مقدمة
...
النحو العربي من بصرية وكوفية وبغدادية ومصرية أن تمنع انتشار اللحن لا في البلاد العربية المفتوحة ولا في جزيرة العرب نفسها.
لسنا بذلك ننكر فضل القدامي على اللغة العربية وإنما ندعو إلى مسايرة الطرق العلمية الحديثة في البحوث اللغوية وأن ننظر إلى اللغة على أنها نظام اجتماعي "تتأثر بالمجتمع وتؤثر فيه". ثم علينا أن ندرس العلاقات التي توجد بين اللغة وبين العقل البشري على أسس علمية صحيحة، لنطمئن إلى أن العربية ستظل بقواعدها ومفرداتها وأدبها لغة حديثة تساير كل نهضة علمية أو أدبية أو فنية.
يبذل مجمع فؤاد الأول للغة العربية جهدا مشكورا في تعريب المصطلحات العلمية وألفاظ الحضارة الحديثة والحياة العامة، وهو حين ينتهي من هذه المهمة الشاقة ويذيع مصطلحاته على الناس، يكون قد أدى للغة العربية أجل الخدمات لأنه سينتقل بها من العصور الوسطى حيث وقف بها أبناؤها إلى عصرنا الحديث الذي تخلفت فيه عن اللغات الحية، وأصبحت تنافسهما في معاهدنا العلمية الشرقية والمصرية اللغتان الفرنسية والإنجليزية منافسة قوية، إن أبناء العربية جميعا يتطلعون إلى اليوم الذي تصبح فيه لغتهم لغة علمية، ولن يكون هذا اليوم قريبا إلا إذا اقتنع أبناؤها تماما بضرورة الأخذ بالطرق الحديثة في الدراسات اللغوية.
أما إذا ظلوا يدرسونها معتمدين على الكتب القديمة وحدها فلن تكون دراستهم مجدية، لأن هذه المصادر، مهما كانت مفيدة نافعة ومهما احتفظت بقيمتها التاريخية، فستظل ناقصة إذا طبقت عليها مقاييس العلم الحديث.
نريد أن تصبح العربية لغة من يعيشون في الشرق من الشرقيين والأجانب على السواء، لأننا نكره كراهية شديدة أن تحرج اللغات الأجنبية آذاننا في معاهدنا ومنازلنا وطرقنا. إنه لمظهر يسيء حقا إلى قوميتنا وكرامتنا ويدعونا إلى التفكير الدائم والعمل المتواصل حتي يوجد "وعي لغوي" في البلاد العربية كلها.
على أن الوصول إلى ذلك ليس أمرا يسيرا، فاللغوي يحب أن يكون على معرفة بالعلوم التي تتصل باللغة اتصالا وثيقا، لأن اللغة كما تقول الأستاذ فندريس "مركب معقد تمس فروعا من المعرفة مختلفة وتعي بها طوائف متفرقة من العلماء فهي
стр. 2
فعل فسيولوجي من حيث أنها تدفع عددا من أعضاء الجسم الإنساني إلى العمل، وهي فعل نفساني من حيث أنها تستلزم نشاطا إراديا للعقل، وهي فعل اجتماعي من حيث أنها استجابة لحاجة الاتصال بين بني الإنسان. ثم هي في النهاية حقيقة تاريخية لا مراء فيها نعثر عليها في صور متباينة وفي عصور بعيدة الاختلاف على سطح المعمورة أجمع".
هذا هو الاتجاه الحديث الذي نرجو مخلصين أن يطبق على اللغة العربية تطبيقا صحيحا، وأن يأخذ به اللغويون العرب أنفسهم لترقى لغتنا إلى المستوى الذي نرجوه لها. وأما الجزاء الذي نود أن نناله لما صادفنا من عنت شديد في تعريب هذا الكتاب لكثرة ما فيه من مصطلحات لغوية لا عهد للعربية بها، هذا الجزاء يتمثل في أمنيتين:
الأولى: أن تتضام الأفكار على اختلاف المعاهد والثقافات وتتعاون في هذه السبيل ليكون للدراسات اللغوية طابع قومي يخلق "الوعي اللغوي" في الشرق.
الثانية: أن تنشأ جميعات لغوية من المتخصصين تعاون في الدراسات اللغوية، وألا نعتمد على الهيئات الرسمية وحدها في مثل هذه الدراسات العلمية. ثم نرجو أن تنشأ مجلة لغوية تكون مجالا لإثارة المشكلات المختلفة وعرض الآراء والنظريات الجديدة على نهج المجلات اللغوية في أوروبا وأمريكا.
ديسمبر سنة ١٩٥٠
عبد الحميد الدواخلي
محمد القصاص
عضوا الجمعية اللغوية بباريس
стр. 3
المقدمات:
تصدير: اللغة وأداة التفكير
قلنا في التصدير الذي قدمنا به لكتاب البشرية قبل التاريخ L' Humanite" Prehistorique": "اليد واللغة: فيهما تنحصر البشرية. نعتقد أن أول ما ينبغي أن يزاح عنه الستار في هذا المؤلف شيئان، وهما اللذان يفصلان بين نهاية التاريخ الحيواني وبداية التاريخ البشري. ونعني بهما اختراع اليد -إذا جاز لنا هذا التعبير- واختراع اللغة، وهذا هو التقدم الحاسم للمنطق العملي والمنطق العقلي"١. وهنا يجب أن نذكر القارئ بأن الدعوى الأساسية التي نذهب إليها، هي أن التاريخ منطقي في جوهره، وأن تفسيره العميق ينحصر في ميل الكائن الحي إلى التشبث بكيانه والمضي في ترقيته، ولكنا لا نقدم دعوانا في هذا المؤلف إلا على أنها فرض يحتاج إلى التحقيق، ولا يتم إلا بالاعتراف بالعوامل الأخرى ودراستها، تلك العوامل التي تلعب دورها في التاريخ، والتي تجعل التاريخ على ما هو عليه: أعني شبكة معقدة غير متجانسة قد لا يرى فيها الناظر السطحي أو العالم الغارق في التفاصيل إلا مجموعة من الأحداث العارضة.
أبان المجلد السابق أهمية المنطق العملي: اليد، تلك الأداة التي لا تباري والتي مكنت للإنسان من استعمال العدة المادية التي تترجم عن التقدم النفسي وتسرع به على السواء، والفرد هو الباعث الحقيقي لهذا التقدم لا تستطيع البيئة إلا أن تدعو إليه وتثبته.
واللغة من ناحية أخرى تعد واحدة من أعجب المبتكرات التي أظهرها التطور الإنساني، فيجب الوقوف عندها، وإطالة الوقوف: ما هو الدور الذي
стр. 4
تلعبه على وجه الدقة؟ ما هو النصيب الذي تقوم به في التطور العقلي؟ ما هي صلات الفرد بالجماعة فيما يختص بإنتاج هذه الأداة القيمة وإكمالها؟ هذه هي الأسئلة التي يجيب عنها المجلد الذي بين أيدينا.
الغرض الذي قصدنا إليه كان ممكن التحقيق بصور شتى. فلو أن هذا الكتاب كان من وضع عالم سيكولوجي أو مؤرخ يهوى المباحث اللغوية، لكان من الممكن إلحاقه بالدعاوي التي قدمها مشروع "L' Evolution de l' Humanite" "تطور البشرية" في صورة أحكم وأظهر مما هو عليها. ولكنه عمل عالم لغوي، وهذا العالم اللغوي يتعلق بالوقائع ويتحرز من النظريات؛ لقد أتيحت له الفرصة من قبل١ ليعلن عن ذلك، وها هو ذا يقول هنا أيضا نفس القول. إنه إنما يقدم لنا، ولا يريد أن يقدم لنا إلا دراسة فنية لتلك الآلة المعقدة المرنة، ألا وهي اللغة في تنوع أشكالها وتطوراتها التاريخية. وتتصل بالضرورة بهذه الدراسة للمسائل التي تثيرها اللغة وتعنى التاريخ التأليفي، ولو أنها لا تبحث فيها عمدا لذاتها لأن الأستاذ فندريس Vendryes لا يريد أن يكون إلا عالما لغويا فحسب.
ونعتقد ان في معاونة هذا الأخصائي لنا -وهو مع ذلك أخصائي واسع الأفق- خير ضمان لعلم التاريخ كما نفهمه. فتجربتنا في الأجزاء السابقة من سلسلة "تطور البشرية" قد برهنت على ضمان النجاح في مثل هذه الظروف بأكثر مما لو كنا قد اخترنا مفكرا آخر معتنقا نفس الدعاوي التي نقدمها. ومع ذلك ينبغي لنا أن نناقش قليلا الأفكار العامة التي يقدمها لنا كتاب الأستاذ فندريس القيم، وذلك من وجهة النظر التأليفية.
стр. 5
الأمر الذي اضطلع الأستاذ فندريس ببيانه، والذي أبانه في قوة وبراهين بينة تدعو إلى الإعجاب، هو كيف أن اللغة نشأت من الحياة، وكيف أن الحياة راحت "تغذيها" بعد أن خلقتها.
إن الإدراك القديم، الذي يقول بأن اللغة قد أنزلت على الناس عن طريق معجزة أو أنها شيء خلقه الإنسان خلقا صناعيا، قد ترك آثارا في ذلك النوع من علم اللغة الذي يعدها شيئا ساميا مستقلا، ويضفي على قوانينها نوعا من الحتمية الكامنة، لا على القوانين الصوتية أو قوانين النطق التي ترتبط بالأعضاء فحسب، بل على القوانين الصرفية أيضا، أي قوانين النحو، وعلى القوانين المعنوية، أي قوانين المفردات. ولكن "من الباطل أن تعتبر اللغة كائنا مثاليا يسير في تطوره مستقلا عن بني الإنسان متجها نحو غاياته الخاصة"١. فالحقيقة أن اللغة على صلة وثيقة بالحياة النفسية، وأنها منذ نشأتها سيكولوجية فعالة.
يعلن الأستاذ فندريس أن مشكلة أصل اللغة لا تدخل في اختصاص العالم اللغوي، ولا يدلي في هذا الموضوع إلا بإشارات يحوطها الحذر الشديد. والواقع أنها مسألة سيكولوجية، وأن أصل اللغة كأصل اليد تعوزه تماما الأدلة التاريخية. هذا فضلا على أنه لم يكن هناك أصل بمعنى الكلمة لأنه لم يوجد هناك خلق من العدم، بل تحور-في اتجاه إنساني- لظاهرة وجدت عند الحيوان. فاللغة بمعنى الكلمة الضيق، اللغة السمعية -التي ليست إلا حالة من موهبة إنتاج العلامات- موجودة عنده٢. فالحيوان يعبر عن حالاته الانفعالية بأصوات، وأغلب الظن أن اللغة خرجت من الصيحة التي تترجم عن الانفعالات بطريقة فجائية. ولعل الانطباعات الهادئة والعواطف المعتدلة هي
стр. 6
التي -كما أشار البعض١- تنتج الأصوات الملفوظة، أما الصياح فيقابل الانفعالات العنيفة. ولكن لا بد أن اللغة كانت انفعالية في مبدأ الأمر، وقد بقيت إلى حد كبير انفعالية مرتبطة بالفرد وبما هو من نصيب الفرد: وهذا كله يبينه الأستاذ فندريس بحجج لا تنازع في صفحات بارعة نفاذة، فهو يشير إلى اللغة الانفعالية عند الطفل ويبين أنها نقطة البدء، ويشير في لغة الكلام إلى الفجائية التي تكسو التعبير عن الفكر "وتلونه" وتجعل النحو غير مستقر٢. ولا بد أن اللغة الفاعلية أخذت تختلط منذ زمن مبكر باللغة الانفعالية، وذلك عند ما كفت الصيحة عن أن تكون ترجمة لحالة شعورية لتصبح وسيلة للعمل أو النداء أو الرجاء أو الأمر٣.
