الفصل الثاني: كيف تغير الكلمات معانيها ١؟
يوجد في تطور اللغة فرق بين الصوتيات والصرف والمفردات.
فالنظام الصوتي يستقر منذ الطفولة ويستمر طول الحياة، فالإنسان يحتفظ حتى آخر حياته بمجموعة الحركات التي تعودت عليها أعضاؤه الصوتية منذ طفولته اللهم إلا أن يحدث له عارض ناتج من التعليم، وذلك في حالة أن يتلقن نطقا أجنبيا يحل محل النطق القومي. النظام الصرفي ثابت أيضا. نعم إن استقراره يتطلب وقتا أطول، ولكنه بعد أن يستقر لا يعتريه تغير يذكر. ذلك بأن الصرف لا يتغير في أثناء جيل واحد، بل هو كالصوتيات إنما يتغير في الانتقال من جيل إلى جيل. فالنظام الصوتي والنظام النحوي إذا ما اكتسبا مرة بقيا طول العمر، ويدينان باستقرارهما إلى استقرار ذهنية المتكلم.
أما المفردات فعلى العكس من ذلك لا تستقر على حال، لأنها تتبع الظروف. فكل متكلم يكون مفرداته من أول حياته إلى آخرها بمداومته على الاستعارة ممن يحيطون به. فالإنسان يزيد من مفرداته ولكنه ينقص منها أيضا ويغير الكلمات في حركة دائمة من الدخول والخروج. ولكن الكلمات الجديدة لا تطرد القديمة دائما، فالذهن يروض نفسه على وجود المترادفات والمتماثلات
стр. 247
ويوزعها على وجه العموم على استعمالات مختلفة. فالكلمتان الفرنسيتان chaire "كرسي" "ولكنها تقال لكرسي الأستاذية أو كرسي الخطيب ... إلخ" و chaise "كرسي"؛ أو sieur "سيد "للاستعمال العادي" و seigneur "سيد" "تطلق على النبلاء أو على من لهم أتباع، أو من يعطي لهم لقب السيادة من جهة رسمية" ليس لهما نفس القيمة. ذلك بأن الحياة تشجع على تغير المفردات لأنها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات. فالعلاقات الاجتماعية والصناعات والعدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات وتقضي على الكلمات القديمة أو تحور معناها وتتطلب خلق كلمات جديدة. ونشاط الذهن يستدعى دائما للعمل في المفردات. وبالاختصار فإن الأسباب التي تؤدي إلى تغير الظواهر ليست في أية مادة أكثر تعقيدا ولا عددا ولا تنوعا منها هنا.
لا تكاد تفكر في تغير المفردات حتى يتجه ذهننا في التو إلى حياة الكلمات "la vie des mots" وإلى الكتاب الصغير الذي كتبه أرسين درمستتير Arsene Darmsteter بهذا العنوان١. ولكن العنوان ليس أحسن ما في هذا الكتاب. هذا الكتاب. فعبارة حياة الكلمات نفسها عبارة موقعة في اللبس وكثيرا ما أدت إلى تفسيرات لو سمعها دار مستتير لما فاته أن يحتج عليها. إذ لا يعقل أن تعتبر الكلمة اعتبار الكائن الحي. فالشبه بينهما ظاهري فقط. لأن الكلمات لا تولد وتموت على الصورة التي بها يولد الإنسان ويموت. فقد نستطيع استثناء أن نعين السنة التي فيها دخلت في الاستعمال كلمة لم تكن معروفة حتى هذا العهد؛ مثلا كلمة chandail يرجع ظهورها إلى عام ١٨٩٤م٢؛ ويعزى خلق كلمة pudeur "حياء" إلى الشاعر ديبورت Desportes٣, وكلمة bienfaisance "إحسان" إلى الأب
стр. 248
دي سان بيير de saint-pierre١. وكلمة obscenite وهي من خلق المتحذلقات، كانت تبدو لمعاصري موليير Moliere كأنها خلق جديد"٢.
وأحدث من كل هذا rescape "ناج" التي دخلت الفرنسية على أثر نكبة الكوريير courrieres "في سنة ١٩٠٦" وكلمة indesirable "غير مرغوب فيه" التي دخلت على أثر مغامرة غرامية منع صاحبها من دخول الولايات المتحدة. ولكن الأمر في الحالة الأولى يتعلق بانتشار كلمة في الفرنسية المشتركة وكانت مستعملة فقط في مقاطعة "با, دي, كاليه" pas, de, calais؛ وفي الثانية باستعارة كلمة من اللغة الإنجليزية. فعندنا "إدخال" لكلمتين في الفرنسية، ولكن في ظروف لا تشبه الميلاد في شيء.
استبدلت الفرنسية كلمة tete "رأس" مكان الكلمة القديمة CHEF المأخوذة من CAPUT اللاتينية، وكلمة JUMENT "فرس" مكان كلمة IVE المشتقة من EQUA اللاتينية. فلنفترض، وإن كان افتراضا بعيد الاحتمال، أن كلمة CHEF عادت إلى الاستعمال بمعنى TETE "رأس"، وأن IVE احتلت مكان منافستها الموفقة JUMENT "فرس"، أيمكننا في هذه الحال أن نتكلم عن عودة كلمة مريضة هي "CHEF" إلى الحياة، وعن بعث كلمة بعد موتها وهي كلمة "IVE" ذلك ما لا نستطيعه بأية حال، بل كل ما هناك هو إدخال كلمتين جديدتين في المفردات ولا يمكن أن يقال بوجود صلة بين كلمة IVE التي كانت في العصور الوسطى وكلمة IVE الجديدة التي ابتكرت في أيامنا هذه بواسطة الهوى أو الحاجة.
وقد تنتقل كلمة من لغتنا إلى الخارج، وتصير مفقودة بالنسبة لنا، ثم تعود إلينا بعد قرون. مثال ذلك كلمة FLIRT "مغازلة" وكلمة BUDGET "ميزانية" اللتان تعتبران عندنا اليوم مستعارتين من الإنجليزية، ولكنا نعلم أن فرنسا موطنهما الأصلي، وأنهما عبرا البوغاز إلى إنجلترا منذ زمن قديم. ومع ذلك فمن غير الحق أن ننظر بعين الجد إلى ذلك المجاز الذي يشبه الكلمات بالمسافرين الذين يعبرون الحدود في اتجاه ما ثم يعودون إلى عبرها من جديد في اتجاه مضاد.
стр. 249
ذلك بأن الكلمة التي وفدت علينا من إنجلترا ليست هي الكلمة الفرنسية القديمة fLEURETTE "زهيرة" وإنما جاءتنا كلمة إنجليزية FLIRT "مغازلة" أدخلناها في لغتنا الحديثة. وليست كلمة BOGETE "كيس صغير" القديمة هي التي استرجعناها في صيغة BUDGET "ميزانية" وإنما جاءتنا كلمة مخالفة، كلمة أجنبية، كلمة تدل، فضلا عن ذلك، على شيء آخر غير ما تدل عليه الأولى.
ومع ذلك فعلم الاشتقاق الذي يقص أثر الكلمات في خلال العصور والأقطار ذو فائدة عظمى. نعم من المتفق عليه أن الكلمات لا تحيا حياة مستقلة، ولا وجود لها إلا في ذهن بني الإنسان. ولكن هذا النشاط الذهني الذي لا يكف عن العمل ينعكس في المفردات. فلنعب الغلطة التي تؤدي إلى أخذ الصورة المنعكسة في المرآة على أنها شخص حي، لأن الصورة لا حياة لها. ولكن هذا لا يطعن في أن المرآة تقدم لنا بأمانة تامة سلسلة الحركات التي نعملها أمامها. ومن المسموح به أن نحكم على هذه الصورة أو أن نفسرها على نحو ما نحكم على الشخص الذي يعكسها تماما. وهذا التعليل الساذج يكفي لتبرير قيمة النتائج التي يمكن أن ننتظرها من الاشتقاق.
ومع ذلك فهناك شرط لا بد منه. ذلك أن الاشتقاق لا يعتبر عمله منتهيا عندما ينجح بقوة الصبر في أن يقرر تاريخ بضع كلمات قد أخذت على انفراد. اشتقاق الألفاظ منفردة لا فائدة منه في حد ذاته، فالحالة الخاصة، مهما ثبتت علميا ليست إلا ملهاة يتسلى بها إذا لم يستخرج منها مبدأ عام يستطاع تطبيقه على حالات أخرى. ونحن نعلم أنه يوجد من بين الاشتقاقات حالات كثيرة لا تؤدي إلى نتائج عامة. فلا يهمنا كثيرا أن تكون كلمة الـECHALOTE "نوع من البصل" مأخوذة من اسم مدينة عسقلان Ascalon, أو أن hussard "جندي من الفرسان" مأخوذة من اسم العدد "عشرين" بالمجرية، أو أن ليون lyon معناها مدينة الإله لوج "lug" فذلك يمكن أن يفيد منه من يدرس زراعة الخضار أو المؤسسات الحربية أو الأساطير الكلتية، ولكنه لا يفيد العالم اللغوي في شيء, فالعالم اللغوي
стр. 250
لا يهتم بالاشتقاق إلا ليجمع أكبر عدد ممكن من العمليات المعنوية المتشابهة بقصد أن يستخرج منها القوانين العامة التي بمقتضاها يتطور معنى الكلمات.
