← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهذا من الشعر التعليميّ الذي لا ينبيء عن خيال عميق؛ لأن الحكمة نظم للحقائق المجردة، والحقيقة المجردة منتزعة من صميم الوجود، وقائل الحكمة السائرة عالم بطباع الناس, يضع العالم أمام ناظريه, ويشرف عليه من علٍ، وكأنه ينظر في كفه فيستقري الحوادث والطباع، ثم ينطق بالحكمة تصلح لكل زمان ومكان، من أمثال ما نظم المتنبي وغيره من فحول الشعراء، وأين منهم عبد الله فكري في مواعظه المدرسية هذه؟ على أنها تعد من خير شعره وأسلسه وأوضحه. ومن شعره، وربما كان فيه من الشاعرية، لصراحته وتصويره نفسية امرأة فرنجية تتجر بعرضها, وتتهافت على المال، وما حدث له معها: وهيفاء من آل الفرنج حجابها ... على طالبي معروفها في الهوى سهل تعلقها، لا في هواها مراقب ... يخاف ولا فيها على عاشق بخل إذا أبصرت من ضرب باريز قطعة ... من الأصفر الإبريز زل بها النعل فلما تعرضنا الحديث تعرضت ... لوصل ومن أمثالها يطلب الوصل فرحت بها في حيث لا عين عائن ... ترانا، ولا بعل هناك ولا أصل وبت ولي سكران من خمر لحظها ... وراح ثناياها، ومن خدها نقل وقمت ولم أعلم بما تحت ثوبها ... وإن كان شيطاني له بيننا دخل ومن خير شعره قوله: أنسيت ليلتنا وقد خلص الهوى ... منا، وحبل الوصل وهو متين بتنا على فرش العفاف وبيننا ... نجوى ترق لها الصفا وتلين ومن أحسن شعره قصيدته التي يعتذر فيها للخديو توفيق، ويتنصل من اشتراكه في الثورة، ويطلب إرجاع راتبه المقطوع، وإن كانت معانيها مما يخطر لكل شاعر وليس فيها جديد، وهي تنبيء عن تلك الروح الذليلة التي تمثلت في كبار رجال الدولة إبّان عصور الظلم: كتابي توجه وجهة الساحة الكبرى ... وكبر إذا وافيت واجتنب الكبرا وقف خاضعًا واستوهب الإذن والتمس ... قبولًا وقبل سدة الباب لي عشرا

стр. 142

وفيها يقول: مليكي ومولاي العزيز وسيدي ... ومن أرتجي آلاء معروفة العمرا لئن كان أقوام عليَّ تقوَّلُوا ... بأمر فقد جاءوا بما زوروا نكرا حلفت بما بين الحطيم وزمزم ... وبالباب والميزاب والكعبة الغرا لما كان لي في الشر باعٌ ولايد ... ولا كنت من يبغي مدى عمره الشرا ولكن محتوم المقادير قد جرى ... بما الله في أم الكتاب له أجرى أتذكر يا مولاي حين تقول لي ... وإني لأرجو أن ستنفعني الذكرى أراك تروم النفع للناس فطرة ... لديك، ولا ترجو لذي نسمة ضرا فعفوًا أبا العباس لا زلت قادرًا ... على الأمر، إن العفو من قادر أحرى أيجمل في دين المروءة أنني ... أكابد في أيامك البؤس والعسرا ولعلنا بعد لك هذا الذي رويناه له, قد أخذنا فكرةً واضحةً عن منزلته بين الشعراء، وقد ذكرنا آنفًا أنه اشتهر بالكتابة، وأنه كاتب أديب أكثر منه شاعر، وشعره في الواقع قليل إذا قيس بما ترك من مقالات ورسائل، وكتب وشروح وغير ذلك. نثره: استطاع عبد الله فكري أن يرتقي بالكتابة الديوانية، وأسلوب الرسائل والمكاتبات إلى منزلة سامية، وأعاد إلى الأذهان عصر رؤساء ديوان الإنشاء في العصور القديمة, واتخذ له خاتمًا ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ ، لأن هذه الآية وافقت سنة ميلاده ١٢٥٠هـ, كما كان لهؤلاء الرؤساء خواتم. وكان له أسلوبان في نثره: أحدهما: وهو الغالب, وبه كتب أكثر رسائله, هو ذلك الأسلوب الذي يحتفي بعبارته، وموسيقاه, ويختار ألفاظه، وبه خيال شعريّ، ومعانٍ دقيقة معارضًا فيه أسلوب القاضي الفاضل، أو بديع الزمان، أو الخوارزمي، أو ابن العبيد، وثانيهما: أسلوبٌ مرسلٌ سهلٌ يجري مجرى الكلام العاديّ, وهو أسلوب الصحافة في عهده, ولكنه قليل فيما ترك من آثار.

стр. 143

ومن الأسلوب الأول قوله من رسالةٍ لصديق، بَيَّنَ فيها أحوال أهل العلم في عصره, منتقدًا هذه الأحوال، متهكمًا بهم في لهجةٍ ساخرةٍ لاذعةٍ، قال: "كتبت والذهن فاتر من وهن الدفاتر، والتبييض والتسويد، والتقييد، والتسديد، والترجمة وكثرتها، والهمة وفترتها، والماهية وقلتها، النفس وذلتها، وراتبي لا يكفي أجرة البيت، ولا يفي ثمن الماء والزيت, وبالأمس وعد الوكيل بالزيادة، واعتذر اليوم بالأصيل على العادة، على أنه لو حصلت زيادة، فلزيد ولعمرو، إلى آخر الزمر، ولله الأمر، أحوال متبددة، ونفوس متبلدة، وأشغال متعددة، وإخوان خُوَّان, وخلان غيلان، ورفاق، وما أجمل الفراق. وقلت: إلام أعاني الصبر والدهر غادر ... وحتى متى أشكو وما لي عاذر ولو أنني أشكو عظائم شدتي ... لميت لرقت لي العظام النواخر وسألت عن فلان وفلان، وهيان بن بيان، ممن ينتسب للعلم وأهله، ويتظاهر بشعار فضله، ولو كان العلم بلحيةٍ تعظم وتطول، وشوارب تحفّ وتستأصل، وعيون على ما بها من غمضٍ ورمضٍ تكحل، وعمامة تعظم حتى ترذل، وطيلسان يلف ويسدل، وكم يوسع ويسبل، وأحاديث خرافة تقص وتنقل، ومحفظة تفعم وتثقل، وسواك يظهر من العمامة نصفه، وكتاب يخرج من الجيب طرفه، ثم بتشدق في الكلام، وبتباله في المرام، وتعسف في الأفهام، وحرص على الحطام، ثم يقول الإنسان: حضرت درس فلان، وسمعت من لفظه باللسان، وقضيت في العلم كذا سنة من الزمان، فهم أعلم من أقلته الغبراء، وأفقه من أظلته الخضراء، وإن كان للعلم غير هذه الآلات، فما لهم سوى هذه الحالات, غاية الأمر أنهم قضوا أرذل العمر في كتب معدودة، وشروح موجودة، وهم يكررونها ولا يدرونها، ويقررونها ولا يحررونها، ويتداولونها ولا يعقلونها، ولو صرف حماري هذا العمر فيها، لأصبح فقيهًا، وأضحى نبيهًا، والذي يظهر مينهم وشينهم, وعلامة ما بيننا وبينهم, أن يؤمر أحدهم برقعةٍ تكتب لحاجة معهودة،

стр. 144

ويمتحن بكتاب غير هذه الكتب المعدودة، فيه بعض كلام العرب وأشعارها، وشيء من وقائعها وأخبارها، فإن كتب فصيحًا, وفهم مليحًا، عرفنا أنه شم عرف العلم وذاق طعم الفهم، وسلمنا إليهم ما يدعون، وتركنا لهم ما يأتون وما يدعون، وإن ارتبك للرقبة، ووقف حمار الشيخ في العقبة، عرفنا حاله وقلنا له: أيها المدعي سليمى سفاهًا ... لست منها ولا قلامة ظفر إنما أنت من سليمى كواو ... ألحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو وقد مررت بالأمس على أحدهم في الدرس، يقرأ القطر لابن هشام، ويلحن لحن العوام، ومررت بالأمس بآخر يدرس الكافي في علمي العروض والقوافي يقرر له: قف على دراهم وابكين ... بين أطلالها والدمن فلا وربك ما أقام له وزنًا، ولا عرف له معنى، مع سهولة مبناه وظهور معناه ... إلخ. ومن هذا النثر المسجوع قوله يصف حديقة: ثم خرجت إلى حجة حالية، أعدت فيها فرش عالية، وأدوات غالية، وسطعت بها روائح الطيب والغالية، وقد أكملت وجوه تحسينها، وأتمت أسباب تزيينها، وهي على حديقة ذات أفنان، وأنواع من الزهور وألوان، وثمرات حسان، وقد فاح الطيب من محاجر أزهارها، وصاح خطيب العندليب على منابر أشجارها: رياض كديباج الخدود نواضر ... وماء كسالسال الرضاب برود فجلست أجيل فيها الظر، أتأمل محسان الروض غب المطرن وأطالع ما رقمه الطل في صحائف الغدارن، وأرى خواتم الزهر حين تسقط من أنامل الأغصان:

стр. 145

من قبل أن تشرف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح ومن ذلك الضرب من النثر الذي يذكرنا بكُتَّاب الإنشاء في الدولة الأيوبية وما قبلها, وفيه بعض القوة والعافية في سجعاتٍ قصيرة الفقرات نوعًا قوله من رسالة: سلام يعبر عن الوداد طيب عبيره، ويخبر عن إخلاص الفؤاد لطف تعبيره، وثناء على محاسن تلك الشمائل، أرق من نسمات الشمائل١، وتحية بهية تباهي الخمائل بنفحات أورادها، وأدعية مرضية جعلتها الألسنة خير أورادها، وسؤال عن المزاج الزاهر, وصحة الخاطر الباهر، لا زلتم محل نعمة يتصل على مدى الأيام بقاؤها، ويزيد على مر الشهور الأعوام بهاؤها، ولابرحت ثغور الإقبال إليكم بواسم، ورياح الآمال لديكم مواسم. وبعد، فإني بي من الأشواق، ما تضعف عن حمله إلى حماكم الأوراق، ومن التأسف على ما حرمته من لقياكم، والتهلف إلى مطالعة محياكم, ما يقصر عن وصفه لسان اليراعة، ويقصر دون وصفه بيان البراعة، ويضيق عنه نطاق العبارة، ولا ينفسح له ميدان الإشارة. ومن رسائله التي تذكرنا بأسلوب العصر العباسيّ الثاني, عصر الصاحب بن عباد, والخوارزمي، وابن العميد قوله معزيًا: يعزُّ عليَّ أن أكاتب سيدي معزيًا، أو ألم به في ملمة مسليًا، ولكنه أمر الله الذي لا يقابل بغير التسليم، وقضاؤه الذي ليس له عدة سوى الصبر الكريم، وقد علم مولاي "أجمل الله صبره, ولا أراه من بعد إلّا ما سرَّه, وشرح صدره" أن الله -جل ثناؤه وتباركت آلاؤه- إذا امتحن عبده فصبر, آجره وعوضه بكرمه، كما أنه إذا أنعم عليه فشكر زاده، وضاعف له نعمه، وقد عرف من حال سيدي في الشكر على السراء، ما يستوجب المزيد منها، والظن بحزمه وعلمه أن يكون حاله في الصبر على الضراء ما يستجلب الأجر والتعويض عنها.

