بلغت قيمتها نصاباً، أو اشترى شجراً لتجارة تجب في ثمره الزكاة كالنخل والكرم، فأثمر واتفق حولاهما، بأن يكون بدو الصلاح في الثمر، واشتداد الحب عند تمام الحول، أي حول التجارة، … وكانت قيمة الأصل أي الشجر تبلغ نصاب التجارة، زكى الجميع زكاة قيمة، لأنه مال تجارة، فوجبت زكاتها؛ كالسائمة. ولا شك أن الثمر والزرع جزء الخارج منه؛ فوجب أن يقوّم مع الأصل؛ كالسخال، والربح المتجدد، إذا كانت الأصول للتجارة، وكذا لو سبق وجوب العشر بأن كان بدو صلاح الثمرة واشتداد الحب قبل تمام حول التجارة، فيزكي زكاة قيمة ولا عشر عليه) (٢). بل يضيف البهوتي إضافة جديدة بذكر أنواع من الثمار ليس فيها زكاة بصفتها ثماراً، فلما أصبحت مال تجارة وجبت فيها زكاة العروض، فقال: (وإن كان الثمر مما لا زكاة فيه؛ كالسفرجل والتفاح ونحوهما؛ كالمشمش والزيتون والكمثرى، أو كان الزرع لا زكاة فيه كالخضروات؛ من بطيخ وقثاء وخيار، أو كان لعقار التجارة وعبيدها ودوابها أجرة، ضم قيمة الثمرة والخضروات والأجرة إلى قيمة الأصل في الحول، كالربح لأنه نماء) (٣). وفي مغني المحتاج: (والأصح أن ولد

стр. 101

العرض من الحيوان غير السائمة كمعلوفة وخيل، وثمره، كثمر الشجر وأغصانها وورقها وصوف الحيوان ووبره وشعره مال تجارة لأنهما جزآن من الأم والشجر) (١). جاء في فتاوى ندوات قضايا الزكاة المعاصرة (٢) (إذا اجتمع مع عروض التجارة سبب آخر للزكاة كالسوائم أو الزروع تزكى زكاة عروض التجارة). وقدمت زكاة التجارة على السوم أو الزروع والثمار لقوتها (٣). ولا زكاة في الجرافات والحراثات، وبقية الآلات المعدة لعمل الشركات الزراعية. أما إذا كانت تقوم بالزراعة، وتبيع منتجاتها، وعائد بيعها لا تستثمره في الاتجار به، وإنما تعيد استغلاله في الزراعة، أو توزعه على المساهمين، فإنها تزكى زكاة الحبوب والثمار، على التفصيل المعلوم عند الفقهاء، وذلك عند حصادها. زكاة شركات المواشي: إذا تاجر الإنسان في سائمة بهيمة الأنعام فللعلماء فيها قولان: القول الأول: تجب فيها زكاة التجارة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد والثوري والشافعي في القديم (٤)، لأنها أحظ للمساكين، ولأنها تجب فيما زاد بالحساب عن النصاب، ولأن الزائد عن النصاب وجد سبب زكاته، فيجب، كما لو لم يبلغ بالسوم نصاباً.

