← Язык

Язык · id 11563

اللغة

جوزيف فندريس

Полный текст (458 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ich jug "صدت" من jagen، و ich kuf "اشتريت" من kaufen، إلخ. فهذه الأفعال دخلت في الفصائل المطردة للأفعال القوية, وعلى العكس من ذلك في الإنجليزية كما في الفرنسية ليست الأفعال القوية في الحقيقة إلا شواذ، وإلا مستثنيات منعزلة لا تكون نظاما يستطيع أن يؤثر على المتكلم, غير أنه قد يحصل أن تدخل هذه الأفعال الشاذة في مجاميع تتكون كل منها من فعلين أو من ثلاثة, فتقوى وتتساند بذلك، ومثال ذلك في الفرنسية الفعلان pondre "يبيض" و tonre "يجز" اللذان لم يكن بينهما أية صلة في الأصل "أصلاهما اللاتينيان tondere, ponere ينتسبان إلى نوعين مختلفين من التصريف" ولكنهما أصبحا يتبعان طريقة واحدة في التصريف, وكل ذلك ليس له من المنطق إلا حظ يسير. "فالعقل، وطبعه عدم الثبات، لا يتابع سيره في خط مستقيم. لماذا؟ لأنه يسعى لاقتناص الأقيسة؛ لأنه -وهو الذي لا يأبه للصلات الحقيقية بين الأشياء- يجري وراء علاقات خارجية, وهو في مسيره هذا لا يعرف دائما أين يذهب". هذه الفكرة لجان بول Jean Pual "في Tegebuch؛ ٩ أغسطس ١٧٨٢" يمكن تطبيقها على العملية التي ندرسها هنا, وأغلب الظن أن مرجع ذلك في الأصل الاتجاه إلى جعل الصيغ المختلفة صيغة واحدة، وهذا الميل نفسه يرجع إلى كسل طبيعي في العقل, ولكن هذا الميل إلى التوحيد لا يعد ميلا إلى التخصيص كما قيل في بعض الأحيان, إذ إن التخصيص قاعدة منطقية تقضي بأن يعبر بعلامة واحدة عن كل وظيفة نحوية وأن تعبر كل علامة عن وظيفة نحوية واحدة, وهو نوع من التطبيق المثالي للنحو على المنطق, ولقد رأينا فيما تقدم ما يمنع من تحقيق هذا المثل الأعلى, فالعقل لا يغير مطلقا نظامه الصرفي تغييرا كاملا، ولا يوجه مجهوده في الوقت الواحد إلا إلى جزء من النظام يعد جد ضئيل. ولما كان الأثر الواقع منه على الأجزاء المختلفة لا تقوده مطلقا إرادة منفذة لخطة منهجية، بل كان تابعا لوحي المصادفة والظروف المختلفة، كانت النتيجة في مجموعها خالية على وجه العموم من الترابط والتجانس.

стр. 212

وتاريخ الزائدة ER في الألمانية من أقوى الأدلة على ذلك١. فهذه الزائدة التي يتميز بها عدد كبير من جموع الكلمات المحايدة ليست في حقيقة أمرها إلا لاحقة عممها القياس. ذلك أن بعض الفصائل المحايدة في الهندية الأوربية كانت تتميز باللاحقة ES التي نعثر عليها في اللاتينية "في صورة ER" في إعراب الكلمات من فصيلة GENUS "جنس" وجمعها GEN-ER-A إلخ. ففي الألمانية التي فيها يتغير حرف الصفير أيضا في مثل هذه الحالة إلى R, وجدت الكلمات المحايدة التي من هذا القبيل مزودة بنهاية جديدة ER وذلك بعد سقوط النهايات القديمة, وهذه النهاية الجديدة قد استطاعت أن تجعل الجمع مختلفا عن المفرد، ومن ثم صارت علامة مميزة للجمع. فهي إذن كانت زائدة قوية التعبير تحرص اللغة على ألا تفقدها، فمدتها بطريق القياس على عدد كبير من الكلمات المحايدة التي لم تكن في الأصل من الفصائل المحتوية على ES، فقياسا على KALB "عجل" التي تجمع على KALBER والتي تنتمي إلى فصيلة ES أمكن أن يجمع HAUS "بيت" على HAUSER و BUCH "كتاب" على BUCHER و FASS "برميل" على FASSER و GLAS "كوب" على GLASER و GELD "نقد" على GELDER و WORT "كلمة" على WORTER ومع ذلك فقد بقي عدد لا بأس به من الكلمات المحايدة التي تجمع على غير ذلك من MASS "مقياس" وجمعها MASSE و ROSS, "حصان" وجمعها ROSSE و AUGE "عين" وجمعها AUGEN، إلخ. ومن جهة أخرى نعثر على الزائدة ER في بعض الكلمات المذكرة مثل: RAND "حافة" وجمعها RANDER و GOTT "إله" وجمعها GOTTER و WURM "دودة" وجمعها WURMER، إلخ. ومعنى ذلك أن القياس لم ينجح في إعطاء الزائدة التي خلقها وظيفة واحدة. وما الرأي في اللغات الصناعية المبنية على خطة منطقية قد وضعت مقدما، هذه اللغات غير ممكنة الوقوع إلا إذا كانت لغات خاصة: لغات فنية أو لوائح علامات. ففي هذه الحال يكفي الاتفاق بين الأشخاص المعدودين الذين يستعملونها

стр. 213

للاحتفاظ بها كما خلقت دون تغيير, ولكن لا ينبغي لها أن تصير لغات حية؛ لأنها حينئذ لا تلبث أن يعتريها التغيير، فتنشأ بين الصيغ خلافات في القيمة، وتتغلب بعض الصيغ على بعضها الآخر، ويعمل قانون القياس عمله، وتحل الفوضى محل النظام الجميل. فالصيغ ذات الغلبة تصير مراكز إشعاع قياسي، وتجذب إليها غيرها من كل جانب لأسباب متنوعة، بعد ذلك توجد خطط قياسية متضاربة متقاطعة، لا يستطيع عقلنا القاصر أن يوفق بينها, ذلك أن اللغة المثالية حلم من الأحلام. تذكرنا ببستاني بذر في بقعة منظمة الأرجاء بذورا متماثلة كل التماثل وأخذ يولي كلا منها قدرا متماثلا من عنايته أملا منه في أن تنبت حديقته أشجارا متساوية الحجم تجري على نظام واحد وتثمر عددا متساويا من الأزهار والأثمار, بل إن هناك كثيرا من الأسباب التي تجعل الظروف البيولوجية تحيد عن سمتها، ومن هذه الأسباب ما يعلو على قدرة الإنسان؛ وكذلك الحال في اللغويات التي يقف فيها القياس في غالب الأحوال موقفا مغايرا للمنطق، على الرغم من أنه ينبعث من الحاجة إلى التوحيد ويستخدم التعليل العقلي بطريقة ترضي العقل١. الحاجة إلى التعبيرية كالحاجة إلى التوحيد من الحاجات التي لا تسد، ولكن العقل بسعيه إلى سدها يصلح من البلى الذي يلحق بالصيغ، وبالتالي يغير الصرف. في أثناء التطور الصوتي للغة من اللغات، تتآكل بعض العناصر الصرفية حتى تصبح غير صالحة للاستعمال، بل قد تبتر في بعض الأحيان بترا تاما. وعندئذ يجب ترميمها أو إحلال غيرها محلها. فإذا كانت اللغة من اللغات المعربة كاللاتينية وكانت الإصابة فيها واقعة على نهايتها "انظر ص٨٨" وجب أن يتناول الترميم الإعراب بأسره. فالبقايا الصرفية التي يبقي عليها فعل القوانين الصوتية يندر أن

стр. 214

تكون على درجة من التعبيرية تجعلها صالحة للبقاء على ما هي عليه؛ لذلك نرى إعراب الاسم يختفي شيئا فشيئا في اللاتينية العامية في القرون الأولى من التاريخ المسيحي. ولم يبق منها من كل أنواع الإعراب إلا المخالفة بين الفاعل والمفعول التي بعثت بعد ذلك بفضل عملية القياس. كذلك تصريف الفعل في اللاتينية الحديثة يدين بمقدار كبير إلى القياس. والعلامتان الفرنسيتان ONS, EZ اللتان تميزان جمع المتكلم والمخاطب نتيجة لامتداد قياسي. كذلك الزائدة ISS في التصريف FINISSONS "ننتهي" و FINISSEZ "تنتهون" و FINISSAIS "كنت أنتهي" ليست إلا اللاحقة اللاتينية ISC الدالة على الابتداء والاستمرار، قد أخذت من بعض الأفعال وطبقت على هذه الفصيلة من التصريف وصارت رمزا لها. والزائدة U في أسماء المفاعيل EU "مملوك" "قديما EVU" و VU "مرئي" "قديما VEU" و LU "مقروء" و TENU "ممسوك" و ROMPU "مفصوم"، إلخ قد جاءت من نهاية اسم المفعول اللاتينية utus، وهي صيغة نادرة الأمثلة في اللاتينية ولكن كان من اللازم في كل هذا إصلاح ما فقد بفعل البلى الصوتي، فأسماء المفاعيل القديمة Habitus و uisus و lectus و tentus و ruptus إلخ، لم تظهر أو ما كان يمكن أن تظهر في الفرنسية في صورة خالية من التعبير الصرفي, ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى الامتداد القياسي لنهاية معبرة. ولكن كل ذلك لم يكن كافيا، ولقد كان من العسير محاولة مد جميع الفصائل النحوية بالتعبير بمجرد إنعاش التصريف اللاتيني بتطعيم قياسي؛ لذلك تدخلت عملية أخرى تنحصر في زيادة أهمية الحروف وفي التوسع في الأداة وفي استعمال الضمائر، وبالاختصار في خلق نظام بأسره من الكلمات المساعدة تستعمل استعمال العناصر الصرفية؛ لذلك نرانا اليوم نقول la soeur "الأخت" و de la soeur "بتاع" الأخت" و a la soeur للأخت "أو" إلى الأخت" أو je lis "أقرأ" و tu lis "تقرأ" و il lit "يقرأ" بينما كان اللاتينيون يقولون: soror و sororis و sorari و lego و legis و legit١.