وهذه مرحلة هامة في تطور اللغة وقد لعبت الحاجة إلى الاحتفاظ بالوجود أو إلى توسيع نطاق هذا الوجود بالتعاون مع الآخرين أو باستخدام الآخرين دورا جوهريا في هذا السبيل "الكائن الحي معني دائما بالاحتفاظ بحياته وبوقاية نفسه من التأثيرات الضارة وبمد سلطانه على ما يحيط من كائنات" وبيير جانيه "Pierre janet" الذي أوضح هذه الصفة من صفات الحدث، التي يصح أن نسميها "العلية الفاعلة" "L' Efficience" يعد اللغة صورة من صور النشاط مسببة فاعلة، ويعتبر أن "سلوك الشخص الذي يتكلم وسلوك الشخص الذي يخاطب مستمدان من حدثي الأمر والطاعة الموجودين من قبل عند
стр. 7
الحيوان"١ فالكلام والإشارة مرتبطان ارتباطا وثيقا في بادئ الأمر ولكن اللغة السمعية تنمو وتتطور بفضل تفوقها من الناحية العملية٢، وإذا كان الكلام الخارجي ينتج الحدث الخارجي فإن الكلام الداخلي يتحقق في الإدارة ويكشف عن نفسه في الاعتقاد والرغبة. فهو لا يزداد إلا لصوقا بجميع النشاط الإنساني.
وقد تمت آخر خطوة من خطوات التقدم الذي حقق اللغة الإنسانية في الواقع عندما اعترف للصوت بصفة العلامة، وذلك حينما أتيح للفجائية التي خلقت العلامة المفيدة أن تستكمل بانضمام الإرادة إليها، تلك الإرادة التي تستخدم العلامة. وهذا التقدم، وهو تقدم عملي من حيث أصله ويخدم غايات الحياة بطريق مباشر، قد أفاد ثراء نفسانيا غير محدد٣. ولا شك أنه يجب أن تكون الذاكرة قد وصلت إلى درجة من التطور لتتمكن من فصل الصوت عن الخاطر الذي كانت تصحبه مبدئيا، ولا بد من وجود شعور حاد اليقظة لتحقيق رابطة العلامة بالشيء الذي تشير إليه "فالأشياء في ذاتها لا تشير إلى شيء": ولكن الشعور بقوى ويمرن بدرجة عميقة إذا كانت لديه رموز تعمل على تثبيت صور الأشياء. فاستعمال الرمز يعين الإنسان على سهولة التصور لا سيما أن عندما ينقله إلى ذهن آخر فإنما ينقله إليه مستقلا عن الانطباع المباشر. وهذا الذكاء الناشئ يجعل من اللغة شيئا فشيئا آلته الخاصة وأداة التفكير، وبذلك يسمح للتفكير أن يعمل دون صلة مباشرة بوظيفية ما هو
стр. 8
واقع١. فالكلمة بقيمتها التصويرية وقدرتها على الإفهام، لها نفس المزايا التي للورق النقدي، ولكنها محفوفة مثله بالأخطار بمعنى أنها إن كانت خالية من الحقيقة صارت مجرد "أنفاس صوتية" "Flatus vocis" أي خيالا باطلا٢.
فاللغة وقد خلقتها الحياة والحاجة والرغبة، تقوم بادئ أمرها على نظام التأليف "Synthese". ويبين لنا الأستاذ فندريس أن التفكير وهو غريب عن التصنيفات النحوية يبدأ وهو في حالة توهجه بالانصباب في قالب اللغة. فالصورة الكلامية أو الكلمة الصوتية لها نفس القيمة التي للجملة، وذلك أن اللغة في أصلها حدث؛ ففيها تنشأ الأسماء التي تمثل الأشياء وصفاتها، والأسماء التي تمثل الأحوال والأدوات النحوية التي تشير إلى الروابط. فالجملة قد سبقت الكلمة النحوية، والكلمة قد سبقت المقطع.
واللغة تظل خاضعة للحياة "في تطورها الذي لا ينتهي إلى حد". ولا شيء أكثر إمتاعا من أن نلاحظ مع الأستاذ فندريس تنوع الوسائل، وأحيانا كثيرة خرق تلك الوسائل التي تترجم عن العلاقات التي تلتقط في الحياة الواقعية، وعدم ثبات المفردات الذي يصل إلى حد التطرف، وتلك الخاصة التي تجعل اللغة تتفرق دون توقف وتنمو دون حد عند جميع أولئك الذين يتكلمونها في تعبيرهم عن حياتهم الخاصة بكل ما فيها من شخصي بحت. واللغة المكتوبة -حتى لغات كبار الكتاب الذين يبدون كأنهم يثبتون هذه الأداة بما يخلعون عليها من كمال- لا تستطيع أن تقف الحياة، "فقوة الحياة التي لا تقهر، تتغلب على القواعد وتحطم قيود التقاليد". الكلمات لا تحيا برغم كل ما يقال: بل إن العقل هو الذي يحيا ويغير معناها، كما أن حياة العقل هي التي تغير أسماء الأشياء وتجددها "فليس من الباطل إذن أن يقال بأنه يوجد من اللغات
стр. 9
قدر ما يوجد من الأفراد".
ومن ثم يعني الأستاذ فندريس بلفت النظر إلى ما في اللغة من صفة العرضية. ولكن كمال تمكنه من موضوعه وحسه الحاد بالحقيقة الواقعية يمنعانه من أن يحيد عن وجهة النظر الأخرى التي تلزم الباحث الناظر. "فهناك من اللغات قدر ما هناك من أفراد": ومع ذلك فهناك اللغات، اللغات المشتركة واللغات الخاصة، وهناك اللغة "إذ يقوم اتجاه آخر يعمل على الدوام على مناهضة التفريق، ألا وهو الاتجاه إلى التوحيد الذي يعيد التوازن". فعلم اللغة يمكنه إذن من أن يجد أمامه حالات من الاطراد، من العموم على درجات متفاوتة.
هذه الاطرادات يعتبرها الأستاذ فندريس من محض صنع المجتمع، وإذا كان يرتاب في النظريات، وإذا كان نصيب التعميم في كتابه يعمد إليه في حذر، فإننا نحس بعظيم ركونه إلى السيولوجيا، إلى ذلك النوع من السسيولوجيا الذي اعترفنا نحن أيضا بجدواه وكشفنا عن مزاياه١ -وأنه يميل إلى أن يشبع بالعنصر "الاجتماعي" تلك الحاجة إلى التفسير التي تبدو عنده في كثير من المواضع، وإن كان ذلك في صورة مكبوتة نوعا ما. وهو باهتمامه بهذا العنصر يتفق مع بعض علماء اللغة -ومنهم أستاذ كبير- أولئك الذين وإن لم ينضموا إيجابيا إلى مدرسة دركهيم "Durkheim" فإنهم قد تأثروا بجاذبية هذا العقل اللطيف الجبار٢. وإذا كان "من القول المعاد أن نؤكد أن الإنسان كائن اجتماعي قبل كل شيء" فإنه يجد بنا تحديد ما يخلع عليه ذاتيا هذا الطابع، ويجب أن يميز فيه ما هو اجتماعي خالص وما هو جماعي وما هو إنساني. والأستاذ
стр. 10
فندريس لا يعنى بتحرير هذه العناصر١. ولكن يمكننا مع ذلك أن نجد في مؤلفه التصحيحات والتحفظات التي أملاها عليه ميله السيولوجي: ذلك لأن الخبرة والمباشرة للحقائق اللغوية أقوى عنده من كل حماس نظري. وفي رأينا أنه يجب الالتفات إلى التفرقة الآتية أولا وقبل كل شيء.
إن المجتمع، من جهة كونه مجتمعا، له حياته الخاصة التي تشمل حياة الأفراد وتتجاوزها وتكسبها ثراء: فحاجاته المعينة تعلن عن نفسها بأوضاع ضرورية يتضامن فيها الأفراد وإن اختلفوا فيما بينهم. فالجماعة والأمة، لها طابعها الخاص الذي يطبع الأفراد بوجوه مقررة من التشابه٢. طابع الأمة -ومن باب أولى السمات الخاصة بواحدة من تلك الجماعات الثانوية التي تتمتع بحظ ما من الدوام والتي توجد داخل الأمة- ينعكس على اللغة "سواء أكانت لغات مشتركة أم لهجات أم لغات خاصة"، وذلك بأن تدخل فيها أعراضا من أنواع شتى لا صلة بينها وبين "التكون الاجتماعي" أو "التفتت الاجتماعي". ولقد استطعنا أن نقول بأن اللغة "موطن الفكر" والموطن شيء آخر غير المجتمع.
الأستاذ فندريس الذي ينتقد بحق إقحام فكرة الجنس في علم اللغة ينتقد أيضا فكرة العقلية الجنسية. ومع ذلك فإنه يعترف بوجود صلة بين عقلية الشعب ولغته. ويمكننا أن نتصور علما لسيكولوجية الشعوب يقوم على اختبار التغيرات المعنوية المختلفة التي تشاهد في اللغات التي يتكلمونها. وقد تكون هذه الدراسة شاقة ولكنها تستحق ما ينفق فيها من عناء.
стр. 11
الواقع أن هناك لغات تجريدية ولغات تشخيصية تقابل عقليات جنسية متعارضة. ومن أشد ما يسترعي النظر في هذا الصدد ملاحظات الأستاذ م. جرانيه.M.M Granet عن "بعض خصائص اللغة والتفكير الصينيين" التي نشرتها المجلة الفلسفية١ وفيها يبين "أن دراسة المفردات تكشف عن طابع التصورات الصينية المسرف في التشخيص". "الكلمات في جملتها تدل على أفكار فردية وتعبر عن حالات منظور إليها من وجهة نظر خاصة كل الخصوص، هذه المفردات لا تعبر عن حاجات تفكير من دأبه أن يصنف ويجرد ويعمم، تفكير يريد أن يعمل في مادة واضحة متميزة ومعدة لتطبيق نظام منطقي عليها، بل على العكس من ذلك تعبر عن حاجة ملحة إلى التفصيل والتخصيص، وإلى ما هو معجب ... يبدو أن كلمات اللغة الصينية كما تلوح لنا وكما يشرحها الصينيون أنفسهم، تقابل صورا إدراكية Concepts images مرتبطة، من جهة بالأصوات التي كأنها مزودة بالقدرة على إثارة التفاصيل المميزة للصورة ومن وجهة أخرى بالكتابة الممثلة للإشارة التي تسجلها الذاكرة المحركة كأنها أمر جوهري".
