← Язык

Язык · id 11563

اللغة

جوزيف فندريس

Полный текст (458 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

على الأقل فيما يخص الراء الحلقية التي تتميز بها فرنسية باريس. واليوم نرى هذه الراء لا تحس إلا بقدر ضئيل في بعض الأوضاع، إذا جاءت بعد ساكن في نهاية الكلمة أو وقعت بين حركتين. ولعلها كانت قد اختفت من اللغة الفرنسية لولا تأثير المدرسة والكتابة التقليدية. والراء الإنجليزية التي من أصول الأسنان في طريق الاختفاء أيضا وإن كانت من مخرج آخر: فكثير من الإنجليز لا ينطقونها اليوم، وإن كانوا لا يعرفون ذلك. جرت العادة في علم اللغة على أن يطلق على التغيرات الصوتية باسم القوانين١، مثل تلك التي تسمي قوانين "جريم GRIMM" المتعلقة بالإبدال المباشر في السواكن الجرمانية. ومن ذلك يستطيع المرءؤ أن يكون فكرة عن القيمة التي يجب أن تعطي لكلمة "قانون" هنا. وهناك جملة ظلت شهيرة، تعلن أن "القوانين الصوتية تسير في صورة عمياء، وبحتمية عمياء "Die Lautgesetze wirkenblind, mitblinder Notwendigkeit٢". هذه الجملة التي أثارت في حينها مناقشات حادة لا تثير اليوم سوى الابتسام وأقل ما يقال فيها أنها جريئة، إذ تضفي على القانون الصوتي سلطة لا مبرر لها. فالقانون الصوتي لا يمارس حدثا وليس "ضروريا" بالمعنى العلمي للمصطلح. وكلمة "قانون" وقد استعملت هنا على ضلال، هي التي جرت إلى الخطأ. يسن القانون ليهيمن على أعمال الإنسان، ومن ثم كان فعله متجها نحو

стр. 72

المستقبل: فقانون العقوبات يصفي حساب الجناة، والقانون المدني يملي على المواطنين مسلكهم. لذلك كان من الاتساع المسيء أن أطلقت كلمة قانون على الحقائق الطبيعية الناتجة من الاختبار، كما في الطبيعة أو في الكيمياء. والذي ساعد على هذا الاتساع أن العلاقات التي يكشف عنها الاختبار في هذه العلوم بين الظواهر المختلفة هي علاقات دائمة، حتى ليبدو كأن القانون، وهو تعبير مجرد عن هذه العلاقات، سابق على الاختبار وإن كان من الواقع متأخرا عنه. ولكن من إساءة الاستعمال في اللغة على كل حال أن تضفي على القانون صفة الإلزام. إن القوانين الصوتية لا تشبه حتى قوانين الطبيعة والكيمياء. فالذي يجمع بين حالين متتابعين في لغة واحدة إنما هو رباط تخلقه وليس رباطا طبيعيا، لذلك لا يمكن أن نعرف مقدما كيف يتطور هذا الصوت أو ذاك، لأنه يوجد دائما في تطور الأصوات عدد يكثر أو يقل من العوامل غير المنظورة التي تنتج أثرها. ومع ذلك فالقانوني الصوتي، بوصفه تعبيرا عن تغير وقع في الماضي، له صفة الإطلاق، هذه الصفة نتيجة لانسجام النظام الصوتي واطراد التغيرات "انظر ص٦٥". ولما كان التغير لا ينحصر في كلمة منعزلة، بل في آلية النطق نفسها، فإن جميع الكلمات التي تتبع آلية واحدة في النطق تتغير بنفس الصورة. هنا مبدأ القوانين اللغوية بأسره، وهذه القوانين ليست إلا عبارات تلخص هذه العمليات، وإلا قواعد من الارتباطات. بواسطة القوانين الصوتية يمكننا أن نصوغ في بضع عبارات تاريخ الأصوات في لغة من اللغات أو أن نكشف عن سر التغيرات التي أصابتها. وإذا عرفت من اللغة كلمة يبرر القانون صيغتها، عرفت مقدما صيغة جميع الكلمات الأخرى التي تقع تحت طائلة هذا القانون. وإذا كان هناك لهجتان صادرتان عن لغة واحدة تبعا لقوانين خاصة، فإذن مظهرهما الصوتي يستبين بمعرفة هذه القوانين. وإذا عرف أن الألمانية قد أبدلت الـz "تس" من الـt "ت" القديمة الواقعة في أول الكلمة والتي احتفظت الإنجليزية بها، أمكن تفسير zahre في مقابلة tear "دمعة" ولكنا نفهم أيضا المقابلة التي بين zehn و ten "عشرة" وبين zwingen "يقسر"

стр. 73

و twinge "يضغط"، وبين zunge و tongue "لسان" إلخ. فالواحدة من هذه الكلمات تنبئ عن الأخرى. وقد حدث لبعض علماء اللغة أحيانا أن يبنوا باديء ذي بديء صيغة لكلمة غير موجودة، ثم وجدوا لها فيما بعد ما يبررها باكتشاف نص جديد. فالقوانين اللغوية أساس كل عمل يمس الاشتقاق. والاشتقاقي الذي يسقطها من حسابه يضيع وقته عبثا. من السهل أيضا إثبات ما يمكن أن تقدم هذه القوانين من خدمات في دراسة اللغات الأجنبية. إذ يمكن في تعلم لغة جديدة، أن نحصل على مساعدة قيمة من معرفة قواعد الصلات التي بين هذه اللغة الجديدة واللغات التي نعرفها من قبل. وهكذا إذا عرفت أن الإسبانية تبدل من الفاء "f" اللاتينية هاء "h" عندما تكون في أول الكلمة، فإني أعرف مقدما أن hacer هي في الفرنسية faire "يعمل" و harina هي "farine دقيق" و heno هي foin "دريس" hierro هي fer "حديد و hijo" هي fils "ابن" و hoja هي feuille "ورقة" و humo هي fumee "دخان"، إلخ. وهناك في مثل هذه الأحوال نوع من الحس يقود الذاكرة بل يستعاض به عنها عند الحاجة في العثور على صيغة الكلمة مع شيء من ضمان صحتها. ومع ذلك فمجال الخطأ موجود. بل هنالك من أخطاء الكلام ما هو ناجم من تطبيق القوانين الصوتية تطبيقا خاطئا أو مبالغا فيه "من ذلك حالات المبالغة اللهجية أو المبالغة المدنية التي سنتكلم عنها فيا أواخر هذا الفصل". ففي الحالة السالفة الذكر يخطيء الإنسان إذا أراد أن يبني باديء ذي بدء اسم النار "feu" بالإسبانية اعتمادا على الصيغ المقابلة لها في اللاتينية focus والإيطالية fuoco والفرنسية feu لأن الصيغة الحقيقية هي fuego وليست huego ذلك بأن انتقال الفاء F المبدئية إلى هاء h لا يقع في الإسبانية قبل حرف u إذا تلته حركة. واللهجات الفسقونية تذهب في هذا الصدد إلى أبعد مما تذهب إليه الإسبانية فتقول في Feu "نار" huek محققة انتقال الفاء F المبدئية إلى هاء h في جميع الأوضاع١.

стр. 74

أول ما تجب العناية به على العالم اللغوي أن يحدد بالضبط شروط تطبيق القانون ومدى انتشاره في المكان والزمان. الواقع أن التغيرات الصوتية محدودة بالزمان: فما دام التغير قد أصاب جميع الكلمات التي تقع تحت طائلته، يصبح القانون الذي يفسره وكأنه قد نسخ. ويمكن للغة أن تخلق مركبات صوتية جديدة مشابهة كل الشبه للمركبات التي كان التغير يعمل فيها سابقا. هذه المركبات تبقي دون تغير، فيقال إنها لم تعدل واقعة تحت سلطة القانون. وهكذا يوجد في كل اللغات مزدوجات، تمثل كلمات من منبع واحد دخلت اللغة في حقب مختلفة، وتعرف أقدمها بكونها أكثر تشوبها، فهي قد عانت فعل التغيرات الصوتية التي توقفت عن العمل في التاريخ الذي دخلت فيه الأخرى. فعندنا في الفرنسية avoue١ و avocat "محام" وكذلك Loval "وفي" و Legale "مشروع قانونا" ويرجع كل زوج منهما إلى أصل لاتيني واحد. وعندما دخلت الكلمة الثانية من كل زوج منهما في اللغة الفرنسية، وكان دخولها بطريق يخالف دخول الأولى، كانت التغيرات الصوتية التي أثرت في الأولى قد كفت عن العمل منذ زمن طويل. وقد يحدث لبعض القوانين الخاصة بالعلاقات المقررة بين بعض اللغات أن تصير في حالة نقص بسبب استعارات محدثة. ففي الألمانية تقابل السين المضعفة ss التاء البسيطة أو المضعفة في الإنجليزية إذا كانت داخل الكلمة: فكلمة besser "أحسن" تقابل better "أحسن"، كما تقابل كلمة wasser "ماء" كلمة water. ولكنا نجد اللغتين تعبران عن كلمة زيد بلفظ واحد هو butter كما نجد في الألمانية messe وفي الإنجليزية mass "عيد" في الكلمتين "lammas, christmas" وكل حالة من الحالتين تناقض القانون الصوتي السالف الذكر في اجاه مخالف. ذلك أن butter و Messe" mass" مستعارتان من اللاتينية.

стр. 75

وحتى لو أننا حاولنا أن نعمل حساب الشروط التي تحرر طاقة القوانين الصوتية ومدى انتشارها وتسمح بتفسير الحالات التي ظاهرها الشذوذ على أنها أحداث طبيعية، فإننا لا ننجح دائما في تجنب جميع الصعاب، لأن منها ما هو لاصق بالطريقة نفسها. ولأن القانون الصوتي من جهة أخرى لا يعطينا إلا معلومات ناقصة عن طبيعة التغير الذي يسجل نتيجته، وليس هو بعد كل هذا إلا حلا وسطا يلخص عمليات مختلفة معقدة. يجب في التغيرات الصوتية أن تميز تلك التي تحدث بالاستبدال من تلك التي تحدث بالتطور. فهناك تطور عندما يتحول صوت إلى صوت من تلقاء نفسه بطريق التجديد الطبيعي. ففي فرنسية الإبل دي فرانس١، نرى الـ"e" اللاتينية "فتحة مماثلة" وهي الطويلة المقفولة قد صارت على التوالي we "وي" ثم wa "تكتب اليوم oi وفقا لرسم قديم أصبح منذ القرن الثالث عشر لا يمثل النطق تمثيلا صحيحا". فنحن ننطق lwa "لوا و rwa وروا و pwar بوار" و lwar "لوار" الكلمات التي تكتب loi "قانون" و roi "ملك" و poire "كمثرى" و loir "حيوان قارض". هذا هو النطق الطبيعي في باريس. فإذا سمع هذا النطق في لهجات بعض الأقاليم النائية، فذلك ناشيء في غالب الأحيان استعارة من كلام باريس وليس تجديدا طبيعيا في هذه اللهجات. وبرهان تلك الحقيقة موجود في ذاك الكلام نفسه الذي لا يزال يحتفظ بنطقه الطبيعي في صورة أقدم عهدا أو في كلمات خاصة متفرقة: فمثلا قد نسمع في إحدى لهجات الريف. un ler "لير" بدلا من loir "لوار" إلى جانب كلمة une poire "بوار". فنطقه. "بوار" على هذا النحو من عمل المحاكاة، يعني الاستعارة٢. أهمية الاستعارة فيما يتعلق بالتغيرات الصوتية تتجلى في تكوين جميع اللغات الأدبية. فمن عمل الاستعارة ما نراه في لهجة ألمانيا الشمالية من استبدال أي ai

