← Язык

Язык · id 11563

اللغة

جوزيف فندريس

Полный текст (458 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

في الجملة وهي: سيمونيد والإقامة والمحراب والجميل، مقاطع أخرى ينحصر دورها في الإشارة إلى أن صفة جميل تنسب إلى المحراب وأن سيمونيد هو الذي فعل في الماضي حدث إقامة المحراب المذكور. فأول هذه المقاطع من دوال الماهية والثانية من دوال النسبة لنأخذ أيضا من العربية مجموعة من الكلمات مثل مجموعة أن يعطى، أعطي، الإعطاء، معطون، إلى المعطى: فالتحليل يجد فيها دون عناء عنصرا دائما هو "ع ط ى" الذي يصل كل هذه الكلمات بفكرة الإعطاء. ولكنه يجد فيها فضلا على ذلك عددا من العناصر الصوتية التي تستخدم للإشارة إلى أن الكلمة فعل أو اسم، ومن أي نوع هي، أو للدلالة على الفصيلة النحوية "النوع والعدد والشخص" التي تنتمي إليها الكلمات، وكذلك على العلاقة التي تربطها بكلمات الجملة الأخرى فهذه العناصر دوال للنسبة. وبعض هذه الدوال ليس له وجود مستقل، فيجب تحليل الكلمة لاكتشافها وهذه تسمى لواحد أو زوائد، والبعض الآخر كالضمائر والأدوات "في الفرنسية مثلا" منفصلة عن الكلمة في الكتابة. ولكن هذا الفرق عديم الأهمية هنا. وإذا أدخلنا على الجملة الإغريقية المتقدمة كلمة "لكان" لتغير المعنى في الحال. فهذه الكلمة "لكان" دالة نسبة تلون الجملة بلون فرضي من طابع خاص، فبإضافة هذه الكلمة التي تستعمل للتعبير على ما لم يقع، تصير الجملة: "لكان أقام محرابا جميلا". كذلك لو أضفنا إلى أية جملة في السنسكريتية المقطعين iti "إيتي" لدلت هذه الزيادة على أن الجملة حكاية مباشرة لكلام قائل: فإيتي iti من دوال النسبة. والفرنسية العامية فيها دالة من هذا القبيل في صورة "كيدي" quidi "للمذكر" أو quedi كيدي "للمؤنث": قارن العبارتين "tu as tort" أنت مخطئ "tu as tort, quidi" أنت مخطئ، قيل". فتحس على الفور أن الجملة الأولى خطاب مباشر والثانية جزء من اقتباس، وعليها طابع الحكاية. ولا يهمنا هنا النظام الذي بمقتضاه تستعمل دوال النسبة في الجملة، ولا المكان الذي تحتله فيها، ولا المدى أو الأهمية اللذان تخلعهما اللغة عليها, فنحن نعد من

стр. 107

ولا نهتم كذلك بأن تكون دالة النسبة مما يعرب أو مما لا يعرب. ففي العربية الفصيحة "كان زيد يقتل" معناها فقط "Zaid tuait". ذلك أن المضارع في العربية يسبق بفعل الكون ليدل على الاستمرار في الماضي، ويتصرف الفعلان كل منهما على حدته١: الشخص الأول كنت أقتل الشخص الثاني المفرد المذكر كنتَ تقتل الشخص الثاني المفرد المؤنث كنتِ تقتلين الشخص الثالث المفرد المذكر كان يقتل الشخص الثالث المفرد المؤنث كانت تقتل فالعقل يحس الفعلين وكأنهما وحدة رغم أنه يمكن وضع كلمة بينهما، الفعل الأول من دوال النسبة. وأخيرا لا يهمنا أن تكون دالة النسبة تشتمل على عنصر واحد أو على عنصرين صوتيين منفصلين. فهناك دوال نسبة تنتج من كلمتين منعزلتين يجمع بينهما العقل وتكون لهما رغم انفصالهما وحدة لا تقبل التمزيق. ففي الفرنسية يعبر عن النفي بعنصرين لا يكادان يتجاوران مطلقا في الجملة: ومع ذلك فإن "je ne mange pas" "لا آكل" في الفرنسية لها من الوحدة ما لـ"nitoimlim" في الأيرلندية. كل دوال النسبة هذه، سواء أكانت مفردات أم مجموعات، تعد من الفصيلة الأولى لدوال النسبة، تلك التي يعبر عنها بعناصر صوتية تدخل في الجملة وتوصل بدوال الماهية. هناك فصيلة ثانية، دوال النسبة فيها تتكون من طبيعة العناصر الصوتية الدالة

стр. 108

على الماهية أو من ترتيبها. وهذه الفصيلة تعد أكثر خفاء من السابقة وإن كانت لا تقل عنها أهمية في اللغة. ونجد في تبادل الحركات في اللغات الهندية الأوربية أو في السامية خير الأمثلة لتوضيح هذه الفصيلة, لسنا هنا نضيف عنصرا صوتيا إلى دالة الماهية ليخلع عليها قيمة صرفية, بل يكتفى في الإشارة إلى دور دالة الماهية الصرفي بالعناصر الصوتية لهذه الأخيرة نفسها؛ فالإنجليزية تقابل بالجمعين men و Feet المفردين man "رجل" و Foot "قدم"، وتقابل اسمي المفعول held و struck بالمصدرين hold "يمسك" و stricke "يضرب", فالاختلاف الذي بين هذه الصيغ اختلاف في جرس الحركة الذي يلعب على هذا الوضع دور دالة النسبة، إذ أنه وحده يشير إلى قيمة الكلمة الصرفية. ونجد نفس الشيء في اللغة الألمانية حيث نرى wir gaben "كنا نعطي" تقابل wir geben "نعطي" و gib "أعط". وكذلك في الغالية الوسطى حيث نرى الجموع brein و myr و wyn تقابل المفردات bran "غراب" و mor "بحر" و oen "خروف". فالتبادل الصوتي عنصر صرفي ضروري في أقدم اللغات الهندية الأوربية كالإغريقية والسنسكريتية. ويمكننا أن نقول بأن القيمة الصرفية لكل كلمة في الهندية الأوربية كانت محدودة تحديدا تاما أو ما يقرب من التام بجرس حركة الأصل. وكذلك الحال في السامية، كما تعطينا عنها العربية هذه الفكرة حتى يومنا هذا. حمار جمعها حمير١. وهذا على درجة من الحياة في العربية جعلتها تطبقه على كلمات مستعارة منذ تاريخ حديث من الإسبانية أو الفرنسية: رسيبو resibo "إيصال" والجمع رواسيب، بابور والجمع بوابير، شمبيت "حارس ريفي" والجمع شَوَمْبيت ... إلخ. وهذا ما يسمى بجمع "التكسير" أو الجمع "الداخلي". ويشير المصطلح "إعراب داخلي" بوضوح إلى أن تبادل الحركة يلعب نفس الدور الذي يلعبه العنصر الإعرابي الذي يمكن أن يضاف للكلمة. والواقع أن علامة الجمع في الأسماء تكون في الإنجليزية والغالية على وجه العموم بإضافة لاصقة

стр. 109

خاصة: في الإنجليزية boot "حذاء" وجمعها loss،boots "خسارة" وجمعها losses، وفي الغالية penn "رأس" وجمعها "Pennau", و coed "خشب" والجمع Coedydd ... إلخ. وفي العربية تجمع الكلمات المؤنثة كلها بإضافة زائدة. كذلك في الألمانية يختلف الماضي غير التام عن الحاضر باستعمال لاحقة، هي t "ت". Ich rede "أتكلم" والماضي غير التام ich redte "كنت أتكلم" Ich lebe "أحيا" والماضي غير التام، Ich lebte "كنت أحيا" ... إلخ. بمقارنة هذه الأمثلة بالأمثلة السابقة نرى أن تبادل الحركات واللواحق نوعان متساويان من دوال النسبة. نفهم أن النغمة تلعب دورا أخطر في لغات الشرق الأقصى حيث العناصر النحوية قليلة العدد. فهذه اللغات استغلت مرونة النغمات التي تحتملها أصواتها، واتساعها وتنوعها للغايات الصرفية خير استغلال١. وتوجد هذه الظاهرة نفسها في بعض اللغات الإفريقية٢ ففي اللغة الفهلية يعبر التنغيم عن النفي٣: مجموعة

стр. 110

مثل: مِيْ وَرَتَ mi warata معناها "سأقتل" "أو "أقتل" في الحاضر الدال على العادة" إذا نطقت الفتحة النهائية بنفس النغمة التي لباقي الجملة، ويصير معناها "لن أقتل" إذا نطقت الفتحة النهائية بنغمة أعلى. فارتفاع الصوت له إذن من القيمة ما لدالة النسبة. من النغمات المختلفة ذات القيمة الصرفية، نغمة لها أهمية في بعض اللغات، وهي نغمة الصفر، أي عدم وجود النغمة. ففي السنسكريتية مثلا يكون الفعل منغما أو غير منغم تبعا لبعض شروط الاستعمال في الجملة. ولكنه بالطبع في استعمالاته المختلفة يتميز تميزا واضحا بغياب النغمة كما يتميز بوجودها. وهذا يؤدي بنا إلى أن نضيف إلى دوال النسبة المشار إليها فيما سبق نوعا من هذه الدوال أكثر من غيرها دقة ولكنها ليست أقل منها تعبيرا، ونعنى تلك التي يصح أن نطلق عليها دوال النسبة الصفرية. ففي الميدان الصرفي تلعب درجة الصفة دورا هاما. والقيمة التي تملكها هي قيمة تقابل على وجه الخصوص، ولكن ذلك لا ينقص من خطرها. فكثيرا ما يكون للصمت في الموسيقي من التعبير ما للميلودية التي يعترض طريقها ويقطع تدرجها، وفي الحديث لحظات من الصمت البليغ. في اللغة تعتبر دالة النسبة الصفرية دالة نسبة كغيرها من دوال النسبة, فقد كان في الهندية الأوربية بعض الأسماء التي لا يحمل مرفوعها أية لاصقة مميزة، أي أنها كانت تحمل في هذه الحالة لاصقة الصفر, فعدم وجود اللاصقة يكفي في مقابلة اللواصق المتنوعة التي تتمتع بها الحالات الأخرى لتمييز المرفوعات التي نحن بصددها, بل إن هناك حالة من حالات الإعراب في الهندية الأوربية تتميز دائما بتلك الصورة في الفترة القديمة على الأقل؛ ألا وهي حالة المنادى, وتقابلنا هذه الخاصة أيضا في صيغة فعلية قريبة من المنادى، وهي صيغة الشخص الثاني المفرد في حالة الأمر, فدرجة الصفر تلعب دورا لا يقل عن دور غيرها في تبادل الحركات في اللغات الهندية الأوروبية والسامية. وأخيرا نصل إلى فصيلة أخرى من دوال النسبة أقل تشخصا أيضا من السابقة وتتكون فقط من المكان الذي تحتله في الجملة كل واحدة من دوال الماهية.