стр. 215

وأصل التركيب الفرنسي موجود في اللاتينية على وجه التأكيد حيث تختص الحروف مثلا باستعمالات عديدة، بل وكثيرا ما تستخدم لشد أزر علامات الإعراب، غير أن a "إلى, ل" و de "من أو "بتاع" في الفرنسية رمزان نحويان يخلوان من كل قيمة ذاتية على عكس ad "إلى, ل" و de "من" في اللاتينية فقد احتفظتا بقيمة ظرفية واضحة. ومع ذلك فإن ad و de كانتا في اللاتينية عنصرين صرفيين منذ زمن طويل. لم تكتف الفرنسية بالحروف اللاتينية، فاضطرت إلى خلق حروف جديدة ففضلا عن التراكيب الظرفية أو الحرفية اللاتينية من مثل dans "في" و apres "بعد" و sous "تحت" و avec "ب" إلخ, استعملت كلمات أخرى موجودة في اللغة, فأخذت chez "عند" من الاسم اللاتيني cosa "بيت"؛ وما زلنا نجد في بعض الأقاليم الفرنسية أسماء أماكن من مثل chez, chez Rolland, pierre "بيت بيير وبيت رولاند". كما أن بعض أسماء الفاعلين والمفعولين والصفات قد صارت حروفا حقيقية، مثل: pendant la nuit "أثناء الليل، أو في الليل" و vu les circonstances "نظرا للظروف "حرفيا منظورة الظروف"" nonobstant la defense "رغم الدفاع "حرفيا: الدفاع غير مانع"" excepte le dimanche "عدا الأحد" "حرفيا: الأحد مستثنى"". و malgre la pluie "رغم المطر "حرفيا: مرغم المطر""، sauf erreur "عدا الخطأ" و plein la rue "ملء الشارع "حرفيا ملئ الشارع"". ونجد حالات مماثلة في عدد كبير من اللغات. فالتعبير عن حالة الإضافة يدل عليه في بعض لغات الهند الحديثة "كالسنغالية مثلا" بواسطة العنصر ge "ج" وهو العبارة المكانية السنسكريتية القديمة grhe "في البيت" وذلك كما لو قلنا في الفرنسية le livre chez pierre "الكتاب عند بيير" بدلا من le livre de pierre "الكتاب "بتاع" بيير" والزائدة الإعرابية المجرية vle التي يعبر بها عن الآلة والتي يمكن ترجمتها بالحرف الدال على الآلة "ب" مشتقة من

стр. 216

كلمة مستقلة قديمة في حالة مفعول الآلية، وهي vayl أو vayd "بقوة، بواسطة". وفي الإنجليزية تعتبر الكلمات التالية حروفا حقيقية: concerning "خاصا بـ" و past "بعد "حرفيا: ماض"" "half past two" "الساعة اثنتان ونصف. "حرفيا: نصف بعد اثنتين"" وفي الألمانية الكلمتان trotz "برغم" و betreffend "خاص بـ" وفي الدنمركية الكلمة undtagen "ما عدا" إلخ. كل هذه الكلمات صارت "كلمات فارغة" بالمعنى المعروف في الصينية "انظر ص١١٦". ذلك أننا إذا تركنا عملية القياس جانبا نجد الصرف يستعيض في الواقع عن خسائره بتحويل الكلمات المليثة إلى كلمات فارغة. فالأدوات النحوية التي تستعملها اللغات ليست إلا بقايا من كلمات مستقلة قديمة، أفرغت من معنها الحقيقي واستعملت مجرد موضحات أي مجرد رموز.

стр. 217

وفي الألمانية: man sagt "كما في الفرنسية تماما"، وفي البريتنانية: neuz ket den "لا يوجد أحد"، وفي الأرمينية marth egav "هل جاء أحد؟ " وقد تعبر عن المعرف: "في الغالية: y gwr "هذا الذي، الذي"". الأفعال التي تسمى بالأفعال المساعدة كلمات مفرغة أيضا. ففي الإنجليزية فعل to do "يفعل" تستعمل أداة نحوية للاستفهام مثل do you see "هل ترى؟ " وللنفي مثل I do'nt see "لا أرى" وتستعمل الألمانية الفعل Thun "يفعل" استعمالا مشابها، في بعض اللهجات على الأقل مثل: er tat schiessen "أطلق "عيارا ناريا"" en tut sich wenden "استدار". والأفعال التي تستعمل أفعالا مساعدة هي غير الأفعال في كل اللغات بوجه عام. ففكرة "Vouloir" "يريد" أو devoir "يجب" تميل دائما إلى التعبير عن العرضية، عن الاستقبال "انظر ص١٩٩"، وفكرة "tenir" "يشغل" و"accouper" "يحتل" تستعمل للدلالة على الحدث المنتهي، ومن ثم التام. ومن هنا جاء في الإنجليزية I will go "سأذهب" و I shall find "سأجد" وفي الأرمينية الحديثة: bidi anem "سأفعل" وفي الفرنسية: j' ai conquis "افتتحت" و ich habe gedacht "فكرت" في الألمانية ... إلخ. وإذا كنا في الكتابة نفصل الكلمة الفارغة عن الكلمة المليئة التي تصحبها، فتلك عادة كتابية محضة. يوجد في الفرنسية حالات تم فيها التحام الكلمتين، فصارت الكلمة الفارغة لاحقة من اللواحق. ففيها المستقبل والشرطي J' aimerai "سأحب" و je lisais " ... "ل" قرأت" وهما مأخوذان من تراكيب لاتينية متأخرة مثل: legere habebam و amare habeo. وظروف الحال عندنا تتكون بواسطة اللاحقة ment مضافة إلى الصفة، وهذه اللاحقة ليست شيئا آخر غير صيغة مفعول الآلية mente من كلمة mens "عقل". ونجد في اللاتينية منذ القرن الأول قبل الميلاد استعمالات لكلمة mente تعلن عن هذه الوظيفة، وظيفة التعبير عن الحال مثل: constanti mente و Obstinata mente و Liquida mente "كاتول

стр. 218

فذلك الشيء نفسه قد وقع في الفرنسية بالنسبة لأداة النفي. ونحن نعرف إلى أي حد تسري عدوى النفي إلى الكلمات التي تلامسه. فالكلمات aucun "لا أحد" و Personne "لا أحد" "وذلك في صدد النفي ومعناها في

стр. 219

الإثبات: "شخص"" DU TOUT "بالمرة" من خير المثل في الفرنسية لما حدث في الإسبانية للكلمة NADA "لا شيء" "من: REM NATAM" ففي الفرنسية قيل في النفي أولا: JE NE VOIS POINT "لا أرى نقطة" je ne mange mie "لا آكل كسرة" و je ne marche bas "لا أمشي خطوة" je ne bois goutte "لا أشرب قطرة" إلخ. ففي كل هذه الجمل يعبر عن النفي بالأداة ne "لا" أما الكلمات المعمولة "المفاعيل: نقطة، كسرة ... إلخ" فإن معنى الجملة نفسه يبرر وجودها. غير أن قيمة النفي سرت في هذه المعمولات إلى حد أن أماتت قيمتها الحقيقية وصارت الكلمة، بعد أن أصبحت نفيا، تستعمل مع أي فعل لنفي أي حدث "أي ولو لم يكن فعل الرؤية أو الأكل أو ... إلخ" بقي من هذه الكلمات كلمة Pas "أصل معناها: "خطوة"" وكلمة point "أصل معناها "نقطة"" تستعملان أداتي نفي، ولكنهما لا يستويان في الاستعمال، أما goutte "أصل معناها "قطرة"" فقد بقيت في عبارات معدودة je n'entends goutte" لا أسمع مطلقا "حرفيا: لا أسمع قطرة"" je ce vois goutte "لا أرى مطلقا "حرفيا: لا أرى قطرة"" و mie "فتات، كسرة" اختفت تماما من لغة الكلام، ولكن الناس استمروا زمنا طويلا يقولون: je ne dors mie "لا أنام مطلقا "حرفيا: لا أنام كسرة"" و je ne souffle mie "لا أتنفس مطلقا "حرفيا: لا أتنفس كسرة""، وقد كان ذلك يصبح مستحيلا لو أنه بقي في شعور المتكلم شيء، مهما كان قليلا، من المعنى الحقيقي لهذه الكلمات. قبل أن تصير الكلمة مجرد لاحقة، تتفرغ من معناها الحقيقي شيئا فشيئا وبطريقة غير محسوسة. ويمكننا أن نلاحظ الطريقة التي يتم بها هذا العمل في اللغات التي لا زالت تمارس التركيب بصورة عادية. فقد صاغت الألمانية مثلا عددا كبيرا من الكلمات المركبة بواسطة كلمة mann "رجل" مثل: Bergmann "معدن "عامل مناجم"" و Dienstmann "فاعل "العامل الذي يشتغل في الأعمال اليدوية"" و fuhrmann "حوذي" و kaufmann "تاجر"

стр. 220

وكذلك الحال مع كلمة Frau "امرأة" فيقال Hausfrau "خادمة" و Waschfrau "غسالة". فهذه كلمات مركبة تركيبا حقيقيا وتحس على أنها كذلك. غير أن وجود كلمتي Mann "رجل" و Frau "امرأة" منعزلتين يجعل السامع يحس التركيب بعض الشيء. وكون الكلمات التي يدخلان في تركيبها تجمع بواسطة Leute "ناس" فيقال: Dienstleute "فعله" و kaufleute "تجار" يقوى هذا الشعور. ومع ذلك فمن المؤكد أن عناصر التركيب تلك ليس لها في العقل نفس الأهمية فالنبر الذي يقع على أول العنصرين يقلل من شأن الثاني بالنسبة للأول، والنبر هنا يسير مع المعنى أولا وقبل كل شيء. ذلك أن العنصر الأول هو عنصر الكلمة الدال، وقيمة الثاني قيمة صرفية على وجه الخصوص. فنحن في الفرنسية نترجم الكلمات Bergamann "عامل مناجم" و Fuhrmann "حوذي" و Kaufmann "تاجر" بالكلمات mineur و voiturier و negociant، أي بوضع لاحقة بسيطة مكان الطرف الثاني من المركب الألماني، لاحقة لها نفس القيمة التعبيرية. أغلب الظن أننا لا نستطيع أن نقول بأن العنصر الألماني Mann لاحقة، ولكنه صائر إليها، ولعله يصير مع ذلك بكل ما تتميز به اللاحقة, فالعنصر الأول يجذب إليه التفات العقل كله، والثاني يقنع بدور لا يكاد يزيد عن دور اللاحقة١. نعثر في الألمانية على لواحق عدة خلقت بهذه الصورة. فقد كان يقال في الألمانية العليا القديمة ni scouuous the heit manno"؛ non respicis personam hominum" "إنجيل متى ٢٢/ ١٥" ثم أخذت كلمة heit تدخل في التركيب، مثل: man-heit "الإنسانية" vip-heit " النسوية، النساء". وأخيرا أصبحت اليوم لاحقة من أشيع اللواحق "Mansch-heit "الإنسانية"، Schonheit "الجمال" إلخ". ويمكننا أن نجد نفس الطريقة إذا تتبعنا نشأة اللاحقين lich أو tum. فالأولى اسم قديم معناه "جسم، شكل" ولا يزال محتفظا به حتى اليوم في Liechnam "رمة" و Leichdorn "جسم في القدم

стр. 221

"كالو""، ونجده في gleich "الذي له نفس الشكل، مشابه", وصار لاحقة في صورة lich في weiblich "الذي له صورة المؤنث" و leiblich "ما له صورة محببة", إلخ. واللاحقة tum نجدها اسما مستقلا في القرن التاسع في قصيدة أتفريد otfrid "في صيغة duam "حدث، وظيفة""؛ ثم قيل rihhiduam "امبراطورية"، "يعبر عنها الآن بـreichtum", ثم على سبيل التوسع، Deutschtum "الألمانية" و yankeetum "الأمريكانية" إلخ. ونعثر على هذا الاتجاه بعينه في الإنجليزية القديمة حيث نجد wefhad "النسوية" تقابل vip-heit في الألمانية القديمة، و cynedom "اليوم kingdom" تقابل konigtum "الملكية" و woroldic "اليوم worldly" تقابل weltlich "دنيوي". الكلمات التي صارت لواحق بعد أن أفرغت من معانيها الحقيقية، أخذت قيمة تجريدية جعلتها قابلة للتعبير عن فصيلة صرفية. فبعضها مثلا يعبر عن الصفة، وبعضها عن الحالة: بعضها يميز أسماء الحدث، وبعضها أسماء الفاعلين. هذه القيمة التجريدية لا تمنعها بعد أن نشأت من أن تتلون بألوان من العاطفة. فاللاحقة ard التي أخذتها الفرنسية من الجرمانية حيث تستعمل عنصرا ثانيا في بعض أسماء الأعلام المركبة "Richard, Eberhard, Bernhard"، هذه اللاحقة اتخذت في الفرنسية دلالة تهكمية؛ هذه الدلالة نشأت بعملية القياس، ولكن بعض الكلمات نجت من هذا القياس "مثل buvard "نشاف" foulard "منديل" فاحتفظت فيها اللاحقة بقيمتها العامة التجريدية التي لا يخالطها أي لون انفعالي. وهذا يدل على أن هذا اللون الانفعالي طارئ. الميزة الحقيقية للكمة الفارغة هي التجريد. فكلما أوغلت اللاحقة في صيرورتها كلمة فارغة، زادت قيمتها التجريدية إلى حد أن بعض دوال النسبة تنتهي إلى أن تصير مجرد رموز جبرية لا يمكن ترجمتها إلى لغة أخرى، وهذه حال

