فجاء والحق يقال شعرًا يأخذ بمجامع القلوب من حيث موسيقاه، وتماسك أبياته وقوافيه, وانسجام ألفاظه، وانتقاؤها انتقاء خبير ملهم:
فألق إليه السمع ينبئك أنه ... هو الشعر لا ما يدعي الملأ الغمر١
يزيد على الإنشاد حسنًا كأنني ... نفثت به سحرًا، وليس به سحر
كان البارودي يتخير الألفاظ المناسبة للمعاني التي يريدها فيرق ويلطف حين يقضي المقام الرقة واللطف كأن يتغزل أو يعتب، أو يصف منظرًا جميلًا, أو مجلس أنس وسمر، ويجزل شعره يجلجل لفظه، ويشتد أسره حين ينشد في الحماسة والفخر والمديح، وحين يصف البحر الهائج، والريح الزفوف والحرب الضروس.
إذا اشتد أورى زندة الحرب لفظه ... وإن رق أزرى بالعقود فريدة
إذا ما تلاه منشد في مقامه ... كفى القوم ترجيع الغناء نشيده
فجاء شعره مما يلذ للإنسان حقًّا إن ينشده بصوت مرتفع، يترنم به ليطرب, ويتأمل في نغمه وموسيقاه فيلتذ ويعجب، فلا بدع أن قال:
ولي كل ملساء المتون غريبة ... إذا أنشدت أفضت لذكر بني سعد٢
أخف على الأسماع من نغم الحدا ... وألطف عند النفس من زمن الورد
كان البارودي يعلم أنه سيخلد بشعره لا بحسبه ونسبه، وإذا كان قد أخفق في بلوغ مناه وتحقيق آماله في هذه الدنيا، فإنه أدرك الغاية من السعي في الحياة العمل الصالح والمجد المؤثل، ألَا وهي الخلود بعد الموت, وترديد اسمه عطرًا على كل لسان، وفي ذلك يقول في شعره:
стр. 177
سيبقى به ذكري على الدهر خالدًا ... وذكر الفتى بعد الممات خلود
يقول:
سيذكرني بالشعر من لم يلاقني ... وذكر الفتى بعد الممات من العمر
هذا، وفي شعر البارودي هنات، وعليه مآخذ قليلة, سنذكرها في موضعها من هذا الفصل، بيد أنها تزري به ولا تغض من شأنه؟ حسبه أنه سما بالشعر العربيّ إلى الذروة، وأنه حلَّق في السماء التي جاب آفاقها من قبل بشار وأبو نواس والبحتريّ وأبو تمام والمتنبي وأبو فراس وأضرابهم، بعد أن وصل الشعر العربيّ قبيل عهده إلى الحضيض, وكاد يلفظ أنفاسه الواهية.
والآن، علينا أن نتعرف على هذا الشعر الذي مدحه وافتخر به، وصقله وهذبه، لنرى أمحقٌّ هو في الثناء عليه، أم هو غرور شاعر زَيَّنَ له خياله الباطل حقًّا، والسيء حسنًا؟ ولنرى القديم والجديد في شعره، ومنزلته في موكب الأدب العربيّ، وهل كان صدًى للشعراء الذين عارضهم وجاراهم في مضمارهم, أو أنه استقلَّ وابتكر وخرج على المألوف، وتكونت له شخصية يذكره التاريخ غير معتمدة على سواها؟ وهل هي شخصية قميئة هزيلة؟ أو شخصية قوية فارعة ذات مزايا واضحة؟
أ- القديم في شعره:
١- لم يجدد البارودي في أغراض الشعر التي عرفها شعر العصر العباسيّ, فهو يمدح ويصف، ويهجو، ويرثي، ويعتب، ويفتحر..إلخ ما هناك من أغراض معروفة مألوفة، ويا ليته وقف عند هذا، فقد تكون الأغراض قديمة والمعاني جديدة، ولكنه حاكى القدماء أحيانًا في أسلوبهم, كما حاكاهم في أغراضهم، وقد بلغ به التقليد حدًّا نسي معه أنه في مصر, وأنه بعيدٌ عن نجد ورباها ووديانها وآرامها وخمائلها، فقال:
يا سعد قل لي فأنت أدرى ... متى رعان العقيق تبدو١
أشتاق نجدًا وساكنيه ... وأين منِّي الغداة نجد
стр. 178
وقال:
أين ليالينا بوادي الغضا ... ذاك عهد ليته ما انقضى١
كنت به من عيشتي راضيًا ... حتى إذا ولى عدمت الرضا
أيام لهوٍ وصبًا كلما ... ذكرتها ضاق عليّ الفضا
٢- وقد وقف على الأطلال والدمن، وأتى بشعر جاهليّ الروح والمعنى، والوجه والزيّ، ولا يمتُّ إلى عصره وعصر الحضارة بصلة، وهو لم يقله لأنه مقتنع بأن ذلك هو الأسلوب الواجب اتباعه، والنهج الذي عليه أن يسلكه، ولكنه يريد أن يمتحن شاعريته، وهل في استطاعته أن يحاكي القدماء حتى وقوفهم على الأطلال والدمن؟ وليس أمامه أطلال ودمن تهيج شاعريته، وتثير عبرته, فإذا استطاع أن يقول مثلما قالوا فهو شاعر فحل، ولا شكَّ أن هذا النوع من الشعر خالٍ من العاطفة, وفيه كثير من الصنعة والتكلف، استمع إليه يقول:
ألا حيٌّ من أسماء رسم المنازل ... وإن هي لم ترجع بيانًا لسائل
خلاء تعفتها الروامس والتقت ... عليها أهاضيب الغيوب الحوافل
فلأيًا عرفت الدار بعد ترسم ... أراني بها ما كان بالأمس شاغلي
غدت وهي مرعًى للظباء وطالما ... غنت وهي مأوًى للحسان العقائل
إلى أن يقول:
فيا ليت أن العهد باقٍ وأننا ... دوارج في غفل من العيش خامل
تمر بنا رعيان كل قبيلة ... فما يمنحونا غير نظرة غافل
صيغرين لم يذهب بنا الظن مذهبًا ... بعيدًا ولم يسمع لنا بطوائل
نسير إذا ما القوم ساروا غدية ... إلى كل بهم راتعات وجامل٣
فأي أطلال، وأي رسومٍ رآها البارودي فوقف عندها؟ وأين رأي الظباء وهو يعيش في أحضان القاهرة المتمدينة؟ وأين مرت بهما رعيان القبائل؟
стр. 179
وما هذه البهم والجمال السائمة؟ اللهم إنه التقليد ورياضة القول, وإظهار المقدرة على النظم في مثل هذه الأغراض، وعلى هذا النمط كما فعل القدماء.
٣- ونراه في النسيب ووصف المرأة يعمد إلى التشبيهات القديمة المحفوظة، فهي تحكي الظبي في كناسه، والبدر في سمائه، وهي مهاة، وألحاظها سيوف باترات، وقدها غصن يتثنى ... إلخ هذه القوالب الموروثة.
إذ نظرت أو أقبلت، أوتهللت ... فويل مهاة الرمل، والغصن والبدر
ويقول:
أيها الساهرون حول وسادي ... لست منكم أو تذكروا لي نجدًا
لا تخوضوا في غيره من حديث ... فهو حسبي، وأي ماء كصدا١
ويتغزل:
غصن بانٍ قد اطلع الحسن فيه ... بيد السحر جلنارًا ووردًا
ما هلال السماء؟ ما الظبي؟ ما ... الورد جنيًا؟ ما الغصن إذ يتهدى؟
هو أبهى وجهًا وأقتل ألحاظًا ... وأندى خدًّا، وألين قدّا
ويصف المرأة بقوله:
كالورد خدًّا، والبنفسج طرة ... والغصن قدًّا، والغزالة ملفتًا
ويصفها وصفًا ماديًّا كما كان يفعل القدماء، كأنها تباع وتشترى:
خفت معاطفها، لكن روادفها ... بمثل ما حملتني في الهوى رجحت
ويلاه من لحظها الفتاك إن نظرت ... وأهٍ من قدِّها العسال إن سنحت
كالبدر إن سفرت والظبي إن نظرت ... والغصن إن خطرت والزهر إن نفحت
стр. 180
ويقول:
وا لوعة القلب من غزلان أخبية ... تكاد تكسر من أحداقها الراح
من كل مائسة كالغصن قد جمعت ... بدائعًا كلها للحسن أوضاح
فالعين نرجسة، والشعر سوسنة ... والنهد رمانة، والخد تفاح
٤- نرى البارودي الذي حاكى فحول الشعراء حتى الجاهليين منهم، يقلد شعراء الصنعة، وعصر الضعف، فيؤرخ أحيانًا في شعره كما أرخوا -وإن كان قليلًا ما فعل حتى لا يكاد يذكر- فمن ذلك قوله يؤرخ عودة "إسماعيل باشا" خديو مصر من دار الخلافة العلية سنة ١٢٨٩هـ.
ورجع الخديو لمصره ... وأتت طلائع نصره
وتهللت بقدومه ... فرحًا أسرة عصره
فلتبتهج أوطانه ... بحلوله في قصره
وليشتهر تأريخه ... رجع الخديو لمصره
وقال في تنهئة الخديو عباس الثاني بعيد الفطر:
أمولاي دُمْ للمُلْكِ ربًّا تسوسه ... بحكمة مطبوع على الحلم والباس
ولا زالت الأعياد تجري سعودها ... عليك وتحظى من علاك بإيناس
فلولاك ما فازت يد القطر بالمنى ... ولا نشأت روح العدالة في الناس
وهذا لسان الشكر يدعو مؤرخًا ... حوى العيد أنواع الفخار بعباس
١٣١٤هـ
٢٤، ١٥٥، ١٢٨، ٢١٩، ١٣٥
٥- واستعمل البارودي المحسنات البديعية أحيانًا، ولا سيما الطباق في مثل قوله:
يموت قلبي ويحيا حيرةً وهدىفي عالم الوجد إن صدت وإن جنحت ...