هذا العامل السيكولوجي الجنسي ليس العامل الوحيد الذي له أثر عام في تشكيل اللغة "التطور اللغوي يعتمد اعتمادا وثيقا على الظروف التاريخية". فهو يعتمد على المسكن، ويعتمد على نوع الحياة، ويعتمد على تشابك حياة الشعوب٢. ولكن لا يتحتم كما رأينا أن نرجع السمات التي تميز مجموعة من المجموعات أو وطنا من الأوطان بأسره إلى أصل اجتماعي. فكلمة "تاريخية" هنا هي الكلمة الحقة.
ومن بين الآثار التي تتلقاها المفردات وتسجلها بوصفها جهازا حساسا أثر المسائل الاجتماعية بمعناها الحقيقي. وقد قدم لنا الأستاذ مييه أدلة بارعة في هذه الناحية: "يرجع الجزء الأكبر من تغيرات المعنى إلى توزيع المتكلمين في طبقات اجتماعية مختلفة وإلى انتقال الكلمات من مجموعة اجتماعية إلى أخرى"٣. ولكن
стр. 12
أيكفي هذا القدر الذي تعكسه اللغة من "الظروف الاجتماعية" لحياة الشعوب -وكذلك الحال بالنسبة للظروف التاريخية- لنقول بأن اللغة اجتماعية؟ نحن لا نظن ذلك.
لا تكون اللغة اجتماعية حقا في نظرنا إلا إذا كانت من خلق المجتمع، وإلا إذا كانت نظاما ملتصقا بالمجتمع. يقول الأستاذ فندريس: "في أحضان المجتمع تكونت اللغة ... فاللغة وهي الحقيقة الاجتماعية بأوفى المعاني، تنتج من الاحتكاكات الاجتماعية، هذه هي أم المسائل: فما نصيب المجتمع، بوصفه مجتمعا في تكوين اللغة وتقدمها؟
يعترف الأستاذ فندريس بأن في تكوين اللغة عملية سيكولوجية "في نقطة البدء" وأنه "لم يتأت لكائنين بشريين أن يخلقا لغة فيما بينهما إلا إذا كان مهيأين مقدما لهذا العمل"، يقول إن اللغة تنشب جذورها في أقصى أعماق الشعور الفردي، ومن هنا تستمد قوتها لتتفتح على شفاه بني الإنسان، وإذن فإن كان يريد بهذا الاهتمام بأثر المجتمع الذي يبديه في كثير من الفقرات، أنه يبين فحسب مقدار المعونة التي لقيتها المنظمة الاجتماعية في تلك الوسيلة للتفاهم بين البشر، وكيف أدى التوفيق بين المواهب الإنسانية والحاجات الاجتماعية إلى تقدم المجتمع واللغة على السواء، إذا كان ذلك ما يرمي إليه، فإنه لا يسعنا إلا أن نتفق معه.
الواقع أن المجتمع استعمل اللغة. وقد استعمل شيئا من الضغط -ولا نقول من القسر١- في سبيل جعلها مناسبة من الوجهة العملية وفي سبيل استكمالها. بل لقد ساعد بشتى الطرق على جعلها من نظمه إذ يجب علينا أن نميز بين النظم الرئيسية والمؤسسات الثانوية٢ ولكنا نرى أن اللغة في الأصل عامل
стр. 13
من عوامل المجتمع وليست من منتجاته. فاللغة ومعها اليد قد مكنت للمجتمع التوسع الذي هو عليه الآن وأن ما فيه من الترابط يبلغ من درجات الإحكام قدر ما يبلغ فيه التخالف من عظم، وهذا التخالف نفسه تساعد عليه اللغة كما تساعد عليه اليد.
ولكن الأستاذ فندريس لا يجعل دور المجتمع مقصورا على الإثارة. فبعد أن يقول: "لا وجود للغة خارج من يفكرون ومن يتكلمون. فهي تنشب جذورها في أقصى أعماق الشعور الفردي، لا يلبث أن يقول: "ولكن الشعور الفردي ليس إلا عنصرا من عناصر الشعور الجماعي الذي يفرض قانونه على كل فرد" فيؤخذ من كثير من فقراته أن اللغة بوصفها أداة الفكر وآلة العقل من خلق المجتمع حقا. "يعزو إميل دركهيم وجود الكليات إلى نوع من الضرورة تقف بالنسبة للحياة العقلية موقف الالتزام الأخلاقي من الإرادة: يعني أن الكليات اجتماعية الأصل وتتوقف على المجتمع" فالأستاذ فندريس يقبل هذه الفكرة من أفكار المدرسة الدركهمية التي يوضحها الأستاذ ليفي بريل Levy-Bruhl في كتابه: "Les fouctions mentales dans les soietes inferieures" "الوظائف العقلية في الجماعات البدائية". فها نحن أولاء في صميم مسألة ذات أهمية جوهرية بالنسبة للتفسير التاريخي، وهي دور المجتمع في تكوين المنطق.
نحن نرى من جانبنا أن الفكر يستمر بالحياة، وأن التفكير العملي وهو شعوري إلى حد ما، يسبق التفكير النظري، وأن اللغة، وهي التي تدعم التفكير العملي وتسمح وحدها بتقدم التفكير النظري، تعبر أساسا عن الطبيعة البشرية. فالإنسان بوصفه إنسانا هو خالق المنطق العقلي والمنطق العملي. فاللغة والتفكير، وكلاهما مرتبط بالآخر تمام الارتباط، إنما يترجمان عنه حين يصنف الأشياء ويقرر ما بينها من روابط. ولا يمكن أن يكون المجتمع هو الذي خلق الكليات المنطقية "CATEGORIES LOGIQUES". فالمجتمع له حاجاته ولكنه لا يفكر إذا كان في اللغة اطرادات ذات أهمية مختلفة عن أهمية الاطرادات التي تنشأ عن الرواية وعن
стр. 14
الظروف المحيطة وعن المحاكاة، فإنها ترجع إلى الوحدات الأساسية التي تتصف بها الحياة التصورية عند جميع البشر١.
تكلمنا في التصدير الذي قدمنا به للمجلد الثاني عن نصيب اليد في التطور النفساني، فالتقدم التدريجي في استعمال اليد استعمالا ينطوي على الذكاء يقابل تقدما مثله في التكوين النفساني وفي درجة الوضوح الداخلي. لم تساعد اليد باختلاف عملها على تيسير التعاون بين أفراد البشر فحسب: بل ساهمت بقسط وافر في معرفة العالم الخارجي. لأن المعرفة العملية المحضة المؤسسة على المنفعة والتي هي وليدة الميل معاصرة للحياة، والتهيئة ما هي إلا المعرفة. وهناك معرفة الواقع المجسم في كل تكوين عضوي، وهناك ميكانيكا وفيزيقا بالفعل في كل ممارسة للجهود العضلية "فقانون السببية قبل أن يدرك كان يحس به شيئا فشيئا، وذلك باتساع نطاق النشاط الإنساني في عالم يحكمه هذا القانون ويكون الإنسان جزءا منه، مكملا له".
وليس معنى ذلك أن موهبة التجريد والتعميم لا تستيقظ إلا مع اللغة، فبدون اللغة يقوم الانتباه والذاكرة بدورهما تحت تأثير الميل. والإنسان الفطري "الخام" Homo alalus كالحيوان يستخلص إدراكات شتى من الأحاسيس المختلطة التي لا تحصى. وهذه الإدراكات تنتج عن نوعها من الاختيار "فالذي يكون له أهمية عملية" من بين هذه الإحساسات "هو الذي يحض بالعناية"٢ وهو الذي يستثير الانتباه. هذا إلى أن الذاكرة تنمي الانطباعات التي تستقبلها بتلك
стр. 15
التصورات التي تستقيها من الاختبارات السابقة. وبذلك تنفصل من الأشياء بعض السمات البارزة، تلك السمات المشتركة بين مجموعة من الأشياء١. وفي هذه الحياة التصويرية الأولى تلك الحياة الفردية الخاضعة للمصلحة، تتكون بعض الصور النوعية وتصير آلات عملية كالآلات المادية تماما، آلات تعمل على جعل الأشياء ملكا للشعور ومسودة له, وهي النواة المتواضعة للمعرفة النظرية.
اللغة، وهي في مبدأ أمرها انفعالية وفاعلة ثم تأليفية، كلما تنوعت لتقوى على تمييز الأشياء والصفات والحالات وكلما زادت مرونة بالتعبير عن علاقات العالم الواقعي المتنوعة أشد التنوع بكلمات قد جردت من معناها الحقيقي لتتخذ قيمة الأدوات النحوية، تلك القيمة التجريدية العامة، نقول كلما تقدمت اللغة في هذا المضمار، صارت قوة لا تبارى، وأمكنها أن تدير الملكة التي تميز الشبيه من المخالف، والتي من بعد ذلك تجرد وتعمم، تلك الملكة اللاصقة بالحياة لصوق الحاسة التي تميز بها رائحة الطيب من الخبيث، واللغة على هذا النحو تمكننا من "الاستيلاء على الأشياء أنفذ وأشمل من ذي قبل".
الإنسان لم يكن "الإنسان المفكر" "Home sapiens" لأنه "الإنسان العامل" "Homo faber" فحسب، بل أكثر من ذلك لأنه "الإنسان الناطق" "HOMO LOQUENS" ويظهر أن تطور اللغة كان يقتفي عن كثب أثر تطورات الآلات المصنوعة. ويرى الأستاذ بول M. Boule أن الإنسان الهيدلبرجي" "Homo heidelbergensis" كان الحلقة الوسطى بين الإنسان الذي يتكلم والحيوانات التي تصيح، أما "الإنسان النيندرثالي" Homo neanderthalensis فيظهر أنه كان يملك مبادئ فكرية من اللغة الملفوظة٢.
ولكنا لسنا في حاجة إلى القول بأن الانتقال من الصورة النوعية إلى الإدراك المحض كان متناهيا في البطء فالكلمة في بادئ الأمر كانت "ضئيلة الشأن" ثم
стр. 16
ارتفعت بالتجريد حتى صار ينطوي تحتها أعم الخصائص وأخفاها على المعرفة وهي التي ثبتت أكثر الأفكار عمرانا "بالمعرفة التي بالقوة" من العدد والمكان والزمان والسبب والقانون والنوع. "تنتقل الكلمة من العدم إلى السيادة المطلقة، والشخص ينتقل من الكينونة الكاملة إلى العدم"١.
ومما لا يحتاج إلى تقرير أيضا أن دور المجتمع هنا كان حاسما، وإن لم يكن مباشرا. والكلام قد مكن للإدراك من أن ينتقل من دماغ إلى آخر: والمجتمع يحبذ وينشط تعاون الأفهام، أو "التمويل" العقلي. ولكن إذا كان هذا التعاون المنطقي مما ينتج في المجتمع فإنه ليس ظاهرة اجتماعية. بل على العكس من ذلك يجب أن تقرر أن الكلام بتسخيره للذكاء الفردي في خدمة المجتمع، يزيد في شعور المجتمع شعورا واضحا بحاجاته النوعية، ويسمح له بأن يتطور تطورا معقولا.