стр. 102

القول الثاني: وهو رأي مالك والشافعي في الجديد أنه تجب فيها زكاة السوم، لأنه أقوى، لانعقاد الإجماع عليه، واختصاصها بالعين -أي السائمة- فكانت أولى (١). والراجح هو الرأي الأول إذا كان إنسان أو شركة تتاجر في المواشي، سواء أكانت من جنس ما تجب فيه زكاة سائمة الأنعام؛ كالإبل، أم كانت مما لا تجب فيه زكاة السائمة كالبغال والحمير (٢)، فإنه يجري في زكاتها حكم زكاة عروض التجارة على ما سبق بيانه، لأن اختلاف الفقهاء في السائمة، ولم يختلفوا في المعلوفة، وشركات المواشي في عصرنا هذا تعتمد على تعليفها لا سومها. ولأن من الواضح أن شركات المواشي في هذا العصر هي شركات تجارية، لأنها تتاجر في المواشي وإن سميت شركة مواشي، والشركات التجارية لا خلاف في زكاتها. أما إذا كانت لا تقوم بالمتاجرة فيها، وإنما تستغلها في الدر والنسل، وتبيع إنتاجها، وتوزع عائد بيعها على المساهمين، وكانت سائمة أكثر العام، فإنها تزكى زكاة سائمة بهيمة الأنعام. يؤيد الترجيح السابق ما ذكره كثير من الفقهاء بهذا الشأن؛ فقد جاء في حاشية القليوبي: (إن ولد العرض من الحيوان مال تجارة، سواء كان من نعم أو خيل أو إماء أو غيرها، ويظهر أن مثله فرخ بيض للتجارة، ويلحق بولده صوفه وريشه ووبره وشعره ولبنه وسمنه ونحوها، فكلها مال تجارة) (٣). وفي كشاف القناع: (وإن ملك نصاب سائمة لتجارة، فحال الحول عليه والسوم، ونية التجارة موجودان، فعليه زكاة تجارة، دون زكاة سوم، لأن وضع التجارة على التقليب، فهي تزيل سبب السوم. واقتصر في المغني والشرح على

стр. 103

التعليل بالأحظ) (١)، وفي شرح منتهى الإرادات: (ومن ملك نصاب سائمة لتجارة فعليه زكاة تجارة فقط، ولو سبق حول السوم حولها، لأن وصفها يزيل سبب السوم، وهو الاقتناء لطلب النماء) (٢). قال الماوردي: إذا اشترى للتجارة أرضاً أو ماشية، فذلك ضربان: (أحدهما: أن تكون الماشية غير سائمة، والأرض غير مزروعة، والنخل غير مثمر، فيزكيها زكاة التجارة، من قيمتها. والضرب الثاني: أن تكون الماشية سائمة، والأرض مزروعة، والنخل مثمرة، فهذا على ثلاثة أضرب. أحدها: أن تجب فيه زكاة العين دون زكاة التجارة، وذلك أن يكون خمس من الإبل قيمتها دون المائتين، أو تكون الثمرة والزرع خمسة أوسق، قيمتها دون المائتين، فهذا يزكيها زكاة العين. والثاني: أن تجب فيها زكاة التجارة دون العين، وذلك بأن يكون أقل من خمس من الإبل قيمتها مائتان، وأقل من خمسة أوسق زرع وثمرة قيمتها مائتان، فهذا يزكيها زكاة التجارة من قيمتها. والثالث: أن يجتمع فيها الزكاتان جميعاً، زكاة التجارة، بأن تبلغ قيمتها مائتي درهم، وزكاة العين بأن تبلغ خمسة أوسق أو خمساً من الإبل، فهذا على ضربين. أحدهما: أن تجب الزكاتان في وقت واحد، وذلك بأن يشتري خمساً من الإبل بدون المائتين، فيحول عليها الحول، فتجب زكاة التجارة بحوله، وزكاة العين بحوله، أو يملك مائتي درهم ستة أشهر، ثم يشتري بها نخلاً فيثمر ويبدو صلاحه بعد ستة أشهر، فتجب فيه زكاة التجارة بحلول الحول، وزكاة العين ببدو