стр. 222

هذه الفقرة تسحب إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟ عندنا مثال من خير الأمثلة التي تلخص عمليات تكوين دال النسبة، وذلك في أداة الاستفهام الفرنسية ti "تي". جاستون باري Jaston paris أول من لفت الأنظار إلى أهمية هذه الأداة الكثيرة الاستعمال في اللغة المعاصرة١. فعبارة il aime "يحب" "وتنطق إيلَيم" "المسند فيها الفعل إلى ضمير الغائب المفرد إذا جعلت استفهاما كانت تصير في الفرنسية الوسطى aime-il؟ "هل يحب؟ "وتنطق: إيميل"" وكانت تستعمل على هذا النحو حتى أوائل القرن السابع عشر. وتحت تأثير جميع الغائب الذي ينتهي فعله بحرف التاء "ils aiment "يحبون" وتنطق إيلزيم؛ aiment-ils؟ "هل يحبون؟ " وتنطق إيمتيل" أقحم حرف التاء في صيغة المفرد عند الاستفهام لحفظها من الفناء الذي ينجم عن عدم التعبيرية. ومن ثم جاءت aime-t-il "إيمتيل" التي هي نتيجة لخطوة أولى في التوسع. غير أن الغائب مفردا وجمعا قد صار بهذه الوسيلة مميزا في حالة الاستفهام بالنسبة للشخصين الآخرين. فإن التاء لا توجد إلا في صيغة الاستفهام -إذ إن النطق في غيره em إيم "ils aiment, il aime" دائما في كلتا الحالتين- فصارت هذه التاء في الواقع علامة للاستفهام حرمت منها الأشخاص الأخرى "aime-je" "هل أحب"، aimons-nous "هل نحب"، aimet-tu "هل تحب" aimez-vous "هل تحبون". وأصبح المفرد المتكلم" "aime-je" في حالة نقص بين هذه الأشخاص بسبب ظروف صوتية، بل أصبح مبعدا في بعض الأحوال إبعادا واضحا وذلك في مثل "cours-je "هل أجرى؟ " و lis-je "هل أقرأ؟ " و pars-je "هل أنطلق؟ " و sers-je "هل أخدم؟ ", إلخ، وتعرض شخصان آخران، هما aimons-nous "هل نحب؟ " و aimez-vous "هل

стр. 223

تحبون" للالتباس بصيغة الأمر من الفعل المطاوع ولذلك فقدا جزءا كبيرا من قيمتها التعبيرية وقد كان ذلك ربحا لصيغة الشخص الثالث الاستفهامية التي أصبحت بها واضحة مع قصرها، ثم صار يستعمل أيضا مع الفعل مسندا إلى الظاهر مثل: pierre aime-t-il? "هل بيير يحب؟ " يزيد على ذلك أن نهاية الجملة il "إيل" صارت تنطق i "إي" تبعا لعملية صوتية معتادة "قارن coutil "نوع من النسيج" و nombril "سرة" و persil "بقدونس" "وفيها جميعها لا تنطق اللام الأخيرة" فانقطعت بذلك الصلة التي تربطه بالضمير "il aime "إيليم"، aime-ti? "إيم تي" أو كان ذلك على الأقل في حالة ما إذا كان الفعل يبدأ بحرف حركة. وعلى ذلك صار يأخذ شيئا فشيئا قيمة عنصر مستقل أصبح خاصا بمعنى الاستفهام. وأخيرا ساعد على انتشار ti "تي" الاستفهامية وأكد نجاحها الميل الطبيعي في اللغة الفرنسية لوصل الفعل بضمير الفاعل بعروة وثيقة لذلك تقل الحالات التي يفصل فيها بينهما شيئا فشيئا: فبدلا من أن يقال je ld dis "أقوله" و tu le sais "تعرفه" "بالفصل بين الفعل والفاعل بضمير المفعول يقال في لغة الكلام je dis ca "أقول ذلك" و tu sais ca "أنت تعرف ذلك". وهكذا أصبحنا نتوقع اللحظة التي لا يفصل فيها بين الفعل وبين الضمائر: Je "أنا" و tu "أنت" و Il "هو" و nous "نحن" و vous "أنتم" و ils "هم". ومن ثم صارت دلالة القلب "يعني تقديم الفعل وتأخير المسند إليه" على الاستفهام تتناقض شيئا فشيئا. وأصبح العنصر ti "تي" pierre, aime ti? "بيير، أيحب؟ " من أبسط العبارات وأنسبها في الدلالة على الاستفهام, فعممت في il aime-ti? "هل يحب؟ " ثم في j'aime-ti؟ "هل أحب؟ " و tu aimet-ti "هل تحب؟ " nous aimons-ti "هل نحب؟ " ces enfants s'aiment-ti "هؤلاء الأطفال، هل يحب بعضهم بعضا؟ " دون تغيير في نظام الفاعل والفعل الذي تتمسك به اللغة تمسكا قويا. فأداة الاستفهام ti "تي" تدين إذن في انتشارها إلى سلسلة من خطوات التوسع القياسي، ساعدتها في كل واحدة منها ظروف خاصة فأصبحت اليوم

стр. 224

رمزا تجريديا ذا صبغة عامة، إذ إنه يطبق على أنواع الجملة الاستفهامية كلها دون تمييز, وذلك هو رمز الاستفهام الوحيد الذي كانت اللغة الفرنسية في حاجة إليه. وقد رأينا كيف وصلت إلى خلقه وبأي قدر من المهارة المرنة الملحة قد خلقته. ولم يكن في الفرنسية تقاليد كتابية، ولو لم تكن اللغة تتلقى وتكتب اليوم على نحو ما يفعل بلغة قوم متبربرين، ما أتيح لنا أن نرى الأداة ti تفصل عن الفعل الذي يسبقها. ولصرنا نكتب كلا من العبارتين: j.htm'aime-ti "هل أحب" و j'aime-ti pas "ألست أحب" في كلمة واحدة هكذا Jemti "جِمَتِي" jemtipa "جَِمْتيبا" ولاعتبرت أداة الاستفهام وكذلك أداة النفي عنصري بناء أي لاحقتين على قدم المساواة مع اللواحق وعلامات الإعراب في الإغريقية واللاتينية. ولفقدنا كل وسيلة للكشف عن أصل ti "تي" أو pa "با"، ولاعتبرناهما أداتين نحويتين مجردتين من كل معنى ذاتي. ولعل الإعراب في الهندية الأوربية والسامية إنما نشأ من إلصاق عناصر مستقلة التكوين إلى الأصل، وهي عناصر كانت تحوم حوله ثم التحمت به على مرور الزمن١. ولكنها نجهل نقطة البدء التي تصدرت عنها. ولعله من العبث أن نحاول البحث عن الصيغة والدلالة البدائيتين لعلامة الإسناد في المتكلم الجمع أو مفعول الأداة، أو عن لاحقة الفعل الدال على الابتداء فالاستمرار أو الاسم المجرد. ولكن يمكن التأكيد بأن هذه العناصر التصريفية نتجت من امتداد قياسي لكلمات قديمة مستقلة، بعد أن شوهت تشويها قليلا أو كثيرا، ونزلت إلى حد الاقتصار على أداء دور الأدوات النحوية. فالنظم الصرفية لا تتجدد بغير هذه الوسيلة.

стр. 225

الجزء الثالث: المفردات الفصل الأول: طبيعة المفردات ومدا ها ١ لم ندرس فيما تقدم حتى الآن الكلمات من ناحية قيمتها المعنوية، أي من ناحية المعنى الذي تعبر عنه مستقلة عن الدور الذي تلعبه في الجملة. ومع أن دوال النسبة تكون مع دوال الماهية في غالب الأحيان جسما واحدا إلى حد يجعل تحليل الكلمة أمرا مستحيلا "انظر ص١٢٢"، فإن الصرف مستقل عن قيمة الكلمات المعنوية وقيمتها الصوتية على السواء. وما نسميه بالمفردات هو مجموع الكلمات في إحدى اللغات باعتبار قيمتها المعنوية. فهذه النظم الثلاثة. نظام النطق ونظام الصيغ النحوية ونظام المفردات تستطيع أن تصور منفصلة كل منها عن الآخرين، تحت تأثير أسباب مختلفة. وبعض اللغات تحدد مفرداتها دون أن تغير شيئا من صوتياتها أو من نظامها الصرفي. فنجد مثلا في الأردية الأدبية وهي فروع من الهندستانية " جملا بأسرها ليس فيها من الهندية إلا النظام النحوي، أما الكلمات فكلها فارسية. والغجر الأرمينيون يستعملون لغة أرمينية

стр. 226

نطقا ونحوا وإن كانت مفرداتها غريبة عن الأرمينية١. ذلك أن القالب النحوي الواحد يمكن أن تصب فيه مفردات مختلفة. العلم الذي موضوعه دراسة المفردات يسمى الاشتقاق Etymologie٢. وتنحصر في أخذ ألفاظ القاموس كلمة كلمة، وتزويد كل واحدة منها بما يشبه أن يكون بطاقة شخصية يذكر فيها من أين جاءت ومتى وكيف صيغت والتقلبات التي مرت بها, فهو إذن علم تاريخي يحدد صيغة كل كلمة في أقدم عصر تسمح المعلومات التاريخية بالوصول إليه ويدرس الطريق الذي مرت به الكلمة مع التغيرات التي أصابتها من جهة المعنى أو من جهة الاستعمال. ومن ضياع الوقت أن نحاول البرهان على أهمية هذا العلم. فلم يأخذ العلماء في تأسيس الصوتيات والصرف المقارنين إلا بفضل ما وصل إليه الاشتقاق من نتائج. والاشتقاق والصوتيات والصرف يسند بعضها بعضا. فما دامت القواعد التي يجري عليها تتابع الأصوات والصيغ النحوية في صورة الاشتقاق، فإن هذا الاشتقاق الذي يطبقها تطبيقا صحيحا يقدم لعلم اللغة إحدى المساعدات. ولكن الاشتقاق يعطي فكرة زائفة عن طبيعة المفردات، لأن كل ما يعنى به هو أن يبين كيف تكونت المفردات. والكلمات لا تستعمل في واقع اللغة تبعا لقيمتها التاريخية؛ فالعقل ينسى خطوات التطور المعنوي التي مرت بها، ونقول ينساها إذا افترضنا أنه عرفها يوما من الأيام, وللكلمات دائما قيمة حضورية actuelle، يعنى أنه محدود باللحظة التي تستعمل فيها، ومفرد، يعني أنه خاص بالاستعمال الوقتي الذي تستعمل إياه٣. وإذا تصفحنا قاموسا اشتقاقيا كان أول ما يلفت نظرنا بعد العدد الكبير من الكلمات التي لا يذكر لها أي اشتقاق جدير بالاعتبار، إنما هي وفرة المعاني غير