هذه القوانين لا تكون إطلاقا في الكلمات بعضها. وغلطة دومستير أنه أوهم بوجود نوع من المنطق الداخلي الذي يحكم التغيرات المعنوية للكلمات. فيظهر أن نظر المؤلف لم يمتد إلى أبعد من تلك التجريدات السكولاستية التي تنحصر في الاستعمالات المجازية أو في تسمية الأشياء الجديدة بأسماء قديمة, ولم يصل إلى الحقائق الواقعية المشخصة التي تمثلها الكلمات.
الكلمات على ما هي مرتبة في الذهن ليست منعزلة. وميل الذهن إلى تجميعها إلى عوارض، كعوارض الاشتقاق الشعبي التي تصب الكلمات في صيغتها "انظر ص٢٣٢". وأثر التجميع على معنى الكلمات أقوى منه على صيغتها.
عرى الأسرة المعنوية تمسك كل كلمة في معناها التقليدي، أو إذا حدث لكلمة من كلمات الأسرة الرئيسية تحول في معناها، جذبت معها الكلمات الأخرى إلى المعنى الجديد. فلما تخصصت كلمة habit، ومعناها "حالة، هيئة" في معنى اللباس"، أصاب الفعل habiller "الوضع في هيئة ما" نفس التخصص؛ وهاتان الكلمتان جذبتا إليهما مشتقاتهما ومركباتهما habilleur "من يلبس" و habillement "الإلباس" و deshabiller "انتزاع الملابس" إلخ، والكلمتان pondre أو ponte تحولت كلتاهما في وقت واحد من فكرة "الوضع" عامة إلى فكرة "وضع البيض" في الكلام عن طائر أنثى. فالإحساس بالأسرة اللغوية أمسك هذه الكلمات مجتمعة.
أما إذا تراخت عرى الأسرة أو انفصمت. لم يبق شيء لمنع المعنى من أن يضل الطريق: فالكلمة اللاتينية captiuus احتفظت بمعنى "أسير" خلال تاريخ اللغة اللاتينية بأسره، لأنه كان يوجد إلى جانبها الفعل capio "آخذ". وفي الفرنسية لم يبق الفعل capio بينما بقيت كلمة captiuus المشتقة منه، ولكن في حالة العزلة تلك، فلما لم تبق لها سنادة من الأصل الذي اشتقت منه وأصبحت
стр. 251
غير مرتبطة هائلة صرفية محدودة، تطورت تطورا سريعا فأصبحت chetif "بائس، ضعيف"، هذا التطور في المعنى الذي ساعد عليه انحلال المجموعة التي كانت تنتسب إليها الكلمة أصلا، يرجع بعض الشيء إلى وجود كلمة petit فكلمة "صغير" "والتي أدت إلى خلق مؤنث منها بصيغة CHETITE في بعض اللهجات". فكلمة CHETIF، وقد انتزعت من منبتها. غرست على شكل ما في مكان آخر ووصلت بمجموعة معنوية أخرى.
في الألمانية العليا القديمة كانت بعض الصفات التي تصاغ بمساعدة اللاحقة -i- تملك إلى جانبها ظرفا يحتوي على اللاحقة -o- مثل FESTI "ثابت" و FASTO "بثبات"؛ SKONI "جميل" و SKONO "بجمال" ولكن هذه الصياغة
стр. 252
المزدوجة لم تثبت على مر الزمن، وصار الظرف يصاغ من الصفة مباشرة، ومن هنا ورثت الألمانية، بعد سقوط النهايات، زوجين مختلفين من الكلمات هما: FEST "ثابت" و SCHON "جميل" "وهما صفتان"، FAST و SCHON "وهما ظرفان"، فلم تعد الصلة يحس بها بين كل كلمتين. فساعد ذلك على تطور معنى الظرفية: و FAST أخذت معنى "تقريبا" و SCHON أخذت معنى "قد DEJA" "قارن في الفرنسية A LA BELLE HEURE "لحسن الحظ" و DE BONNE HEURE "مبكرا"؛ أما إذا أرادت الألمانية في أيامنا هذه أن تقول "بثبات أو بجمال" قالت FEST و SCHON.
ترينا هذه الأمثلة مقدار الأثر الذي تخضع له الكلمات من جراء الكلمات الأخرى التي من نفس الأسرة اللغوية يحدث في الدماغ عمل غير شعوري يثبت الكلمات في بعض المعاني وبعدها للاستعمالات التي توجه إليها. وفي الاستعمال تتعرض الكلمات إلى تغيرات أخرى في المعنى، والتغير في هذه المرة يأتي من سياق النص.
تزود كل كلمة في لحظة استعمالها تزويدا تاما بقيمة وقتية تبعد عنها جميع القيم الناتجة من الاستعمالات الأخرى التي تصلح لها الكلمة. ومع ذلك فإن استعمال الكلمات يقوم بواسطة هذا التنوع نفسه، بتأثير دائم على دلالتها. وهذا يتجلى في صورتين: الأولى تنحصر في أن الاستعمال الثابت لكلمة بعينها في نص واحد بعينه يمكن أن يخدع الذهن، إذ إنه لما لم يكن لديه الوسيلة لتحديد قيمة الكلمة بالمقارنة، فإنه يتعرض لتغيرها. ومن جهة أخرى قد يؤدي الاستعمال المتكرر لنفس الكلمة في نصوص مختلفة إلى إبلاء قيمتها او إلى تغييرها.
عندما نسمع جملة أو نقرؤها نرى الكلمات التي تشتمل عليها يفسر بعضها بعضا. فإذا كانت منها واحدة غير مألوفة لنا -والواقع أن هناك دائما فترة في حياتنا نسمع فيها الكلمة لأول مرة- حاولنا بطبيعة الحال تفسيرها معتمدين على سياق النص، وهذه هي الخطة التي يتبعها التلاميذ عندما يحاولون ترجمة نص أجنبي، نص لاتيني أو ألماني مثلا. هذه الفكرة التي نحصل عليها بالتخمين قد تكون زائفة. ولكنها تصحح في غالب الأمر، لأن الكلمة نفسها تقابلنا بعد
стр. 253
ذلك في جمل أخرى مع كلمات أخرى تحدد لنا معناها. وعلى هذا النحو يثبت في الذهن معنى كل كلمة.
وهناك كلمات محدودة الاستعمال لا تظهر مطلقا إلا في صحبة بعض الكلمات الأخرى. وفرصة الخطأ في هذه الكلمات أوسع. لأن الاستعمال لا يقدم لنا الوسيلة لتحديد قيمتها. وفي هذه الحال كثيرا ما تبتعد الكلمة عن دلالتها الأصلية بسبب المعنى الزائف الذي يضاف إليها. فكلمة fruste كانت لا تقال في الأصل إلا وصفا للعملة التي مسح رسمها، وصار يفهم من عبارة monnaie fruste عملة خشنة الصنع خالية من الفن والدقة. ثم صارت تطلق بطريق التوسع على الرجل الفظ الغليظ غير المهذب. فهذا الذي تغلب هو معنى زائف، ولعل الذي ساعد على ذلك شبه صوتي غامض بين هذه الكلمة وبين الكلمتين:rustre و rustaud "خشن"١.
الواقع أن الذهن يسعى إلى تحديد معنى الكلمات بجميع الوسائل التي في متناوله. ولكنه يخدع أحيانا إذا وجهته بعض ظروف خاصة في طريق غير مستقيم. فالصفة emerite كانت تطلق في الأصل على الموظف الذي يحال إلى المعاش. ثم صاروا يحاكون اللاتينية حذلقة فيطلقون عبارة professeur emerite على ما نسميه الآن "أستاذ شرف" ولكنهم راحوا يفسرونها على أنها تدل على "الجدارة" merite أو سمو المقام؛ فأصبحوا الآن يصفون الأستاذ بأنه emerite إذا أرادوا وصفه بالامتياز. وهذا ضد المعنى الأصلي، ولكنه استقر إلى حد أننا لن ندهش إذا سمعنا الناس يتكلمون عن فارس emerite أو طيار emerite. والآن بعد أن توسعت هذه الكلمة في استعمالاتها ودخلت في نصوص متنوعة، فقد امتدت أمامها الفرصة للاحتفاظ بالمعنى سليما وإن كان قد أضيف إليها عن طريق الخطأ.
ومع ذلك نلاحظ أن معنى الكلمة يزيد تعرضا للتغير، كلما زاد استعمالها
стр. 254
وكثر ورودها في نصوص مختلفة. لأن الذهن في الواقع يوجه كل مرة في اتجاهات جديدة، وذلك يوحي إليه بخلق معان جديدة ومن هنا ينتج ما يسمى بالتأقلم polysemi. يجب أن نفهم من هذا الاسم قدرة الكلمات على اتخاذ دلالات متنوعة تبعا للاستعمالات المختلفة التي تستعمل فيها، وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات. وعندنا مثال جميل عن التأقلم في كلمة bureau "مكتب" إذا كانت تدل في الأصل على نوع من نسج الصوف الغليظ المسمى etoffe de bure ثم أطلقت على قطعة الأثاث التي تغطي بهذا النسج، ثم على القطعة من الأثاث، ثم على الأعمال التي تعمل في هذه الغرفة، ثم على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال، وأخيرا على أية مجموعة من الأشخاص تقوم بإدارة إحدى الإدارات أو الجمعيات. وخلق معنى جديد لا يقضي بالضرورة على المعاني السابقة، فهنا يمكن لكل المعاني أن تبقى حية في اللغة إذا استثنينا الأول منها "نوع من النسيج". وحركة التغيرات المعنوية لا تسير دائما في خط مستقيم، بل تسير في كل الاتجاهات حول المعنى الأساسي، وكل واحد من المعاني الثانوية يمكن أن تصير بدوره مركزا جديدا للإشعاع المعنوي١.