стр. 104

الصلاح، فالواجب فيها إحدى الزكاتين اجماعاً، لأن سبب وجوبهما واحد، لكن اختلف قول الشافعي أي الزكاتين أثبت حكماً؟ على قولين (١): قال في القديم: تجب زكاة التجارة، وقال في الجديد: تجب زكاة العين). زكاة الشركات العقارية: راجت تجارة الأراضي في العصر الحاضر رواجاً كبيراً، وأصبح التجار، أو المقاولون لإنشاء المشاريع، يشترون أراضي غير مخططة، ثم يقومون بتخطيطها، وقد يشترون أراضي مخططة، إما لقصد الاتجار في الأراضي ذاتها، وإما للبناء عليها، فيبيعونها بما عليها من بناء. وفي كلا الحالين، تجب الزكاة فيها، مادامت مخصصة للتجارة، لا للسكن الخاص، ويخضع العقار لزكاة عروض التجارة، إذا شري بنية التجارة حال الشراء (٢). والشركة العقارية التي تبيع وتشتري في العقار؛ يجب عليها أن تقوّم جميع موجوداتها المعدة للتجارة؛ من عمائر وأراضي، عند نهاية الحول، وتضم معها ما لديها من نقود، بما فيها الأرباح، وتحسم ما عليها من ديون، ومالديها من أشياء مخصصة للاستعمال لا للبيع، وتزكي الصافي بنسبة ربع العشر ٢?٥% (٣). وإذا كانت الشركة لا تخرج الزكاة، فإن المساهم الذي يتاجر في أسهمه العقارية يجب عليه أن يزكي أسهمه حسب قيمتها السوقية، على ما سبق بيانه عند

стр. 105

الكلام على الشركة العقارية. وأما إذا كان لا يتاجر في أسهمه، وإنما للحصول على أرباحها فإنه لا زكاة عليه. وإذا كانت الشركة تتاجر في عقارها وتؤجره وتعرضه للبيع حال كونه مؤجراً أو معداً للإيجار فإن عائد إجاره يزكى زكاة تجارة، فيضم إلى قيمة مبيعات الشركة ويزكى، وإذا لم يكن لديها مبيعات أو نقود فإن المتوفر من عائد الإجار إذا كان قد بلغ نصاباً يزكى وقت حلول شهر زكاة الشركة، لأنها نماء عروض التجارة، فتزكى معها كربح التجارة (١). أما إذا كانت الشركة تقوم باستغلال عمائرها عن طريق تأجيرها، وهو ما يسميه بعضهم بالمستغلات، وهي (٢): التي لم تتخذ للبيع والشراء، ولكنها تتخذ للنماء، فتغل لأصحابها كسبًا، بتأجير عينها؛ كالعمائر والدكاكين والفنادق. فإنه لا زكاة في أعيان هذه المستغلات؛ لأنها ليست معدة للبيع، وهذا هو رأي جماهير العلماء قديماً وحديثاً، وصدر به قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي بجدة (٣)، وهو ما يأخذ به المؤلف. وقال بعضهم: إن تجمع من غلتها نصاب فأكثر، وحال عليه الحول بعد قبضه، وجبت فيه الزكاة. والحقيقة أن هذه الغلة بهذا الوصف ليست زكاة أسهم، ولا زكاة مستغلات، وإنما هي زكاة نقود. أما أسهم هذه المستغلات، التي يتاجر بها صاحبها فإن فيها الزكاة، حسب قيمتها السوقية.

стр. 106

زكاة شركات النقل: شركات النقل كشركات الطيران، والبواخر، والقطارات، والسيارات، تنشأ للحصول على الأرباح، كبقية الشركات، وذلك إما بقصد المساهم تحقيق أرباح نمائها، وإما بالمتاجرة في أسهمهما، وحكم زكاة أسهمها كزكاة أسهم المستغلات، على ما رجحنا فإذا كانت شركة تبيع وتشتري أو مساهماً يتاجر في أسهمه، فإنهما يزكيان أسهمهما حسب القيمة السوقية، ولا يحسمان شيئاً منها. أما إذا كانا لا يتاجران فيها، وإنما للحصول على أرباحها، فإن الزكاة واجبة في جميع أموالها النقدية والعينية المعدة للبيع، بنسبة ٢?٥%، وأما المعدة للنقل كالطائرات والبواخر والسيارات فإنه لا زكاة في أعيانها، كجميع الأشياء المعدة للاستعمال. وإذا كانت تبيع وتشتري في وسائل النقل -مع أن هذه شركة تجارية وليست شركة نقل- فعليها أن تضم أجرتها إلى موجوداتها الزكوية، كما قلنا في الشركات العقارية. فجميع أنواع الشركات التي سبق ذكرها، وما ماثلها مما لم يذكر، تجب الزكاة في أسهمها، بما فيها الأرباح، ويطبق عليها زكاة عروض التجارة، على التفصيل السابق، بين الأسهم المعدة للبيع، والمعدة للحصول على أرباحها، لأن المساهم الذي يتاجر في الأسهم تصبح أسهمه تجارية بحتة، حتى وإن كان ما تمثله مصنوعات أو مزروعات، أو مواشي، أو عقاراً، ونحوها، وله تأجيل زكاة الديون التي على غير ملئ إلى حين قبضها، وذلك بعد حسم الأعيان المعدة للاستعمال، وجميع الأشياء التي ليست معدة للبيع، كالعمائر والفنادق والطائرات والبواخر والقطارات والسيارات، وهذه الأشياء الثابتة إذا بيعت، سواء في وقت تصفية الشركة أو غير ذلك، تضم أثمانها إلى أموال الشركة وتزكى.