стр. 146

قد استعمل عبد الله باشا فكري الأسلوب المسجوع في كل بابٍ وغرضٍ، حتى في التقارير الفنية، والمنشورات العامة و"الفرمانات" فمن ذلك صورة "الفرمان" الآتي بتنصيب محافظ: "صدر هذا الفرمان المطاع، الواجب له القبول والاتباع، خطابًا إلى الحكام والعلماء، والقضاة والأعيان، والوجوه والعمد ومشايخ البلدان، وعموم الأهالي المتوطنين محافظة كذا بجهات السودان، ليكون معلومًا لديكم بوصول هذا المنشور إليكم، أنه قد نصَّت إرادتنا تنصيب فلان محافظًا عليكم، لما توسمناه فيه من الدراية, والاستعداد والسلوك في طرق الرشاد، وبذل الهمة في أمور المصلحة ومزيد الاجتهاد ... إلخ". ومن هذه النماذج المتقدمة نرى أن هذا الأسلوب على ما به من سجعٍ، فإنه سهلٌ متين العبارة، تقل فيه المحسنات المتعمدة، ويطرق أغراضًا متعددة؛ منها: الديواني البحت، ومنها: ما يستعمل فيه الشعر, وقد أفاد هذا الأسلوب الكُتَّاب من بعده، وصار لهم قدوةً ولكنه أخر تخلص النثر من طريقة هذه المدرسة الديوانية حتى أوائل عصرنا الحاضر؛ لأن أرباب هذا الأسلوب شغلوا المناصب الرفيعة, فظن الشادون في الأدب أنهم لو قلدوهم لوصلوا إلى ما وصلوا إليه، فتمسكوا بأسلوبهم أمدًا غير يسير, والحق أن الغرض الأدبيّ المهم يحتاج إلى عبارةٍٍ خاصةٍ يحتفي بها الكاتب بعض الاحتفاء، ويضعها في قالب جميل تناسب الغرض الذي قيلت فيه، حتى لا تذهب بنفاسة الموضوع تفاهة العبارة، وتجويد العبارة محبوب مرغوب فيه على شريطة ألّا يضحي بالمعنى من أجل لفظة, أو سجعة, أو محسنٍ خاصّ. ولقد استطاع عبد الله فكري أن يسترد بأسلوبه هذا للغة العربية مكانتها التي فقدتها عدة قرون، وأن يزيح التركية من أمامها، ويثبت قدميها في الدواوين, وفي لغة الرسائل، واضحة، أدبية، جذابة. أجل! لم يكن عبد الله فكري من هؤلاء الذين طرقوا موضوعات جديدة في كتاباتهم، بل استخدموا مقدرتهم البلاغية في الأغراض القديمة من تعزية وتهنئة، ووصف ومدح, واعتذار وعتاب، ومنشورات على لسان الأمير، وتقارير عن مهمات وكلت إليهم، وغير ذلك من الأغراض المطروقة، ولم يكن للأفكار الجديدة، ولا

стр. 147

للأغراض القومية أي تأثير عليه، وقد زاد نفوذ الأجانب، وقامت الثورة العرابية، ونكبت مصر بالاحتلال، ولم يسمع له كلمة تعبر عن هذه الأحداث، ولم يتألم لألم وطنه وذلته, كما تألم الشدياق، وأديب إسحاق، وعبد الله النديم، وجمال الأفغاني, وغيرهم، وما ذلك إلّا لأنه كان مثال الموظف الديوانيّ المخلص، البعيد عن الاشتغال بالمسائل العامة، والأمور الهامة. ومن الأسلوب المرسل الذي تأثر فيه رجال الصحافة لعهده، ولا سيما أسلوب الجوائب, قوله من رسالة بعث بها إلى المرحوم عبد الله أبي السعود صاحب جريدة "وادي النيل": "قد كنت وعدت فيما حررته سابقًا أني أكاتب حضرتكم بعد بما تيسر على حسب الإمكان، ومساعدة الزمان، والآن أريد أن أخبركم بمحاورة جرت بيني وبين بعض المتورعين من الناس فيما يتعلق بصحيفة "وادي النيل" وكتاب الجغرافية المطبوع في وريقاتها, وذلك أني رأيته ينكر على حضرتكم بعض المباحث المندرجة في ذلك الكتاب؛ ككون الأرض كرة، والقبة السماوية متخيلة، وما قيل في كيفية الكسوف والخسوف, ونحو ذلك، بعد اعتراف منه بأن الكتاب المذكور كتابٌ مناسب في موضوع مهم تدعو إليه الحاجة لمعرفة مواقع البلاد ومحالها, وأقسام الأرض وأحوالها، فإن هذا لا تنكر مزيته وفائدته في السياحة والتجارة وأمور التمدن والحضارة، فقلت له: قد علمت أن منشيء "وادي النيل" ليس مؤلف الكتاب المذكور، وإنما هو مترجم له، والمترجم ناقل ليس عليه عهدة ما ينقله، وإنما يلزمه صحة النقل، وتوفية حق الأداء على صحته، ولا يلزمه ما يترتب على الأصل المنقول عنه من نقدٍ ومؤاخذةٍ بعد عزوه لأصله، ونسبته إلى قائله، فلو سلم أن جميع تلك المباحث مما ينكر, فما عليه شيء من ذلك، فقد قالوا: إن ناقل الكفر ليس بكافر ... إلخ١ وهي رسالة طويلة تقع فيما يقرب من عشرين صفحة. ومن نثره المرسل كذلك قوله في تقريرٍ عن رحلته إلى استوكهلم؛ حيث حضر مؤتمر المستشرقين:

стр. 148

"ثم أشير إلي فقمت، وأنشدت قصدةً كنت أعددتها لذلك بعد ارتحالنا من باريس, فأتممتها في الطريق، وبيضتها في استوكهلم، فابتدأت أقول: اليوم أسفر للعلوم نهار ... وبدت لشمس نهارها أنوار ومضيت فيها إلى آخرها، وصفق الناس لكل من خطب، وبالجملة لي لما أتممت الإنشاد، وخاطبني أناس منهم باستحسنانها في اليوم، وحضر كاتب المؤتمر على أثر الفراغ منها, وساورني يطلب نسختها، فأخذها في الحفلة، وخطب بعد ذلك أناس منهم "المسيو شفر" وافد فرنسا، وكانت هذه الحفلة خاصة بعد ذلك ليس في تقديم موضوعات علمية ... إلخ". على أن عبد الله فكري لم يكثر من هذا الأسلوب المرسل، وإنما كان من غواة النثر المسجوع، وهو بأسلوبه يمثل دورًا هامًّا مرَّ فيه النثر العربيّ من مرحلة الغثاثة والركاكة, إلى مرحلة القوة وتوخي الفصاحة وقواعد اللغة، بل والتأنق في الأسلوب، ولم يذهب تقليده لرؤساء ديوان الإنشاء في القديم بشخصيته وطابعه، بل لا يزال يعطينا صورةً عن عصره، ولم يأسره حب البديع ومحسناته, فيذهب بمعانيه بإغراقه فيه. آثاره: وتوفي سنة ١٨٩٠، وله عدة مؤلفات منها: المقامة الفكرية في المملكة الباطنية، المطبوعة سنة ١٢٨٩هـ، ومنها الفوائد الفكرية، وشرح بديعية محمود صفوت الساعاتي، ومنها جزء من شرح ديوان حسان بن ثابت، وكتاب "نظم اللآل في الحكم والأمثال" وكتاب "آثار الأفكار ومنثور الأزهار" طبع منه تسع ملازم بروض المدراس"، ومنها الفصول الفكرية للمكاتب المصرية، ورسالته التي كتبها في المقارنة بين الوراد في نصوص الشرع, والمقرر في علم الهيئة الفلكية، وغير ذلك من المراسلات والمقالات، وله أيضًا "إرشاد الألبا إلى محاسن أوربا" وقد أتمه ولده أمين بعد وفاته, وقد جمعت معظم آثاره في كتاب الآثار الفكرية، وترجم له في أوله المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده.

стр. 149

هذا وقد كان لعبد الله فكري عناية برواية الحديث, وله طرق عديدة وأسانيد سديدة١. ٥ - السيد عبد الله الألوسي٢: ولد في بغداد من أسرة مشهورة بالعلم سنة ١٢٤٨هـ-١٨٣٢م، وتلقى العلم على والده، فعرف شيئًا من النحو ورويّ الشعر، وقرأ القرآن، والتفسير, والحديث, وغير ذلك من العلوم التي كانت تدرس في المساجد، والتي لا تزال تدرس في الأزهر حتى اليوم في الكتب الموروثة٣. ولم نترجم للسيد الألوسي، لأنه أديب نابغة، أو شاعر ملهم، وإنما لنعطي صورة عن الأدب في البلاد العربية إبَّان هذه الفترة التي نتحدث عنها، حتى نصدر حكمًا صائبًا عن الأدب العربيّ وتطوره، وأنه لم يكن في بلدٍ أحسن منه في أخرى، وأن النهضة أخذت تدب فيه شيئًا فشيئًا. لم يعمر السيد عبد الله طويلًا، فقد مات سنة ١٢٩١هـ-١٨٧٤م, عن ثلاثة وأربعين عامًا، وقد قضى هذه السنين القصيرة عليلًا سقيمًا، واشتغل بالتدريس حقبةً في بغداد، واشتهر بحسن إلقائه، وتوضيحه لعويص المشكلات العلمية، ولكن الحياة لم تكن ميسرةً له، فمن أسرة كبيرة العدد، وصحة سقيمة، وإلى فقر وعدم تقدير، فعزم على الرحلة، وباع كل ما يملك، ويمم صوب الآستانة، ولكنه لم يصل؛ لأن قطاع الطرق سلبوه كل عتاده، وتركوه عاريًا في الصحراء، ولولا أن الله مَنَّ عليه بمن التقطه وأرجعه إلى بغداد, لقضى جوعًا وعريًا، ورجع صفر الكف من زاد الدنيا، ولم يكن ممن يجيدون التزلف والملق, فساءت حاله, وطالما عرض عليه القضاء قبل هذا فكان يرفضه ورعًا وزهدًا، بيد أنه الضائقة أحرجته, فاضطر إلى قبوله, وتولَّى قضاء البصرة سنتين ثم مات.