стр. 76

و au اوْ مكان الكسرة i والضمة u البسيطتين، فالتغير لم يقع من تلقاء نفسه. كذلك الحال عندما يعتنق السكسوني النطق الألماني العادي فيقول mussen "بالضمة الممالة إلى الكسرة" و schon بدلا من أن يقول missen "بالكسرة" و schen "بالكسرة الممالة للفتحة"، فهذا تغير بالاستبدال لا بالتطور١. ولكن نص القانون الصوتي لا يكشف عن طبيعة التغير، فلا بد إذن من دلائل إضافية وتحقيق خاص لمعرفة إلى أية بقعة من الإقليم يكون التغير طبيعيا ناتجا من تلقاء نفسه، وإبتداء من أي حد يكون ناتجا من الاستبدال بالمحاكاة. ولعله مما يحدث غالبا في تاريخ اللغات القديمة أنه عندما يصاغ قانون صوتي يشمل جميع الإقليم فإنه يدخل تحت هذا القانون أشياء مختلفةوذلك يؤدي إلى خلط الاستبدال بالتطور عن غير قصد. وهناك أسباب أخرى كثيرة تخفي على القانون الصوتي. فعندما نقول بأن الهاء المنفسة h أو الفاء digamma" w" قد اختفت من اليونانية فإننا نلخص في بضع كلمات تطورا في غاية التعقيد لا يعنى الصوتيات وحدها. فيجب أن نرجع إلى العرض المجمل الذي عمل مييه٢ لنرى التقلبات التي مر بها نطق هذين الصوتين. وكيف ساعدت ظروف سياسية أو اجتماعية على الاحتفاظ به أو إحيائه من جديد في بعض اللهجات، وعلى استبعاده في البعض الآخر، والواقع أنه إذا كانت الهاء h المبدئية قد اختفت من لهجات اليونان الحديثة فإن تاريخ اختفائها يمتد على حقبة طويلة من الزمن، لقد اختفى النطق بهذه الهاء في يونيه آسيا وإيوليه لسبوس في زمن مبكر، ولكنا نجد آثارا أكيدة من وجودها بعد الميلاد. وأطول من ذلك الوقت الذي لزم لإختفاء الفاء w فقد فقدتها اليونية والأنيكية في فترة ما قبل التاريخ، أما في لاكونيا فقد ظلت تنطق حتى العهد الذي جمع فيه القاموس الذي نقل عنه هيزخيوس heysychius ولعلها تختفي اختفاء تاما من هذا الإقليم في يوم من الأيام، إذ يبدو أن التساكونية الحديثة ما زالت محتفظة

стр. 77

بها إذ أننا نراها ننطق vanne فان "حمل" "وهي الإغريقية القديمة "Faqviov" ومع ذلك فمن الحق أن اتجاه الإغريقية العام في كل لهجاتها كان يذهب إلى إسقاط هذه الهاء h وهذه الفاء معا، ولذلك حق للعالم اللغوي أن يذهب إلى أن إسقاطهما قانون من قوانين اللغة الإغريقية، رغم شذوذ التساكونية عنه حتى يومنا هذا. فصيغة القانون على هذا النحو تعبر عن اتجاه اللغة وتلخص التطور الصوتي الذي مر في الواقع بعدد من العمليات والمظاهر اختلفت باختلاف العصور والأماكن. لعل اختبار الجزء الأعظم من القوانين الصوتية الكبيرة التي تتميز بها اللغات يقودنا إلى تقرير هذه النتيجة. فالقوانين اللغوية التي يصوغها علماء اللغة لا تعبر إلا عن حالات وسطى، سواء أكان ذلك في الزمان أم في المكان. إذ لا يتم التحول الصوتي دفعة واحدة على رقعة من الأرض مترامية الأطراف كتلك التي تتكلم فيها الفرنسية أو الألمانية، الإغريقية أو اللاتينية. ومع ذلك ففي وسعنا أن نقرر بأن الفرنسية قد غيرت الفتحة الممالة المقفولة "e" -التي كانت في اللاتينية- إلى "وا" oi وأن الألمانية تستعمل في داخل الكلمات السين المضعفة مكان التاء t في الإنجليزية سواء أكانت بسيطة أم مضعفة. لأننا إذا رجعنا إلى القاموس واستعرضنا جميع الأمثلة واحدا واحدا بعد أن نستبعد منها بالطبع المستثنيات الناتجة من الاستعارة، لم نجد فيها واحدا فقط ينقض هذه القاعدة. فالقانون يكاد يكون مطلقا بالنسبة لمؤرخ اللغة الذي لا يختبر إلا النتائج ولا يشمل بنظرته إلا تطور اللغة في جملته. أما من يلاحظ اللغة المتكلمة ويجوب في إقليم على درجة ما من الاتساع، إقليم يشهد نحولا صوتيا، فإنه يرى الأشياء بعين مختلفة، فإذا ما أراد أن يثبت تاريخ ذلك التطور الصوتي من حيث المكان والزمان رأي محتوما عليه أن يكتفي باعتبار فرد واحد مع مقارنته بأسلافه وأولاده المباشرين. إذا جمعنا النتائج التي تقدمها لنا لهجات لغة واحدة في أطوار تاريخها المختلفة.

стр. 78

حصلنا على خط بياني مطرد لتطور كل صوت لغوي "ص٦٥". بل حتى لو اعتبرنا المسألة من وجهة نظر جغرافية محضة وراقبنا تغيرا صوتيا. على رقعة معينة من الأرض لوجدنا خطوات هذا التطور تندرج من قرية إلى قرية. فهناك ميل في البريتانية الحديثة نحو تغيير الصوت اللغوي المعقد الذي يرسم c'hw إلى f. وهذا الصوت يشتمل على احتكاكي حلقي مهموس متبوع بشبه حركة w "و" ينطق كما في الإنجليزية. ففي شمال المنطقة البريتانية، في ليونار، يمكننا حتى الآن أن نسمع هذا الصوت بوضوح: Chwech "ستة" و c'hwero "مر"، وفي الجنوب الغربي من هذه المنطقة، بين دوارنينز Douarnenez ورأس الراز pointe du raz، نسمع نفس الكلمتين تنطقان fec'h و fero بالفاء الاحتكاكية كما نراها في fave "فول" و faire "يعمل١". يمكننا من الوجهة النظرية أن تتمثل خطوات التطور دون مشقة فلا بد أن الـch قد مرت أولا بخطوة التنفيس البسيط، على نحو الصوت اليوناني المقابل المسمى بالفرنسية: "esprit rude" والهاء الألمانية h. ونحن نعرف هذا الانتقال في ملفات أخرى، وفي الألمانية نفسها بوجه خاص. وفي الوقت نفسه اتجه ميل الواو w إلى أن تصير احتكاكية أسنانية شفوية لتنتهي إلى الفاء v البسيطة، وهو تغير معروف أيضا خير معرفة نستطيع أن نسميه تغيرا تقليديا، لأنه وقع في كثير من اللغات ابتداء من اللاتينية الدارجة والألمانية. ومن ثم تحولت المجموعة القديمة c'hw إلى hf. ثم عانت المجموعة الأخيرة بدورها تحولا كان منتظرا. إذ أخذ النفس المدفوع للنطق بالهاء h يوقف الذبذبات الحنجرية ويطغى على الفاء v فجعل منها فاء مهموسة F. وهذا ما وقع في الإرلندية القديمة حيث نجد المجموعة hv "الصادرة من sw س ولا من c'hw كما في البريتانية" تتمخض عن فاء f. فتطور المجموعة البريتانية chw يفترض إذن عددا من الخطوات الانتقالية، ولكنها جميعا مشروعة ومتفقة مع وقائع شوهدت في غيرها.

стр. 79

فإذا تركنا إقليم الليونار متجهين نحو دوارنينيز douarnenez مارين بشاتولان chateaulin ولكرونان lacronan قابلتنا عمليا، مبعثرة في أماكن متباعدة، هذه الخطوات التي وصلنا إلى استنباطها من اعتبارات نظرية. على هذا النحو يستعيد الإنسان تاريخ اللغة في نفس المكان الذي حدثت فيه التغيرات: فينتقل إذن من c'hw إلى hw، ثم إلى hu ثم إلى ف f، والمناطق الجغرافية للأصوات تهبط إذن في درجات متتابعة. ومن العدل أن نقول بأن انتقال الـc'hw إلى الفاء f ناتج من أحد اتجاهات اللغة البريتانية الحديثة، ولكن هذا الانتقال لا يتحقق تحققا تاما إلا في جزء واحد من الإقليم، ويفترض حدوث سلسلة من العمليات المعقدة التي لا تثير إليها علم الصوتيات. وحالات الاستثناء من التغيرات الصوتية أمر لا يستطاع تجنبه. ونحن نعرف منها عدة أمثلة كان سببها في غالب الأحيان أن كلمات دخلت اللغة بعد ما توقف تأثير القوانين التي كانت تستلزم تعديلها. فتلك مسألة استعارة ولها تاريخها في ميدان الألفاظ المستعارة. فيوجد في تاريخ جميع اللغات عدد كبير من المستثنيات ناتجة من الاستعارة، أي أنها ترجع إلى تأثيرات خارجية. كثير منها أيضا يرجع إلى تلك التأثيرات الداخلية التي تتلخص فيما يسمونه القياس analogie. وينحصر القياس في أن التغير الذي يفرضه القانون الصوتي على كلمة من الكلمات قد يتوقف أو يعدل تحت تأثير كلمات أخرى من اللغة. فمثلا يفرض قانون فرنسي مطرد أن تصير الكاف اللاتينية c شينا ch في الفرنسية إذا كانت واقعة قبل فتحة قديمة a فتقول chien "كلب" و chevre "عنزة" و cheval "حصان" و chantre "مغن" من canem و capram و caballum و cantor. ومن كلمة eapsa اللاتينية جاءتنا كلمة chasse "صندوق معد لحفظ مخلفات الصالحين". وقد جاءنا منها، بطريق الاستعارة عن إحدى اللهجات الجنوبية، كلمة caisse "صندوق" التي دخلت الفرنسية في تاريخ كان فيه القانون الذي نحن بصدده قد توقف عمله. هذه حالة تدخل تحت ما سميناه سابقا بالتأثير الخارجي. ولكن من vincat اللاتينية "صيغة النصب من

стр. 80

vinco ومعناه يهزم" كان يمكن أن يقال في الفرنسية qu'il vainche "لأن يهزم" بالشين؛ فإذا كنا نقول: qu'il vainqhe بالكاف فذلك لأننا أثبتنا الانفجاري في هذا الفعل المنصوب قياسا على صيغ أخرى كاسم المفعول vaincu "مهزوم". الذي أبقي فيه على الانفجاري اطراد لأنه واقع قبل u. القياس لا يكف عن أن يصحح أثر القوانين الصوتية أو أن يعوقها. فكثيرا ما يعرقل تطور الأصوات في سيره المطرد، مما جعل عالما اشتقاقيا لامعا محبا للنظام والوضوح يقول بأنه في بعض الأحيان "تعتريه نوبات من الغضب من جراء تخريبات القياس١". والواقع أنه لا تكاد تمر عملية صوتية دون أن يصيبها منه بعض الاضطراب إن قليلا وإن كثيرا. وغالبا ما يكون معنى الكلمات هو الذي يحدث أثره. ومن هنا تولد أحداث من الاشتقاق الدارج الذي هو أيضا من "آفات" الصوتيات. وسنعاود الكلام في هذا في الفصل الأول من الباب الثالث. يجب أن نلحق بهذا الباب حالات الإسراف في المدينة والإسراف في اللهجية٢. وما يسمى الإسراف في المدنية هو المبالغة التي يؤدي إليها ولع صحة الكلام عند من يفخر بجمال العبارة. كالذي حدث أن فلاحا إيطاليا أراد أن يتكلم لاتينية روما، وكان يعرف أن حركة o الطويلة في لهجته يقابلها غالبا الـau diphtongue في لغة العاصمة فراح يقول plaustrum "بلوسترم" بدلا من plostrum و"كوْدا" cauda بدلا من coda "كودَا" و plaudere "بلودير" بدلا من Plodere "بلوديره" ذلك هو الإسراف في المدنية فحركة الـo هنا أقدم من الناحية الاشتقاقية. ولكن المدني أيضا كان ميالا بطبعه إلى المبالغة في المدنية حتى لا يتهم بالكلام على طريقة الفلاحين، فكان يستعمل عن طيب خاطر الكلمات التي ذكرناها بالنطق الذي أشرنا إليه. إذ الواقع أننا نعرف أن مثل هذه الطرائق من النطق كانت تستعمل في روما نفسها، وربما كان الناطقون بها من قدماء الرومان. فيروى أن السناتور فلوروس florus كان قد أخذ يوما