стр. 107

ومن قال من المعاصرين إن الأرباح يزكيها صاحبها بعد مضي حول من قبضها، مردود بما عليه الإجماع، كما ذكره ابن قدامة (١)؛ لأن شركات المساهمة، سواء كانت صناعية، أم زراعية، أم عقارية، أم خدمية، أم مواشي، أم شركة نقل، أم غيرها، من شركات العقد في القوانين الحديثة، أو ما ينطبق عليها أنها (من شركات العقد في مصطلح فقهاء الشريعة الإسلامية). لها صفة تجارية، وإن سميت صناعية ونحوها، سواء كان نشاطها تجارياً بشكل مباشر، أم كان ذلك بتحويل منتجاتها من حال إلى حال. وإذا تغيرت أسعار الأسهم بين يوم وجوب الزكاة ويوم أدائها، فالعبرة بأسعار يوم الوجوب، سواء زادت القيمة أو نقصت (٢).

стр. 108

الخاتمة في النتائج والتوصيات أولاً: النتائج: •اتفق الفقهاء المعاصرون على أن الزكاة واجبة في أسهم وأرباح الشركات التجارية، وأن الواجب فيها ربع العشر. وقال كثير منهم تزكى الأرباح مع رأس المال، وهو ما رجحه الباحث، و قال قليل منهم بعد حول من قبضها. ورد عليه بأن قولهم هذا مخالف للإجماع من أن أرباح التجارة حولها حول أصلها. • قال معظم الفقهاء إن الأسهم المعدة للتجارة في أي نوع من أنواع الشركات تجب الزكاة في أسهمها حسب القيمة السوقية، في الأوقات الطبيعية، دون أن يحسم شيء من جميع أموالها، ما عدا الديون التي على غير مليئ، وهو ما رجحه الباحث. واتفقوا أن الواجب فيها ربع العشر، إلا من شذ. •اختلفوا في الشركات الصناعية ونحوها المعدة أسهمها للحصول على أرباحها، فمنهم من قال تجب الزكاة في أسهمها وأرباحها، بنسبة ربع العشر، وهو ما رجحه الباحث على تفصيل ذكر في محله، ويأتي بيان بعضه، ومنهم من قال لا تجب الزكاة في رأسمالها، وإنما في أرباحها بعد حول من قبضها. ومن هؤلاء من قال فيها العشر، قياساً على غلة الأرض الزراعية. ومنهم من قال تعامل معاملة الأفراد. • الأسهم المعدة للحصول على أرباحها، وليست معدة للاتجار فيها، تجب الزكاة في أسهمها. •النصاب يعادل قيمة ٨٥ جراماً من الذهب، أو ٥٩٥ جراماً من الفضة في أي عصر من العصور، وتقوّم الزكاة بالأحظ للفقراء، وهو أقلهما قيمة على