стр. 227

المنتظرة التي توالت على الكلمات, فأسماء رتبنا العسكرية مثلا من الكابورال Caporal "الأمباشي" إلى الجنرال general "لواء" مارة بالسِّرجن Sergent "جاويش" فالأدجودنت adjudant "الصول" فاليتينانت lietuenant "الملازم" فالصاغ "اليوزباشي" capitaine فالقومندان Commandant "البكباشي" تقدم لنا مجموعة من الأخلاط المتنافرة؛ وكذلك الحال في جميع التسميات التي نحار في تفسيرها على ضوء الاشتقاق وحده. فالاستعمال يخلع على كل كلمة قيمة محدودة دون أن يدخل في حسابه المعنى الذي كان لها في الماضي. فالماريشال marechal لقب أكبر مقام في نظامنا الحربي، جاءت من خادم الإسطبل "في الألمانية القديمة Marah-scalc, ومنها mariscalcus في لاتينية القرون الوسطي"، ولذلك يرى العالم الاشتقاقي أن ماريشال فرنسا Marechal de France والماريشال فران Marechal frrant "بيطار" يحملان اسما واحدا. من محض المصادفات أن كانت مجموعة واحدة بعينها من الأصوات تدل في لغة واحدة على العملية الحسابية "calcul" وعلى الحصاة الكلوية "Calcul" إذ إنهما يرجعان من ناحية الاشتقاق إلى كلمة واحدة. وعلى العكس من ذلك يرى العالم اشتقاقي كلمتين مختلفتين في الجملتين il loue une maison "يؤجر بيتا" و il loue la vartu "يمتدح الفضيلة". "مع أن الفعل المستعمل في الجملة الراهنة فعل واحد يستعمل في كلا المعنيين louer"، أو في il pratique le vol a la tire "يمارس السرقة بالخطف", و il pratique le vol plane "يمارس الطيران الشراعي". "الاسم المستعمل في المعنيين سرقة وطيران واحد هو Voler". ولكنها مصادفة كبيرة أيضا تلك التي جمعت في الفرنسية في مجموعة واحدة بعينها من الأصوات معنى الكلمة اللاتينية Locare "يؤجر" والكلمة اللاتينية أيضا laudare "يمتدح" وفكرة التلصص مع فكرة الجولان في الهواء أو فكرة التفكير الحسابي وفكرة الأحجار تتكون في داخل الكليتين. والمتكلم لا يفرق بين هذه الحالات الثلاث المتقدمة بعضها وبعض فاشتراك اللفظ

стр. 228

في أكثر من معنى l'homoynymis يوجد مستقلا عما كان بين الكلمات من صلات تاريخية. أكثر من ذلك أننا حينما نقول بأن لإحدى الكلمات أكثر من معنى واحد في وقت واحد نكون ضحايا الانخداع إلى حد ما. إذ لا يطفو في الشعور من المعاني المختلفة التي تدل عليها إحدى الكلمات إلا المعنى الذي الذي يعينه سياق النص١. أما المعاني الأخرى جميعها فتمحى وتبدد ولا توجد إطلاقا. فنحن في الحقيقة نستعمل ثلاثة أفعال مختفة عندما نقول "الخياط يقص الثوب" أو "الخبر الذي يقصه الغلام صحيح" أو "البدوي خير من يقص الأثر". وكذلك الحال عندما أقول "لا تصاحب الآنسة س: إنها بنت" أو "السيدة س ولدت مولودا، إنه بنت" أو "أقدم لك بنتي", فإني أستعمل في الواقع ثلاثة كلمات لا يربطها بعضها ببعض أي رباط، لا في ذهن المتكلم ولا في ذهن السامع. في التسليم بأن للكلمات معنى أساسيا ومعاني ثانوية صادرة عن الأول إثارة لمسألة وجهة النظر التاريخية ووجهة النظر التاريخية تلك لا قيمة لها هنا. ربما رأى الشخص الذي يشمل اللغة بأسرها في تطورها واتساعها بنظرة واحدة أن الريشة التي من حديد جاءت من ريشة الأوزة، فهي عنده كلمة واحدة أخذت دلالتين مختلفتين على مرور الزمن. لذلك يجدر بقاموس يفخر بتتبعه لخط سير المعاني أن يضع تحت كلمة ريشة، معنى الريشة التي من "حديد" بعد معنى ريشة "الأوزة" ولكن الفرنسي الذي يتكلم لغته اليوم، لا يرى في هذين الاستعمالين في الواقع إلا كلمتين مختلفتين. ولا يوجد شخص واحد يحاول أن يشكو من الغموض عند سماعه جملتين من قبيل "يعيش من كد ريشته" و"اجتث له ريشة". وكل واحد يفهم دون تردد أن الكلام في الجملة الأولى عن أحد الكتاب وفي الثانية عن أحد الطيور. فالكلمتان مختلفتان كجميع المشتركات الأخرى. وفي اللغة كلمتان من "ريشة" تقابلان المعنيين السابقين كما يوجد

стр. 229

أربع كلمات من "سو SO" "وإن اختلفت في الكتابة" في الجمل الأربعة الآتية: ILS ONT DEPOSE LEURS SEAUX "لقد حطوا دلاءهم" ILS ONT APPOSE LEURS SCEAUX "وضعوا توقيعاتهم" و LA NATURE NE FAIT PAS DE SAUTS "الطبيعة لا تقوم بوثبات" ces enfants sont des sots "هؤلاء الأطفال بلهاء"١. قد يعترض معترض فيقول بأنه قد مرت لحظة كان يحس خلالها بأن كلمة ريشه استعارة. ولكن هذه اللحظة لم تطل، فأية كلمة في اللغة الجارية ليس لها إلا معنى واحد في الوقت الواحد. إذ لما كانت ريشة الأوزة تستعمل في الكتابة، كان الذي قال "آخذ ريشتي لأكتب كلمة" قد استعمل كلمة ريشة بمعنى أداة للكتابة، ولم يقصد استعمال استعارة، وسامعه لم يقدر غير هذا التقدير. الاستعارة تشبيه مختزل، تقديرها يحتاج إلى مجهود يستطيع الإنسان أن يسلم به له لمؤلف يقرؤه عندما يتوفر له الوقت، ولكنه في المحادثة لا يملك الوقت الكافي لهذا العمل. فاللغة في حاجة إلى تحديد ووضوح. وأكثر ما يجب تجنبه عند الكلام إنما هو اللبس. والجناس في حد ذاته مسلك غير طبيعي، فهو عمل فني يتطلب انتباها خاصا ككل إنتاج فني. وأولئك الذين يقبلون على هذا النوع من الممارسة يعرفون جيدا ضرورة تحضير الجو وإيقاظ عقل السامع ليكون على بينة مما يجري فيقف بالمرصاد لاقتناص النكتة العقلية. فلو كانت الكلمة تمثل دائما في الكلام بكل معانيها الممكنة لأحسن السامع في المحادثة على كل حال ذلك الأثر المضايق الذي تحدثه في نفسه سلسلة من الجناسات. لا شك أن هذه النتيجة تصدم المتشددين الذين يعلقون أهمية كبيرة على اختيار الاستعارات، والذين يقولون بإقصاء كل تلك التي لا تأتلف ائتلافا تاما مع سياق النص، وقد يعترضون بأن فن الأسلوب لم يوجد عبثا. نعم، نحن نوافق أنه ليس من التجاوز في العناية بالأسلوب أن تعاب هذه الاستعارات المتنافرة التي كثيرا

стр. 230

ما تثقل الخطب الرسمية والمقالات التي تنشر في صغار الصحف. فجعل "عربة الدولة تسبح على بركان" أو وصف فنانة مبتدئة بأنها "كوكب من العشب، يغني "رغم حداثته" بأنامل فنان ناضج" ليس من العناية بالأسلوب في شيء. وكل اللغات تحتوي على عبارات عوجاء من هذا القبيل تذكر أحيانا للتفكه وإثارة الضحك. وكلنا يعرف الجملة الألمانية der zahn der zeit, der Schon so manche Thrane getrocknet hat, wird auch uber diese wunde Gras wachsen lassen وترجمتها الحرفية "ناب الدهر الذي كثيرا ما جفف من دموع, سيجعل العشب ينمو على هذا الجرح أيضا". لا شك أن مثل هذه الجمل تثير الضحك، ولكنها لا تضحك إلا بعد تفكير، أما في حرارة الارتجال فإن وجه الإضحاك فيها لا يبدو دائما. وخطؤها أنها تجمع بين كلمات لا تأتلف إذا كانت مستعملة مجازيا. ولكن من يدخلها في كلامه يستطيع أن يقول في الدفاع عن نفسه بأنه لم يسع إلى عمل استعارات. وإنما أراد أن يستعمل عبارات مصنوعة stylisees في الحال. والواقع أن كلمة واحدة منها تليق بالغرض الذي وضعت له إذا أخذت على حدة. ولكن تراكمها في مكان واحد هو الذي يدعو إلى الضحك منها١. كل منا معرض للوقوع في أخطاء من هذا القبيل إذا لم يراقب نفسه. فنجد الكثير منها عند الخطباء الذين يرتجلون. بل إن الكتاب ذوي المواهب ليسوا بمنجي عن الوقوع فيها. فقد أحصى الألمان الكثير منها في شعر شيلر. ولكنها لا تعاب حقا إلا عندما يكرر منها عدد كبير أو عندما تثير صورا مغرقة في إثارة الضحك كما في الأمثلة السالفة. غير أن المتشددين يعيبون على كل العبارات التي فيها استعارة غير مؤتلفة أو مزادة بين كلمات لا تتزاوج. ومع ذلك إذا سمعنا هذه الأشياء من أفواه عامة الشعبة، لا ينبغي لنا أن نعجل بالاحتكام إلى محكمة العقل ضدها على أنها من سوء الاستعمال. فإن عددا كبيرا من العبارات الجارية التي تجيزها القواميس ويستعملها خير الكتاب قد نتج من استعمالات مجازية ممسوخة. أليس من الخرق أن يقال: يملأ غرضا "يعني "يحقق غرضا" أو

стр. 231

خربت ثوبها بمعنى "abimer"" أو يحتضن صناعة أو يتمتع بصحة سيئة؛ فالمتشددون على حق حين يرفضون هذه العبارات. ولكن من الخرق أيضا أن نتكلم عن مرساة سكة الحديد debarcadere de chemin der fer "حيث لا ينزل من القطار في قارب، والمرساة deparcadeir أصلها للخشبة التي تصل بين السفينة والشاطئ" أو عن الوصول إلى بلدة كذا arriver "حيث لا يوجد شاطئ لعدم وجود نهر، وأصل معنى arriver الوصول إلى rive أي الشاطئ" أو عن الاستياك بفرشة شعر أو عن اعتناق مبدأ من المبادئ ولا دخل فيه للعنق. ومع ذلك فهذه كلها من خير عبارات اللغة، لا نحس فيها شيئا مما يخالف المنطق، وقد يعترينا الدهش حين نعلم أن بعض المتشددين من أعضاء الأكاديمية كانوا في القرن السابع عشر يخطئون عبارة "أغلق الباب" مدعين أنه يجب القول "ادفع الباب" أو "اغلق الغرفة"١. كذلك لا نحس خبثا -اللهم إلا إذا قصدنا إلى ذلك قصدا- في مسميات مثل "براغيت الست" أو "فسية العفريت" أو "حظيرة الحزب"؛ لأن أصل الاستعارة قد اختفى من الاستعمال الحالي، إذ صارت أسماء تدل على نوع من الحلوى، أو على ظاهرة جوية أو على مستقر لجماعة ما وبالتالي على مبادئها. كما في وسعنا أن نقول: "نقرن زيدا بعمرو" دون أن نسيء إليهما، لأن قيمة الكلمة الاشتقاقية قد اختفت. الذي يعين قيمة الكلمة في كل الحالات التي ناقشناها إنما هو السياق، إذ أن الكلمة توجد في كل مرة تستعمل فيها في جو يحدد معناها تحديدا مؤقتا. والسياق هو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة بالرغم من المعاني المتنوعة التي في وسعها أن تدل عليها، والسياق أيضا هو الذي يخلص الكلمة من الدلالات الماضية التي تدعها الذاكرة تتراكم عليها، وهو الذي يخلق لها قيمة "حضورية".