وقوله:
وبنفسي حلو الشمائل مر الهجر ... ويحيى وصلًا، ويقتل صدًّا
ما على قومه وإن كنت حرًّا ... إن دعتني له المحبة عبدا
стр. 181
٦- أما معانيه فكثير منها قديم, والقليل فيه جدة, وهو مقلِّدٌ في المعاني كما هو مقلد في الشكل، ولا أستطيع أن أحصي المعاني القديمة لكثرتها, ولكن أدل على نوعها ببعض الأمثلة كقوله في الغزل:
طربت وعادتني المخيلة والسكر ... وأصبحت لا يلوى بشيمتي الزجر١
كأني مخمور سرت بلسانه ... معتقة مما يضن بها التجر
صريع هوى يلوى بي الشوق كلما ... تلألأ برق أو سرت ديم غر
إذا مال ميزان النهار رأيتني ... على حسرات لا يقاومها صبر
يقول أناس إنه السحر ضلة ... وما هي إلّا نظرة دونها السحر
ويقول مفتخرًا في هذه القصيدة بقومه:
لهم عمد مرفوعة ومعاقل ... وألوية حمر وأفنية خضر
ونار لها في كل شرق ومغرب ... لمدرع الظلماء ألسنة حمر
ويقول في القصيدة من الحكمة:
ل
عمرك ما حيٌّ وإن طال سيره ... يعد طليقًا والمنون له أسر
وما هذه الأيام إلّا منازل ... يحل بها سفر ويتركها سفر
فهذه أغراض ثلاثة في قصيدة واحدة لم يأت فيها بجديدٍ من المعنى، ففي الغزل يقول: إنه استخفه الطرب والشوق على حدة قول أبي نواس.
حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب
إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب
وحاكى الأقدمين في ذكره البرق والسحب، فهذه الأشياء كانت مقبولة في الشعر القديم لأنها تصف البيئة العربية، والغيث والبرق كان فيهما حياة العرب القاطنين بالجزيرة، فإذا لمع البرق أو هطلت السحب هلل الناس وفرحوا، وإذا ذكر
стр. 182
المحب محبوبته في ذلك الوقت فكأنه يريد أن يشاركها سرورها، أو تشاركه سروره، والسرور من الأشياء التي لا تتم إلّا إذا اقتسمها الإنسان مع سواه, أما في بيئة البارودي فليس لهذه الأشياء من التأثير والاهتمام ما يدعو لذكرها، بل قد يسبب المطر من المضايقات لأهل القاهرة الذين يعتمدون على النيل، ولأهل الريف في ضرر زرعهم ما يذكرونه بشرٍّ، ولكنه التقليد القديم، وقوله: "على حسرات" يعني به: أنه حين تغيب الشمس تكثر همومه، وكأنه يتقلب على حسرات؛ لأن الليل مصدر للذكريات لفراغ الإنسان من الشواغل والأعمال، وقديمًا قال النابغة:
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
ويقول النابغة كذلك:
فبت كأن العائدات فرشن لي ... هراسًا به يعلى فراشي ويقشب
وتشبيه نظرات المحبوبة بالسر تشبيه قديم معروف.
وفي الفخر ترى البارودي يذكر العمد المرفوعة وهو في القاهرة، ويذكر النار على عادات البدو، ولا سيما في الجاهلية إذا كانوا يشبونها على يفاعٍ من الأرضي كي يهتدي بها الساري، ويلجأ إليها الجائع ويطلب القرى، ورحم الله حاتمًا حين قال لغلامه:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر١
معل يرى نارك من ير ... إن جلبت ضيفًا فأنت حر
وقوله في الحكمة: إن الإنسان لا يعد طليقًا في حياته وهو في أسر المنون, مأخذو من قول طرفة بن العبد:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكا لطول المرخى وثنياه باليد٢
стр. 183
وبيت طرفة أحسن وأمتن؛ حيث شبه الإنسان بدابة، وحبلها بيد الموت يرخي لها فيه, وإذا شاء جذبها إليه فتقضي العمر, وأما أن الأيام منازل، وأنا فيها على سفر فمعنًى قديم مطروق، وقد تكررت في الأحاديث النبوية، وفي أقول الزهاد والوعاظ.
وهكذا إذا أخذت أي قطعة للبارودي تجده يردد فيها كثيرًا من المعاني القديمة المعروفة المشهورة, ولا يعني هذا أن البارودي لم يجدد في شعره وفي معانيه، بل له تجديد ملحوظ في شعره سنذكره فيما بعد.
وإذا كان البارودي قد طرق أبواب الشعر العربيّ الموروثة, ولم يجدد في أغراضه، فإنه كان واضح الشخصية في كثير من هذه الموضوعات المطروقة, فتراه يمثل نفسه، وزمنه، وبيئته، في قصائد شتَّى. فالبارودي ذاق حلو الزمان، ومره، وارتفع في مناصب الدولة حتى رئاسة الوزارة, ثم شُرِّدَ ونُفِيَ، وقضى زمنًا طويلًَ يتحرق فيه شوقًَا إلى وطنه وأهله، ويتحسر على أيامه الخاليات، ويندب فيه حظه، ويَنْعى على الأصدقاء الكاذبين خياناتهم وغدرهم، ويذم الحياة ويكيل لها السباب، وهو في كل ذلك صادق الشعور يصف ما به على طبيعته, فبرزت شخصيته واضحةً لا لبس فيها ولا غموض.
وإذا كان البارودي قد قلَّدَ القدماء وحاكاهم في أغراضهم وطريقة عرضهم للموضعات وفي أسلوبهم، وفي معانيهم، فإن له مع ذلك جديدًا ملموسًا في شعره؛ من حيث التعبير عن شعوره وعن مشاهداته، وله معانٍ جديدة، وصور لهم يسبق إليها، وإذا أردنا أن ننصفه, فعلينا دراسة الجديد في شعره حتى يكون حكمنا عليه عادلًا، ونستطيع أن نضعه في منزلته الجديرة به في موكب التاريخ والأدب والنهضة.
ب- الجديد في شعره:
١- الوصف:
ولا تعجب إذا عددنا الوصف جديدًا عند البارودي، وإن كان قديمًا منذ أن كان الشعر العربيّ، وما من شاعر إلّا له في الوصف أبياتٌ وقصائدٌ, ولكن الجديد في وصف البارودي أنه أفرد له قصائد بعينها, ولم يأت به عرضًا في ثنايا القصائد.
стр. 184
كان يصف لمجرد الوصف، ولأن شاعريته، وحواسه المرهفة، وتذوقه الحاد للجمال, كانت تدفعه إلى قول الشعر، وإلى وصف مشاهداته لا كما هي في الطبيعة، ولكن يخرجها ملونةً بشخصيته وشعوره وأفكاره.
كان البارودي مفتونًا بالطبيعة, يرى شعرها لا ينضب منه معين الإلهام، ويرى في كل سطرٍ من هذا الشعر آيةً من آيات الجمال عليه أن يترنَّمَ بها، ويظهر محاسنها للأجيال من بعده، ويترجمها للناس حتى يعجبوا بها كما أعجب.
وديوان البارودي غاصٌّ بالموصوفات وبقصائد الوصف، وما دام الشاعر قد انصرف عن المديح, وعن أن يكون شعره مظهرًا للنفاق والخداع والاستجداء، والوقوف بأبواب الملوك والأمراء، فقد أصبح شعره طوع يده, يسجل به مشاعره الخاصة، وشعراء العربية الوصافون -أي الذين أكثروا من الوصف- قليلون؛ لأن المديح وللأسف قد ألهاهم عن قراءة محاسن الكون، ويُعَدُّ البارودي من أكثر شعراء العربية وصفًا، بل يعد في الطليعة، وشعره الوصفيّ يفخر به الشعر العربيّ, ويستطيع أن يباهي به خير ما عند الغرب من شعرٍ وصفيٍّ، وموصوفات البارودي كما ذكرنا عديدة ومنوعة، فمنها:
١- مظاهر الطبيعة، فيصف الليلة العاصفة المطيرة, ويجعلك تحس معه هزيم الرعد، وعزف الريح، وتواصل المطر وشدته، وترى سوادها ووحشتها، ويصف الليلة الحالية بالنجوم فتلمس جمالها، ويصف السحاب الممطر والبرق والرعد وأثرها في الإنسان والأرض، ويصف البحر الهائج الغاضب، والريح الزفوف تعلو بالموج فتحيله جبالًا سامقة الذرى, وتنخفض به إلى وهادٍ عميقة الأغوار، ويصف الجبل والغابة وغير ذلك.
وهو في وصف الطبيعة مصوّرٌ ماهرٌ، بل هو دقيقٌ بارعٌ في كل ما يتناول من وصف، وهو في وصف الطبيعة قد يغرب في لفظه، ويأتي بتشبيهاتٍ جديدةٍ منتزعةٍ من بيئته أحيانًا, وأحيانًا يردد معاني القدماء وأخيلتهم، استمع إليه يصف ليلةً مطيرةً حتى مطلع الفجر.