والقدرة على التجريد والتعميم التي هي من خصائص الإنسان والتي تتفتح في العقل، ليست عند جميع البشر على السواء. المخترعون "أولئك الذين يولدون بموهبة التجريد أو عبقرية التجريد"٢ والقدرة على التجريد التي كانت عند المخترعين عملية محضة في بادئ أمرها تصبح نظرية على التدريج بمساعدة الذخيرة المتجمعة والممارسة الفجائية ولعب الملكات العقلية. وذلك دون أن تختفي الحاجة الأولى، أي المصلحة. لا نريد بذلك أن نقول إن هناك نشاطا عمليا يبقى، ويصل أحيانا إلى درجة لا نظير لها من الأهمية والسطوع فحسب٣ بل إن أشد أنواع النشاط إيغالا في الناحية التأميلية يتجه في نهاية الأمر-بناء على المبدأ الذي بنينا عليه رأينا- في أغراضه الخفية وفي غايته القصوى، نحو التسلط على الأشياء، ونحو تحرير العقل، نحو قمة الإنسانية العليا. فالعلم "أداة حيوية" حتى في أبعد صورة من الوجهة العملية من حيث المظهر، ولا سيما في هذه الصورة. "إذا كان الإنسان يسجل له في كل يوم انتصارا
стр. 17
جديدا على الطبيعة، بينما يستأنف الحيوان في كل يوم جهاده القاصر ضدها دون نتيجة حاسمة، فذلك لأن الإنسان يعرف في بعض الأحيان كيف ينظر إلى العالم منزها عن الغرض. أما الحيوان، ذو الروح المسرف في الناحية العملية فإنه عبد إدراكه الذي يحمله دائما على القيام تقريبا بعمل واحد آلي بعينه". فالبحث عن الحقيقة المنزه عن الغرض هو آكد الوسائل للوصول إلى المنفعة١.
أما عن الدور الذي قامت به الكتابة والطباعة في سبيل البحث عن الحقيقة -وهما كما هي الحال في اللغة، خليط من اختراعات عديدة قد حوكيت وتنوقلت وطبعت بالطابع الاجتماعي- فذلك ما ستكشف عنه المجلدات التالية. فالكتابة قد خلقت أشياء متكلمة، والطباعة أكثرت من عددها إلى غير ما حد وخلدتها. وهكذا أمكن للفكر أن ينتظر على المكان والزمان والموت٢ ولكن كثيرا ما ينتهي التفكير المجرد إلى سراب وإلى الابتعاد عن الجادة. فالفكر في هذه الحال يجول في "عالم غير مخلوق يرجع إلى عهد الإنسان البدائي". عالم الأفكار، الذي هو أيضا عالم الألفاظ -من حيث المبدأ- وكان يمثل الأشياء٣ ظن الإنسان بطبيعة الحال أن كل كلمة تقابلها حقيقة واقعية: ومن هنا نشأ الاعتقاد في الأصنام وفي جوهر الأشياء المحقق عمليا. ولما كانت بعض الألفاظ تحدث آثارا معينة، كان من الطبيعي أن يظن بأن كل كلمة لها هذه الصفة. "فالشخص الذي يدعو إليه صاحبا له موجودا على بعد منه، ويراه يهرول ملبيا نداءه، يسخر في ذلك قوة تختلف اختلافا واضحا عن القوى المادية، عن القوة
стр. 18
الناجمة عن سلاح الطعن أو سلاح الرمي، لا شك أن هناك نصيبا من الحقيقة في هذه الفكرة التي يقول بها الأستاذ ل. فيببر من أن ممارسة اللغة قد ساهمت في استخراج معنى للسبب الفاعل يختلف عن ذلك الذي ينتج عن ممارسة الفنون المادية.
هذه العقلية التي تستخدم الكلمات استخداما تحكميا أطلق عليها اسم العقلية "قبل المنطقية" وقيل إنها من أصل اجتماعي خالص١. ويبدو لنا أنها آتية في الواقع من حياة الفرد الانفعالية، ولكن الذي يستبقيها ويساعدها على التطور إنما هي الحياة الاجتماعية التي هي حياة انفعالية في أصلها إلى حد كبير والتي تخلق، بتقويتها لحالات الفرد الانفعالية، نوعا من الوسط الغيبي لا يتطرق إليه الاختبار، إن قليلا وإن كثيرا. ففي المجتمع تنمو التصنيفات وتزداد قوة، وليست التصنيفات قبل المنطقية هي التي نعنيها هنا، بل التصنيفات الغريبة على المنطق التي يوجدها "الفن الكلامي" إلى جانب الفنون المادية. والسلطة الاجتماعية التي تقوم مقام رقابة الواقع الخارجي بتأسيسها للتفكير تشل العقل إن قليلا وإن كثيرا، وبعد أن يتحرر العقل ويشتد في وقت ما يظل زمنا طويلا يحتفظ بدرجة مسرفة من الثقة في بعض الأسس الخداعة وفي سراب الألفاظ٢.
يجب أن تظل الإدراكات منطوية على الحقيقة الواقعة حتى يستطيع العقل أن يشتغل بالكلمات بطريقة مجدية. فالمثل الأعلى في كل صورة يتولد من اللغة، ولكن هناك من المثل العليا ما هو فارغ أجوف. وبمضي الزمن يصل العقل في كفاحه المنطقي، إلى تشبيه الأشياء بالعقول وبالتالي إلى تشبيه العقول بعضها ببعض.
ولعل المجتمع النهائي سيقوم على وحدة العقول، ويمكننا أن نقول بأن العلم لم يؤد من خدمات اجتماعية بقدر ما أدى منذ أن تحرر من كل سلطة اجتماعية بل من كل نظام اجتماعي ليصير موضوعيا محضا، أي ليصير في نفس الوقت
стр. 19
فرديا وعاما لا اجتماعيا، لأن هذين أمران يختلفان كل الاختلاف.
قامت حول المنطق، وحول تقدم اللغة، مناقشات حارة في سنتي ١٩١٢، ١٩١٣ في الجمعية الفلسفية الفرنسية، وقد ساهم فيها الأستاذ فندريس. وكان الباعث عليها وأساسها تلك الأعمال الممتعة المثيرة التي قام بها المأسوف على حياته لويس كوتيرا في اقتناع يقوم على التفكير العميق. عمل كوتيرا على أن يخرج للوجود لغة دولية تفرض نفسها على جميع الشعوب وجميع العقول بعملها على تحقيق الاتجاهات العميقة التي يتجهها التطور اللغوي. والواقع أنه كان يعتقد أن التفكير الإنساني واللغة يرتبطان أحدهما بالآخر بعري وثيقة، وقد كان يجمع إلى تبحره العظيم في مسائل المنطق اطلاعا دقيقا على المسائل اللغوية، فراح يبين أن بعض "الحدود أو الفصائل" الأساسية يمكن استخلاصها من الدراسة المقارنة لجميع اللغات الإنسانية، معتمدا في ذلك على دراسات الأستاذ مييه meillet أكثر اللغويين اصطباغا بالفلسفة. تلك الدراسات البارعة في سعة المعرفة وخطورة النتائج. فعنده أن هناك نحوا عاما "grammaire generale" لأن هناك عقلا إنسانيا؛ "الإنسان ليس له عقل لأنه حيوان اجتماعي أو "سياسي" كما يقول أرسطو، بل إنه حيوان اجتماعي لأن له عقلا"١.
فلنحدد موقف الأستاذ فندريس في المناقشات الدائرة حول الفصائل لنرى كيف تستقيم، في هذه النقطة سسيولوجيته البادية، وتتقلص بسبب الحقائق المكتشفة كما وقع لدركهيم Durkheim نفسه في كتبه الممعنة في التقرير، ولليفي بريل٢. "فتصور عقل إنساني ذي قوانين ثابتة لا تتغير ومتماثل تمام التماثل
стр. 20
في كل الأرجاء" يبدو له -وهو على حق- موضع نظر: ولكنه يعلن بأنه لا ينكر إنسان وجود بعض سمات أساسية مشتركة مهما اختلفت العوائد العقلية بين شعوب الأرض"، ويفوض الأمر إلى المناطقة ليقرروا "ما إذا كان وراء الفصائل النحوية المختلفة الألوان فصائل منطقية تجري على كل اللغة وتفرض عليها جميعا بحكم تركيب المخ الإنساني١.
أما عن الأصول فإنه يجمع الاعتراضات تلو الاعتراضات ضد الجهود التي عملت لإرجاع اللغات إلى الوحدة ويبدي تحفظا شديدا أمام نتائج الطريقة المقارنة. ويعترف مع ذلك "بأن العلماء قد نجحوا في تكوين عائلات لغوية كبيرة"، ويضيف قائلا: "وليس من شك في أن تقدم الفيلولوجية المقارنة سيؤدي إلى ازدياد عدد الأسر اللغوية الصحيحة التكوين"٢.
وأما عن التطور فيقول: "فنحن نجني ثمار التحسسات العقلية التي قام بها أسلافنا الغابرون، فهم الذين سهلوا مهمتنا بتحضيرهم لعقليتنا فما أكثر ما بذلوا من وقت ومن مجهود في تمرين الدماغ الذي ورثونا إياه، تمرينا جعلنا لا نشعر حتى بوقوع هذا التمرين"٣.
ويعترف الأستاذ فندريس على رغم الغيبية التي "تحيط بالعقلية البدائية من كل جانب" بأن هناك "عنصرا عقليا" يتدرج شيئا فشيئا حتى ينتهي بالغلبة٤. ويبين بقوة عظيمة في أي اتجاه تسير اللغة: فهي تسير من المشخص إلى المجرد، ومن الغيبي إلى العقلي. ولغات المتوحشين مفعمة بفصائل التشخيص والتخصيص، أما لغات المتحضرين فلا يكاد يوجد فيها إلا الفصائل التجريدية، وإن وجدت غيرها فهي في سبيل الانقراض. وفكرة الزمن، ودرجتها من حيث التجريد
стр. 21
أعلى من درجة الفكر المكانية، تلعب في لغات المتمدينين دورا أهم من الدور الذي تلعبه في لغات البدائيين١.
وعندما تتحلل ذاكرة الفرد نرى" المجرد أثبت عنده من المشخص. ولعله يمكن تفسير ذلك بأن التجريد ينفذ إلى الدماغ بعد مجهود عقلي ويتطلب من الذهن تركزا، أما المشخص فليس إلا انعكاس الأشياء في مرآة الوجدان"٢.
القول بأن التطور اللغوي مرتبط بالمدينة بصلات وثيقة ليس معناه إنكار المجهود المنطقي، أو دور العامل الإنساني، وإنما معناه الحد من دور العامل الاجتماعي، فالمدينة شيء والمجتمع شيء آخر.