مهما تعددت الاستعمالات التي تصلح لها الكلمة وتنوعت، فإن أحدها يطغى غالبا على ما عداه، وهو الذي يعين معنى الكلمة الأساسي على النحو الذي يسجل عليه في القاموس. فإذا اتفق أن وجد استعمالان غالبان أو أكثر ولم يكن في الإمكان تداخلهما، فمعنى ذلك أننا أمام كلمتين مختلفتين، كما هي الحال في الأمثلة المذكورة في الصفحة الثالثة من الفصل الأول بالجزء الثالث. ولكن هذا المعنى الغالب لا يستطيع أن يضمن لنفسه البقاء مطلقا، فهو محوط بمعان ثانوية تتحفز دائما للظهور عليه واحتلال مكانه. المعنى الجديد ينمو شيئا فشيئا، ويحل نفسه محل القديم، كما يمتص فرع الشجرة العصير إلى أن يدوي الجذع الأساسي. وعندئذ تجد الكلمة نفسها وقد تغير معناها.
стр. 255
_________
١ عن هذه الأمور انظر: ت. هدسن وليمز T. Hudson williams رقم ٢١, مجلد ٢٦، ص٢٢ ونلدكه، Noldeke، رقم ٢٩، جـ٣، ص٢٧٩.
стр. 256
هناك نقابل شيئا يمكن أن يقارن في الصرف بالصيغ القوية والصيغ الضعيفة، فبين الكلمات من حيث المعنى نوع من النظام التصاعدي يحتوي على معان قوية ومعان ضعيفة. فالأولى، وهي ليست أقدم المعاني بالضرورة، تفرض نفسها على العقل بمجرد ذكر الكلمة، وتدين بقوتها إلى أهمية استعمالها، أما الثانية فتبقى في الظل لأنها نادرة الاستعمال أو خاصته، ولا بد لإخراجها من الظلام، من مساعدة كلمة أخرى تضيئها وتظهر قيمتها؛ ولكن نظام المعاني التصاعدي هذا لا شيء فيه من الإطلاق والثبات. فهو خاضع لنزوات الاستعمال جميعها، تلك التي تولد التأقلم.
ترجع أحيانا التغيرات المختلفة التي تصيب الكلمات من حيث المعنى إلى ثلاثة أنواع: التضييق والاتساع والانتقال. فهناك تضييق عند الخروج من معنى عام إلى معنى خاص مثل "pondre "يبيض" و sevrer "يفطم" و traire "يحلب""؛ وهناك اتساع في الحالة العكسية أي عند الخروج من معنى خاص إلى معنى عام مثل "chercher "يبحث عن" و gagner "يربح" و triompher "ينتصر""؛ وهناك انتقال عندما يتعادل المعنيان أو إذا كانا لا يختلفان من جهة العموم والخصوص "كما في حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال أو من السبب إلى المسبب أو من العلامة الدالة إلى الشيء المدلول عليه إلخ، أو العكس". ولسنا في حاجة إلى القول بأن الاتساع والتضييق ينشآن من الانتقال في أغلب الأحيان، وأن انتقال المعنى يتضمن طرائق شتى يطلق عليها النحاة أسماء اصطلاحية "METAPHORE "الاستعارة" SYNECDOQUE "إطلاق البعض على الكل" أو METONYMIE "المجاز المرسل بوجه عام" أو CATACHRESE "المجاز المرسل بعلاقة الشبه أو غيره عند عدم وجود اسم للشيء المنقول إليه" إلخ". ونجد أمثلة منها في جميع الكتب المدرسية١، وهذا يغنينا عن بحثها هنا تفصيلا.
стр. 257
ولعل من الأفيد أن نذكر بإيجاز كيف تفسر أنواع التغير الثلاثة بظروف الحياة نفسها.
الكلمات العامة لا تكاد تستخدم في الاستعمال بقيمتها العامة، اللهم، اللهم إلا إذا كان ذلك عند الفلاسفة، فكل واحد من المتكلمين يطلقها على نوع خاص من أنواع النشاط. وقد تكلم علماء اللغة عن المعاني المختلفة لكلمة عملية٢. فإن معناها يختلف تبعا لما إذا كان الكلام في الجراحة أم في المالية أم في الفن الحربي أم في شئون الغابات
стр. 258
أم في الرياضة، وتبعا لذلك نعرف ما إذا كان يدور حول قطع عضو من أعضاء الجسم أو عقد صفقة من صفقات البورصة أم قيادة كتيبة من الجيش في ميدان القتال أو تعليم الأشجار التي يجب أن تقطع أو حل مسألة حسابية. وإذا تكلم علماء اللاهوت في عملية الروح القدس، أرادوا معنى آخر غير هذه جميعا. وكلمة "موسم" أيضا من الكلمات التي تحتمل استعمالات مختلفة كل الاختلاف.
فهناك موسم ما عند كل من مدير الفندق وصاحب "الفلا" وتاجر الفاكهة وزارع النبيذ والخياطة، بل وعند كل تاجر أو صانع، فلكل واحد من هؤلاء "موسم" وهو الفترة التي يكون فيها نشاط العمل على أشده، وتختلف هذه الفترة باختلاف أنواع النشاط وباختلاف الأماكن. وفي جزء من بمبروكشير PEMBROKESHIRE من بلاد الغال يطلق الموسم على الفترة التي ترى فيها خيل اللقاح تجوب الإقليم، وهذا وحده كاف للدلالة على إقليم معنى بتربية الخيل خاصة، فكل شخص فيه يهتم بمسألة اللقاح، فتشير الكلمة إلى الموسم بمعناه الحق في نظر المتكلم، كما رأينا في كلمة "العملية" حيث يرجعها كل واحد من المتكلمين الذين افترضناهم إلى الموضوع الذي يألفه. ويمكننا أن نسوق أمثلة من هذا القبيل لجميع الكلمات العامة، بل لجيمع كلمات اللغة، لأن معنى الكلمة مهما أوغل في التخصص، يمكن دائما التضييق من سعته أو من تخصيصه كما يقولون.
أندر من ذلك حالة التعميم وإن كانت موجودة أيضا. وينحصر التعميم في إطلاق اسم نوع خاص من أنواع الجنس على الجنس كله. وهذه هي حال الأطفال الذي يسمون جميع الأنهار باسم النهر الذي يروي البلدة التي يعيشون فيها؛ هكذا يفعل الطفل الباريسي عندما يصيح وقد رأى نهرا JE VOIS UNE SEINE "أرى سينا" وتلك غلطة طفل لا يدوم لها أثر. ولكن هناك أخطاء مماثلة قد استمر بقاؤها. ففي السلافية الجنوبية صار اسم الوردة يطلق على الزهرة عموما١: في الصربية ROZA، وفي الكرواتية ROZICA. امتد أثر هذه الواقعة
стр. 259
امتدادا جعل كلمة BLUME "زهرة" تختفي من اللهجات الألمانية المجاورة ويحل محلها كلمة ROSE "أصل معناها "وردة"" فيقال die wiese ist voll rosen بمعنى "الحقل مملوء بالأزهار". وبطريق العدوى صارت اللهجات الإيطالية في إقليم فريول frioul تطلق اسم الوردة على كل زهرة أيا كانت، واضطرت إلى أن توجد للوردة اسما جديدا، هو rosar أو garoful di spine, هذه الحالة التي لها أهميتها فيما يتعلق بانتشار الحالات الخاصة بالمفردات، تبرهن على وجود بعض الفصائل المعنوية التي فيها تختلط بسهولة النسب الكامنة بين الأجناس والأنواع.
هذه المجاميع هي التي يكثر فيها بصفة خاصة انتقال المعنى بسبب التجاور. فكل كلمة من كلماتها لها مضمون خاص بها وتدل على شيء خاص objet. ولكنها أمام العقل تشترك جميعا في انتسابها إلى مجموعة عامة، ولما كانت فكرة العموم تطغى على المعاني الخاصة، فقد يحدث للعقل أن ينتقل من أحد المعاني إلى الآخر. وهذه الظاهرة تقع بصورة خاصة في أسماء النبات والحيوان وأسماء أجزاء الجسم والأمراض والألوان.
اختلافات المعنى التي تلاحظ على اسم واحد من أسماء الألوان بين لغة وأخرى ترجع في غالب الأمر إلى أنواع من التخصص "انظر الصفحة السابقة"، ولكن الاتجاه الذي ندرسه هنا يستطيع أن يؤدي دوره أيضا.
стр. 260
أسماء أجزاء الجسم تعتبر "الميدان التقليدي لانتقالات المعنى"١. فنرى عددا كبيرا منها يتأرجح في اللغات المختلفة. وينتقل بسهولة من عضو إلى عضو أو من جزء إلى آخر: فكلمة coxa معناها "أعلى الفخذ" في اللاتينية، ولكن قرينتها coss تطلق في الإيرلندية على "القدم"، ونجد الخطوة الوسطى بينهما في الكلمة الألمانية Hachse "وهي أفضل من Hechse "أعلى الساق jarret" وفي مشتقات الكلمة اللاتينية "الكلمة الفرنسية cuisse "فخذ"، والكلمة الغالية المستعارة coes "بنفس المعنى""، فنرى أن الكلمة قد استمرت في النزول من أعلى العضو إلى أسفله. وأصل واحد هو الذي أعطانا الكلمة اللاتينية mentum "ذقن" والغالية mant "فك" والألمانية Mund "فم"، أما الكلمة الفرنسية bouche "فم" فقد جاءت من اللاتينية bucca التي تدل على "الخد" ... إلخ.