стр. 232

ولكن الكلمة بكل المعاني الكامنة توجد في الذهن مستقلة عن جميع الاستعمالات التي تستعمل فيها مستعدة للخروج والتشكل بحسب الظروف التي تدعوها. تنوع الاستعمالات التي تصلح لها الكلمة لا تخلع عليها قيمة عامة. إذ لا يوجد بين القيم المختلفة التي تصلح لها الكلمة قيمة وسطى. بل كل واحدة منها موجودة بأسرها، لا تنتظر لتعزز وجودها إلا إشارة واحدة. وإذا كان هناك شيء من التردد، فإن ذلك التردد لا يرجع إلى القيمة نفسها بل إلى الظروف التي تتدخل فيها. في ذهني مثلا كلمة "بنت" Fille. فمعانيها التي أشرنا إليها سابقا لا يختلط بعضها ببعض, بل تبقى كل منها تحت تصرفي ساعة أحتاج إليها. ومع ذلك فليس عندي في ذهني إلا كلمة واحدة هي Fille "بنت". هذه الكلمة نفسها ليست منعزلة، بل مسجلة في ذهني مع كل حالات السياق التي سبق أن أدخلتها فيها، ومع كل الارتباطات التي تصلح للاشتراك فيها: "بنات وبنين"، "بنت طيبة"، "بنت أم"، "بنات الملجأ"، إلخ. فأراني أربطها في آن واحد بعدة عائلات من الكلمات. وهي تثير في نفسي عددا من التصورات يكبر أو يصغر تبعا لقوة مخيلتي، وكل هذه التصورات تشع منها في جميع الجهات. ليس في الذهن كلمة واحدة منعزلة. فالذهن يميل دائما إلى جميع الكلمات، إلى اكتشاف عرى جديدة تجمع بينها. والكلمات تتشبث دائما بعائلة لغوية بواسطة دال المعنى أو دوال النسبة التي تميزها، أو بواسطة الأصوات اللغوية التي تتركب منها لا أكثر من ذلك. فنحن نشعر بأن الكلمات: إعطاء، عطية، عطاء، معط، معطى" ... إلخ، تكون عائلة قائمة بذاتها تتميز بعنصر مشترك، هو الأصل "ع ط ي" مهما تنوعت معاني المشتقات. كذلك الكلمات bonasse "مصطفاوي" و blondasse "شقراوي" و cocasse "مضحكاوي" و jaunasse "أصفراوي" و degueulasse "مقرفاوي" "وهذه الأخيرة عريقة في العامية" ترانا نربطها بعضها ببعض بواسطة اللاحقة asse "آس" التي تدل على السخرية. ولكن من الكلمات إعطاء، معط, ومعطى, إلخ تكون

стр. 233

مجموعات أخرى. فإعطاء ترتبط بإحلال وإعظام ... إلخ, ومعط يرتبط بها مغن ومزر ... إلخ, ومعطى ترتبط بها كلمات مثل مرضى وملقى ... إلخ. فهناك إذن تداخل بين المجموعات. اجتماع الكلمات تبعا لأصواتها يؤدي دورا هاما فيما يسمى الاشتقاق الشعبي "انظر ص٧٩" فالذهن يميل إلى أن يصل بين الكلمات تبعا لشكلها الخارجي وأحيانا على عكس ما يقتضي المعنى، بل على عكس ما يقتضي العقل السليم. وقد تسوق مشابهة غامضة بين كلمة وكلمة أخرى أشيع استعمالا أو أكثر شهرة إلى التقريب بينهما، ومن هنا تنشأ بعض التشويهات الغريبة: فالتسمية اللاتينية culcita pucata ومعناها الحرفي "ملحفة ذات غرز" Couverture piquee صارت في الفرنسية courte pointe "الغرزة القصيرة" بدلا من Coulte pointe "الغرزة المشكوكة" مع أن فكرة القصر لا صلة بينها وبين تعريف المادة التي نحن بصددها. والرقص الإنجليزي المسمى countrydance "رقص الريف" مع أنه منقول من فرنسا، دخل اسمه في اللغة الفرنسية من جديد بصيغة contredancse "عكس الرقص" وهي عبارة لا معنى لها. ونحن نعرف الصيغ الظريفة التي تأخذها أسماء الأمراض والأدوات الفنية في أفواه العامة، فهي كنز لا يفنى من التسلية للمشتغلين بتسجيل الطرائف. وإذا كانت عبارة la liqueur a piocer "خمرة النوم" التي تقال بدلا من laqueur opiacee "خمرة بالأفيون" وهي عبارة لذيذة موفقة المعنى فإنه لا يوجد أي مبرر لإطلاق lait d'anon "ليدانون" "لبن الحمارة" على الدواء المسمى Laudanum. وقد ذكرت حالة أطلق فيها اسم chantepleure "غناء البكاء" على نوع ما من الأقماع لا علاقة له مطلقا بالبكاء ولا بالغناء حتى أصبح اسمه في تغيراته المتتابعة من خير المثل للاشتقاق الشعبي الذي ليس للمعنى فيه أية أهمية. وأسماء الأعلام "ونعتبر أسماء الأعلام هنا بمعناها الأوسع انظر ما يلي في آخر هذا الفصل" مسرحا خصيبا لمثل هذه التشويهات. ومن أمتع هذه التشويهات ذلك الذي جعل من pipe de kummer "عليوم كومبر" اسم صانعه pipe d'ecume de mer "kummer" "عليوم

стр. 234

زبد البحر" "ومن تسميته بالألمانية Meerschaum، وجاء من التسمية الإيطالية "mala aethiopica" pomi dei Mori التعبير الفرنسي Pommes d'amou "تفاح الحب" "ومن ثم love-apples في الإنجليزية و liebesapfel في الألمانية" كما جاء من التسمية الإنجليزية "Aunt sallay العمة سلي، اسم للعبة". التسمية الفرنسية ane sale "الحمار المملح" وجاء من الطليانية girasole "اسم نوع من الخضروات" الكلمة الإنجليزية Jerusalem اسما لهذا النوع من الخضروات، وصحف اسم جبل الهيميت Hymette في اليونان إلى Il matto ""المجنون في لغة البندقية في القرون الوسطى"" ومنها جاءت التسمية المتداولة الآن في الإيطالية السويسرية Trello-vonuno "جبل المجنون" هذه كلها أمثلة بينة من ترابط الكلمات التي يحصل في الذهن. فحدوثه بصورة غير شعورية عادة لا يمنع من أنه بالغ الأثر. وإذا استقصينا نتائج هذه التغيرات خرجنا من الميدان اللغوي إلى ميدان الفلكلور: فكم من الأساطير ولدت من أحداث لغوية كتلك التي أشرنا إليها هنا١. فبالقرب من جرينوبل قلعة تسمى سان فران Saint-vrain حرف اسمها إلى سن فنان Sans-venin "دون سم" فنسجت حولها أسطورة منشؤها هذا الاشتقاق الشعبي. فالاسم وهو مطية الأفكار، يؤدي بتلاعب التشابه والجرس إلى مقاربات تغرر بالعقل. هذه أشياء يرفضها العقل السليم، ينظر فيها الإنسان فيظنها من خيال الأطفال ولكنها تأخذ سيما الحقيقة. لذلك ذهب البعض إلى أن الأساطير إنما نشأت من مرض في اللغة، وقد نجح في البرهان على بعض الحالات٢. ولكن لقصص الأولياء أيضا نصيبها من مسئولية ذلك في غالب الأحيان؛ فكثير من القديسين المعروفين بشفاء المرضى في ريفنا يدينون ببركاتهم إلى أنواع من الجناس ساعدت عليها صيغ أسمائهم. كذلك يطفح الطب الشعبي

стр. 235

بالوصفات الناشئة عن اللعب بالألفاظ، فترابط الأفكار يخلق أدوية من نوع الأمراض HOMEO-PATHIQUES، ذلك أن الكلمات لها دائما قيمة رمزية إن قليلا وإن كثيرا١. أشرنا فيما سبق إلى ما بين اللغة الانفعالية واللغة المنطقية من علاقات؛ فكلتاهما تختلطان في الاستعمال الذي يستخدم الكلام. ولكن هذا المزج يكون على أثبت حال في ميدان المفردات منه في أي ميدان آخر. فالكلمة لا تحدد فقط بالتعريف التجريدي الذي تحددها به القواميس. إذ يتأرجح حول المعنى المنطقي لكل كلمة جو عاطفي يحيط بها وينفذ فيها ويعطيها ألوانا مؤقتة على حسب استعمالاتها. بل حتى عند أقل الناس خيالا وأبعدهم عن التأثر يختلط بالمعنى التجريدي العام الذي تبين عنه الكلمة، ألوان خاصة هي التي تكون قيمتها التعبيرية. إذا أردنا تحليل هذه القيمة اكتشفنا فيها خصائص متنوعة وأصولا عديدة فهي تنشأ أولا من اتفاق يتكون بين معنى الكلمة والأصوات التي تتألف منها. نعم أغلب الظن أنه لا يوجد اليوم من يرى رأي الرئيس دي بروس de Brosses أو رأي كوردي جبلان court de gebelin من أن الكلمات تكونت في الأصل من أصوات مساوية للأفكار وأن fleuve "النهر" مثلا يدين باسمه إلى أن الحرفين ف ل f١ اللذين يحتويان حرفا مائعا يوقظان الإحساس بشيء "يسيل" إذ لا يوجد أي تطابق مبدئي بين الصوت والمعنى، فالمفردات لم تخرج من مجموعة من أسماء الأصوات. ولا نظن أحدا يضم صوته إلى مقولة رجل الكنيسة الذي يزعم أن الأسماء يجب أن تتفق وطبيعة الأشياء، كما يقول سان توماس الأكويني: "momina debent naturis rerum congruere" ولكن إذا كان هذا الاتفاق فرضا لا قيمة له في تفسير بناء المفردات، فإن هذا الغرض يحتفظ بقيمته كاملة من حيث أنه يقرر الطريقة التي يجري عليها

