تسمح له باستعمالها. فلم يتأت لكائنين بشريين أن يخلقا لغة فيما بينهما إلا لأنهما كانا ممهدين لهذا العمل. فحال اللغة حال جميع المخترعات البشرية. كثيرا ما احتدم الجدل حول معرفة ما إذا كانت اللغة الإنسانية واحدة الأصل أم متعددة وهذه مسألة لا طائل من ورائها. ففي اليوم الذي يضيف تقدم الذكاء الإنساني درجة جديدة من الكمال، يحدث الكشف الجديد من ذاته وفي بقاع متعددة في نفس الوقت. فهو منتشر في الهواء كما يقول العلماء ويشعر الإنسان بمجيئه كما يتوقع وقد أقبل الخريف سقوط الفواكه الناضجة في أحد البساتين.
من الوجهة النفسية، ينحصر الفعل اللغوي الأساسي في إعطاء قيمة رمزية للعلاقة. هذه العملية النفسية تميز لغة الإنسان من لغة الحيوان١ فمن الزيف أن يقال في المقارنة بين تلك وهذه بأن الثانية لغة طبيعية في حين أن الأولى لغة صناعية توافقية. لغة الإنسان ليست أقل طبيعية من لغة الحيوان، ولكنها من درجة أعلى من حيث إن الإنسان، وقد أعطى للعلامات قيمة موضوعية، جعل هذه القيمة تتنوع بالموافقة إلى ما لا نهاية. الفرق بين لغة الإنسان ولغة الحيوان مستقر في تقويم طبيعة العلامة٢. والكلب والقرد والطائر تتفاهم مع بنات جنسها، فإن لها صيحات وحركات وأغاني تقابل حالات نفسانية خاصة من الفرح والرعب والرغبة والشهية، بعض هذه الصيحات تلتئم مع بعض حاجات خاصة إلتئاما يكاد يمكن من ترجمتها في جملة من لغة الإنسان، ومع ذلك فإن فصائل الحيوان لا تصدر جهلا٣؛ لأنها عاجزة عن تنويع عناصر صيحاتها، مهما بلغت هذه الصيحات
стр. 37
من التعقيد، على نحو ما ننوع نحن كلماتنا التي تكون في الجملة عناصر استعاضة. أما بالنسبة لها فإن الجملة لا تتميز عن الكلمة ولكن هناك ما هو أهم من ذلك: فهذه الكلمة نفسها صيحة أكانت أم إشارة، كما يحلولنا أن نسميها، ليست لها قيمة موضوعية. ومن ثم لم تسكن موضوعا للموافقة، وينجم عن ذلك أن لغة الحيوان ليست قابلة للانقلاب ولا للتقدم، وليس هناك ما يدل على أن صرخة الحيوان كانت في الماضي تختلف عما هي عليه اليوم. فالطائر الذي يدفع بصيحة ينادي بها اليد التي تحمل له ورقة من الخس، لا يشعر بصيحته على أنها علامة١. ولغة الحيوان تستتبع نوعا من التلازم بين العلامة والشيء المدلول عليه بها. وينبغي للتخلص من هذا التلازم وحتى تأخذ العلامة قيمة مستقلة عن الشيء أن تكون هناك عملية نفسية، هذه العملية النفسية هي نقطة البدء في لغة الإنسان. كان على مسائل الأنثروبولوجيا أن تنير لنا بعض ما غمض علينا من لغز التطور النفسي في الإنسان فهذا العلم يقرر أن جماجم سكان الكهوف من البشر تشبه جماجم القرود العليا. في الجمجمة التي عثر عليها في "La Chapelle aux-Saints", نرى أن المكان المخصص للتلافيف التي يقرر أنها مركز الكلام ضئيل غاية الضآلة. وإذن يجوز أن يفترض أن نشوء الكلام قام على تطور طبيعي للمخ الإنساني. مثل هذا الفرض لا يلزمنا أن نسلم دون تحفظ بنظرية بروكا Broca المشهورة في تحديد المراكز المخية٢. فمن المعروف أن هذه النظرية قد فقدت الكثير من سلطانها القديم، بل أن بعض الحوادث الحديثة قد رأت أن تطعنها في الصميم. ولكن الذي يمكن أن يؤخذ عليها بوجه خاص أنها تبالغ في تبسيط مسألة في غاية من التعقيد. فبروكا، عندما يعين مركز الكلام في التلفيف الثالث من ناحية الجبهة
стр. 38
اليسارية لا يقرر إلا شيئا تقريبيا بعيدا كل البعد عن الدقة، وبوجه خاص عندما يقول بأن المخ يحتوي على مناطق كبري متميزة تقابل مناطق العقل الكبرى، يخدع نفسه فيما يخص الروابط التي بين اللغة والتفكير. من الزيف أن نتصور أن المخ قد بني على مثال النحو وأنه قد قسم إلى أقسام لكل جزء من أجزاء الكلام قسم منها فجملة الحقائق اللغوية موزعة في المخ، على طريقة أكثر حرية، وأكثر اتساعا مما افترض بروكا. أغلب الظن أن حوادث تعطل الكلام من ناحية الحركة، تلك الحوادث التي ترتكز عليها نظرية بروكا، ترجع عادة إلى خلل موضعي، أما تعطل الكلام من ناحية الحس كما عرفه فرنكه wernicke يفترض غالبا نقصا عقليا عاما، ومنه جهة أخرى غالبا ما يحصل في مثل تلك الحال ظاهرة تعويضية حيث تقوم مراكز مجاورة بوظيفة المراكز التي أصيبت بالخلل. وأخيرا فإن الطبقات الغلافية مرتبة على نحو ما يؤدي إلى أن أي خلل يمكن أن يحدث اضطرابات مختلفة حتى ولو كان في تلفيفة الجبهة اليسري، وذلك على حسب النقطة التي يصيبها الخلل من التلفيف١. وبالاختصار، إذا كانت محلية الكلام لا ينازع فيها من حيث المبدأ فإن تفاصيل التحديد في حاجة إلى إعادة النظر فيها من جديد.
إذن يجب الحذر في تفسير المسائل التي تقدمها لنا أنثروبولوجية ما قبل التاريخ فإننا إذا أخذناها على شكل ضيق وأخذنا نقيس جمجمة إنسان المغاور على نحو ما نقيس جمجمة واحد من المعاصرين، تعرضنا لاستنتاج أن صاحب الجمجمة الأولى كان فاقدا للكلام. ومن اليقين أن ذلك يتقهقر بمبدأ تطور اللغة والإنسانية إلى أمد بعيد. ولكن الذي لا شك فيه أن مخ رجل المغاور كان أقل استعدادا للنشاط اللغوي من مخنا.
عند هذا السلف البعيد الذي لم يكن مخه صالحا للتفكير بدأت اللغة بصفة انفعالية محضة. ولعلها كانت في الأصل مجرد غناء ينظم بوزنه حركة المشي أو العمل اليدوي٢ أو صيحة كصيحة الحيوان تعبر عن الألم أو الفرح وتكشف عن
стр. 39
خوف أو رغبة في الغذاء. بعد ذلك، لعل الصيحة اعتبرت بعد أن زودت بقيمة رمزية، كأنها إشارة قابلة لأن يكررها آخرون، ولعل الإنسان قد وجد في متناول يده هذه المسلك المريح، قد استعمله للاتصال ببني جنسه أو لإثارتهم إلى عمل أو لمنعهم منه. ولا بد أن اللغة، قبل أن تكون وسيلة للتفكير، كانت في الواقع وسيلة للفعل وواحدة من أنجع الوسائل التي مكن منها للإنسان. وما أن استيقظ في ذهن الإنسان شعوره بالعلامة حتى راح يوسع من شأن هذا الاختراع العجيب، وكان تقدم الجهاز الصوتي يسير بنفس الخطى مع تقدم المخ. وكان يثبت اللغة في داخل الحشود الإنسانية الأولى يسير على نفس القوانين التي تحكم كل مجتمع. وبوجه خاص كان أعضاء كل جماعة يلتزمون في احتفالاتهم الجماعية نفس المظاهرات الصوتية أو الغنائية١. وهكذا كانت عناصر الصياح أو الغناء تصبح مزودة بقيمة رمزية يستبقيها كل فرد في نفسه لاستعماله الشخصي. ثم قليلا قليلا، وبفضل الاتساع المتزايد في التبادل الاجتماعي تكون أخيرا هذا الجهاز المعقد الذي لا يجاري في ثرائه ليكون وسيلة للتعبير عن العواطف والأفكار، عن كل العواطف والأفكار.
هذا الفرض تبدو عليه مخايل الصدق وإن لم يكن مما يمكن البرهان عليه. ومن مزاياه أنه يفهمنا كيف كانت اللغة نتاجا طبيعيا للنشاط الإنساني نتيجة لتطابق ملكات الإنسان على حاجاته الاجتماعية٢. غير أنه يجب البدء من الشعور بالعلامة. وإذا ما حصل على هذه الحقيقة تتابعت اللغة كلها بطريق التنويعات المتتابعة.
إنه لمن المجازفة بعد الذي قيل في الصفحات السابقة أن نعمد إلى تحديد أدق وأن نسعى إلى معرفة الكيفية التي جرى عليها التخالف "Differenciation" والمراحل التي مر بها منذ صيحة الإشارة حتى وسائل التعبير الكثيرة التنوع التي تقوم عليها ثروة لغة كاللغة الفرنسية. ومما يطلب إلى العالم اللغوي، اعتمادا على
стр. 40
الفكرة القائلة بأن كل لغة فيها أجزاء أساسية تتميز عن الإضافات اللاحقة، أن يحدد هذا العالم طبقات اللغات المختلفة وأن يميز منها الأجزاء التي كانت لها الأولية في التكوين. وقد يجازف العالم فيلقي بالجواب في بعض الأحيان. ولكن يجب أن نعترف في شجاعة بأن كل هذه الأجوبة لا قيمة لها. فالطريقة التي تقوم على الانتقال من المعلوم إلى المجهول عاجزة هنا؛ لأن المبادئ التي يبنى عليها تطور اللغات التي نعرفها لا تنطبق ضرورة على لغات كان يتكلمها أفراد تتجه عقليتهم اتجاها يخالف اتجاهنا, ودراسة اللغات تعلمنا أن نشوء اللغات ونموها لا يتم في تتابع منطقي ملتزما في سيره طريقا مستقيما, فمن الخطأ أن نتصور أن الخطة التي بنيت عليها دراسة "البور رويال" النحوية قد فرضت نفسها منذ البداية على العقل الإنساني ليتخذ منها إطارا يملؤه بالتدريج وعن طريق التتابع المنظم.
هذا وإنه ليوجد بين العلامة والشيء المدلول عليه بها، بين الصيغة اللغوية ومادة التصوير أي رباط مستمد من الطبيعة، ولكنه رباط مأخوذ من الظروف فحسب. ولقد ساد زمنا طويلا الاعتقاد بأن الحقيقة الأولى للغة كانت تقوم على إعطاء أسماء للأشياء، أي على خلق مفردات. وتلك هي الفكرة التي عبر عنها لكريس Lucrece في بيته الذي كثيرا ما ينشد وهو:
Utilitas expressit nomina rerum
"إن الضرورة هي التي تخلق المسميات"
الذي يعزو فيه بحق اللغة إلى سد الحاجات, وفي القرن الثامن عشر في فرنسا حاول الرئيس دي برس١ De Brosses أن يفسر الصورة الخارجية للكلمات بالمعاني التي تعبر عنها هذه الكلمات. وكان غرضه أن يكتشف للأصوات نوعا من الرمزية، رغم أن الأوليين من البشر استخدموها في خلق كلمتهم. هذا المشروع لا يثير في أيامنا هذه إلا الابتسام. فإن ما هو مهم ليست تسمية الأشياء بهذه الكلمة أو تلك، وإنما هو إعطاء الكلمات بنوع من الاتفاق الضمني بين المتكلمين قيمة اسمية، إنما هو اتخاذها وسائل للتبادل، كما استعيض عن مقايضة الأشياء بعضها ببعض بالنقود أو بالأوراق النقدية.