قد يوجد في بعض هذه الأمثلة استعارة أو بتعبير أفضل، انتقال شعوري. فالذهن قد يضيف مختارا اسم أحد الأعضاء إلى العضو الذي يجاوره لقصد المزاح أو لسبب آخر. ويمكننا أن نقطع بوقوع الاستعارة إذا كانت الألفاظ تثير فكرة
стр. 261
حلسية وفي هذه الحالة يمكن تفسيرها إما بوازع من الحياء وإما على العكس بسوء القصد. فقد يطلق الشخص على ثديي المرأة لفظ "النحر" أو "المعدتين" حسبما يكون مهذبا أو جلفا. وأسماء أعضاء الجسم المخزية، وبصفة عامة الكلمات التي تطلق على أفعال مشهورة بقذارتها أشد من غيرها تعرضا للنقل١. ويمكننا أن نقول إن الكلمات القذرة عامة كثيرة التبادل، اللهم إلا إذا كانت الكلمة المخجلة نفسها قد أطلقت على مدلولها بطريق استعارة معلومة للمتكلم، إذ في هذه الحالة لا يوجد سبيل لإطلاقها على عضو آخر. وهي ألفاظ يجمع بينها كونها كلمات قذرة، وهذا تعريفها، فيمكن أن تستعمل دون قيد للدلالة على أي جزء من الجسم ما دام قذرا. إذ قد يكفي وجود شبه بعيد أو جوار تافه لا يحس ليبرر انتقال الكلمة من معنى إلى آخر. وكل اللغات فيها أمثلة من هذه الظاهرة، فترك للقارئ مهمة البحث عنها بنفسه.
стр. 262
يمكننا أن نتنبأ بنشوء علم دلالة عام، وذلك بتركيز المعلومات المستقاة من كل لغة عن تغيرات المعنى، فيسمح لنا هذا العلم بإرجاع تلك التغيرات إلى بضع قواعد -لا من وجهة نظر منطقية كما فعل العلماء حتى الآن- بل من وجهة نظر سيكولوجية وذلك يتطلب الابتداء من الأفكار التي تعبر عنها الكلمات لا من الكلمات نفسها.
ليس من المصادفة بطبيعة الحال أن كان يعبر عن فكرة "المرة" في غالب الأحيان بالكلمة التي تدل على الرحلة؛ فيقال للعامل الذي ينزل براميل في كهف المنزل أو يصعد خشبا في الغرفة العليا منه: كم رحلة قمت بها؟ بدلا من "كم مرة نزلت أو صعدت؟ " والكلمتان uicissim, uices في اللاتينية اشتقتا من كلمة تدل على الرحلة، وكلمة رحلة نفسها تستخدم في صورتها اللهجية yadze للتعبير عن "مرة" في مقاطعة الفاليه valais السفلى "سويسرة" وفي القوطية تستعمل كلمة sinths التي معناها الحقيقي "رحلة" لتكوين الظروف العددية فيقال ainamma sinths "مرة" و trim sinshams "ثلاث مرات"، وتستعمل في معنى "مرة" كلمة allvart في اللتوانية و fecht في الإيرلندية و gwaith في الغالية وفي الألمانية السفلى reise والاسكندناوية gang، وكل هذه الكلمات معناها الحقيقي "رحلة" وواضح أن هذا يفسر بتطور المعنى الطبيعي تطورا مستقلا في كل بلد من البلاد التي وردت فيها هذه الظاهرة على حدة.
ومع ذلك فهناك تسميات من هذا القبيل لا يمكن أن يكون مجرد ورودها في لغات مختلفة دليلا على أنها نتيجة لاتجاه واحد بعينه، وإن كان مستقلا في كل حالة عنه في الأخرى. من ذلك اسم belette "ابن عرس" وهو حيوان ثديي صغير من أكلة اللحوم؛ فإنه في كثير من اللغات، كما في الفرنسية، مأخوذ من الصفة "جميل". فهو في الألمانية Schontierle "الدويبة الجميلة" وفي الدنمركية kjonne وفي البريتانية kaerell وفي الأسبانية "الغاليمية" garridina بل وفي البسكية andereder، ومعناها الحرفي "السيدة الجميلة"
стр. 263
"andere "سيدة" و eder "جميلة"". فليس من المعقول أن تكون هذه الفكرة نفسها قد عرضت في وقت واحد في أذهان كل هؤلاء الناس الذين يتكلمون لغات مختلفة١. بل إننا هنا أمام مثال من خلق الكلمات بالمحاكاة، وبعبارة أدق من استعارة الكلمات بواسطة الترجمة، الأمر الكثير الوقوع في حالة اتصال اللغات بعضها ببعض. "انظر الفصل الرابع من الجزء الرابع".
ويحدث أن ترتبط الكلمة بأسطورة فتنتشر معها وتساعدها على البقاء. وفي هذه الحالة تترجم المفردات عن واقعة فلكلورية، فلا يمكن إذن تتبع الطريق التي مرت به الكلمات إلا بدراسة الفلكلور. كذلك يحدث كثيرا أن تنتشر عبارة تجريدية في الأقاليم المجاورة بواسطة نوع من النقل يشبه أن يكون نسخا. فالفعل الإنجليزي to become "يصير" مثل الفرنسي devenir تماما، والفعل الغالي digwyddo "يصل"، مثل اللاتيني accidere "فالصيغة cywddo "يسقط" مثل cadere". وسندرس هذه الحالات فيما بعد، في الفصل الخاص باحتكاك اللغات. فهي على العموم تختلف كل الاختلاف عن الحالات التي نحن في صدد دراستها هنا، وإن لم يكن من السهل تعيين حد فاصل بين النوعين. فمثلا عندما نرى الفعل "يقع" يستعمل للتعبير عن فكرة "الإعجاب" في الألمانية "gefallen" وفي الإيرلندية "dofuit lemm "يعجبني" حرفيا "يقع لي""، وذلك دون وجود صلة تاريخية بين العبارتين، ففي هذه الحال لا يسعنا إلا أن نقول بوجود استعارتين متماثلتين نشأت كل واحدة منهما مستقلة عن الأخرى في كلتا اللغتين.
فكرة الألم تجتمع بسهولة مع فكرة العظم، كما تجتمع فكرة القسوة بفكرة القوة. فالصفة الألمانية القديمة sero "أليم, موجع" التي لا تزال تستعمل في لهجات الجنوب "صربيا وبفاريا" بمعنى "مجروح، مكتئب" لم تستبق في الألمانية الأدبية إلا للتعبير عن التفضيل المطلق. ولعلنا نستطيع بسهولة أن نتصور خط سيرها. فقد قيل في أول الأمر sehr krank "مريض جدا" sehr betrubt "مكتئب جدا" قبل أن يقال sehr gross "كبير جدا" و sehr gut
стр. 264
يمكن أيضا الانتقال دون عناء من فكرة الإشفاق إلى فكرة الحنان. فتأمل البؤس يصحبه دائما إحساس بالحدب. لأن الإشفاق والود ينبعان من موضعين متجاورين في القلب الإنساني. فيقال حدبا: MON PAUVRE PETIT "صغيري المسكين" إذ لما كانت فكرة المسكنة وفكرة الصغر مرادفتين للضعف، كانتا توحيان بالحنان والإشفاق معا. وفي كثير من اللغات تستعمل كلمات واحدة للتعبير عن كل هذه العواطف دون تفريق؛ وتنتقل من أحداها إلى الأخرى. فالصفة bleiths تعنى في القوطية "مدر للشفقة"، وقرينتها في الألمانية العليا القديمة Blidi معناها "ظريف" ويظهر أن أصلها هو أصل الكلمة السنسكريتية mrityati "يذوب، يتفكك"، فالفكرة الأساسية هي فكرة الإشفاق التي تندي القلب وتلينه.
لكن الطيبة لا تكون بلا ضعف، وبالإغراق في الطيبة يصبح الإنسان "مغفلا" كما يقول المثل الفرنسي في صراحة قاسية. والكلمات التي تمت إلى الطيبة والعذوبة والهدوء في كثير من اللغات قد استعملت للدلالة على البلاهة فالبساطة، وهي فضيلة في الخلق، تعد نقصا في العقل أيضا. وقاصر العقل يوصف في الفرنسية بأنه simple "بسيط" وفي الألمانية بأنه einfaltig "بسيط" والكلمات bonasse و debonnaire "مبالغ في الطيبة" تحملان اليوم محملا سيئا وقد ساعد
стр. 265
على انحدار المعنى في الكلمة الأولى وجود اللاحقة asse التي تحمل معنى تحقيريا لا شك فيه. ولكن ليس هناك أي أثر خارجي ساعد على تطور الكلمات silly في الإنجليزية و albern في الألمانية و gwirion في الغالية "في الجزء الشمالي" والأولى منها معناها في الأصل "هادئ، مأمون الجانب" "قارن soelig في الإنجليزية القديمة و selig في الألمانية" والثانية "حسن العشرة طيب" "في الألمانية العليا القديمة alawar" والثالثة "صادق الود، بريء" "وما زالت تستعمل في جنوب الإقليم"؛ واليوم تطلق الكلمات الثلاث ويراد بها الغبي أو الأخرق. وقد وقع نفس التحول بالنسبة للكلمة الفرنسية innocent "بريء"، ولكن بواعث دينية زادتها سوءا على سوء. ذلك أن سخرية مواطنينا دأبت تنصب على أولئك الأشخاص الذين وهبوا أنفسهم لله ليمن عليهم بشهادة من بساطة العقل، إن لم تكن من النفاق, وإلى هذا الاتجاه الخالي من التبجيل تدين الكلمتان benet, و cretin بمعناهما التحقيري "فالأولى منهما جاءت من beni "مبارك" والثانية من Chretien "مسيحي"".