ولكن ما هي المدنية على وجه التحقيق؟ هل يترتب على المدنية وجود ترتيب تصاعدي للغات، أو تقدم لغوي؟ يقابل الأستاذ فندريس هذا السؤال بريب شديد، ريب يجب أن نقابله بدورنا بالاحترام التام، لأنه يقوم على إحساس حاد بتفاصيل الواقع اللغوي المتفرقة المتحركة، وعلى الحذر من الأفكار السائرة التي تعرض على أنها معرفة نقية خالصة. ووجهة نظره في ذلك هي وجهة نظر العالم اللغوي المرتبط بواقع الأشياء، فنراه يطيل القول عن الفصائل النحوية في اللغات المختلفة وعن العقبات التي يلاقيها المنطق وعن سراب اللغة الصناعية الخداع. ويذهب إلى حد القول: "بأننا لا حق لنا في اعتبار لغة معقولة تجريدية تفوق لغة أخرى مشخصة غيبية، لمجرد أن تلك الأولى هي لغتنا. إنهما في الوقع عقليتان مختلفتان يمكن لكل منهما أن يكون لها ناحيتها من الفضل إذ لا شيء أمام شخص من أهالي سريوس "Sirius" يستطيع أن يبرهن له على أن عقلية المتمدنين عقلية منحلة"٣.
ولنقرر مرة أخرى أنه يروقنا في كتاب الأستاذ فندريس هذا النصيب المبالغ فيه من الشك العلمي، لأنه في رأينا لا يرفع من قدر كتابه فحسب، بل يرفع جميع
стр. 22
أجزاء المؤلف الذي يتشرف باشتراكه فيه. وهكذا تجد منه الدعاوي التي نقترحها ولا نفرضها ممحصا ثاقبا. ونعتقد أنها ستخرج من بين يديه وقد زادت قوة لا ضعفا، وذلك برغم بعض المظاهر، ودون أن يعمد الأستاذ فندريس إلى الوصول إلى هذه النتيجة، "وتلك هي عين الخبرة".
مسألة التقدم مسألة معقدة، ومن العسير تحديد "القيم" التي تتحق بها المدنية: إن تطور البشرية بأسرها هو الذي يقدم لنا حلا لهذه المشكلة.
رأينا مقدار المسائل العامة التي يثيرها كتاب الأستاذ فندريس ومقدار العناصر القيمة التي حشدها لحلها. أما المسائل الخاصة فقد أبرزها جميعا وعالجها في فصول رزينة مشبعة، بطريقة تظهر النتائج التي وصل إليها وتشير إلى البحوث التي ينبغي أن تعمل. ولم يخصص فصل لهذه الناحية، لأن الكتاب كله، كما تصوره مؤلفه، إحصاء لما عمل في هذا الميدان ولما يجب أن يعمل.
كانت الجمعية الفلسفية قد رغبت في المناقشات التي أشرنا إليها إلى لويس كوتيرا أن يلخص مسائل علم اللغة في مجلد يكون "في متناول الجمهور". ولكنا نقرأ في آخر العدد الصادر من المجلة في مايو سنة ١٩١٣ ما يلي:
"عدل الأستاذ كوتيرا، مؤقتا على الأقل، عن مشروع وضع المتن الذي كان قد اعتزم إخراجه في المنطق اللغوي ... لأنه علم أن الأستاذ فندريس يعمل على إخراج مؤلف في علم اللغة، يبدو أنه يجيب رغبات أساتذة الفلسفة ويسد حاجاتهم".
ها هو ذا الكتاب: سيكون مفيدا للغويين ولكل من يهتمون بعلم اللغة على اختلاف مشاربهم، ولكن لعل فائدته الأساسية، وهو على النظام الذي هو عليه، تقوم على بيان أن علم اللغة ليس علما قائما بذاته، وأنه يندمج في التاريخ. فالحياة والفكر ينصبان في اللغة. واللغات الميتة مثلها مثل الحفريات التي تحتفظ بطابع الكائن الحي. واللغات الحية تعبر في قوالب متغيرة ولكن النصوص
стр. 23
تسجلها، عن جميع العمل الداخلي، وعن جميع الآثار الخارجية للحياة الفردية والجماعية. فإذا كان العالم اللغوي في حاجة إلى التاريخ، فإن المؤرخ في حاجة إلى علم اللغة: إذا كان يتصور التاريخ على أنه تفسير عميق لتلك الحياة الموغلة في التعقيد، لا على أنه مجرد حكاية أمينة لما كان١.
هنري بر
ملاحظة:
لاستكمال مراجع هذا الكتاب من ناحية السيكولوجيا، نعتقد من المفيد أن نشير إلى المرجعين الآتيين "Traite de psychologie" ذلك المؤلف الذي تخرجه طائفة من علماء النفس تحت إرشاد ج. ديما G.dumas, ففيه مقالان عن اللغة في الجزء الأول "le langage, association sensitivo- motrice" بقلم بارا Barat وشالان Chaslin. وفي الجزء الثاني "La langage, operation"؛ "intellectuelle بقلم دلكروا Delacroix. هذا إلى أن الـ"Journal de psychologie" الذي يصدره ب. جانيه وج. ديما، سيصدر قريبا عددا خاصا باللغة.
стр. 24
مقدمة:
لسنا في حاجة إلى تقديم طويل لتبرير المكان الذي يخصص للغة في مؤلف يكرس لتاريخ البشرية. فالأجزاء السابقة قد عرفت القارئ بالمسرح الذي مثلت عليه درامة هذا التاريخ الكبرى، وقدمت له ممثلها الرئيسي وهو الإنسان والوسائل المادية التي كان مزودا بها. ولكن الإنسان، رغم هذه الوسائل المادية، كان يظل عاجزا عن تمثيل الدور الذي قدر له أن يلعبه لولا تملكه لناصية اللغة. فاللغة وهي أداة الفكر ومساعدته، هي التي مكنت للإنسان من الشعور بذاته ومن الاتصال بأمثاله، وجعلت من الميسور تكوين الجماعات. ومن العسير أن تتصور حالة أولية للإنسان كان فيها محروما من مثل هذه الوسيلة الناجعة للعمل. فتاريخ البشرية منذ بدايته يفترض وجود لغة منظمة، وما كان في وسعه أن يسير في طريق التطور دون اللغة.
إذا كانت دراسة تحتل مكانها المرموق الذي لا ينازعها فيه منازع في قمة كل تاريخ عام، فإن الآراء قد تختلف حول الصورة التي تتصور عليها هذه الدراسة. لأن اللغة مركب معقد تمس فروعا من المعرفة مختلفة وتعنى بها طوائف متفرقة من العلماء. فهي فعل فسيولوجي من حيث إنها تدفع إلى العمل عددا من أعضاء الجسم الإنساني. وهي فعل نفساني من حيث إنها تستلزم نشاطا إراديا للعقل. وهي فعل اجتماعي من حيث إنها استجابة لحاجة الاتصال بين بني الإنسان. ثم هي في النهاية حقيقة تاريخية لا مراء فيها نعثر عليها في صور متباينة وفي عصور بعيدة الاختلاف، على سطح المعمورة قاطبة. ومن ثم كان لنا أن نتصور دراسة للغة يقوم بها عالم من علماء وظائف الأعضاء. فيصنف الطرائق التي تؤدي بها أعضاء الكلام وظيفتها، أو عالم من علماء النفس فيحلل حركة التفكير مهتديا بنتائج علم الأمراض العقلية، أو عالم من علماء الاجتماع
стр. 25
فيظهر لنا أثر التنظير الاجتماعي في تطوير اللغات، أو مؤرخ فيصنف اللغات في أسر ويحدد توزيعها الجغرافي كل واحد من هؤلاء العلماء يستطيع أن يكتب كتابا يدخل في علم اللغة ولو أن يقظة البدء التي صدر عنها توجد خارج هذا العلم والنتائج التي يصل إليها تمتد حتى تخرج من حدوده.
وأما مؤلف هذا الكتاب، وهو عالم لغوي بحكم مهنته، فقد أراد أن يحصر مجهوده في ميدان العلم اللغوي وحده دون سواه، فاتخذ من الواقع اللغوي كما تمدنا به الخبرة نقطة الارتكاز التي صدر عنها. فمن تحليل الواقع اللغوي استخرج خطة كتابه. وعلماء اللغة يميزون فيها ثلاثة عناصر مختلفة: الأصوات والنحو والمفردات. ومن هنا قصر الأجزاء الثلاثة الأولى من الكتاب على دراسة هذه العناصر الثلاثة على التوالي، وهي دراسة تعنى في نفس الوقت بحالة اللغة الراهنة كما هي من جهة، كما تعنى بحالتها التطورية من جهة أخرى. وقد قصد بها استخلاص أسباب التغير من الوقائع اللغوية التي تنطوي عليها، والتمهيد للجزء الرابع الذي يتناول موضوعه دراسة اللغات، فهو يعالج على الترتيب تعريف اللغات وأنواع اللغات المختلفة والأثر الذي تحدثه بعضها في بعض، وأخيرا القرابة اللغوية. فتسلسل الكتاب يقوم إذن على الانتقال من البسيط إلى المعقد. فالواقع أن الأصوات أبسط من الكلمات ومن المجمل التي منها تتكون اللغات. وينجم عن هذا الترتيب أن كانت الفصول الأولى، وهي أكثر فصول الكتاب إيغالا في الفنية، أشد الفصول جفافا. وعلى العكس من ذلك فإن الفصول الأخيرة تقدم للقارئ الذي لم تثبط الفصول الأولى همته آفاقا أكثر تنوعا واتساعا. أما الجزء الخامس، وهو أشبه ما يكون بالملحق، فخاص بالكتابة وأخيرا يحيط بالكتاب فصلان: فصل تمهيدي وفيه تعرض مسألة أصل اللغة، وفصل ختامي وفيه تناقش مسألة تقدم اللغة.
وهكذا تتراص جميع التفرعات التي يتكون منها هذا الكتاب حول الواقع اللغوي باعتباره مركزا لها. ومع أن مادة هذا الكتاب شديدة التنوع وكثيرا
стр. 26
ما تمتد إلى فروع مجاورة من فروع المعرفة، فإنه يمكن للناظر فيه أن يعترف بما له من وحدة جاءت بها وجهة النظر التي وضعها المؤلف نصب عينيه. وقد بدا من المفيد للمؤلف، في بعض مناسبات نادرة، أن يكمل النتائج المستخرجة من علم اللغة بالإغارة على حرمة أحد العلوم المتصلة بعلم اللغة، وهو يرجو ألا تكون مخالفته للقاعدة خالية مما يبررها. فهو على وجه العموم، قد اقتصر على عرض الوقائع عرض عالم لغوي، معتبرا أن تلك خير الوسائل لإفادة أصحاب العلوم الأخرى الذين لا يستطيع أن يأتيهم بشيء ذي بال في ميدانهم الخاص.
هذا وأن المبدأ الذي اتخذناه كان من شأنه أن يجعل مهمتنا على جانب من الصعوبة. لأن من يدرس اللغة بوصفه عالما لغويا يجد نفسه مسوقا بكل بساطة إلى وضع رسالة في اللغويات العامة. ولكن كل من له اتصال بالنواحي اللغوية يعلم أنه لا يكاد يوجد مشروع أكثر خطورة من هذا المشروع. إذ لا بد لنجاحه من إنسان قدير على الإحاطة بكل صيغ الكلام المعروفة، منقطع لممارسة جميع اللغات المتكلمة على وجه الكرة الأرضية، فهل يمكن العثور على هذا الإنسان المثالي؟ إن هذا ليدعو إلى الشك. أما لو كان الأمر يدور حول تعيين واحد من بين الأحياء كثيرا على العارفين. لكن الواقع أنه لم يظهر حتى الآن كتاب واحد حقق منهاجا كاملا لعلم اللغويات العامة١.