стр. 236

عقلنا١. فمن الحمق أن نحكم بوجود علاقة ضرورية بين الحرفين ف ل f١ مجتمعين وبين فكرة السيلان إذ إن الكلمات ruisseau "مجرى" و riviere "جدول" و torrrent "سيل" التي تعبر أيضا عن فكرة السيلان بقدر ما تعبر عنها كلمة fleuve "نهر" لا تحتوي على مثل هذين الصوتين، وأن كلمة fleur "زهرة" التي لا تكاد تتكون إلا من هذين الحرفين أيضا لا توقظ في الذهن إطلاقا فكرة السيلان. ولكن من الحق أن كلمة fleuve "نهر" معبرة لأن الأصوات التي تكونها صالحة تمام الصلاحية لإثارة الصورة التي تمثلها. فالواقع أن هناك بين الأصوات ومركبات الأصوات فروقا في القدرة التعبيرية، وهذا هو سر الكلمات التي تعبر بأصواتها عن معناها oinomatopees؛ فالكلمة الألمانية kladderadatsch "كلادراداتش" تمثل جيدا مجموعة من الآنية بعضها فوق بعض وقد سقطت شظايا، والكلمة الفرنسية patapouf "باتابوف" تمثل كيسا محشوا بالملابس يسقط على درج السلم، وكلمة "pan" "بَنْ" تثير الصوت الجاف الذي يصدر من طلقة مسدس، و poum "بوم" ذلك الصدى الممتد الذي ينبعث من طلقة مدفع. وكل الموسيقيون يعرفون أن النغمات المختلفة تناسب التعبير عن الأحاسيس المختلفة إن قليلا وإن كثيرا، فهذا السلم أليق من غيره ببساطة الحقول، وذلك بالعذوبة الرقراقة اللذيذة، وذاك بجهد الرجولة الصارم. وفطرة المؤلف تجعله يختار في كل حالة النغمة اللائقة، لذلك كان من الحق أن الانتقال بالقطعة من نغمة إلى نغمة يشوه طابعها في بعض الأحيان. ولكن لا يستطيع إنسان أن يقرر أن المؤلف العبقري ليس في وسعه أن يعبر عن العاطفة التي يحسها بأية نغمة من النغمات. كذلك فن الشاعر يستطيع أن يحمل أصوات الكلمات كل تعبيرية تروقه: "الكلمة الخالقة للفكرة تصير بعناصرها الصوتية خالقة للبيت من الشعر وتخضع الكلمات الثانوية التي

стр. 237

تصحبها لتبعية نغمية" "بك دي فوكيير Becq de fouquieres" فالشاعر في وسعه أن يحدث تأثيرات غير منتظرة بكلمات يظنها البعيد عن هذا الفن غير جديرة بمثل هذا الاستعمال، وذلك بواسطة ألوان من الإعداد والمقابلة محكمة التنسيق. كل كلمة أيا كانت توقظ دائما في الذهن صورة ما بهيجة أو حزينة، رضية أو كريهة، كبيرة أو صغيرة، معجبة أو مضحكة، تفعل ذلك مستقلة عن المعنى الذي تعبر عنه، وقبل أن يعرف هذا المعنى في غالب الأحيان. اذكر اسم إنسان ما أمام شخص لم يره قط، فإنه يكون عنه فكرة في الحال، فكرة زائفة على وجه العموم. فإذا ما قدمت له هذا المجهول، أجابك على الفور "أهو هذا! ما كنت أظنه هكذا" مثل هذا الشيء نفسه يحصل بالنسبة لكلمات اللغة. فإدراكنا للأشياء خاضع لانطباعات فجائية منبعثة من الاسم الذي يدل عليها. إننا عندما نقيم ائتلافا بين الاسم والشيء، نسير على عادة نفسية قديمة قدم العالم نفسه. فقد ظل الاسم زمنا طويلا يعتبر جزءا لا يتجزأ من الأشياء، وليس فقط علامة قد توضع عليها: كان يشترك معها في خصائصها. فلم تكن العلامة تميز عن الشيء. فعبارة nomen omen تذكرنا بهذا الرأي العتيق، ونجد منه آثارا في تحريم المفردات وفي التشويهات الناجمة من هذا التحريم. في ذلك الحين كان للاسم أهمية بالغة. فنرى في سفر التكوين تلك الأهمية البالغة التي تعلق على أسماء إبراهيم وسارة وإسحاق. وفي بلاد الإغريق كان أجاكس Ajax المنكود الحظ يحمل في اسمه رمز مقدوره "سوفوكل، أجاكس Ajax، بيت ٤٣٠". واسم أوليس Ulysse يحمل في طياته بعض سمات أخلاق جده "انظر الأودسة، كتاب ١٩، بيت ٤٠٦". فالكلمات إذن لم تكن مجرد علامات لا خطر لها، بل كانت لها قيمة سحرية، هي التي تفسر قوة الرقي واللعنات. والكلمة المكتوبة كانت بطبيعة الحال أبلغ أثرا من الكلمة الملفوظة، لذلك سنعود إلى الكلام عن قوة الكلمات السحرية في الفصل الخاص بالكتابة. ولكن الكلمة المجردة كانت كفيلة بإحداث آثار

стр. 238

جسام ولا سيما إذا كانت مسلوكة في بيت من الشعر، حيث تثبت الكلمات وتنظم بواسطة الوزن، أليس فرجيل virgile هو الذي يقول: "إنه يمكن إنزال القمر من السماء بجملة منظومة" Carmina uel coelo possunt deducere lunam؛ "٨، بيت ٦٩". وكانت تنسب إلى الشعراء الأقدمين قوة مخوفة تتلخص في الاسم la satire "الهجاء". هذه الكلمة لا تثير في أذهاننا، نحن المتحضرين، غير فكرة تمرين أدبي عدا عليه الزمن بعض الشيء، ولكنه على كل حال لا يملك خيرا لإنسان. غير أن الهجاء في وقت ما كان يتقمصه ساحر، وكان الهجاء لعنة فادحة تصيب من يوجه إليهم. ونحن نعرف ما كان لأهاجي أرشيلوك Arcbiloque من نتائج. فهذا العاشق المطرود قد استطاع بقصائده الهجائية أن يلقي اليأس في قلب والد معشوقته وأن يقوده إلى الانتحار، وأقسى من ذلك أنه استطاع أن يفعل مثل هذا مع الفتاة نفسها. ورواة هذه القصة يحكونها لنا على أنها أسطورة من الأساطير، تشيد بموهبة أرشيلوك وإن لم تشد بخلقه. ولكن ليس من العدل في شيء ان نأخذها على أنها أسطورة، بل يجب أن نأخذها بنصها وحرفها. فالحق أن أرشيلوك قضى بالموت على ليكمبيس Lycambes ونيوبوليه Neobule؛ إذ قذفهما بلعنة سحرية لم يستطيعا منها خلاصا. وإن الشاعر الهجاء لم ينفصل عن الساحر الآثر إلا في العصور المتأخرة بفضل تقدم المدينة. أما في الأصل فكانا شيئا واحدا، وقد ظل الناس في كثير من الأقطار حينا طويلا لا يميزون بينهما. ففي جالية أسكتلندة يطلق على القضاء حتي يومنا هذا كلمة Ortha المنقولة عن الكلمة اللاتينية ORATIONEM منذ عهد قديم، ويقال عن الساحرة Tha facal aice "لها كلمة"، وذلك إشارة إلى قوتها١. فالواقع أن معرفة الإنسان للأشياء بأسمائها إمساك لها في قبضته، وإذن فعلم المفردات علامة القوة. لذلك كان سحرة الآثار دافيدا المتطببون يقولون في رقاهم: "أيتها الحمى! لن تفلتي مني، فإني أعرفك باسمك! " والأمر الذي يوجه إلى

стр. 239

الداء ليفارق المريض أبلغ دلالة من ذلك. ففي معرفة اسم المرض شفاء من نصفه، ولا ينبغي لنا أن نسخر من هذه المعتقدات البدائية، فإنها لا تزال سارية حتى يومنا هذا، إذ لا زلنا نعتقد في أهمية الألفاظ التي تعبر عن تشخيص الأمراض. "عندي ألم شديد في الرأس يا دكتور. فيجيب الطبيب: عندك GEPHALALGIE "صداع" أو إني سيئ الهضم يا سيدي الطبيب، فيجيب هذا الأخير: عندك DYSPEPSIE "عسر هضم". مثل هذه المحاورة الجديرة بإحدى روايات موليير تتكرر كل يوم في عيادات الأطباء. قد يقال بأن الاسم الفني يحدد المرض بأكثر مما يفعله الاسم العاي وأنه يدل على مجموعة أعراض معينة وأن "الصداع" ليس مرادفا لوجع الرأس وعسر الهضم ليس مرادفا لسوء في الهضم. ولكن الواقع أن الطبيب لا يفعل أكثر من أن يضع كلمة معمية مكان كلمة عادية مبتذلة يفهمها هؤلاء المرضى جميعا، والمرضى يشعرون بالارتياح حينما يعلمون بأن رجل الطب قد عرف الداء الخفي الذي يشكون منه، عرفه باسمه. إنها علاقات قياسية، تلك العلاقات التي تتقابل وتتقاطع حول الكلمات، وهي التي تقوم بين الأصوات والأفكار والأشياء، هذه هي النتائج التي يتركها في المفردات عمل العقل. وإذن فالكلمة التي تطفو في الشعور لا تكون كلمة منعزلة. فإنها متى مثلت أمامنا، ولو في صفة واحدة منعزلة من صفاتها مع بقاء صفاتها الأخرى في الظلام، جرت وراءها جحفلا من المعاني والعواطف التي ترتبط بها بعرى دقيقة على استعداد دائم للكشف عن نفسها. فالكلمات التي تختزنها في ذهننا تشارك في حياتنا العقلية والعاطفية كلها. لذلك ربما كان من الممتع معرفة مقدارها١. بعض اللغويين طرحوا هذا السؤال، وحاولوا أن يجيبوا عنه بالأرقام. فزعم مكس ملر مثلا استنادا على شهادة قسيس في إحدى القرى أن مجموع الكلمات التي يستعملها فلاح إنجليزي أمي لا يتجاوز ثلاثمائة كلمة. وآخرون لم يعدموا أن يحتجوا

стр. 240

بمفردات شكسبير التي تبلغ ١٥٠٠٠ كلمة عند بعضهم و٢٤٠٠٠ عند البعض الآخر. ويقال إن الكلمات التي استعملها ملتن MILTON تتراوح بين ٧٠٠٠ إلى ٨٠٠٠ كلمة. وأن قصائد هوميروس تحتوي على حوالي ٩٠٠٠ كلمة والعهد القديم على ٥٦٤٢ كلمة والعهد الجديد ٤٨٠٠ كلمة. وهذه أرقام لا تدل على شيء ذي خطر. إذ يجب أولا وقبل كل شيء أن نقصي المؤلفات الأدبية من حسابنا. طبعا نستطيع أن نعرف على وجه الدقة عدد الكلمات التي تؤلف الإلياذة والأودسة أو مسرحيات شكسبير أو راسين. ولكن من العبث أن نزعم أننا بذلك نحدد مفردات هومير أو شكسبير أو راسين. فمن الكتاب المبرزين من يضيقون دائرة مفرداتهم عن قصد؛ لذلك كان من غير الحق أن نحكم بمآسي راسين على سعة لغتنا كما يكون من غير الحق أن نحصي عدد سكان فرنسا بعدد النخبة المختارة من رجالها. ولكن لغة الكتاب على وجه العموم تزداد ازديادا صناعيا بعدد من الكلمات يقتنصها مصادفة من بعض مقابلاته أو من البحث في الكتب، وذلك إذ لم يخترعها اختراعا. فهل لنا أن نعد من مفردات فكتور هوجو كلمة JERIMADETH الشهيرة التي ليست إلا "مسخرة"، وكثيرا غيرها من أسماء الأعلام التي وإن كانت واقعية فليس لها في دماغ الشاعر، إلا وجود عرضي زائل. وإذا غضضنا النظر عن أسماء الأعلام، فكم من كلمات مشتركة استخرجها الشاعر من القاموس ولم تكن بالنسبة إليه إلا نبعا عرضيا مؤقتا. فينبغي ألا نخلط بين مفردات الكاتب وبين قاموس الكلمات المستعملة في مؤلفاته. فمثل هذا القاموس يعد خليطا دائما فيه كلمات السادة تجاورها كلمات السوقة والمصطلحات الفنية تجاور ألفاظ الحياة اليومية. في كل قاموس أنواع عديدة من المفردات يختلط بعضها ببعض إذ تضاف إلى مفردات الكاتب الخاصة به والتي يستعملها في كلامه المعتاد، أنواع أخرى من المفردات منها الحوشي والعلمي والعامي وهي التي تمد أسلوبه بالثراء وتجعل له قيمته في غالب الأحيان. لا يعرف إنسان مقدار مفرداته، ولا توجد أية طريقة لتقديرها. إذ لا يكفي أن نستعرض كلمات القاموس كلمة كلمة لنرى الفكرة التي تثيرها في ذهننا.