كل التغيرات المعنوية التي أشرنا إليها ليست سيكولوجية إلا جزئيا حيث أن المادة التي تدل عليها الكلمة تعين على هذا التغير بطبعها. فالشخص التعس يستدعي الحدب عليه بطبيعة الحال، والرجل الطيب فيه استعداد لضعف الشكيمة وأحيانا لبساطة العقل؛ والعنف يفترض القوة والقدرة، ويبطش بطش الرفيع العظيم فيمكننا القول بأن العقل إنما اتبع في انتقاله من فكرة إلى أخرى السبيل الذي خطته التجربة في الحياة، فاختصر في كلمة واحدة سلسلة بأسرها من الملاحظات، ومع ذلك فإن نصيب العقل يعد على جانب من الخطورة بحيث يخول لنا أن نتكلم هنا أيضا عن تحولات سيكولوجية؛ إذ لا يكفي للملاحظة أن تمون بالتجربة، إذا لم يستطع العقل أن يستخرج منها النتيجة المناسبة. فتفسير صفات المسالمة التي تبدو على رجل طيب تفسيرا سيئا وتمجيد قسوة الظالم عن أنها من عظائم الأمور والعطف على البائسين، أليست كلها ميولا يستجيب لها كل إنسان إن قليلا وإن كثيرا؟ إذا وجدنا اللغة تعبر عنها، أمكنا أن نقول بأنها تكشف
стр. 266
عن خلق المتكلم: فهي علامة الخلق الساخر أو المستعبد أو الرحيم، وبها نستطيع أن نميز الأشخاص على ما بينهم من اختلاف.
الانحدار الذي يصيب الكلمات "يعكس بطريقة ملموسة إما الاحتقار الذي تكنه الطبقات الاجتماعية بعضها لبعض وإما البغض المتبادل بين الأوطان والأجناس وإما التعصب الأعمى من جانب الجماهير وإما عدم احترام المتعصبين لآراء غيرهم, فالناس يتباغضون ويتناحرون ويتبادلون الاحتقار ويتنابذون بالألقاب، واللغة حارس أمين على آثار هذه الحماقات المستمرة"١. فالكلمات BRIGAND "قاطع طريق" و RIBAUD "إباحي" و ASSASSIN "قاتل" GRIVOIS "خليع" التي كانت تطق في أول أمرها على بعض الكتائب العسكرية تدين بمعناها الحالي إلى غلظة الأخلاق الحربية واستهتارها، كما تدين كلمة cuistre "قديما "طباخ" وكلمة goujat "قديما "خادم"" إلى احتقار السيد لخادمه؛ والكلمات bouquin "مستعارة من الفلمنكية boecken "كتاب"" و LIPPE "مستعارة من الألمانية LIPPE "شفة" و ROSSE من الألمانية ROSS "حصان"". و HABLEUR "من الأسبانية Hablar "يتكلم" تحمل على التهكم الساخر الذي يرتبط بكل ما يأتي من الخارج. ومما تجدر ملاحظته أن كلمة parlar في الأسبانية "المشتقة من parler الفرنسية بمعنى "يتكلم"" لا تقال إلا لتدل على أمر سيئ. وكلمة madame "سيدة" قد بقيت كلمة نبيلة في الإنجليزية والفرنسية، أما في الألمانية التي دخلتها بطريق الاستعارة، فقد صارت عامية سوقية: ففي برلين تعتبر Madamchen من ألفاظ السوقة٢.
يمكننا أن نتصور علما لسيكولوجية الشعوب يقوم على اختيار التغييرات المختلفة التي تشاهد في اللغات التي يتكلمونها خاصة بالمعنى. وقد تكون هذه
стр. 267
الدراسة مضنية، ولكنها تستحق ما ينفق فيها من عناء. بل من الممكن ألا نخرج منها بنتيجة محددة وأن نصل في النهاية إلى أن نكشف عند جميع الشعوب اتجاهات سيكولوجية واحدة على وجه التقريب، هي ميول العقل الإنساني نفسه. ولكن قد نصل أيضا إلى إقامة بعض الحدود وتحديد بعض دقيق الفروق. فأغلب الظن مثلا أن تكشف لنا المفردات الإنجليزية عن احترامهم للأشياء الدينية وللأشخاص الذين كرسوا للدين أنفسهم أكثر مما نجد منها في مفردات الفرنسية. وقد تطلعنا هذه الدراسة على بعض الفروق بين الألمانيين والفرنسيين. فكلاهما مثلا في حديثه العائلي يألف إطلاق أسماء بعض الحيوانات على الأشخاص، ولكن الفرنسي يخلط بهذا الاستعمال عاطفة من السخرية والاحتقار، أو القذف. أما الألماني -وهو أكثر عاطفية من صاحبه- فيفضل أن يلونها بلون من العطف. فالمحامي هلمر Helmer من أبطال رواية لإبسن Ibsen يبدو للفرنسي مضحكا، إذ ينادي امرأته كل حين بالعصفورة أو بالسنجاب. ولكن هذه الألفاظ التي تدل على الملاطفة لا تعد جارحة في اللغة الإسكنديناوية ولا في اللغة الألمانية.
وعلى العكس من ذلك، يميل الفرنسي إلى أن يربط أفكارا مخزية أو فاحشة بالأسماء التي تدل على أشخاص من الجنس اللطيف, وقد أصيبت برشاش هذا الانحراف أسماء الأعلام Jeanneton, Goton, Catin والأسماء المشتركة garce و gouge و donzelle و Fille "تدل في الأصل على معنى بنت أو امرأة، والآن أصبحت من الشتائم المقذعة", ولن تلبث كلمة demoiselle "آنسة" أن تصاب بما أصيبت به سابقاتها.
إن أعنف الكلمات التي يتأتى للغضب أو البغض أن يستخدمها، قد تستعمل أحيانا في الملاطفة، فتستخدم استخدام عبارات المداعبة اللطيفة البريئة من كل احتقار أو ملام. فمن المألوف أن يدعى الطفل polisson "فاجر" أو petit coquin "الخبيث الصغير" ويوصف الصديق بأنه bon bougre "المعتوه الطيب" أو Vieille canaille "الوغد العجوز" كذلك الكلمات luder أو Schelm في الألمانية و ctverak في التشيكية يمكن أن تقال على سبيل
стр. 268
الملاطفة، وهي شتائم في الأصل. ولكن الأم الفرنسية لا تنادي طفلها: "mon" "petit pouilleux" "يا صغيري المقمل" كما تفعل الألمانية إذ تقول بلا حرج mein Lausbube، فهناك شيء من الفرق؛ ولكن هذه الاستعمالات رهن بالعرف بل وقصيرة الأجل. ويمكننا بسهولة أن نستخرج من الألمانية بعض العبارات الأليفة التي تبدو لنا خالية من الروح مثل das ist mir wurst und egal "هذا لا يعنيني"؛ و nicht die Bohne بمعنى "كلا، مطلقا! " و kein Bein "لا أحد" إلخ. ولكن العبارات الفرنسية مثل "la jambe" أو "la barbe" أو "la ferme" ليست أكثر منها تميزا وذكاء.
وإذا كان في وسع التغيرات المعنوية أن تعرفنا بالسيكولوجية، فإنها ليست أقل قدرة على تعريفنا بظروف الشعوب الاجتماعية.
تفسر الروابط العائلية أيضا الاستعمال المجازي لبعض أسماء القرابة الذي تقابله في كثير من اللغات. فكون كلمة nepos تطلق في اللاتينية على السفيه وكلمة Schwager تطلق في الأنية على سائق عربة البريد يمكن تفسيره على أنه نوع من المزاح، ويطلق اسم "العم" في الألمانية على شيخ محبوب فعال للخير،
стр. 269
واسم العمة على الشخص العابس الكثير التقريع "die Tante voss" في كل هذه الاستعارات تبدو بكل بساطة روح الخبث التي هي صورة من صور البصيرة الشعبية. وبالعكس عندما تستعمل الكلمة الدالة على ابن الأخ "أو ابن الأخت" للدلالة على المنافس كما في السنسكريتية "bhratrivyas" فإن هذا الاستعمال يكشف لنا عن نظام عائلي كانت فيه العلاقات بين العم وابن أخيه مختلفة اختلافا شاسعا عما هو سائد في عائلات اليوم.
стр. 270
فنرى هنا أن بعض العوامل الاجتماعية تتدخل في تطور المفردات، تلك العوامل التي لم نكن قد قابلناها حتى الآن إلا مصادفة. وستظهر في صورة أوضح في الفصل التالي.