стр. 150

وقد ترك عدة مؤلفاتٍ في علوم اللغة، وله شعرٌ لطيفٌ ومقالات أدبية جمعها ابنه السيد محمود شكري الألوسي، فوقعت في مائة صفحة، ومن نثره يصف مطرًا شديدًا متواليًا، وفيضان نهر دجلة، وهذا النثر يمثل مدرسة الصنعة والسجع والتكلف، أو انتزاع الاستعارات وحشدها ركامًا عجيبًا، وهو دون عبد الله فكري منزلةً ولا ريب من حيث الأسلوب، والفكرة، وتنوع الموضوعات, قال من رسالة بعث بها لأخويه يصف هذا المطر: " ... إنه "المطر" عند غروب شمس الأربعاء، تنفس بفم الشوق الصعداء، ورمى بوجه الأرض حصى من كف السماء، فناداه الليل -وقد تحقق أن الدائرة على الأرض- وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وحاك الدوي بمكوك الريح من سدى البخار ولحمته شققًا سودًا، وصبغها الليل فكانت ظلماتٍ بعضها فوق بعض, وطنَّبها خيمة على أكتاف العراق في الطول والعرض، واشتد الريح والظلام, وشرع جنى الليل يخوف صبي النهار, كلما أحس منه بقيام، حتى سلَّ الفجر قرضًا به الأبيض من غمده الأسود، وأغمد الليل قامة الجوزاء، بعد أن كان بها على النهار يتهدد"١. ٦- حسين بيهم٢: ولد مسين ببيروت سنة ١٢٤٩هـ ١٨١٣م، وأخذ من العلم المعروف في عصره قسطًا غير قليل، ثم انقطع للتجارة، ولكن حنينه إلى العلم جذبه إليه ثانيةً فنال شهرةً, وتولى عدة مناصب كبيرة؛ كنظارة الخارجية, ورئاسة الأحكام العدلية، ومثَّلَ بلاده في مجلس النواب التركيّ مدةً، ولما عاد ترك الوظائف وتفرغ للأدب، ومن آثاره رواية أدبية وطنية مثلت مرارًا، وقرظها الأدباء, وشعره لا يتميز عن مدرسة أبي النصر والليثي، وقد وفيناه نعتًا عند الكلام عليهما, ومن ذلك قوله يؤرخ إنشاء "التلغراف" في بيروت:

стр. 151

لله در السلك قد أدهشت ... عقولنا لما على الجو ساق فأعجب الكون بتأريخه ... شبيه برق أو شبيه البراق "١٢٧٧" وقال مشطرًا: وإذا العناية لاحظتك عيونها ... وحباكها من فضله الرحمن ناداك طائر يمنها وسعودها ... نم فالمخاوف كلهن أمان واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... واملك بها الغبراء فهي سنان واصعد بها العلياء فهي معارج ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان وقال يعزي صديقًا بفقد ماله: لقد غمنا والله والصحب كلهم ... مصابٌ دهاكم بالقضا حكم قادر كأن شرارًا منه طار لأرضنا ... فأحرق أحشاء الورى بالتطاير ولكننا قلنا مقالة عاقل ... يسلم للباري بكل المظاهر إذا سلمت هام الرجال من الردى ... فما المال إلّا مثل قص الأظافر فكن مثل ظن الناس فيك مقابلًا ... لذا الخطب بالصبر الجميل المصابر ولا تأسفن إذا ضاع مال ومقتنى ... فربك يا ذا الحزم أعظم جابر وإن حياة المرء رأس لماله ... سلامته تعلو جميع الخسائر وهو شعر بادي الضعف، كثير العوار، لا يحتاج منا وقفة أو نقدًا.

стр. 152

الفصل الرابع: بعث الشعر العربي مدخل ... مَرَّ الشعر العربيُّ منذ عهد امرىء القيس إلى عصر البارودي في أطوار مختلفة: كان في الجاهلية وصدر الإسلام شعر الفطرة والسليقة المنبعثة عن الشعور والإلهام، تَعْرِضُ الحادثةُ أو المنظر للشاعر فينفعل ويتأثر، يلهج لسانه بما يختلج في فؤاده، وقد ينبعث من طيات ضميره لا بوحيً خارجيٍّ، هو في كلتا الحالتين لا يعمد إلى تنميق أو تزويق، أو يعتمد لفظًا بعينه، وإنما اللغة ملك يمينه وطوع لسانه، وكأنها بمفرداتها الزاخرة، ومعانيها المتباينة موضوعة في كفِّه يختار منها ما يكفي لأداء المعاني التي تتجاوب في خاطره، وكثيرًا ما يعمد إلى هذا الأداء بأوجز لفظٍ وأمتنه, دون إسهابٍ أو حشوٍ، ولا سيما إذا كان شاعرًا فحلًا طويل الباع في فن الشعر، وله درايةٌ بوجوه تصريف الكلام، ولذلك جاء الشعر العربيّ القديم صورة صادقة لمن قالوه، ولأمر ما قال نقاده منذ القرن الثاني: "الشعر ديوان العرب", ولم يكن العربيّ الأول يعمد إلى الخيال المجنح الذي يخلق الصور, ويغوص وراء المعاني في أعماق الفكر، وإنما يصور إحساسه وشعوره دون تزيد أو نقصان، ودون فلسفة أو منطق، وقد كان دستورهم في ذلك قول أحدهم: وإنَّ أحسنَ بيتٍ أنت قائلُه ... بيتٌ يقالُ إذا أنشدته صدقا وكأن الشعر العربيّ حينذاك بيت مشيد بالحجارة المتينة العارية عن الزخرف والطلاء، ويروعك بسذاجته وشموخه ومتانته، وفي السذاجة جمال الفطرة. ثم أخذ العرب بنصيبٍ غير قليلٍ من حضارة الأمم التي فتحوا بلادها، وألفوا أنواعًا من العيش، وألوانًا من الحياة ونظام الحكم، لم يعرفوها من قبل، شاهدوا مناظر جديدةً اختمرت في عقولهم زمنًا، واطلعوا على ثقافاتٍ متباينةٍ؛ من يونانية, وفارسية, وهندية, ونبطية, وما شاكل هذا، وكان من الطبيعيّ أن يتأثروا بكل ذلك, كنا ننتظر أن يتطور الشعر العربيّ تطورًا جديدًا, خليقًا بهذا الانقلاب الكبير في حياة الأمة العربية، وأن يحتذي العرب حذو الإغريق مثلًا في ملاحمهم وقصصهم ومسرحياتهم, ولكن ما طرأ على الشعر العربيّ لم يعد الشكل الظاهريّ، وظل البناء القديم، والقالب الموروث تصب فيه المعاني في العصر

стр. 153

العباسيّ, كما كانت تصب في العصر الجاهليّ والإسلاميّ الأول. أجل! لقد رقَّ الخيال ولطف، وتولدت المعاني وابتكرت، وتناول الشعر ألوانًا جديدةً لم يقل فيها السابقون، ولكن ظل البيت الذي شاده الجاهليون، والطريق الذي سلكوه في التعبير عن شعورهم هو المثل الأعلى لشعر العصر العباسيّ, بيد أن مقتضيات الحضارة دعت الشعراء أن يؤثثوا هذا البيت الذي ورثوه عن أسلافهم، فحشدوا فيه أنماطًا شتَّى من المعاني العميقة, والأخيلة البعيدة, والفلسفات والحكم، وكثيرًا من صور الحياة في عصرهم، وابتدءوا مع هذا يدخلون شيئًا من الزخرفة بقدر، وكانت زخرفةً منسجمةً مع الرياش والأثاث, وبدأ الشعر العربيّ في عنفوان قوته وازدهاره وغناه. ثم خلف من بعدهم خلف أضافوا إلى هذا القصر الفاخر كثيرًا من الحلى والزخارف، وكان الضعف ابتدأ يتسرب إلى البناء، ويدب فيه الوهن، وعجز الشعراء عن مجارة الأقدمين في متانة عباراتهم، وتملكهم زمام اللغة، وعجزوا عن مجاراة المولدين في معانيهم العميقة، وأخيلتهم الجميلة، فأكثروا من الزخرف والزينة ليستروا بهما الضعف الشائن، وكانوا على شيءٍ من الإلمام باللغة, وبالأساليب الصحيحة, فلم يستعجم قولهم، وظلَّ في الشعر ذماء يحفظ عليه حياته، وبقي البناء في مجموعة سليمًا. ثم أخذ البناء يتداعى بضعف الأمة العربية، وخضوعها للأعاجم الذين لا يقدرون هذا التراث الجميل، ولا يعرفون لسان أهله, ولا هَمَّ لهم إلّا ابتزاز الأموال من الشعوب المظلومة, دون مقابلٍ من علمٍ أو صحةٍ أو غنًى، فتفشى الجهل، وساد الظلم، واستعجم الشعراء ولحنوا لحنًا فاحشًا، وكانوا أبعد الناس عن الأساليب الصحيحة، والمعاني الواضحة، والشعور السليم، وخانتهم الأداة المعبرة، وأصبح همهم النظم لا روح فيه, ولا معنى له، والذي يساق في عبارةٍ ركيكةٍ غَثَّةٍ، وفي حشدٍ زاخرٍ من الزينات والمحسنات لتستر عواره, وقد كان الشعر يلفظ أنفاسه الأخيرة عيًّا ومرضًا حين ابتدأ العصر الحديث. ابتدأت النهضة الشاملة منذ عصر محمد علي، وقد رأيت شيئًا من معالمها، ورأيت كيف كان الشعر يرتدد بين المرض والعافية، فيصحّ أحيانًا, وينتكس أحيانًا كثيرة, والنهضة سائرةٌ في طريقها في عهد إسماعيل، واللغة يدب فيها شيء منالقوة، والمطابع تدفع بالكتب الأدبية القديمة، والمدارس تبدد سدف الجهل والظلام، والصحافة تكشف الطريق، وتزيل ما به من أوضار وعوائق، ولكن الشعر ظلَّ على حاله من الضعف, لم يقف على قدميه بعد، وكان مُكَبَّلًا بقيودٍ ثقيلة، تحت أنقاض هذا البناء المشمخر الذي تداعى أيام الانحلال. وشاء الله أن يبعث من ينهضه من كبوته، ويقيله من عثرته، ويلقي بهذه الآفات والأوضار بعيدًا، ويعيد للبناء قوته ومجده، وزخرفته الطبيعية الجذابة دفعةً واحدةً، كأنما هي عصا ساحر, قلبت الميت حيًّا, والضعيف قويًّا، والمعدم ثريًّا, كان هذا على يد إمام النهضة الشعرية الحديثة في العالم العربيّ:

стр. 154

محمود البارودي: ١٢٥٥هـ-١٣٢٢هـ، ١٨٣م-١٩٠٤م: حياته: محمود سامي الباردوي, من أسرة جركسية ذات جاهٍ ونسب قديم١، وتنتمي إلى حكام مصر المماليك، وكان البارودي يعرف هذا النسب ويعتز به. أنا من معشر كرام على الدهر ... أفادوه عزةً وصلاحًا عمرو الأرض مدة ثم زالوا ... مثلما زالت القرون اجتياحًا ويقول: نماني إلى العلياء فرع تأثلت ... أرومته في المجد، وافترَّ سعده وحسب الفتى مجدًا إذا طلب العلا ... بما كان أوصاه أبوه وجده

