أن يصور ما يختلج في صدره من عواطف وأحاسيس, وأن ينقل إلينا مشاعره الخاصة، لا أن يستتر وراء سدف كثيفة مصطنعة من المجاملات والنفاق الاجتماعي، والمدح الكاذب.
هـ- المخترعات الحديثة:
حفل القرن التاسع عشر بكثيرٍ من المخترعات الحديثة التي ذللت الطبيعة وأرضختها لخدمة الإنسان, وجعلت أمور الحياة هينةً أمامه, وقد أخذت مصر بنصيبٍ من هذه المخترعات, فانتشر فيها مثلًا استخدام الكهرباء وآلة التصوير، وعرفت في أواخر أيام البارودي الطائرات، وما شاكل ذلك، وكان البارودي حريصًا على أن يستمد تشبيهاته من هذه المخترعات الحديثة رغبةً في الطرافة، وتمثيل عصره، فيقول مثلًا:
تعرض لي يومًا فصورت حسنه ... ببلورتي عينيِّ في صفحة القلب
ويقول:
فالعقل كالمنظار يبصر ما نأى ... عنه بعيدًا دون لمس باليد
ويقول:
شفت زجاجة فكري فارتسمت بها ... عليك من منطقي في لوح تصوير١
ويقول:
جسم برته يد الضنى حتى غدا ... قفصًا به للقلب طير يصفر
لولا التنفس لاعتلت بي زفرة ... فيخالني طيارة من يبصر
стр. 212
قد يبدو على بعض هذه الأبيات شيءٌ من التكلف، ولكن البارودي ما كان ليستطيع أن يبتعد عن استخدام هذه المخترعات في شعره، وهو الولوع بالتجديد في الشعر, الحريص على أن يمثِّلَ زمانه تمام التمثيل.
ج- نظرة عامة:
رايت مما سبق أن البارودي حاول أن يجدد في الشعر العربي من حيث الموضوعات التي تناولها، ولا سيما في الوصف، وفي الشعر السياسي، ورأيت أن الوصف قد تناول نواحي عدة: من وصف للطبيعة، والأشخاص، وميادين القتال، والأشياء، وأن وصف البارودي كان في الغالب وصفًا حسيًّا يقف عند التصوير المشوب بشيءٍ من العاطفة دون أن يتعمق فيه، ويحلل ويوازن ويتخيل، وأن موصوفاته كانت كذلك من المشاهدات غالبًا، ولم يحاول وصف الأمور المعنوية والنفسية إلّا قليلًا؛ ومع ذلك, فالبارودي بإفراده قصائد خاصة بالوصف, وبمحاكاته الطبيعة في شعره، وإتيانه بالأدب الواقعيّ المجرد من العواطف والأخيلة إلّا القليل، قد فتح فتحًا عظيمًا في الشعر العربيّ، ونفض عنه غبار السنين الطويلة، وعرض القديم عرضًا جديدًا شائقًا جذابًا، ومهَّدَ الطريق لمن أتى بعده من الشعراء، ناهيك بأسلوبه الفخم الجزل، وبعده عن الزخارف والحلى التي تطغى على المعنى وتذهب ببهاء الشعر، وتدعو إلى التكلف والتعسف.
ومن أهم مزايا الباروديأنه كان بعيدًا عن التكلف، بل كاني ينطلق في سجيته، ويظهر كل ما في نفسه، ويصور مشاعره السارة والحزينة دون إخفاء أي شيء منها، وقد يغلبه التقليد للقديم أحيانًا فيخالف طبعه، ويسير على غير سجيته، ويتكلَّف القول محاكيًا القدماء، وتلمس أثر هذا التكلف واضحًا ليس عليه طابع البارودي ولا شخصيته، وقد مر بنا عند الكلام على القديم في شعره نماذج من هذ الطراز.
وهناك أغراض تقليدية قال فيها الشعراء منذ عصر امرئ القيس، وقال فيها البارودي كذلك مثل: الرثاء والمدح والحكمة وما شاكل هذا. ولا نستطيع أن نختم الكلام على البارودي قبل أن نرى موقفه من هذه الأغراض.
стр. 213
الرثاء:
ولم يرث البارودي إلّا صديقًا أو قريبًا، فلم يكن رثاؤه مفتعلًا أو من شعر المناسبات، وإنما كان منبعثًا عن عاطفةٍ صادقةٍ، وقد تمثَّل في رثائه كل ما يخطر ببال الراثي، من تفجع وشكوى من الزمن والحياة وسخط عليها, وإظهار لمحاسن المرثيّ، وبعض الحكم يتأسَّى بها الشاعر أو يعظ بها غيره، ويقدِّمُ العزاء أحيانًا لأهل البيت، وإن لم يحاول الوقوف على سر الحياة الأخرى، وأن يستشف ما بعد الموت كما كان يفعل شوقي, وقد يأتي الباوردي ببعض المعاني القديمة في قصائد الرثاء؛ كأن يدعو الله أن ينزل الغيث على جدث الميت, وما شايع هذا من الصيغ التقليدية المعروفة، وهو يظهر الجزع والحزن الشديد دون مبالغة جارفة في النعوت التي يضفيها على الميت، وجزعه وحزنه لا يدلان على عاطفة مشبوبة وقلب وفيٍّ، ولا سيما وقد قال معظم مراثيه وهو في المنفى, فزاد في أساه لوعة النوى عن الوطن، وحرمانه التزود من الميت بنظرة أو حديث، ودعاه هذا إلى توجيه الخطاب للشامتين به في نكبته ومحنته, وأن يظهر لهم التجلد في أخريات قصائده، وأنه ما زال صلب العود ولا سيما إذا كان الميت من ذوي قرابته.