стр. 185
وليلة ذات تهتان وأندية ... كأنما البرق فيها صارم سلط١
لف الغمام أقاصيها ببردته ... وأنهل في حجرتيها وابل سبط٢
بهماء لا يهتدي الساري بكوكبها ... من الغمام ولا يبدو بها نمط٣
يكاد يجهل فيها القوم أمرهم ... لولا صهيل جياد الخيل واللغط
يطغى بها البرق أحيانًا فيزجره ... مخرنطم زجل من رعدها خمط٤
كأنما البرق سوطٌ والحيا نجب ... يلوح في جسمها من مسه حبط٥
كأنه صارم يرفض من علق ... بالأفق يغمد أحيانًا ويخترط٦
مزقت جلبابها بالخيل طالعة ... مثل الحمائم في أجيادها العلط٧
وقد تخلل خيط النور ظلمتها ... كما تخلل شعر اللمة الوخط
كأنها وصديع الفجر يصدعها ... من جانب أدهم قد مسه نبط٨
ومربع لنسيم الفجر هيمنة ... فيه وللطير في أرجائه لغط
كأنما القطر در في جوانبه ... يكاد من صدف الأزهار يلتقط
وللنسيم خلال النبت غلغلة ... كما تغلغل وسط اللمة المشط
والريح تمحو سطورًا ثم تثبتها ... في النهر لا صحة فيها ولا غلط
وللسماء خيوط غير واهية ... تكاد تجمع بالأيدي فترتبط
كأنها وأكف الريح تضربها ... سلوك عقد تواهت فهي تنخرط
وفي هذه القطعة أبيات يسمو فيها البارودي بإحساسه وبراعة تصويره، وإدراكه للأمور الدقيقة، كوصفه النسيم وهو يتخيل النبت، أو وصفه خيوط المطر وهي نازلة، وقال يصف النجوم:
стр. 186
أرعى الكواكب في السماء كأن لي ... عند النجوم رهينة لم تدفع
زهر تألق بالفضاء كأنها ... حبب تردد في غدير مترع
وكأنها حول المجر حمائم ... بيض عكفن على جوانب مشرع
وترى الثريا في السماء كأنها ... حلقات قرط بالجمان مرصع
بيضاء ناصعة كبيض نعامة ... في جوف أدحى بأرض بلقع
وكأنها أكر توقد نورها ... بالكهرباءة في سماوة مصنع١
والليل مرهوب الحمية قائم ... في مسحة كالراهب المتلفع٢
متوشحٌ بالنيرات كباسلٍ ... من نسل حامٍ، باللجين مدرع
حسب النجوم تخلفت عن أمره ... فوحى لهن من الهلال بإصبع٣
٣- ويصف مناظر الريف ويصورها تصويرًا بديعًا، فيصف القطن, والسفن في النيل, والساقية, والمزروعات, والطيور وهي تحوم على صفحة النهر, وحركات الطيور، والنحلة وهي تنتقل من زهرةٍ لزهرةٍ، كل هذا في حساسية غريبة، وشغف بالطبيعة وحب لها, كأنه يعيش معها.
فمن قوله يصف القطن:
والقطن بين ملوز ومنور ... كالغادة ازدانت بأنواع الحلى
فكأن عاقده كرات زمرد ... وكأن زاهره كواكب في الروا٤
دبت به روح الحياة فلو وعت ... عنه القيود من الجداول قد مشى
فأصوله الدكناء تسبح في الثرى ... وفروعه الخضراء تلعب في الهوا
لم يسر فيه العقل مذهب فكرة ... محدودة إلّا تراجع بالمنى
واسمعه يصف الريف المصريّ إبَّان الربيع في أرجوزة:
стр. 187
عم الحيا واستنت الجداول ... وفاضت الغدران والمناهل
وازَّيَّنَت بنورها الخمائل ... وغردت في أيكها البلابل
وشمل البقاع خير شامل ... فصفحة الأرض نبات خائل١
وجبهة الجو غمام حافل ... وبين هذين نسيم حائل
تندى به الأسحار والأصائل ... كأنما النبات بحر هائل
وليس إلّا الأكمات ساحل ... وشامخ الدوح سفين جافل٢
معتدل طورًا مائل ... تهفو به الجنوب والشمائل
والباسقات الشمخ الحوامل ... مشمورة عن ساقها الذلاذل٣
ملوية في جيدها العثاكل ... ممعقودة في رأسها الفلائل٤
للبسر فيها قانئ وناصل ... مخب كأنه الأنامل
كأنه من ذهب قنادل ... من المرادين لها سلاسل
للمجنون بينها الأزامل ... تخالها محزونة تسائل٥
لها دموع ذرف هوامل ... كأنها أم بنين ثاكل
في جيدها من ضفرها حبائل ... من القواديس لها جلاجل
تدور كالشهب لها منازل ... فصاعد ودافق ونازل
ففي هذه القصيدة يصور مناظر الريف تصويرًا سريعًا دون تعمق أو طويل وقوف على المشاهدات، ومعانيه قريبة، وتشبيهاته واضحة غير متكلفة، وخياله دان لا إغراب فيه ولا شرود.
ومما يدل على دقة حسه، وتدفق شعوره، وأنه مصور بارع، أن الأمور التي لا تسترعي نظرة جمهرة الناس يجد فيها ما يثير عاطفته، ويحرك شاعريته, قوله يصف طائرًا: تحرك فأيقظه من سنته، ويتبع حركاته بدقة، فأعطى صورة واضحة عنه.
стр. 188
نبأة أطلقت عيني عن سنة ... كانت حبالة طيف زارني سحرًا
فقمت أسال عيني رجع ما سمعت ... أذني، فقالت: لعلي أبلغ الخبرا
ثم اشرأبَّت فألفت طائرًا حذرًا ... على قضيب يدير السمع والبصرا
مستوفزًا يتنزى فوق أيكته ... تنزي القلب طال العهد فادركرا١
لا تستقر له ساق على قدم ... فكلما هدأت أنفاسه نفرا
يهفو به الغصن أحيانًا ويرفعه ... دحو الصوالج في الديمومة الأكرا٢
ما باله وهو في أمن وعافية ... لا يبعث الطرف إلّا خائفًا حذرا
إذا علا بات في خضراء ناعمة ... وإن هوى ورد الغدران أو نقرا
فأنت تراه يتتبع الطائر في أقل حركة له، ويحاول أن يستشف دخيلة قلبه الصغير ليعرف سر فزعه، وترقبه، ويتعجب لهذه الحياة القلقة المضطربة, مع أن ظاهر الأمر ينبئ أنه في نعمة وعافية، وهذه لعمري خطرات شاعر مرهف الإحساس جياش العاطفة.
واستمع إليه يصف غيضة احتلها في "قندية" أيام حرب كريت:
ومرتبع لذنا به غب سحرة ... وللصبح أنفاس تزيد وتنقص٣
وقد مال للغرب الهلال، كأنه ... بمنقاره عن حبه النجم يفحص٤
رقيق حواشي النبت، أما غصونه ... فريا، وأما زهره فمنصص٥
إذا لاعبت أفنانه الريح خلتها ... سلاسل تلوى، أو غدائر تعقص٦
كأن صحاف الزهر والطل ذائب ... عيون يسيل الدمع منها وتشخص٧
يكاد نسيم الفجر إن مر سحرة ... بساحته الشجراء ولا يتخلص
كأن شعاع الشمس والريح رهوة ... إذا رد فيه سارق يتربص٨
يمد يدًا دون الثمار، كأنما ... يحاول منها غاية ثم ينكص
стр. 189
ا٣- وإذا أردت أن تعرف متى يحلق البارودي في الوصف، فاقرأ أوصافه في الأشخاص, إنه لا يقل عن أمهر مصور، بل أين منه المصور؟ وهو لا يستطيع أن يبرز على "لوحته" دخائل النفوس، وأسرار القلوب والحركات والإشارات، وكذلك أوصافه للمعارك وميادين القتال وأدواته، وإذا كان وصف الحروب من الموضوعات القديمة التي تناولها قبله الشعراء، فإن تصوير الأشخاص من الموضوعات النادرة التي مر فيها قلةٌ من فحول الشعر العربيّ كابن الرومي، واسمعه يصف البلغار في بلادهم, حين ذهب مع الحملة المصرية لحرب الروس:
بلاد بها ما بالجحيم، وإنما ... مكان اللظى ثلج بها وجليد
تجمعت البلغار والروم بينها ... وزاحمها التاتار، فهي حشود
إذا راطنوا بعضًا سمعت لصوتهم ... هديدًا تكاد الأرض منه تميد
قباح النواصي والوجود كأنهم ... لغير أبي هذا الأنام جنود
سواسية ليسوا بنسل قبيلة ... فتعرف آباء لهم وجدود
لهم صور ليست وجوهًا وإنما ... تناط إليها أعين وخدود
يخورون حولي كالعجول، وبعضهم ... يهجن لحن القول حين يجيد
فهو يصف رطانتهم وعجمة ألسنتهم، وقبح وجوههم ورءوسهم, حتى كأنهم ليسوا من البشر، وأن وجوههم متشابهةٌ لا تستطيع التفريق بينها، بل لا يريد أن يعترف بأنه لهم وجوهًا, إنما هي صور وضعت فيها أعين وخدود، ويخورون حوله كالعجول، وإذا حاول بعضهم النطق بالعربية أفسدها.
стр. 190
ومن قوله يصف حرب إقريطش "كريت":
في كل مربأة وكل ثنية ... تهدار سامرة وعزف قيان١
تستن عادية، ويصهل أجرد ... وتصيح أجراس، ويهتف عاني٢
قوم أبى الشيطان إلّا خسرهم ... فتسللوا من طاعة السلطان
ملئوا الفضاء، فما يبين لناظر ... غير التماع البيض والخرصان٣
فالبدر أكدر والسماء مريضة ... والبحر أشكل والرماح دوان٤
والخيل واقفة على أرسانها ... لطراد يوم كريهة ورهان
وضعوا السلاح إلى الصباح، وأقبلوا ... يتكلمون بألسن النيران
حتى إذا ما الصبح أسفر وارتمت ... عينان بين ربى وبين مجان
فإذا الجبال أسنة، وإذا الوهاد ... أعنة والماء أحمر قاني
فتوجست فرط الركاب ولم تكن ... لتهاب، فامتعنت على الأرسان٥
فزعت فرجعت الحنين، وإنما ... تحنانها شجن من الأشجان
ذكرت مواردها بمصر، وأين من ... ماء بمصر منازل الرومان
ومن المقطوعات اللطيفة في وصف الأشخاص قول البارودي يذم شخصًا ويصفه بالنهم والجشع.