стр. 41
بعض علماء اللغة ممن هم أقرب إلينا قد تخيلوا نظريات ذهبوا بمقتضاها إلى أن كل المفردات قد خرجت من صيحة تشبه نباح الكلب أو من سلسلة من الأصوات توحي بتمثيل الأشياء عن طريق المحاكاة١. وكان في هذا الوقت نفسه أن راح العلماء المشتغلون بالفيدا يفسرون كل الأساطير بنار البرق أو مسير الشمس. وكلا الفريقين من علماء اللغة وعلماء الأساطير كانوا في ذلك الحين يعنون بإدراك الأشياء على نحو ساذج. وكانوا يتناقشون لمعرفة ما إذا كانت اللغة قد بدأت بالاسم أم بالفعل: الفعل الذي يعبر عن الحدث والاسم الذي يعبر عن ماهية الأشياء وصفاتها. ولكن مما بدا لنا من الاختلاف بين الاسم والفعل، فإن التعارض بين "قطبي" نحونا هذين ليس أمرا ضروريا، وإلا فماذا يعني نباح الكلب: أيعني "أنا جوعان" أو "أعطني ما آكل" أو "هذا حسن" أو "انتهيت من الأكل"؟ لا هذا ولا ذاك أو كل هذا معا، ويمكننا أن نفسره على السواء بفعل أو باسم بالأمر أو بالماضي وقد بقي، رغم كل ما بذل من جهود بين النباح البدائي وأقدم ما عرف من لغاتنا، فراغ يتعذر سده.
وما أغرى العقول بالبحث عن الصور البدائية للغة إلا المقارنة التي كانت تقام بين علم اللغة والعلوم الطبيعية، من جغرافية ونبات وحيوان، وقد جرت هذه المقارنة غير الصحيحة إلى أخطاء مرذولة، فإذا أريد إيجاد نوع معادل للغة وجب البحث عنه على الأصح في التاريخ الاجتماعي. وكان ميشيل بريال Michel Breal مأخوذا بمقارنة تصريف الفعل في اللغة الهندية الأوربية "بتلك النظم السياسية والقانونية الكبيرة -البرلمانات أو مجلس الملك- التي رأت نفسها بعد أن ولدت من حاجة أساسية تتنوع وتمد من سلطان اختصاصاتها حتى حل زمن جديد فوجد هذا الدولاب ثقيلا في مجموعه، فشطر منه جزءا ومزق وظيفته بين عدد متباين من هيئات حرة ومستقلة، وإن كانت لا تزال تشترك في الخطة التي
стр. 42
بنيت عليها منذ المبدأ إلى حد ما وبشكل يدل بوضوح على تضامنها القديم"١. هذه المقارنة يمكن أن تطبق على اللغة في عمومها لأن اللغة إحدى هذه النظم ومع ذلك ففي اللغة عناصر أكثر ثباتا وأقل خضوعا للتحكم الإنساني مما في النظم السياسية. وهذه العناصر هي في الواقع الأصوات التي سنبدأ بها هذه الدراسة.
стр. 43
الجزء الأول: الأصوات
الفصل الأول: المادة الصوتية ١
إن ما يسمى صوتا هو الأثر الواقع على الأذن من بعض حركات ذبذبية للهواء. والذبذبات في اللغة يحدثها الجهاز الصوتي للمتكلم. والعلم الذي يبحث في الأصوات، أو بعبارة أخرى علم الصوتيات، يجب أن يشتمل على ثلاثة أجزاء. الجزء الخاص بإنتاج الصوت والجزء الخاص بانتقاله، والجزء الخاص باستقباله فالإنتاج والاستقبال ظاهرتان متساويتا الأهمية في اللغة إذ أنه يجب لتكون هناك لغة، أن يوجد متحادثان على الأقل وأن يوجد الكلام مقصودا به أن يسمع. هذا إلى أن استقبال الصوت، أو بعبارة أخرى السماع يلعب دورا هاما في انقلابات اللغة، فمن طريق الأذن يحصل كل متكلم نظامه الصوتي ويثبته. فمن الوجهة النظرية لا يمكن أن يستكثر على السماع أي مكان، مهما كبر، يخصص له في دراسة اللغة.
ومع ذلك فالواقع أن علم الصوتيات قد حصر مجهوده زمنا طويلا في دراسة إنتاج الصوت.
علماء اللغة لا يكادون يشتغلون بالسماع، بل يتركون دراسته إلى علماء وظائف الأعضاء. وهذا التحديد له ما يبرره ففيما يخص اللغة لا يكون للصور السمعية لسامع قيمة إلا إذا كان هذا الأخير جديرا بتحويلها إلى صور محركة ليصير بدوره
стр. 44
متكلما. وبعبارة أخرى يجب أن يكون السامع حائزا بالقوة على ما يحققه المتكلم بالفعل. على هذا الشرط يتوقف وجود الكلام. ويترتب على ذلك أنه يمكن إسقاط الجزء السمعي من اللغة في دراسة الصوتيات ما دام السماع يفترض وجود قوة مساوية من إحداث الصوت عندما يتكلم شخصان لغة واحدة فيما بينهما. فليس هناك في الواقع إلا وجهان من وظيفة واحدة، وحدودها واحدة. نعم أغلب الظن أن تحليل المراكز العصبية يسمح بالتمييز بينهما، ولكن هذا التحليل ليس من اختصاص علم الصوتيات.
يظهر أن انتقال الصوت يكون في أيامنا هذه الموضوع الأساسي من دراسة علماء الصوتيات١، فالواقع أنهم أميل إلى الاشتغال بالتموجات، ذلك الميدان الشاسع من البحوث الذي يجنح نحو علم الطبيعة البحتة ولا يمكن الاقتراب منه دون تحضير رياضي متين. ومن هنا اكتسب علم الصوتيات دقة غريبة، فقد أصبحت لديه الوسيلة لتحديد الأصوات بعدد الذبذبات التي تحددها صورها، أما نحن فسنقف هنا عند عادات المدرسة القديمة فنقتصر على دراسة إنتاج الصوت، أعنى التصويت phonation، وعلى وصف نتائج التصويت، يعني "الأصوات".
يشتمل جهاز الإنسان الصوتي على الأجزاء الرئيسية الآتية: منفاخ، هو الرئتان، وقناة صوتية هي القصبة الهوائية، وهي مغلقة من طرفها الأعلى بواسطة تضخم مزدوج، وهو ما يسمي بالأوتار الصوتية، أو فتحة الحنجرة Glotte بالاختصار، فهو آلة هوائية، آلة ذات مبسم مزدوج. ويبدو من نظام الحنجرة سمو الجهاز الإنساني على جميع الآلات الأخرى. والأوتار الصوتية على جانب من المرونة لا يصل إليها مبسم المزمار الموسيقي الذي هو صلب بالضرورة. وتستطيع هذه الأوتار، بفضل نظام للحركات لطيف التدبير يدبر عدة أزواج من العضلات، أن تأخذ أوضاعا مختلفة. فيمكن إبقاؤها مغلقة أو فتحها فتحا تاما أو شبه تام
стр. 45
وجعلها تذبذب كلا أو جزءا والتعديل من مقدار توترها. ومن هنا تنتج تنوعات المصادر التي يغترف منها التكلم.
ومع ذلك فإن هذا الجهاز الصوتي يكون ناقصا لو أنه كان مكونا من الحنجرة وحدها، وما كان يستطيع في هذه الحال أن يسمع إلا الحركات ويسمعها على درجة من التخالف أقل بكثير مما ننطقها به عادة.
الواقع أن التيار الهوائي الذي تدفعه الرئتان يحدث الصوت بذبذبة للأوتار الوصتية. ولما كانت الذبذبات تستطيع الاستمرار بقدر ما تسمح به كمية الهواء المختزنة١ وكان يمكنها من جهة أخرى تغيير الصوت من حيث الإشباع Amplitude والقوة Force، كان للصوت إذن ثلاث صفات مميزة وهي: الطول Dureee والحدة الموسيقية Hauteur Musicale والشدة intensite كما أنه يختلف هو نفسه تبعا للحركات، من حيث أن حركة العضلات تسمح بارتفاع فتحة الحنجرة وانخفاضها بحيث تطيل القناة الصوتية أو تقصرها.
ولكن التكملة اللازمة للجهاز الصوتي تأتيه من التجاويف التي تفتح عليها الحنجرة، أعني تجاويف الحلق pharynx والحفر الأنفية وخاصة تجويف الفم. وجوانب هذه التجاويف جميعها، وهي مطاطة إلى حد كبير، تقوم للصوت مقام فراغ زينني فتخلع عن كل صوت طابعه الخاص. ويوجد في هذا التجويف الرنان أعضاء مرنة قابلة للسحب تستطيع أن تعدل أبعاده وتغير من طاقتهن فعندنا أولا غشاء سقف الحلق ويستطيع أن يغلق الطريق المؤدي إلى الحفر الأنفية فيمنع حدوث أي رنين من هذه الناحية، ولكن اللسان بوجه خاص هو الذي يلعب مع الحنجرة الدور الرئيسي في التصويت. فعند إصدار الحركة "a" أي الفتحة يكون اللسان على وجه التقريب مسجي في الفم في وضع مسطح، ولكن عندما يدور الأمر من حول حركات أخرى، يغير اللسان من وضعه ليكون الرنين المناسب لكل منها. فتارة يتقدم إلى الأمام ويرتفع ليقلل من سعة الجزء الخلفي من الفم،
стр. 46
وتارة يرجع إلى الخلف مقللا من سعة الجزء الأمامي. في الحالة الأولى يصير اللسان عامل الرنين للحركات المسماة بالحركات الخلفية أو حركات أقصى الحنك وهي، ابتداء من a؛ e مفتوحة و e مقفولة و i مفتوحة و i مقفولة. وفي الحالة الثانية تنتج الحركات المسماة بالحركات الأمامية أو حركات مقدم الجنك. أعني، ابتداء من a أيضا o المفتوحة و o المقفولة و u المفتوحة و u المقفولة١. في كل واحدة من السلسلتين، الخلفية والأمامية، نرى أن الـi والـu هما أكثر الحركات انفتاحا، وهما الحركتان اللتان فيهما يصل وضع اللسان إلى أقصى حد في الارتفاع، أي إلى أقرب وضع من غشاء الحنك. أما الـa فهي أكثر الحركات انفتاحا. هذا إلى أنه يوجد لكل حركة أنواع مختلفة الطابع تقابل عوامل الرنين المتباينة وتتبع أوضاع اللسان المتنوعة. فالـa في فرنسية باريس تنطق على صور ثلاث من اليسير على الأذن أن تفرق بينها: فنحن ننطق a مقفولة في pate و a مفتوحة في patte ومتوسطة في Corotie.