стр. 81

على فسبسيان vespasien أنه يقول Plaustrum فأجاب الأخير السناتور مازحا وهو يستجوبه: "تحية يا فلوْري" "salue, flaure". والحق في جانب فسبسيان لأن plostrum هي الصيغة الصحيحة، أما بلَوْسترم plustrum فهي من إسراف في المدنية كما يمكن أن تكون فلورس Flaurus كذلك. وإذا تكلم الإنسان لهجة أجنبية تعرض للأخطاء بسبب التردد في صيغة الكلمات، فمن الأخطاء الشائعة الغلو في في مراعاة الصحة، أو خطأ التطرف في الخنبلية. هذا الخطأ كان كثيرا ما يقع من الإغريق عندما يحاولون الكتابة بلغة غير لغتهم. ففي دورية المؤلفين الفيثاغورثيين يوجد الكثير من الإسراف في اللهجية: إذا لما كان هؤلاء المؤلفون "أو ناسخوهم"؟ يعرفون أن "في الأتيكية يقابل غالب الأحيان a في الدورية، فقد غيروا الـn إلى a في أحوال كثيرة يبقى فيها الحرف n في الدورية على ما هو عليه. ويمكننا من ذلك أن نتصور وقوع أخطاء كثيرة من هذا القبيل في الفترة التي فيها أخذت اللهجات اليونانية تندمج بعضها في بعض لتكون اللغة المشتركة كلما أريد الكتابة بإحدى اللهجات الخالصة. ومن الأسباب التي كانت توقع في الخطأ اختلاف الألوان في داخل اللهجة وامتلاؤها بصيغ مشتركة، فيصعب عند الكتابة التمييز بين ما هو من صميم اللهجة مما ليس منها. بل حتى الأشخاص الذي يتكلمون اللهجة منذ ميلادهم يتعرضون لأخطاء الإسراف في اللهجة. رأينا في العرض المتقدم حالات كثيرة تصطدم فيها النزعات الصوتية المطردة مع نزعات من طبيعة مختلفة مختلفة. ولا بد أن مثل هذه الحالات قد مرت كثيرا في تاريخ اللغات، وإليها يجب أن تعزى الشواذ التي تقابلها في التاريخ الصوتي قاطبة وقد كان يحدث، على وجه الخصوص، أن يغير شعب لغته وبالتالي كانت اللغة الواحدة تتكلمها شعوب مختلفة. فتارة يفرض فاتح لغته على مهزوم. وتارة تحمل الظروف السياسية والاجتماعية شعبا من الشعوب على اتخاذ لغة جارة. ومن هنا

стр. 82

كانت الانقلابات السريعة الغربية في تطور بعض اللغات. لأن الشعب الذي يتخذ لغة جديدة يطبق عليها أحيانا عوائد النطق في اللغة التي تركها. وعلى هذا الأساس اضطر الدارسون إلى البحث عن تأثير لغة الجول١ في اللغة اللاتينية الدارجة التي كانت تتكلم في بلاد الجول، ولكن يجب الاعتراف بأن علماء اللغات الرومانية غير متفقين في هذه النقطة٢. غير أنه من المحقق، من جهة أخرى، أننا نلاحظ وجود تطورات صوتية مشابهة في لغات شعوب مختلفة الجنس ولكنها متجاورة جغرافيا كما في الليفونية "وهي لغة فينية" والليتونية٣ "وهي لغة هندية, أوربية"، وكما في الأرمينية "لغة هندية أوربية" والجورجية. كان بعض علماء اللغات يميلون إلى المبالغة في تأثير تغيير اللغة فيجعلونه أصلا لتغيرات الصوتية الرئيسية٤. والواقع أن هناك تغيرات صوتية ذاتية تنتج من انحدار طبيعي في النظام ويدعو إليها استعمال اللغة نفسه ويبررها كذلك. دراسة تطورات اللغات تسمح لنا بأن نميز في سلسلة من التحولات الصوتية ما يرجع فيها إلى ظروف أجنبية. والعالم اللغوي الذي دأب باديء ذي بدء على معرفة النظام الصوتي للغة من اللغات في فترة من فترات تطورها معرفة عميقة، يستطيع دون مشقة أن يتعرف في التاريخ اللاحق لهذه اللغة آثار الاتجاهات الطبيعية التي كانت تحتويها اللغة بذورا في عهد سابق. هذه الدراسة تبشر بدراسة ذات قيمة عامة. فإن من ينجح في استخراج التعليمات التي تقدمها له جميع اللغات التي يعرف تاريخها، وفي تنسيقيها، يستطيع أن يحرر العمليات المطردة للتغير الصوتي. ولكن هذا العمل لم يعمل حتى الآن. ومع ذلك فأي عالم لغوي على علم بالصوتيات التاريخية لعدد من اللغات لا يكاد منذ الآن يتردد إذا ما رأي أمامه حالتين صوتيتين واردتين، في أن يقرر أيهما أسبق وفي أي اتجاه قد وقع التغير.

стр. 83

الفصل الثالث: الكلمة الصوتية والصورة اللفظية التغيرات الصوتية التي تكلمنا عنها حتى الآن تنتج من التحول في النظام الصوتي للغة. وسبب التحور الواقع في الأصوات اللغوية كان يبحث عنه في الصلة بين هذه الأصوات وبين النظام الصوتي. ولكن هذا النوع من التغير ليس الوحيد الذي ينبغي للعالم اللغوي أن يحسب حسابه. لا توجد في اللغات أصوات لغوية منعزلة. وهذا لا يعنى فقط أن الأصوات اللغوية لا توجد مستقلة وأنها لا تحلل على انفراد إلا بنوع من التجريد إذ أنها في كل لغة تكون نظاما مترابطا. ولكن معنى ذلك أيضا أنها لا تستعمل على انفراد: فلا يتكلم إلا بمركبات من الأصوات اللغوية. فأقل جملة، وأقل كلمة تفترض سلسلة من الحركات النطقية المعقدة وقد تركبت فيما بينها. ومن هذه المركبات تنتج أفعال متبادلة تؤدي إلى أنواع مختلفة من التحوير. والتغيرات التي تصيب الأصوات من جهة الصلات التي تربط هذه الأصوات بعضها ببعض في كلمة واحدة هي ما يمكن أن نسميها بالتغيرات التركيبية. وأهميتها في تاريخ اللغة لا تقل عن أهمية التغيرات السابقة١. ولكن يجدر بنا قبل أن نبدأ في درسها أن نبين حدود المجموعة الصوتية التي في داخلها تحدث التغيرات التركيبية، أو بعبارة أخرى، أن نحدد الكلمة الصوتية. السؤال الذي يتطلب الإجابة سؤال مزدوج. وينحصر في أن نبحث أولا عما إذا كانت الجملة في لغة من اللغات، إذا ما اعتبرت من جهة الأصوات اللغوية التي

стр. 84

تتركب منها فحسب، تتضمن أقساما يحسها المتكلم أم لا، ثم عما إذا كانت هذه الأقسام تطابق أقساما نفسانية أم نحوية. أما عن النقطة الأولى فيمكننا أن نجيب بالإيجاب دون تردد. فليس مما يشك فيه أن توجد في كل جملة أيا كانت أقسام صوتية طبيعية. بل إن هذه الأقسام عديدة الأنواع. التقسيم إلى مقاطع يعد واحدا من أظهر هذه الأقسام. كل متكلم يشعر به كما يبرهن عن ذلك علم الأمراض العقلية١. فقد لوحظت حالات من فقدان الذاكرة ظل فيها الإحساس بالمقاطع حيا بعد نسيان الكلمة نسيانا تاما. مثل هذا المريض لا يستطيع تعيين الأشياء إلا بعد المقاطع التي تكون الكلمة الدالة عليها، فمع عجزه عن التعبير بكلمة غطاء أو مقعد، فإنه يعرف مع الإشارة بأصبع يده أن كل واحدة من الكلمتين تتكون من مقطعين. فقد ضاعت من ذاكرته الحركات النطقية التي يجب القيام بها للنطق بالكلمة ولكنه ما زال يعرف كم عددها. نعم قد يمكن أن ترد شهادة هذا الاختبار بحجة اختلاطه بعادات محصلة لدى تعلم القراءة وأنه من المستحيل التمييز بين ما يرجع إلى اللغة المكتوبة وما يرجع إلى اللغة المتكلمة، فقد يمكن لعوائد اليد التي تخط الحروف وعوائد العين التي تدركها أن تختلط هنا فتفسد نقاء الصلات التي تربط الحقائق بعضها ببعض. يستخرج من النظم نتائج أخرى أكثر قوة من سابقتها. ففي عدد كبير من اللغات يقوم الوزن على عدد المقاطع، وذلك في لغات كانت تجهل الكتابة وحياة الشعر فيها كانت قائمة على تقاليد شفوية. ففي الهند وفي اليونان، أول ما بدأت الآداب، كانت تنظم قصائد طويلة يحسب فيها عدد المقاطع بشدة صارمة. وهذا على الأقل إذا جاز لنا أن نبني حكمنا على ورثة كتاب الفيدا المباشرين أو على مؤسسي الشعر الغنائي اللسبي٢. وبدايات الكتابة تزكي هذه الشهادة، ففي الكتابة الصوتية بدئ في تسجيل اللغة بتسجيل المقاطع. فالتقسيم إلى مقاطع سبق التقسيم

стр. 85

إلى حروف، بل عاقه مدى طويلا أو قصيرا "انظر الجزء الخامس". وكان لا بد من تحليل طويل دقيق لتمييز عناصر المقطع. أم الأبجديات الأولى فسابقة على هذا العمل. فهي مقطعية. بل إن التقسيم إلى مقاطع قد سبق التقسيم إلى كلمات. ففي أقدم النصوص لكثير من اللغات لا يفصل بين الكلمات. ففيها آخر كل كلمة مركب مع مبدأ الكلمة التالية تبعا لقواعد الكتابة المقطعية، تلك هي الحال في كتابات الهند القديمة، وكذلك في الكتابة القبرصية، وهي بدورها كتابة مقطعية. يبدو أن التقسيم إلى مقاطع هو أول ما يحتل ذهن القارئ الذي يود أن يقيد بالكتابة جملة سمعها أو نطقها: ونحن نعرف مقدار المشقة التي يعانيها أشخاص غير مثقفين لفصل الكلمات فصلا صحيحا، وعلى العكس من ذلك مقدار دقة حسهم في التقسيم إلى مقاطع: فيظهر أن هذا الأخير أقرب إلى الطبيعة وأن الأول فيه قسط من التوافق الذي يحتاج إلى دراسة ومران. ومع ذلك فإن تعريف المقطع أمر عسير١. فلنأخذ أبسط الحالات: الحالة التي تحتوي على سلسلة من السواكن والحركات مرتبة ترتيبا تبادليا، ولتكن مجموعة مثل المجموعة الفرنسية L'Academie des beaux-arts منطوقة هكذا lekademidebozar "لا كاديمي ديبوزار". يمكننا من التحديد الذي حددناه فيما سبق للسواكن والحركات أن تستخلص قاعدة تنظم هنا التقسيم إلى مقاطع. فالحركات تقتضي فتح الفم. وهذا الفتح مهما اختلفت سعته، فهو دائما أكبر من ذلك الذي يصحب السواكن. بل إن بعض السواكن، وهي الإنفجارية، لا يصحبها فتح قط، والأخرى التي يصحبها فتح في التجويف الحلقي تتميز بضوضاء احتكاكية، مما يفترض ضيق فتح الفم نسبيا. تقدم إذن مجموعة الأصوات التي افترضناها سلسلة متتابعة من الفتح والتضييق الذي يذهب أحيانا إلى حد الإغلاق. فحالات الفتح تقابل