стр. 191
وصاحب لا كان من صاحب ... أخلاقه كالمعدة الفاسدة
أقبح ما في الناس من خصلة ... أحسن ما في نفسه الجامدة
لو أنه صور من طبعه ... لكان لعمري عقربًا راصده
يصلح للصفع لكيلا يرى ... في عدد الناس بلا فائدة
يغلبه الضعف ولكنه ... يهدم في قعدته المائة
يراقب الصحن على غفلة ... مكن أهله كالهرة الصائدة
كأنما أظفوره منجل ... وبين فكيه رحى راعده
كأنما البطة في حلقه ... نعامة في سبسب شارده
تسمع للبلع نقيقًا كما ... نقت ضفادي ليلة راكدة
كأنما أنفاسه حرجف ... وبين جنبيه لظى واقدة
٤- وقد وصف البارودي كثيرًا من الأشياء كالسجن، والقطار، والخمر, وغير ذلك، وربما كان وصفه للقطار أول وصفٍ من نوعه في اللغة العربية؛ لأن السكة الحديدية دخلت مصر في أخريات أيام سعيد، ولم يفطن شعراء عصره له, أولم يهتموا بوصفه، ويقول فيه -وإن لم يصفه بدقة:
ولقد علوت سراة أدهم لو جرى ... في شأوه برق تعثر أو كبا
يطوي الفلا طيّ السجل ويهتدي ... في كل مهمة يضل بها القطا
يجري على عجلٍ فلا يشكو الوجى ... مد النهار، ولا يمل من السرى
لا الوخد منه، ولا الرسيم ولا يرى ... يمشي العرضنة أو يسير الهيدبى١
стр. 192
ويقول وفي وصف السجن:
فسواد الليل ما أن ينقضي ... وبياض الصبح ما أن ينتظر
لا أنيس يسمع الشكوى ولا ... خبر يأتي، ولا طيف يمر
بين حيطان وباب موصد ... كلما حركه السجان صر
يتمشى دونه حتى إذا ... لحقته نبأة مني استقر
كلما درت لأقضي حاجة ... قالت الظلمة: مهلًا، لا تدر
أتقرى الشيء أبغيه فلا ... أجد الشيء ولا نفسي تقر
ظلمة ما إن بها من كوكب ... غير أنفاس ترامى بالشرر
وهذه القطعة فيها أبيات من الشعر الواقعيّ التي تغني بتصويرها الحقيقة العارية عن أي خيالٍ مهما عمق وملح.
٥- وهذا وقد وصف البارودي بعض آثار مصر القديمة، وفتح بذلك الطريق لشوقي وغيره، وهو وإن لم يتعمق في وصفه، ويستعرض التاريخ المجيد كما أفعل شوقي من بعده, إلّا أنه برهنَ على أنه شاعر يرى الجمال والعظة فيما حوله من مناظر، وأن شاعريته حساسة مرهفة؛ لأن مثل هذا الوصف لا تحفزه إليه رغبة في صلة, أو تَقَرُّبٌ من أمير، وإنما هو إشباعٌ لرغبةٍ فنيةٍ تجيش في صدره, وتحاول شاعريته الإفصاح عنها، ولذلك عد باب الوصف من خير أبواب الشعر؛ لأنه فضلًا عن نشره ما طوى من آيات الجمال، أو ما خفي على عيون الناس منها, فإنه يدل على نفسية الشاعر، وقدرته وخياله، وهو خير محكٍّ للتمييز بين الشعراء، ومن ذلك قوله يصف الهرمين:
سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري
بناءان ردا صولة الدهر عنهما ... ومن عجب أن يغلبا صولة الدهر
أقاما على رغم الخطوب ليشهدا ... لبانيهما بين البرية بالفخر
فكم أمم في الدهر بادت وأعصر ... خلت وهما أعجوبة العين والفكر
стр. 193
تلوح لآثار العقول عليهما ... أساطير لا تنفك تتلى إلى الحشر
رموز لو استطلعت مكنون سرها ... لأبصرت مجموع الخلائق في سطر
فما من بناء كان، أو هو كائن ... يدانيهما عند التأمل والخبر
يقصر حسنا عنهما "صرح بابل" ... ويعترف "الإيوان" بالعجز والسحر
كأنهما ثديان فاضا بدرة ... من النيل تروي غلة الأرض إذ تجري
وبينهما "بلهيب" في زي رابض ... اكب على الكفين منه إلى الصدر٢
يقلب نحو الشرق نظرة وامق ... كأن له شوقًا إلى مطلع الفجر
وليست هذه القصيدة الوحيدة التي أشاد فيها بالأهرام، وبقدماء المصريين, فله قصيدةٌ أخرى فيها مطلعها:
أيُّ شيء يبقى على الحدثان ... والمنايا خصيمة الحيوان
وله ثالثة مطلعها:
بقوة العلم تقوى شوكة الأمم ... فالحكم في الدهر منسوب إلى القلم
وفيها يقول:
فانظر إلى الهرمين الماثلين تجد ... غرائبًا لا تراها النفس في الحلم
صرحان ما درات الأفلاك منذ جرت ... على نظيرهما في الشكل والعظم
....................... ... ......................
ولاح بينهما لهيب متجهًا ... للشرق يلحظ مجرى النيلب من أمم
стр. 194
ب- الشعر السياسي:
ومن الأغراض القديمة التي خلع عليها البارودي لباس الجدة، وظهرت فيها شخصيته واضحةً مجليةً تفصح عن نفسه الأبية المتمردة على الظلم والطغيان، المحبة للعدالة والشورى والمساواة بين الناس، ذلك الشعر السياسيّ الوطنيّ الذي دفعه إلى مركز الصدارة بين أبناء شعبه، وجعل منه زعيمًا محبوبًا، ولذلك أُلْقِيَ به في غيابة السجن، ورُمِيَ به بعيدًا عن وطنه، ويا ليته كفَّ عن مثل هذا الشعر وهو يتجرع غصص النفي والتشريد والمرض، بل زفر زفرات حارة كادت تحرق الطاغين المعتدين بشواظها الملتهب، ولذلك طالت غيبته عن دياره, وخالف أولو الأمر من عودته حتى لا يعيدها جذعًا مشبوبة الضرام، ولما هدأت ثائرته، وكسرت حدته وخفت شرته، واشتكى ما به من ضعف وهزال، ودَبَّ إلى جسمه دبيب الفناء، أمنوا جانبه, فأعادوه إلى وطنه.
كان البارودي طموحًا، يعتلج في حنايا صدره أمل كبير يود أن يجدد به مجد أسلافه، وقد رزق العقل الذكيّ، والفؤاد الأبيّ، والعلم والبصيرة، فلِمَ لا يصل إلى ما لا يريد؟ ولكن ما كل ما يشتيه الإنسان ويأمله يسهل نواله، وقد وقفت في سبيل البارودي عقبات شتَّى, وظل الأمل يساروه على الرغم من هذه الصعاب.
ويلاه من حاجة في النفس هام بها ... قلبي، وقصر عن إدراكها باعي
أسعى لها وهي مني غير دانية ... وكيف يبلغ شأو الكوكب الساعي؟
ويعترف بهذه العراقيل التي تعترض طريقه، ولولاها لنال ما تمنى.
وإني امرؤ لولا العوائق أذعنت ... لسطوته البدو المغيرة والحضر
وهذا من أصرح الأبيات التي أشار فيها إلى ما يهيم به فؤاده، وإن كان قد ساقه في معرض الفخر بالشجاعة واقتحام ميادين القتال, وقد أخفق البارودي في تحقيق آماله, واعتذر عن هذا الإخفاق كما مر بنا.
стр. 195
ويلوح لنا أن البارودي كان بطبعه محبًّا للحرية, ومتمردًا على الظلم، شأن كل شجاعٍ شريفٍ، ولعل للوراثة، وللنشأة أثرًا في هذا؛ ولقد غذاهما ما حفظه من شعر الحماسة والقوة عند العرب، وهم أبطال الحرية في فيافيهم الواسعة، وقد تغنوا بحروبهم وشجاعتهم وانتصاراتهم وأنفتهم، وكان شعرهم سجلًّا وافيًا لمكارم أخلاقهم، وقد قرأه البارودي وهو بعد شاب غرير، فرسخت هذه الصفات في ذهنه، وشَبَّ مطبوعًا عليها يتمثلها نماذج يحتذيها، يرددها في شعره, ويود أن يحققها عملًا في الحياة، ويقول:
لا عيب في سوى حرية مَلَكَت ... أعنَّتِي عن قبول الذل بالمال
تبعت خطة آبائي فسرت بها ... على وتيرة آداب وآسال١
ويقول:
دع الذل في الدنيا لمن خاف حتفه ... فللموت خير من حياة على أذى
ولقد صوّر البارودي الفساد الذي شاع أمره في مصر، واضطراب أحوالها, والفزع الذي ملأ قلوب الناس، وتنبأ بالثورة الدامية قبل حدوثها، مما يدل على أنه كان على صلة بزعمائها، وأن الناس قد ضاقوا ذرعًا بهذا الفساد وبرموا به, ولابد من سبيل إلى الإصلاح، وذلك حيث يقول:
تنكرت مصر بعد العرف واضطربت ... قواعد الملك حتى ريع طائره
فأهمل الأرض جر الظلم حارثها ... واسترجع المال خوف العدم تاجره٢
واستحكم الهول، حتى ما يبيت فتى ... في جوشن الليل إلّا وهو ساهره٣
ويلمه سكنًا، لولا الدفين به ... من المأثر ما كنا نجاوره
أرضى به غير مغبوط بنعمته ... وفي سواه المنى لولا عشائره
стр. 196
يا نفس لا تجزعي فالخير منتظر ... وصاحب الصبر لا تبلى مرائره
لعل بلجة نور يستضاء بها ... بعد الظلام الذي عمت دياجره
إني أرى أنفسًا ضاقت بما حملت ... وفي الجديدين ما تغنَّى فواقره
شهران أو بعد شهر إن هي احتدمت ... وفي الجديدين ما تغني فواقره
فإن أصبت فمن رأي ملكت به ... علم الغيوب، ورأي المرء ناظره
وقد ذكرنا فيما سبق كيف أن البارودي كان من زعماء الثورة، وأنه كان يطمع في الانقلاب، ولكن لما رأى التيار عنيفًا، وتدخلت فرنسا وإنجلترا، أحجم وتردد ونصح لقومه فلم ينتصحوا، ولم يكن بدًّا من السير في الشوط حتى الغاية، وللبارودي في إبَّان الثورة، وبعدها شعر ملتهب حمية وحماسة وتمردًا على الظلم، أنصت إليه وهو يحرض المصريين على الثورة, ويهيب بهم ألا يستكينوا للحاكم المستبد، ويصور لهم نفوسهم العاجزة الضعيفة بقوله:
فيا قوم هبوا إنما العمر فرصة ... وفي الدهر طرق جمة ومنافع
أصبرًا على مس الهوان وأنتم ... عديد الحصى؟ إني إلى الله راجع
وكيف ترون الذل دار إقامة ... وذلك فضل الله في الأرض واسع
أرى أرؤسًا قد أينعت لحصادها ... فأين ولا أين السيوف القواطع؟
فكونوا حصيدًا خامدين أو افزعوا ... إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافع
أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجة ... إليّ، ولباني الصدى، وهو طائع
فلم أدر أن الله صور قلبكم ... تماثيل لم يخلق لهن مسامع
فلا تدعوا هذي القلوب، فإنها ... قوارير محنيٌّ عليها الأضالع
стр. 197
ويقول معرضًا بالحاكم المستبد:
يأيها الظالم في ملكه ... أغرك الملك الذي ينفد
اصنع بنا ما شئت من قسوة ... فالله عدل، والتلاقي غد
وكان من الداعين إلى نظام الشورى، وقد مدح توفيقًا لما تولّى أريكة مصر, وظن المصريون أنه سيحقق آمالهم الوطنية, ويلبي دعوتهم إلى الأخذ بالشورى؛ حتى لا يستبد الحكام، ولا يقعوا في أخطاء تجلب عليهم وعلى قومهم المصائب كما حدث لإسماعيل:
سن المشورة وهي أكرم خطة ... يجري عليها كل راع مرشد
هي عصمة الدين التي أوحى بها ... رب العباد إلى النبي محمد
فمن استعان بها تأيد ملكه ... ومن استهان بأمرها لم يرشد
أمران ما اجتمعا لقائد أمة ... إلّا جنى بهما ثمار السؤدد
جمع يكون الأمر فيما بينهم ... شورى، وجند للعدو بمرصد
هيهات يحيا الملك دون مشورة ... ويعز ركن المجد ما لم يعمد
ويقول فيها مادحًا توفيقًا:
أطلقت كل مقيد وحللت كل ... معقد وجمعت كل مبدد
وتمتعت بالعدل منك رعية ... كانت فريسة كل باغٍ معتد
ويحرِّضُ الأمة على اليقظة والقوة، حتى لا يستهين السلطان بأمرها:
وكذلك السلطان إن ظن بالأمة ... عجزًا سطا عليها وشدا
ولما أخفقت الثورة وتخاذل الثوار، وخان بعضهم بعضًا، ترك هذا الإخفاق، وذياك الخذلان في نفسه مرارة ظل أثرها في لسانه مدةً، فأخذ يلفظ بشعرٍ مريرٍ, فيه أثر الموجدة والغضب من مثل قوله:
стр. 198
كنا نود انقلابًا نستريح به ... حتى إذا تَمَّ ساءتنا مصايره
ويقول ذامًّا للثورة والثوار، ويحاول أن يتنصل من تبعاتها، وأن ما ناله كان بسبب ما دب بينهم من الشحناء، وأنهم غدورا به:
صبرت على ريب هذا الزمان ... ولولا المعاذير لم أصبر
فلا تحسبني جهلت الصواب ... ولكن هممت فلم أقدر
ثنت عزمتي ثورة المفسدين ... وغلت يدي فترة العسكر
وكنَّا جميعًا فلما وقعت ... صبرت وغادرني مشعري
ولو أنني رمت أعناتهم ... لقلت مقالة مستبصر
ولكنني حين جد الخصام ... رجعت إلى كرم العنصر
وحاول البارودي أن يبرئ نفسه, ويعلل هزيمته, ويصف حنث الثوار في أيمانهم ومواثيقهم وتخاذلهم، ويتندم على زعامته:
دعوني إلى الجلى فقمت مبادرًا ... وإني إلى أمثال تلك لسابق
فلما استمرَّ الجد ساقوا حمولهم ... إلى حيث لم يبلغه حاد وسائق١
فلا رحم الله أمر أباع دينه ... بدنيا سواه، وهو للحق رامق
على أنني حذرتهم غب أمرهم ... وأنذرتهم لو كان يفقه مائق٢
وقلت لهم كفوا عن الشر تغنموا ... فللشر يوم -لا محالة- ماحق
فظنوا بقولي غير ما في يقينه ... على أنني في كل ما قلت صادق
فتبًّا لهم من معشر ليس فيهم ... رشيد ولا منهم خليل يصادق
ظننت بهم خيرًا فأبت بحسرة ... لها شجن بين الجوانح لاصق
فيا ليتني راجعت حلمي ولم أكن ... زعيمًا وعاقتني لذاك العوائق
ويا ليتني أصبحت في رأس شاهق ... ولم أر ما آلت إليه الوثائق
هم عرضوني للقنا، ثم أعرضوا ... سراعًا، ولم يطرق من الشر طارق
وقد أقسموا ألّا يزلوا فما بدا ... سنا الفجر، إلّا والنساء طوالق
стр. 199
ثم يصف فزعهم وفرارهم من المعركة بقوله:
مضوا غير معذورين لا النقع ساطع ... ولا البيض في أيدي الكماة دوالق١
ولكن دعتهم نبأة، فتفرقوا ... كما انقض في سرب من الطير باشق٢
فكم آبقٍ تلقاه من غير طارد ... وكم واقف تلقاه والعقل آبق
إذا أبصروا شخصًا يقولون: جحفل ... وجبن الفتى سيف لعينيه بارق
أسود لدى الأبيات بين نسائهم ... ولكنهم عند الهياج نقانق٣
إذا المرء لهم ينهض بقائم سيفه ... فيا ليت شعري، كيف تحمي الحقائق؟
وقد اتهم البارودي بأنه يطمع في الملك، وأنه يحاول ثل العرش، وخلع توفيق، فقال منكرًا هذه التهمة، معللًا ثورته بعد أن نُفِيَ إلى "سرنديب".
يقول أناس إنني ثرت خالعًا ... وتلك هنات لم تكن من خلائقي
ولكنني ناديت بالعدل طالبًا ... رضا الله، واستنهضت أهل الحقائق
أمرت بمعروف وأنكرت منكرًا ... وذلك حكم في رقاب الخلائق
فإن كان عصيانًا قيامي فإنني ... أردت بعصياني إطاعة خالقي
وهل دعوة الشورى على غضاضة ... وفيها لمن يبغي الهدى كل فارق؟
بلى! إنها فرض من الله واجب ... على كل حي من مسوق وسائق
وكيف يكون المرء حرًّا مهذبًا ... ويرضى بما يأتي به كل فاسق؟
فإن نافق الأقوام في الدين غدرة ... فإني بحمد الله غير منافق
على أنني لم آل نصحًا لمعشر ... أبى غدرهم أن يقبلوا قول صادق
رأوا أن يسوسوا الناس قهرًا فأسرعوا ... إلى نقض ما شادته أيدي الوثائق
فلما استمر الظلم، قامت عصابة ... من الجند تسعى تحت ظل الخوافق
وشايعهم أهل البلاد فأقبلوا ... إليهم سراعًا بين آتٍ ولاحق
يرومون من مولى البلادج نفاذ ما ... تألاه من وعد إلى الناس صادق
стр. 200
وإذا كان البارودي قد أنكر هذه التهمة هنا ونفاها عن نفسه، ففي شعره ما يثبتها ويدل على أنه كان يطلب من الثوار أن يولوه عليهم حاكمًا، ويمدح نفسه، ويطري حكمه، ومن البديهيّ أنه لم يرد رئاسة الوزارة, فقد كان رئيسًا للوزارة، ولكنه يريد ما هو أعلى منها، وتراه يذم هؤلاء الذين يقفون في سبيله ويكيدون له:
من كل وغد يكاد الدست يدفعه ... بغضًا ويلفظه الديوان من ملل
ذلت بهم مصر بعد العز واضطربت ... قواعد الملك حتى ظل في خلل
وأصبحت دولة الفسطاط خاضعة ... بعد الإباء وكانت زهرة الدول
إلى أن يقول:
بئس العشير وبئست مصر من بلد ... أضحت مناخًا لأهل الزور والخطل
أرض تأثل فيها الظلم وانقذفت ... صواعق الغدر بين السهل والجبل
وأصبح الناس في عمياء مظلمة ... لم يخط فيها امرؤ إلا على زلل
أصوحت شجرات المجد أم نضبت ... غدر الحمية حتى ليس من رجل؟!
لا يدفعون يدًا عنهم ولو بلغت ... مس العفافة من جبنٍ ومن خزل١
فما لكم لا تعاف الضيم أنفسكم ... ولا تزول غواشيكم من الكسل
فبادورا الأمر قبل الفوت وانتزعوا ... شكالة الريث فالدنيا مع العجل
وقلدوا أمركم شهمًا أخًا ثقةً ... يكون ردءًًا لكم في الحادث الجلل
ماضي البصيرة غلاب إذا اشتبهت ... مسالك الرأي صاد الباز بالحجل
إن قال بر، وإن ناداه منتصر ... لبى، وإن هم لا يرجع بلا ثقل
يجلوا البديهة باللفظ الوجيز إذا ... عز الخطاب وطاشت أسهم الجدل
ولا تجلوا إذا ما الرأي لاح لكم ... إن اللجاجة مدعاة إلى الفشل
هذي نصيحة من لا يبتغي بدلًا ... بكم وهل بعد قوم المرء من بدل؟
стр. 201
فهذا الشعر السياسيّ، وهذه النفس المتوثبة الطموح، وهذه الثورة المتأججة التي انتهت بصاحبها إلى النفي والتشريد, هي من الجديد في معاني البارودي وشعره، وهي جديدة حتى في الأدب العربيّ كله، وإن كان المتنبي قد حاول من قبل ملكًا وثار على الدنيا التي مكنت للعبيد والخصيان والعلوج في الأرض يسوسون شعوبًا ضعيفة, وجعل يقول:
في كل أرض وطئتها فُدُم ... ترعى بعبد كأنها غنم
فإنه اكتفى بالإشارة والتلميح والزفرة الحارة، وبملامة الدهر ومحاربته في مطلبه، ولكن البارودي كان يطلب شيئًا آخر: كان يطلب الحرية لقومه, والعدل والمساواة، كان يطلب العيشة الهنية في ظلال الحرية، ولا عليه إذا طلب بجانب هذا ملكًا عضوضًا ليحقق لقومه آمالهم، وهَبْ البارودي قَلَّدَ المتنبي في بعض معانيه، فهل كان اقتحامه نار الثورة تقليدًا؟ أو ليس شعره هذا وليد الحوادث وصدى لها؟ وهل فترت عزيمته، ووهنت قوته، وذلت نفسه وهو يقاسي ألم النفي والتشريد، ما دام يدب في جسمه شيء من العافية؟ كلا! وإذا شئت برهانًا فاستمع لهذه الكلمات التي كانت يخشى بأسها على البعد حكام مصر؛ كأنها جيش لهام يبدد سعادتهم.