ليس اللسان وحده هو الذي يلعب دور تكوين عامل الرنين الخاص بكل حركة إذ لا ينبغي أن ننسى الشفتين اللتين يختلف وضعهما مع كل حركة. وهناك منظر مشهور من مناظر مسرحية موليير "النبيل البرجوازي". "Bourgeois Gantilhomme" يعلمنا في شيء كثير من الدقة أوضاع الشفتين عند إصدار الحركات. وفقرة لديني داليكرناس Denys d'Halicarnasse ترينا كيف كان الإغريق يعرفون في هذا الصدد بقدر ما عرف معاصرو موليير، وإن لم يكن الإغريق من المبرزين في الصوتيات. والواقع أنه يلاحظ أن الشفتين، عند ما تنطق بالـu تمتدان إلى الأمام وتستديران كما في حالة "التبويز", وعند نطق الـi تنفرج زاويتا الشفتين لترجعا بهما إلى الوراء. هذان هما الوضعان المتطرفان، وبينهما أوضاع تقابل نطق الـo "مفتوحة أو مقفولة" والـe "مفتوحة أو مقفولة". وقد استفادت اللغة من وجود الأوضاع الشفوية
стр. 47
والأوضاع اللسانية معا لخلق سلسلة مركبة منهما، هي سلسلة الـeu. فتركيب الوضع الذي يتخذه اللسان في نطق الحركات الخلقية "i, e, e", وبالوضع الذي تتخذه الشفتان في الحركات الأمامية "u, o, o", يمكن إلى حد يكون مضبوطان من النطق بالأصوات الفرنسية الثلاثة eu مفتوحة في "beurre" و eu مقفولة في "queue", و u في "flute"، وهذه الأخيرة ترسم في الكتابة الصوتية على العموم u.
وتختلف أنواع الحركات من لغة إلى أخرى اختلافا كبيرا، فالإنجليزية مثلا لا يكاد يكون فيها حركة واحدة تشترك فيها مع الفرنسية.
تقسم الأصوات عادة إلى سواكن وحركات. هذا التفريق يمكن تبريرة من الوجهة العملية بتعريف المقطع "انظر الصفحة الرابعة من الفصل الثالث"، ومع ذلك فإن نفس الأصوات يمكن أن تلعب في المقطع دور الساكن أو دور الحركة على السواء وإذا كان بين الاثنين فرق في الوظيفة، فليس بينهما في الواقع أي فرق في الطبعية، والحد الذي يفرق بينهما ليس حدا فاصلا. فالسواكن والحركات تكون جزءا "من سلسلة طبيعية ولا يتضح الفرق بين عراها بجلاء في طرفيها".
في أحد طرفي السلسلة توجد الحركات a أو e أو o على نحو ما عرفناها، وفي الطرف الآخر توجد السواكن الانفجارية p و t و k. هذه السواكن ليست إلا نوعا من الضوضاء؛ وتقوم على أن الهواء يتوقف مؤقتا بفعل عقبة تصادفه لدى عبوره. والعقبة توجد في الفم على وجه العموم، وتكونها الشفتان أحيانا وطرف اللسان تارة وظهر اللسان تارة أخرى، ففي الحالة الأولى يكون الانفجار شفويا وفي الثانية أسنانيا وفي الثالثة حلقيا. ولكن هناك من الانفجارات أيضا ما تكون نقطة نطقه في أقصى الفم: وهي أصوات من وسط الحلق أو من أدناه أو من أقصاه.
ولما كان إغلاق الفم يقع في نقطة انطباق واحدة لا تتغير، لم يكن هناك
стр. 48
انغلاقي شفوي إلا واحد فقط صامت، ومن ثم كانت الباء p من حيث نقطة الإغلاق واحدة في كل اللغات إذا استثنينا الاختلافات في القوة. أما طرف اللسان فتحرك على العكس من ذلك، وظهر اللسان يستطيع أن يتنقل على طول امتداد الحنك الصلب والحنك الرخو. فهناك إذا مواضع تماس متنوعة، ويمكن أن تتصور، تبعا لنقطة الإغلاق، عدة أنواع من الأسنانية والحلقية. وفي غالب الأحيان ينطبق طرف اللسان على الأسنان العليا، ولذلك يسمى الساكن الذي ينتج على هذا النحو أسنانيا، كما هي حال التاء العربية و"t" الفرنسية. ولكنه يستطيع أن يرتكز أيضا على أصول الأسنان، كما هي الحال بالنسبة للأسناني الإنجليزي "t" في take وفي tire الذي هو من أصول الأسنان. وأخيرا يمكنه بشيء من التقلص أن يمس سقف الحنك، فنحصل على ما يسميه بعض علماء اللغة بالقمية Cacumiales أو المخية Gerebrales وما هي إلا فروع من الأسنانية كتلك التي تخرج من أصول الأسنان.
أما ما نسميها بالحلقية فإنها تتضمن فروعا أكثر من تلك عددا، إذ يكفي أن تمس أي نقطة من ظهر اللسان أي نقطة من سقف الحنك حتى نحصل على صوت حلقي. فإذا حصل الانفجار على جزء الحنك الصلب، حصلنا على واحد من أدنى الحنك "الكاف k في الكلمة الفرنسية qui"، وإذا وقع على الحنك الرخو في اتجاه الغشاء الحنكي حصلنا على واحد من أقصى الحنك كالكاف k الألمانية في kuh. وأصوات أقصى الحنك وأدنى الحنك تشمل عدة فروع، فيمكننا أن نميز مثلا بين الأصوات الحنكية الأمامية والحنكية الخلفية، بحسب ما إذا كانت نقطة التماس متقدمة قليلا أو كثيرا بالنسبة للحنك الصلب.
بعد أن عرفنا نقطة التماس على هذا النحو، لنبحث الآن آلية الانفجار. يطرد الهواء من الرئتين، فيعبر الحنجرة وهي مفتوحة ساكنة، وينفذ إلى التجويف الحنكي حيث يوقف فجأة عند الشفتين أو عند الأسنان أو في الحنك على النحو الذي وصفناه. ثم فجأة يكف التماس، ويستطيع الهواء أن يستمر في مسيرة نحو الخروج. ففي كل ساكن انفجاري إذن ثلاث خطوات متميزة:
стр. 49
الإغلاق أو الحبس، والإمساك الذي قد يكون طويل المدى أو قصيره والفتح أو الانفجار١ عند إصدار ساكن بسيط مثل التاء t فإن الانفجار يتبع الحبس مباشرة، والإمساك يضؤل إلى مدى لا يكاد يحس. وعلى العكس من ذلك، تظهر الخطوات الثلاث بوضوح فيما يسمى بالسواكن المضعفة، وهي ليست إلا سواكن طويلة، كما أنها تنطق بقوة أشد مما في حالة القصيرة. فإذا تركنا مسألة الشدة جانبا وجدنا أن مجموعة مثل "atta أتا" تتميز عن المجموعة "ata أتا" بوجود مسافة بين الحبس والانفجار يمكن للأذن أن تقدرها. ومن الخطأ أن يقال بأنه يوجد ساكنان في أتا atta وساكن واحد في ata أتا، فالعناصر المحصورة بين الحركتين في كلتا المجموعتين واحدة: عنصر انحباسي يتبعه عنصر انفجاري. ولكن بينما نجد العنصر الانحباسي في ata يتبعه العنصر الانفجاري مباشرة، نجده في atta ينفصل عنه بإمساك يطيل مدى الإغلاق.
الفرق بين عنصري الانحباس والانفجار يكون محسوسا عندما يكون هناك انتقال في نقطة التماس. لنتصور أن طرف اللسان اعتمد على الأسنان في لحظة مرور الهواء، ولكن ظهر اللسان انطبق فجأة -بعد أن تم الإغلاق- على الحنك ليحصل الفتح وهو في هذا الوضع، في هذا الحال نحصل على تاء t انحباسية وكاف k انفجارية أي على المجموعة tk تك، في atka مثلا. وبالعكس إذا حصل تماس أولا بظهر اللسان واعتمد طرف اللسان على الأسنان في أثناء الانفجار، فإننا نحصل على كاف k انحباسية تتبعها t انفجارية كما في المجموعة أكتا akta.
ويمكننا مما سبق، أن نحكم على الفرق الذي يفصل بين حركة مثل الفتحة a وبين ساكن مثل التاء t. من جهة وظائف الأعضاء، لا يوجد اشتراك بين هذين الصوتين إلا في كونهما ناتجين من هواء مدفوع من الرئتين. غير أنه يوجد بين هذين الطرفين من سلسلة الأصوات مكان لكثير من الأصوات الوسطى.
стр. 50
لنتصور أولا أن الإغلاق غير محكم وأنه يسمح للهواء بمنفذ مهما كان ضيقا، فبدلا من أن نحصل على انفجاري أي موقت فإننا نحصل على رخو أو احتكاكي spirante الذي يسمى أيضا احتكاكيا Fricative لأنه يتميز بضوضاء احتكاك. لم يعد الأمر هنا يدور حول الباب المغلق الذي يفتح فجأة ليسمح للهواء المختزن بالمرور، بل هو الباب الذي يظل على معارضته ويسمح للهواء بالصفير.
وبالطبع تسمح الاحتكاكيات بجميع نقط النطق التي للانفجارية، ففي كل نقطة من نقط التماس التي تنتج فيها هذه الأخيرة يمكننا أن نتصور انغلاقيا مقابلا طالما تدع الشفتان أو طرف اللسان أو ظهره منفذا لتسرب الهواء. وهناك انغلاقية أسنانية شفوية "الفاء f الفرنسية" وأسنانية "السين s الفرنسية" ومن أصول الأسنان "الثاء الإنجليزية th في thick و Thank" وحنكية مثل "ch الألمانية في ich" ومن وسط الحنك Medio-palatale "الشين Ch الفرنسية في Cheval" ومن أقصى الحنك Velaire "مثل الخاء ch الألمانية Buch", مع كل الفروع التي تحتملها الاختلافات في الوضع. وهناك أيضا في أقصى التجويف الحنكي احتكاكيات أو حلقية أو من أدنى الحلق أو من الحنجرة مثل العين العربية.
وتوجد سلسلة من الأصوات اللغوية المتوسطة بين الانفجارية والاحتكاكية، وهي ما تسمى شبة الانفجارية semi-occlusives أو بعبارة أوضح الانفجارية الاحتكاكية affriquees وتتميز بالإغلاق الذي لا يستمر إحكامه. وفيها كما في الانفجارية حبس، ولكن هذا الحبس تتبعه حركة خفيفة من الفتح، بحال يجعل الانفجاري ينتهي بالاحتكاكي. فالانفجاري الاحتكاكي affriquee انفجاري فاشل. بعض اللغات يكثر من استعمال الانفجارية الاحتكاكية، ويمكن رسمها صوتيا هكذا بف pf وت ts ك kch وقد بقي هذان الأخيران في لهجات ألمانية الجنوبية زمنا طويلا، ويمكن حتى الآن أن نسمع بوضوح الـ"ك" kch في الألمانية المتكلمة في بفاريا وسويسرا.
وإننا مع الانفجارية الاحتكاكية، بل حتى مع الاحتكاكية، ما زلنا بعيدين
стр. 51
جدا عن الحركات. ومع ذلك فإنه لما كانت احتكاكية والحركات تشتركان في المدة، كانت المسافة بينهما أقرب من المسافة التي بين الحركات وبين الانفجارية، إذ يمكننا إطالة الفاء F والسين s والشين ch كما نشاء على قدر ما تسمح به الرئتان. ولكن هناك وسيلة لتقريب ما بين الحركات وبين الانفجاريات أو الاحتكاكيات أو الاحتكاكيات الانفجاريات: وذلك بأن نمدها بالرنين.