стр. 86

الحركات وحالات الإغلاق تقابل السواكن. هذه الحقيقة تتجلى بشكل مقنع في الصورة التي ترسمها الإسطوانة المسجلة. فإذا تتبعنا حركات الريشة، أمكننا قراءة التقسيم إلى مقاطع. فالحركات ترسم منحنيات تختلف فيها بينها في درجة الانحناء ويدل مكان النزول منها على أوقات الإغلاق التي تكون السواكن. أما موضع الدقة فينحصر في تحديد النقطة التي تبدأ وتنتهى عندها المقاطع. يرى الأستاذ روديه M. roudet أن التقطيع يظهر في ثلاثة وجوه تبعا لوجهة النظر التي يرى منها. يقول: "يوجد عند الانتقال من مقطع إلى مقطع تغير مفاجيء يصيب كلا من الجهاز التنفسي والحركات النطقية والإدراك السمعي معا١. هذا التغير الثلاثي يسمح، في بعض الأحوال، بتعيين حدود المقاطع، ويكون التقسيم تحكيما في أحوال كثيرة أخرى. لذلك يكون من العبث أن نسعى إلى حديده كما لو أردنا أن ن نحدد النقطة التي يوجد عندها قا واد يقع بين جبلين. أما تعريف الكلمة الصوتية فالتحكم الذي يعتريه لا يقل عن سالفه، بمعنى أن كثيرا من المقاطع بل ومن مجاميع المقاطع لا نعرف ما إذا كنا نعدها كلمات مستقلة أو أن نصلها بالكلمات المجاورة لها. فالتقسيم يكون قاطعا أو غير قاطع تبعا للغات المختلفة. كان يجب أن نجد في النبر وسيلة لحل المسألة. لقد رأينا أن إصدار النفس، عند خروجه من القصبة، لا يحدث بصورة مطردة متساوية. فتصريف كمية الهواء غير متصل لأن العضلات التي تهيمن على المنفاخ الصوتي تعجل حركته تارة وتبطيئ فيها تارة أخرى. وإذن فهناك حالات من الإسراع ومن التقطيع الوزني ومن تخفيف السرعة ومن أوقات التوقف، يقع كل هذا بعدد يقل أو يكثر تبعا للغات وتبعا للمتكلمين. وبعبارة أخرى ينطوي الكلام في حد ذاته على مبدأ من الوزن مع فترات من القوة وأخرى من الضعف. كما نستطيع تقسيم الجملة الموسيقية، باستثناء الميلودية Melodie، إلى تفاعيل "وحدات" mesures، كذلك يمكننا أن نجد في كل

стр. 87

جملة أيا كانت، إذا استثنينا المعنى، عددا من التقسيمات لعلها أقل اطرادا وطولها أشد اختلافا منها في الموسيقي، ولكنها كذلك قائمة على التكرار المنتظم لفترات القوة. فاللغة فيها قم وأغوار. ولكن هذه القمم لها في الغالب قيمة سيكلوجية. حتى ليجد الإنسان نفسه مسوفا في بعض الأحيان إلى القول بأن الحركات العضلية التي تنتج الشدة والعلو تسيرها أسباب سيكلوجية فكأن النبر ينفث الحياة في هيكل الأصوات العظمى أو على حد تعبير مجازي لقدامي النحاة، النبر "روح" الكلمة. فهو الذي يعطي للكلمة طابعها وشخصيتها، سواء أكان نبر علو أم نبر شدة. ولكن النبر مع كل هذا لا يكفي لتحديد الكلمة١. أولا لأنه لا يعين حدودها إلا بصورة ناقصة. نعم إن النبر في بعض اللغات يتوقف على آخر الكلمة، وفي البعض الآخر مبدأ الكلمة هو المنبور. ولكن هذا الحالات لا تستغرق جميع الإمكانيات. فمن اللغات ما لا يشير نبرها المتغير إلى نهاية الكلمة. هذا إلى أنه قد لا يوجد في مجموعة م الكلمات إلا نبر واحد، وعلى العكس من ذلك قد يوجد نبران في كلمة واحدة. فقد كان في الهندية الأربية. كما تبرهن عليه الإغريقية والنسكريتية، ما يسمى بالكلمات الملحقة، وهي كلمات قصيرة لا توجد مستقلة بل توصل بما قبلها. وفي لغاتنا الحديثة التي تستخدم نبر الشدة تنطق بعض مجاميع الكلمات بدفع صوتي واحد يرتفع فيه النفس على مقطع واحد من المجموعة كلها. ومن جهة أخرى فإننا نعرف في السنسكريتية كلمات مزودة بنبرين، وإنه كثيرا ما ينشأ في اللغات التي تستخدم نبر الشدة، نبر ثانوي إلى جانب النبر الأساسي. فمن المتعذر أن نجد رباطا نهائيا دائما بين النبر والكلمة، إذ نجد في بعض اللغات التي تستخدم نبر العلو كلمات أساسية تخلو من النبر، كالفعل السنسكريتي في كثير من استعمالاته: فمهما كانت أهمية الفعل في الجملة السنسكريتية، فإنه لا ينبر في الجملة الرئيسية. فينبغي إذن ألا تخلط بين استقلالية الكلمة وتعبريتها وتنبيرها. فهنا أمثلة من الروسية يوصل فيها الاسم بالحرف، مثل u marja "قريب من

стр. 88

البحر"، na zemlju "على الأرض"، pu gorodu "في المدينة"١. وسنرى من جهة أن النبر لا يقع بالضرورة على أهم مقطع في الكلمة: فعندنا النبر في الفرنسية على المقطع الأخير في أغلب الأحيان، يعني على عناصر تكوينية أي لواحق بينما يبقي الجزء الأصلي من الكلمة غير منبور٢. كل ذلك يحملنا على تحديد الكلمة الصوتية مستقلة عن النبر. في كثير من اللغات تنفرد "القطعة" النهائية من الكلمة -على حد تعبير علماء الأصوات- بمعاملات خاصة لا تعرفها القطعة المبدئية، ولا القطع الداخلية٣. ذلك على وجه التأكيد أمثل حجة للبرهان على وجود الكلمة الصوتية. والقطعة النهائية من الكلمة خائرة القوى من حيث هي نهائية، بصرف النظر عن قيمة الكلمة الصوتية وأبعادها ونبرها، وذلك ما بينه جوتيو. هذا المبدأ العام لخور النهائيات يستتبع مظاهر مختلفة، والخور قد يكون خطيرا وقد يكون ضئيلا. ولكن يمكننا أن نجد في الظروف التي يخضع لها هذا المبدأ ما يقوي المبدأ نفسه، لأن نتائج الخور تزيد جلاء بقدر استقلال الكلمة وقيامها بنفسها. فنطق النهايات بطريقة خاصة ناجم عن وجود الكلمة ويعين حدودها. ما دمنا قد سلمنا بوجود الكلمة الصوتية، فقد أمكننا أن ندرس التعديلات التي تحدث فيها بسبب ما للعناصر التي تكونها من فعل متبادل. والواقع أن الحقيقة الأخيرة التي لفتنا النظر إليها هي إحدى الحقائق العامة التي تنتج ومن وجود الكلمة الصوتية، وتصلح مثالا على ما يسمى التغيرات التركيبية. فالنهاية تتطور في اللغات الهندية الأوربية يوصفها نهاية، أي بسبب المكان الذي تحتله بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، وإذا وجد في بعض اللغات حالات مخففة من مبدأ الضعف العام، بل وحالات من الاستثناء أتاحت لهذه النهاية أو تلك أن

стр. 89

تبقى سليمة، فذلك لأن جميع اللغات ليست سواء في الاحتفاظ التام لنهاية الكلمة بطابعها من جهة، ومن جهة أخرى لأن آثارا خاصة عارضت الأثر العام الذي يضعف النهايات. وهكذا سقطت الميم m النهائية من النطق في اللغة اللاتينية منذ عهد مبكر، ولكن كلمة rem احتفظت بأنفيتها التي بقى منها آثار في الكلمة الفرنسية rien "لا شيء". وذلك لأنها. كلمة قصية، وحيدة المقطع، والكلمات القصيرة كثيرا ما تقاوم الانحرافات التي تصيب الكلمات الطويلة باطراد. أما الكلمات الطويلة فعلى العكس من ذلك، تقدم لنا في بعض الأحيان انحرافات خاصة ناجمة من طولها١ هذه بوجه خاص هي الحال بالنسبة لكلمات كثيرة الاستعمال، ومن ثم يمكن فهمها قبل النطق بها إلى حد أن المتكلم يستطيع أن يعفي نفسه من توضيح النطق بها، مكتفيا بنطقها في صورة مختصرة. فالبلي الصوتي واضح فيها بدرجة خاصة. هذه الألفاظ في عمومها إما آلات مساعدة في اللغة وإما عبارات محفوظة متداولة ولذلك ليست في حاجة إلى وضوح النطق الذي تقتضيه الرغبة في الإفهام. ويوجد في كل اللغات أدوات وحروف جر وحروف وصل أصلها في غالب الأمر كلمات قائمة بنفسها تحولت إلى آلات نحوية "أنظر الفصل الخامس من الجزء الثاني" هي في الإغريقية القديمة فعل أمر معناه "دع" "قارن العبارة الإنجليزية let us go "لنذهب" let him write "دعه يكتب""، فالتقلص في الحالتين يتجاوز، ويتجاوز بكثير القواعد العادية للغة، ويمكن تفسيره بالطابع النحوي للكمات التي تقع في حوزته.