стр. 111

إذا قلنا باللاتينية regis domus "بيت الملك". كانت علاقة الإضافة التي تجمع بين هاتين الكلمتين معبرا عنها بالصيغة الإعرابية، فاللواحق تشير إلى الدور الذي تلعبه كل كلمة من هاتين الكلمتين بالنسبة للأخرى. أما في العبارة الفرنسية la maisom du roi "البيت "بتاع" الملك"، فإن العنصرين الصغيرين la "أل" و du "بتاع أل" يقومان بنفس الوظيفة التي تقوم بها اللواصق في اللاتينية. وفضلا على هذا الاختلاف يوجد اختلاف آخر بين اللاتينية والفرنسية ينحصر في أن ترتيب الكلمات في الأولى أكثر حرية منه في الثانية؛ فيمكننا أن نقول دون تفريق regis domus "الملك بيت" أو domus regis "بيت الملك". أما في الفرنسية فلا يكاد يسمح بالقلب على هذا النحو، du roi la maison ""بتاع" الملك البيت" إلا في الشعر. ومع ذلك فإن ظهر هذا القلب غريبا بعض الشيء، فإنه لا يصدم الحس وتبقى العلاقة بين الكلمتين مفهومة على العكس من ذلك توجد لغات لا يعبر فيها عن هذه العلاقة إلا بمكان كل من الكلمتين بالنسبة للأخرى، فيقال في الغالية مثلا ti brenhim "من ti، تي "منزل" و brenhin بِرِنَهِنْ "ملك"" مع وضع المالك دائما بعد الشيء المملوك، ويقال في الصينية wang tien "من wang وَنج "ملك" و tien بيت" مع وضع الشيء المملوك قبل المالك على عكس المثل السابق, وفي كلتا هاتين اللغتين لا يعبر عن علاقة التبعية بأية علامة خارجية، ولا يشار إليها إلا بترتيب وضع الكلمات الذي يجب لذلك بالطبع أن يكون ثابتا لا يعتريه تغيير, فاللغات التي فقدت إعراب الحالات على وجه عام، استعاضت في تأدية العلاقات التي كان يعبر عنها بالإعراب إما بكلمات مساعدة "حروف جر، أدوات ... إلخ" وإما بوضع كل كلمة بالنسبة للكلمات الأخرى١. إذا قلنا في الفرنسية pierre frappe paul "بيير يضرب بول" كانت دالة النسبة الوحيدة المعبر عنها صوتيا هنا هي الصفر؛ فالصيغة الفعلية frappe فْرابْ "يضرب" تنفرد في الواقع بعدم وجود اللاصقة، وبذا تتميز عن الصيغ

стр. 112

الفعلية الأخرى مثل frappons فْربُّن "لنضرب" و frappez فربّيه "اضربوا أو تضربون" و frappera فربَّرا "سيضرب" و frappant فربَّن "ضارب" إلخ. فعدم وجود اللاصقة هو الذي يبين هنا أن لدينا فعلا إخباريا حاضرا مسندا إلى الشخص الثالث المفرد, ولكن نسبة الفاعل إلى الفعل والفعل إلى المفعول لا تدل عليها علامة خارجية؛ وذلك ما يميز الفرنسية عن اللاتينية حيث نرى اللاصقتين us "اُس" "علامة الرفع" واُم "um" "علامة النصب" في جملة petros eaedit paulum تكشفان عن الدور الذي يلعبه الاسمان في الجملة، دالتين على أيهما الفاعل وأيهما المفعول, أما القرينة الوحيدة التي تقدمها الفرنسية فهي في ترتيب الكلمات؛ فترتيب الكلمات هنا دالة من دوال النسبة؛ لذلك يمكننا أن نغير في اللاتينية وضع كل كلمة من الكلمات الثلاث كما نشاء دون أن نمس وضوح الكلمة بأدنى ضرر، أما في الفرنسية فيستحيل أن نمس نظام الكلمات دون أن نغير المعنى، فلو قلنا في الفرنسية paul frappe peirre "بول يضرب بيير" بدلا من peirre frappe paul "بيير يضرب بول" لارتكبنا نفس الغلطة التي نرتكبها في اللاتينية لو أخطأنا في استعمال الإعراب فقلنا: paulus caedit petrom "بولصُ يضرب بطرسَ" بدلا من paulum caedit petrus بولصَ يضرب بطرسُ". بعد أن عرفنا الفصائل الثلاث الأساسية من دوال النسبة، يجدر بنا أن نبحث مسلك هذه الدوال بالنسبة لدوال الماهية. يتركب العنصران في بعض اللغات بشكل يجعل كل كلمة تتضمن التعبير عن قيمتها المعنوية، وعن دورها الصرفي في آن واحد. وكانت السامية والهندية الأوربية لغات من هذا القبيل.

стр. 113

وتصريف الفعل في السامية يقدم لنا أمثلة مشابهة. فما دمنا قد تحققنا من السواكن الثلاثة الأصلية في كل الصيغ المشتقة من أصل واحد، لم يبق علينا إلا النظر في اختلاف الحركات واللواصق والعلامات. فالصيغة العربية قتل صيغة واحدة كما رأينا في الإغريقية تماما، إذ إنها تشتمل على دالة ماهية، هي الأصل ق ت ل، ودوال نسبة تميز صيغة قتل عن جميع الصيغ المأخوذة من نفس الأصل: قاتل وتقاتلا ومقتول واقتل ويقتل وقاتل ... إلخ. يزيد على ذلك أن تصريف الفعل في السامية يعبر عن الجنس أيضا؛ فقاتلتَ للمذكر في مقابلة قاتلتِ للمؤنثة، وفي الشخص الثالث أيضا مثل قتل في مقابلة قَتَلتْ. تركب اللغات الهندية الأوربية والسامية نوعين من دوال النسبة كما رأينا: تبادل الحركة والإلصاق، ولكن بدرجات مختلفة, فتبادل الحركة يلعب في السامية دورا أوسع مما في الهندية الأوربية. "فخاصة هذه اللغات في تعبيرها بالسواكن عن أساس الفكرة وعن تفرعاتها الثانوية بالحركات يجعلنا في حل من القول بأن التصريف في هذه اللغة يقع داخل الكلمات"١. "الأصل في العربية لا يتميز إلا بسواكنه، أما عن الحركات فكل ساكن من سواكن الأصل يمكن أن يتبع بالفتحة القصيرة أو الطويلة أو بالكسرة القصيرة أو الطويلة أو بالضمة القصيرة أو الطويلة أو بالصفر، فعندنا سبع صور، وكل واحدة من هذه الصور السبع تستخدم للدلالة على الوظيفة النحوية"٢. وذلك يسمح للغات السامية بصياغة

стр. 114

عدد من الكلمات المشتقة دون حاجة إلى لواصق: ففي العربية كتيب وكات وكتاب ... إلخ. توليد الكلمات على هذا النحو في الهندية الأوربية لا يقع دون التجاء إلى لواحق. ولكن من أثر تبادل الحركات في الهندية الأوربية والسامية كلتيهما، أن تعطى قيمة خاصة لما يسمى الأصل بتخليصه من شبكة اللواصق إذا أردنا أن نركز عليه أعلى درجة من التعبيرية، إن صح لنا هذا التعبير. الأصل حقيقة حساسة بالنسبة للمتكلم من جهة أن ينتظم حالات مختلفة من الحركات، كل حالة منها تقابل استعمالا مختلفا, وحقيقة الأصل ترجع إلى قبوله للتنوع، ومبدأ التبادل يجعل هذه العناصر تلعب دور التعارض. وهو لعب في غاية اللطف والدقة اعتادته عقول الساميين والهنديين الأوروبيين. ينبغي ألا نخلط بين الأرومة "racine" والأصل radical. ففي الفرنسية نستطيع بعد التحليل أن نعثر على العناصر part, aim, recev في المصادر recevoir, partir, aimer؛ ولكن هذه العناصر ليست إلا كائنات نحوية وليس لها وجود حقيقي في شعور المتكلم. ويسميها النحويون الفرنسيون "أصولا". وفي الألمانية تدخل قاعدة تبادل الحركات في الأصول قيمة أوضح: فالتقابل الذي بين geben "أن يعطي" و gab "أعطى" أو بين nehmen "أن يأخذ" و nahm "أخذ" و genommen "مأخوذ" يمكن إلى حد ما أن يعطينا فكرة عن عنصر بعينه يتميز بالساكنين g. b "ج. ب" أو n. m "ن. م" وفي داخله تتبادل بعض الحركات تبعات للمعنى الذي يراد التعبير عنه. أما عن الأرومة فيجب في اللغات الهندية الأوربية الصعود حتى الإغريقية القديمة وحتى السنسكريتية على وجه خاص لنكون على بينة منها. ومع ذلك فالهندية الأوروبية بل والسامية تضيف عادة إلى التبادل في الحركات استعمال لواصق "لواحق أو علامات". ومن النادر جدا في الهندية الأوربية أن يكون تبادل الحركات وحده هو المميز للكلمة, وإذا وقع ذلك فإن على العالم اللغوي أن يسلم بأن الكلمة مزودة باللاحقة الصفرية. فالأرومة في الهندية

стр. 115

الأوربية إدن، رغم ما لها من أهمية صرفية عظيمة، ليس لها وجود مستقل، فلا شيء غير الموافقة، الموافقة القائمة على نوع من التحليل للحقائق الذي كثيرا ما يكون تحكيما، هذه الموافقة هي التي عودت النحويين الهنود تحليل كلمتهم ليكتشفوا فيها أرومات حتى لنرى القواميس السنسكريتية ترجع الصيغ الفعلية إلى صورة مثالية تسمى الأرومة وتفترض أن جميع الصيغ قد خرجت منها بواسطة اللواحق. واللاحقة أيضا ليس لها وجود مستقل، وإنما تستمد كيانها جميعه كالأرومة من تبادل الحركات ومن المعنى الذي يسند إليها، وهو معنى محدد في غالب الأحيان. نرى تبادل الأصوات في كلمة عربية مثل كاتب وكاتبون يحدد معنى اللاحقة " ُ-ون في كاتبون" في جميع الحالات التي يمثل فيها. أما العلامات فيمكن مقارنتها باللواحق من كل وجه، فهي أيضا عناصر تضم إلى الأرومة. ولا يمكن تمييزها عن اللواحق إلا بالاستعمال، فاللاحقة تشير إلى النوع العام الذي تنتسب إليه الكلمة "اسم فاعل، مصدر، اسم آلة، مكبر، مصغر ... إلخ" بينما تشير العلامة إلى مجرد الدور الذي تلعبه الكلمة في الجملة، فالعلامات تقوم بدور مخالف لدور اللواحق، ولكنها جميعا، من جهة بناء الكلمة، دوال نسبة من طبيعة واحدة في الهندية الأوربية والسامية على السواء.