стр. 109

الراجح، والغالب أن التقويم بالفضة أقل، فإذا بلغت قيمة الأسهم ما يعادلها، من العملة الرائجة في بلد الشركة، ولم تنقص عن النصاب خلال الحول، وجبت فيها الزكاة. •اتفق الفقهاء على أنه لا زكاة في آلات الشركة المعدة للاستعمال، ولا في أملاكها الثابتة، أو المنقولة، التي ليست معدة للبيع، إذا كانت الأسهم معدة للحصول على أرباحها. • بعد إيراد شروط زكاة الأسهم، استعرض الباحث آراء الفقهاء المعاصرين في زكاتها، باعتبار نوع نشاط الشركة، وحصرها في خمسة آراء، ثم ساق أدلة كل قول، وناقشها. ونظراً لأن الباحث لا يرى ترجيح أي من الآراء بجميع ما اشتمل عليه، وإن كان يرجح بعضه، أو معظمه، إلا أن فيه فرعاً أو أكثر لا يراه، لذا رأى أن يجعل ترجيحه في مبحث خاص، عنون له، بالرأي الذي توصل إليه، ومما جاء فيه: •إذا كان المساهم هو الذي يقوم بدفع الزكاة، فإنها لا تجب عليه إلا إذا بلغ ما يخصه نصاباً. • الراجح لدى المعاصرين، وهو ما رجحه الباحث تخريجاً على آراء المذاهب الأربعة، أن المعتبر هو: بلوغ مجموع مال الشركة نصاباً، لا أسهم كل مساهم على حدة. وذلك لثبوت ملكية كل شريك فيما قدمه بقية الشركاء عند المذاهب الأربعة، وأخذاً بمبدأ الخلطة في أموال التجارة، عند من قال بها من الفقهاء، وبناءً على شخصيتها المعنوية. •يشترط لوجوب الزكاة في الأسهم الحول الهجري، وبداية الحول هو منذ بلوغ رأسمال الشركة بمجموعه نصاباً.

стр. 110

•إذا كانت الشركة تعد ميزانيتها بالسنة الميلادية، فيمكن إخراج الزكاة بها، وحينئذ تكون ٢?٥٧٧% بدلاً من ٢. ٥٠٠، والنسبة الواجب إخراجها حينئذ في السنة الميلادية. •إذا دفعت الشركة الزكاة حسب القيمة الاسمية، والقيمة السوقية للأسهم أكثر من القيمة الإسمية فعلى المساهم أن يكمل ما نقص وذلك بدفع الفرق بين القيمة الاسمية والقيمة السوقية. •إذا اشترى الأسهم أو اكتتب فيها؛ فإن حولها يكون من حين تملك ثمنها. لأن حولها حول أصلها. •إذا باع الأسهم بنقود أو بعروض تجارية، فإن الحول لا ينقطع؛ إذ إن حول هذه الأسهم يصبح حولاً للنقود أو العروض التجارية؛ لأن المباع والمشترى كلاهما مال زكوي، أما إذا أبدلها بأموال للقنية فإن الحول ينقطع. •إذا حصل على الأسهم ما يمنع تصرف مالكها فيها؛ كالرهن أو الغصب، أو كان ذلك بأمر السلطان، أو بسبب دعوى قضائية، فإن الحول ينقطع، فإذا زال المانع، وأمكنه التصرف، ابتدأ حولاً جديداً. •يشترط أن يكون تملك الأسهم بفعله؛ كالبيع والنكاح والخلع وقبول الوصية والغنيمة، أما إذا كان بغير فعله؛ كالأسهم الموروثة والممنوحة، فإن حولها يبدأ من وقت تملكها. •انتقال السهم من مالك لآخر لا يؤثر في وجوب الزكاة فيه، إذا كانت الشركة هي التي تخرج الزكاة، لأنه باق في الشركة لا يخرج منها، مهما تعدد المشترون المتعاقبون. •الراجح هو التخيير بين إخراج الزكاة من الأسهم، أو من النقود، لأن فيه عدد من المصالح للمستحق، أو المزكي، أو جابي الزكاة.
следующие страницы →