لقد افترضنا حتى هنا بقاء الشفتين والحنجرة في حالة سكون عند إصدار الساكن. لذلك لم نحصل إلا على سواكن صامتة يعنى مجردة من الصوت "Voix" "stimmlos, unvoiced كما يقول الإنجليز والألمان". ولكن لندع. الأوتار الصوتية تتذبذب كما تفعل في الواقع، لكي نزود الحركات بالصوت فعندئذ نحصل على سواكن مجهورة "stiminhaft, voiced". فالفرق الذي يميز المجهورة من المهموسة أنه عند إصدار الأولى تكون الأوتار في حالة ذبذبة، مع التساوي في غير ذلك من الأشياء. ونحس هذا الفرق بكل يسر عندما ننطق على التتالي الانفجارات p "ب" و b "ب" أو t "ت" و d "د" أو k "ك" g "ج" أو -وذلك أحسن دلالة- الاحتكاكيات "ف" f و V "ف" أو "س" s, و"ز" z أو ش ch و"ج" J. وإذا راعى الإنسان أن يسد أذنيه، عند النطق، فإنه عندما يصل إلى المجهورة يسمع الرنين الذي تنشره الذبذبات الحنجرية في تجاويف الرأس. بالطبع كل السواكن التي عددناها حتى الآن من انفجارية وانفجارية احتكاكية واحتكاكية، تقبل الجهر. فإذا ما حسبنا حساب السواكن الممكنة، وجب أن نضاعف عدد تلك التي ذكرناها في القائمة بإضافة المجهورة إلى المهموسة.
نصل الآن إلى سلسلة من الأصوات اللغوية وسط بين السواكن والحركات تسمى عادة أشباه الحركات "حروف اللبن" لهذا السبب. ويمكن أن نسميها بالعبارة المعكوسة شبه السواكن، لأن المسألة مسألة حركات مشوبة بعناصر سكونية أكثر منها مسألة سواكن مزودة بالجهر. في قائمة الحركات المذكورة
стр. 52
في الفصل الخاص بالفصائل النحوية، اعتبرت الحركات u "الضمة" و i "الكسرة" و u "الضمة المشمومة الكسر" حركات مقفولة تتميز بأن اللسان عند نطقها يرتفع في الفم "إلى الخلف أو إلى الأمام على حسب الأحوال" مقللا من المسافة التي تفصله عن الحنك، وذلك ليكون عامل الرنين الخاص بها. وينتج من ذلك أن إصدار الضمة "u", والكسرة "i" والضمة المشمة الكسرة "u" تصحبه ضوضاء احتكاك ناتجة من مرور الهواء بين اللسان والحنك، وضوضاء الاحتكاك تلك عنصر سكوني. وهي على وجه التأكيد أقل ظهورا عند إصدار هذه الحركات الثلاث منها عند إصدار أحد الاحتكاكيات المجهورة، ولكنه مع ذلك يصير محسوسا إذا قورنت الحركات u أو i بالحركة a "الفتحة". وعلى كل حال، هناك وسيلة لسماعها وذلك بأن تنطق على التوالي الحركات المختلفة موشوشة. ففي الكلام الموشوش الذي ليس فيه رنين وبالتالي يخلو من الجهر "الصوت Voix"، يصير كل شيء إلى هذه الضوضاء البسيطة١ ولذلك تكون الفتحة "a" في مثل هذه الحال أقل الحركات سماعا، بينما نرى الضمة "u" والكسرة "i" والضمة المشمة "u" تسمع بيسر بفضل العنصر السكوني الذي تشتمل عليه. وكثيرا ما تستخدم اللغة هذا العنصر السكوني لتجعل من الضمة "u", والكسرة "i" والضمة المشمة "u" سواكن. والصوت هو هو دائما ولكن في استعمالين مختلفين. والساكن الذي يقابل الكسرة "i" والضمة "u" يرمز له عادة بالياء "y" والواو "w", ونجده في الفرنسية في yeux "عيون" و milleur "أحسن" و oui "نعم" و ouate قطن. أما الساكن من الضمة المشمة "u"، وهو نادر، فليست له علامة خاصة: ويوجد في الفرنسية في cuire "ينضج أو جلد" lui "إليه و turer صيغة المصدر من قتل" و puiser "استقى".
ويعد في طائفة شبه الحركات أيضا اللام والراء I,r المائعتين، والأخيرة منهما
стр. 53
تدعى أحيانا بالمتذبذبة، وهي تسمية أكثر دقة من الأولى. فهما ساكنان لهما نقطة نطق محدودة في الفم وتعتمد على وضع ما للسان ويمكن أن تصحب أولا تصحب بذبذبات حنجرية تنتج الجهر. وهما مجهوران أغلب الأحيان، غير أنه يوجد في بعض اللغات لامات وراءات مهموسة "صامتة" اللام المائعة حرف جانبي "حافي" وتتميز بأن طرف اللسان يرتفع في النطق بها حتى يعتمد على الحنك وتنخفض حواف اللسان الجانبية بطريقة تسمح للهواء أن يمر من جوانبه. فيرى من هذا أن بينهما وبين الأسنانيات نقطة اشتراك. والواقع أن الحركة التي يقوم بها طرف اللسان واحدة بالنسبة للام والدال في الفرنسية. وهناك نوعان آخران من اللام المبللة mouillee وتتميز باستعلاء الجزء الأمامي من اللسان نحو الحنك الصلب، والأخرى من أقصى الحنك وفيها يتحدب الجزء الأوسط الخلفي من اللسان في شكل ملعقة من جهة الحنك الرخو. واللام التي في أقصى الحنك كانت توجد في اللاتينية، وهي مستعملة في اللغات السلافية حتى الآن.
والراء المائعة ترجع إلى ذبذبة في الأجزاء المطاطة التي يشتمل عليها التجويف الحنكي وإلى ذبذبة اللسان أولا وقبل كل شيء. وهناك الرأء الأسنانية الناتجة من ذبذبة طرفي اللسان، والراء الحلقية التي فيها ظهر اللسان هو الذي يقوم بالذبذبة. وهذه الراءات لها بالطبع نفس التفرعات التي للأصوات الانفجارية الأسنانية والحلقية. وأخيرا هناك الراء التي من اللهاة الناتجة من تذبذب اللهاة، وهي الراء المسماة بالدسمة "grasseyee"، وأحد الأصوات التي يصعب إنتاجها على من لم يستحوذ عليها بالطبيعة. والراء الأسنانية هي الراء في الإنجليزية الحديثة: ونقطة نطقها، كما هي الحال في كل الأسنانية الإنجليزية، في أصل الأسنان.
بعدما تقدم من وصف، يمكن الحكم بأن الحرفين المائعين لهما كل صفات السواكن، والواقع أن المائع في الكلمات loquet, crapaud, claquer, tarin, milan, article, rateau, يلعب الدور الذي يلعبه الانفجاري في الكلمات: taquin, mitan, tect, aptitude, bateau, coquet. ولكن وضع الفم في إصدار اللام والراء يقتضي إيجاد عامل رنين كما في حالة الحركات، هذا إلى أن الموائع ليست من الأصوات التي يمكن إطالتها وعندما تحتوي على الجهر،
стр. 54
وهي الحالة العادية، يمكن استعمالها استعمال الحركات لتكوين المقطع. ففي الكلمتين الألمانيتين, Loffel, Acker لا يكاد المقطع الأخير يحتوي غير اللام والراء اللذين يلعبان فيه دور الحركة. وبعض اللغات التي تستعمل الراء على أنها حركة مثل التشيكية إنما ترسمها بعلامة الراء الساكنة مثل krk "رقبة" و pst "أصبع" و vrch "قمة".
الأصوات التي تكلمنا عنها حركات كانت أم سواكن، قابلة لاستعمال آخر هو استعمال العنصر الثاني من حرف اللين المستعمل استعمال الساكن أو ما يسمى diphtongue "الحركة المركبة". وما يسمى بالحركة المركبة هو الجمع بين حركتين في مقطع واحد، ولكن الحركتين لا يستويان قيمة في هذا الركب، إذ يحتوي حرف اللين هذا diphtongue على عنصر قوي وعنصر ضعيف هو الثاني عادة. والحركتان المقفولتان الكسرة i والضمة u أصلح من غيرهما للقيام بدور العنصر الضعيف، أي العنصر الثاني. وهكذا فإن ما يلي الحركة في آِ١ ي ey واُي Oy وآي ay آِو ew وأو ow وآو aw ليس من الحركات ولا من السواكن بمعنى الكلمة، بل عنصر من المركب diphtongue وبعض اللغات الهندية الأوربية تدل على أن دور العنصر الثاني من هذا المركب يتميز عن دور الحركة أو دور الحرف الساكن. وهذه اللغات نفسها قد أتاحت في نفس الوقت للام والراء المائعتين أن يستعملا كعنصر ثان للمركب: فاللتوانية حتى أيامنا هذه قد احتفظت للـ "آِر" وا آِل "er, el" بنفس المعاملة الخاصة بالـdiphtongue وهي نفس المعاملة التي على المركبين آِي ey وآِو ew بالضبط٢.
وآخيرا هناك فصيلة هامة من الأصوات اللغوية لم تقل عنها شيئا حتى الآن، وهي الأصوات الأنفية nasales "أو أصوات الغنة"، إذ أنه قد افترض في كل الأوصاف المتقدمة أن يبقى حجاب الحنك لاصقا بقمة القبو، أي أنه بالتالي يمنع تسرب الهواء إلى الخفر الأنفية. غير أن حجاب الحنك يمكن له أن يسقط نحو
стр. 55
قاعدة اللسان، وحينئذ ينفذ الهواء المدفوع من الرئتين إلى الحفر الأنفية، فينصرف من الأنف كما ينصرف من بين الشفتين. والواقع أن الإغلاق التام نادر التحقق، بل حتى إنتاح الحركات التي تكلمنا عنها حتى الآن ينطوي على السماح لكمية ضئيلة من الهواء بالنفاذ إلى الحفر الأنفية. غير أن اللغة تستخدم الفتح الكامل لإنتاج ما يسمى بالحركات الأنفية. كل الأصوات اللغوية التي ذكرت سابقا سواء أكانت حركات أم سواكن، ما عدا بعض المستثنيات الناجمة من طبيعة الأعضاء، لها فروع أنفية. وعندما يبقى حجاب الحنك هابطا أثناء إصدار الصوت اللغوي، دون أن يعتري عملية النطق أي تغيير أو أن يعدل اللسان عن وضعه، فإننا نحصل على صوت أنفي ساكنا كان أم حركة. وكل فرنسي على معرفة كافية بالحركات الأنفية، بفضل لغته القومية التي تملك عددا عظيما منها. فالأشياء التي نرسمها an, on, in , un, إنما تمثل أصواتا مفردة وقد أضيف إلى الطابع الخاص بكل حركة منها أنواع من الرنين الأنفي. فمعنى كون الحركة أنفية أن حجاب الحنك يبقى عند الإصدار هابطا وأن جزءا من الهواء الخارج من الحنجرة يتخذ طريق الحفر الأنفية. ومن الخير أن نلاحظ أن الحركات الأنفية an, in, un رغم الكتابة، لا تقابل بالضبط الحركات a "فتحة" و i "الكسرة" و u الضمة المشمة الكسرة" بل تقابل o, e, eu على التوالي.
هذه الآلية نفسها تستخدم لإنتاج السواكن الأنفية. وكل السواكن يمكن أن تصير أنفية: فنحن نعرف في بعض اللغات فاءات v ولامات l وراءات r أنفية ولكن يحتفظ عادة بمصطلح الأنفية للانفجاريات المجهورة المصحوبة بأنواع من الرنين الأنفي: فعندما يبقى حجاب الحنك هابطا في أثناء انفجار الباء b أو الدال d أو g ترانا نحصل على الأنفيات م "m" ون "n" والنون المغنة ن n "وتكتب gn في الفرنسية"؛ هذه الأصوات اللغوية يمكن إطالتها ولكن الهواء في هذه الحالة لا يخرج إلا من الأنف بالطبع لما كان الانفجار الحنكي يمنع من مرور الهواء. يوجد من الأنفيات بقدر ما يوجد من الإنفجاريات المجهورة. أما تلك الأنفيات التي تقابل الانفجارية المهموسة والتي تعد ممكنة الوقوع من الوجهة النظرية فلا تستعمل في الواقع إلا نادرا.