أبى الدهر إلّا أن يسود وضيعه ... ويملك أعناق المطالب وغده
تداعت لدرك الثأر فينا ثعالة ... ونامت على طول الوتيرة أسده
فحتَّام نسري في دياجير محنة ... يضيق بها عن صبحة السيف غمده؟
إذا المرء لم يدفع يد الجور إن سطت ... عليه فلا يأسف إذا ضاع مجده
ومن ذل خوف الموت كانت حياته ... أضر عليه من حمام يؤده
وأقتل داء رؤية العين ظالمًا ... يسيء، ويتلى في المحافل حمده
علام يعيش المرء في الدهر خاملًا ... ويفرح في الدنيا بيوم يعده؟
يرى الضيم يغشاه فيلتذ وقعه ... كذى جرب يلتذ بالحلد جلده
стр. 202
عفاء على الدنيا إذا المرء لم يعش ... بها بطلًا يحمي الحقيقة شده
من العار أن يرضى الفتى بمذلة ... وفي السيف ما يكفي لأمر يعده
وإني امرؤ لا أستكين لصولة ... وإن شد ساقي دون مسعاي قده
أبت لي حمل الضيم نفس أبية ... وقلب إذا سيم الأذى شب وقده
وربما قيل: إن البارودي كان ذا أثرة، وأنه كان يسعى سعيه لتحقيق أمله, وأنه لم يكن مخلصًا في دعوته لمحابة الظلم, وسواء كان هذا صحيحًا أو غير صحيح، فالذي نلمسه هو أن البارودي كان يتغنى بمصر وأهلها ويظهر محبته لها، وحرصه على خيرها ونفعها، بما لم نسمعه قبل من شاعر، إنها الروح القومية الجديدة سرت في شعوب الأرض, وجعلتهم يطالبون بالحرية والاستقلال، ويشيدون بأوطانهم, ويتغنون بمآثر قومهم, وقد تمثلت هذه الروح في البارودي على غير انتظار, وعلى غير سابقة من شعراء وطنه وزمنه، أصغ إلى القطعة التالية، والمس ما بها من حرارة الصدق والمحبة؛ لتعرف أكان البارودي مخلصًا في دعواه أو مداجيًا؟
فيا مصر مد الله ظلك وارتوى ... ثراك بسلسالك من النيل دافق
ولا برحت تمتار منك يد الصبا ... أريجًا يداوي عرفه كل ناشق
فأنت حمى قومي، ومشعب أسرتي ... ومعلب أترابي، ومجرى سوابقي
بلاد بها أهلًا كرامًا وجيرةً ... لهم جيرة تعتادني كل شارق
هجرت لذيذ العيش بعد فراقهم ... وودعت ريعان الشباب الغرانق
إننا لانستطيع أن نحكم على البارودي وشعره ينطق بوطنيته، بأنه منافق خداع، إنه كان يحب وطنه، وفي سبيله شرد ونفي.
стр. 203
ومن عجائب ما لاقيت من زمني ... أني منيت بخطب أمره عجب
لم أقترف زلة تقضي عليّ بما ... أصبحت فيه، فماذا الويل والحرب؟
فهل دفاعي عن ديني وعن وطني ... ذنب أدان به ظلمًا وأغترب؟!
لقد كان يحب مصر حبًّا ملك عليه شغاف قلبه، وهو القائل فيها:
بلد نشأت مع النبات بأرضها ... ولثمت ثغر غديره المتبسم
فنسيمها روحي ومعدن تربها ... جسمي وكوثر نيلها محيا دمي
فإذا نطقت فبالثناء على الذي ... أولته من فضل عليّ وأنعم
هي جنة الحسن التي زهراتها ... حور المها، وهزار أيكتها فمي
ما إن خلعت بها سيور تمائمي ... حتى لبست بها حمائل مخذمي
إن هذه النغمة الوطنية جديدة -كما ذكرنا- في الشعر العربيّ, وحسب البارودي فخرًا أنه من أوائل من تغنَّى بأمجاد وطنه في العصر الحديث, ولقد كاد يقضي أسى وهو يغادر مصر إلى منفاه، وزفر زفرة ملتهبة ينفس بها عن جواه:
ولما وقفنا للوداع وأسبلت ... مدامعنا فوق الترائب كالمزن
أهبت بصبري أن يعود فبزني ... وناديت حلمي أن يثوب فلم يغن
فكم مهجة من زفرة الشوق في لظى ... وكم مقلة من غزرة الدمع في دجن
وما كنت جربت النوى قبل هذه ... فلما دهتني كدت أقضي من الحزن
ولكنه سرعان ما يثوب إلى رشده، ويكفكف من دمعه، ويتجلد أمام خصومه, ويظهر سمات الرضا، وأنه يؤثر أن يبرح أرضًا يغشيها الظلم، تصك أنات الجور مسمعيه، وتؤذي رؤية وجه الغدر ناظريه.
стр. 204
فيا قلب صبرًا إن جزعت فربما ... جرت سنحا طير الحوادث باليمن
فقد تورث الأغصان بعد ذبولها ... ويبدو ضياء البدر في ظلمة الوهن
وكيف مقامي بين أرض أرى بها ... من الظلم ما أخنى على الدار والسكن١
فسمع أنين الجور قد شاك مسمعي ... ورؤية وجه الغدر حل عرى جفني
ولقد زاده النفي حبًّا في وطنه وتعلقًا به، وترديدًا لمحاسنه، ويتمثله على البعد جنةً دانية القطوف, عبقة الشذى، فمن ذلك قوله وهو بالمنفى, ويتشوق إلى أيام لهوه التي حرمها، وإلى الأرض الطيبة التي أبعد عنها، ويصف جزيرة سرنديب وصفًا جميلًا، وفيه تصوير دقيق، يدل على حسٍّ مرهف، وذوق فنان عبقريٍّ.
لبيك يا داعي الأشواق من داعي ... أسمعت قلبي وإن أخطأت أسماعي
مرني بما شئت أبلغ كل ما وصلت ... يدي إليه فإني سامع واعي
إني امرؤ لا يرد العذل بادرتي ... ولا تفل شباة الخطب إزماعي٢
أجري على شيمة في الحب صادقة ... ليست تهم إذا ريعت بإقلاع٣
للحب من مهجتي كهف يلوذ به ... من غدر كل امرئ بالشر وقاع
يا حبذا جرعة من ماء محنية ... وضجعة فوق برد الرمل بالقاع
ونسمة كشميم الخلد قد حملت ... ريّا الأزهير من ميث وأجراع٤
يا هل أراني بذاك الحي مجتمعًا ... بأهل ودي من قومي وأشياعي
وهل أسوق جوادي للطراد إلى ... صيد الجآذر في خضراء ممراع
منازل كنت منها في بلهنية ... ممتعًا بين غلماني وأتباعي
فاليوم أصبحت لا سهمي بذي صرد ... إذا رميت، ولا سيفي بقطاع٥
стр. 205
أييبت في قنة قنواء قد بلغت ... هام السماك وفاتته بأبواع١
يستقبل المزن ليتيها بوابلة ... وتصدم الريح جنبيها بزعزاع٢
يظل شمراخها يبسًا وأسفلها ... مكللًا بالندى يرعى به الراعي
إذا البروق ازمهرت خلت ذروتها ... شهمًا تدرع من تبر بأدراع
تكاد تلمس منها الشمس دانية ... وتحبس البدر عن سير وإقلاع
أظل فيها غريب الدار مبتئسًا ... نابي المضاجع من هَمٍّ وأوجاع
لا في "سرنديب" خل أستعين به ... على الهموم إذا هاجت ولا راعي
يظنني من يراني ضاحكًا جذلًا ... أني خلي، وهمي بين أضلاعي
ولا روبك ما جدوى بمندرس ... على البعاد ولا صبري بمطواع
لكنني مالك حزمي، ومنتظر ... أمرًا من الله يشفي برح أوجاعي
أكف غرب دموعي وهي جارية ... خوف الرقيب وقلبي جد ملتاع
فإن يكن ساءني دهري، وغادرني ... رهن الأسى بين جدب بعد إمراع
فإن في مصر إخوانًا يسرهم ... قربي، ويعجبهم نظمي وإبداعي
ويقول من قصيدة أخرى وهو في المنفى يتشوق إلى مصر:
يا "ورضة النيل" لا مستك بائقة ... ولا عدتك سماء ذات أغداق٣
ولا برحت من الأوراق في حلل ... من سندس عبقريِّ الوشى براق
يا حبذا نسم من جوها عبق ... يسري على جدول بالماء دفاق
بل حبذا دوحة تدعو الهديل بها ... عند الصباح قماري بأطواق
مرعى جيادي، ومأوى جيرتي، وحمى ... قومي، ومنبت آدابي وأعراقي
أصبوا إليها على بعد، ويعجبني ... أني أعيش بها في ثوب إملاق
стр. 206
ج- النسيب:
وقد مَرَّ بنا أن البارودي قد قلَّدَ القدماء في الوقوف على الأطلال والدمن، وفي الأوصاف الموروثة، وفي الوصف الماديِّ للمرأة والنظرة إليها نظرة السلعة، ولكنه مع هذا قد تحلَّلَ أحيانًا من كل تلك القوالب القديمة، وترَفَّعَ في نظرته إلى المرأة، فحسبه منها نظرة:
إني لأقنع من هواك بنظرةٍ ... وأعدها صلةً إذا لم تمنعي
هذي مناي وحبذا لو نلتها ... عن طيب نفسٍ فهي أكبر مقنع١
وهو يمتدح بعفته في حبه, ويبين مذهبه في الوداد بقوله:
إني امرؤ ملك الواد قيادتي ... وجرى على صدق العهود وفائي
لا أستريح إلى السلو، ولو جنى ... خِلِّي عليَّ، ولا أشين ولائي
لا ذمتي رهن الفكاك ولا يدي ... تلقى أزمة عفتي وحيائي
ويقول:
على أنني لم آت في الحب زلة ... تغض بذكري في المحافل أو تزري
ولكنني طوفت في عالم الصبا ... وعدت ولم تعلق بفاضحة أزري
ويقول:
والعشق مكرمةٌ إذا عفَّ الفتى ... عمَّا يهيم به الغويّ الأصور٢
стр. 207
يقوى به قلب الجبان ويرعوي ... طمع الحريص، ويخضع المتكبر
وقد يفطن أحيانًا إلى أن المرأة بها من أنواع الجمال غير هذه السمات المادية فقال:
تركتني من غمرات الهوى ... في لُجِّ بحر الردى زاخر
أسمع في قلبي دبيب المنى ... وألمح الشبهة في خاطري
وقد وُفِّقَ البارودي في البيت الثاني أيَّمَا توفيق، على أن معظم نسيب البارودي من الشعر القديم، وقد وفيناه نعتًا فيما سبق.