стр. 241

إذا كانت تثير فكرة ما. إذ إننا في مثل هذه الحال نضع أنفسنا في ظروف مخالفة للواقع كل المخالفة. فالكلمات لا تصف في ذهننا كما تصف في أعمدة الكتاب. ولا يتأتى لنا أن نجيل نظرنا في تتابعها وأن نستعرضها كما يستعرض القائد الجند في صفوفهم. ولا نعرف بالضبط من أي مستقر يخرجها نشاطنا العقلي ليسلكها في الجمل وليصبها كامل الإعداد في أعضائه الصوتية. فالكلمة لا توجد منعزلة في الذهن إطلاقا بل تكون جزءا من مجموعة ذات امتداد ما نستعير منها قيمتها. ولكن تكون المجاميع يرجع في نفس الوقت إلى علل نحوية أو سيكولوجية أو تاريخية أو اجتماعية مما يجعل من العبث كل محاولة لإحصاء المفردات. إحصاء المفردات ولو من وجهة نحوية خالصة، يعد أمرا متعذرا. فقد بينا مقدار العسر الذي يعترضنا في تعريف الكلمة، ومقدار الصعوبة التي نلاقيها غالب الأحيان في تحليل عناصرها. بالطبع ينبغي لنا عند تعداد المفردات أن نقصي دوال النسبة، ولكن هناك كلمات كثيرة ليست إلا دوال نسبة، كما أن من دوال النسبة ما يعتبر كلمات. فالنفي مثلا أكثر من مجرد لاحقة تشير إلى جنس أو إلى وظيفة نحوية، فإذا اعتبرناه من دوال النسبة بخسناه حقه من غير وجه. ومع ذلك فالنفي لا يعبر عنه في كثير من اللغات بكلمة منعزلة مستقلة؛ فعندما تقول الإرلندية في نفي domelim "آكل" nitoimelim "لا آكل" وتقول اللتوانية في نفي neszu "أحمل" neneszu "لا أحمل" لا نرى أن ندخل في اعتبارنا في كلتا الحالتين إلا كلمة واحدة، ولكنها كلمة تحتوي على دال نسبة منفي. عدد الكلمات لا يمكن أن يحد نحويا بفضل فصائل اللواحق. فقد استطعنا في الفرنسية، حيث اللاحقة eur بقيت حية، أن نأخذ من promener "التنزه" promeneur "متنزه" ومن marcher "المشي" marcheur "مشاء" ومن trotter "العدو" trotteur "عداء" ومن ثم لا نهتم بأن تكون كلمة galopeur "عداء" موجودة أو غير موجودة، لأننا إذا

стр. 242

احتجنا إلى استعمالها فهمنا محدثنا على الفور، إذ إن العناصر التي تكونها ليست غريبة عليه. فحتى لو لم توجد الكلمة في القاموس، وجب عدها بين كلمات اللغة الفرنسية، إذ إنها توجد بالقوة في ذهن الفرنسيين جميعا. إذن فهناك عدد من الكلمات التي أشعر بها حاليا والتي لم أستعملها إطلاقا، وربما لن أستعملها أبدا، ولكنها مع ذلك تكون جزءا من مفرداتي إذ إنها تحضر طبيعيا في ذهني إذا احتجت إليها، وأفهمها على الفور إذا استعملت أمامي. ومع ذلك فهذا المثال الفرنسي أقل حجية مما في لغات أخرى كاللتوانية، حيث تؤخذ الأسماء المجردة وأسماء الفاعلين بالمراد من إحدى الصيغ الفعلية كما يؤخذ منها المستقبل أو صيغة التبعية. من هذه الوجهة، التي هي وجهة نظر النحو، تعتبر المفردات غير محدودة. وهي ليست أقل بعدا عن التحديد من وجهة نظر الاستعمال المعنوي البحت للكلمات. فقد رأينا فيما سبق أن الكلمة لها على وجه العموم من المعاني بقدر ما لها من الاستعمالات. ولكن كل معنى منها مستقل عن المعاني الأخرى، إذ إنه لا يكون في ذهننا عند استعمال الكلمة إلا معنى واحد. يمكننا إذن أن نقول بأنه يوجد في المفردات كلمة مختلفة بقدر ما يوجد من استعمالات لكل كلمة من كلماتها. ولما كان عدد الاستعمالات التي تصلح لها كل كلمة لا يحد، إذ إن الاستعمال العام يخلق استعمالات جديدة كل يوم، وجب أن نقرر أن مفردات اللغة تزداد دون حد ما دامت اللغة حية. فكل كلمة فيها ينبغي لها أن تعد مرات عديدة، مرات يستحيل تحديدها. إذا اعتبرنا المسألة من وجهة نظر أخرى، وجدنا كثيرا من الكلمات لا يصح أن تعد بين المفردات. هناك نظام تصاعدي للكلمات يسمح بتمييز الفعل من الصفة أو من الاسم، والاسم المشترك من اسم العلم "انظر الصفحة الأخيرة من الفصل الثالث". هذا النظام التصاعدي له ما يبرره سيكلوجيا، ولكنه يخلق فروقا محسوسة بين الكلمات فما الذي يصوره لنا اسم من أسماء الأعلام؟ لا شيء في أغلب الأحيان. فكم من

стр. 243

شخص بين أكثر الناس ثقافة عنده فكرة صحيحة محدودة عمن يسمى بركليس أو من يسمى أغسطس، وعن المدعو لويس الرابع عشر أو عن فريدريك الثاني. نحن نسمي علماء أولئك الذين يختزنون في دماغهم سلاسل من أسماء الأعلام ويستطيعون عند الطلب توزيعها بالتجزئة إزاء إعجاب الجهلة والبلهاء. ولكن كم من هذه الأسماء نفسها توقظ في أذهانهم أفكار واضحة؟ ليست تلك الأسماء في غالب الأمر بمثابة حمل ثقيل يحشون به أدمغتهم. فليس من الحق إذن أن نعد في حساب المفردات ما لا يصح أن يعتبر إلا تمرينا للذاكرة. وكثير مما يقال بأنه من الأسماء المشتركة ليس في واقع الأمر إلا من أسماء الأعلام. فإني أعرف أن الكلمات الآتية: etourneau "زرزور" والـlinotte "عصفور التيل" والـemerillon "يؤيؤ" والـautour "صقر" كلها أسماء طيور لأني قابلت هذه الكلمات أو تلك مصادفة في أوصاف بعض المناظر الخلوية أو عند تصفحي لكتاب من كتب التاريخ الطبيعي، ولكني لا أستطيع أن أكون لنفسي أية فكرة عن هذه الطيور؛ فأسماؤها لا توقظ في ذهني أية صورة محددة، إنها طيور، وذلك كل ما أستطيع أن أقوله عنها، وإنه لكثير. فهناك أسماء أخرى كثيرة أحار فيما إذا كانت تدل على حيوانات ثديية أو على زواحف أو أسماك، فيما إذا كانت نباتا أو معدنا، حتى أصل إلى بعض الكلمات المنسية في أركان ذاكرتي فأعثر عليها مصادفة ولا أعرف عنها شيئا مطلقا، لا أعرف عنها إلا أنها كلمات فرنسية. وهكذا إذا تابعنا امتحان المفردات، وتحليل الكلمات التي تحتوي عليها كلمة كلمة وتصفيتها، أدركنا أن متاع الرجل المتعلم المثقف منها يحتوي على عدد كبير من الكلمات التي يزدحم بها رأسه دون جدوى. ولكن الكلمات

стр. 244

تتدرج بصورة غير محسوسة من تلك التي نشعر بها شعورا تاما ونستعملها في حياتنا اليومية إلى تلك التي دخلت ذاكرتنا عرضا ولا تؤدي لنا أية خدمة. فإذا أردنا عند إحصائنا للكلمات أن نضحي بنصيب، فإلى أي يجب أن نقف في تعيين هذا النصيب؟ أيجب أيضا أن نضيف إلى كل ذلك ما يثقل مخنا من أحمال من جراء معرفة لغات أجنبية؟ إن حاذق اللغات الأجنبية هو الذي يستطيع أن يعبر عن فكرة واحدة بعينها في عدة لغات. وترجمان فندق من الفنادق المختلطة يعرف أسماء الأشياء المتداولة بثلاثة أوجه مختلفة، أو أربعة أو خمسة. فهذا تمرين للذاكرة تفرضه عليه مهنته. أفنقول إن مفرداته تبلغ ثلاثة أو أربعة أو خمسة أمثال خادم الفندق الذي لا يتعامل إلا مع أبناء لغة واحدة؟ نعم إذا أدخلنا في حسابنا هذه الحقيقة الواضحة، وهي زيادة الحمل الذي تضطلع به ذاكرته. ولكن الواقع أن مفرداته في هذه الحال ليست أكثر ثراء، بل إنه يملك أنواعا مختلفة من المفردات تتلاصق بعضها ببعض ويتراص بعضها فوق بعض دون أن تندمج عادة، كما أن استعمالها رهن الظروف. هناك حاجات مشتركة بين جميع الناس، ولهذه الحاجات مفردات تكاد تتساوى في عدد الكلمات في كل مكان. يقال بإن الفلاح الأمي لا يحتاج في حياته إلى أكثر من ثلثمائة كلمة، فلنسلم بهذا الرقم، وإن كان لا يجادل في أنه دون الواقع بكثير. وعندئذ يتحتم علينا أن نقول بأن السيد لا يكاد يستخدم أكثر من هذا القدر في حديثه العادي. ولكنها ليست نفس الكلمات التي يستعملها الرجل الشعبي، وهذا هو كل الفرق. غير أن السيد قد يعرف لغة الشعب أيضا وقد تتاح له فرصة استعمالها. وبذلك يكون له نوعان من المفردات، نوع للصالون ونوع للمزرعة١. وإذا كان جنديا عرف لغة الثكنات، وإذا

стр. 245

كان يشارك في علم من العلوم، عرف مفرداته الفنية. وإذا فرضنا أنه يعرف لغة أجنبية أو لغتين، أضيفت مفرداتها إلى ما في ذهنه من قبل: أنواع من المفردات مختلفة، إذ إنها ناتجة عن حاجات مختلفة وتستخدم للتفاهم مع أشخاص مختلفين. أوضح ما يلاحظه الإنسان عند اختباره للمفردات عن كثب، هو التعقيد البالغ للمتاع الذي يحمله الشخص في دماغه من الكلمات فليست العناصر التي تكونها في مستوى واحد دائما، لا نحويا ولا سيكولوجيا، ولا من ناحية الاستعمال الذي تستعمل فيه، ولهذه النقطة الأخيرة خاصة. ذلك التعقيد هو الذي يجعل للمفردات أهميتها. وسنتكلم عنه عندما ندرس بنية اللغات. أما الآن فسنراه يفسر لنا التغيرات التي تتعرض لها المفردات.