стр. 116

الاتجاه وذلك في الفعل zyeuter "يلتهم بعينه" "رييُتيه" المأخوذ من z-yeux "عيون" جمع oeil "أُيْ" "عين". ويقال في بعض لهجات اللورين zous et zelles "رُوس إي زِلّ" بدلا من eux et elles "هم وهن" و zout "زُوت" "إليهم" "قياسا على no vout"١. ولكنها في الفرنسية حالة استثنائية معدومة الأثر, وهناك على العكس من ذلك لغات سامية كاللغة العربية تملك نظاما حقيقيا من التغيير الذي يضاف إلى أول الكلمة, وهكذا نرى الأشخاص في أحد الزمنين اللذين يصرف إليهما الفعل في العربية، وهو المضارع، يشار إليهم بلاصقة تضاف إلى أول الكلمة: الشخص الأول المفرد أقْتُل الجمع نَقْتُل الشخص الثاني المذكر المفرد تَقْتُل الجمع تقتلون المثنى تقتلان الشخص الثاني المؤنث المفرد تقتلين الجمع تقتلن الشخص الثالث المذكر المفرد يقتل الجمع يقتلون المثنى يقتلان الشخص الثالث المؤنث المفرد نقتل الجمع يَقْتُلن المثنى تقتلان ونجد كذلك في الجرجية، وهي من عائلة غير العائلة السامية، أمثلة لافتة للنظر للتغيير الواقع في أول الكلمة. نستنبط من هذا أن مسلك الإلصاق ينحصر في إضافة عناصر صرفية إلى الأصل توضع تارة في رأس الكلمة وتارة في ذيلها دون تفريق. وفي مقابلة اللغات التي من قبيل الهندية الأوربية والسامية التي فيها تقدم لنا الكلمة المكونة من الأصل واللواصق كلا كاملا قائما بذاته، نجد سلسلة أخرى من اللغات فيها دوال النسبة مستقلة عن دوال الماهية استقلالا قد يكون كبيرا وقد يكون ضئيلا, وأوضح أمثلة هذه النوع تلك اللغات التي تميز بين طائفتين من الكلمات، طائفة الكلمات الفارغة وطائفة الكلمات المليئة على حد تعبير

стр. 117

المصطلحات الصينية. فالكلمات المليئة هي دوال الماهية والكلمات الفارغة دوال النسبة, والكلمات الفارغة لا تنبر إطلاقا فكلمة ti تي التي تشير إلى الإضافة كلمة فارغة: wo tieul-tseu وَوُتي أُول تْسِيَ "ابني" وكلمة وو"أنا" أو على الأصح ياء المتكلم، وأول-نسي "ابن" و"تي" تلعب نفس الدور الذي يلعبه في الفرنسية الحرف de أو s' في الإنجليزية، بل إنها تستخدم أيضا في الإشارة إلى تعلق جملة بجملة، وفي هذه الحال تكون مساوية لحرف الوصل. وليست الكلمات الفارغة في غالب الأحيان إلا صيغا متخصصة "وغير منغمة" من الكلمات المليئة. فالكلمتان المليئتان تسي وأول، ومعناها معا "ابن" تضمان بوصفهما كلمتين فارغتين وتفقدان معناهما فقدانا تاما؛ فكلمة men مَِن "باب" وكلمة tao تاوو "سكين" تصيران بعد إضافة اللاصقة الاسمية: أول أو تسو، men-eul "وتنطق mol مَُول" أو tao-tseu "وتنطق تاوَوزَهْ taoze". والفعل leao "يتمّ" لِياُ ويستعمل بوصفه كلمة فارغة "في صورة la لا" للتعبير عن الماضي. فعبارة lai la ومعناها الحرفي "مجيء إتمام" "مصدر" تعبر عن "جيء"؛ ويمكن تركيب صيغتين من كلمة واحدة، مرة تكون مليئة ومرة أخرى تكون فارغة: leao la لِيَاُولا "أُتِمّ".

стр. 118

"على القدم"، "في الألمانية zu fuss"؛! a berlin إلى برلين, "في الألمانية nach berlin"؛ a la cole "على الشاطئ" "في الألمانية an der kuste"؛ a l' etroit "في ضيق" "في الألمانية in der Enge"؛ a regret "أو بالأسف" "في الألمانية mit Bedauern"؛ a mes frais "على نفقتي" "في الألمانية auf meine kasten"؛ a part "إلى جانب" "في الألمانية bei seite"؛ a six heures في الساعة السادسة" "في الألمانية umsechs uhr"، إلخ. وأفعالنا المساعدة etre "فعل الكون" و avoir "فعل الملك" ليست إلا كلمات فارغة، مثلها في ذلك مثل الأفعال المساعدة الإنجليزية to do "فعل الفعل المطلق" و to chall و to will, كذلك في الدنمركية المساعد mon "مُنْ" الذي بعد أن كان في وقت ما يعبر عن فكرة الاستقبال في شيء من الغموض، صار يصحب الفعل مجرد صحبة، ولا سيما في حالة الاستفهام حتى قيل بأن mou أصبح الآن أداة استفهام أكثر منه فعلا: mon han kommer?، مُن هَن كومر؟ "هل سيأتي؟ " بمعنى "لو يعرف أنه سيأتي! ". مع أن اللغات الهندية الأوربية قد خلقت لها على هذا النحو كلمات فارغة، فإن الذي يميز الكلمة الهندية الأوربية بوجه عام وكذلك الكلمة السامية إنما هي وحدتها؛ ففيهما دوال النسبة ودوال الماهية متصلة بعضها ببعض بصورة لا تقبل الانفصام. وعلى العكس من ذلك توجد لغات فيها العروة التي تجمع بين دالة النسبة ودالة الماهية مخلخلة إن قليلا وإن كثيرا. ومع أن مكان الكلمة الفارغة في الصينية محدد بصورة مطلقة وأنه لا يستطاع نقل الكلمة الفارغة فيها من مكانها بأكثر مما يستطاع ذلك في الفرنسية أو الإنجليزية، فإن للكلمة الفارغة فيها مع ذلك شيئا من الاستقلال، أولا من قبل أنه يمكننا إسقاطها. إذ يمكن أن نقول على السواء مَِن men أو men-eul مول "باب"، وثانيا من قبل أنه يمكننا -على عكس الحالة السابقة- تكرارها في بعض الأحيان لإبراز الفكرة التي تعبر عنها وذلك بفصلها عن الكلمة التي تتصل بها: leao la che la، لِيَاوُ لا تشه لا "قد انتهى الشيء".

стр. 119

ولعل اتصال دوال النسبة بدوال الماهية على أقل ما يكون إحكاما في اللغات الفنلندية الأوجرية واللغات التركية التترية. ففي بعض الحالات في اللغة المجرية إذا كان هناك سلسلة متتابعة من الكلمات المتفقة فيما بينها والتي تلعب دورا واحدا في الجملة، لا يوضع دال النسبة إلا مرة واحدة في نهاية الكلمة الأخيرة فيقال: "a jo ember nek آيو آمبر نِك" للرجل الطيب، بدلا من az-nak jo nak ember-nek" "آز-نَك-يَوُ-نَك إمبرنَك" و a nagy veros-ban آنَجي فارُس بَنْ "في المدينة الكبيرة"١, وفي التركية تحشر علامة الجمع lar لَرْ في داخل كلمة مثل kizlari "بناته" حيث توضع بين دال الماهية kiz كِز "ابنة" ولاحقة الملكية i=ي "kizi "ابنته" بالمفرد"٢. وفي التركية أيضا نجد ارتباط العنصرين مخلخلا إلى حد يجعل نظام دوال النسبة غير ثابت. فمثلا لا نستطيع أن نقول في الفرنسية nous avons le vu "نحن رأى هـ نا" بدلا من nous l'avous vu "نحن رأيناه" ولا j' aime te ne pas "أحب كَ لا" بدلا من Je ne t' aime pas "لا أحبك". بينما يقال في التركية دون تفريق: sevmishlerdir "أحبوا" أو sevez ek lerdir sevmishdirler "سيحبون" أو sevezekdirler seviyorlar idi "كانوا يحبون" أو seviyor idiler، و sevdim idi "كنت قد أحببت" أو sevsem idi: sevdi shdim "لو أحببت" أو "sevse idim". يمكن لكل واحدة من هذه المجموعات أن تحلل وتفرق عناصرها، فالأرومة لها مكانها الثابت في رأس الكلمة، أما باقي العناصر التي تعبر عن الزمان والشخص والعدد فعلى جانب من الاستقلال بالنسبة للأصل وبالنسبة للعناصر المجاورة، لذلك يمكن أن توزع داخل الكلمة في شيء من الحرية. وليس لها على وجه العموم أي

стр. 120

وجود مستقل، فالعنصر لار "lar "ler لا يستعمل منفردا كما لا تستعمل العلامات الإغريقية واللاتينية منفردة. ولكن ارتباطه بدالة الماهية أكثر تخلخلا من ارتباط العلامة الإغريقية بالعنصر المقابل. فالعنصر dir هو الشخص الثاني المفرد من فعل الكينونة؛ وإذا ما أريد بناء الجمع المقابل منه أضيف إليه ler. ولكن قبول هذين العنصرين لتبادل الوضع كان بيّنا في العثمانية الفصيحة القديمة حتى عند استعمالها في دورها الأصيل، يعني في التعبير عن جمع الشخص الثالث من فعل الكينونة. يكثر عدد استعمال دوال النسبة أو يقل باختلاف اللغات. فالتركية كما رأينا تنقل هذه الدالة أو تلك من مكان إلى مكان دون ضرر، ولكنها لا تكررها أكثر من مرة: فهي تقول دون تفريق seviyor-idiler أو seviyorlar idi ولكنها لا تركب العبارتين قط لتقول seviyorlar idiler وعلى العكس من ذلك فإن مسلك التكرار، هذا الذي ذكرنا سابقا أنه موجود في الصينية، مسلك محبب في بعض اللغات كما في مجموعات لغات البنتو "bantou" التي فيها كل فصيلة نحوية يقابلها معلم يذكر مع كل كلمة مهما كان عدد الكلمات. فجعله مثل "البنات يمشين" تقال في السوبية بَا-كازانا-باإندَا ba-kazana ba-enda أو b-o ba-kazana ba enda بَا-اُبا-كازانا با-إِنَدا، وبا ba هي معلم الشخص في حالة الجمع، "والرجل الجميل" يقال mu-ntu-mu-lotu مؤ نتو مو لُِتو، mu معلم الأشخاص في حالة الإفراد. ويوجد في البنتو من هذا القبيل سبعة عشر معلما؛ ويصل عددها إلى ثلاثة وعشرين في بعض اللهجات. والسوابق في البنتية يقابلها: لواحق في الفهلية وفي مجموعة اللغات الغربية في إفريقية، التي تسمى مجموعة اللغات الفلتية. ويوجد من ذلك في الفهلية إحدى وعشرون فصيلة منها أربع للجمع. فمن الأرومة لام lam التي تعبر عن فكرة الرئاسة يمكن أن يشتق ما يلي: لام دو lam do "فصيلة الضمير أُِ o" "رئيس" ولام- أو l a m-u "فصيلة الضمير نجْوُ ngu" "مُلكُ، لام