стр. 90

ومن الشائع في الفرنسية أن يقال وِمْسييه "wimsyoe" و"wimmzel" وِمْزِلْ بدلا من oui, monsieur "نعم سيدي" و oui, mademoiselle "نعم آنستي" وفي الأسبانية يقال: "أُسْتد" usted بدلا من vestra merced وفي الألمانية moen gmoen بدلا من Guten Morgen "جوتن مورجن" "صباح الخير phyadtigot, "حفظك الله" بدلا من behute dich gott. وقد جرت محاولات لتفسيرها بنظرية حركة الكلام sprech temop, وعند أصحاب هذه النظرية الصيغتان gmoen, wimsyoe، من صيغ السرعة "الأللجرو allegro" أما الصيغتان oui, Mosieur و guten Morgen من صيغ البطء "اللنتو lento". ولكن هذا التفسير لا يقنع أحدا. نعم إن سرعة إرسال الكلام تختلف من لغة إلى أخرى: فالفرنسيون أو الإنجليز أسرع من الألمان في الكلام، وألمانيو الشمال أسرع من ألماني الجنوب. ولكن من غير الصواب أنه توجد في داخل اللغة نفسها صيغتان في آن واحد وأنه يمكن استعمال هذه أو تلك تبعا لسرعة المحادثة. والواقع أن هناك كلمة Morgen أو كلمة monsieur وكلتاهما موجودة في الفكر، وكلمة moen أو msyoe وهما اللتان تنطق بهما الأعضاء. وقد نشأت الصيغتان الأخيرتان من اتجاه في اللغة طبق إلى أبعد الحدود، وهما تبنيان إلى أي حد يصل تأثير الاتجاه الصوتي في اللغة إذا لم يعقه عائق: فهما في الواقع من الصيغ المتطرفة في اللغة١. من العسير أن تكون عناصر الكلمة الصوتية متساوية القيمة في داخلها. فمنها القوي ومنها الضعيف، منها ما يسود ومنها ما يساد، ومنها ما يقاوم آثار العوامل الهدامة ومنها ما يستسلم لها بسرعة٢. السيادة والغلبة، هاتان هما الصفتان الجوهريتان اللتان على مؤخر اللغة قبل كل شيء أن يعين حدودهما وأسبابهما في في داخل النظام الصوتي للغة التي يدرسها: الواقع أن التكوين الصوتي لكل لغة يقضي بوجود أنواع من السيادة ومن المقاومة الخاصتين. ولا يمكن أن تختلف اللغات بعضها عن بعض في التطور الصوتي غلا بصراع ينشأ بين الأصوات من

стр. 91

جراء التوازن. غير أنه فيما عدا التأثيرات الصوتية الخاصة بكل لغة، توجد تأثيرات عامة تتجلى في كل اللغات وهي نتيجة لاتجاهات طبيعية فسيولوجية ونفسية معا. ففي الأصوات الإنفجارية يوجد فرق بين العنصر الانحباسي والعنصر الانفجاري، فالأول أقل حساسسية للمسع لأن انطلاقه أقل صلابة من الثاني. هذا الفرق يعرض الانحباس لعوارض مختلفة. فمجموعة مثل "أكتا" akta فيها الكاف k وهي انحباسية أقل مقاومة من التاء t الإنفجارية "انظر ص٤٩". ويمكن لاتجاهين متعارضين أن يؤثرا معا، وتكون النتيجة تعديلا في المجموعة فإما أن يتخلى المتكلم كسلا عن تحقيق الحركات النطقية للكاف k فينتقل طرف لسانه توا منذ الاحتباس إلى موضع التاء t فنحصل في النهاية على atta "أنا" بتاء طويلة. هذه العملية قد وقعت في اللغة الإيطالية حيث نجد الكلمات اللاتينية actus "اكتس" و strictus "ستركتس" قد صارت atta "أتا" و stretia "سترتا. وإما أن تدفع المتكلم الرغبة في توضيح نطق الكاف k إلى أن يتبع الكاف الانحباسية بانفجار طفيف يقوم به في نفس النقطة قبل الانتقال إلى انفجار التاء t وهذا النطق نسمعه في الفرنسية غالبا عن أولئك الذين يغالون في صحة الأداء، ويمكن رسمه بكتابة faqueteur "فكتير" بدلا من facteur "فكتير" "ساعي البريد. فانفجار الكاف k في الواقع مهما بلغ من القصر، يقع حتما على شبه حركة، هي الحركة الضامرة المخنوقة التي يشار إليها بالـe الصامتة. في الحالة الحالة الأولى حدث توافق١ وفي الثانية انفصال. هناك مسلك ثالث: وذلك بألا يتجه الصوتان المتماسان إلى التوافق بين عناصرهما بزيادة المشابهة التي بينهما، تلك المشابهة التي تصل أحيانا إلى التماثل التام، ولا أن يتحصن كل منهما ضد الآخر بوضع نوع من العازل يكون عقبة في سبيل التأثير المتبادل بينهما، بل على العكس من ذلك، بأن يستغلا ما بينهما من فروق فيعمقاها إلى حد ألا يبقى بينهما شيئ مشترك، ثم يزيلا كل نقطة للتشابه. وتلك هي عملية المفارقة٢ التي هي ضد التوافق. وهكذا، في مثل المجموعة السابقة kt "كت"

стр. 92

نجد بعض اللغات كالإيرانية والكلتية تقلب الانفجاري الأول إلى احتكاكي فتحصل في نهاية الأمر على CHT "شت" وطبيعة التغير في حالة التوفيق أو الفصل أو التخالف تتوقف على الشروط العامة لنظام اللغة الصوتي. هذه العمليات الثلاث كثيرا ما تتدخل لإزالة المجاميع الصوتية التي يصعب نطقها. وتعمل اللغات على إبعاد الأصوات أو بجاميعها التي من هذا القبيل لأسباب عضوية على وجه العموم. وعسر النطق كعكسه، وهو اليسر، من المسائل النسبية المحضة التي يحسها المتكلم بوضوح على ما يبدو، ولكنها تختلف في كل لغة عنها في الأخرى. ولا يمكن تقويمها دون معرفة اللغة معرفة دقيقة. والواقع أن أصلها يرجع إلى العادات المكتسبة من الحركات النطقية. لذلك كانت هذه المجموعة أو تلك التي يعسر نطقها على شعب من الشعوب، ينطق بها جاره دون صعوبة. بيد أن هناك مجاميع عسيرة النطق بصفة عامة، وبسبب الاستعداد الطبيعي للأعضاء ويمكن أن تطلق عليها اسم المجاميع غير الثابتة. فكلما أدت الظروف إلى نشوئها في اللغة، أمكننا أن تتنبأ بأن اللغة ستدبر الأمر للتخلص منها ولكن خطة التخلص منها تختلف. فالمجموعة TN "تن" مجموعة غير ثابتة. فلما كانت نقطة الحركة النطقية للتاء هي عين نقطة النون في تركيب مثل أثنا ATNA، كان على اللسان ألا يتحرك بين الفتحتين وتكفي حركة بسيطة من غشاء الحنك مع وضع الذبذبات الحنجرية في حالة حركة للتفريق بين التاء والصوت الأنفي. وهذه آلية على جانب من اللطف تتطلب كثيرا من الدقة. ويستطيع الإنسان أن يستعد لها عندما يدور الأمر حول كلمة علمية. مثل إسم العلم إتنا ETNA. والحقيقة أن أسماء الأعلام تقاوم أكثر من غيرها الانحرافات الصوتية التي تنشأ من التغيرات التركيبية. ولكن الإنسان في الكلمات الكثيرة الدوران في الكلام على العموم يدبر أمره للتخلص من المجموعة غير الثابتة NT "نت". فطورا يحصل توافق، ينخفض حجاب منذ بدء المجموعة وتستمر الأوتار الصوتية في الذبذبة دون توقف بين الفتحتين فتكون النتيجة ANNA "أنّا"، "هذه هي الحال في الكلمة اللاتينية ANNUS

стр. 93

"آنُس" إذا قورنت بالقوطية ATHNUS "أثنس" وكلتاهما مأخوذتان من ATNOS "أتنس" التي تعد أقدم منهما". وطورا يحصل تخالف يتجه على حسب الأحوال إما نحو الانفجاريوإما نحو الأنفي، فيوسع اللسان من شقة الخلاف بين الصوتين ليتجنب البقاء في وضع من التوازن يصعب عليه الإحتفاظ به: فنحصل مثلا في بعض الأحيان على AKNA "كما في الأمبرية١ حيث نجد فيها كلمة AKNUS "أكْنُس" تقابل ANNUS "أنُّس" في اللاتنيية". وفي بعض الأحيان atra "أتْرَا"، كما وقع في عدد من اللغات الكلتية، وعلى الخصوص في اللهجة البريتانية، حيث تنحدر كلمة TRAON "تراؤن" "قاع، واد" من الكلمة الأقدم منها tnaou "تناؤو". وهناك مسلك ثالث للتخلص ينحصر في الفصل. إذ لما كان تلامس التاء والنون هو مصدر الصعوبة في النطق، أمكن حذف هذه الصعوبة بإدخال حركة بينهما مثل: tyno "تِنو" في الغالية "تنطق بالفرنسية teno بـe صامتة" التي تقابل traon في اللهجة البريتانية. في الأحوال السابقة كان الأمر يتعلق بأصوات متلامسة، ولكن حالات التوازن وتبادل التأثير تصيب أيضا أصواتا يفصل بينها عدة عناصر، بل أصواتا أيضا تنتسب لمقطعين مختلفين وتوجد في أماكن يبعد بعضها عن بعض في الكلمة الصوتية. والعمليات التي تنتج هنا هي عمليات التشابه والانتقال والتخالف٢. يقال إن هناك تشابها عندما يستعير واحد من صوتين منفصلين عنصرا أو أكثر من عناصر الآخر إلى حد الاختلاط به. والصوت المشبه يسبق في أغلب الأحيان الصوت المشبه. أي أن هناك في الواقع حالة تعجل: فالعقل باشتغاله بنطق صوت ما في داخل مجموعة صوتية يجعله يصدره قبل أوانه، وينتج مرتين

стр. 94

متتابعتين الحركات الصوتية التي يقتضيها هذا الصوت. ويكون الصوت المشبه عادة قريبا من الآخر إلى حد ما لتبرير الخطأ. وهكذا كان أسلاف اللاتينيين يقولون Quequo كوكوا بدلا من pequo ومن ثم جاءت coquo "كُوكْوو" "أنضج" في النصوص التاريخية. ولكن التشابه يستطيع أن يسير في طريق عكسي، فنجد في الفرنسية الدارجة juchque "جشْك" بدلا من jusgue "جُسك" "حتى"، على أن التشابه هنا ينحصر فقط في إحلال موشوس محل صغيري دون تأثير على صفة الجهر. والانتقال المكاني يصدر عن نفس الأصل الذي صدر عنه التشابه. إذ أن مرد الأمر في كليهما إلى الخطأ ونقص الالتفات. ولكن النتيجة مختلفة كل الاختلاف فبدلا من تكرار الحركة النطقية مرتين، يقتصر على تغيير مكان حركتين، وأخيرا يبدو الانتقال المكاني كما لو أن جزأين في كلمة واحدة قد تبادلا أحد العناصر. فبدلا من "فِسْتْرا" festra "نافذة" يقال في البرتغالية fresta "فِرْستا"، ويقال في بعض اللهجات البريتانية drebi بدلا من debri "دِبْري" "يأكل".