стр. 271
الفصل الثالث: كيف تغير الأفكار أسماءها
نشرت دراسات عديدة تبين كيف تغير الألفاظ معانيها. ولكن هذا السؤال يمكن أن يدال على وجهه الآخر. فهناك مجال أيضا لدراسة كيف تغير المعاني الكلمات، أو بعبارة أصح كيف تغير الأفكار أسماءها.
وإذا درسنا المفردات في جميع اللغات التي نعرف تاريخها، أمكننا بكل يسر أن نكون مجاميع من هذا القبيل، لأن المفردات في كل اللغات قد خضعت لهذا التجديد إن قليلا وإن كثيرا. وأسباب هذا التجديد معقدة، وأحيانا تند عن كل
стр. 272
بحث، ذلك لأن حالات الكلمات جد غريبة، تتوقف على عوارض يستحيل أن تتنبأ بها قبل وقوعها كما يستحيل أن نتخيلها بعد وقوعها إذا لم يمدنا التاريخ بما يدل عليها. ومع ذلك فهناك أسباب عامة لتجديد المفردات، تستطيع أن تفسر الجزء الأعظم من حالاتها. ويمكننا اعتبار هذه الأسباب من وجهين, من وجهها الفردي في سيكلوجية المتكلم نفسه، ومن وجهها الاجتماعي في الاستعمال الغوي الذي تقوم به البيئات الاجتماعية.
يتخلص المتكلم عادة من الكلمات التي لم تعد كافية للتعبير عن المعنى الذي نيط بها التعبير عنه، لأنها ضعفت وبليت. وهذا البلى نفسه يمكن أن يرجع لأسباب صوتية أو لأسباب معنوية.
الكلمات القصيرة ينقصها التعبير غالبا. وإذن فالتغيرات الصوتية بتقصيرها للكلمات تعرضها للبلى. لذلك لم يعد عندنا في الفرنسية ولا في أية لغة رومانية أخرى، اثر للكلمة اللاتينية os "فم". واستعضنا عن الكلمة القديمة ive "من eque" بكلمة jument "فرس" التي هي أقوى منها بنية. ونعرف أن اللاتينية العامية اضطرت إلى إطالة بعض الكلمات بواسطة اللواحق لتحفظها من الضياع: فالكلمات auris, opis و sol صارت apicula و auricula و soliculus، ومنها جاءت الكلمات الفرنسية abeille "نحلة" و oreille أذن" و soleil "شمس". فاللاحقة هنا ليست لها أية قيمة تصغيرية، كما قيل أحيانا، بل القصد منها إنما هو تزويد الكلمات بالحجم، أي بالمادة التي كانت تنقصها. ولولا عملية التطعيم اللغوي تلك، لمات عدد كبير من الكلمات بعد أن لفظها الاستعمال؛ ومثل ذلك كلمة ains التي يبدو أن لبرويير la Bruyere كان يأسف عليها، فإذا كانت هذه الكلمة قد هجرت، فذلك بسبب صيغتها، فهي وحيدة المقطع، وتبدأ بحركة وتتكون فقط من حركة أنفية، فكان مصيرها الهلاك.
هناك أيضا ميل لطرح الكلمة التي صارت بسبب عوارض صوتية، كبيرة
стр. 273
الشبه بغيرها. فنعالج العقبات الناجمة من تشابه الكلمات بواسطة الاستعاضة عن إحدى هذه الكلمات بكلمة جديدة. ومثل ذلك الكلمة التي تمثل صوتيا الكلمة اللاتينية Serrare "ينشر"، فإنها لم تبق حتى اليوم إلا في أماكن متفرقة من الأقاليم المتكلمة بالفرنسية١، وكانت من قبل ذات ميدان انتشار مترامي الأطراف متلاصق متجانس. فإذا كانت قد استعيض عنها في كثير من الأماكن بكلمات متأخرة عنها في الاشتقاق ومأخوذة من الأصول اللاتينية secare أو resecare أو sectare فذلك لأنها كانت تشبه الفعل serare "يغلق" شبها يكاد يكون تاما، وكان هذا الشبه يتقدم شيئا فشيئا نحو التماثل الكامل. ونشأ عن ذلك شيء من العسر حاولت اللغة أن تتخلص منه في كل الأماكن التي كانت تستعمل الفعلين معا.
يرجع التجديد في هذه الحالات جميعا إلى عارض صوتي. ومع ذلك لا ينبغي أن نبالغ في أهمية الصوتيات. إذ من النادر أن تستطيع وحدها تفسير كل شيء فالكلمات التي تركها الاستعمال لصيغتها كانت تحتوي أحيانا على دواعي أخرى لهذا الترك. واللغات نفسها كثيرا ما تقاوم. فالسياق يحمي الألفاظ المتماثلة من خطر اللبس، وهذا يسمح بالإبقاء عليها دون إضرار. وتستطيع اللغة حماية الكلمات القصيرة وتعضيدها بأن تسندها بكلمات أخرى بصفة دائمة. فالصفتان sain "سليم" و sauf "معافى", لا توجد إحداهما بمعزل عن الأخرى بل تتحدان معا، وبهذا تأتي لهاتين العاجزتين أن تقويا على المقاومة, فيقال sain et sauf "سليم معافى". وليس أعلام الأماكن من الأسماء التي يسهل على الإنسان أن يتركها للضياع؛ فإذا كانت وحيدة المقطع حاولت اللغة أن تحافظ عليها بأن تضيف إليها أسماء مشتركة تسندها. وبذا صارت الكلمات ain "اسم نهر" و Eu "اسم مدينة" و Batz "اسم قرية" على الصورة الثانية: la riviere d'Ain "نهر الإين" و la ville d'eu "مدينة أو" la bourg de Batz "قرية باتز". وأحيانا بإضافة عنصر إليها يمد من طولها؛ فيقال في Bourg "اسم مدينة
стр. 274
"بور"" Bourg -en- Bresse "أو أن يقال بكل بساطة Bourk بنطق الكاف المتطرفة: بورك", هذه كلها أنواع يعالج بها البلى الصوتي.
وليس البلى المعنوي أقل خطورة من ذلك. فكثرة الاستعمال تبلي الكلمات في معناها وفي صيغتها، ولا سيما إذا كانت من الكلمات المعبرة، لأن قيمتها التعبيرية تتضاءل بسرعة في الاستعمال. فتصبح الكلمة معتمة بالية. وفي حالة التعبير عن انفعالات النفس مثلا، نرى أقوى الكلمات تخطو نحو الخمول شيئا فشيئا حتى تنتهي بالإهمال، لأنها لم تعد معبرة. ويمكننا تحقيق هذه الحقيقة في حالة التعبير عن الكمية، ولا سيما الكمية الكبيرة، وبالتالي عن التجاوز والخروج عن الحد. فالكلمة الفرنسية beaucoup "كثير" حلت محل الكلمة القديمة moult "من multum"؛ ونحن نعرف أن beaucoup نفسها قد استعيض عنها في اللغة الجارية بعدد كبير من الأبدال مثل un grand nombre "عدد كبير" و une foule "جمهور" و des quantites "كميات" و des tas "أكوام" و"des flottes" "أساطيل إلخ؛ وذلك تبعا لموضوع الكلام ولدرجة التعليم عند المتكلم أيضا.
стр. 275
"مجنون للغاية" أو ultra-reactionnaire "رجعي فوق الحد" أو تستعمل ظروفا مثل parfaitememt "تماما" أو completement "كلية" أو absolument "مطلقا" أو tout a fait "للغاية"، إلخ. ووفرة ظروف التفضيل تلك في الفرنسية أمر معروف، حتى لقد يتعذر إحصاؤها، لأن كل شخص يخترع منها ما شاء له هواه. وبعض هذه الظروف يمكن أن يفسر من تلقاء نفسه، مثل grandement و fameusement و extraordinairement و epatamment. ولكن الصفة التي اشتق منها الظرف كانت تضعف بقدر ما كانت تقوى القيمة التفضيلية. فكأن العقل قد أهمل الأصل ليركز انتباهه في اللاحقة ment التي أصبحت جزء الكلمة الرئيسي. ويكفي للتعبير عن التفضيل المطلق على وجه العموم أن يدل الأصل على شيء فيه فكرة القوة والخشونة أو الغلظة، ومن ثم استعملت للتعبير عن التفضيل المطلق هذه الظروف: rudement و salement و bonnemet و terriblement و effroyablement و furieusement, إلخ.
وهذا غير مقصور على الفرنسية. فالألمانية المتداولة قد تصف امرأة بأنها FURCHTBAR NETT لطيفة بإزعاج، بشكل مزعج، يعني "لطيفة جدا" أو FURCHTBAR SUSS "حلوة بشكل مزعج"، وتستعمل عبارات مثل HUBSCH ARTIG "خبيث بشكل جميل، خبيث جدا" و HUBSCH GESUND "سليم بشكل جميل، سليم جدا ... "؛ وذلك كما تقول الإنجليزية PRETTY DIRTY "قذر بشكل لطيف "قذر جدا"". ولما لم يكن في الألمانية والإنجليزية علامة خاصة توصل بالظرف، كانت قيمة الكلمات FURCHTBAR و HUBSCH و PRETTY متوقفة فقط على مكانها ونبرها وعلى كونها لا تنفصل من الصفة التي تتبعها والتي تكون معها كلمة واحدة بالنسبة للعقل. فنحن في الواقع أمام خلق لدالة نسبة، ولكنها حالة نسبية تعبيرية "انظر ١٨٠، ١٨٦".