стр. 155

وتيتَّمَ محمود البارودي صغيرًا، وهو في السابعة من عمره، فحُرِمَ بذلك حنان الأب ورعايته، وتلقَّى دروسه الأولى في البيت حتى بلغ الثانية عشرة، ثم التحق بالمدرسة الحربية مع أمثاله من الجراكسة، والترك، وأبناء الطبقة الحاكمة, وتخرَّج في المدرسة الحربية سنة ١٨٥٤, وهو في السادسة عشرة من عمره, في عهد عباس الأول، وكان من المعوقين للنهضة كما مَرَّ بنا، وقد خمدت في عهده روح الحماسة التي شبها محمد علي في الجيش, بل سَرَّحَ معظمه، وقفرت ميادين القتال من ألوية مصر، ولم يكن عهد سعيد أحسن حالًا من عهد عباس، فلم يجد البارودي -كمالم يجد زملاؤه- عملًا يعملونه, أما هم: فقد طاب لهم عيش الرخاء والدعة, وسَرَّهم البعد عن ميادين القتال، ولكنه أحسَّ دونهم بألم ممضٍّ؛ إذ لم يشترك في حربٍ كما اشترك آباؤه، كم كان يود أن يحقق عن طريق الجندية والجيش آمالًا ضخمةً، وأمانيّ عريضة, ودفعه هذا الأمل إلى العوض عن المعارك الحقيقة بمعارك موصوفةٍ مدونةٍ في صحفات التاريخ, فعكف على كتب الأقدمين يلتهمها التهامًا. وكانت ملكة الشعر كامنة في حنايا فؤاده, فراقه من التراث الأدبي شعر الحماسة والفخر، ووصف ميادين القتال، وأعمال الأبطال، ورأى في هذا الأدب تصويرًا للحياة كلها؛ حلوها ومرها, من غزل وفكاهة وحكمة ورثاء, وكل ما يخطر ببال الناس، فازداد شغفه به وحرصه على حفظه وتدوينه، وتحركت نفسه لقول الشعر فقَلَّدَ فحول الشعراء في أروع قصائدهم، وهل على مثله مِنْ بأسٍ أو عارٍ إذا هو قال الشعر؟ إذا وهم هذا معاصروه من أبناء طبقته لجهلهم وخمود قريحتهم ولتقالديهم الموروثة، ولهوان شعراء زمانهم, وضعة شأنهم, فإن البارودي كان على ذكر من أنَّ أمراء كثيرين قبله، أعرق نسبًا، قد برزوا في الشعر العربيّ وسطروا تاريخهم في سجل الخلود، كامرئ القيس، وابن المعتز، والشريف الرضيّ، وأبي فراس, وأضرابهم, فلِمَ لا يكون مثل هؤلاء؟ ولم لا يرتفع بالشعر إلى منزلتهم؟ لن يكون مدَّاحًا متملقًا، أو نديمًا منافقًا، ولكنه سيقول في أغراض شريفة تليق به وبمكانته.

стр. 156

الشعر زين المرء ما لم يكن ... وسيلة للمدح والذام قد طالما عزَّ به معشر ... وربما أزرى بأقوام فاجعله ما ئشت من حكمة ... أوعظة أو حسب نام واهتف به من قبل تسريحه ... فالسهم منسوب إلى الرامي وقدعرف فيما عرف من أدب العرب منزلةَ الشعرِ وعبَّر عنها بعد بقوله: صحائف لم تزل تتلى بألسنة ... للدهر في كل ناد منه معمور يزهى بها كل سام في أرومته ... ويتقي البأس منها كل مغمور فكم بها رسخت أركان مملكة ... وكم بها خمدت أنفاس مغرور والشعر ديوان أخلاق يلوح به ... ما خطه الفكر من بحث وتنقير كم شاد مجدًا، وكم أودى بمنقبة ... رفعًا وخفضًا بمرجوٍّ ومحذور هكذا رأى البارودي الشعر، وما كان له أن يعرض عنه، ولو حاول ما استطاع وفيه طبع شاعر، وقد ملك أداته اللغوية المعبرة. تكلمت كالماضين قبلي بما جرت ... به عادة الإنسان أن يتكلما فلا يعتمدني بالإساءة غافل ... فلابد لابن الأيك أن يترنما فهو مطبوع على قول الشعر مثله في ذلك مثل الهزار أو البلبل، ينطق كلاهما بالغناء فطرةً وجبِّلَّةً، ولكن مصر ضاقت به, أو ضاق بها؛ حيث لم يجد غنية لدى الدولة تحقق آماله، فسافر إلى الآستانة مقر الخلافة، والتحق بوزارة الخارجية، وهناك تعلم التركية والفارسية وتعلم آدابهما, وحفظ كثيرًا من أشعارهما، ودعته سليقته الشاعرة فقال بالتركية وبالفارسية كما قال بالعربية, ومع ذلك لم يهجر لسانه الأول, ولما سافر إسماعيل إلى الآستانة بعد أن تولى أريكة مصر سنة ١٨٦٣؛ ليقدِّمَ أي: الشكر على توليته, ألحق البارودي بحاشيته، ورأى فيه ما لم يره في غيره, فرجع به إلى مصر.

стр. 157

وابتدأ إسماعيل نهضته بعد عودته، مترسمًا خطا جده، وأعاد للجيش مكانته، ووجد البارودي المجال أمامه فسيحًا، فظل يرقى في مناصب الجيش، وفي فرسان الحرس الخاصِّ حتى وصل إلى رتبة "قائمقام" وتحقق له مناه بالاشتراك في معارك جزيرة "كريت" حين ثارت على الدولة, فأسهم إسماعيل بجيشه في إخماد الثورة, وقد فتنت الباردوي مناظر الجزيرة ومناظر المعارك، فسجَّل ذلك كله في شعره، وسمع الناس نغمًا جديدًا في الشعر لم يألفوه منذ عهدٍ طويل، وأخذوا يتطلعون في لفهةٍ وشوقٍ إلى المزيد من هذا النفس العالي، ومن هذا الطراز الجديد في الشعر١. وتقلب البارودي في مناصب الدولة، وكان ذا حظوةٍ لدى إسماعيل، فاتخذه كاتم سره، وسافر في رحلتين سياسيتين إلى الآستانة في مهمةٍ خاصَّةٍ، ومكث اثنتي عشرة سنة بجوار إسماعيل، يرى نشاطه الجم في إحياء مصر وإنهاضها, ويشاركه في عمله المجيد، وفي سنة ١٨٧٨ أعلنت روسيا الحرب على تركيا، وأرسل إسماعيل جيشًا يعاون الخليفة في حربه مع عدوه، وسافر البارودي مع الجيش، وأبلى في المعارك بلاءً حسنًا، فأُنْعِمَ عليه عليه برتبة "اللواء" وبأوسمة عدة. وكان في ميدان القتال، والمناظر الخلابة، والعالم الذي رآه ما ألهب شاعريته، فوصف المعارك والناس والمناظر بشعر أخَّاذٍ بلغ الذورة في الوصف، وأخذ يهتف باسم مصر، ويحنُّ إلى الأهل والوطن، فانبعث منه الشعر قويًّا مليئًا بالحياة. مولاي قد طال مرير النوى ... فكل يوم مرّ بي ألف عامٍ يقتبل الصبح ويمضي الدجى ... وينقضي النور ويأتي الظلام ولا كتاب من حبيب أتى ... ولا أخو صدق يرد السلام من خلفنا البحر وتلقاءنا ... سواد جيش مكفهر لهام ويقول في قصيدة أخرى: هو البين حتى لا سلام ولا رد ... ولا نظرةً يقضي بها حقه الوجد

стр. 158

ومنها يقول: ولكنَّ إخوانًا بمصر ورفقة ... نسوا عهدنا حتى كأن لم يكن عهد أحن لهم شوقًا على أن دوننا ... مهامه تعيا دون أقربها الربد فيا ساكني الفسطاط ما بال كتبنا ... ثوت عندكم شهرًا وليس لها رد أفي الحق أنا ذاكرون لعهدكم ... وأنتم علينا ليس يعطفكم ود فلا تحسبوني غافلًا عن ودادكم ... رويدًا فما في مهجتي حجر صلد هو الحب لا يثنيه نأيٌ وربما ... تأجج من مَسِّ الضرام له الند وعاد من حرب البلقان وهو في الأربعين من عمره؛ فعين مديرًا للشرقية، فمحافظا للعاصمة, ثم ساءت أمور مصر أخريات عصر إسماعيل، واضطربت اضطرابًا كبيرًا، وناء الفلاحون بالضرائب الفادحة العديدة، ولنستمع إلى شاهد عيان يصف لنا الهوة التي تردَّى فيها الفلاحون في تلك الحقبة سنة ١٨٧٥؛ حيث يقول: كان من الأمور النادرة في تلك الأيام أن يرى الإنسان شخصًا في الحقول وعلى رأسه عمامة، أو على ظهره شيء أكثر من قميص.. وغَصَّت مدن الأرياف في أيام الأسواق بالنساء اللاتي أتين لبيع ملابسهن وحليهن الفضية للمرابين "الأروام"، لأن جامعي الضرائب كانوا في قراهن والسوط مشهر في أيديهم، فابتعنا مصوغاتهن الزهيدة, وأصغينا إلى قصصهن، واشتركنا معهن في استنزال اللعان على الحكومة التي جعلتهن عرايا، ولم نكن فهمنا وقتئذ -أكثر مما فهمه القرويون أنفسهم- ذلك الضغط الماليّ الآتي من أوروبا، والذي كان السبب الحقيقيّ في هذا الضيق، وعلى ذلك جاريناهم في إلقاء اللوم كله على إسماعيل باشا وإسماعيل صديق, دون أن يخامرنا شكٌّ في أن الإنجليز أيضًا يقع عليهم جانب من اللوم١.

стр. 159

وكانت للامتيازات الأجنبية نصيبٌ كبيرٌ في تدهور الحالة بمصر في تلك الأونة؛ حيث قد أصبحت أداةً ينتفع بها شر الطغاة من الأوربيين, وأشباه الأوربيين من متخرجي الشرق الأدنى، وتجسمت في أخريات عهد إسماعيل, حتى بلغت مداها المخيف، وراح الأوربيّ قناص الغنيمة، وسمسار القروض المرهقة، والإغريقيّ صاحب الخان, ومرتهن الأرزاق، واليهوديّ المراب, ي ومن إليهم ممن يسهل عليهم الاحتماء بإحدى الدول الأوربية, يمتصون الخزانة العامة, والفلاح والفقير, ويقترفون في هذه الجناية ما يستعصي على التصديق١". أما الضرائب التي فرضها إسماعيل على الأرض فقد كانت فوق ما يتصور, حتى لقد بلغت الضريبة على الفدان ما يقرب من ثمنه، فكان من الطبيعيّ أن يترك هؤلاء الفلاحين أرضهم وديارهم, وينسحبوا هاربين عجزًا عن أداء الضرائب, وخوفًا من السياط٢. عدا ثلاثين نوعًا من الضرائب الصغيرة، أضرَّت ضررًا بليغًا بالصناعات والأعمال التجارية والزراعية٣. ناهيك بالسخرة، وما كان يصطحبها من إهانةٍ وأذى وذلة, طوحت بعزة المصريين، وأرهقتهم إرهاقًا شديدًا، حتى جعلت أيام السواد منهم شقاءً وبؤسًا. كانت هذه الأمور من العوامل التي ملأت قلوب المصريين حقدًا وكراهيةً لإسماعيل وحكمه. وزاد الأمور سوءًا أن إنجلترا وفرنسا كانتا تدفعان الحوادث دفعًا نحو التأزم, حتى تتاح لهما الفرصة للتدخل المباشر، وافتراس مصر، ففرضتا على مصر وزارةً فيها وزيران أوربيان برياسة نوبار باشا، "وكانت طبقة الموظفين المسلمين تعده أفاقًا أرمينًا, جمع ثورةً كبيرةً من سمسرته لأصحاب الأموال المستعدين لإعطاء القروض على حساب الجمهور، أما الفلاحون فكانوا يعرفون فيه الرجل الذي أنشأ المحاكم المخطلته التي يمقتونها أشد المقت؛ لاعتقادهم أنها وضعتهم في قبضة المرابين٤".