стр. 95

والنظام الذي تتم به العمليات الثلاث المتقدمة بتوقف على أسباب خاصة على العالم اللغوي أن يحررها في كل حالة على حدة: فضغط الشدة أحد الأسباب التي تتحكم في آلية الانتقال المكاني والتخالف. كما يجب ألا نسقط من حسابنا طبيعة الأصوات ولا مكان كل منها في داخل الكلمة. التغيرات التركيبية لا تنتج منها أصوات لغوية جديدة. فالتخالف مثلا لا يخلق أبدا أصواتا جديدة غير معروفة في اللغة التي يحدث فيها، "عندما يكون على فعل التخالف الطبيعي أن ينتهي بإنتاج صوت جديد، يحدث أحد أمرين: إما أن يستعاض في الحال عن هذا الصوت المريب بأقرب صوت إليه تعرفه اللغة، وإما أن يبقي الصوت أو مجموعة الأصوات التي كانت عرضة للتخالف على حالها دون تغير، وذلك عندما تتعذر الاستعاضة، أي عندما يكون أقرب الأصوات إليه في اللغة لا زال ببعد عنه بعدا شاسعا" "م. جرامون" في هذه الحال لا يحدث التخالف، أو إذا حدث، حدث في اتجاه عكسي. وإحساس الإنسان اللاشعوري بأنه سيحمل على نطق ما لا ينطق، يمسكه عن المضي في طريق التخالف، ويقلب كيان القوى التي في الكلمة ويخلع على الحرف الذي كان يجب أن يختفي فضلا من القوة يميل بكفة الميزان في مصلحته: ويقال حينئذ إن التخالف قد انعكس. وكذلك لا ينتج التخالف لباعث نفساني، إذا كان اشتقاق الكلمة جليا بالنسبة للمتكلم. وإذا كان هذا الأخير يعرف اشتقاق جزء الكلمة الذي يجب أن يقع عليه التخالف فحسب، حصل التخالف عادة في طريق عكسي: أما إذا كانت أجزاء الكلمة كلها واضحة الاشتقاق بالنسبة إليه، لم يحصل تخالف فقط. وتكون القوة أحيانا في جانب الجزء اللاحق باللفظ وأحيانا في جانب جزئه الأصلي. فكلمة pruneraie "برنيريه" كان يجب أن تكون عند التخالف pluneraie "بلنريه" في الفرنسية ولكنها صارت prunelaie "برنيليه" "مزرعة برقوق" لكون الجزء الأصلي أقوى الجزأين، هذا إلى أن وجود كلمة prunelle "بروينل" "نوع من البرقوق الوحشي صغير الحبة" قد ساعد على حدوث التخالف. أما

стр. 96

في حالة الكلمة الإسبانية sombrero "سمبريرو" "قبعة" فلم يحدث تخالف لأن العناصر المقطعية التي فيها الراء r ذات دلالة بالنسبة لمن يتكلم. وقد استطاع الأستاذ جرامون أن يجمع كل أحوال التخالف تحت قانون واحد هو: الصوت اللغوي القوي يقتضي بالتخالف على الضعيف. وإذا كان الصوتان في قوة واحدة بقي كل منهما. فنحن أمام صراع من السيطرة والمقاومة. ولكن هذا الصراع لا يمس الأعضاء وحدها. نعم يوجد في بنية كل لغة عناصر تفوق غيرها قوة "انظر الفصل السابق" ولكن القوة الخاصة بكل عنصر مقرها المخ على وجه الخصوص. فالتغيرات التركيبية تأتي من نقص في التناسق بين الفكر والأعضاء، وتنتج من خطأ في الالتفات. فأحيانا يصل الالتفات إلى درجة كبيرة ويتركز بإسراف في نقطة واحدة على حساب غيرها أو يوزع نفسه بصورة غير متساوية على العناصر المختلفة التي تكون الكلمة، وأحيانا على العكس من ذلك يفر تاركا العضو لكسله الطبيعي. لتقدير قيمة هذه التغييرات على حقيقتها، يجب أن تكون لدينا معرفة دقيقة بعلم الصوتيات العام وكذلك بالنظام الصوتي الخاص بكل لغة، ولكن يتبقى لنا فضلا عن ذلك أن نستطيع إرجاع التغير إلى عملية نفسانية. لأن عقل المتكلم هو المسئول عن ذلك في نهاية الأمر. تسوقنا هذه الخاتمة إلى أن نقول كلمة عن الصلة بين الكلام وبين الفكر. إذ أن هذه المسألة وإن كانت مسألة سيكلوجية قبل كل شيء فلا يسوغ للعالم اللغوي أن يهملها بأية حال١. عندما نسمع لغة أجنبية لا نعرفها لا تدرك أذننا منها إلا مجاميع من الأصوات على شيء من الطول يقل أو يكثر، ويفصل بينها

стр. 97

فترات من الصمت. فإذا كنا نفهم اللغة التي يتكلم بها أيقظت في ذهنتا هذه المجاميع من الأصوات مجاميع تصورية مرتبطة كل منها بالأخرى وتكون ما يسمى جملة في الاصطلاح النحوي. أصوات وجمل، هاتان هما الحقيقتان اللتان يميزهما للوهلة الأولى تحليل الكلام تحليلا سريعا مبنيا على الفرق بين الأثر الذي يحدثه فيتا سماع لغة مجهلها وبين الذي يحدثه سماع لغة تفهمها. من الحق أننا لا نغير بأصوات عن كل ما في ذهننا من وحدات تصورية. فالتأمل مثلا لا يقتضي تمرين الأعضاء المنتجة للصوت، ولكن التأمل كلام داخلي فيه تتسلسل الجمل كما في الكلام المنطوق١. وكل واحدة من جمل التأمل تنطوي بالقوة على جميع الحركات النطقية للكلام. فالتفكير يسير معتمدا على الأصوات، حتى عند ما تكون الأصوات غير منطوقة. لذلك نرى أنفسنا في بعض لحظات التأمل مسوقين بطريقة غير شعورية إلى نطق بعض الكلمات التي تقابل تفكيرنا. فكأن الفكرة، وقد ثقلت وطأتها على العضو، قد وضعت الآلية في حالة حركة على غير إرادة منها، على نحو ما يفعل أخرق أو أهوج وقد أراد أن يجرب جهازا ما فلم يكتف بالتمثيل التوضيحي، بل راح ينفذ العمل على حقيقته. يجب أن تترك لعلماء النفس أن يبينوا إلى أي حد تكون الإمكانيات الصوتية ضرورية للكلام الداخلي. هذه الضرورة ناتجة من العادة على وجه التأكيد، وليس إلزاما من الطبيعة. ولكن يمكن الجزم بأن تأمل الأصم الأبكم يختلف عن تأمل الإنسان السليم الذي وهب الكلام. فالصورة التي نعبر بها تسجن التفكير بشكل يجرده من الوجود المستقل ولا يسمح له بالانفصال عن الأصوات التي تحقق ماديته، ولا بالانفصال عن إمكانيات الأصوات عندما لا يحدث في الواقع التحقق المادي. والحالة التي فيها تدور الأعضاء في الفراغ، دون عمل التفكير، لا تناقض هذا المذهب. فإذا أردنا أن نسمع سلسلة من أصوات متنوعة مجردة من المعنى، فإن تنوعها لا يساوي أبدا ذلك التنوع الذي يستلزم التعبير المنطوق عن فكرة من الأفكار. وأغلب الأمر, أن يقتصر الإنسان على إنتاج

стр. 98

مجاميع من الأصوات موجودة في اللغة، أي مما اعتادت الأعضاء على النطق بها ويجري استعمالها مزودة بمعنى من المعاني. يمكننا أن نسمي الوحدة النفسانية السابقة على الكلام بالصورة اللفظية، وهي تصوير أعده الفكر قصد التعبير الكلامي، وهي في الوقت نفسه مجموعة من الإمكانيات الصوتية على استعداد للتحقق الفعلي. فالصورة اللفظية صورة مزدوجة الوجه تنظر بإحدى ناحيتيها في أعماق الفكرة وتنعكس بالأخرى في الآلية المنتجة للصوت. إذا اعتبرت من وجهة تحققها المادي ترجمت بالأصوات، ولكنها بأصولها النفسانية من نتاج عمل العقل. ففيها يتحد طرفا الثنائية التي كنا في سبيل الكلام عنها فيما سبق، وفيها يلتقي ميدان العالم اللغوي بميدان العالم النفسي. علماء النفس١ يعتبرون الصورة اللفظية نتاجا معقدا ناشئا من انطباق صور أربع بعضها فوق بعض أو من اشتراكها، وهي صورة شفوية وصورة سمعية وصورة بصرية وصورة يدوية. وهذا التمييز بين الصور الأربع قديم جدا، قال به منذ سنة ١٧٤٠ دافيد هارتلي David Hartley في ملاحظاته عن الإنسان Observations on man. ونحن نعرف المكان الذي احتله هذا التمييز في أعمال مدرسة charcot. فهذا الأخير كان يعلم أن كل كلمة تتكون من عناصر أربعة تجتمع مثنى مثنى في صور حسية "سمعية وبصرية" ومحركة "شفوية ويدوية" أو -وذلك بنوع من التوزيع الذي يتلاقى مع السابق- في صور صوتية "سمعية وشفوية" وكتابية "بصرية ويدوية". هذا التحديد يمكنه أن يدافع عن نفسه إذا طبق على الصورة اللفظية لا على "الكلمة" "قارن الصفحة الأخيرة في هذا الفصل". ومع ذلك فإن تحليل الصورة اللفظية تافه الأهمية بالنسبة للعالم اللغوي. لأن أحوال النشاط المخي التي هي شغل العالم النفسي الشاغل تخرج عن دائرة اختصاص العالم اللغوي. نستطيع هنا أن نعتبر الصورة اللفظية كلا يغيب عنا تكوينه. فعنصران على الأقل من العناصر التي يعرفها لها علماء النفس "أعني البصري واليدوي"

стр. 99

لا يدخلان في حسابنا لأنهما لا يعنيان غير الكلام المكتوب. ولا يدخل في الحساب بالنسبة للشخص الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة إلا الصورتان الشفوية والسمعية، ولكنا، حتى منذ ابتداء الفصل الأول، قد ذكرنا من البواعث ما يدفعنا على جعلهما صورة واحدة "انظر ص٤٤". ومن جهة أخرى ليس علينا أن نعمل حسابا للاختلافات التي تنتج في نشأة تكوين الصور اللفظية. فنحن نعتبرها مكونة نهائيا في مخ المراهق الذي يتكلم لغته القومية. ونحن نأخذ كلام المراهق كما يسير سيره العادي، بناء على التحصيل الذي تلقاه منذ طفولته الأولى. على كل طفل أن يخلق هو نفسه ومن كل وجه كلامه، وإذن فالصور اللفظية التي ليست إلا بعض وقائع الاختبار تحولت في المخ إلى إمكانيات لغوية، وعلى الطفل أن يحصلها شيئا فشيئا وأن يربيها. وإنه ليتعذر علينا أن نتمثل أطوار هذا التحصيل بناء على الصورة التي بها نتعلم لغة أجنبية في سن المراهقة. لأن تعلم لغة أجنبية يقوم دائما على أساس اللغة القومية. فإن الإنسان يسير بطريقة الاستبدال، ويسعى إلى تكوين معادلات بأن يرص في ذاكرته كلمات وجملا من اللغة التي يتعلمها إلى جانب كلمات لغته القومية وجملها. كما يعتمد هذا التحصيل في غالب أحيانه على الكتب، فيعتمد على الكلمات المكتوبة ويتخذ أساسا له نوعا من البنية النحوية المصطنعة إن قليلا وإن كثيرا. أما العمل الذي يتم في دماغ الطفل فيختلف عن هذا اختلافا كليا. فإن الطفل يتلقى عمن يحيطون به جملا جاهزة تفيد التعبير عن بعض الأوامر أو بعض الحاجات، أو عن بعض الوقائع فحسب: "انصرف"، "أنا جوعان"، "الجو صحو" ... إلخ. كل هذه تختزن في الدماغ وتكون بعددها صورا لفظية، صورا تصقل وتتحدد كلما تكاثرت؛ لأن هذه الصور تصير -بواسطة الاستبدال الذي يعتاد عليه عقل الطفل بسرعة- جديرة بالتعبير عما في الأشياء والأفكار والعواطف من تنوعات جمة، وتتلون بجميع ألوان التفكير على اختلافها. فإذا ما انتهت مرحلة التحصيل، كان في حوزة الطفل مجموعة من الصور اللفظية التي تظهر من تلقاء نفسها في الدماغ كاملة التكوين، وعلى استعداد تام لتحقيقها عمليا.