د- الهجاء:
والهجاء نوعان: شخصي وهو ما درج عليه معظم شعراء العربية، واجتماعي، ويراد به ذلك الهجاء التهكمي الذي يقصد إلى تجسيم عيبٍ من عيوب المجتمع وتصويره في أبشع صورة رغبةً في الإصلاح، وقد يتمثَّل هذا العيب الاجتماعيُّ في شخص من الأشخاص؛ فيهجوه الشاعر, ويبرز ذلك العيب فيه بشكلٍ يسترعي انتباه القارئ أو السامع، وليس الشخص مقصودًا لذاته في مثل هذا النوع من الهجاء، وإنما المقصود هو هذه السوأة الاجتماعية، وقد لجأ شعراء الغرب إلى التمثيل يصورون فيه هذه المثالب الإنسانية العامة، ويجسِّمون العيوب تجسيمًا يحمل الشعب على الاشمئزاز منها والبعد عنها؛ كما فعل شكسبير في رواياته الكثيرة, وكما فعل موليير في هزلياته.
وقد وُجِدَ في شعر البارودي نوعا الهجاء: الشخصي والاجتماعي، وأَكْثَرَ من النوع الاجتماعيِّ على غير عادة شعراء العربية، فهو يشكو الناس ونفاقهم وظلمهم وغدرهم، ويصور قومه ويعدد عيوبهم، ويحرضهم على إصلاح تلك العيوب, وقد مرت بنا نماذج من النوعين؛ فقصيدته التي يدعو فيها لنفسه ويعدد محاسنه وينعى على مواطنيه صفاتهم وخمولهم والتي يقول فيها:
стр. 208
بئس العشير وبئست مصر من بلد ... أضحت مناخًا لأهل الزور والخطل
أرض تأثل فيها الظلم وانقذفت ... صواعق الغدر بين السهل والجبل
من نوع الهجاء الاجتماعي، والمقطوعة التي ذمَّ فيها النهم والجشع من الهجاء الشخصي, وإن لم يظهر فيها أمرًا شخصيًّا, أو عداوةً خاصةً على هجائه, وإنما ذمه بعيب عامٍّ, وهو الجشع والنهم.
ومن النوع الاجتماعي: قوله يذم زمانه وينعى على معاصريه تلونهم وعدم وفائهم في صداقتهم، ولا سيما وقد خذوله وآذوه:
أنا في زمانٍ غادرٍ ومعاشر ... يتلونون تلون الحرباء
أعداء غيب ليس يسلم صاحب ... منهم وأخوة محضر ورخاء
أقبح بهم قومًا بلوت إخاءهم ... فبلوت أقبح ذمة وإخاء
قد أصبحوا للدهر سبة ناقم ... في كل مصدر محنة وبلاء
وأشد ما يلقى الفتى في دهره ... فقد الكرام وصحبة اللؤماء
شقي ابن آدم في الزمان بعقله ... إن الفضيلة آفة العقلاء
فهو هنا لا يذم شخصًا بعينه لعداوةٍ خاصةٍ بينه وبينه، وإنما يذم عيبًا اجتماعيًّا متفشيًا، ولو تناول هذا العيب شاعر غربيٌّ لأظهر لنا شخصية المنافق في مسرحية شائقة, ولأوسعه سخريةً وتهكمًا, ولكن البارودي أوجز في وصفه على عادة العرب؛ على أن له قطعًا تصويرية جميلة في هذا النوع الاجتماعيّ, اسمعه مثلًا يصور جارة تكثر من الصخب والضوضاء، ولها أولاد يتشاجرون كثيرًا، ويملئون الجوَّ صراخًا وعويلًا، لا تراعي هذه الجارة حرمة الجيران، ولا تعبأ براحة سواها، ومن العجيب أن هذا العيب لا يزال متنشرًا في كثيرٍ من بلدان الشرق بدعوى الحرية الكاذبة، فترى الجار يقلق راحة جاره بشتَّى الوسائل؛ فتارةً بالمذياع، وأخرى بمكبرات الصوت أو بالمشاجرة مع أهله وأولاده.. إلى آخر ما هنالك من أنواع المضايقات، والبارودي أديب ومفكر، وقد ابتلاه الله بجارةٍ مقلقةٍ للراحة تبدد ضوضاؤها، وجلبتها أفكاره وخيالاته, فلا بدع إذا سخط عليها وبرم بها:
стр. 209
إلى الله أشكو طول ليلي وجارة ... تبيت إلى وقت الصباح بإعوال
لها صبيةٌ لا بارك الله فيهم ... قباح النواصي لا ينمن على حال
صواريخ لا يهدأن إلّا مع الضحى ... من الشر في بيت من الخير ممحال
ترى بينهم -يا فرق الله بينهم- ... لهيب صياح يصعد الفلك العالي
كأنهم مما تنازعن أكلب ... طرقن على حين المساء برئبال
فهجن جميعًا هيجة فزعت لها ... كلاب القرى ما بين سهل وأجبال
فلم يبق من كلب عقور وكلبة ... من الحيّ إلَا جاء بالعم والخال
وفزعت الأنعام والخيل فانبرت ... تجاوب بعضًا في رغاء وتصهال
فقامت رجال الحيّ تحسب أنها ... أصيبت بجيش ذي غوارب ذيال
فمن حاملٍ رمحًا ومن قابضٍ عصًا ... ومن فَزِعٍ يتلو الكتاب بإهلال
ومن سبية ريعت لذك ونسوة ... هوائم دون الباب يهتفن بالوالي
فيا رب هب لي من لدنك صبرًا ... على ما أقاسيه وخذهم بزلزال
ومن هجائه الشخصيِّ الذي ينهش فيه العرض، ويذم الشخص بصفات خاصة فيه حتى تؤذيه، قوله: وهو من أخف أهاجيه:
هجوته لا بالغًا لؤمه ... لكنني كفكفت من غربه
فإن أكن قد نلت من عرضه ... فإني دنست شعري به
فلا يلومن سوى نفسه ... من سلط الناس على ثلبه
وقوله:
وقد تكوَّن من لؤم ومن دنس ... فما يغار على عرضٍ ولا حسب
يلتذ بالطعن فيه والهجاء كما ... يلتذ بالحك والتظفير ذو الجرب
стр. 210
ولقد كان مولعًا بهجاء رياض "باشا"؛ إذ كان يرى فيه معولًا هدَّامًا للحركة الوطنية، وعدوًّا للشعب، ونصيرًا للاستبداد والظلم، ولم يغفر له البارودي وشايته به لدى توفيق حين رأى ميوله الشعبية, فأخرجه من الوزارة ولم يعد إلّا بعد أن ترضاه توفيق.
ومن أهاجيه المقذعة في رياض قوله:
إن ملكًا فيه رياض وزير ... لمباح للخائنين وبل١
أهوج أحمق ستيم لئيم ... أغتم أبله زنيم عتل
صغرت رأسه وأفرط في الطول ... شواه وعنقه فهو صعل
أبرزت قدرة الطبيعة فيه ... شكل لؤم إن كان للؤم أهل
ليس تغني الألقاب عن كرم الأصل ... فمجد الفتى عفاف وعقل
أنت من عنصر لو اتكأ الذر ... عليه لآده منه حمل
نازعتك اليهود واختلفت فيك ... النصارى فأنت لا شك بغل٢
وقد هجاه البارودي بقصيدةٍ أخرى مطلعها:
ما لي بودي بعد اليوم إلمام ... فاذهب فأنت لئيم العهد نمام
على أن البارودي لم يكن هجَّاء، وأهاجيه الشخصية قليلة إذا قيست بشعره كله، ولكن سخطه على الناس وتبرمه بأخلاقهم وعيوبهم كثيرٌ نوعًا ما، وهو يدل على النزعة الإصلاحية عنده, ويدل على أنه قد أوذي ولقي من قومه محنًا كثيرة، وأنه كان يضيق بأخلاقهم ذرعًا, فهذا الهجاء الاجتماعي جديد في شعر البارودي، إنه صوَّرَ به عصره وناسه تصويرًا ملونًا بشعوره الخاص، وحسبنا من الشاعر
стр. 211
أن يصور ما يختلج في صدره من عواطف وأحاسيس, وأن ينقل إلينا مشاعره الخاصة، لا أن يستتر وراء سدف كثيفة مصطنعة من المجاملات والنفاق الاجتماعي، والمدح الكاذب.