لا حاجة إلى القول بأن هذا الكتاب لم يبلغ في تحقيق هذا الحلم أكثر من غيره. فالمكان المحدود الذي منح للمؤلف يفسر تفسيرا كافيا، دون حاجة لذكر أسباب أخرى، لماذا لم يحاول المؤلف الإقدام على هذه المغامرة. فقد تظاهر بأن اعتبر كل واحد من الوقائع التي يدرسها قطعة منفصلة من تاريخ شاسع لم يدون بعد. ومع أنه قد استعرض مسائل علم اللغة الأساسية دون أن يهمل منها واحدة,
стр. 27
إلا ما قد يكون من خطأ أو نسيان، فإنه لم ير لزاما عليه أن يبسط منها إلا بضعة أمثلة لها طابعها الخاص. كان يمكن لهذه الطريقة التفريقية أن تجر إلى عيب تمزيق المادة بقطع العرى التي تربط مواضع الاستيعاب والبسط بعضها ببعضها، ولكن المؤلف تجنب هذا العيب بطريق التحايل. لأن اللغة، ككل ما يمت إلى التاريخ والحياة بسبب، تكون ميدانا متصلا بمعنى أن ظواهرها لا تفصل بينها حدود متميزة. وأن الإنسان يتدرج بين القمم التي فيها يتجلى كل واقع على أتمه في سلسلة من المراتب غير المحسوسة. ومن ثم كان يكفي أن يشغل ما بين مواضع البسط والاستيعاب بمراحل انتقال طبيعية، بمعنى أنها مستعارة من طبيعة الحقائق المدروسة نفسها. فلو أن هذا الكتاب قد ادعى أنه يحوي الحقيقة الواقعة كاملة في قوالب قد تكون تجريدية محكمة التسلسل، فربما كان قد بدا عليه مآخذ من الجهل الفاضح، لكنه سترها باختياره لنظام مرن يطبقه على حقائق اختيرت مقدما، ويتتبع معالمها عن كثب بدلا من أن يتبع نظاما صارما كاملا واضح المعالم متميز الخطوط.
يستطيع المؤلف، وقد سلك هذا المسلك، أن يغتبط بأن جعل مهمته ممكنة دون أن يقلل ذلك من فائدتها. فهو لا يقدم للقارئ متنافي علم اللغويات العامة، بل أراد فقط أن يعطيه فكرة عن هذا العلم وعن المسائل التي يعالجها والنتائج الأساسية التي وصل إليها.
لكن المشروع رغم تحديده بهذا المنهاج قد يبدو على جانب كبير من الجرأة. أما ما حفز المؤلف على المضي فيه فهو العون القيم الذي لقيه من طائفة من الأصدقاء تفضلوا بالاهتمام بمؤلفه، فيسره هنا أن يقدم لهم شكره. فالأستاذ ا. مييه، وهو الذي أوحى إلى المؤلف بعمل هذا الكتاب، قد أخذ على عاتقه عبء قراءة المخطوط وناقش المؤلف في أكثر من مسألة من بين المسائل التي عالجها، فلعل القارئ يلمس معالم تأثيره! كذلك راجع المخطوط كاملا زميل وصديق آخر هو الأستاذ جيل بلوك Jules Bloch وأفاد المؤلف بملاحظات عديدة. وأخيرا لا يسع المؤلف إلا أن ينوه بما في عنقه من دين
стр. 28
لزملائه الأعزاء من أعضاء الجمعية اللغوية، وهم الأساتذة ديلافس وديني وجود فروا ديمنبين وإيزيدورليفي وليفي بريل وبيليوه، فبفضلهم زاد عدد من فصول الكتاب ثراء بوثائق جديدة متصلة بموضوعاتها اتصالا مباشرا، وفي النقط التي ساهموا فيها متفضلين أفاد الكتاب دقة ترجع إليهم وحدهم. وإذا لم يكن الكتاب في جملته قد تحسنت حاله، فليس مرد ذلك لهم.
ج. فندرس, ميلان في يوليه ١٩١٤
ملاحظة؛ انتهى هذا المؤلف في سنة ١٩١٤، ولم تقدم مخطوطاته للطبع إلا في سنة ١٩٢٠، وإن الحوادث تكفي لتفسير هذا التأخر لدرجة تسمح بغفرانه. لكن المؤلف يصر على إخطار القارئ بأنه يقدم له مؤلفا مضى عليه سبع سنوات، والواقع أنه لم يمس شيئا من نظام الكتاب العام، بل اكتفى بإدخال إصلاحات في التفاصيل على بعض النقط ساعده فيها الأساتذة موريس مارتان Maurice Martin، وأرنست ماركس Ernest Marx, وهنري جربان Henri Grappin، فإليهم جميعا يعبر المؤلف عن عرفانه بالجميل.
стр. 29
تمهيد: أصل اللغ ة ١
يثير الإنسان دائما دهشة السامع كلما قال بأن مسألة أصل الكلام ليست من مسائل علم اللغة. ومع ذلك فليس هذا القول إلا الحقيقة بعينها. فغالبية أولئك الذين كتبوا عن أصل الكلام منذ مائة عام يهيمون في تيه من الضلال، لأنهم لم يتنبهوا إلى هذه الحقيقة: وغلطتهم الأساسية أنهم يواجهون هذه المسألة من الناحية اللغوية، كما لو كان أصل الكلام يختلط بأصل اللغات.
إن اللغويون يدرسون اللغات التي تتكلم والتي تكتب، ويتتبعون تاريخها بمساعدة أقدم الوثائق التي كشف عنها، ولكنهم مهما أوغلوا في هذا التاريخ، فإنهم لا يصلون إلا إلى لغات قد تطورت وتركت خلفها تاريخا ضخما لا نعرف عنه شيئا. أما فكرة الوصول إلى إعادة بناء رطانة بدائية بمقارنة لغات موجودة بالفعل فسراب خداع. ولكن هذا السراب، الذي ربما كان مؤسسو علم النحو المقارن يتطلعون إليه قديما، قد هجر منذ زمن طويل.
هناك لغات تنتسب إلى تواريخ منها القديم ومنها الأقدم. ونحن نعرف بعض لغاتنا الحديثة في صور قديمة ترجع إلى أكثر من عشرين قرنا ولكن أقدم اللغات المعروفة "اللغات الأمهات"، كما تسمى أحيانا، لا شيء فيها من
стр. 30
البدائية. ومهما اختلفت عن لغاتنا الحديثة، فإنها لا تفيدنا علما إلا بالتغيرات التي طرأت على الكلام، ولا تدلنا على شيء من كيفية نشوئها.
كذلك لا يمكن استخلاص شيء في هذا الصدد من لغات المتوحشين. فالمتوحشون ليسوا بدائيين، رغم الإسراف في تسميتهم بهذا الاسم في غالب الأحيان. فهم يتكلمون أحيانا لغات على درجة من التعقيد لا تقل عما في أكثر لغاتنا تعقيدا، ولكن منهم من يتكلم لغات على درجة من البساطة تحسدهم عليها أكثر لغاتنا بساطة. فهذه وتلك ليست إلا نتيجة تغيرات تغيب عنا نقطة البدء التي صدرت عنها. وإذا كان هنالك من فرق بين لغات الشعوب التي تسمى متحضرة ولغات المتوحشين، فهو في الأفكار التي تعبر عنها أكثر مما هو في العبارة نفسها. فلغات المتوحشين في وسعها أن تفيدنا في معرفة ما بين الكلام والفكر من روابط١ وليس في معرفة ما كانت عليه الصورة البدائية للكلام.
وقد يجنح الإنسان في البحث عن هذا المطلب في كلام الأطفال٢، وهذه المحاولة أيضا سيكون نصيبها الفشل. لأن الأطفال لا يعلموننا إلا كيف تحصل لغة منظمة، ولا يعطوننا أية فكرة عما كان عليه الكلام عند أصل نشوئه. فحينما تلاحظ المجهودات التي ينفقها أحد الأطفال ليعيد ما يسمعه مما يقال للمدركين، فإننا نلحظ أكثر من علامة دالة على أسباب التغيرات التي يتعرض لها الكلام. ولكن الطفل لا يؤدي إلا ما قيل أمامه، فهو يشتغل بالعناصر التي يمده بها من حوله، ومنها يركب كلماته وجملة. إنه يقوم بعمل المحاكاة لا الخلق، عمل يخلو من
стр. 31
الارتجال خلوا تاما. أما هذا النصيب من التجديد الذي يدخله في الكلام فغير شعوري، ناتج عن كسل طبيعي يقنع بما يكون على وجه التقريب، وليس نائشا عن إرادة تحت سلطانها قدرة خالقة.
فالعالم اللغوي سواء ألجأ إلى أقدم اللغات المغروفة أم إلى لغات المتوحشين أم إلى اللغات التي يتعلم الأطفال بها الكلام، فلن يجد أمامه في كل حال إلا بنيانا شيد منذ زمن طويل وتعاقب على العمل فيه أجيال عديدة خلال قرون طويلة. فتبقى مسألة أصلة الكلام خارجة عن نطاق خبرته. والواقع أن هذه المسألة تختلط بمسألة أصل الإنسان وأصل الجماعات البشرية، فهي من اختصاص تاريخ البشرية البدائي. لقد نشأ الكلام بالتدريج مسايرا لتطور دماغ الإنسان ولتكون الجماعة، فمن المستحيل أن يقول في أي صورة بدأ الكائن الإنساني يتكلم، لكن من الممكن أن نحاول تحديد الظروف التي سمحت للإنسان بأن يتكم: وهي ظروف نفسية واجتماعية في نفس الوقت.
أعم تعريف يمكن أن يعرف به الكلام أنه نظام من العلامات١. فدراسة أصل الكلام ترجع إذن إلى البحث عن أي أنواع من العلامات كانت بطبيعتها في متناول الإنسان ثم كيف حمل على استخدامها.
ويجب أن يعنى بالعلامة أي رمز قابل لأن يستخدم للتفاهم بين البشر ... ولما أمكن للعلامات أن تكون متنوعة الطبيعة، أصبح هناك عدة أنواع من اللغات فكل أعضاء الحواس يمكن استخدامها في خلق لغة. فهناك لغة الشم ولغة اللمس ولغة البصر ولغة السمع، وهناك لغة كلما قام شخصان فأضافا معنى من المعاني إلى فعل من الأفعال بطريق الاتفاق وأحدثا هذا الحدث بقصد التفاهم بينهما. فعطر ينشر على ثوب، أو منديل أحمر أو أخضر يطل من جيب سترة أو ضغطة على اليد يطول أمدها قليلا أو كثيرا، كل هذه تكون عناصر من لغة ما دام هناك شخصان قد اتفقا على استعمال هذه العلامات في تبادل أمر أو رأي.