стр. 121

-دَِه l a m-de "فصيلة الضمير نْدِه" "nde" "رياسة أو قيادة" ولام-بِهَ l a m be "فصيلة الضمير بـ" "ملوك، رؤساء" إلخ. ولا توجد الأرومات منعزلة في هذه المجموعة من اللغات، بل تكون دائما مصحوبة بما يدل على الفصيلة. وهذا الدال على الفصيلة يتكرر في كل عنصر من عناصر الجملة: dabb-o-dan e-dyo e دَِب-أو دن-إَِي دْيَوُ اَِه "هذه المرأة البيضاء " rew-be ran-e..be be رَِوْ-بِهَ رن-آِي-بِهَ بِهَ "هؤلاء النساء البيض" إلخ. قواعد الصرف في هذا النوع من اللغات مختلطة اختلاطا دقيقا، ولا يمكن تمييز دوال النسبة فيها إلا بنوع من التحليل في غاية الدقة فيه يشرح الجملة تشريحا تاما ويفتتها حتى تفقد معالمها في نهاية الأمر. يضاد ذلك على خط مستقيم بعض اللغات الأمريكية التي تدرك دوال النسبة على انفصال وتذكرها منفصلة. فهناك تجمع مقدما، وفي مبدأ الجملة، جميع الدلائل الصرفية فكأنهم يبدءون على نحو ما بملخص جبري للفكرة، فيه كل شيء ما عدا التصورات التي لا تأتي إلا تالية. فلأجل أن يقال: الرجل قتل المرأة بسكين، تصير الجملة على هذا النحو: هو هي هذا بـ ll قَتْل رجل امرأة سكين "لغة الشنوك١". فكل ما تقدم الخطين الرأسيين إنما يشتمل على دلائل نحوية، أي دوال نسبة، أما دول الماهية فلا تذكر إلا بعد. لا ينبغي أن ندهش من بنية على هذا النحو من الغرابة. فلغة الكلام في الفرنسية فيها حالات من التركيب تقرب من تلك الحالات كل القرب. فنحن نسمع من الشعب: Elle n' ya encore pas ll voyage,ta cousine, en Afrique "هي لم فيها بعد ll تسافر قريبتك إلى إفريقية" أو ll l'a-ti jamais ll attrape le gendarme, son voleur? "هو أَلْم إطلاقا ll يمسك الشرطي سارقة؟ " فكل ما هو سابق على الخطين الرأسيين لا يشتمل أيضا إلا على دوال نسبة: إشارات إلى الفاعل أو إلى المفعول "مباشرا كان أو غير مباشر".

стр. 122

أو إلى النوع أو إلى العدد أو إلى الزمن أو إلى صفة الجملة أهي استفهام، أم نفي؛ فلدينا هنا، وقبل أن نعرف عمن وعماذا يدور الأمر، جميع العناصر النحوية للجملة. فلا يبقي إلا تعيين الأشخاص والحدث الذي ساهموا فيه، وبالاختصار الوقائع والفاعلين، وهكذا توضع المعاني التجريدية في رأس الجملة والمشخصات في ذيلها. تنوع الإجراءات الصرفية يجعل تعريف الكلمة يتنوع على حسب اللغات. وإذا كانت هناك لغات يسهل فيها تحديد الكلمة كوحدة لا تتجزأ فهناك لغات أخرى تذوب فيها التكلمة على نحو ما في جسم الجملة ولا يمكن تحديدها حقا إلا بشرط أن تدمج فيها كتلة من العناصر المتنوعة. ففي الجملة الفرنسية je ne l'ai pas vu، يوجد بالتحليل سبع كلمات مختلفة على رأي النحو الجاري، والحقيقة أن ليس هناك إلا كلمة واحدة ولكنها كلمة معقدة مكونة من عدد من دوال النسبة وقد اشتبك بعضها ببعض، وليس لها وجود مستقل، وإنما قيمتها في أنها لدى العقل قابلة للتبادل ولأن يحل بعضها محل البعض على حسب الحاجة ما دام في الإمكان أن يقال: Je ne t'ai pas vu "لم أرك"، tu ne m'avais pas vu "كنت لم ترني" nous ne vous aurons pas vu "سنكون لم نركم بعد" إلخ، مع تنويع عناصر الإبدال في الكلمة على حسب الإرادة. مما لا ريب فيه أنه لا ينبغي لنا أن نسقط من حسابنا ما بين هذه العناصر من فروق نسبية: فالضمائر je "ضمير الشخص الأول في حالة الرفع" و me "الشخص الأول في حالة النصب" و tu "الشخص الثاني في حالة الرفع"، و te "الثاني في حالة النصب"و le "الثالث المذكر في حالة النصب ما هي إلا مجرد دوال نسبة محرومة من كل وجود ذاتي؛ ولا تستعمل منفصلة إطلاقا. فالـje لا توجد إلا في تراكيب من مثل je parle "أتكلم، حيث je تقابل الهمزة" و je cours "أجري" ولا تستعمل me إلا في مثل je me dis "حرفيا: أقول لي" tu me frappes "تضربني" فلو لم يكن في الإمكان وضع بعض العناصر بين الضمير والفعل.

стр. 123

Je dis "أقول"، Je le dis "أقوله"، je ne le dis pas "لا أقوله" لأمكننا اعتبار Je في Je dis كالنهاية اللاتينية O "أُ" في قوله die-o "أقول" وتصورنا أن الفرنسية فيها تصريف في مبدأ الكلمة: Je dis "أقول" tu dis "تقول"، il dit "وتنطق idi إيدي" "يقول" ولكنا لم نصل إلى هذا الحد، وإن كنا نلاحظ أن ضمير الفاعل لا يزاده منذ عدة قرون إلا ميلا إلى اللصوق بفعله. فلن نستطيع اليوم أن تقول كما قال ربليه rabelais؛ "Je dit picrocholem je les prendrai a merci" قال بكروشول: سأضعهم تحت رحمتي "مع وضع عبارة قال بكروشول بين الفاعل وفعله" على العكس من ذلك اللغة العامية فكثيرا ما تستعمل ضمير الشخص الثالث حتى عندما يكون الفاعل اسما صريحا: "الوالد، هو يقول ما يريد"، "البرجوازيون هم لهم حظ سعيد" إلخ. من جهة أخرى دوال النسبة التي مثل nous "نحن، نا مفعولا أو مجرورا" و vous "أنتم، كم مفعولا أو مجرورا" قريبة من الكلمة إلى حد ما إذ إنها تستعمل بصورة واحدة للتوكيد، وتقابل في نفس الوقت je و me من جهة moi" "أنا" أو toi, te, tu "أنت" أو lui, le, il. وذلك يعقد من تحديد الكلمات، على نحو ما يعقده وجود ظروف تتأرجح بين دوال النسبة وبين الكلمات وسط صيغة فعلية. فيمكننا القول بأن الكلمة في اللغة الفرنسية لا تخلو من سوء في التحديد. ذلك صحيح أيضا بالنسبة للغات من قبيل اللغة التركية حيث تتذبذب العناصر الصرفية بين دالة وأخرى من دوال الماهية، أو تتعلق بعضها ببعض في صورة واضحة من الحرية. والذي يجعل للكلمة التركية وحدتها إنما هي ظاهرة صوتية، هي ائتلاف الحركات، تلك الظاهرة التي تنسق تحريق المقاطع المختلفة وفقا لمقطع مسيطر. أما وحدة الكلمة في لغات البنتو فتتعلق بسبب آخر، هو استعمال المعالم التي تتبع في كل فصيلة صرفية الدور الذي تلعبه الكلمة في الجملة. ولكننا مصطرون إلى أن يجمع تحت مصطلح الكلمة في البتو أو الفرنسية أو التركية، عناصر استبدالية متنوعة، هي عناصر يحسها بصفتها هذه، ولذلك لم ترتبط بدوال

стр. 124

الماهية إلا برباط مخلخل١. كذلك الحال في بعض اللغات الأمريكية كالجرينلندية حيث يعجز الإنسان عن تقسيم الجملة فيها إلى أقسام وحيث يغلب الاتجاه فيها إلى عد كلمات بقدر الجمل وجمل بقدر الكلمات٢. أما اللغات السامية واللغات واللغات الهندية الأوربية القديمة كالسنسكريتية أو الفيدية أو الإغريقية القديمة فللكلمة فيها استقلال مطلق يظهر في كثير من المعاملات الصوتية التي تميزها، مثل معاملتها من جهة الأجزاء الأخيرة، أو مثل ذلك التوازن الدقيق الذي للنبر فالكلمة تحمل في نفسها علامة استعمالها والتعبير عن قيمتها الصرفية، فهي على درجة من الامتلاء لا تحتاج معها إلى مزيد. والكلمة الصينية يمكن تحديدها دون عناء أيضا لأسباب أخرى غير السابقة، ولكنها إذا نزعت من النص التي هي فيه فقدت كل قيمتها التعبيرية ولم يبق فيها إلا معنى غامض مجرد لا يمكن إرجاعه إلى أي استعمال. ليس للكلمة إذن حد عام يمكن تطبيقه على كل اللغات، اللهم إلا إذا كان هذا الذي يقترحه الأستاذ مييه، وهو يترك الصورة التي يعتبر بها عن الاستعمال النحوي للكلمة: "تنتج الكلمة من ارتباط معنى ما بمجموع ما من الأصوات قابل لأن يستعمل استعمالا نحويا ما"٣.

стр. 125

الفصل الثاني: الفصائل النحوية يراد بمصطلح الفصائل النحوية المعاني التي يعتبر عنها بواسطة دوال النسبة١. فالنوع والعدد والشخص والزمن والحالة الفعلية والتبعية والغاية والآلة ... إلخ، كلها فصائل نحوية في اللغات تسعى دوال النسبة إلى التعبير عنها. ويستطيع كل منا أن يتصور ضخامة عددها وتنوع مذاهبها بالرجوع إلى معارفه اللغوية. وكما يختلف عدد من دوال النسبة تبعا للغات، كذلك يختلف بطبيعة الحال عدد الفصائل. وكلما ضؤل نحو اللغة، بالمعنى المشار إليه في الفصل السابق، قلت الفصائل النحوية في هذه اللغة. ولكن بعض اللغات فيها عدد كبير منها. ومهما كانت اللغة التي ننظر فيها فإن الفصائل النحوية، لا يمكن تحديدها إلا بالصيغة التي تعبر عنها. ففي الإغريقية القديمة حالة فعلية تسمى حالة التخيير، وهي تقابل في بعض استعمالاتها حالة الشرط في الفرنسية، وتستعمل على وجه العموم للتعبير عن الرغبة. وليس من حقنا أن تتكلم عن حالة التخيير في لغة لا تملك صيغة خاصة للتعبير عن هذه الحالة، وفي اللغات التي اختلطت فيها حالة النصب subjonctif بحالة التخيير -كما هي الحال في أغلب اللغات الهندية الأوربية- لا يميز أولئك الذين يتكلمونها في الصيغة الوحيدة بين الاستعمالين اللذين كانا يقتضيان صيغتين متميزتين في زمان سابق. بل لم تبق إلا حالة واحدة يمكن تسميتها، دون تفريق، حالة التخيير أو حالة النصب إذا شئنا. هذا الإحساس يرجع إلى وحدة الصيغة مهما اختلفت الاستعمالات. وهذا لا يمنع من خلق صيغ جديدة فيما بعد تقابل استعمالات لم تكن لها عبارات خاصة في اللغة من قبل. وهكذا أدى اختلاط الأورست