стр. 56
رأينا أن الأنفيات، وهي قابلة للمدة ومزودة بالصوت voix "مجهورة"، تستدعي رنين الحفر الأنفية: أي أنها مستعدة لأن تقوم بدون الحركات أو المائعات على السواء. والواقع أن هناك عددا من اللغات التي تملك حركات أنفية، ونحن نعرف أنها كانت موجودة في اللغة الأوروبية. واليوم نستطيع أن نسمعها بوضوح تام في المقطع الثاني من الكلمات الألمانية ATEM, BIETEN. ومن جهة أخرى، كانت الهندية الأوربية تستعمل النون N والميم M الأنفيتين استعمال العنصر الثاني في المركب، فكانت تعامل مثلا on om و en em كما كانت تعامل oi ou و eu ei، واحتفظت الإغريقية القديمة في نبرها بآثار من هذا الاستعمال، وتستطيع اللتوانية حتى يومنا هذا أن تمدنا ببعض الأمثلة١.
الأنفيات تزيد زيادة محسوسة في قائمة الأصوات التي يصدرها الجهاز البشري. ومع ذلك فإننا لم نصل بعد إلى خاتمة الحساب. ومما يجعل قائمة الأصوات الممكنة لا تكاد تحد أن العناصر التي تكونها عناصر تغيير إلى حد كبير، وهي مزودة بكثير من أوجه الخلاف.
فالحركة تنطق على نغمة معينة وتستمر مدة معينة. فهناك الحدة والشدة والكمية وهي تسمح بمضاعفة وجوه الاختلاف في حركة. وكما يمكن أن يوجد عدد من الكميات في كل لغة، وبما أن الدرجة والشدة تسمحان بتنويع التنغيم والجرس، فإن هذه التشكيلات المختلفة تحمل في نفسها مبادئ تنويع أخرى يتضاعف عددها٢.
لعبت الكمية في اللغات الكلاسيكية دورا يستطيع النظم "VERSIFICATION" أن يعطينا فكرة عنه، ونقول مثل ذلك في السنسكريتية أيضا. أما عن الحدة.
стр. 57
الموسيقية فلدينا منها أمثلة بينة في لغات الشرق الأقصى، حيث يكفي الجرس وحده في تميز المعاني والقيم التي تؤديها بعض الكلمات مع اتفاقها في الأصوات. فحين نرى أحد المقاطع مثلا في الصينية ينطق بست نغمات مختلفة أو بستة وجوه مختلفة الجرس، فمعنى هذا أن المقطع يدل على ستة مسميات مختلفة. أما في اللغة الأنامية١ فالتنوع أوسع من ذلك: فقد أمكن أن يعد للمقطع "كو CO" خمسة عشر وجها من النطق مختلفة، تقابل دلالات يباين بعضها بعضا كل التباين٢.
هنالك أيضا تنوعات أخرى ممكنة حتى في تكوين عامل الرنين الخاص بكل حركة. فهناك البدء الشديد "attque dure" الذي يسميه الألمان faster einsaltz والبدء اللطيف المسمى attaque douce وعند الألمان leiser einsaltz والفرق بينهما ينحصر في الطريقة التي يجري عليها انفتاح الحنجرة عند إصدار الحركة المبدئية. ففي حالة البدء الشديد تفتح الحنجرة فجأة وتعزل الحركة عن كل ما تقدمها، وهذا هو المسلك المعتاد عند ألماني الشمال. وهو ذو طابع مميز حتى أنه يكفي لتمييز نطق الألماني من نطق الفرنسي والإنجليزي اللذين يمارسان البدء اللطيف. ويستعمل أحد علماء الصوت الإنجليز وهو Ellis تشبيها جميلا للإشعار بهذا الفرق: وصول النور في غسق الصباح يكون تدريجيا غير محسوس حتى ليستحيل تعيين النقطة التي عندها ينتهي الليل ويبدأ النهار، هذا هو البدء اللطيف في الحركات. أما إذا فتحت أبواب النافذة فجأة عند الظهيرة، فإن ضوءا قويا يندلع في الغرفة حتى يغمرها في لحظة واحدة، ذلك هو البدء الشديد. بل إن هذا المسلك ليس مقصورا على انفتاح الحنجرة. فبعض اللغات مثل الدنمركية يستعمله أيضا عند الإغلاق. هنالك لا يحصل الارتخاء أو الصدمة "choc" كما تسمى Stoss بالألمانية, Stod بالدنمركية إلا في نهاية الحركات بعد أن يتم الإصدار. وقد نعثر في الدنمركية على كلمتين مثل Anden "ذكر البط" و Anden "الآخر"، لا يختلفان فيما بينهما إلا بوجود stod أو عدم وجودها. وبعض اللهجات الإنجليزية، ولا سيما اللهجة المتكلمة في أسكتلنده، تقدم لنا
стр. 58
كذلك أمثلة حسنة على ما يسمونه "glottal stop" أي التوقف الحنجري١.
نطق السواكن أيضا يحتمل اختلافات هامة جدا غير تلك الناشئة من الاختلاف في حركات الجهاز الصوتي التي تكلمنا عنها فيما سبق. ونوعان منها على الأقل يستحقان الذكر هنا. تلك التي تنتج من المجهود العضلي وتلك التي تتوقف على درجة انفتاح الحنجرة.
يجب أن ينفق الكثير من الجهد للوصول لإنتاج الحركات التصويتية في كل اللغات بقوة عضلية واحدة. ففي بعضها يقل المجهود إلى حد ضئيل، فيتسلل الكلام مستمرا هادئا في تعادل متصل. وفي بعضها على العكس من ذلك، يوجد احتجاز عضلي يعطي للسماع طابع العنف وتتخلله أنواع من الاسترخاء المفاجئ ومواقع الوزن والاصطدام.
وفي داخل كل لغة، تتطلب بعض الأصوات اللغوية توترا عضليا أشد من غيرها.
هذه الحقيقة قد لفتت نظر الإغريق القدماء، فجعلتهم يميزون في سواكنهم بين اللطيفة والقوية. وعلى العموم، فالفرق في الشدة مرتبط بالتضاد الذي بين المجهورات والمهموسات. كانت تلك الحال موجودة في الإغريقية القديمة، وتلك هي الحال في الفرنسية حيث نجد السواكن الثلاثة بـp وت t وك مهموسة وقوية في آن واحد، والسواكن الثلاثة ب b ود d وج g على العكس منها مجهورة وضعيفة. ولكن من اللغات ما يجهل هذا التوزيع أو ينظمه على نحو آخر. فأحد الفروق التي تميز الانفجاريات الفرنسية من الانفجاريات الألمانية، ولا سيما ألمانية الجنوب، أن الانفجاريات المجهورة ب b ود d وج g قوية في الألمانية مما يخيل لأذن الفرنسي أنها أصوات وسط بين المهموسة والمجهورة، بل وفي بعض الأحيان أنها أقرب إلى المهموسة منها إلى المجهورة. وعلى العكس من ذلك الانفجاريات المهموسة ب p وت t وك k لطيفة غالبا في ألمانية الجنوب، إذا لم تكن منقسمة كما سنرى.
هناك مبدأ آخر لإحداث وجوه الاختلاف في نطق السواكن يحدث من
стр. 59
درجة انفتاح الحنجرة. فتوجد انفجاريات عن حنجرة مفتوحة وأخرى من حنجرة مغلقة.
في النطق مع انغلاق الحنجرة، كما هي الحال في الفرنسية وفي اللغات السلافية والإغريقية القديمة، تقترب شفتا الحنجرة أو الأوتار الصوتية أثناء إصدار الانفجاريات. فهي إذن مستعدة تماما للدخول في الذبذبة من أجل الحركة التي تتلوها إذا كان الانفجاري مهموسا، ومنذ بدء الانحباس لإحداث الرنين من أجل الانفجاري، إذا كان الانفجاري مجهورا على العكس من ذلك. في النطق مع انفتاح الحنجرة الذي تتميز به اللغات الجرمانية على العموم١، يلزم للأوتار الصوتية بعض الزمن لتتمكن من اتخاذ الوضع الذي يسمح بالذبذبة، سواء أكان ذلك في أثناء الحبس لإجهار الساكن أو بعد الانفجار مباشرة لإنتاج الحركة. وفي أغلب الأحيان يحدث تأخر طفيف، نقص في التنسيق بين الانفجار وبين وضع الذبذبات الحنجرية في حالة المسير. الفرق الأساسي بين الانفجاريات الألمانية والفرنسية يقوم على أن الذبذبات الحنجرية في الألمانية تنتج في وقت متأخر عنه في الفرنسية. وهذا سبب آخر يجعل الفرنسيين عندما يسمعون ألمانيا ينطق با، دا، جا ba, da, ga يفسرونها على أنها با، تا، كا pa, ta, ka لأن الساكن مجهور في الفرنسية منذ بدء الانحباس، وفي الألمانية الجزء الأول من الساكن مهموس، لأن الجهر لا يبدأ إلا بعد الانحباس بوقت محسوس.
النطق مع فتح الحنجرة يجر إلى نتيجة أخرى. فطوال مدة الانفجار لا يكف الهواء المدفوع من الرئتين عن التراكم في الفم، إذ لا شيء يعترض طريقه عند طرف القصبة، بينما في حالة النطق مع انغلاق الحنجرة تعترض شفتا الحنجرة خروج الهواء ولو جزئيا. وينتج عن ذلك أن الهواء يخرج من الفم عند الانفجار بعنف في حالة النطق مع انفتاح الحنجرة، لأنه في حالة النطق مع انغلاق الحنجرة تقوم الحنجرة في صورة ما بدور اللطف لتيار الهواء. ويكون عنف الهواء من القوة بحيث نسمع عادة عند الانفجار تلك الضوضاء المميزة لخروج الهواء والتي
стр. 60
تسمى بالشهيق "aspiration" وما هي إلا تسمية خاطئة. هذا ولما كان وضع الذبذبات الحنجرية في حالة السير على نحو ما رأينا يقع متأخرا قليلا بالنسبة للحركة التالية، فإنه تنقضي مسافة زمنية طويلة أو قصيرة لا تكون الحركة خلالها قد وجدت بعد، بينما يكون الساكن قد انتهى. هذه المسافة يشغلها الشهيق بطبيعة الحال، فنحصل في نهاية الأمر على ساكن يسمى بالمنفس، فبدل الباء p, والتاء t والكاف k تنطق به ph وته th وكه kh. من السهل أن يسمع هذا التخالف من فم ألماني من الجنوب إذا طلب منه أن ينطق العبارات التالية: le pave de paris, une tasse de the, un carreau du casse.
نحن بعيدون في هذا السرد عن استيفاء جميع الاحتمالات التي للأصوات اللغوية فإننا لم نعن حتى الآن بالأصوات اللغوية الناتجة من زفر النفس. ولكن هناك أيضا الأصوات اللغوية المسماة بالشهيقية. يمكننا من الوجهة النظرية أن نأخذ جميع أصوات القائمة السابقة ونتصور أنها أنتجت بواسطة الشهيق، وعندئذ يتضاعف عددها. هذا وإن عبارة التشهيق أو المشهقة عبارة غير صالحة، لأنه ليس في إنتاج الأصوات اللغوية التي نحن بصددها وإدخال للهواء في القناة التنفسية، فهذه الأصوات تقوم على حركة من المص، وتسمى لذلك أصوات المصمصة١ "CLICS".