стр. 32
ومع ذلك فهناك لغة من بين مختلف اللغات الممكنة تطغى على جميع ما عداها بتنوع وسائل التعبير التي في طوقها: وهي اللغة السمعية التي تسمى أيضا لغة الكلام أو اللغة الملفوظة؛ تلك وحدها هي التي سنتحدث عنها في هذا المؤلف. وقد تصحبها بعض الأحيان اللغة البصرية، وغالبا ما تكون مكملة لها. والإشارة عند جميع الشعوب تقطع الكلام، وهيئة الوجه تترجم في آن واحد مع الصوت عن الانفعالات والأفكار. والتعبير بالحركات لغة بصرية، ولكن الكتابة بدورها لغة بصرية أيضا وكذلك على العموم كل نظام من نظم الإشارات.
ولعل اللغة البصرية توازي اللغة السمعية في قدم العهد. فليس لدينا ما يحملنا على الاعتقاد بأن إحداهما متقدمة عن الأخرى وأكثر من هذا ليس لدينا أية وسيلة للبرهان على ذلك.
وغالبية اللغات البصرية المستعملة اليوم مشتقة من اللغة السمعية، وهذا ينطبق على الكتابة كما سنرى في الجزء الخامس، وينطبق على قانون الإشارات. وقانون الإشارات البحرية مثلا قد جعل ليزودنا بمعادلات بصرية بدلا من الكلمات والجمل في جميع اللغات القائمة. وهو لا يمدنا بمعلومات عن أصل العلامات باعتبارها تصويرا للأفكار. فإن اختيار هذه العلامة دون تلك بطريق الأفضلية مبني على الاتفاق، على الاتفاق التحكمي. وإن كان قد قيد منذ البداية ببعض الشروط. مثل هذه اللغات بنص حدها لغات صناعية.
إننا نعرف حالة من الاستعمال الطبيعي للغة البصرية ألا وهو لغة الحركات المستعملة إلى جانب اللغة السمعية١ عند بعض الشعوب المتوحشة. وهنا لا يتوقف" الأمر على أن يكون الكلام مصحوبا بالإشارة كما هو الحال لدى الشعوب المتحضرة، بل يدور الأمر حول نظام من الحركات لا تستطيع وحدها التعبير عن الآراء التي يراد توضيحها، مثلها في هذا مثل الكلمات تماما. وتلك لغة فطرية إلا أن لها مزاياها: إذ يمكن استعمالها على بعد بين مكانين لا يقدر الصوت على أن يصل بينهما وإن استطاعت العين التقاط الحركات، ثم تمكن على وجه الخصوص من عدم إثارة
стр. 33
انتباه الحاضرين بضوضاء الأصوات. وتلاميذ المدارس يستعملون هذه الوسيلة الصامتة لتفاهمهم داخل غرف الدراسة. فاللغة بالحركة يمكن إذن أن يكون لها أصل نفعي. ومع ذلك فكون استعمالها عند الشعوب المتوحشة من شأن النساء على وجه الخصوص يوحي بتفسير آخر. ذلك أن السبب الذي يدعو عادة إلى التفريق في اللغة بين الجنسين يكون سببا دينيا١ فلما كانت الكلمات التي يستعملها الرجال محظورة على النساء، فقد وجب على هؤلاء أن يستعملن مفردات خاصة، وجب عليهن أن يخلقنها بأنفسهن حتى ولو اضطررن عند الحاجة إلى إحلال الحركة محل الصوت. وهكذا يمكن أن يفسر استبقاء لغة الإشارات بالإلزام الناشئ عن النواهي ولكنها ليست، مهما كان أصلها، إلا عوضا عن اللغة السمعية التي يجب أن تسير لغة الإشارة على نهجها.
ولغة الإشارات التي يستعملها الصم البكم هي الأخرى منسوخة عن اللغة السمعية. فبالحركة يعلم هؤلاء العجزة إجراءات اللغة عند الآخرين: حيث يوضعون في حال تمكنهم من التحادث فيما بينهم ومن قراءة ما يكتبه من يتكلمون ويسمعون. فإن يجري لهم استبدال حاسة مكان حاسة لوضعهم في حال يتفاهمون فيها بالعلامات.
حالة الصم البكم تدعو إلى التفكير في أصل الاستعمال اللغوي للعلامات، ويستطيع المرء بمناسبتهم أن يتساءل عما إذا كانت اللغة عند الإنسان شيئا مكتسبا ناتجا من التعليم، أم على العكس من ذلك شيئا فطريا تلقائيا. الأطفال العاديون لا يعلموننا شيئا عن هذا السؤال، فإنهم منذ ميلادهم متيقظون أمام العالم الخارجي، وهم قبل أن يصدروا أصواتا، على صلة بمن يحيطون بهم بواسطة حاسة السمع، ويجدون أنفسهم في اللحظة التي يتكلمون فيها، منغمسين في تيار التبادل الاجتماعي. أما الصم البكم فهم في حاجة إلى أن يوقظ عندهم الشعور بالعلامة. فهم لعجزهم عن تعلم اللغة السمعية من جراء عاهتهم في منجى من كل تأثير يقع على الأطفال الذين يسمعون من الأشخاص الذين يتكلمون. ولكنهم يرون، ويدركون عندما
стр. 34
يفتحون أعينهم ما يمكن أن تكون عليه المعاملة التي تشترك فيها اللغة بنصيب. فللإجابة على السؤال المتقدم، يجب أن يستطاع النفاذ في شعور كائن إنساني قد بقي بفضل عاهات موروثة معلقا أما العالم الخارجي، أو قد أقصى منذ ولادته إقصاء تاما عن تأثير بني جنسه. الفرض الثاني لا يمكن ذكره ذكره دون الإحساس بسخفه، وإلا فكيف يمكن الحكم على كائنات بشرية بالعزلة عن غيرهم من بني الإنسان ويحرم عليهم على طريقة ما استعمال حواسهم إلى درجة أن يصير مخهم وكأنه يدور في غرفة مظلمة دون أي اتصال بالخارج.
نحن نعرف الاختبار الشاذ الذي قام به إبسمتيك ملك مصر كما رواه هيرودوت "حـ٢ رقم ٢" أراد الملك أن يعرف ما إذا كان الفريجيون أسبق في العالم من المصريين، فأمر بتربية طفلين حدثين في عزلة منذ ميلادهما وحرم أن يسمعا أي كلام. وعند اختبارهما بعد بضعة أشهر وجد أن الطفلين يطلبان الطعام بقولهما "Beyos" ومعناها "خبز" بالفريجية. فاستنتج إبسمتيك من ذلك أن اللغة الفريجية أقدم من المصرية. وكان يمكن أن يستخلص من ذلك أيضا أن ملكة اللغة فطرية في الإنسان. لولا أن تجربة إبسمتيك تعوزها سيما الصدق وروح الجد.
هناك اختباران تبدو عليهما منذ الوهلة الأولى صفة الإقناع. وهما التجربتان اللتان أجريتا على طفلين ولدا أصمين كفيفين، وكانا بذلك محرومين من الاتصال بالعالم الخارجي. فكلنا يعرف مثلا حالة الفرنسية ماري هيرتان١ Marie Heurtin أو الأمريكية هيلين كلر٢ Helen Keller. حالة هذه الأخيرة لها أهمية خاصة، فقد استطاعت الحصول على درجة كافية من التعليم، مكنتها من قراءة وكتابة عدد من المؤلفات في الأدب والفلسفة بعدة لغات. وإن كتابتها بقدر ما تكون خالية من روح المبالغة التي أسبغها عليها الأشخاص المحيطون بها لتسمح لها باستخلاص دلائل غريبة.
стр. 35
كانت اللغة عند هيلين كلر نتيجة للتربية. يصف لنا في شيء من التأثر كتاب نشر عنها١ ذلك المنظر الذي توصل فيه بعد عدد من المحاولات الفاشلة إلى إفهامها قيمة العلامة. في ذلك اليوم تمزق الحجاب الذي كان يحول بينها وبين الكون، وتجلى الكون أمام عقلها بتلك الشبكة من العري المعقدة التي تربط الأشياء بالكلمات. لكن فائدة هذا المنظر فردية قبل كل شيء. فهيلين كلر وجدت نفسها خارج الظروف العادية للحياة، فظلت حالتها متسمة بسيما الاستثناء. أما الأولون الذين تكلموا من البشر فلم تتفتح نفوسهم لإدراك العلامة كما وقع لتلك البائسة. فنشوء اللغة عند من حرمته عاهاته حتى ذلك الحين من الاتصال بالعالم، لا يستطيع أن يعطينا فكرة عن التطور الذي حدث في مجتمع من الكائنات العادية في أحضان المجتمع تكونت اللغة. وجدت اللغة يوم أحس الناس بالحاجة إلى التفاهم فيما بينهم. وتنشأ من احتكاك بعض الأشخاص الذين يملكون أعضاء الحواس ويستعملون في علاقاتهم الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرفهم: الإشارة إذا أعوزتهم الكلمة والنظرة إذا لم تكف الإشارة. فالاختبار الذي يمكن إجراؤه، إذا ما أريد استلهام إيسمتيك، هو أن يوضع طفلان أو عدة أطفال بعضهم مع بعض يجهلون جهلا تاما كل شيء عن اللغة بعد إقصائهم إقصاء تاما عن كل مؤثر تعليمي. عندئذ إذا غضضنا النظر عما قد يكون عندهم من استعدادات موروثة، فليس من شك مهما كانت جنسيتهم، في أن يخلقوا بفطرتهم لغة لحسابهم الخاص، وهذه اللغة لن تكون الفريجية، ذلك بأن الحاجة توجه العضو حتما إلى العمل. ولا بد أن الأشياء عند البدء وقعت على هذا النحو. فاللغة وهي الواقع الاجتماعي بمعناه الأوفى، تنتج من الاحتكاك الاجتماعي. وصارت واحدة من أقوى العرى التي تربط الجماعات وقد دانت بنشوئها إلى وجود احتشاد اجتماعي.
لم تولد اللغة كحدث اجتماعي إلا يوم أن وصل المخ الإنساني إلى درجة من النمو
стр. 36
تسمح له باستعمالها. فلم يتأت لكائنين بشريين أن يخلقا لغة فيما بينهما إلا لأنهما كانا ممهدين لهذا العمل. فحال اللغة حال جميع المخترعات البشرية. كثيرا ما احتدم الجدل حول معرفة ما إذا كانت اللغة الإنسانية واحدة الأصل أم متعددة وهذه مسألة لا طائل من ورائها. ففي اليوم الذي يضيف تقدم الذكاء الإنساني درجة جديدة من الكمال، يحدث الكشف الجديد من ذاته وفي بقاع متعددة في نفس الوقت. فهو منتشر في الهواء كما يقول العلماء ويشعر الإنسان بمجيئه كما يتوقع وقد أقبل الخريف سقوط الفواكه الناضجة في أحد البساتين.