стр. 126

"من أزمان الفعل" بالتام وبالأحرى تحول التام القديم إلى زمن تاريخي قد أدى إلى حذف وسيلة التعبير عن التام في كثير من اللغات. وبعض اللغات استسلمت إلى عدم وجود التام فيها وعاشت دونه، وبعض آخر خلق لنفسه تاما جديدا، بطرق جديدة، تبعا لخطة تختلف عن التام القديم الذي قد نسخ. الفصائل النحوية إذن شيء نسبي تبعا للغة التي تتصل بها ووفقا لفترة ما من تاريخ هذه اللغة. فلم يكن هناك في الإغريقية القديمة إلا في فترة من الزمن يمكن تحديدها على وجه الدقة. ونحن نعرف في أي فترة خلقت الجرمانية، إلى جانب صيغة الماضي الوحيدة، صيغة جديدة تقابل التام القديم من جهة المعنى. فتاريخ الفصائل النحوية يمكن تحقيقه بالضبط في غالب الأحيان في كل لغة. ولكن نظام الفصائل يظهر في أشكال مختلفة تبعا للغات. وقد قام بناء النحو عندنا في القرنين السابع عشر والثامن عشر على مثال كتب النحو في الإغريقية القديمة أو اللاتينية، وقد خرج من ذلك زائفا وبقي زائفا. فنحن لا نزال نعضده بمسميات لا تتفق مع الحقائق وتعطي عن بنية لغتنا فكرة غير صحيحة, فلو أن المبادئ التي تتخذها مقياسا لنا كانت قد وضعها قوم من غير أتباع أرسطو، إذن لتغيرت معالم النحو الفرنسي على وجه التأكيد. تصنيف الفصائل النحوية عمل من أعمال الصرف العام الذي لا يزال حتى الآن ينشد من يقوم بعمله. وإذا سلمنا بأن هناك من الفصائل النحوية بقدر ما يوجد من دوال النسبة في كل اللغات، اضطررنا إلى توسيع عدد الفصائل إلى أقصى حد فسنقصر عملنا هنا، اتباعا لطريقة أملتها علينا ظروف البحث، على دراسة عدد من الفصائل اختيرت من بين أعمها، الجنس والعدد والزمن والبناء للمعلوم أو للمجهول. وسنخرج من هذه الدراسة ببعض معلومات سنعمل على تلخيصها. فصيلة الجنس كما توجد في الهندية الأوربية والسامية منذ أقدم عهدهما١

стр. 127

تفرض نفسها بدرجة من الصرامة تجعل العقل لا يكاد يستحضر اسما حتى يبدو الاسم أمامه مزودا دائما بنوع يميزه بجلاء، بل كثيرا ما يكو النوع هو المميز الوحيد الذي يملكه هذا الاسم. فبالجنس وحده نستطيع أن نميز في الفرنسية "le poid" "الوزن" من la poix "القار" و le pere "الأب" من la paire "الزوج" التي لا تختلف كل منها عن قرينتها إلا بالرسم، ومن باب أولى le livre "الكتاب" و la liver "الرطل أو الجنيه" أو Le poele "بساط الرحمة" و la poele "موقد أو مقلاة" التي يرسم كل زوج منها بصورة واحدة، كما في الألمانية die kiefer "البلوط" و der keifer "الفك". وليس هناك من غلطة تصدم السامع من فم أحد الأجانب أكثر من الخلط في الجنس. فإذا ما تجاوز تكرارها تعذر فهم الكلام. ومع ذلك فالتمييز بين الأجناس النحوية لا يقوم على شيء من العقل: إذ لا يمكن لإنسان كائنا من كان أن يقول لماذا كانت table "مائدة" و chaise "مقعد" و saliere "إناء الملح" مؤنثة، في حين كانت tabourer "مقعد مطبخ" و fauteuil "مقعد بجوانب" و sucrier "إناء السكر" مذكرة. وكثيرا ما تختلف الآية في لغة مجاورة فيقال في الألمانية der sessel "المقعد ذو الجوانب" و der stuhl "المقعد" وتقدم لنا الكلمتان loffel der "ملعقة" der kegel "وتد" جنسا مضادا لما يقابلهما في الفرنسية على خط مستقيم: la quille, la cuiller. هذا ونحن نعرف مقدار السهولة التي يتغير بها الجنس خلال العصور. فقد كانت تغيرات الجنس عديدة في تاريخ اللغات الرومانية والجرمانية والكلتية، وفي الفرنسية كثيرا ما جرت نهاية التذكير أو التأنيث معها الجنس المقابل لها، يقع ذلك إلى درجة أن عددا كبيرا من الكلمات المنتهية بنهاية مؤنثة والتي تعتبرها اللغة الصحيحة مذكرة حتي يومنا هذا، استعملت أو ما زالت تستعمل في اللغة الدارجة على أنها مؤنثة ولا سيما إذا كانت مبدوءة بحركة تمنع اصطحابها بالأداة المؤنثة، مثل الكلمات exercice "تمرين" و orage "عاصفة" و ouvrage "عمل"، إلخ. بل إن الكلمتين prophete "نبي" و pape "بابا" استعملتا

стр. 128

مؤنثتين في العصور الوسطى بسبب النهاية المؤنثة في آخرها. وهذا يرينا مقدار اختلاف الجنس الطبيعي عن الجنس النحوي. وما زلنا نستعمل ordonnance "جندي مراسلة" و sentinelle "حارس" بالتأنيث مع أن الكلمتين تعينان أفرادا من الجنس القوي، وذلك جريا على عادة اللاتين إذ يقولون: auxilia و uigilioe. الجنس النحوي عندنا قليل الصلاحية للتعبير عن الجنس الطبيعي حتى أننا لا نجد في أغلب الوقت أية وسيلة في الفرنسية للتعبير بواسطة الجنس النحوي عن الفرق بين الجنسين الحقيقيين. فالكلمتان medecie "طبيب" و professen "أستاذ" لا مؤنث لهما، ونجدنا في غاية الارتباك لتطبيقهما على المؤنث. إذ لا نستطيع أن نقول: medecine و professense "بنهاية المؤنث".ولعلنا لا نستطيع تفسير ذلك في حالة الكلمة الأولى فقط لوجودها بعينها مستعملة في معنى مختلف هو الطب، ولكننا لا نستطيع أيضا استعمالهما على حالتهما مصحوبتين بالأداة المؤنثة مع أداة التأنيث كما كان اللاتينيون يقولون: illum senium "terence" فكان ذلك يزيل الإشكال. ذلك بأن la professeur, la medecine "منع أداة التأنيث" تصدم آذاننا. فيضطر الفرنسي المهذب إلى أن يقول la femme medcin "المرأة الطبيب" و la femme professeur "المرأة الأستاذ" معتبرا كلمة femme "امرأة" دالة نسبة تشير إلى الجنس فشأننا في ذلك شأن لغة لا تميز مطلقا بين الجنسين؛ في هذه الحال تستعمل اللغة الإنجليزية الضميرين he "هو" و she "هي" استعمال دوال النسبة فتقول he-goat "حرفيا هو عنز أي جدي" و she-goat "حرفيا هي عنز أي معزة" وتستعمل الإرلندية السابقة ban بَنْ "مأخوذة من ben بِنْ "امرأة"": ban-die "آلهة" و ban-file "شاعرة" و ban-tuath "ساحرة"، إلخ. ونحن نقول cocher حوذى" femme cochere "امرأة حوذية" متمسكين إلى هذا الحد بدالة النسبة: امرأة؛ وإذا قلنا cochere "حوذية" دون femme "امرأة" بدا ذلك لنا مستهجنا.

стр. 129

_________ ١ إرنو Ernout، رقم ٩٨، ص٢١١.

стр. 130

وكانت الإنجليزية في ذلك أوغل من الفرنسية. فقد كانت الإنجليزية القديمة تميز في الأداة ثلاث صيغ مختلفة للأجناس الثلاثة المختلفة: se و seo و thaet بل كانت تحتوي على تصريف كامل للأداة، فيه أربع حالات مختلفة لكل فرع من فروع العدد, ولكنها ما لبثت أن بسطت هذا التصريف. إذ إنها قالت أولا في حالة الرفع بتأثير القياس: thaet, theo, the؛ ثم جمعت بين المذكر والمؤنث في صيغة واحدة the، وأخيرا أسقطت المبهم، فلم يبق لها في المفرد إلا صيغة واحدة، وفضلا على ذلك كانت هذه الصيغة هي صيغة الجمع, ولما فقدت الأداة تصرفها حرمت اللغة من التعبير عن الجنس لأن الصفة من جهتها صارت مجردة من التصريف. أما المرحلة التي وصلت إليها الدنمركية فأقل تقدما من تلك، فهي

стр. 131

تقول den دَِن للمذكر-المؤنث، و det دَِت للمبهم. وللجمع بأجناسه الثلاثة دَِه de. فقد سمح لها تطورها الصوتي بالاحتفاظ بجنسين ولكنها، من حيث أصلها، لا تقابل المذكر والمؤنث كما في الفرنسية. ليس هنا مكان البحث عن أصل الجنس النحوي في الهندية الأوربية١. وقد حاول ذلك بعض اللغويين دون أن يصلوا إلى نتيجة مرضية. ذلك بأن المسألة تتعدى نطاق النحو الهندي الأوربي، إذ أنها مسألة من مسائل علم اللغة العام وتتطلب البحث في مجموعات أخرى من اللغات. ومن علماء الأنتروبولوجيا من زعم، مثل فريزر بأنه حل المسألة بتصوره أن الخلاف بين الجنسين يتصل بلغة النساء الخاصة، فعند هؤلاء العلماء أن الاسم كان على صيغتين: صيغة تتكلمها المرأة وصيغة يتكلمها الرجل٢. وهذا تبسيط ساذج للمسألة: فالأجناس لا تنحصر في المقابلة بين المذكر والمؤنث فحسب، إذ أن الهندية الأوروبية فيها جنس ثالث، هو المبهم. يبدو الجنس في مظهر خاص في بعض لغات إفريقية أو أمريكا. فلغة الألجونكين ALGONQUIN تميز بين جنس حي وجنس غير حي٣. ولا يهمها بعد ذلك ما يدخل تحت كل واحد من الجنسين من أشياء؛ فقد تضع الألجونكين بين الأشياء المدلول عليها بالجنس الحي إلى جانب الحيوان: الأشجار والأحجار والشمس والقمر والنجوم والرعد والثلج والجليد والقمح والخبز والطباق والزحافة والولاعة ... إلخ. والحقيقة "أن هذ التمييز في الجنس مطلق وأساسي، لأنه يطبق