هـ- المخترعات الحديثة:
حفل القرن التاسع عشر بكثيرٍ من المخترعات الحديثة التي ذللت الطبيعة وأرضختها لخدمة الإنسان, وجعلت أمور الحياة هينةً أمامه, وقد أخذت مصر بنصيبٍ من هذه المخترعات, فانتشر فيها مثلًا استخدام الكهرباء وآلة التصوير، وعرفت في أواخر أيام البارودي الطائرات، وما شاكل ذلك، وكان البارودي حريصًا على أن يستمد تشبيهاته من هذه المخترعات الحديثة رغبةً في الطرافة، وتمثيل عصره، فيقول مثلًا:
تعرض لي يومًا فصورت حسنه ... ببلورتي عينيِّ في صفحة القلب
ويقول:
فالعقل كالمنظار يبصر ما نأى ... عنه بعيدًا دون لمس باليد
ويقول:
شفت زجاجة فكري فارتسمت بها ... عليك من منطقي في لوح تصوير١
ويقول:
جسم برته يد الضنى حتى غدا ... قفصًا به للقلب طير يصفر
لولا التنفس لاعتلت بي زفرة ... فيخالني طيارة من يبصر
стр. 212
قد يبدو على بعض هذه الأبيات شيءٌ من التكلف، ولكن البارودي ما كان ليستطيع أن يبتعد عن استخدام هذه المخترعات في شعره، وهو الولوع بالتجديد في الشعر, الحريص على أن يمثِّلَ زمانه تمام التمثيل.
ج- نظرة عامة:
رايت مما سبق أن البارودي حاول أن يجدد في الشعر العربي من حيث الموضوعات التي تناولها، ولا سيما في الوصف، وفي الشعر السياسي، ورأيت أن الوصف قد تناول نواحي عدة: من وصف للطبيعة، والأشخاص، وميادين القتال، والأشياء، وأن وصف البارودي كان في الغالب وصفًا حسيًّا يقف عند التصوير المشوب بشيءٍ من العاطفة دون أن يتعمق فيه، ويحلل ويوازن ويتخيل، وأن موصوفاته كانت كذلك من المشاهدات غالبًا، ولم يحاول وصف الأمور المعنوية والنفسية إلّا قليلًا؛ ومع ذلك, فالبارودي بإفراده قصائد خاصة بالوصف, وبمحاكاته الطبيعة في شعره، وإتيانه بالأدب الواقعيّ المجرد من العواطف والأخيلة إلّا القليل، قد فتح فتحًا عظيمًا في الشعر العربيّ، ونفض عنه غبار السنين الطويلة، وعرض القديم عرضًا جديدًا شائقًا جذابًا، ومهَّدَ الطريق لمن أتى بعده من الشعراء، ناهيك بأسلوبه الفخم الجزل، وبعده عن الزخارف والحلى التي تطغى على المعنى وتذهب ببهاء الشعر، وتدعو إلى التكلف والتعسف.
ومن أهم مزايا الباروديأنه كان بعيدًا عن التكلف، بل كاني ينطلق في سجيته، ويظهر كل ما في نفسه، ويصور مشاعره السارة والحزينة دون إخفاء أي شيء منها، وقد يغلبه التقليد للقديم أحيانًا فيخالف طبعه، ويسير على غير سجيته، ويتكلَّف القول محاكيًا القدماء، وتلمس أثر هذا التكلف واضحًا ليس عليه طابع البارودي ولا شخصيته، وقد مر بنا عند الكلام على القديم في شعره نماذج من هذ الطراز.
وهناك أغراض تقليدية قال فيها الشعراء منذ عصر امرئ القيس، وقال فيها البارودي كذلك مثل: الرثاء والمدح والحكمة وما شاكل هذا. ولا نستطيع أن نختم الكلام على البارودي قبل أن نرى موقفه من هذه الأغراض.
стр. 213
الرثاء:
ولم يرث البارودي إلّا صديقًا أو قريبًا، فلم يكن رثاؤه مفتعلًا أو من شعر المناسبات، وإنما كان منبعثًا عن عاطفةٍ صادقةٍ، وقد تمثَّل في رثائه كل ما يخطر ببال الراثي، من تفجع وشكوى من الزمن والحياة وسخط عليها, وإظهار لمحاسن المرثيّ، وبعض الحكم يتأسَّى بها الشاعر أو يعظ بها غيره، ويقدِّمُ العزاء أحيانًا لأهل البيت، وإن لم يحاول الوقوف على سر الحياة الأخرى، وأن يستشف ما بعد الموت كما كان يفعل شوقي, وقد يأتي الباوردي ببعض المعاني القديمة في قصائد الرثاء؛ كأن يدعو الله أن ينزل الغيث على جدث الميت, وما شايع هذا من الصيغ التقليدية المعروفة، وهو يظهر الجزع والحزن الشديد دون مبالغة جارفة في النعوت التي يضفيها على الميت، وجزعه وحزنه لا يدلان على عاطفة مشبوبة وقلب وفيٍّ، ولا سيما وقد قال معظم مراثيه وهو في المنفى, فزاد في أساه لوعة النوى عن الوطن، وحرمانه التزود من الميت بنظرة أو حديث، ودعاه هذا إلى توجيه الخطاب للشامتين به في نكبته ومحنته, وأن يظهر لهم التجلد في أخريات قصائده، وأنه ما زال صلب العود ولا سيما إذا كان الميت من ذوي قرابته.
ومن أحسن مراثيه قوله في ولده عليِّ:
كيف طوتك المون ويا ولدي؟ ... وكيف أودعتك الثرى بيدي؟
وا كبدي، يا عليُّ بعدك لو ... كانت تبل الغليل وا كبدي!!
فقدك سَلَّ العظام مني ورَدَّ ... الصبر عني وفت في عضدي
كم ليلة فيك لا صباح لها ... سهرتها باكيًا بلا مدد
دمع وسهد، وأي ناظرة ... تبقى على المدمعين والسهد؟!
لهفي على لمحة النجابة لو ... دامت إلى أن تفوز بالسدد
ما كانت أدري إذ كنت أخشى عليك ... العين أن الحمام بالرصد
فاجأني الدهر فيك من حيث لا ... أعلم ختلًا والدهر كالأسد
لولا اتقاء الحياة لاعتضت بالحلم ... هيامًا يحيق بالجلد
стр. 214
لكن أبت نفسي الكريمة أن ... أثلم حد العزاء بالكمد
فليبك قلبي عليك، فالعين لا ... تبلغ بالمدع رتبة الخلد١
إن يك أخنى الردى عليك، فقد ... أخنى أليم الضنى على جسدي
عليك مني السلام توديع لا ... قال، ولكن توديع مضطهد
ومن رثائه الذي يَنُمُّ عن عاطفةٍ صادقةٍ، ويظهر فيه الأسى واللوعة، وعظيم التفجع من غير مواربة أو تحفظ، رثاؤه لزوجته، وقد ورد إليه نعيها وهو بسرنديب، وعلى الرغم من أن رثاء الشعراء لزوجاتهم قليل في الأدب العربي، فإن قصيدة البارودي هذه تعد من عيون قصائد الرثاء، وهي تدل على الوفاء والمحبة, وعلى فرط حساسيته، ويقول في مطلعها:
أيد المنون قدحت أي زناد ... وأطرأت أية شعاعة بفؤادي
ومنها:
لا لوعتي تدع الفؤاد ولا يدي ... تقوى على رد الحبيب الغادي
يا دهر فيم فجعتني بحليلة ... كانت خلاصة عدتي وعتادي؟
إن كنت لم تحرم ضناي لبعدها ... أفلا رحمت من الأسى أولادي
أفردتهن فلم ينمن توجعًا ... قرحى العيون رواجف الأكباد
يبكين من وَلَه فراق حفية ... كانت لهن كثيرة الإسعاد
فخدودهن من الدموع ندية ... وقلوبهن من الهموم صوادي
أسليلة القمرين! أي فجيعة ... حلت لفقدك بين هذا النادي؟
أعزز عليَّ بأن أراكِ رهينةً ... في جوف أغبر قائم الأسداد
أو أن تبيني عن قرارة منزل ... كنت الضياء له بكل سواد
لو كان هذا الدهر يقبل فدية ... بالنفس عنك لكن أول فاد
стр. 215
ثم يذكر وفاءه لها، ولعله بذلك يسوغ رثاءه لها على الرغم من شهرته بالجلد والشجاعة, ولأنه لم تجر العادة بأن يرثي الشعراء زوجاتهم إلّا في النادر؛ ولعل ظرف البارودي، وبعده في المنفى عن أهله وأولاده، ورعاية هذه الزوجة لهؤلاء الأولاد هو الذي حَزَّ في نفسه، وتذكَّرَ أيامه الطيبة السعيدة في عش الزوجية بوطنه الحبيب، كما أنه كان يتخيل أن كل كارثةٍ تحلُّ بهم تشمت به الأعداء فيزيد ذلك من لوعته, قال:
جزع الفتى سمة الوفاء، وصبره ... غدر يدل به على الأحقاد
ومن البلية أن يسام أخو الأسى ... رعي التجلد وهو غير جماد
وإذا عددت مراثيه وجدته رثى أصدقاؤه الأدباء الذين كانت بينهم وبينه آصرة محبة ووداد، وتقدير وتفاهم، مثل: أحمد فارس الشدياق، وعبد الله فكري، وحسين المرصفي, ووجدته رثى أولاده، وزوجته، ورثى والده، وإن كان قد توفي وهو صبي كما عرفنا، ولذلك جاء رثاؤه لوالده خاليًا من العاطفة فيه كثير من الفخر، ليس فيه تفجع الحزين، ولا حسرات الفراق، وبه كثير من المبالغات غير المقبولة، وفيه يقول:
لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي ... طاح الردى بشهاب الحرب والنادي
مات الذي ترهب الأقران صولته ... ويتقي بأسه الضرغامة العادي
جف الندى، وانقضى عمر الجدى وسرى ... حكم الردى بين أرواح وأجساد
المدح:
واقتصر في مدحه على ولاة مصر: إسماعيل، وتوفيق، وعباس، وهو في مدحه لا ينسى مصر وموقف الوالي منها، وما قَدَّمَ لها, أو ما يرجى على يديه من خيرات لمواطنيه، فيمدح توفيقًا لعزمه على الأخذ بالشورى والعدل، ويستطرد إلى مدح النظام الشوري, وأنه من تعاليم الإسلام، والأمة التي لا تأخذ به مصيرها إلى