من الوجهة النفسية، ينحصر الفعل اللغوي الأساسي في إعطاء قيمة رمزية للعلاقة. هذه العملية النفسية تميز لغة الإنسان من لغة الحيوان١ فمن الزيف أن يقال في المقارنة بين تلك وهذه بأن الثانية لغة طبيعية في حين أن الأولى لغة صناعية توافقية. لغة الإنسان ليست أقل طبيعية من لغة الحيوان، ولكنها من درجة أعلى من حيث إن الإنسان، وقد أعطى للعلامات قيمة موضوعية، جعل هذه القيمة تتنوع بالموافقة إلى ما لا نهاية. الفرق بين لغة الإنسان ولغة الحيوان مستقر في تقويم طبيعة العلامة٢. والكلب والقرد والطائر تتفاهم مع بنات جنسها، فإن لها صيحات وحركات وأغاني تقابل حالات نفسانية خاصة من الفرح والرعب والرغبة والشهية، بعض هذه الصيحات تلتئم مع بعض حاجات خاصة إلتئاما يكاد يمكن من ترجمتها في جملة من لغة الإنسان، ومع ذلك فإن فصائل الحيوان لا تصدر جهلا٣؛ لأنها عاجزة عن تنويع عناصر صيحاتها، مهما بلغت هذه الصيحات
стр. 37
من التعقيد، على نحو ما ننوع نحن كلماتنا التي تكون في الجملة عناصر استعاضة. أما بالنسبة لها فإن الجملة لا تتميز عن الكلمة ولكن هناك ما هو أهم من ذلك: فهذه الكلمة نفسها صيحة أكانت أم إشارة، كما يحلولنا أن نسميها، ليست لها قيمة موضوعية. ومن ثم لم تسكن موضوعا للموافقة، وينجم عن ذلك أن لغة الحيوان ليست قابلة للانقلاب ولا للتقدم، وليس هناك ما يدل على أن صرخة الحيوان كانت في الماضي تختلف عما هي عليه اليوم. فالطائر الذي يدفع بصيحة ينادي بها اليد التي تحمل له ورقة من الخس، لا يشعر بصيحته على أنها علامة١. ولغة الحيوان تستتبع نوعا من التلازم بين العلامة والشيء المدلول عليه بها. وينبغي للتخلص من هذا التلازم وحتى تأخذ العلامة قيمة مستقلة عن الشيء أن تكون هناك عملية نفسية، هذه العملية النفسية هي نقطة البدء في لغة الإنسان. كان على مسائل الأنثروبولوجيا أن تنير لنا بعض ما غمض علينا من لغز التطور النفسي في الإنسان فهذا العلم يقرر أن جماجم سكان الكهوف من البشر تشبه جماجم القرود العليا. في الجمجمة التي عثر عليها في "La Chapelle aux-Saints", نرى أن المكان المخصص للتلافيف التي يقرر أنها مركز الكلام ضئيل غاية الضآلة. وإذن يجوز أن يفترض أن نشوء الكلام قام على تطور طبيعي للمخ الإنساني. مثل هذا الفرض لا يلزمنا أن نسلم دون تحفظ بنظرية بروكا Broca المشهورة في تحديد المراكز المخية٢. فمن المعروف أن هذه النظرية قد فقدت الكثير من سلطانها القديم، بل أن بعض الحوادث الحديثة قد رأت أن تطعنها في الصميم. ولكن الذي يمكن أن يؤخذ عليها بوجه خاص أنها تبالغ في تبسيط مسألة في غاية من التعقيد. فبروكا، عندما يعين مركز الكلام في التلفيف الثالث من ناحية الجبهة
стр. 38
اليسارية لا يقرر إلا شيئا تقريبيا بعيدا كل البعد عن الدقة، وبوجه خاص عندما يقول بأن المخ يحتوي على مناطق كبري متميزة تقابل مناطق العقل الكبرى، يخدع نفسه فيما يخص الروابط التي بين اللغة والتفكير. من الزيف أن نتصور أن المخ قد بني على مثال النحو وأنه قد قسم إلى أقسام لكل جزء من أجزاء الكلام قسم منها فجملة الحقائق اللغوية موزعة في المخ، على طريقة أكثر حرية، وأكثر اتساعا مما افترض بروكا. أغلب الظن أن حوادث تعطل الكلام من ناحية الحركة، تلك الحوادث التي ترتكز عليها نظرية بروكا، ترجع عادة إلى خلل موضعي، أما تعطل الكلام من ناحية الحس كما عرفه فرنكه wernicke يفترض غالبا نقصا عقليا عاما، ومنه جهة أخرى غالبا ما يحصل في مثل تلك الحال ظاهرة تعويضية حيث تقوم مراكز مجاورة بوظيفة المراكز التي أصيبت بالخلل. وأخيرا فإن الطبقات الغلافية مرتبة على نحو ما يؤدي إلى أن أي خلل يمكن أن يحدث اضطرابات مختلفة حتى ولو كان في تلفيفة الجبهة اليسري، وذلك على حسب النقطة التي يصيبها الخلل من التلفيف١. وبالاختصار، إذا كانت محلية الكلام لا ينازع فيها من حيث المبدأ فإن تفاصيل التحديد في حاجة إلى إعادة النظر فيها من جديد.
إذن يجب الحذر في تفسير المسائل التي تقدمها لنا أنثروبولوجية ما قبل التاريخ فإننا إذا أخذناها على شكل ضيق وأخذنا نقيس جمجمة إنسان المغاور على نحو ما نقيس جمجمة واحد من المعاصرين، تعرضنا لاستنتاج أن صاحب الجمجمة الأولى كان فاقدا للكلام. ومن اليقين أن ذلك يتقهقر بمبدأ تطور اللغة والإنسانية إلى أمد بعيد. ولكن الذي لا شك فيه أن مخ رجل المغاور كان أقل استعدادا للنشاط اللغوي من مخنا.
عند هذا السلف البعيد الذي لم يكن مخه صالحا للتفكير بدأت اللغة بصفة انفعالية محضة. ولعلها كانت في الأصل مجرد غناء ينظم بوزنه حركة المشي أو العمل اليدوي٢ أو صيحة كصيحة الحيوان تعبر عن الألم أو الفرح وتكشف عن
стр. 39
خوف أو رغبة في الغذاء. بعد ذلك، لعل الصيحة اعتبرت بعد أن زودت بقيمة رمزية، كأنها إشارة قابلة لأن يكررها آخرون، ولعل الإنسان قد وجد في متناول يده هذه المسلك المريح، قد استعمله للاتصال ببني جنسه أو لإثارتهم إلى عمل أو لمنعهم منه. ولا بد أن اللغة، قبل أن تكون وسيلة للتفكير، كانت في الواقع وسيلة للفعل وواحدة من أنجع الوسائل التي مكن منها للإنسان. وما أن استيقظ في ذهن الإنسان شعوره بالعلامة حتى راح يوسع من شأن هذا الاختراع العجيب، وكان تقدم الجهاز الصوتي يسير بنفس الخطى مع تقدم المخ. وكان يثبت اللغة في داخل الحشود الإنسانية الأولى يسير على نفس القوانين التي تحكم كل مجتمع. وبوجه خاص كان أعضاء كل جماعة يلتزمون في احتفالاتهم الجماعية نفس المظاهرات الصوتية أو الغنائية١. وهكذا كانت عناصر الصياح أو الغناء تصبح مزودة بقيمة رمزية يستبقيها كل فرد في نفسه لاستعماله الشخصي. ثم قليلا قليلا، وبفضل الاتساع المتزايد في التبادل الاجتماعي تكون أخيرا هذا الجهاز المعقد الذي لا يجاري في ثرائه ليكون وسيلة للتعبير عن العواطف والأفكار، عن كل العواطف والأفكار.
هذا الفرض تبدو عليه مخايل الصدق وإن لم يكن مما يمكن البرهان عليه. ومن مزاياه أنه يفهمنا كيف كانت اللغة نتاجا طبيعيا للنشاط الإنساني نتيجة لتطابق ملكات الإنسان على حاجاته الاجتماعية٢. غير أنه يجب البدء من الشعور بالعلامة. وإذا ما حصل على هذه الحقيقة تتابعت اللغة كلها بطريق التنويعات المتتابعة.
إنه لمن المجازفة بعد الذي قيل في الصفحات السابقة أن نعمد إلى تحديد أدق وأن نسعى إلى معرفة الكيفية التي جرى عليها التخالف "Differenciation" والمراحل التي مر بها منذ صيحة الإشارة حتى وسائل التعبير الكثيرة التنوع التي تقوم عليها ثروة لغة كاللغة الفرنسية. ومما يطلب إلى العالم اللغوي، اعتمادا على
стр. 40
الفكرة القائلة بأن كل لغة فيها أجزاء أساسية تتميز عن الإضافات اللاحقة، أن يحدد هذا العالم طبقات اللغات المختلفة وأن يميز منها الأجزاء التي كانت لها الأولية في التكوين. وقد يجازف العالم فيلقي بالجواب في بعض الأحيان. ولكن يجب أن نعترف في شجاعة بأن كل هذه الأجوبة لا قيمة لها. فالطريقة التي تقوم على الانتقال من المعلوم إلى المجهول عاجزة هنا؛ لأن المبادئ التي يبنى عليها تطور اللغات التي نعرفها لا تنطبق ضرورة على لغات كان يتكلمها أفراد تتجه عقليتهم اتجاها يخالف اتجاهنا, ودراسة اللغات تعلمنا أن نشوء اللغات ونموها لا يتم في تتابع منطقي ملتزما في سيره طريقا مستقيما, فمن الخطأ أن نتصور أن الخطة التي بنيت عليها دراسة "البور رويال" النحوية قد فرضت نفسها منذ البداية على العقل الإنساني ليتخذ منها إطارا يملؤه بالتدريج وعن طريق التتابع المنظم.
هذا وإنه ليوجد بين العلامة والشيء المدلول عليه بها، بين الصيغة اللغوية ومادة التصوير أي رباط مستمد من الطبيعة، ولكنه رباط مأخوذ من الظروف فحسب. ولقد ساد زمنا طويلا الاعتقاد بأن الحقيقة الأولى للغة كانت تقوم على إعطاء أسماء للأشياء، أي على خلق مفردات. وتلك هي الفكرة التي عبر عنها لكريس Lucrece في بيته الذي كثيرا ما ينشد وهو:
Utilitas expressit nomina rerum
"إن الضرورة هي التي تخلق المسميات"
الذي يعزو فيه بحق اللغة إلى سد الحاجات, وفي القرن الثامن عشر في فرنسا حاول الرئيس دي برس١ De Brosses أن يفسر الصورة الخارجية للكلمات بالمعاني التي تعبر عنها هذه الكلمات. وكان غرضه أن يكتشف للأصوات نوعا من الرمزية، رغم أن الأوليين من البشر استخدموها في خلق كلمتهم. هذا المشروع لا يثير في أيامنا هذه إلا الابتسام. فإن ما هو مهم ليست تسمية الأشياء بهذه الكلمة أو تلك، وإنما هو إعطاء الكلمات بنوع من الاتفاق الضمني بين المتكلمين قيمة اسمية، إنما هو اتخاذها وسائل للتبادل، كما استعيض عن مقايضة الأشياء بعضها ببعض بالنقود أو بالأوراق النقدية.