стр. 100

في الكلام، كلما عن له أن يلقي أمرا أو أن يعبر عن حاجة أو أن يصوغ واقعة من الوقائع. ولا يلبث المجهود العقلي الذي تتمخض عنه الصورة اللفظية أن يصير من البساطة والألفة بحيث لا يشعر به الإنسان وبحيث يتبع مباشرة إنتاج الصورة اللفظية الإحساس بالحاجة أو استيقاظ الإرادة، ثم تتلى الصورة نفسها على التو بالتحقق العملي في اللغة. يستسلم الطفل في مرحلة التحصيل التي تفرض عليه رياضات معقدة. فيعود أعضاءه على إنتاج الأصوات التي يسمعها. ولكنه لا يسمع إطلاقا أصواتا منعزلة، بل تقدم إليه الأصوات في كل ذي معنى، فيتعلم في نفس الوقت كيف يخضع أعضاءه إلى أوضاع متنوعة تقابل الأصوات المختلفة وكيف يربط مجاميع الأصوات التي تصدر على هذا النحو بمعنى من المعاني. والأصوات ليست جميعا على درجة واحدة من الأهمية، بل منها ما يسود غيرها كما رأينا في دراسة التغيرات الصوتية. ولكن العناصر العقلية التي تكون تلك المادة التي تصاغ في الأصوات تحمل بدورها درجات مختلفة من السيطرة، فمنها ما تطفو وتفرض نفسها على الانتباه بدرجة من الوضوح أعلى مما لغيرها. ويترتب على ذلك أن الصور اللفظية، من وجهة نظر العناصر التي تؤلفها نفسها، تتكون شيئا فشيئا بواسطة تحسينات متتابعة تضاف إلى التجربة الأولى التي تعد بطبيعة الحال غير كاملة ولا تظهر في تلك التجربة المبدئية إلا بعض الملامح المميزة، وهي تلك الملامح التي تقابل قمم السيطرة سواء في الصوتيات أو في العقليات ثم تمثل في الصورة شيئا فشيئا الملامح الثانوية في أدق تفاصيلها. ومهما كان الوقت الذي يستغرقه التحصيل حتى يصل إلى التكوين النهائي للصورة اللفظية، بل مهما كانت الفترة التي تقدر لاستكمالها، فإن الذي يميزها في عين العالم اللغوي إنما هي وحدتها. فكل العناصر المكونة لها تندمج في عمل واحد هو العمل اللغوي الجوهري، الذي لا يملك العالم اللغوي أية وسيلة يستطيع بها أن يتعداه. فعندما يقول الطفل "Pas poupe" يقصد أن يقول بأنه لا يحب الحساء الذي يقدم إليه، أو أنه يرفض شربه، فإن الصورة اللفظية التي في ذهنه والتي

стр. 101

تهيمن على التعبير بجملته تعد كلا محكم التناسق وإن كان بدائيا. بعد ذلك في سن المراهقة، يستطيع أن يقول على حسب الأحوال: "لا آخذ حساء" أو "أحب ألا آخذ حساء" أو "أفضل ألا تعطوني حساء". الصورة اللفظية التي تقوم على أساسها كل واحدة من هذه الجمل أغنى وأعمر بالألوان المتنوعة من جملة الطفل. وهذه وتلك تنطوي على نفس الوحدة. يمكن تعريف الجملة بالصيغة التي يعبر بها عن الصورة اللفظية والتي تدرك بواسطة الأصوات. والجملة، كالصورة اللفظية، عنصر الكلام الأساسي. فبالجمل يتبادل المتكلمان الحديث بينهما, وبالجمل حصلنا لغتنا، وبالجمل نتكلم، وبالجمل نفكر أيضا. الصورة اللفظية يمكن أن تكون في غاية التعقيد، والجملة تقبل بمرونتها أداء أكثر العبارات تنوعا، فهي عنصر مطاط. وبعض الجمل يتكون من كلمة واحدة: "تعال" و"لا" و"وأسفاه" و"صه! "، كل واحدة من هذه الكلمات تؤدي معنى كاملا يكتفي بنفسه. غير أن الجملة لها امتداد الصورة اللفظية بالضبط، بل إنها غير محدودة بالطاقات الصوتية، إذ أنه في غالب الأحيان لا يكفي نفس واحد لنطق جملة بتمامها، وقد يحدث أن تشمل جملة واحدة بعينها مجموعتين تنفسيتين أو أكثر. وعمل العقل يسيطر على عمل الأعضاء. ولا يمكن أن تكون عدم كفايتها سببا في وقوفه، كما لا ينبغي أن يكون في ضرورة أخذ الشهيق عائق لنافخ الناي أو "للسلامية". والجملة تنتظم جميع الدرجات، من الحركات النطقية البدائية التي يصوغ بها الطفل حاجة من حاجاته إلى الصورة المستكملة المؤتلفة ألطف ائتلاف تلك التي تكسو فكرة فنان من نوع ديموستين أو شيشرون أو بوسويه. يرى من كيفية تعريفنا للجملة أنها تشمل الصورة اللفظية، فكلتاهما لا حد لها إلا في موهبة التأليف التي للعقل. فيجب بناء على ذلك أن يعطي للصورة اللفظية امتدادا أوسع مما يعطي لها عادة وألا تقصر على الكلمة. ولا خلاف بين الصورة اللفظية والجملة إلا في أنه لما كانت الجملة حقيقة واقعية مشخصة، كانت معرضة لكل العوارض التي يستتبعها التحقق الواقعي. فالخزاف الذي يضع في فرنه فنجانا

стр. 102

من الخزف لا يمكنه أن يقطع بالنتيجة التي سيحصل عليها بعد الحريق، لأنه يخشى دائما من نار عاتية تحيل الطينة فحما أو من نار ضعيفة لا تقوى على إبراز اللون. كذلك الصورة اللفظية، وقد حضرت في المراكز العصبية، لا تستطيع المرور بالأعضاء دون التعرض للأحداث. ويمكننا أن نضرب مثلا نوضح به ما تقدم: أتخيل أن جارا لي وخزني غير عامد، فأصيح قائلا: "آه! لقد وخزتني! ". من اليسير أن نستعيد تتابع الأفعال التي تمت. فهناك إحساس بالوخزة، نقل إلى المراكز العصبية، واستدعاء مفاجئ لصورة لفظية، ترجمت على الفور في اللغة بالجملة الآنفة الذكر. وكان التتابع من السرعة بحيث تبعت الصيحة الوخزة مباشرة. فما نسميه صورة لفظية إنما هي الصورة التي أعطاها الفكر، وفقا للعوائد المكتسبة، إلى الصيحة التي صحتها. وتختلف الصورة اللفظية في لغة ليس فيها أفعال متعدية أو تعبر عن الحدث في صيغة المبني للمجهول: "أنا ملدوغ منك". واختلاف الصورة اللفظية كثيرا ما يكون الاختلاف الوحيد الموجود بين اللغات. وهكذا يقال في الألمانية "أنا هو" على حين يقال في الفرنسية: "إنه أنا". فالصورة اللفظية مختلفة التركيب. جملة "آه! لقد وخزتني! " تقابل الصورة اللفظية للفرنسية السليمة. فلنفترض الآن أن لساني قد انحرف فقلت: "آه! لقد خزوتني! " مرتكبا "قلبا صوتيا" "بالألمانية Schuttelform"١. ومع ذلك فالصورة اللفظية لم تتغير. وإذا كانت لم تتحقق إلا تحققا ناقصا، فمرجع ذلك إلى خطأ قد عرض في التنفيذ. فالجملة التي نطقت بها لا تتفق مع الصورة، وقد وقع الخطأ في الانتقال من إحداهما إلى الأخرى. لسنا في حاجة إلى القول بأنه توجد حالات تكون فيها الصورة اللفظية مسئولة عن الخطأ المرتكب. فرغم معرفتي التامة لاسم صديقي ديران، أراني أدعوه في المحادثة باسم لبران، وهو اسم شخص آخر من أصدقائي. فمثل هذا ليس عارضا ماديا يمكن أن يعزى إلى الأعضاء. وإذا اتفق مثل ذلك لفرد

стр. 103

من أفراد الشعب لسمعناه يقول: "لا أدرى لماذا كان لبران في ذهني". والواقع أن انزلاق اسم مكان آخر قد حدث في نفس الصورة اللفظية التي يؤلفها العقل. وهذا هو وجه الاختلاف. إذن تتألف الصورة اللفظية والجملة من عناصر واحدة. هذه العناصر هي التي تسمى في النحو المعتاد بالكلمات. وقد درسنا في هذا الفصل الكلمة الصوتية، ولكن الكلمة الصوتية قد تشتمل على عدة كلمات بالمعنى الذي يقصد في النحو المعتاد، بل إن حدودها قد تكون جلية الوضوح تبعا للغات. فلأجل أن نحددها تحديدا كاملا يجب أن نحلل عناصرها من وجهة نظر نحوية. وذلك هو موضوع الفصل التالي.

стр. 104

الجزء الثاني: النحو الفصل الأول: الكلمات والأصوات تنتظم كلمة جملة نوعين من العناصر المتميزة: أولا التعبير عن عدد ما من المعاني التي تمثل أفكارا، وثانيا الإشارة إلى بعض العلاقات التي بين هذه الأفكار. فإذا قلت: الحصان يجري، ففي ذهني فكرة الحصان وفكرة الجري، وقد جمعت بين الاثنين في هذا الإثبات الذي هو "الحصان يجري". وإذا قلت منزل بطرس كبير، فإن الأفكار البيت وبطرس والكبر تتركب كذلك في الإثبات الذي يكون جملتي. ويحسن أن نذكر أننا نأخذ الأحداث كما يقدمها لنا الكلام، أي أننا ننظر إلى الصور اللفظية في نفس الصورة التي تظهر عليها في الكلام. هذا هو المعنى الذي يحب أن نفهمه من الفكرة التي عبرنا عنها فيما تقدم بقولنا "نحن نفكر بجمل". فنحن نفترض أن الفعل العقلي الذي يضيف اسما إلى أحد الأشياء "هنا الحصان" ويجعل هذا الشيء متعلقا بحدث من الأحداث، ويحصر هذا الحدث في حدود من الزمن ليقول: الحصان يجري، فإنما نفترض أن هذا الفعل العقلي يتم في الدماغ تبعا لعوائد لا يشعر بها المتكلم نفسه. هذا الفعل العقلي الذي تفترضه اللغة ينتظم عمليتين متتابعتين: عملية تحليل عندما يميز العقل في التصور، وقد أعطى، عددا ما من العناصر التي تقوم بينها

стр. 105

علاقة "هي هنا الحصان والجري" ثم عملية تأليف -عندما يروح العقل وقد انتهى من تعرف هذه العناصر المختلفة وتحليلها- يؤلف بينها من جديد ليكون الصورة اللفظية. والتأليف وحده هو الذي يهم علم اللغة، ويهمه بدرجة قصوى: لأن الاختلافات في البنية بين اللغات تنتج من الكيفية المتنوعة التي تتوقف عليها عملية التأليف١. لنفترض أن جميع الأدمغة الإنسانية تتلقى كلها على السواء عين الطابع البصري للحصان الذي يجري ولنسلم -وذلك مما لا تزاع فيه- بأنها تحلل هذا التصور بطريقة واحدة بعينها، وأنها تقيم بين الحصان وبين الجري نفس العلاقة بالضبط، فإن التعبير عن هذه العلاقة يحصل في كل لغة بطريقة خاصة: الصورة اللفظية تؤلف تأليف مختلفا. فالتفريق المشار إليه في أول هذا الفصل ليس إذا نظريا بحتا وهو يقابل ما يصح أن نسميه دوال النسبة Morphemes ودوال الماهية Semantemes. ويجب أن نفهم من دوال الماهية تلك العناصر اللغوية التي تعبر عن ماهيات التصورات. فهنا ماهية الحصان أو ماهية الجري، وتفهم من دوال النسبة العناصر التي تعبر عن النسب بين الماهيات: هنا كون الجري المسند إلى الحصان على العموم محمولا على الشخص الثالث المفرد الإخباري. وعلى ذلك تعبر دوال النسبة عن النسب التي يقيمها العقل بين دوال الماهية. هذه الأخيرة ليست إلا عناصر التصور الموضوعية، وستدرس على حدة في الجزء المخصص للمفردات من هذا الكتاب. دال النسبة في غالب الأحيان عنصر صوتي "صوت أو مقطع أو عدة مقاطع أحيانا" يشير إلى النسب النحوية التي تربط الأفكار الموجودة في الجملة بعضها ببعض. في جملة من اللغة الإغريقية القديمة مثل: "سيمونيد أقام محرابا جميلا"، من السهل علينا أن نعرف أنه يوجد إلى جانب المقاطع التي تعبر عن الأفكار الأساسية