стр. 160

واشتطت هذه الوزارة في الضرائب وجبايتها، وتأخرت رواتب الموظفين، وعزل الكثيرون منهم، وانقضت سلطة الباقي، وتقرَّرَ فصل عدد كبير من ضباط الجيش, مع أنهم لم يتقاضوا مرتباتهم منذ زمن طويل، فزاد السخط, وقامت مظاهرة من الضباط وطلبة المدرسة الحربية وبعض النواب, في ١٨ من فبراير ١٨٧٩، أمام وزارة المالية, احتجاجًا على هذا الظلم, واعتدوا على نوبار, وعلى الوزير الإنجليزي, وعلى رياض باشا وزير الداخلية، ولم يتفرقوا إلّا بعد أن أطلقت النار، ثم سقط الوزارة، واتهم عرابي بتدبير تلك الثورة, وأبعد عن فرقته١. وتولَّى توفيق ولي العهد الوزارة, واشتد الخلاف بينه وبين مجلس النواب الذي رأى تخفيض الضرائب فأبى، وفي هذه الأونة أُلِّفَ الحزب الوطنيّ، وأصدر لائحةً تتضمن مشروعًا ماليًّا لسداد الديون بكفالة الشعب، وطالب فيها بتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس النواب، ووقَّعَ على هذا البلاغ النواب والعلماء ورؤساء الأديان، وكثير من التجار والموظفين والضباط، ورفعوها إلى إسماعيل, فقبلها على الرغم من احتجاج الوزيرين الأوربيين، ودعا شريف باشا في ٧ من أبريل لتأليف الوزارة على مبادئ اللائحة الوطنية, فكانت فرحة الشعب بهذا النصر عظيمة. وبيد أن إنجلترا وفرنسا قابلتا هذه الوثبة الوطنية بالسخط الشديد, فعملتا على خلع إسماعيل؛ فأقلعت به "المحروسة" إلى نابلي غير مأسوفٍ عليه من المصريين الذين لم ينسوا ما فعله بهم, حتى لقد هموا من قبل بقتله والتخلص منه, فيقول عرابي: "خلع إسماعيل فزال عنا عبء ثقيل، ولكنا لو كنا نحن فعلنا ذلك بأنفسنا لكنا تخلصنا من عائلة محمد علي بأجمعها؛ إذ لم يكن فيها أحد جدير بالحكم سوى سعيد، وقد اقترح جمال الدين على محمد عبده أن يقتل إسماعيل على جسر قصر النيل"٢، ويقول محمد عبده: "وكنت أنا موافقًا الموافقة كلها على قتل إسماعيل، ولكن كان ينقصنا من يقودنا في هذه الحركة، ولو أننا عرفنا عرابيًّا في ذلك الوقت, فربما كان في إمكاننا أن ننظم الحركة معه٢".

стр. 161

وتولى توفيق العرش بدل أبيه، وكان المصريون يعلِّقون عليه آمالًا كبارًا؛ لأنه كان من المعجبين بالسيد جمال الدين الأفغاني وآرائه الإصلاحية، ولكنه ما لبث أن تَنَكَّرَ لهذه المبادئ بعد توليه العرش، وأرجع المراقبة الثنائية، وخاصم الحكم النيابيّ, وحكم البلاد حكمًا مطلقًا، وكان في هذا منفذًا لمشورة الأجانب، مستجيبًا لتدخلهم، فعزَّ ذلك على كثير من رجال مصر، ورأوا لزامًا عليهم أن يضعوا حدًّا لهذا التيار. كان البارودي من المقربين لتوفيق, وولاه وزارة الأوقاف، فأصلح فيها ما وسعه جهده، وكان في الوقت نفسه وطنيًّا متشبعًا بروح الإصلاح, فحار في أمره بين ولائه للعرش، وبين نزعاته الإصلاحية. ثم كانت حركة الجيش، والمطالبة بتولية المصريين المناصب العليا، وقد كانت قبل وقفًا على الجراكسة والأتراك، وكانوا في منتهى الغلظة والقسوة، فثار الجيش في أوائل سنة ١٨٨١، حين أصدر عثمان وفقي الجركسي وزير الحربية أمرًا بعدم ترقية المصريين، وبفصل بعض ضباط المتزعمين فيهم، وانتهى الأمر بعزل عثمان رفقي هذا, وإجابة الجيش إلى ما طلب من إصلاح, وتولية البارودي وزارة الحربية مع الأوقاف، وهدأت الأمور في الظاهر، ولكن الجراكسة كانوا يدبرون مكيدةً للضباط المصريين، وتأزمت الأمور, فكانت مظاهرة عابدين في ٩ من سبتمبر ١٨٨١, يتقدمها "عرابي" وكبار الضباط المصريين، وأطلَّ عليهم توفيق، ومعه وزراؤه وحاشيته وقناصل الدول الأجنبية، وتَقَدَّمَ عرابي إليه بطلبات الجيش والأمة، وهي إسقاط وزارة رياض, وتشكيل مجلس النواب, وزيادة عدد الجيش، وبعد مناقشاتٍ طويلةٍ حادةٍ, تقرر إجابة هذه الطلبات. وكان البارودي وزيرًا للحربية في وزارة رياض، ولما رأى هذا نزعاته الشعبية, وصلته بالوطنيين, دُسَّ عليه لدى توفيق فعزله، ودفعه إلى اعتزال السياسة فترةً من الوقت، فترك القاهرة وجوَّها القلق, وآثر العزلة في الريف, وفي هذا يقول:

стр. 162

صبح مطير، ونسمة عطرة ... وأنفس للصبوح متنظرة فدر بعينييك حيث شئت تجد ... ملكًا كبيرًا وجنة خضرة وخلنا من سياسة درجت ... بين أناس قلوبهم وغره يقضون أيامهم على خطر ... فبئس عقبى السياسة الخطرة خديعة لا يزال صاحبها ... بين هموم وعيشة كدرة فلما سقطت وزارة رياض تحت ضغط الوطنيين عقب مظاهرة عابدين, عاد البارودي وزيرًا للحربية بعد أن ألحَّ عليه توفيق إلحاحًا شديدًا، وانتخب مجلس النواب, وافتتح في ديسمبر ١٨٨١, وهدأت الأمور، وسارت وزارة شريف في طريق الإصلاح، ولكن إنجلترا وفرنسا كانتا كارهتين للهدوء والاستقرار، فما أن أخذ مجلس النواب يناقش المادة التي تخوّل له الحق في تقرير الميزانية, حتى قدمتا مذكرةً تحتجان فيها على ذلك، وقبل شريف هذا الاحتجاج، ورفضه مجلس النواب, فاستقالت وزراة شريف، وتولَّى البارودي رئاسة الوزارة في ٤ من فبراير ١٨٨٢، وكان عرابي وزيرًا للحربية في وزارة البارودي. كان البارودي محبوبًا من الشعب ومن الجيش على السواء، وفرح المصريون بوزارته فرحًا عظيمًا، وأخذ مجلس النواب، فوق إصدار الدستور الذي كان صدوره عيدًا للأدب والتاريخ؛ يبحث عدة مشروعاتٍ لمعالجة غلاء الأسعار, وتعميم التعليم الابتدائي، وإصلاح القضاء, وإنشاء خزان أسوان، ثم انتهت دورته, وتابعت الوزارة حركة الإصلاح في خطًا واسعة، ولكن أنى لها الجوَّ الهادئ وتوفيق واقع تحت سيطرة فرنسا وانجلترا، وهما متربصتان بمصر والمصريين الشر، فانتهزتا فرصة الخلاف بينه وبين الوزارة بسبب مؤامرة الضباط الجراكسة على قتل عرابي وأصحابه، وبالرغم من أن هذا الخلاف قد سُوِّيَ، فقد بدأت سفن الأسطولين الإنجليزيّ والفرنسيّ تصل إلى مياه الإسكندرية، وقدمت الدولتان في ٢٥ من مايو مذكرةًَ جديدةً بضرورة استقالة الوزارة, ونفي عرابي، وتحديد إقامة بعض أصحابه بناءً على اقتراح سلطان "باشا" الذي بدأ من ذلك اليوم يناصر الإنجليز, ويخون قضية بلاده، تلك القضية التي طالما ناصرها، وهكذا وقع في الشرك الذي وقع فيه شريف "باشا" من قبل١.

стр. 163

واجتمع الوزراء، وقرروا رفض المذكرة، ولما قبلها توفيق اضطروا إلى الاستقالة. وهاج الشعب على أثر ذلك, واشتد سخطه, وقدموا احتجاجاتٍ قويةً لتوفيق, يطلبون فيها رفض طلبات إنجلترا وفرنسا, والإبقاء على عرابي في الوزارة، وإذا أبى توفيق عُزِلَ عَزْلًا، واضطر توفيق بعد استشارة "قناصل" الدول الأجنبية إلى الإبقاء على عرابي زيرًا للحربية حفظًا للأمن، وبقيت الوزرات الأخرى شاغرة إلى حين. لما طالب الجيش بعزل توفيق راودت البارودي نفسه ونازعته يومئذ إلى المجد المؤمل، وإلى مكان أجداده المماليك الذين حكموا مصر، فخاض الصورة مع الخائضين، ولكنه رأى بعين فراسته أن التيار شديد، وأن انجلترا وفرنسا تتربصان بمصر الدوائر، وأحسَّ بالخطر, وعلم أن لا قِبَلَ له بمواجهته, فنصح لعرابي وإخوانه وصارحهم برأيه، وحاول الاعتزال في مزراعه، ولكن هيهات، وقد جرى مع الضباط شوطًا بعيدًا، ربط حظه بحظهم، وإن لم تعد له الصدارة كما كان. وفي هذا يقول: نصحت قومي وقلت الحرب مفجعة ... وربما تاح أمر غير مظنون فخالفوني وشبوها مكابرة ... وكان أولى بقومي لو أطاعوني تأتي الأمور على ما ليس في خلد ... ويخطئ الظن في بعض الأحايين حتى إذا لم يعد في الأمر منزعة ... وأصبح الشر أمرًا غير مكنون أجبت إذ هتفوا باسمي ومن شيمي ... صدق الولاء وتحقيق الأظانين وأخفقت الثورة، ونفي مع زملائه إلى "سرنديب" فأقام بها سبعة عشر عامًا وبعض عام، وظلَّ وزملاؤه سبعة أعوام في "كولومبو", ولما دبت بينهم البغضاء، وألقى كم منهم التبعة على زميله، فارقهم البارودي. وفي المنفى قال القصائد الخالدة، يبثها شكواه، ويحن للوطن، ويصف كل ما حوله، ويراسل الأدباء، ويتلهف على ذكر الوطن ويتتبع أخباره، فيرثي من مات من أهله وأحبابه