стр. 132

على الأسماء والتعبير عن الملكية وضمائر الإشارة والأفعال والصفات١". أما في توزيع الأشياء بين الجنسين فقد حدثت أحداث قياسية خاصة. ويوجد في السلافية جنس للأحياء أيضا يمكن تفسير نشوئه وخاصة شيوعه بتطور صرفي مطرد توجد آثاره في الهندية الأوربية٢. وهناك اتجاه لمقابلة المادة الحية بالمادة غير الحية في الأرمينية٣ والأسبانية بعد الفعل، بل في الفرنسية القديمة أيضا بعد الاسم: "le bourg le roi, les maisons du bourg" "البلد الملك، منازل البلد". وعلى العكس من ذلك توجد في غير هذه اللغات مقابلات أخرى: ففي لغة الماساي Masai، من شعوب شرق إفريقية، يوجد جنس لما هو كبير وقوي وجنس آخر لما هو صغير وضعيف٤، وهذا ما يترجمه بعضهم تحكما بالمقابلة بين المذكر والمؤنث: ol tungani ُاَل تُنجاِني "الرجل الكبير" en dungani، آِن دُنجاني "الرجل الصغير"، ولعل من الأوفق أن يقال بكل بساطة: جنس قوي وجنس ضعيف. والفصيلة هنا تجاور ما نسميه في غير هذا المكان بالمصغرات. في الميدان الإفريقي يطلق على الجنس اسم "الطبقة". فاللغات البنطية يسيطر عليها وجود "الطبقات"، التي تمتاز كل منها بلاصقة خاصة، وعليها توزع جميع الكلمات الموجودة في اللغة. وقد رأينا أمثلة من ذلك فيما سبق "ص١٢١". والإشارة إلى الطبقة، لها أهمية الإشارة إلى الجنس في كلمة إفريقية أو لاتينية. إنها ضرورة فرضها الفعل على نفسه. ومعلم كل كلمة "هكذا نسمي العنصر الصوتي الذي يشير إلى الطبقة". من الأهمية بحيث نراه يتكرر في أثناء الجملة مع جميع الكلمات التي تتعلق بهذه الكلمة: فكأن الكلمة الأساسية تفرض لون زيها على جميع الكلمات التي تتعلق بها.

стр. 133

الجنس في لغاتنا الأوربية ليس إلا طبقة على طريقة البنطو. فهو محاولة قام بها العقل لتصنيف المعاني المتنوعة التي يعبر عنها بواسطة الأسماء. وأغلب الظن أن هذا التصنيف يقوم على التصور الذي كان في ذهن أسلافنا الغابرين عن العالم، وقد ساعدت عليه بواعث غيبية ودينية. وقد احتفظ بهذا التقليد حتى بعد أن عجز من يستعملونه عن فهم علته. هناك فصائل نحوية بينها وبين الواقع علاقة أحكم مما في حالة النوع، ولها ما يبررها عقليا في تصورنا الحالي للعالم: من ذلك فصيلة العدد وفصيلة الزمن. فعلى حسب ما أقول: الجواد يأكل أو الجياد ستأكل، أراني أعبر عن فكرتين فيهما الوحدة "المفرد" تقابل الجمع والزمن الحاضر يقابل الزمن المستقبل. وذلك يوم على حقائق الاختبار. ولكن إذا ناقشنا كيف يعبر في اللغات المختلفة عن هاتين الفصيلتين، وهما من أعم الفصائل، أدركنا أولا أنهما يظهران فيها على صور تحد من عموميتهما وثانيا أنه من النادر أن نجد لها في الاستعمال العبارة الدقيقة التي كنا ننتظرها. عندنا في الفرنسية مفرد وجمع. ولكن التمييز بين الوحدة والجماعة، وهو ما يكون العدد عندنا، ليس مظهر هذه الفصيلة الوحيد. فمن اللغات ما كان فيها أو ما يزال فيها مثنى. والهندية الأوربية كان فيها مثنى أبقى عليه في الزمن التاريخي فترة طويلة أو قصيرة على حسب اللغات، ثم أبعد منها جميعا تقريبا شيئا فشيئا١. ففي الهند نجد المثنى في السنسكريتية، فيدية كانت أم كلاسيكية، وذلك على عكس البراكريتية prakrits والبيالية pali اللتين فقدتاه. وكانت الفارسية القديمة والزندية تستعملانه في صرامة، ولا ويوجد منه أثر في اللغة الفهلوية. ولا يوجد المثنى في الأرمينية ولا في اللاتينية منذ أقدم تاريخ نعرفه لهما. أما في السلافية القديمة فهو يتمتع بالحياة، بكل الحياة، ولا زالت بعض لهجاتها تستعمله حتى يومنا هذا مثل السلوفينية "من لهجات يوغسلافيا" وصورابية اللوزاس "إقليم مشترك بين تشيكوسلوفاكيا وألمانيا". وهو في بعض اللهجات اللتوانية في سبيل الانقراض، وكانت القوطية

стр. 134

تعبر عنه في الضمير والفعل فحسب، ولم يبق منه في الألمانية العالية القديمة إلا آثار في الضمير وحده، ولكن هذه الآثار بطيئة الاختفاء: إذ أننا لا زلنا نقابل في بعض لهجات بفاريا الحالية الضميرين المثنيين os أو enk، بعد أن اختفيا من لغة الكتابة منذ آخر القرن الثالث عشر. ولم يحتفظ بالمثنى من اللغات الكلتية إلا الأرلندية في أقدم عصورها، وذلك في تصريف الأسماء، ولكن هذا العدد لا يشغل فيها إلا مكانا ضئيلا، لأن الاسم المثنى يجب أن يكون مصحوبا باسم العدد "اثنين" ونقدم لنا الإغريقية القديمة مجموعة في غاية التنوع تفيدنا علما من نواح شتى، ولكنها انتهت مع ذلك بإقصاء المثنى١. وذلك هو الميل العام في اللغات الهندية الأوربية. فإذا كان هذا الاستبعاد قد تم في أزمان مختلفة اختلافا محسوسا تبعا للغمات، فمرد ذلك إلى أسباب تاريخية. يجب أن نعتقد أن استعمال المثنى كان يسد حاجة أخرى غير الحاجات التي يمكن أن توحي بها عوائد تفكيرنا الحديثة. فنحن لا نرى اليوم أية علية لمقابلة التثنية بالجمع. ولكن هناك في فصيلة العدد معاني أخرى متميزة لا نعبر عنها وإن كانت تستحق أن يكون لها صيغة نحوية. من ذلك معنى الجمعية ومعنى الإفرادية. فليس لدينا في الفرنسية وسيلة للتعبير عن هذين المعنيين، وذلك نقص كثيرا ما نعاني آثاره. فكل المناقشات التي تثار بين بعض النحاة عما إذا كان يجب أن نكتب gelee de groseille "مربى عنبة الذئب" أم gelee de groseilles "مربى عنبات الذئب" و confiture de pomme "مربى التفاحة" أم confiture de pommes "مربى التفاح" ترجع هذه المناقشات كلها إلى الخلط بين الجمع والجمعى، وسببها عدم وجود فصيلة نحوية للجمعى. كذلك نشعر بشيء من الضيق حينما لا نستطيع أن نعرف على وجه التخصيص من قولنا: le cheval court "الحصان يعدو" إذا كان يراد حصان ما مأخوذ على انفراد أو يراد الخيل في مجموعها بوجه عام, فنحن لا نميز الفرد من الجنس ولا الخاص من العام.

стр. 135

واللغات الهندية الأوروبية كلها تقريبا١ على نفس الحال التي عليها اللغة الفرنسية، ليس فيها عبارة مطردة لبعض المعاني الهامة من فصيلة العدد. فصيلة الزمن أيضا فيها نواح من النقص٢. والذي يعبر عنه الفعل أساسا في لغة كالفرنسية أو الألمانية إنما هو الزمن. ويسمى الفعل في الألمانية zeitwort "كلمة الزمن" فعندنا في الفرنسية سلم من الأزمان المتنوعة، لا تعبر فقط عن أقسام الزمن الثلاثة من ماض وحاضر ومستقبل بل أيضا عن الفروق النسبية للزمن: إذ لدينا الوسيلة للتعبير عن المستقبل في الماضي والماضي في المستقبل. ولا توجد إلا لغات قليلة لها ثروة اللغة الفرنسية في هذا الصدد. فلا يكاد يوجد في الألمانية إلا زمن ماض واحد، إذ أنها تخلط في صيغة واحدة غير التام Imparfait٣ والماضي المحدد defini؛ هذه الصيغة هي: ich liebte " أحببت أو كنت أحب" وهذه الصيغة الوحيدة تميل إلى أن تحل محل الماضي التحليلي من نوع Ich habe geliebt "أحببت" في بعض أجزاء ألمانيا بينما يسعى الماضي التحليلي لاحتكار التعبير عن الماضي بأسره في بعض الأجزاء الأخرى. وثروة اللغة الفرنسية تلك قد أتت من اللغة الللاتينية التي كانت من جهة الأزمان مزودة بسلسلة زاخرة من الصيغ. غير أن التعبير عن الزمن تجديد من اللاتينية. لأن النحو المقارن يعرفنا أن الهندية الأوروبية كانت لا تهتم خاصة إلا بالتعبير عن صفة الحدث aspect٤. يطلق اسم صفة الحدث على فصيلة الاستمرار٥. والأزمان الفرنسية تعبر

стр. 136

عن اللحظة التي فيهله تم أو يتم أو سيتم أحد الأحداث، ولا تدخل في حسابها المدة التي يستغرقها وقوع الحدث. ومع ذلك فهو أمر هام، بل أمر يطغى في بعض الأفعال على كل اعتبار آخر للمعنى. فالهندية الأوروبية كان اهتمامها بالدلالة على الزمن أقل بكثير من اهتمامها بالدلالة على صفة الحدث من الوجهة الاستغراقية. فهي لا يعنيها أن تبين في أي لحظة يتحقق الحدث "في الماضي أو الحاضر أو المستقبل" بل أن تشير إلى ما إذا كان هذا الحديث يواجه من ناحية استمراره أم في نقطة فقط من سيره، وهل هذه هي نقطة الابتداء أو نقطة الانتهاء، وإذا كان الحدث يقع مرة واحدة أو يتكرر، وإذا كان ذا نهاية ونتيجة أو لا، ومن ثم جاءت هذه المفارقات التي يراعيها النحو المقارن في تقسيمه للأفعال إلى استمرارية أو وقتية غائية أو غير غائية وإلى تدرجية وتكرارية وانتهائية ... الخ. ومن المستحيل أن نفهم شيئا من نظام الفعل في السنسكريتية أو في الإغريقية القديمة إذا لم ندخل في حسابنا هذه الفروق الدقيقة أو إذا رحنا نبحث فيها عن التعبير عن الأزمنة المختلفة، بهذه الفكرة التي تعد طبيعية في لغاتنا. والفروق التي نجدها في الإغريقية بين الحاضر والأوورست والتام ليست إلا فروقا في صفة الحدث الذي يؤديه الفعل. وقد احتفظت اللغات الشلافية بغلبة الصفة على الزمن في الحدث مدة طويلة وما زالت تحتفظ بشيء منها حتى يومنا هذا. فكل فعل فيها ينتمي إلى فصيلة من "صفة الحدث" تميزه وتحدده كما يتميز الماضي والمستقبل في لغتنا١. وهذا فرق أساسي بين الروسية والفرنسية وعقبة من أشد العقبات التي تقابل الفرنسي في دراسته للغة الروسية. وتشبه اللغات السامية، من جهة التعبير عن الأزمان، اللغات الهندية الأوربية في نظامها العتيق شبها كبيرا. فليس في السامية المشتركة أية وسيلة للتمييز بين أزمنة الفعل المختلفة، ولكنا ندهش عندما نرى فيها هذه المجموعة الكبيرة من الوسائل للتعبير عما بين الفعل والفاعل من صلات، للتعبير مثلا عن السببية causatif والكثرة conatif والشدة intensif، والتمني desiratif والرجاء putatif والأمر jussif، والمفاعلة reciproque والمطاوعة reflechi. كل هذه