стр. 106

في الجملة وهي: سيمونيد والإقامة والمحراب والجميل، مقاطع أخرى ينحصر دورها في الإشارة إلى أن صفة جميل تنسب إلى المحراب وأن سيمونيد هو الذي فعل في الماضي حدث إقامة المحراب المذكور. فأول هذه المقاطع من دوال الماهية والثانية من دوال النسبة لنأخذ أيضا من العربية مجموعة من الكلمات مثل مجموعة أن يعطى، أعطي، الإعطاء، معطون، إلى المعطى: فالتحليل يجد فيها دون عناء عنصرا دائما هو "ع ط ى" الذي يصل كل هذه الكلمات بفكرة الإعطاء. ولكنه يجد فيها فضلا على ذلك عددا من العناصر الصوتية التي تستخدم للإشارة إلى أن الكلمة فعل أو اسم، ومن أي نوع هي، أو للدلالة على الفصيلة النحوية "النوع والعدد والشخص" التي تنتمي إليها الكلمات، وكذلك على العلاقة التي تربطها بكلمات الجملة الأخرى فهذه العناصر دوال للنسبة. وبعض هذه الدوال ليس له وجود مستقل، فيجب تحليل الكلمة لاكتشافها وهذه تسمى لواحد أو زوائد، والبعض الآخر كالضمائر والأدوات "في الفرنسية مثلا" منفصلة عن الكلمة في الكتابة. ولكن هذا الفرق عديم الأهمية هنا. وإذا أدخلنا على الجملة الإغريقية المتقدمة كلمة "لكان" لتغير المعنى في الحال. فهذه الكلمة "لكان" دالة نسبة تلون الجملة بلون فرضي من طابع خاص، فبإضافة هذه الكلمة التي تستعمل للتعبير على ما لم يقع، تصير الجملة: "لكان أقام محرابا جميلا". كذلك لو أضفنا إلى أية جملة في السنسكريتية المقطعين iti "إيتي" لدلت هذه الزيادة على أن الجملة حكاية مباشرة لكلام قائل: فإيتي iti من دوال النسبة. والفرنسية العامية فيها دالة من هذا القبيل في صورة "كيدي" quidi "للمذكر" أو quedi كيدي "للمؤنث": قارن العبارتين "tu as tort" أنت مخطئ "tu as tort, quidi" أنت مخطئ، قيل". فتحس على الفور أن الجملة الأولى خطاب مباشر والثانية جزء من اقتباس، وعليها طابع الحكاية. ولا يهمنا هنا النظام الذي بمقتضاه تستعمل دوال النسبة في الجملة، ولا المكان الذي تحتله فيها، ولا المدى أو الأهمية اللذان تخلعهما اللغة عليها, فنحن نعد من

стр. 107

ولا نهتم كذلك بأن تكون دالة النسبة مما يعرب أو مما لا يعرب. ففي العربية الفصيحة "كان زيد يقتل" معناها فقط "Zaid tuait". ذلك أن المضارع في العربية يسبق بفعل الكون ليدل على الاستمرار في الماضي، ويتصرف الفعلان كل منهما على حدته١: الشخص الأول كنت أقتل الشخص الثاني المفرد المذكر كنتَ تقتل الشخص الثاني المفرد المؤنث كنتِ تقتلين الشخص الثالث المفرد المذكر كان يقتل الشخص الثالث المفرد المؤنث كانت تقتل فالعقل يحس الفعلين وكأنهما وحدة رغم أنه يمكن وضع كلمة بينهما، الفعل الأول من دوال النسبة. وأخيرا لا يهمنا أن تكون دالة النسبة تشتمل على عنصر واحد أو على عنصرين صوتيين منفصلين. فهناك دوال نسبة تنتج من كلمتين منعزلتين يجمع بينهما العقل وتكون لهما رغم انفصالهما وحدة لا تقبل التمزيق. ففي الفرنسية يعبر عن النفي بعنصرين لا يكادان يتجاوران مطلقا في الجملة: ومع ذلك فإن "je ne mange pas" "لا آكل" في الفرنسية لها من الوحدة ما لـ"nitoimlim" في الأيرلندية. كل دوال النسبة هذه، سواء أكانت مفردات أم مجموعات، تعد من الفصيلة الأولى لدوال النسبة، تلك التي يعبر عنها بعناصر صوتية تدخل في الجملة وتوصل بدوال الماهية. هناك فصيلة ثانية، دوال النسبة فيها تتكون من طبيعة العناصر الصوتية الدالة

стр. 108

على الماهية أو من ترتيبها. وهذه الفصيلة تعد أكثر خفاء من السابقة وإن كانت لا تقل عنها أهمية في اللغة. ونجد في تبادل الحركات في اللغات الهندية الأوربية أو في السامية خير الأمثلة لتوضيح هذه الفصيلة, لسنا هنا نضيف عنصرا صوتيا إلى دالة الماهية ليخلع عليها قيمة صرفية, بل يكتفى في الإشارة إلى دور دالة الماهية الصرفي بالعناصر الصوتية لهذه الأخيرة نفسها؛ فالإنجليزية تقابل بالجمعين men و Feet المفردين man "رجل" و Foot "قدم"، وتقابل اسمي المفعول held و struck بالمصدرين hold "يمسك" و stricke "يضرب", فالاختلاف الذي بين هذه الصيغ اختلاف في جرس الحركة الذي يلعب على هذا الوضع دور دالة النسبة، إذ أنه وحده يشير إلى قيمة الكلمة الصرفية. ونجد نفس الشيء في اللغة الألمانية حيث نرى wir gaben "كنا نعطي" تقابل wir geben "نعطي" و gib "أعط". وكذلك في الغالية الوسطى حيث نرى الجموع brein و myr و wyn تقابل المفردات bran "غراب" و mor "بحر" و oen "خروف". فالتبادل الصوتي عنصر صرفي ضروري في أقدم اللغات الهندية الأوربية كالإغريقية والسنسكريتية. ويمكننا أن نقول بأن القيمة الصرفية لكل كلمة في الهندية الأوربية كانت محدودة تحديدا تاما أو ما يقرب من التام بجرس حركة الأصل. وكذلك الحال في السامية، كما تعطينا عنها العربية هذه الفكرة حتى يومنا هذا. حمار جمعها حمير١. وهذا على درجة من الحياة في العربية جعلتها تطبقه على كلمات مستعارة منذ تاريخ حديث من الإسبانية أو الفرنسية: رسيبو resibo "إيصال" والجمع رواسيب، بابور والجمع بوابير، شمبيت "حارس ريفي" والجمع شَوَمْبيت ... إلخ. وهذا ما يسمى بجمع "التكسير" أو الجمع "الداخلي". ويشير المصطلح "إعراب داخلي" بوضوح إلى أن تبادل الحركة يلعب نفس الدور الذي يلعبه العنصر الإعرابي الذي يمكن أن يضاف للكلمة. والواقع أن علامة الجمع في الأسماء تكون في الإنجليزية والغالية على وجه العموم بإضافة لاصقة

стр. 109

خاصة: في الإنجليزية boot "حذاء" وجمعها loss،boots "خسارة" وجمعها losses، وفي الغالية penn "رأس" وجمعها "Pennau", و coed "خشب" والجمع Coedydd ... إلخ. وفي العربية تجمع الكلمات المؤنثة كلها بإضافة زائدة. كذلك في الألمانية يختلف الماضي غير التام عن الحاضر باستعمال لاحقة، هي t "ت". Ich rede "أتكلم" والماضي غير التام ich redte "كنت أتكلم" Ich lebe "أحيا" والماضي غير التام، Ich lebte "كنت أحيا" ... إلخ. بمقارنة هذه الأمثلة بالأمثلة السابقة نرى أن تبادل الحركات واللواحق نوعان متساويان من دوال النسبة. نفهم أن النغمة تلعب دورا أخطر في لغات الشرق الأقصى حيث العناصر النحوية قليلة العدد. فهذه اللغات استغلت مرونة النغمات التي تحتملها أصواتها، واتساعها وتنوعها للغايات الصرفية خير استغلال١. وتوجد هذه الظاهرة نفسها في بعض اللغات الإفريقية٢ ففي اللغة الفهلية يعبر التنغيم عن النفي٣: مجموعة

стр. 110

مثل: مِيْ وَرَتَ mi warata معناها "سأقتل" "أو "أقتل" في الحاضر الدال على العادة" إذا نطقت الفتحة النهائية بنفس النغمة التي لباقي الجملة، ويصير معناها "لن أقتل" إذا نطقت الفتحة النهائية بنغمة أعلى. فارتفاع الصوت له إذن من القيمة ما لدالة النسبة. من النغمات المختلفة ذات القيمة الصرفية، نغمة لها أهمية في بعض اللغات، وهي نغمة الصفر، أي عدم وجود النغمة. ففي السنسكريتية مثلا يكون الفعل منغما أو غير منغم تبعا لبعض شروط الاستعمال في الجملة. ولكنه بالطبع في استعمالاته المختلفة يتميز تميزا واضحا بغياب النغمة كما يتميز بوجودها. وهذا يؤدي بنا إلى أن نضيف إلى دوال النسبة المشار إليها فيما سبق نوعا من هذه الدوال أكثر من غيرها دقة ولكنها ليست أقل منها تعبيرا، ونعنى تلك التي يصح أن نطلق عليها دوال النسبة الصفرية. ففي الميدان الصرفي تلعب درجة الصفة دورا هاما. والقيمة التي تملكها هي قيمة تقابل على وجه الخصوص، ولكن ذلك لا ينقص من خطرها. فكثيرا ما يكون للصمت في الموسيقي من التعبير ما للميلودية التي يعترض طريقها ويقطع تدرجها، وفي الحديث لحظات من الصمت البليغ. في اللغة تعتبر دالة النسبة الصفرية دالة نسبة كغيرها من دوال النسبة, فقد كان في الهندية الأوربية بعض الأسماء التي لا يحمل مرفوعها أية لاصقة مميزة، أي أنها كانت تحمل في هذه الحالة لاصقة الصفر, فعدم وجود اللاصقة يكفي في مقابلة اللواصق المتنوعة التي تتمتع بها الحالات الأخرى لتمييز المرفوعات التي نحن بصددها, بل إن هناك حالة من حالات الإعراب في الهندية الأوربية تتميز دائما بتلك الصورة في الفترة القديمة على الأقل؛ ألا وهي حالة المنادى, وتقابلنا هذه الخاصة أيضا في صيغة فعلية قريبة من المنادى، وهي صيغة الشخص الثاني المفرد في حالة الأمر, فدرجة الصفر تلعب دورا لا يقل عن دور غيرها في تبادل الحركات في اللغات الهندية الأوروبية والسامية. وأخيرا نصل إلى فصيلة أخرى من دوال النسبة أقل تشخصا أيضا من السابقة وتتكون فقط من المكان الذي تحتله في الجملة كل واحدة من دوال الماهية.
следующие страницы →