كل الكلمات التي لها قوة تعبيرية أيا كانت، معرضة لضعف قيمتها، وهذا بدوره يبعث على التجديد، وكم في كل لغة من عبارات تدل على شيء كريه ثقيل؟
стр. 276
يقال في الفرنسية وحدها ENNYUANT و EMBETANT و FATIGUANT و CRISPANT و ESQUINTANT و ETREINTANT و ASSOMMANT و TUANT و RASANT و BARBANT و CANULANT، إلخ، وهي كلمات غير مترادفة وتنتمي إلى لغة أوساط متنوعة، ولكنها جميعا تتنافس في الدلالة على ما تدل عليه، وستبلى هي الأخرى أيضا بكثرة الاستعمال حتى يضطر الحال إلى اختراع غيرها.
إذا كانت الفكرة أو الشيء من الأفكار أو الأشياء التي تثير إلى جانب قيمتها الأساسية قيما ثانوية تبعا للأوساط والظروف، وجدنا عنها في اللغة عبارات متنوعة. وتدخل النقود في هذه الأشياء، فلها في كل لغة عبارات عديدة، فيقال عنها في الفرنسية: de la galette و de la braise و du pognon و de la douille و du beurre و de l'os و du peze و du platre إلخ؛ وفي الألمانية تستخدم الكلمات Draht و Kies و Moos, مرادفة للكلمة Geld وبالطبع يعبر عن فعل "نقد" بصورة مختلفة تبعا للأوساط، فيقال في الفرنسية verser و casquer و cracher و eclairer إلخ وفي الألمانية blechen و bluten و berappen. ونجد في اللغات المختلفة للتعبير عن فكرة tromper "يخدع" صورا متنوعة من هذا القبيل. والضوضاء تنجم عن أسباب مختلفة، ومن ثم تنوعت طرق التعبير عنها؛ فيقال في الفرنسية du potin و du barouf و du chahut و du raffut و du petard و du chambard وفي الألمانية Radau و Randal و krakehl إلخ.
قد يحتج بأن الكلمات التي ذكرت هنا، كلها من العامية الخاصة argot والعامية الخاصة تنحصر في استعمال مفردات خاصة. ولكن هذا احتجاج باطل، لأن العامية -كما سنرى في فصل لاحق- تنتج من ظروف طبيعية للغة، واللغة الخاصة ليس معناها لغة اصطناعية بأية حال. فمسالك العامية الخاصة مسالك طبيعية لا غبار عليها. وإذا كانت الحاجة إلى التجديد أظهر في العامية الخاصة منها في غيرها، فمرجع ذلك إلى استعمال هذه العامية الخاصة لغة للكلام، والتعبيرية في لغة الكلام ضرورة دائمة "انظر الفصل الثاني من الجزء الرابع".
стр. 277
على أنه لا يوجد حد فاصل بين العامية الخاصة وبين اللغة التي يتكلمها جميع الناس. فكم من ألفاظ تعد من أنبل الكلمات وأوغلها في الروح الأدبية، قد استعيرت من العامية الخاصة! من ذلك كلمة tete "رأس" بالنسبة لكلمة caput, وإذا انتزعت tete من عرشها يوما لتحل محلها bobine أو fiole، كان ذلك انتصارا جديدا تسطره العامية الخاصة في قائمة انتصاراتها. فتسمية الرأس باسم إناء من الآنية أمر طبيعي وقع في لغات أخرى، ولا سيما في الجرمانية، حيث تشترك كلمة kopf "رأس" مع الكلمة اللاتينية cupa في أصل واحد، والاسكندناوية اشتقت kollr "رأس" من Kolla "إناء". وأسماء أجزاء الجسم كثيرا ما تبعث على استعمال استعارات من هذا القبيل، وإن لم تكن كلها في ذلك سواء. فاسم "القدم" مثلا قد بقي واحدا لا يتغير في كثير من اللغات، ولكن اسم السيد تجدد أكثر من مرة، واستعيض في الدلالة عليها بأسماء تدل على الكلابة والملقط والملعقة، إلخ١. ويرجع ذلك إلى أن اليد تستخدم في أمور أكثر تنوعا من القدم، وخاصة في أمور تبعث هي نفسها على التجديد في التعبيرية. فلفكرة الأخذ مثلا عبارات عديدة في كل اللغات.
فكرة "التكلم" أيضا" تختلف بدورها باختلاف العواطف التي تثيرها٢. والأفعال التي معناها "تكلم" تبلى بسرعة. فها نحن أولاء في سبيل إحلال causer محل parler "يتكلم". والفعل parler نفسه دخيل متأخر على اللاتينية "parabolare"؛ أما الفعل القديم loqui فقد مات منها، وهذا الفعل loqui نفسه كان تجديدا في اللاتينية "أو الإيطالية الكلتية" في معنى "يتكلم" العام. واللغات الكلتية الحديثة الأساسية الثلاث تستعمل للتعبير عن هذه الفكرة ثلاثة أفعال مختلفة هي: labhraim في الإرلندية و siarad في الغالية و komps في البريتانية، ويقال في الإنجليزية speak وفي الألمانية sprechen وفي القوطية
стр. 278
وأحيانا يرجع التجديد إلى الرغبة في المخالفة. فهناك أشياء تسلك أزواجا ويصر الذهن على التفريق بين أفرادها إلى أحد أنه إذا تشابه اسما فردين من هذه الأشياء نتيجة مصادفة ما، اختفى أحدهما وحل غيره محله ليبقى التمييز بين المسميين واضحا. هذه هي الحال مع التمييز بين الجنسين في بني الإنسان وفي الحيوان. والزوج الأساسي الذي اتخذ مثالا يحتذى في كل ما عداه، هو الأب والأم اللذان لهما في كل الحالات وفي كل الأماكن اسمان مختلفان "من حيث الأصل بالطبع". ووفقا لهذا المثال سمي عدد آخر من الأزواج بأسماء مختلفة: الزوج والزوجة، الأخ والأخت، العم والعمة، إلخ. وأغلب الظن أن الاحتفاظ بهذه المخالفة على هذا النحو من العناية يرجع إلى ميل عام في الذهن. وقد احتفظت الفرنسية بالكلمتين fils "ابن" و fille "بنت" اتباعا للاتينية، ولكنها عند مقابلة الجنسين أحدهما بالآخر، لا تستعمل الآن fils "ابن" بل garcon "صبي" فيقال: filles et garcon "بنات وصبيان". هذا إلى أن اللاتينيين بخلقهم للزوج filia filius، قد خالفوا الاستعمال الجاري في الهندية الأوربية، هذا الاستعمال الذي احتفظت به اللغات الجرمانية والسلافية وكذلك الإغريقية. فالكلتية لم تبق الأسماء القديمة، ولكنها احتفظت بالمقابلة، في الإرلندية mac، وفي البريتانية map "ابن" وفي الإرلندية ingen وفي البريتانية merc'h "ابنة".
الكلمة اللاتينية dominus "سيد" ومؤنثها domina "سيدة" قد أصبحتا في الفرنسية صيغة واحدة كان المقصود منها أن تطلق على الجنسين. وقد بقيت لنا ذكرى من dame مذكرا في صيغة التأفف dame المختصرة من عبارة Dame-Dieu "السيد الإله" وفي اسم vidame "نائب السيد
стр. 279
"وهو لقب لنائب الأسقف في الأمور المدينة قديما""، ولكنها ليست أكثر من ذكرى. فلم يبق إذن في اللغة إلا الكلمة المؤنثة وخلق لها مذكر جديد هو monsieur "سيد". وقد وقع هذا الشيء بعينه في الألمانية؛ فالكلمة الألمانية frau "سيدة" "frouwa في الألمانية العليا القديمة" كان لها مذكر إلى جانبها، وهو fro "في القوطية frauja". وقد مات هذا المذكر ضحية أيضا لشدة شبهه بالمؤنث الذي يقابله. وتستعمل الألمانية اليوم Herr "سيد" في مقابلة frau كما تستعمل الفرنسية monsieur في مقابلة madame والإنجليزية Gentleman في مقابلة lady.
وهذه المقابلة شائعة في أسماء الحيوانات. فاللاتينية تقول: equa, equus ولكنها تقول: taruus و aries, vacca "أو ueruex" و ouis و catus و feles؛ uerres و scrofa. والفرنسية تقابل cheval "حصان" بـjument "فرس" كما تقابل الألمانية: Pferd بـStute والإنجليزية horse بـmare ومع ذلك كان في وسعنا أن نقول: chevale "حصانة" كما نقول chatte "قطة" أو chienne "كلبة". ونحن كذلك الذين خلقنا le mouton "الخروف" و la brebis "النعجة"، le bouc "الجدي" و la chevre "العنزة"، le porc "الخنزير" و la truie "الخنزيرة" و le cerf "الوعل" و la biche "الوعلة"، le sanglier "الخنزير البري" و La laie "الخنزيرة البرية"، le coq "الديك" و la poule "الدجاجة"، le lievre "الأرنب البري" و la hase "الأرنبة البرية". فهي صورة خاصة من الإحساس بتقابل النوعين، تلك التي تلعب في كثير من اللغات دورا هاما.