الأصوات اللغوية المشهقة أو أصوات المصمصة نادرة الاستعمال. ويؤكد بعضهم أن بعض لغات إفريقية تستعملها بصورة عادية. ولكنها غير موجودة في النظام الصوتي للغات الهندية الأوروبية. وإنما تقابل هنا وهناك من باب المصادفة المحضة. ومما ثبت أن نشوء الباء P في آخر الأفعال المسندة لجمع المتكلم في لغة أهل بريتانيا الفرنسية جاء من حدوث مصمصة CLIC "مثل KAROMP" "نحب"، من karom٢. وهذه حالة استثنائية في لغات أوربا الحديثة.
وعلى العكس من ذلك تستخدم المصمصات في كل اللغات لإحداث حالات
стр. 61
التعجب. فالفرنسية تستخدم تاء t مشهقة للتعبير عن الشك أو لإثارة الانتباه، وتشهق تاء "t" من أصل الأسنان للدلالة على الإعجاب أو الدهشة، وتشهيق الفاء يعبر أحيانا عن رضا النهم وأحيانا أخرى عن الإحساس بجهد أو ألم حاد قصير، وكلمة oui "نعم" تنطق بالتنفيس إذا كانت تعبر عن الشك أو المجاملة، وكذلك الحال في كلمة "لا" non إذا نطق بها بصوت منخفض وفي غير اكتراث.
стр. 62
الفصل الثاني: النظام الصوتي وتغييراته
عدد الأصوات اللغوية الممكنة يكاد يمتاد إلى ما لا نهاية. وليس هناك من آلة موسيقية تساوي الجهاز الإنساني في تنوع الأصوات التي يصدرها. ولكن اللغات بعيدة عن أن تستعمل في وقت واحد جميع المصادر التي في حوزة الكلام. وعلى العكس من ذلك فإن الأصوات المستعملة في كل لغة محدودة العدد.
لسنا في حاجة إلى العقول بأننا لا نستطيع إحصاء الأصوات المستعملة في لغة ما بعد الحروف الموجودة في أبجديتها. فكل لغة فيها من الأصوات أكثر مما في كتابتها من العلامات. تلك حال الفرنسية والإيطالية والإنجليزية والألمانية. ومع ذلك فإن عدد الأصوات في أية لغة لا يكاد يتعدى الستين عادة، بل يمكن أن ينزل عن ذلك نزولا محسوسا.
هذا الرقم ليس مما يشير الدهشة، فإنه يفسر بداهة بتنوع الأصوات في الجهاز الإنساني، تلك الأصوات التي لا يمكن استعمال عدد كبير منها في لغة واحدة دون أن تسبب مشقة لمن يتكلمها هذا إلى أن من بين الأصوات الممكنة ما يستبعد بعضه بعضا بسبب تكوين أعضاء النطق.
في كل لغة ترتبط الأصوات بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، فهي تكون نظاما متجانسا مغلقا تنسجم أجزاؤها كلها فيما بينها، هذه هي أول قاعدة من قواعد الصوتيات، وهي ذات أهمية قصوى، لأنها تثبات أن اللغة لا تتكون من أصوات منعزلة، بل من نظام من الأصوات.
أولئك الذين يمارسون لغات أجنبية يشعرون جيدا بوجود نظام لغوي خاص بكل لغة. وعندما ينتقلون من إحداها إلى الأخرى لا يشغلون أنفسهم، لحظة النطق بكل كلمة، بوضع أعضائهم الوضع الذي يناسب الأصوات المكونة لهذه
стр. 63
الكلمة، وإلا لتعذر عليهم الكلام بسلاسة تعذار تاما: بل يكف في اللحظة التي ينتقلون فيها من لغة إلى أخرى أن يزودوا أعضاءهم بنوع من التوجيه العام مرة واحدة. وإذا كانت اللغة التي يتكلمونها أليفة لهم، حصل في أعضائهم بصورة غير شعورية، نوع من التحول يجعل جميع الأصوات الصادرة تصدر على طريقة اللغة الجديدة. فمثل المتكلم بعدة لغات مثل لاعب الهرمونيوم الذي يستطيع بنقله للمشط أن يخلع على جميع الأصوات التي يخرجها قيمة خاصة. ويحس هذا الانتقال من التعب الذي يعانيه الإنسان بعد أن يتكلم شطرا من الزمن لغة لما يعتد التكلم بها تمام. لأن الأعضاء تكون قد فسرت على أوضاع جديدة تستلزم جهودا عضلية جديدة أيضا. وإذا طالت هذه الممارسة التي تفرضها عليها فإنها تعجل بإتعاب هذه الأعضاء. وأولئك الذين يودون محاكاة نطق أجنبي في كلامهم بلغتهم هم، يعرفون كذلك أنه يكفيهم الحصول على الأثر المطلوب بما يمكن أن يسمى بالتحول الصوتي؛ فما دام هذا التحول قد وقع فعلا أمكن قراءة صفحة من الفرنسية وقد بدا عليها طابع النطق الإنجليزي أو الألماني. وجود النظام الصوتي نتيجة لقانون من التوازن، إذ ينشأ بين جميع الأعضاء التي تتعاون على التصويت نوع من الاتفاق الذي بمقتضاه يميل كل واحد منها بالوضع الذي يتخذه إلى أن ينسجم مع أوضاع الأعضاء الأخرى. بل إن الاتفاق لا يقتصر على وضع الأعضاء، وإنما يتعداه إلى الاتفاق العضلي، فبعض الأصوات مثلا يلزم لنطقها نفس أكثر مما يلزم للأخرى، أو يتطلب مجهودا أعظم من حركات الأعضاء الصوتية. هذا إلى فروق الكمية ترتبط بها عادة فروق طابعية.
في الفرنسية تختلف الفتحة "a" والضمة التي ترسم "o" في الطابع بوجه عام حسب اختلافهما في الطول والقصر: فلنلاحظ مثلا اختلاف النطق بين patte, pate وبين cotte, cote؛ وبين sotte و saute إلخ ... ويوجد في الألمانية فرق مشابه بين الـe القصيرة والـe الطويلة، وبين الـo القصيرة والـo الطويلة: هكذا في Reh, stehen في مقابلة retten, stelle أو في Boden sohn في مقابلة Kommen و Gott إلخ. ويجري الحال على هذا المنوال في كثير من اللغات.
стр. 64
النظام الصوتي يعيد كل البعد من أن يكون ثابتا طوال تطور لغة من اللغات. ويستطيع الإنسان أن يفهم ذلك بسهولة إذا فكر في الصورة التي ينتقل بها وفي الشروط التي تمسك عليه توازنه.
يستقر النظام اللغوي في السنين الأولى من العمر. ويظل سليما طول الحياة، إذا صرفنا النظر عن الحوادث العرضية التي قد تصيب الأعضاء. ولكن تحصيل اللغة لا يقع دفعة واحدة. ففي أثناء هذه السنين الأولى التي لها أهمية عظمى في نشوء الكلام يختزن الطفل يوما بيوم وبشكل مستمر الكلمات التي يجتهد في إبرازها كما حفظها. فليست الأصوات هي التي يتعلم النطق بها، بل يتعلمه بالكلمات أو بمجموعات من الكلمات. وإذن يجب على أعضائه أن تخضع للنطق بتراكيب من الأصوات قد تكون في بعض الأحيان على درجة كبيرة من التعقيد. وقلما يصل إلى الصواب من أول خطوة، بل عليه أن يراجع الكرة مرارا مصححا نطقه على نطق الأشخاص الذي يكلمونه حتى يعتقد أنه قد وصل تماما إلى محاكاة ما سمع. والصورة التي يتخذها نهائيا في ختام تعلمه هي التي تكون نظامه الصوتي، وهو بقيمة على تحسسات متتابعة واستبعاد للأصوات التي التقطها في صورة خاطئة وبما يكسب أعضاءه من مرونة قصد الوصول إلى نطق كامل١. بعد ذلك يتم له تنفيذ الحركات في صورة آلية. فهناك ذاكرة للأعضاء يمكن أن تقارن بذاكرة أصابع لاعب البيانو التي تنتقل بين الأزرة بصورة آلية كلما وقعت عينه على النغمات المسجلة فوق الصحيفة.
انتقال النطق من جيل إلى جيل غير متصل، بمعنى أن الطفل مضطر إلى حفظ كل شيء. وأغلب الظن أن استعدادات الطفل الموروثة تلعب دروها في هذا التعلم. ولكن يمكننا أن نقدر دون عناء العوارض التي يمكن أن تعرض لسلامة النطق في كل جيل. فمن النادر جدا أن يكون نظام الطفل الصوتي بعد أن تنتهي مرحلة التعليم مماثلا تماما لنظام والديه. بل إن من علماء الصوت من يذهب إلى أن ذلك لا يقع مطلقا.
стр. 65
في هذا اللعب بالحركات المعقدة الذي يكون النظام الصوتي، قد يحدث لأحد الأعضاء أن يبالغ أو أن يقصر في أداء عمله ولو بقدر ضئيل، أو قد يعرض لعضلة شيء من التراخي أو الإبطاء في إخراج إحدى الحركات، أو قد يعرض لها على العكس من ذلك زيادة في القوة أو السرعة. ومن ثم يجيء الاختلاف في النظام الصوتي بين جيلين متتابعين. هذا الاختلاف قد يضؤل وقد لا يثير لدى السماع أي تغير محسوس، ومع ذلك فهو خطير النتائج لأنه لا يبشر بشيء أقل من انقطاع التوازن في النظام. هذا إلى أن الاختلاف قد يلحظ بوضوح في بعض الأحيان: الطفل ينطق مختلفا عن أبوبه، فيحل سلسلة جديدة من الأصوات محل السلسلة التي كان يملكها أبواه. وهكذا نرى الطفل الذي يضغط بطرف لسانه على قمة أصول الأسنان بدلا من الضغط على الأسنان نفسها يصدر سلسلة الأسنانيات الإنجليزية ت t ود d بدلا من السلسلة الفرنسية.
هذا النوع من التغير الصوتي يقدم لنا عدة صفات على جانب من الأهمية. فهو أولا غير شعوري. فالطفل الذي يتقدم لسانه إلى مدى بعيد أو إلى حد غير كاف لا يلتفت إلى ما يقع فيه من إسراف أو نقص. يعتقد أنه يقوم بنفس الحركات التي يقوم بها أبواه مع أنه يخالفهما. فعدم شعورية التغيير هو الذي يفسر لنا استمرار لأن الطفل قد يسعى إلى تصحيح خطئه لو أنه شعر به.
يزيد على هذا أن التغير مطلق، ومعنى ذلك أنه يتحقق في سورة تامة لا مرد منها، فليست المسألة خلقا اختياريا يضيف إلى النظام عنصرا جديدا، بل إنها مسألة تحول في عنصر موجود. هذا التحول يفترض أن الطفل قد عجز عن تكرار الصوت المسموع تكرارا مضبوطا. بل إنه لما يلفت النظر أن الصوت الذي استبدله به غيره يصير أشق الأصوات الغريبة على النظام وأعسرها على من يريد النطق به. وليس أصعب على فرنسي اليوم من نطق اللام المائعة بعد أن فقدوا هذا النطق.
وأخيرا فالتغير مطرد، بمعنى أنه يتم في اتجاه محدد بالتغيرات السابقة. هذا الطابع يفسر بطبيعة العناصر التي يقوم عليها توازن النظام. يوجد في كل نظام
стр. 66
صوتي عناصر غالبة تسود غيرها. فيمكن دائما، إذا أريد وصف نظام للهجة ما، إرجاع كل تفاصيل هذه اللهجة إلى بضع قواعد عامة من وضع اللسان وشدة النفس والمجهود العضلي ... إلخ. هذه القواعد العامة ذات قيمة مؤقتة ما دام النظام الصوتي يتغير إن قليلا وإن كثيرا من سن إلى أخرى، ولكنها ما دامت موجودة فإنها تكون أساس اللغة وكأنها بمثابة هيكلها العظمى. فإذا ما نظرنا إليها باعتبار توالي العصور رأينا أنها تنبيء عن اتجاهات اللغة. ومن هنا نلاحظ، إذا فهمنا حالات اللغة التاريخية المتتابعة، أن التغيرات التي تبدو في حالات اللغة المتأخرة كانت توجد أجنة في حالاتها السابقة.