стр. 137

المصطلحات الفنية لا تزال تشير إلى فصائل في الفعل السامي، ولا يزال محتفظا بها على درجات متفاوتة في اللهجات المختلفة للغة السامية. أما الزمن بمعناه الحقيقي فلا يوجد منه في السامية إلا إثنان: غير التام والتام، وهما مشتقان من أصلين مختلفين ولكن لا ينبغي ألا نفهم من هذه الاسمين، تام وغير تام، أي شيء مما يشبه الأزمنة المستعملة في الفرنسية، بل يجب أن يؤخذا على معناهما اللغوي، فهما يدلان على انتهاء الحدث أو عدم انتهائه، أي أن السامية مثل الهندية الأوربية يسطير فيها التعبير عن الاستغراق duree لا التعبير عن الزمن. فالأشورية مثلا تستعمل التام "الماضي" في معنى الحاضر والمستقبل. وفي العربية يعبر غير التام "المضارع" عن الحاضر وعن المستقبل. "وفي العبرية نرى الصيغة المسماة خطأ بصيغة الاستقبال تستعمل في القصص للتعبير عن الماضي، ومن جهة أخرى يمكننا كلما شئنا أن نستخدم الصيغة المسماة بصيغة الماضي للتعبير عن المستقبل. ونحن نعرف مقدار ما أصاب تفسير النصوص النبوية من صعوبات لهذا السبب. جاءت هذه الفوضى من أن فكرة الزمن قد أدخلت في صورة عرجاء، وبعد أن لم تكن موجودة، على تصريف فعلي لم يكن قد هيئ لاستقبالها"١. فصيلة الزمن النحوية تحتوي، مثل فصيلة العدد، على نواح من النقص، بل إنها حتى في داخل الحدود التي تجول فيها لا تنجح دائما في استعمال صيغة تنطبق حقا على المعنى الذي يراد التعبير عنه، فكثير من اللغات الهندية الأوربية تستعمل أحيانا للتعبير عن المستقبل أو الماضي صيغة ليست للمستقبل ولا للماضي. فمع أن اللاتينية فيها صيغة للاستقبال نرى بلوت plaute يستعمل الحاضر للتعبير عن حدث واضح فيه أنه للاستقبال، وذلك حين يقول: "captifs ٧٤٩"؛ peristis nisi iam hunc abducitis، "أنت تهلك "إنك لهالك" إن لم تأت به فورا". والقارئ لا يتردد لحظة في الزمن الذي ترجع إليه هذه الجملة. يقع ذلك أيضا في الفرنسية، فنقول في كلامنا الجاري: "J' y vais", "أنا رايح هناك" بدلا من "je vais y aller" "أنا رايح أروح هناك" أو "je m'apprete y aller" "أستعد للذهاب إلى هناك" أو "j' irai" "سأذهب".

стр. 138

ومن ذلك ما كتب راسين في برينيس Berenice: Peut-etre avant la nuit l'aureuse Berenice. Change le nom de reine au nom d'imperatrice. "لعل بيرنييس السعيدة تستبدل قبل أن يقبل الليل لقب امبراطورة بلقب ملكة". وتستعمل الألمانية الحاضر مكان المستقبل بصورة مطردة: فهذه العبارة الثقيلة "Ich werde kommen"، "سآتي" لا توجد إلا في كتب النحو وعلى ألسنة الأجانب الذين يتكلمون الألمانية. أما الألمانيون فيقولون بكل بساطة في محادثاتهم: "Ich komme" "آتي". واستعمال الحاضر في وظيفة المستقبل يقوم على اتجاه عام في الكلام؛ فالروسية تستعمل للمستقبل حاضرا قديما وكذلك القوطية والغالية وكلتية اسكتلندة وغيرها أيضا. وفي الفرنسية يستطيع المستقبل البسيط التعبير عن الحاضر "Il sera a paris a l'heure qu'il est" سيكون في باريس في الساعة التي نحن فيها" كما يمكن أن يكون للماضي السابق futur anterieur قيمة الماضي ""la Bruyere: Nul ne se ressouvient d'un mot qu'il aura dit." لابرويير: "لا يستطيع أحد أن يتذكر كلمة سيكون قد قدلها". أغلب الظن أن المستقبل في كلتا الحالتين يدخل على الجملة معنى خاصا "الإمكان، الاحتمال"، ولكن الحقيقة الواقعة هي أن المستقبل هنا مستعمل مكان حاضر أو ماض. الماضي أيضا يمكن أن يعبر عنه بالحاضر. وهو استعمال شائع في الحكاية حيث يسمى بالحاضر التاريخي. وفيه يجد المثقفون سحرا خاصا، يقولون بأن الحاضر أكثر تعبيرا أو أبلغ وصفا حتى ليجعل المنظر يحيا مني من جديد أمام عيني القارئ ويرجع بفكرنا إلى اللحظة التي دار فيها الحدث. وهذا حق. ولكن هذا التعليل الذي قد يمكن أن ينطبق أيضا على استعمال الحاضر مكان المستقبل، لا قيمة له في نظر النحوي. فهو ملزم بأن يتمسك بوجهة النظر التالية؛ ليستطيع الكاتب أن يستعمل عبارة رآها أبلغ تعبيرا أو أكثر أناقة من غيرها، فعلى اللغة أن تمده بهذه العبارة، وفي هذه الحالة يجب أن يكون ميدان الحاضر وميدان الماضي غير مغلقين أحدهما بالنسبة للآخر في اعتبار النحو، حتى يمكن الانتقال من

стр. 139

أحدهما إلى الآخر بسهولة ودون خطر على الوضوح. والواقع أن الماضي بدوره يمكن استعماله للدلالة على الحاضر، فالإغريقية القديمة تستعمل الزمن الذي يدل به على الماضي في التعبير عن الحاضر، الذي يقال له حاضر العادة، وذلك في الجمل ذات المرمى العام، في الأحكام والحكم، فكان لهومير أن يقول مثلا: مستعملا آورست يترجم بالطبع في الفرنسية بفعل حاضر فنقول: "من يطيع الآلهة، تستجيب له الآلهة". وذلك هو أورست الوعظ الذي يستعمل في التعبير عن حدث لا ينتمي في الواقع إلى إي زمن، ويمكنه ككل حقيقة من حقائق التجربة أن يصدق في المستقبل وفي الحاضر وفي الماضي. والحاضر هو الذي يبدو لنا في الفرنسية وفي معظم اللغات صالحا لهذا الاستعمال العام. ولكن الفرنسية تستطيع أن تستعمل فيه المستقبل أيضا، وكذلك اللاتينية: "pulcra mulier nuda erit quam purpurata pulcrior". "بلوت plaute mostellaria، بيت ٢٨٩، وقارن بيت ١٠٤١": "المرأة الجميلة العارية أجمل منها ولو ارتدت أفخر الثياب". ما نسميه الحاضر في الفرنسية زمن مطاط يصلح كما رأينا للتعبير عن المستقبل والماضي، وينطبق دون تفريق على الحدث المحدد بالحاضر الحالي تحديدا محكما "ها هو الترام يمر" أو على الحدث الدال على العادة "أمر به كل أحد" أو الحدث الذي لا يستند إلى أي زمن محدد "الترام يمر في هذا الشارع". يطول بنا الحال إذا أردنا أن نعدد كل وجوه النقص التي يعرضها علينا في كل لغة استعمال الأزمنة. أليس مما يدعو إلى الدهش أن نرى الفرنسية تستعمل في الماضي الشرطي، أو على الأقل ما يطلق عليه هذا الاسم وهي تتكلم عن المستقبل؟ وذلك كأن يقال "لو أسندت إلى هذا المسألة لا نتهيت منها سريعا" لا أظننا نلاقي أي عناء في أن نكشف أصل هذا الاستعمال: فهو اثر من آثار القياس. جواب الشرط عندنا مستقبل غير تام imparfait du futur؛ وقد صدر القياس أولا عن الجمل التي فيها فعل الشرط حاضر وجواب الشرط مستقبل مثل: "إذا أسندت إلى هذه المسألة فسأنتهي منها سريعا" وذلك يرينا إلى أي حد من المرونة تستعمل

стр. 140

اللغة ما لديها من الوسائل، ولكنه يطلعنا في نفس الوقت على مقدار الصعوبة التي نلاقيها في محاولة تنظيم فصيلة الوقت، إذ إنها دائما سيئة التحديد. تمييز الأفعال المبنية للمعلوم من الأفعال المبنية للمجهول في معظم اللغات الهندية الأوربية عمل خداع، لأن المبني للمجهول في كل حالاته تقريبا لا يمكن أن يعتبر عكس المبني للمعلوم. إذ يدخل في المبني للمعلوم عادة معنى خاص يعدل من صفته. فالمبني

стр. 141

للمجهول يعبر في الغالب عن حدث تحقق، وانتهى تماما، ومن ثم كان الكثير من الأفعال الفرنسية يعبر عن الماضي بواسطة فعل الكون. وكانت هذه هي الحال في اللاتينية. يزيد على ذلك أن المبني للمجهول في هذه اللغة له استعمال خاص يقال له خطأ المبني للمجهول غير الشخصي le passif impersonnel وكان يجب أن يسمى غير الشخصي فقط، إذ لا شيء فيه من المبني للمجهول، وذلك مثل: "on court" curritur "يجري" "على أن الفاعل هنا غير شخصي لا يعود على شيء، وإنما جيء به لإسناد الحدث فقط"، "on joue" luditur "يلعب" itum est "ذهب". فنحن في هذه الحال نستعمل في الفرنسية الضمير غير المحدد "on" أو المطاوع le reflechi فنقول مثلا: "ينكسر كوب كبير" و"ينصدع بناء شامخ"١. إذ أن المطاوع في الفرنسية كما في كثير غيرها من اللغات يعد وسيلة من وسائل التعبير عن المجهول "cela se dit, cette robe se porte" "دِه يتقال، الفستان ده يتلبس"، وصفة هذه العبارات المميزة هي أن فاعل الحدث غير معبر عنه، ولكن لا يمكن اعتبارها مبنية للمجهول، اللهم إلا إذا أضفينا على المبني للمجهول معنى خاصا لا يجعله عكس المبني للمعلوم. هذا الخلط الذي نشكو منه في لغاتنا يرجع إلى معان ثانوية أدخلت في التعبير عن المبني للمعلوم والمبني للمجهول فأضعفت بينهما درجة التقابل الأساسية. ولكن هل هناك ما يبرر هذا التقابل الأساسي؟ لو كان الفرق بين الفعلين أقْرعَ je frappe وأُقْرَعُ je suis frappe ينحصر في العلاقة النحوية بين الشخصين فحسب، لم يكن هناك محل للوقوف عنده، ولصارت المسألة مسألة اصطلاح بحث نتج من العادة أو من مراعاة التيسير: فيقال بطرس ضرب بول أو بول ضرب من بطرس دون تفريق، وكانت بعض اللغات تفضل استعمال العبارة الأولى، وبعضها