стр. 164

وأصدقائه، ويتذكر أيام شبابه, وأويقات أنسه, وما آَلَ إليه حاله، ووجد في الشعر عزاءً أيَّ عزاءٍ، وصار أمامه في العالم العربيّ دون منازع، ولكن طول النفي أورثه السقام والعلل، فكُفَّ بصرُه, وضَعُفَ سمعه، ووهن جسمه، ولست أجد أروع ولا أوفى من قوله يصف ما أصابه: كيف لا أندب الشباب؟ وقد ... أصبحت كهلًا في محنةٍ واغتراب أََخْلَقَ الشيبُ جدتي وكساني ... خلعةً منه رَثَّةَ الجلبابِ ولوى شعر حاجبيّ على عيني ... حتى أطلَّ كالهداب لا أرى الشيء حين يسنح إلّا ... كخيالٍ كأنني في ضباب وإذا ما دعيت حرت كأني ... أسمع الصوت من وراء الحجاب كلما رمت نهضة أقعدتني ... ونية ولا تقلها أعصابي لم تدع صولة الحوادث مني ... غير أشلاء همة في ثياب وزاد أمره بؤسًا أن الموت تخطف ابنته وزوجه الأولى وأصحابه، فابتدأ الفناء يدب إليه، هنالك رأى أول الأمر أن يعود المنفيون إلى أوطانهم، وعاد البارودي معهم "أشلاء همة في ثياب" كما يقول، ولكن جاء وفي يمينه سفر الخلود، وهو ذلك الشعر العلويّ، وكان ذلك في سنة ١٩٠٠, واستقبل مصر بقصيدته: أبابل مرأى العين أم هذه مصر؟ ... فإني أرى فيها عيونًا هي السحر واستقبلته مصر بكل حفاوةٍ وترحابٍ، وكانت عودته عيدًا للأدب الرفيع، وصارت داره ندوة يؤمها الأدباء والشعراء القدامى والشادون فيه، يأنسون إليه، ويأنس إليهم، وعكف على تنقيح ديوانه، وحذف ما لا يروق له منه، وتدوين مختاراته وترتيبها، وأخيرًا فاضت روحه إلى بارئها، وأسلم هذه الشعلة المتوهجة في ديسمبر ١٩٠٤م-شوال ١٣٢٢هـ, إلى الأجيال من بعده, يتلقفها كابر عن كابر, وكلهم يذكر فضله ويمجد ذكره؛ لأنه أورثهم شعلة خالدة.

стр. 165

أخلاقه: شبَّ معتدًّا بحسبه ونسبه، وفي عصرٍ ساد فيه جنسه، وتبوأ أبناء جلدته من الجراكسة والأتراك أسمى مناصب الدولة، ثم تزوَّد من فنون الجندية، ونُشِّئَ تنشئةً عسكريةً, فكان لهذه النشأة وهذا الحسب تأثير عميق في أخلاق البارودي، ولكن الزمن قد حوَّرَ في هذه الأخلاق, ومن يدرس شعره دراسة فاحصٍ مدققٍ يستطيع أن يتبين هذا التغيير أو التحوير في أخلاق البارودي, مجاراةً لزمنه, وعادات الناس الذين يخالطهم إن طوعًا وإن كرهًا, بيد أن كثيرًا من صفات الشباب التي اعتدَّ بها لازمته حتى مماته، ولم تتبدل ولم تتأثر بعوامل الزمن، ومحن الناس. كان البارودي في صباه متوثب العزيمة، واسع الآمال, عزوفًا عن الملاهي, يود أن يعتلي ذورة المجد قفزًا: لهج بالحروب لا يألف الخفض ... ولا يصحب الفتاة الرداحا مسعر للوغى أخو غدوات ... تجعل الأرض مأتمًا وصياحا لا يرى عاتبًا على شيم الدهر ... ولا عابثًا ولا مزَّاحا يفعل الفعلة التي تبهر الناس ... وترنو لها العيون طموحا وظلت نغمة المجد تتردد على أسلة لسانه أنشودةً حلوةً، وكان في نفسه شيءٌ يود تحقيقه ويرجو نيله، ويسعى سعيًا حثيثًا، ولكنه لم يصرح به. وبي ظلمأ لم يبلغ الماء ريه ... وفي النفس أمرٌ ليس يدركه الجهد أود، وما ود أمرئ نافعًا له ... وإن كان ذا عقلٍ إذا لم يكن جد وما بي من فقر لدنيا وإنما ... طلاب العلا مجد، وإن كان لي مجد وما أن عضته الحوادث عضةً داميةً، ونكأه الزمان نكأةً قاسية، حتى تطامن في ملطبه وقال: وكن وسطًا، لا مشرئبًّا إلى السها ... ولا قناعًا يبغي التزلف بالصُّغر

стр. 166

وقال: يود الفتى ما لا يكون طماعة ... ولم يدر أن الدهر بالناس قلب ولو علم الإنسان ما فيه نفعه ... لأبصر ما يأتي وما يتجنب ولكنها الأقدار تجري بحكمها ... علينا، وأمر الغيب سر محجب نظن بأنا قادرون وإننا ... نقاد كما قيد الجنيب ونصحب وإذا كان في صباه قد عزف عن النساء جدًّا منه وتزمتًا، وأبى اللهو والمجانة حتى لا ينصرف عن طلب العلا، فإن الشباب والجاه والمال قد غير نظرته إلى الحياة، وبات ذلك الفارس الذي يدل بشبابه وجاهه على الحسان، ويجري وراء اللهو، ويعب الخمر عبًّا، ويتصيد مجالس الأنس والسمر، ويقول: ودعني من ذكر الوقار فإنني ... على سرف من بغضة الحلماء فما العيش إلّا ساعة سوف تنقضي ... وذا الدهر فينا مولع برماء ويقول: لو حذر المرء كل لائمة ... لضاع منه الصواب والرشد ولو أصخنا لكل منتقد ... فكل شيء في الدهر منتقد واله بما شئت قبل مندمة ... يكثر فيها العناء والكمد فليس بعد الشباب مقترح ... ولا وراء المشيب مفتقد ومن أي شيء يخشى؟ وعلام ينتقده الناس؟ ينتقدونه على أنه ممتلئ بالحياة، مستهين بالتقاليد والعادات. فرحنا نجر الذيل تيهًا لمنزل ... به لأخي اللذات واللهو ملعب مسارح سكري، ومربض فاتك ... ومخدع أكواب به الخمر تسكب

стр. 167

أما الدين فله في النفس حرمته ولكن: إذا ما قضينا واجب الدين حقه ... فليس علينا في الخلاعة من عذر أجل لقد صار فارسًا مرحًا ينهل من اللذات ويعل. فطورًا لفرسان الصباح مطارد ... وطورًا لإخوان الصفاء سمير ويا رب حيٍّ قد صبحت بغارة ... تكاد لها شم الجبال تمور وليل جمعت اللهو فيه بغادة ... لها نظرة تسدي الهوى وتنير عقلنا به ماند عن كل صبوة ... وطرنا مع اللذات حيث تطير أما أخلاقه الطبيعية: فكان كثير الافتخار بها يرددها مرارًا في شعره, فهو مخلص في صداقته: واختبرني تجد صديقًا حميمًا ... لم تغير ودادوه الأهواء صادقًا في الذي يقول وإن ضاقت ... عليه برحبها الدهناء أما الواداد فهو يرعاه، ويعد ذلك من كرم الأصل: ليس يرعى حق الوداد ولا ... يذكر عهدًا إلّا كريم النصاب ولابد أن يتجلى أثر الوداد القلبيّ في أعمال الإنسان، وإلّا كان ودادًا كاذبًا: وإنَّ وداد القلب ما لم يكن له ... دليلٌ على إخلاصه لمريب وكان عالي الهمة, يمثل لك في شعره الفروسية والنجدة، والإباء والأنفة، فيقول: إذا لم يكن إلّا المعيشة مطلب ... فكل زهيدٍ يمسك النفس جابر من العار أن يرضى الدنية ماجد ... ويقبل مكذوب المنى وهو صاغر إذا كنت تخشى كل شيء من الردى ... فكل الذي في الكون للنفس ضائر ويقول: ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب إذا أنا لم أعط المكارم حقها ... فلا عزني خال، ولا ضمني أب خلقت عيوفًا لا أرى لابن حرة ... عليَّ يدًا أغضي لها حين يغضب

стр. 168

أما جوده: فطالما تغنَّى به في شعره؛ وحث الناس على الجود، ووضع من شأن المال والتباهي به فيقول: فلا تحسبنَّ المال ينفع ربه ... إذا هو لم تحمد قراه العشائر فقد يستجم المال والمجد غائب ... وقد لا يكون المال والمجد حاضر ولو أن أسباب السيادة بالغنى ... لكاثر رب الفضل بمال تاجر ويقول: وجد بما ملكت كفاك من نشب ... فالجود كالبأس يحمي العرض والنسبا ولا يقعد البطل الصنديد عن كرم ... من جاد بالنفس لم يبخل بما كسبا وكان يتمدح بصراحته وشجاعته، فهو لا يسكت عن القبيح وإلّا عُدَّ منافقًا، وإذا كان الإنسان على ثقةٍ من أمره، ونفسه حرة, وهو شجاعٌ, فعلام يغضي على القذى, أو لا يصارح الناس بعيوبهم علهم يصلحونها؟ أنا لا أقرُّ على القبيح مهابةً ... إن القرار على القبيح نفاق قلبي على ثقةٍ ونفسي حرة ... تأبى الدني، وصارمي ذلاق فعلام يخشى المرء فرقة روحه ... أو ليس عاقبة الحياة فراق؟ لا خير في عيش الجبان يحوطه ... من جانبيه الذل والإملاق عابوا عليّ حميتي ونكايتي ... والنار ليس يعيبها الإحراق ولكننا نرى البارودي كثيرًا ما ينصح بمداراة الناس، ودفع القسر باللين, والغضب بالحلم, وقد صوَّر جملةً من صفاته ومداراته الناس، ومودته لأصداقائه ووفائه لهم في قوله:

стр. 169

ملكت يدي عن كل سوءٍ ومنطقي ... فعشت بريء النفس من دنس العذر وأحسنت ظني بالصديق وربما ... لقيت عدوي بالطلاقة والبشر فأصبحت مأثور الخلال محببًا ... إلى الناس مرضيّ السريرة والجهر إذا شئت أن تحيا سعيدًا فلا تكن ... لدودًا، ولا تدفع يد اللين بالقسر ولاتحتقر ذا فاقةٍ فلربما ... لقيت به شهمًا يبذ على المثري ولا تعترف بالذل في طلب الغنى ... فإن الغنى في الذل شر من الفقر ودار الذي ترجو وتخشى وداده ... وكان من مودات القلوب على حذر ويقول في غير هذا الموضع: مداراة الرجال وطئًا ... على الإنسان من حرب الفساد يعيش المرء محبوبًا إذا ما ... نحا في سيره قصد السداد ولعل لتجاربه الكثيرة أثرًا في إملائه هذا النصح، وتحوله من الصراحة إلى المدارة, وإذا كانت الحياة قد علمته كيف يداري الناس، ويكون منهم على حذر، فإنها قد علمته كذلك أن المرح والحياة الصاخبة باللذات تورث الأسقام والعلل: ولقد جريت مع الغواية والصبا ... جري الكميت وللغرام سباق ولبست هذا الدهر من أطرافه ... ونزعته وقميصه أخلاق فإذا الشباب وديعة وإذا الفتى ... هدى لفاغرة المنون يساق هذا هو البارودي كما صور نفسه في شعره، وإذا كان صادقًا في تصويره، ولا نحسبه إلّا كذلك، فالأخلاق التي تغنَّى بها تبعث في النفس الإكبار والإعجاب.