المثال الكلاسيكي الذي يذكر عادة لاطراد التغيرات الصوتية هو "الاستبدال المباشر للسواكن" في الجرمانية، ذلك الذي يسميه الألمان Lautverschiebung١ وتلاحظ هذه الظاهرة في لغات أخرى غير الجرمانية مثل الأرمينية والأوسية٢ وتنحصر نقطة البدء في هذا الحذف في الفرق بين النطق مع إغلاق الحنجرة والنطق مع فتحها "انظر ص٥٨".
إذا اعتاد شعب على النطق مع الفتح الحنجرة كما يفعل الجرمانيون، تعرضت الانفجاريات المجهورة والمهموسة لسلسلة من التغيرات ناجمة عن التأخر في وضع الذبذبات الحنجرية في حالة الحركة "انظر ص٥٩" فمن جهة لما كان تذبذب الأوتار الصوتية لا يبدأ بعد الحبس مباشرة في مجموعه مثل با ba أو دا da، صار جزء من الساكن مهموسا، سواء أكان هذا الجزء صغيرا أم كبيرا. وأخيرا ينتهي هذا الميل بتحويل المجهور كله إلى مهموس. ومن جهة أخرى في مجموعة مثل تا ta وبا pa، يوجد بين انفجار الانفجاري وإنتاج الفتحة التي تليه وقت طويلا أكان
стр. 67
أم قصيرا. ولكن الانفجار يترك الهواء حرية المرور. ومن هنا يجيء الميل الطبيعي نحو نحول الانفجاري إلى تنفي أو حتى إلى احتكاكي انفجاري إذا كان الانفجار على درجة شديدة من الحدة ولم تستطع الأعضاء أن ترجع مباشرة إلى وضعها في حالة الاستراحة رغم اندفاع الهواء المفاجيء باحثا عن سبيل للخروج. وعندئذ يتحول النطق إلى تها Tha، بها pha أو إلى تسا tsa وبفا pfa؛ والمآل الطبيعي للتنفسية والانفجارية الاحتكاكية أن تصير الاحتكاكية "فا وثا" إذا كان دفع الهواء يجعل الانفجار غير تام.
كلتا العمليتين اللتين عرضناهما الآن تلعبان دورا كبيرا في تاريخ اللغات الجرمانية، فبهما يجب أن تفسر كون الانفجاريات المجهورة في الهندية الأوربية يقابلها دائما مهموسات في الجرماني المشترك "في القوطية skapajn "يشكل" itan "يأكل"، وفي الألمانية العليا القديمة malken "يحلب" وذلك في مقابلة الكلمات اللاتينية "mulgeo, edo, scabo", والانفجارية المهموسة تقابلها دائما احتكاكية، "في القوطية hilfan "يسرق"، thahan "يسكت" في مقابلة الإغريقية xyerw واللاتينية taceo". هذان وحدهما هما النوعان من أنواع الإبدال المباشر المميزان للجرمانية١. لكن الاحتكاكي الناتج من الانفجاري المهموس لا يكون مهموسا دائما، فهناك حالات يكون فيها مجهورا. وقد بين العالم اللغوي الدنمركي فرنر٢ verner، أنه لا يكون مجهورا إلا في الكلمات التي لا يكون فيها المقطع التالي منبورا في الهندية الأوربية.
الواقع أن عددا من الاتجاهات الأخرى قد وجدت فاختلطت بأثر الإبدال المباشر. منها مثلا ذلك الاتجاه الذي يظهر في بعض اللغات الأخرى ويعمل على أن تصير الاحتكاكية المهموسة مجهورة إذاوقعت بين حركتين "اكتشاف فرنر لا يضيف إلى ذلك إلا بعض التصحيح". ومنها ذلك الذي ينحصر في أن
стр. 68
الاحتكاكيات المجهورة تقاوم الضعف الذي يصيبها وذلك بفضل استدراك المتكلم، فتصير انفجارية مجهورة. والحالة الثانية قد وقعت في الألمانية، فالكلمات الانجليزية thin "رفيع" و thumb "إبهام" أو thorn" "شوكة" يقابلها في الألمانية الكلمات Dorn, Daumen, dunn التي كانت تبدأ باحتكاكي قبل أن يصير انفجاريا. ولكن هذا التطور يظهر في أوضح صورة في حالة الأصوات الأسنانية، بل إنه يمتد في شكل مبعثر خارج الميدان الألماني "في الانجليزية Gold "ذهب" wild "متوحش" في مقابلة gulth و wiltheis في القوطية". في هذا الميدان يلاحظ أن نفس التطور موجود بالنسبة لبعض الاحتكاكيات الأخرى١: ففي بعض اللهجات نرى الفاء w تصير باء b إذا كانت في أول الكلمة "bas بدلا من was أو beil بدلا من weil" أو الـJ تصير g إذا وقعت بعد الراء r ferge "قائد طيارة، دليل"، scherge "جاويش"، وهما مشتقتان من الكلمتين القديمتين Scerjo و verjo".
هذه الأمثلة ترينا أنه لا ينبغي أن نعزو إلى مبدأ واحد جميع التغيرات التي طرأت على السواكن الألمانية. ولكن مما تجدر ملاحظته أن الاتجاه العام الذي يظهر في حالات الإبدال منذ ما قبل التاريخ يظل خلال جميع التقلبات الناتجة من ظروف خاصة، محسوس الأثر في تاريخ اللغات الجرمانية بأسره: فمثلا بعد أن أتمت الألمانية العليا القديمة حوالي القرن السادس بعد الميلاد إبدالا مباشرا في الساكن للمرة الثانية، ونرى الألمانية الحديثة -في الأقاليم الجنوبية على الأقل- تمهد لإبدال ثالث، وهناك إبدال جديد في سبيل التحقق في مكان آخر من هذا الميدان، أعنى اللغة الدنمركية٢.
ظاهرة مثل ظاهرة الإبدال المباشر في السواكن، وهي من خير الأمثلة على الإطراد والاستمرار، ترينا في عين الوقت أن التغير الصوتي يمكن أن يمتد على مجموعة من السكان هامة في غالب الأحيان، فلا يكفي إذن لتقويم طبيعة تغير من التغيرات
стр. 69
أن نقارن نطق طفل بنطق أبويه، يعني أن نعتبر فردا واحدا منعزلا في كل جيل. لأن التغير الوحيد الذي يعتبر في عين العالم اللغوي هو التغير الذي يظهر في كلام مجموعة من الأفراد.
التغيرات اللغوية تنتج على وجه الخصوص في الانتقال من جيل إلى جيل آخر. ولكن لا بد من التفرقة بين التغيرات الفردية والتغيرات المشتركة بين جميع الأطفال في نفس الجيل. فقد يحدث أن أحد الأطفال لا يستطيع النطق ببعض الأصوات نتيجة لاستعداد خبيث موروث، أي أن يكون عنده بعبارة أخرى نقص في النطق. هذه الحالات من النقص الفردي، في غالب الأحيان، لا تعنى غير الطبيب. وغاية ما يعني العالم اللغوي من أمرها أنه قد يستدل بها على اتجاهات اللغة. فأحيانا لا تكون هذه الأنواع من النقص في الواقع إلا مبالغة في ميل طبيعي. وفي هذه الحال يكون شأنها الأعراض من حيث إنها تعلن عن نقط الضعف في النظام، فهي ترينا في أي مكان تنهار المقاومة وفي أي اتجاه تهدد بعض الاتجاهات الجديدة أن تجر إليها اللغة. ولكن هذه الحال تتطلب من العالم اللغوي أشد الحذر ويمكن بوجه عام أن تتركه خارج دائرة البحث، فللتعرف على وجود أي اتجاه يجب أن تشمل الدراسة أكثر من فرد.
ساد شطرا طويلا من الزمن الاعتقاد بأن كل تغير صوتي إنما يصدر عن الفرد وأنه لم يكن إلا تغيرا فرديا ثم عمم. وهذا إدراك للأشياء غير صحيح. فليس في وسع أن فرد أن يفرض على جيرانه نطقا تنبو عنه فطرتهم، وليس هناك من قسر جدير بتعميم تغير صوتي. فلأجل أن يصير تغير ما قاعدة لمجموعة اجتماعية، يجب أن يكون لدى كل أفراد هذه المجموعة ميل طبيعي لتحقيقه من تلقاء أنفسهم١. بل إن سلطان المحاكاة نفسه لا يقدر هنا على شيء. فإن النطق الشاذ لا يجلب أتباعا لصاحبه، بل لا يجلب له بوجه عام إلا السخرية منه.
قد يعترض معترض بتأثير الجدة ذلك التأثير الذي لا يمكن إنكاره في بعض الحالات. فكلنا نعرف أن المجتمع الراقي في عهد حكومة الديركتوار كان يعمد
стр. 70
إلى عدم النطق بالراء محاكاة لآل بوهارنية الذين كانوا لا ينطقون بهذا الحرف لعادة المولدين Creoles: وقد أدى ذلك إلى "بدعة الأنكوبابل" Les incroyables التي لم تستمر إلا وقتا قصيرا، ولم يبق منها إلا بعض الأساطير في الرسومات وكتب الأقاصيص. وقد عرف العالم القديم بدعا مماثلة. فألسبياد كان من عادته أن ينطق الراء لاما "أرسطوفان، الزنايير، ص٤٤ و٤٦"، فظن ابنه من الخير أن يحاكيه "أرشيبوس Archippos ونقل عنه بلو تارك plutarque في حياة ألسبياد، ص٤١". ويتهكم كاتول catulle على روماني معاصر له، اسمه Arrius، كان ينفس حرف c في اللغة اللاتينية، محاكاة اللإغريق، فيقول chommoda بالشين بدلا من commoda بالكاف.
هذه حالات استثنائية، إذا فسرت تفسيرا لائقا أثبتت صحة القاعدة إذ يلاحظ أن هذه التغيرات الصوتية لم تنته إلى نتيجة. فقد استمر الرومان على نطق الحرف c انفجاريا، وتاريخ حرف c في اللغات الرومانية لا يبدو فيه أي اضطراب من جراء البدعة التي مثلها أريوس. بل ظل النطق الشاذ لهذا المتحذلق غريبا على النظام الصوتي عند اللاتينيين نعم لقد كان من الممكن أن يستمر في بعض الكلمات المنعزلة وقتا طويلا أو قصيرا. ولكن المسألة في هذه الحال لا تكون مسألة صوتيات بل مسألة مفردات. هذا إلى أنه يجوز لنا أن نتساءل إذا لم تكن الهواية التي يسخر منها كاتول إنما هي في الواقع مسألة مفردات لا أكثر من ذلك. إذ يبعد عن الاحتمال أن يكون أريوس قد غير جميع الـC "ك" في لسانه إلى CH "ش"، أي أن يكون قد أبدل نطقا من نطق بطريقة منظمة: بل لعله أحل الشين CH مكان الكاف C في بضع كلمات ليخلع عليها طابعا إغريقيا.
مختلف عن ذلك حالة الأنكوبابل الذين أدخلوا في الفرنسية العادية، فرنسية باريس، عادة نطقية من لهجة فرنسية أخرى، هي لهجة المولدين في جزيرة المرتنيك. وإذن فإبعاد الراء من الفرنسية يبدو حينئذ مطابقا لاتجاه عام في اللغة.