لا تستطيع السيكولوجية، حتى في الأمثلة السابقة، أن تفسر لنا كل شيء. فالبلى الذي يصيب الكلمات يرجع دائما, ولو بمقدار قليل، إلى البيئة الاجتماعية التي تستعملها. وإذن يجدر بنا أن نناقش مسألة تجديد المفردات من الوجهة
стр. 280
الاجتماعية. فالأسباب الاجتماعية واضحة جدا في تغير الكلمات مراعاة للياقة١. إذ ليس من اللائق أن يتكلم في أحد المجتمعات عن أفعال معروفة بالفظاظة أو بأنها مما يجرح الحياء، وتستبعد الألفاظ التي تعبر عنها من بين المفردات التي يستعملها الأشخاص المهذبون. فللتعبير عن هذه الأفعال عبارات متنوعة تبقى مستعملة حتى تصير بدورها خشنة وجارحة للأذن. لذلك لم نستبق نحن كلمة واحدة من مشتقات الفعل اللاتيني mingere "يبول"، والفعل pisser الذي استعضنا به عن السابق لم يعد هو الآخر يستعمل في مجتمع راق، بل يستعاض عنه بالفعل uriner الذي هو أقل منه خشونة. ولم ينج الفعل vomir "يقيء" من الضياع إلا ما له من صفة طيبة، ولكنه تعبير خشن ويستعاض عنه بأبدال مثل: rejeter و rendre و s'expliquer إلخ. والألمانية أيضا تستعيض عن ausbrechen بـsich uber-geben.
والذي يقطع بكون الكلمة لائقة أو غير لائقة إنما هو العرف. واللفظ بذاته يختلف حاله في إقليم عنه في الآخر. فكلمة pissoir "مكان البول" في الألمانية أقل منها جرحا للأذن في الفرنسية. لأن استعارة كلمة من الخارج تخفف من افتضاح الشيء الذي يعبر بها عنه، فهي تلعب دور الكناية. وهناك أفكار يعبر عنها غالبا بالكناية، ومنها فكرة الموت، فبدلا من mourir "يموت" تقول الفرنسية perir "يفنى"، passer "يمر", trepasser "يعبر" deceder, "معناها الأصلي "يذهب"" s'endormir "ينام" rendre son ame a Dieu "يرد روحه إلى الله"، إلخ؛ أو تستعمل فقط partir أو s'en aller "ينطلق" وكان يقال في القوطية usqiman، ويقال في الألمانية vergehen و erblassen و verbleichen. هذه العبارات المخففة تصور شبح الموت في صورة أقل إيلاما.
عدد الكلمات الجارحة وطبيعتها يختلفان باختلاف البيئات والعهود. فيزداد عددها بالطبع في عصر الرقة حيث يصطبغ المجتمع بالصبغة التي تضفيها عليه النساء. ويصل الحال إلى التضييق من دائرة المفردات شيئا فشيئا، حتى لا يتكلم
стр. 281
الناس إلا تلميحا. ولما كان يتحتم عليهم دائما أن يجدوا كلمات للأشياء كلما دعت إلى ذلك فرصة، فإنهم يضطرون إلى تجديد المفردات.
وقد عدل الأطباء منذ حين عن استعمال كلمة "عملية" operation التي صيرها الاستعمال قاسية مخوفة. لا يسمعها المريض حتى يتصور الآلات المرعبة والملابس الملوثة بالدماء والجسم وقد طواه الألم طيا. فكلمة operation "عملية" ضحية الصور التي تثيرها. لذلك يسود الميل إلى الاستعاضة عنها بكلمة intervention "تدخل" لأنها أنضر جدة منهان وأكثر تحفظا وأشد غموضا أيضا، لا يهلع لسماعها قلب المريض. والكناية euphemisme ليست إلا صورة مهذبة متحضرة مما يسمى تحريم المفردات "انظر ص٢٣٧". فكثيرا ما يقع لدى المتوحشين أن يكون لبعض الألفاظ طابع من السرية والخفاء يمنع بعض الأفراد من استعمالها. ولكن ليس في لغاتنا الأوربية شيء من هذا التحريم. فقد قضت المدنية على تلك البقايا المتبربرة. غير أننا إذا رجعنا إلى تاريخ أكثر اللغات مدنية، وجدنا حواث من هذا التحريم لا تقل صراحة عما عند الأمم المتوحشة١.
تعد الجهة اليسرى عند كثير من الشعوب جهة السحر، جهة القوى الخفية التي لا يحسن إيقاظها. لذلك كثيرا ما قضى بالتحريم على اسم اليسار وكانت نتيجة هذا التحريم الإضطرار إلى استعمال العبارات الملفوفة والاستعارات للتعبير عن اليسار. فإن كان العدد الأكبر من اللغات الهندية الأوربية قد احتفظت لذلك بكلمة واحدة للدلالة على اليمين، فإنها تستعمل للدلالة على اليسار كلمات متنوعة، لا تستعمل الكلمة منها في غالب الأحيان في أكثر من لغة واحدة أو لغتين، وهي حتى في هذه اللغات نفسها قد تعرضت بدورها للأقصاء والاستبدال.
стр. 282
التي تستخدم للدلالة١. ففي الإرلندية اثنا عشر اسما للدب ومثلها "للسالمون": ونحن نعرف، من مصادر أخرى، أنهما من الحيوانات التي جعل منها الخيال الشعبي تابوهات TABOUS. وحيوانات الصيد على العموم تحاط بقوى سحرية، فما أكثر تابوهات الصيادين. كذلك يدل بالمترادفات في غالب الأحيان على الحيوانات البرية.
لا ينحصر الأثر الناجم من تحريم المفردات في استبدال كلمة مكان كلمة فحسب بل يتعداه أيضا إلى تشويه الكلمات الموجودة. فتغيير حرف من الكلمة أو نقله يخفف ما تنطوي عليه من الخطر أو مما لا يليق دون أن ينقص ذلك من قيمتها الدلالية. وفي استطاعة كل إنسان في هذه الحال أن يفهم المراد على الفور.
فالحجاب لا يستر إلا الجهات الجارحة والمؤذية للحياء، ويشف عن معالم الكلمة الكبرى ولونها العام. ونرى الشتائم في كثير من اللغات تصاب بشيء من التشويه المقصود الذي يمكن من إدخالها في أرقى الأوساط، مثل BIGRE أو FICHTRE ويقال: PARDIENNE، PARGNIEU, PARBLEU, PALSAMBLEU بدلا من PAR LE SANG DE DIEU "بدم الإله" أو PAR DIEU "بالله".
هناك أصل هندي أوربي بمعنى "قاع أو عمق" ومنه الكلمة الفرنسية monde "عالم". هذا الأصل يقدم لنا في اللغات الهندية الأوربية المختلفة تشويهات فريدة في بابها. فقد أحصى منها ثماني صور أو تسع، لا يختلف بعضها
стр. 283
يجب ألا نهمل من حسابنا عند دراسة الأسباب الاجتماعية التي تؤدي إلى تجديد المفردات نوع النشاط الذي يمارسه المتكلمون. فالكلمات التي تنتمي إلى نشاط المجموعات الاجتماعية "عقليا كان أو يدويا" يطلق عليها كلمات الحضارة.
كلما تحقق أي تقدم في الصناعة الإنسانية ترجم عن نفسه باستعمال آلات وإجراءات جديدة يقابلها خلق كلمات جديدة بقدرها.
التغيرات التي تطرأ على الآلات تنعكس في المفردات بطبيعة الحال. فالجرمانية المشتركة كانت فيها كلمة تدل على الخبز، نعثر عليها في الفترة القديمة لكل لهجة من لهجاتها، وهي في القوطية hlaifs "في حالة الإضافة hlaibis". وكان لهذه الكلمة من الأهمية بقدر ما للشيء الذي تدل عليه. وقد استعارها اللتوانيون والسلافيون: ويشهد بأهميتها في الجرمانية نفسها عدد المركبات التي اشتقت منها:
стр. 284
ففي الإنجليزية القديمة hlafward "حارس الخبز" "في أيامنا هذه لورد" و hloefdige "عاجنة الخبز" "في أيامنا ليدي Lady" وفي النروية القديمة witandahalaiban "إلى سيد الخبز" "في نقش مكتوب بالحروف الرونية، وهي أقدم الكتابات الجرمانية". ولكن هذه الكلمة كانت تدل على الخبز غير المختمر فلما اهتدوا إلى تخمير العجينة، اضطروا إلى استعمال اسم جديد للدلالة على هذا الإجراء الجديد في صنع الخبز. فكانت كلمة brot في الألمانية العليا القديمة، braudh في الإسلندية القديمة، وهي كلمة غير موجودة في القوطية، ولا يعثر عليها في الإنجليزية القديمة إلا في عناء كبير.
وقد بقيت الكلمتان المتنافستان في اللغات الجرمانية الحديثة، ولكن أحدثهما هي الأكبر أهمية؛ فهي الكلمة الألمانية Brot "خبز" والإنجليزية bread, أما الثانية فبقيت كلمة شبه شعرية أو للاستعمال في معنى خاص، وهي loaf "الجمع loaves في الإنجليزية و laib في الألمانية، ومعناها "رغيف". فخلق كلمة جديدة لا يتحتم عليه هلاك القديمة، ولكنه يقذف بها غالبا في جزء خاص من المفردات.
стр. 285
_________
١ المقصود به الجواد الذي يعلق في مقدمة العربة فيكون سابقا غيره من الخيل.
المعربان.