стр. 170

ثقافته: أُعِدَّ البارودي ليكون جنديًّا، ولم يُعَدُّ ليكون أديبًا، بيد أنه حين وجد نفسه بعد أن تخرج في المدرسة الحربية متعطلًا, أبت عليه نفسه الطموح أن يستمرئ اللهو والدعة، وعكف على كتب الأولين يقرؤها بشغفٍ ونهمٍ، ولم يقرأ كتابًا من كتب اللغة، ولكنه قرأ كتب الأدب، ويقول الشيخ حسين المرصفي صديقه ومرشده١: "ولم يقرأ كتابًا في فنٍّ من فنون العربية، غير أنه لما بلغ سن التعاقل وجد من طبعه ميلًا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع إلى بعض من له دراية وهو يقرأ بعض الدواوين، أو يقرأ بحضرته حتى تصور في برهةً يسيرةً هيئات التراكيب العربية، ومواقع المرفعوعات منها والمنصوبات والمخفوضات, حسبما تقتضيه المعاني والتعلبيقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن، سمعته مرةً يسكن ياء المنقصوص والفعل المعتقل بها المنصوبين، فقلت له في ذلك فقال: هو كذا في قول فلان, وأنشد شعرًا لبعض العرب، فقلت: تلك ضرورة، وقال علماء العربية: إنها غير شاذة، ثم استقلَّ بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم, حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها، ناقدًا شريفها من خسيسها, واقفًا على صوابها وخطئها". والحق أن أثر القراءة والحفظ ظاهر في شعر البارودي، ومن يطَّلِع على "مختارات البارودي" يشهد بحسن ذوقه، ودقة اختياره، وتأنقه في غذائه عقله، كما يشهد بكثرة محفوظه، ولا نعجب بعد هذا حين نرى البارودي ممتلكًا ناصية اللغة, يتصرف فيها تصرف الخبير العليم بأسرارها, المطبوع على التَّكَلُّمِ بها، وأغلب الظن أن مختاراته لم تحو كل ما حفظ من جيد الشعر العربيّ؛ لأننا نلمح أثرًا للشعر الجاهليّ في شعره: من كلماتٍ، وعباراتٍ, ومعارضاتٍ, وتشبيهاتٍ، مع أن مختارته لم تحو إلّا شعرًا عباسيًّا.

стр. 171

كانت عند البارودي الملكة الكامنة، والملكة وحدها لا تكفي، بل لابد لها من عدة تصقلها وتنميها، وتعدها للبروز ناضجةً قادرةً خالقةً، ودراسة البارودي الأدبية قد غذت هذه الملكة غذاءً كاملًا، لا من دواوين الشعراء وحدهم، بل من كتب الأدب وطرائف القصص، وأخبار العرب, وقبائلهم, وشجاعتهم, وعدائيهم, وأمثالهم, وحكمهم، وغير ذلك مما لا يستغني عنه أديب، والأدلة على هذه المعرفة متوفرةٌ في ديوانه١. كانت إذًا قراءة كتب الأدب والتاريخ وحفظ الشعر المنتقى الجيد, هي عماد ثقافته الأدبية، على أن البارودي قد اطَّلَع على آدابٍ أخرى غير الآداب العربية، فقد مر بنا أنه أنه حينما ذهب إلى الآستانة وهو في شبابه، والتحق بوزارة الخارجية, عكف على دراسة التركية والفارسية، ونظم الشعر بهما كما كان ينظمه بالعربية. أضف إلى هذا ما روي من أنه تعلَّم الإنجليزية وهو في منفاه وترجم بعض آثارها، وهذه اللغات المتعددة لها أثرها ولا ريب، في معانيه وأخيلته، وتصويره للحوداث.

стр. 172

هذا، وقد حفل زمان البارودي بأحداثٍ عظامٍ، فمن نهضةٍ شاملةٍ، وخلق لأمة متمدينة، إلى ثوراثٍ وفتنٍ وحروبٍ ومعارك، ونفيٍ وتشريدٍ، وقد سافر البارودي إلى الآستانة مرارًا، وشهد حرب "كريت" وحرب "روسيا" ورأى علمًا لم يعرفه من قبل، ومناظر جديدة، فتاثر بكل ذلك وانفعلت نفسه له، وهاجت هذه الأحداث شاعريته, فانطلق لسانه يردد خواطره وأحساسيسه, فكانت هذا الشعر الخالد. وإذا أضيف إلى هذه الموهبة العظيمة، والدارسة الواسعة، والتجارب الحافلة, وراثةً في قول الشعر سجلها البارودي بقوله: أنا في الشعر عريق ... لم أرثه عن كلاله كان إبراهيم خالي ... فيه مشهور المقالة زالت دهشتنا حين نرى البارود قد كملت عدته، وهيأته الأيام ليبعث الشعر من رقدته، وينهض به هذه النهضة السامية. شعره: يقول البارودي في مقدمة ديوانه: "الشعر لمعة خيالية, يتألق وميضها في سماوة الفكر، فتنبعث أشعتها إلى صحيفة القلب, فيفيض بلألأئها نورًا يتصل خيطه بأسلة اللسان، فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك، ويهتدي بدليلها السالك، وخير الكلام ما ائتلفت ألفاظه وائتلفت معانيه، وكان قريب المأخذ، بعيد المرمى، سليمًا من وصمة التكلف، بريئًا من عشوة التعسف، غينًّا عن مراجعة الفكرة، فهذه صفة الشعر الجيد، فمن آتاه الله منه حظًّا، وكان كريم الشمائل، طاهر النفس، فقد ملك أعنة القلوب، ونال مودة النفوس، ولو لم يكن من حسنات الشعر الحكيم إلّا تهذيب النفوس، وتدريب الأفهام, وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق, لكان قد بلغ الغاية التي ليس وراءها لذي رغبة مسرح، وارتبأ الصهوة التي ليس دونها لذي همة مطمح".

стр. 173

وتعريف البارودي للشعر غامض؛ لأنه لفه في ثوبٍ كثيفٍ مزخرفٍ بالمجازات والاستعارات، ولم يحدده تحديد علميًّا، وهو يعني: أنه خطرة ذهنية ينفعل لها الفؤاد، فيتحرك اللسان معبرًا عن خلجاته, والخطرة الذهنية تأتي مثلًا من نظرةٍ إلى شيءٍ جميلٍ، أو شيء يبعث الرثاء والأسى، وقد تكون خطرة ذهنية مجردة عن الأثر الخارجيّ، وهذا التعريف يتمشَّى مع مذهب العرب في الشعر, وهو أنه "لمعة خيالية" تومض إيماضًا، فتأتي هذه الخطرات الخيالية غير متصلة, أو مرتبط بعضها ببعض في حلقة متماسكة، أو قصة محبوكة الأطراف, أو خيال ممتد طويل في ملحمة من الملاحم, أو مسرحية من المسرحيات تتابع حوادثها، وإنما هو ومضات تتألق في أبيات وقصيدة لا تربطها وحدة فكرية. والشعر الجيد في رأي البارودي "ما كان قريب المأخذ سليمًا من وصمة التكلف، بريئًا من عشوة التعسف، غنيًّا عن مراجعة الفكرة" وهذه صفة الشعر الغنائيّ, وهي سمة الشعر العربيّ غالبًا، ليس فيه عمق المعنى والتوغل في الخيالات، أو تعقيد الفكرة، وحشد القضايا المنطقية، والفكر المجرد عن الشعور والإحساس، كما ترى ذلك عند أبي تمام والمتنبي أحيانًا, وعند أبي العلاء كثيرًا، وكما نراه مذهبًا من مذاهب بعض شعراء العصر الحاضر، والشعر ليس فلسفةً ولا منطقًا، وقد لا يحتوي البيت كبير معنى، وإنما تطرب له النفوس وتهتز عجبًا، وذلك لأن الشعر غذاء القلوب، وليس مهارة العقول, وهذا ما جعل النقاد قديمًا ينعتون البحتريّ بأنه الشاعر، وأن المتنبي وأبا تمام حكيمان؛ لأن البحتري لم يكن يتكلف في شعره الغوص على المعاني وابتكارها, ولا يستعمل المنطق والفلسفة، بل كان يحذو حذو شعراء الجاهلية والصدر الأول في قرب معانيه, وانسجام ألفاظه بعضها مع بعض، والقائل ردًّا على من عاب عليه بعده عن ثقافة عصره، وعدم أخذه بشيء من الحكمة والمنطلق, وهو يمثل نظرة العرب إلى الشعر: كلفتومنا حدود منطقكم ... والشعر بغنًى عن صدقه كذبه لم يكن ذو القروح يلهج بالمنطق ... ما نوعه وما سببه١ والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه

стр. 174

ويرى الباردوي أن وظيفة الشعر: "تهذيب النفوس، وتدريب الأفهام, وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق". وقد ردَّدَ هذه المعاني في شعره، بيد أن الشعر قد لا يؤدي وظيفةً ما إلّا التعبير عن شعور الشاعر، وهذه مسألة تحتاج إلى بحثٍ مستفيضٍ نقرر فيه نظرة العرب إلى وظيفة الشعر بخاصةٍ والأدب بعامة، ونظرة الغربيين إلى الشعر ومذاهبهم فيه، وهل للأدب وظيفة, أو هو التعبير لمجرد التعبير، أو للفن كما يقولون١؟ ومهما يكن من أمر فإن البارودي لم يفطن إلى كل أغراض الشعر, وما يمكن أن يستخدم فيه، وما قرره في مقدمته من تعريف للشعر ووظيفته يعبر عن مذهبه. والبارودي مطبوعٌ على قول الشعر، لا ينتزعه انتزاعًا, ويتعسف في نظمه, بل يتدفق على لسانه تدفقًا، وتشعر وأنت تقرؤه أنه يجري في رفقٍ وهوداةٍ ولينٍ, غير قلقٍ أو مضطربٍ أو متكلفٍ، وقد كان البارودي يدرك هذه الميزة في شعره يقول: أقول بطبع لست أحتاج بعده ... إلى المنهل المطروق والمنهج الوعر إذا جاش طبعي فاض بالدر منطقي ... ولا عجب فالدر ينشأ في البحر وعلى الرغم من سليقته المواتية، وحافظته الواعية التي تمده بمخزون الآداب ألفاظًا منمقة ومعاني سامية، فإن البارودي كان من المؤمنين بأن الفن تهذيبٌ وصقلٌ، وجهدٌ متصلٌ، وتحسينٌ مستمرٌ، وأن الطبع وحده لا يكفي، ولذلك كان يتعهده بالتهذيب والرعاية، فقد روي أنه رتَّبَ ديوانه بعد عودته من المنفى، وأعاد النظر فيما قاله من قصائد، وحذف الأبيات التي لا ترقه، حتى لا يخلف للأجيال المقبلة إلّا الشعر المصقول لفظًا ومعنًى: لم تبن قافية فيه على خلل ... كلّا! ولم تخلف في وصفها الجمل فلا سناد ولا حشو ولا قلق ... ولا سقوط ولا سهو ولا علل لا تنكر الكاعب الحسناء منطقه ... ولا يعاد على قوم فيبتذل