стр. 142

يفضل استعمال الثانية، وفريق ثالث منها يسمح باستعمال الاثنتين، وفي تلك الحال كانا لا نرى في كل هذا إلا نتيجة لعملية تاريخية وفي الواقع أنه إذا كان يوجد في الفرنسية مبني للمعلوم ومبني للمجهول "وهذا الأخير في حدود ضيقة" فإن الهندية الأوربية لم تعرف إلا المني للمعلوم، وهناك لغات أخرى تميل إلى جعل الصيغتين صيغة واحدة، هي صيغة المبني للمجهول. الواقع أن هناك طريقتين لمواجهة صلة المسند إليه بالعالم الخارجي، فتارة يكون المسند إليه فاعلا، أي أنه يحدث أثرا ما على ما يحيط به بواسطة عمل إرادي "بطرس يضرب بولص" وتارة يكون قابلا، أي أنه يستقبل من المحيط الذي حوله أثرا يصيب حساسيته "بولص ضرب من بطرس". والتقابل واضح في هذين المثالين: أحدهما يعطي الضربات والثاني يتلقاها، لذلك لم يكن هناك محل لتردده. ولكن هناك حالات تتوازن فيها الفاعلية والاستقبالية وتختلطان. وهناك حالات أخرى تطغى فيها الأولى على الثانية. فإذا قلت بطرس يرى بولص أو بطرس يجب بولص، فإن الشخصين يوقعان كل منهما على الآخر أثرا يمكن أن يعتبر من جهة الفاعلية أو من جهة الاستقبالية على السواء. ذلك بأن الرؤية ظاهرة استقبالية: إذ أن شبكة بطرس تتأثر بصورة ما. كذلك الحال في الحب أو في الصداقة. في كل منهما بطرس يعاني عاطفة ما. وليس في ذلك شيء من الفاعلية. فيرى الإنسان الأقرب إلى المنطق أن نسمى الأفعال فاعلة actifs في حالة ما إذا كان الحدث مؤثرا effectifs وأن نستعمل طرازا آخر من الأفعال نسميها أفعالا سلبية passifs أو انفعالية affectif حسبما يراد، وذلك في حالة ما إذا كان الفاعل يعاني تغيرا في استعداداته الانفعالية. تلك هي نقطة البدء التي عنها تصدر فصيلتان عظيمتان من فصائل الفعل في بعض اللغات مثل اللغة الجرجية١. ففي الجرجية طرازان من التصريف. visurverb "أرغب" و msurs "رغبة لي" و vikvareb "أحب".

стр. 143

و mikaars "حب لي" ... إلخ. وقد نشأ عن هذين الطرازين تصريفان للفعل منفصلان، الفاعل والانفعالي، وتستعملهما اللغة الجورجية جنبا إلى جنب في نفس الفعل "وحينئذ تدخل فيهما عادة اختلافا زمنيا" أو توزعهما على الأفعال تبعا لدلالتها: فمثلا نراها تقول على وجه العموم mesmis "سمع لي" "أسمع" انفعاليا، ولكنها تقول vxedav "أرى" فاعلا، وتقول mdzera "اعتقاد لي" "أعتقد" mgonia "تفكير لي" "أفكر" انفعاليا، ولكنها تقول: vaseneb "أبني" و vtser "أكبت" فاعلا ... إلخ. ولا تعرف اللغات الهندية الأوربية هذه التفرقة. ومع ذلك فعندنا في الفرنسية فكرة عنها في المقابلة js crois "أعتقد" و m' est avis "يرتأى لي" وفي je vois "أرى" Il m'apparait "يظهر لي", فذلك يمثل الفرق بين الفاعلي والانفعالي تمثيلا جيدا. ونحن نفضل الفاعل عادة حتى أننا نقلنا إلى الفاعلية عبارة مثل Il me souvient "يأتي في ذكراتي" فأصبحنا نقول مخالفين في ذلك كل منطق Je m'en souviens "آتية في ذاكرتي" وهي عبارة منافية للعقل والذوق على السواء؛ ومع ذلك فإن فوجيلا vaugelas يقرر أنها كانت في زمنه أكثر دورانا على الألسنة "في البلاط" أكثر من عبارة il m'en souvient "يطفو في ذاكرتي". وقد وقع نفس اللاشيء بالنسبة للفعل regretter "يأسف"، فعبارة "je regrett "آسف" جاءت من il me regrette "آسف لي"، وقارن العبارة الإيطالية mi rincresce "أنا آسف"". ونرى في الألمانية أيضا نفس الشيء أفعال مثل ahnen, grauen "اشتباه وارتعاد" فعبارة ich abne etwas "أشتبه في شيء ما" أصلها es ahnt mir أو mich etwas اشتباه لي في شيء ما" ويقال ich graue mich vor etwas "أرتعد أمام شيء ما" بدلا من "es graut mir vor etwas "أرتعد أمام شيء ما" بدلا من "es graut mir vor etwas "ارتعاد لي أمام شيء ما""؛ والفعل اللاتيني poeniteo "أتوب" أصله من me poenitet "توبة لي". انتقال الانفعالي إلى الفاعلي هو في نفس الوقت انتقال من غير الشخصي إلى

стр. 144

الشخصي؛ والواقع أن من اللغات ما يفضل التركيب الشخصي بوجه عام. هذا الاتجاه واضح في اللاتينية حيث نجد المبني للمجهول الشخصي قد جاء من المبني للمجهول غير الشخصي فعبارة: inuidetur mihi "حسد لي" قد سبقت inuideor "أحد يحسدني"، كذلك عبارة uitam uiutur يحيا "الإنسان" حياته "إنيوس المآسي، بيت ١٩٠" قد سبقت uita uiuitur "عيشت الحياة"، كذلك يقال في الدنمركية jeg blev budt to beroner "قدم أحد لي تاجين" بدلا من jeg blev forbu dt Adgang til ... , mig blev dudt to kroner "حرم أحد على دخول ... " بدلا من: mig blev forbudt Adgang til ... وهما العبارتان اللتان تعدان منطقيا صحيحتين دون سواهما. فنرى أن التمييز بين فصيلتي الفاعل "المبني للمعلوم" والسالب "المبني للمجهول" يقوم على أساس واه. أما التمييز بين المتعدي واللازم الذي يلعب دورا هاما في النحو الكلاسيكي فأساسه ليس أمتن من سالفه, والنحاة يسيريون دون انقطاع على هذا التمييز، وبلغوا في تسليمهم به حدا جعلهم يعفون أنفسهم من عناء تحديده كأنه إحدى البديهيات. والواقع أنه لا شيء أبعد منه عن التحديد. يسمى الفعل متعديا في اللاتينية إذا قبل أن يكون له معمول مباشر منصوب "Amo patrem" "أحب والدي"" وفي الفرنسية إذا تلاه معمول مباشرة دون وساطة حرف الجر a "لِ أو إلى" "j' aime mon pere" "أحب والدي". وعلى العكس من ذلك يعتبر الفعل لازما إذا كان معموله مجرورا في اللاتينية مثل noceo patri "أسيء إلى والدي" أو مسبوقا بحرف الجر a في الفرنسية مثل je nuis a mon pere "أسيء إلى والدي". ولكن العلاقة الموجودة بين "أحب" و"والدي" بالنصب هي نفس العلاقة التي بين "أسيء" و"والدي" بالجر. ونحن نعلم أن الخلاف بين البنائين خلاف عرضي محض. بل من الجائز أن تكون عبارة norcere alicui مقيسة على obesse, officere alicui؛ فأحد التركيبين قد استتبع الآخر. وفي مجرى التطور الذي تسلكه لغة بعينها نجد الأبنية تتبادل

стр. 145

بعضها مع بعض ونرى الأفعال اللازمة تصير متعدية والمتعدية تصبح لازمة١ إذ نرى الفعل اللاتيني mederi "يعنى" كان ينصب مفعوله في بادئ الأمر ثم صار يتعدى بحرف الجر mederi oculos "يعنى عينه"، mederi oculis "يعنى بعينه". وأخيرا نجد التعبير عن إحدى الأفكار يختلف في لغة عنه في غيرها، فهذه نعبر عنها بفعل لازم وتلك بفعل متعد. فالفرنسية تقول j'aide ma mere "أساعد أمي"، و je suis mon pere "أتبع أبي"، على حين تقول الألمانية: ich helfe de mutter "أساعد" "ل" أمي" و ich folge dem vater "أتبع "ل" أبي"، وتقول الروسية blagodrju vas كما تقول الفرنسية je vous remereie "أشكرك"، أما الألمانية فتقول ich danke ihnen "أشكر لك"، واللاتينية تستعمل الجر بعد الأفعال nubere, و"يتزوج" parcere "يقتصد" و benedicere "يبارك". قد يكون لهذا التمييز ما يبرره في نظر النحوي الذي يعلم اللغة إذ يرى نفسه أمام تراكيب مختلفة ويعرف أن المتكلم إذا قال noceo patrem "أسيء والدي" أو ich helfe die mutter "أساعد أمي" بالنصب كان مخطئا. غير أن اختلاف شكلي محض؛ إذا علله التاريخ وفسره لم يستطع العقل أن يبرره. قد يتصور الإنسان المقابلة بين الأفعال المتعدية والأفعال اللازمة تصورا أفضل على النحو الآتي. لما كانت فكرة التعدية تستلزم معمولا، كان لنا أن ننعت بالتعدية كل فعل صرح في الجملة بما يقع عليه حدثه وباللزوم كل فعل لا معمول له في الجملة. وعندئذ يجب أن نفرق بين عبارات مثل J'aime Rose "أحب روز" و la mison ou j'aime "البيت الذي فيه أحب"، ومثل "هذا الرجل يشرب نبيذا" و"من شرب سيشرب" فالفعل إذا استعمل دون معمول كان لازما، والحدث الذي يعبر عنه لا يقع إذن على شيء. ولكن هذه المقابلة، وإن كانت منطقية حقا، لا يستطاع الأخذ بها زمنا طويلا دون إضرار بالمنطق نفسه.
следующие страницы →