стр. 246

الفصل الثاني: كيف تغير الكلمات معانيها ١؟ يوجد في تطور اللغة فرق بين الصوتيات والصرف والمفردات. فالنظام الصوتي يستقر منذ الطفولة ويستمر طول الحياة، فالإنسان يحتفظ حتى آخر حياته بمجموعة الحركات التي تعودت عليها أعضاؤه الصوتية منذ طفولته اللهم إلا أن يحدث له عارض ناتج من التعليم، وذلك في حالة أن يتلقن نطقا أجنبيا يحل محل النطق القومي. النظام الصرفي ثابت أيضا. نعم إن استقراره يتطلب وقتا أطول، ولكنه بعد أن يستقر لا يعتريه تغير يذكر. ذلك بأن الصرف لا يتغير في أثناء جيل واحد، بل هو كالصوتيات إنما يتغير في الانتقال من جيل إلى جيل. فالنظام الصوتي والنظام النحوي إذا ما اكتسبا مرة بقيا طول العمر، ويدينان باستقرارهما إلى استقرار ذهنية المتكلم. أما المفردات فعلى العكس من ذلك لا تستقر على حال، لأنها تتبع الظروف. فكل متكلم يكون مفرداته من أول حياته إلى آخرها بمداومته على الاستعارة ممن يحيطون به. فالإنسان يزيد من مفرداته ولكنه ينقص منها أيضا ويغير الكلمات في حركة دائمة من الدخول والخروج. ولكن الكلمات الجديدة لا تطرد القديمة دائما، فالذهن يروض نفسه على وجود المترادفات والمتماثلات

стр. 247

ويوزعها على وجه العموم على استعمالات مختلفة. فالكلمتان الفرنسيتان chaire "كرسي" "ولكنها تقال لكرسي الأستاذية أو كرسي الخطيب ... إلخ" و chaise "كرسي"؛ أو sieur "سيد "للاستعمال العادي" و seigneur "سيد" "تطلق على النبلاء أو على من لهم أتباع، أو من يعطي لهم لقب السيادة من جهة رسمية" ليس لهما نفس القيمة. ذلك بأن الحياة تشجع على تغير المفردات لأنها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات. فالعلاقات الاجتماعية والصناعات والعدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات وتقضي على الكلمات القديمة أو تحور معناها وتتطلب خلق كلمات جديدة. ونشاط الذهن يستدعى دائما للعمل في المفردات. وبالاختصار فإن الأسباب التي تؤدي إلى تغير الظواهر ليست في أية مادة أكثر تعقيدا ولا عددا ولا تنوعا منها هنا. لا تكاد تفكر في تغير المفردات حتى يتجه ذهننا في التو إلى حياة الكلمات "la vie des mots" وإلى الكتاب الصغير الذي كتبه أرسين درمستتير Arsene Darmsteter بهذا العنوان١. ولكن العنوان ليس أحسن ما في هذا الكتاب. هذا الكتاب. فعبارة حياة الكلمات نفسها عبارة موقعة في اللبس وكثيرا ما أدت إلى تفسيرات لو سمعها دار مستتير لما فاته أن يحتج عليها. إذ لا يعقل أن تعتبر الكلمة اعتبار الكائن الحي. فالشبه بينهما ظاهري فقط. لأن الكلمات لا تولد وتموت على الصورة التي بها يولد الإنسان ويموت. فقد نستطيع استثناء أن نعين السنة التي فيها دخلت في الاستعمال كلمة لم تكن معروفة حتى هذا العهد؛ مثلا كلمة chandail يرجع ظهورها إلى عام ١٨٩٤م٢؛ ويعزى خلق كلمة pudeur "حياء" إلى الشاعر ديبورت Desportes٣, وكلمة bienfaisance "إحسان" إلى الأب

стр. 248

دي سان بيير de saint-pierre١. وكلمة obscenite وهي من خلق المتحذلقات، كانت تبدو لمعاصري موليير Moliere كأنها خلق جديد"٢. وأحدث من كل هذا rescape "ناج" التي دخلت الفرنسية على أثر نكبة الكوريير courrieres "في سنة ١٩٠٦" وكلمة indesirable "غير مرغوب فيه" التي دخلت على أثر مغامرة غرامية منع صاحبها من دخول الولايات المتحدة. ولكن الأمر في الحالة الأولى يتعلق بانتشار كلمة في الفرنسية المشتركة وكانت مستعملة فقط في مقاطعة "با, دي, كاليه" pas, de, calais؛ وفي الثانية باستعارة كلمة من اللغة الإنجليزية. فعندنا "إدخال" لكلمتين في الفرنسية، ولكن في ظروف لا تشبه الميلاد في شيء. استبدلت الفرنسية كلمة tete "رأس" مكان الكلمة القديمة CHEF المأخوذة من CAPUT اللاتينية، وكلمة JUMENT "فرس" مكان كلمة IVE المشتقة من EQUA اللاتينية. فلنفترض، وإن كان افتراضا بعيد الاحتمال، أن كلمة CHEF عادت إلى الاستعمال بمعنى TETE "رأس"، وأن IVE احتلت مكان منافستها الموفقة JUMENT "فرس"، أيمكننا في هذه الحال أن نتكلم عن عودة كلمة مريضة هي "CHEF" إلى الحياة، وعن بعث كلمة بعد موتها وهي كلمة "IVE" ذلك ما لا نستطيعه بأية حال، بل كل ما هناك هو إدخال كلمتين جديدتين في المفردات ولا يمكن أن يقال بوجود صلة بين كلمة IVE التي كانت في العصور الوسطى وكلمة IVE الجديدة التي ابتكرت في أيامنا هذه بواسطة الهوى أو الحاجة. وقد تنتقل كلمة من لغتنا إلى الخارج، وتصير مفقودة بالنسبة لنا، ثم تعود إلينا بعد قرون. مثال ذلك كلمة FLIRT "مغازلة" وكلمة BUDGET "ميزانية" اللتان تعتبران عندنا اليوم مستعارتين من الإنجليزية، ولكنا نعلم أن فرنسا موطنهما الأصلي، وأنهما عبرا البوغاز إلى إنجلترا منذ زمن قديم. ومع ذلك فمن غير الحق أن ننظر بعين الجد إلى ذلك المجاز الذي يشبه الكلمات بالمسافرين الذين يعبرون الحدود في اتجاه ما ثم يعودون إلى عبرها من جديد في اتجاه مضاد.

стр. 249

ذلك بأن الكلمة التي وفدت علينا من إنجلترا ليست هي الكلمة الفرنسية القديمة fLEURETTE "زهيرة" وإنما جاءتنا كلمة إنجليزية FLIRT "مغازلة" أدخلناها في لغتنا الحديثة. وليست كلمة BOGETE "كيس صغير" القديمة هي التي استرجعناها في صيغة BUDGET "ميزانية" وإنما جاءتنا كلمة مخالفة، كلمة أجنبية، كلمة تدل، فضلا عن ذلك، على شيء آخر غير ما تدل عليه الأولى. ومع ذلك فعلم الاشتقاق الذي يقص أثر الكلمات في خلال العصور والأقطار ذو فائدة عظمى. نعم من المتفق عليه أن الكلمات لا تحيا حياة مستقلة، ولا وجود لها إلا في ذهن بني الإنسان. ولكن هذا النشاط الذهني الذي لا يكف عن العمل ينعكس في المفردات. فلنعب الغلطة التي تؤدي إلى أخذ الصورة المنعكسة في المرآة على أنها شخص حي، لأن الصورة لا حياة لها. ولكن هذا لا يطعن في أن المرآة تقدم لنا بأمانة تامة سلسلة الحركات التي نعملها أمامها. ومن المسموح به أن نحكم على هذه الصورة أو أن نفسرها على نحو ما نحكم على الشخص الذي يعكسها تماما. وهذا التعليل الساذج يكفي لتبرير قيمة النتائج التي يمكن أن ننتظرها من الاشتقاق. ومع ذلك فهناك شرط لا بد منه. ذلك أن الاشتقاق لا يعتبر عمله منتهيا عندما ينجح بقوة الصبر في أن يقرر تاريخ بضع كلمات قد أخذت على انفراد. اشتقاق الألفاظ منفردة لا فائدة منه في حد ذاته، فالحالة الخاصة، مهما ثبتت علميا ليست إلا ملهاة يتسلى بها إذا لم يستخرج منها مبدأ عام يستطاع تطبيقه على حالات أخرى. ونحن نعلم أنه يوجد من بين الاشتقاقات حالات كثيرة لا تؤدي إلى نتائج عامة. فلا يهمنا كثيرا أن تكون كلمة الـECHALOTE "نوع من البصل" مأخوذة من اسم مدينة عسقلان Ascalon, أو أن hussard "جندي من الفرسان" مأخوذة من اسم العدد "عشرين" بالمجرية، أو أن ليون lyon معناها مدينة الإله لوج "lug" فذلك يمكن أن يفيد منه من يدرس زراعة الخضار أو المؤسسات الحربية أو الأساطير الكلتية، ولكنه لا يفيد العالم اللغوي في شيء, فالعالم اللغوي

стр. 250

لا يهتم بالاشتقاق إلا ليجمع أكبر عدد ممكن من العمليات المعنوية المتشابهة بقصد أن يستخرج منها القوانين العامة التي بمقتضاها يتطور معنى الكلمات. هذه القوانين لا تكون إطلاقا في الكلمات بعضها. وغلطة دومستير أنه أوهم بوجود نوع من المنطق الداخلي الذي يحكم التغيرات المعنوية للكلمات. فيظهر أن نظر المؤلف لم يمتد إلى أبعد من تلك التجريدات السكولاستية التي تنحصر في الاستعمالات المجازية أو في تسمية الأشياء الجديدة بأسماء قديمة, ولم يصل إلى الحقائق الواقعية المشخصة التي تمثلها الكلمات. الكلمات على ما هي مرتبة في الذهن ليست منعزلة. وميل الذهن إلى تجميعها إلى عوارض، كعوارض الاشتقاق الشعبي التي تصب الكلمات في صيغتها "انظر ص٢٣٢". وأثر التجميع على معنى الكلمات أقوى منه على صيغتها. عرى الأسرة المعنوية تمسك كل كلمة في معناها التقليدي، أو إذا حدث لكلمة من كلمات الأسرة الرئيسية تحول في معناها، جذبت معها الكلمات الأخرى إلى المعنى الجديد. فلما تخصصت كلمة habit، ومعناها "حالة، هيئة" في معنى اللباس"، أصاب الفعل habiller "الوضع في هيئة ما" نفس التخصص؛ وهاتان الكلمتان جذبتا إليهما مشتقاتهما ومركباتهما habilleur "من يلبس" و habillement "الإلباس" و deshabiller "انتزاع الملابس" إلخ، والكلمتان pondre أو ponte تحولت كلتاهما في وقت واحد من فكرة "الوضع" عامة إلى فكرة "وضع البيض" في الكلام عن طائر أنثى. فالإحساس بالأسرة اللغوية أمسك هذه الكلمات مجتمعة. أما إذا تراخت عرى الأسرة أو انفصمت. لم يبق شيء لمنع المعنى من أن يضل الطريق: فالكلمة اللاتينية captiuus احتفظت بمعنى "أسير" خلال تاريخ اللغة اللاتينية بأسره، لأنه كان يوجد إلى جانبها الفعل capio "آخذ". وفي الفرنسية لم يبق الفعل capio بينما بقيت كلمة captiuus المشتقة منه، ولكن في حالة العزلة تلك، فلما لم تبق لها سنادة من الأصل الذي اشتقت منه وأصبحت
следующие страницы →