стр. 71
على الأقل فيما يخص الراء الحلقية التي تتميز بها فرنسية باريس. واليوم نرى هذه الراء لا تحس إلا بقدر ضئيل في بعض الأوضاع، إذا جاءت بعد ساكن في نهاية الكلمة أو وقعت بين حركتين. ولعلها كانت قد اختفت من اللغة الفرنسية لولا تأثير المدرسة والكتابة التقليدية. والراء الإنجليزية التي من أصول الأسنان في طريق الاختفاء أيضا وإن كانت من مخرج آخر: فكثير من الإنجليز لا ينطقونها اليوم، وإن كانوا لا يعرفون ذلك.
جرت العادة في علم اللغة على أن يطلق على التغيرات الصوتية باسم القوانين١، مثل تلك التي تسمي قوانين "جريم GRIMM" المتعلقة بالإبدال المباشر في السواكن الجرمانية. ومن ذلك يستطيع المرءؤ أن يكون فكرة عن القيمة التي يجب أن تعطي لكلمة "قانون" هنا.
وهناك جملة ظلت شهيرة، تعلن أن "القوانين الصوتية تسير في صورة عمياء، وبحتمية عمياء "Die Lautgesetze wirkenblind, mitblinder Notwendigkeit٢".
هذه الجملة التي أثارت في حينها مناقشات حادة لا تثير اليوم سوى الابتسام وأقل ما يقال فيها أنها جريئة، إذ تضفي على القانون الصوتي سلطة لا مبرر لها.
فالقانون الصوتي لا يمارس حدثا وليس "ضروريا" بالمعنى العلمي للمصطلح. وكلمة "قانون" وقد استعملت هنا على ضلال، هي التي جرت إلى الخطأ.
يسن القانون ليهيمن على أعمال الإنسان، ومن ثم كان فعله متجها نحو
стр. 72
المستقبل: فقانون العقوبات يصفي حساب الجناة، والقانون المدني يملي على المواطنين مسلكهم. لذلك كان من الاتساع المسيء أن أطلقت كلمة قانون على الحقائق الطبيعية الناتجة من الاختبار، كما في الطبيعة أو في الكيمياء. والذي ساعد على هذا الاتساع أن العلاقات التي يكشف عنها الاختبار في هذه العلوم بين الظواهر المختلفة هي علاقات دائمة، حتى ليبدو كأن القانون، وهو تعبير مجرد عن هذه العلاقات، سابق على الاختبار وإن كان من الواقع متأخرا عنه. ولكن من إساءة الاستعمال في اللغة على كل حال أن تضفي على القانون صفة الإلزام.
إن القوانين الصوتية لا تشبه حتى قوانين الطبيعة والكيمياء. فالذي يجمع بين حالين متتابعين في لغة واحدة إنما هو رباط تخلقه وليس رباطا طبيعيا، لذلك لا يمكن أن نعرف مقدما كيف يتطور هذا الصوت أو ذاك، لأنه يوجد دائما في تطور الأصوات عدد يكثر أو يقل من العوامل غير المنظورة التي تنتج أثرها. ومع ذلك فالقانوني الصوتي، بوصفه تعبيرا عن تغير وقع في الماضي، له صفة الإطلاق، هذه الصفة نتيجة لانسجام النظام الصوتي واطراد التغيرات "انظر ص٦٥". ولما كان التغير لا ينحصر في كلمة منعزلة، بل في آلية النطق نفسها، فإن جميع الكلمات التي تتبع آلية واحدة في النطق تتغير بنفس الصورة. هنا مبدأ القوانين اللغوية بأسره، وهذه القوانين ليست إلا عبارات تلخص هذه العمليات، وإلا قواعد من الارتباطات.
بواسطة القوانين الصوتية يمكننا أن نصوغ في بضع عبارات تاريخ الأصوات في لغة من اللغات أو أن نكشف عن سر التغيرات التي أصابتها. وإذا عرفت من اللغة كلمة يبرر القانون صيغتها، عرفت مقدما صيغة جميع الكلمات الأخرى التي تقع تحت طائلة هذا القانون. وإذا كان هناك لهجتان صادرتان عن لغة واحدة تبعا لقوانين خاصة، فإذن مظهرهما الصوتي يستبين بمعرفة هذه القوانين. وإذا عرف أن الألمانية قد أبدلت الـz "تس" من الـt "ت" القديمة الواقعة في أول الكلمة والتي احتفظت الإنجليزية بها، أمكن تفسير zahre في مقابلة tear "دمعة" ولكنا نفهم أيضا المقابلة التي بين zehn و ten "عشرة" وبين zwingen "يقسر"
стр. 73
و twinge "يضغط"، وبين zunge و tongue "لسان" إلخ. فالواحدة من هذه الكلمات تنبئ عن الأخرى. وقد حدث لبعض علماء اللغة أحيانا أن يبنوا باديء ذي بديء صيغة لكلمة غير موجودة، ثم وجدوا لها فيما بعد ما يبررها باكتشاف نص جديد. فالقوانين اللغوية أساس كل عمل يمس الاشتقاق. والاشتقاقي الذي يسقطها من حسابه يضيع وقته عبثا.
من السهل أيضا إثبات ما يمكن أن تقدم هذه القوانين من خدمات في دراسة اللغات الأجنبية. إذ يمكن في تعلم لغة جديدة، أن نحصل على مساعدة قيمة من معرفة قواعد الصلات التي بين هذه اللغة الجديدة واللغات التي نعرفها من قبل. وهكذا إذا عرفت أن الإسبانية تبدل من الفاء "f" اللاتينية هاء "h" عندما تكون في أول الكلمة، فإني أعرف مقدما أن hacer هي في الفرنسية faire "يعمل" و harina هي "farine دقيق" و heno هي foin "دريس" hierro هي fer "حديد و hijo" هي fils "ابن" و hoja هي feuille "ورقة" و humo هي fumee "دخان"، إلخ. وهناك في مثل هذه الأحوال نوع من الحس يقود الذاكرة بل يستعاض به عنها عند الحاجة في العثور على صيغة الكلمة مع شيء من ضمان صحتها. ومع ذلك فمجال الخطأ موجود. بل هنالك من أخطاء الكلام ما هو ناجم من تطبيق القوانين الصوتية تطبيقا خاطئا أو مبالغا فيه "من ذلك حالات المبالغة اللهجية أو المبالغة المدنية التي سنتكلم عنها فيا أواخر هذا الفصل". ففي الحالة السالفة الذكر يخطيء الإنسان إذا أراد أن يبني باديء ذي بدء اسم النار "feu" بالإسبانية اعتمادا على الصيغ المقابلة لها في اللاتينية focus والإيطالية fuoco والفرنسية feu لأن الصيغة الحقيقية هي fuego وليست huego ذلك بأن انتقال الفاء F المبدئية إلى هاء h لا يقع في الإسبانية قبل حرف u إذا تلته حركة. واللهجات الفسقونية تذهب في هذا الصدد إلى أبعد مما تذهب إليه الإسبانية فتقول في Feu "نار" huek محققة انتقال الفاء F المبدئية إلى هاء h في جميع الأوضاع١.
стр. 74
أول ما تجب العناية به على العالم اللغوي أن يحدد بالضبط شروط تطبيق القانون ومدى انتشاره في المكان والزمان.
الواقع أن التغيرات الصوتية محدودة بالزمان: فما دام التغير قد أصاب جميع الكلمات التي تقع تحت طائلته، يصبح القانون الذي يفسره وكأنه قد نسخ. ويمكن للغة أن تخلق مركبات صوتية جديدة مشابهة كل الشبه للمركبات التي كان التغير يعمل فيها سابقا. هذه المركبات تبقي دون تغير، فيقال إنها لم تعدل واقعة تحت سلطة القانون. وهكذا يوجد في كل اللغات مزدوجات، تمثل كلمات من منبع واحد دخلت اللغة في حقب مختلفة، وتعرف أقدمها بكونها أكثر تشوبها، فهي قد عانت فعل التغيرات الصوتية التي توقفت عن العمل في التاريخ الذي دخلت فيه الأخرى. فعندنا في الفرنسية avoue١ و avocat "محام" وكذلك Loval "وفي" و Legale "مشروع قانونا" ويرجع كل زوج منهما إلى أصل لاتيني واحد. وعندما دخلت الكلمة الثانية من كل زوج منهما في اللغة الفرنسية، وكان دخولها بطريق يخالف دخول الأولى، كانت التغيرات الصوتية التي أثرت في الأولى قد كفت عن العمل منذ زمن طويل.
وقد يحدث لبعض القوانين الخاصة بالعلاقات المقررة بين بعض اللغات أن تصير في حالة نقص بسبب استعارات محدثة. ففي الألمانية تقابل السين المضعفة ss التاء البسيطة أو المضعفة في الإنجليزية إذا كانت داخل الكلمة: فكلمة besser "أحسن" تقابل better "أحسن"، كما تقابل كلمة wasser "ماء" كلمة water. ولكنا نجد اللغتين تعبران عن كلمة زيد بلفظ واحد هو butter كما نجد في الألمانية messe وفي الإنجليزية mass "عيد" في الكلمتين "lammas, christmas" وكل حالة من الحالتين تناقض القانون الصوتي السالف الذكر في اجاه مخالف. ذلك أن butter و Messe" mass" مستعارتان من اللاتينية.
стр. 75
وحتى لو أننا حاولنا أن نعمل حساب الشروط التي تحرر طاقة القوانين الصوتية ومدى انتشارها وتسمح بتفسير الحالات التي ظاهرها الشذوذ على أنها أحداث طبيعية، فإننا لا ننجح دائما في تجنب جميع الصعاب، لأن منها ما هو لاصق بالطريقة نفسها. ولأن القانون الصوتي من جهة أخرى لا يعطينا إلا معلومات ناقصة عن طبيعة التغير الذي يسجل نتيجته، وليس هو بعد كل هذا إلا حلا وسطا يلخص عمليات مختلفة معقدة.
يجب في التغيرات الصوتية أن تميز تلك التي تحدث بالاستبدال من تلك التي تحدث بالتطور. فهناك تطور عندما يتحول صوت إلى صوت من تلقاء نفسه بطريق التجديد الطبيعي. ففي فرنسية الإبل دي فرانس١، نرى الـ"e" اللاتينية "فتحة مماثلة" وهي الطويلة المقفولة قد صارت على التوالي we "وي" ثم wa "تكتب اليوم oi وفقا لرسم قديم أصبح منذ القرن الثالث عشر لا يمثل النطق تمثيلا صحيحا". فنحن ننطق lwa "لوا و rwa وروا و pwar بوار" و lwar "لوار" الكلمات التي تكتب loi "قانون" و roi "ملك" و poire "كمثرى" و loir "حيوان قارض". هذا هو النطق الطبيعي في باريس. فإذا سمع هذا النطق في لهجات بعض الأقاليم النائية، فذلك ناشيء في غالب الأحيان استعارة من كلام باريس وليس تجديدا طبيعيا في هذه اللهجات. وبرهان تلك الحقيقة موجود في ذاك الكلام نفسه الذي لا يزال يحتفظ بنطقه الطبيعي في صورة أقدم عهدا أو في كلمات خاصة متفرقة: فمثلا قد نسمع في إحدى لهجات الريف. un ler "لير" بدلا من loir "لوار" إلى جانب كلمة une poire "بوار". فنطقه. "بوار" على هذا النحو من عمل المحاكاة، يعني الاستعارة٢.
أهمية الاستعارة فيما يتعلق بالتغيرات الصوتية تتجلى في تكوين جميع اللغات الأدبية. فمن عمل الاستعارة ما نراه في لهجة ألمانيا الشمالية من استبدال أي ai