стр. 175

ولا أدلَّ على هذا التنقيح من اختلاف القصائد كما نشرت في الديوان عن نصها المنشور أول الأمر في الوسيلة الأدبية للمرصفي، خذ قوله في الوسيلة الأدبية: أقاموا زمانًا ثم بدد شملهم ... أخو فتكات بالكرام اسمه الدهر فقد صار في الديوان: أقاموا زمانًا ثم بدد شملهم ... ملول من الأيام شيمته الغدر ومطلع قصيدته التي يعارض فيها رائية أبي نواس، فقد كانت في الوسيلة على الصورة الآتية: تلاهيت إلّا ما يجن ضمير ... وداريت إلّا ما ينم زفير وهل يستطيع المرء كتمان أمره ... وفي الصدر منه بارح وسعير ثم صار في الديوان: أبى الشوق إلّا ما يحن ضمير ... وكل مشوق بالحنين جدير وهل يستطيع المرء كتمان لوعة ... ينم عليها مدمع وزفير كما كان يهتف بشعره قبل أن يخرجه للناس، ويصغي إليه ليتبين ما فيه من عيوب في الموسيقى وعدم انسجام الألفاظ بعضها مع بعض، والخلل المعنوي، والقافية القلقة المضطربة، والحشو، وغير ذلك من عيوب الشعر ويقول: واهتف به من قبل تسريحه ... فالسهم منسوب إلى الرامي١

стр. 176

فجاء والحق يقال شعرًا يأخذ بمجامع القلوب من حيث موسيقاه، وتماسك أبياته وقوافيه, وانسجام ألفاظه، وانتقاؤها انتقاء خبير ملهم: فألق إليه السمع ينبئك أنه ... هو الشعر لا ما يدعي الملأ الغمر١ يزيد على الإنشاد حسنًا كأنني ... نفثت به سحرًا، وليس به سحر كان البارودي يتخير الألفاظ المناسبة للمعاني التي يريدها فيرق ويلطف حين يقضي المقام الرقة واللطف كأن يتغزل أو يعتب، أو يصف منظرًا جميلًا, أو مجلس أنس وسمر، ويجزل شعره يجلجل لفظه، ويشتد أسره حين ينشد في الحماسة والفخر والمديح، وحين يصف البحر الهائج، والريح الزفوف والحرب الضروس. إذا اشتد أورى زندة الحرب لفظه ... وإن رق أزرى بالعقود فريدة إذا ما تلاه منشد في مقامه ... كفى القوم ترجيع الغناء نشيده فجاء شعره مما يلذ للإنسان حقًّا إن ينشده بصوت مرتفع، يترنم به ليطرب, ويتأمل في نغمه وموسيقاه فيلتذ ويعجب، فلا بدع أن قال: ولي كل ملساء المتون غريبة ... إذا أنشدت أفضت لذكر بني سعد٢ أخف على الأسماع من نغم الحدا ... وألطف عند النفس من زمن الورد كان البارودي يعلم أنه سيخلد بشعره لا بحسبه ونسبه، وإذا كان قد أخفق في بلوغ مناه وتحقيق آماله في هذه الدنيا، فإنه أدرك الغاية من السعي في الحياة العمل الصالح والمجد المؤثل، ألَا وهي الخلود بعد الموت, وترديد اسمه عطرًا على كل لسان، وفي ذلك يقول في شعره:

стр. 177

سيبقى به ذكري على الدهر خالدًا ... وذكر الفتى بعد الممات خلود يقول: سيذكرني بالشعر من لم يلاقني ... وذكر الفتى بعد الممات من العمر هذا، وفي شعر البارودي هنات، وعليه مآخذ قليلة, سنذكرها في موضعها من هذا الفصل، بيد أنها تزري به ولا تغض من شأنه؟ حسبه أنه سما بالشعر العربيّ إلى الذروة، وأنه حلَّق في السماء التي جاب آفاقها من قبل بشار وأبو نواس والبحتريّ وأبو تمام والمتنبي وأبو فراس وأضرابهم، بعد أن وصل الشعر العربيّ قبيل عهده إلى الحضيض, وكاد يلفظ أنفاسه الواهية. والآن، علينا أن نتعرف على هذا الشعر الذي مدحه وافتخر به، وصقله وهذبه، لنرى أمحقٌّ هو في الثناء عليه، أم هو غرور شاعر زَيَّنَ له خياله الباطل حقًّا، والسيء حسنًا؟ ولنرى القديم والجديد في شعره، ومنزلته في موكب الأدب العربيّ، وهل كان صدًى للشعراء الذين عارضهم وجاراهم في مضمارهم, أو أنه استقلَّ وابتكر وخرج على المألوف، وتكونت له شخصية يذكره التاريخ غير معتمدة على سواها؟ وهل هي شخصية قميئة هزيلة؟ أو شخصية قوية فارعة ذات مزايا واضحة؟ أ- القديم في شعره: ١- لم يجدد البارودي في أغراض الشعر التي عرفها شعر العصر العباسيّ, فهو يمدح ويصف، ويهجو، ويرثي، ويعتب، ويفتحر..إلخ ما هناك من أغراض معروفة مألوفة، ويا ليته وقف عند هذا، فقد تكون الأغراض قديمة والمعاني جديدة، ولكنه حاكى القدماء أحيانًا في أسلوبهم, كما حاكاهم في أغراضهم، وقد بلغ به التقليد حدًّا نسي معه أنه في مصر, وأنه بعيدٌ عن نجد ورباها ووديانها وآرامها وخمائلها، فقال: يا سعد قل لي فأنت أدرى ... متى رعان العقيق تبدو١ أشتاق نجدًا وساكنيه ... وأين منِّي الغداة نجد

стр. 178

وقال: أين ليالينا بوادي الغضا ... ذاك عهد ليته ما انقضى١ كنت به من عيشتي راضيًا ... حتى إذا ولى عدمت الرضا أيام لهوٍ وصبًا كلما ... ذكرتها ضاق عليّ الفضا ٢- وقد وقف على الأطلال والدمن، وأتى بشعر جاهليّ الروح والمعنى، والوجه والزيّ، ولا يمتُّ إلى عصره وعصر الحضارة بصلة، وهو لم يقله لأنه مقتنع بأن ذلك هو الأسلوب الواجب اتباعه، والنهج الذي عليه أن يسلكه، ولكنه يريد أن يمتحن شاعريته، وهل في استطاعته أن يحاكي القدماء حتى وقوفهم على الأطلال والدمن؟ وليس أمامه أطلال ودمن تهيج شاعريته، وتثير عبرته, فإذا استطاع أن يقول مثلما قالوا فهو شاعر فحل، ولا شكَّ أن هذا النوع من الشعر خالٍ من العاطفة, وفيه كثير من الصنعة والتكلف، استمع إليه يقول: ألا حيٌّ من أسماء رسم المنازل ... وإن هي لم ترجع بيانًا لسائل خلاء تعفتها الروامس والتقت ... عليها أهاضيب الغيوب الحوافل فلأيًا عرفت الدار بعد ترسم ... أراني بها ما كان بالأمس شاغلي غدت وهي مرعًى للظباء وطالما ... غنت وهي مأوًى للحسان العقائل إلى أن يقول: فيا ليت أن العهد باقٍ وأننا ... دوارج في غفل من العيش خامل تمر بنا رعيان كل قبيلة ... فما يمنحونا غير نظرة غافل صيغرين لم يذهب بنا الظن مذهبًا ... بعيدًا ولم يسمع لنا بطوائل نسير إذا ما القوم ساروا غدية ... إلى كل بهم راتعات وجامل٣ فأي أطلال، وأي رسومٍ رآها البارودي فوقف عندها؟ وأين رأي الظباء وهو يعيش في أحضان القاهرة المتمدينة؟ وأين مرت بهما رعيان القبائل؟

стр. 179

وما هذه البهم والجمال السائمة؟ اللهم إنه التقليد ورياضة القول, وإظهار المقدرة على النظم في مثل هذه الأغراض، وعلى هذا النمط كما فعل القدماء. ٣- ونراه في النسيب ووصف المرأة يعمد إلى التشبيهات القديمة المحفوظة، فهي تحكي الظبي في كناسه، والبدر في سمائه، وهي مهاة، وألحاظها سيوف باترات، وقدها غصن يتثنى ... إلخ هذه القوالب الموروثة. إذ نظرت أو أقبلت، أوتهللت ... فويل مهاة الرمل، والغصن والبدر ويقول: أيها الساهرون حول وسادي ... لست منكم أو تذكروا لي نجدًا لا تخوضوا في غيره من حديث ... فهو حسبي، وأي ماء كصدا١ ويتغزل: غصن بانٍ قد اطلع الحسن فيه ... بيد السحر جلنارًا ووردًا ما هلال السماء؟ ما الظبي؟ ما ... الورد جنيًا؟ ما الغصن إذ يتهدى؟ هو أبهى وجهًا وأقتل ألحاظًا ... وأندى خدًّا، وألين قدّا ويصف المرأة بقوله: كالورد خدًّا، والبنفسج طرة ... والغصن قدًّا، والغزالة ملفتًا ويصفها وصفًا ماديًّا كما كان يفعل القدماء، كأنها تباع وتشترى: خفت معاطفها، لكن روادفها ... بمثل ما حملتني في الهوى رجحت ويلاه من لحظها الفتاك إن نظرت ... وأهٍ من قدِّها العسال إن سنحت كالبدر إن سفرت والظبي إن نظرت ... والغصن إن خطرت والزهر إن نفحت

стр. 180

ويقول: وا لوعة القلب من غزلان أخبية ... تكاد تكسر من أحداقها الراح من كل مائسة كالغصن قد جمعت ... بدائعًا كلها للحسن أوضاح فالعين نرجسة، والشعر سوسنة ... والنهد رمانة، والخد تفاح ٤- نرى البارودي الذي حاكى فحول الشعراء حتى الجاهليين منهم، يقلد شعراء الصنعة، وعصر الضعف، فيؤرخ أحيانًا في شعره كما أرخوا -وإن كان قليلًا ما فعل حتى لا يكاد يذكر- فمن ذلك قوله يؤرخ عودة "إسماعيل باشا" خديو مصر من دار الخلافة العلية سنة ١٢٨٩هـ. ورجع الخديو لمصره ... وأتت طلائع نصره وتهللت بقدومه ... فرحًا أسرة عصره فلتبتهج أوطانه ... بحلوله في قصره وليشتهر تأريخه ... رجع الخديو لمصره وقال في تنهئة الخديو عباس الثاني بعيد الفطر: أمولاي دُمْ للمُلْكِ ربًّا تسوسه ... بحكمة مطبوع على الحلم والباس ولا زالت الأعياد تجري سعودها ... عليك وتحظى من علاك بإيناس فلولاك ما فازت يد القطر بالمنى ... ولا نشأت روح العدالة في الناس وهذا لسان الشكر يدعو مؤرخًا ... حوى العيد أنواع الفخار بعباس ١٣١٤هـ ٢٤، ١٥٥، ١٢٨، ٢١٩، ١٣٥ ٥- واستعمل البارودي المحسنات البديعية أحيانًا، ولا سيما الطباق في مثل قوله: يموت قلبي ويحيا حيرةً وهدىفي عالم الوجد إن صدت وإن جنحت ... وقوله: وبنفسي حلو الشمائل مر الهجر ... ويحيى وصلًا، ويقتل صدًّا ما على قومه وإن كنت حرًّا ... إن دعتني له المحبة عبدا
следующие страницы →