ومن أحسن مراثيه قوله في ولده عليِّ:
كيف طوتك المون ويا ولدي؟ ... وكيف أودعتك الثرى بيدي؟
وا كبدي، يا عليُّ بعدك لو ... كانت تبل الغليل وا كبدي!!
فقدك سَلَّ العظام مني ورَدَّ ... الصبر عني وفت في عضدي
كم ليلة فيك لا صباح لها ... سهرتها باكيًا بلا مدد
دمع وسهد، وأي ناظرة ... تبقى على المدمعين والسهد؟!
لهفي على لمحة النجابة لو ... دامت إلى أن تفوز بالسدد
ما كانت أدري إذ كنت أخشى عليك ... العين أن الحمام بالرصد
فاجأني الدهر فيك من حيث لا ... أعلم ختلًا والدهر كالأسد
لولا اتقاء الحياة لاعتضت بالحلم ... هيامًا يحيق بالجلد
стр. 214
لكن أبت نفسي الكريمة أن ... أثلم حد العزاء بالكمد
فليبك قلبي عليك، فالعين لا ... تبلغ بالمدع رتبة الخلد١
إن يك أخنى الردى عليك، فقد ... أخنى أليم الضنى على جسدي
عليك مني السلام توديع لا ... قال، ولكن توديع مضطهد
ومن رثائه الذي يَنُمُّ عن عاطفةٍ صادقةٍ، ويظهر فيه الأسى واللوعة، وعظيم التفجع من غير مواربة أو تحفظ، رثاؤه لزوجته، وقد ورد إليه نعيها وهو بسرنديب، وعلى الرغم من أن رثاء الشعراء لزوجاتهم قليل في الأدب العربي، فإن قصيدة البارودي هذه تعد من عيون قصائد الرثاء، وهي تدل على الوفاء والمحبة, وعلى فرط حساسيته، ويقول في مطلعها:
أيد المنون قدحت أي زناد ... وأطرأت أية شعاعة بفؤادي
ومنها:
لا لوعتي تدع الفؤاد ولا يدي ... تقوى على رد الحبيب الغادي
يا دهر فيم فجعتني بحليلة ... كانت خلاصة عدتي وعتادي؟
إن كنت لم تحرم ضناي لبعدها ... أفلا رحمت من الأسى أولادي
أفردتهن فلم ينمن توجعًا ... قرحى العيون رواجف الأكباد
يبكين من وَلَه فراق حفية ... كانت لهن كثيرة الإسعاد
فخدودهن من الدموع ندية ... وقلوبهن من الهموم صوادي
أسليلة القمرين! أي فجيعة ... حلت لفقدك بين هذا النادي؟
أعزز عليَّ بأن أراكِ رهينةً ... في جوف أغبر قائم الأسداد
أو أن تبيني عن قرارة منزل ... كنت الضياء له بكل سواد
لو كان هذا الدهر يقبل فدية ... بالنفس عنك لكن أول فاد
стр. 215
ثم يذكر وفاءه لها، ولعله بذلك يسوغ رثاءه لها على الرغم من شهرته بالجلد والشجاعة, ولأنه لم تجر العادة بأن يرثي الشعراء زوجاتهم إلّا في النادر؛ ولعل ظرف البارودي، وبعده في المنفى عن أهله وأولاده، ورعاية هذه الزوجة لهؤلاء الأولاد هو الذي حَزَّ في نفسه، وتذكَّرَ أيامه الطيبة السعيدة في عش الزوجية بوطنه الحبيب، كما أنه كان يتخيل أن كل كارثةٍ تحلُّ بهم تشمت به الأعداء فيزيد ذلك من لوعته, قال:
جزع الفتى سمة الوفاء، وصبره ... غدر يدل به على الأحقاد
ومن البلية أن يسام أخو الأسى ... رعي التجلد وهو غير جماد
وإذا عددت مراثيه وجدته رثى أصدقاؤه الأدباء الذين كانت بينهم وبينه آصرة محبة ووداد، وتقدير وتفاهم، مثل: أحمد فارس الشدياق، وعبد الله فكري، وحسين المرصفي, ووجدته رثى أولاده، وزوجته، ورثى والده، وإن كان قد توفي وهو صبي كما عرفنا، ولذلك جاء رثاؤه لوالده خاليًا من العاطفة فيه كثير من الفخر، ليس فيه تفجع الحزين، ولا حسرات الفراق، وبه كثير من المبالغات غير المقبولة، وفيه يقول:
لا فارس اليوم يحمي السرح بالوادي ... طاح الردى بشهاب الحرب والنادي
مات الذي ترهب الأقران صولته ... ويتقي بأسه الضرغامة العادي
جف الندى، وانقضى عمر الجدى وسرى ... حكم الردى بين أرواح وأجساد
المدح:
واقتصر في مدحه على ولاة مصر: إسماعيل، وتوفيق، وعباس، وهو في مدحه لا ينسى مصر وموقف الوالي منها، وما قَدَّمَ لها, أو ما يرجى على يديه من خيرات لمواطنيه، فيمدح توفيقًا لعزمه على الأخذ بالشورى والعدل، ويستطرد إلى مدح النظام الشوري, وأنه من تعاليم الإسلام، والأمة التي لا تأخذ به مصيرها إلى
стр. 216
الانهيار، والملك الذي لا يتبعه ملك غير عادل، وملكه سرعان ما يدب إليه الضعف؛ وهو في مدحه لعباس يذكر عدله وأريحيته، وما يرجى على يديه من نفع، وقد مدح عباسًا لأنه عفا عنه وأعاده إلى وطنه، فكان لزامًا عليه حين يمدحه أن يذكر له هذه اليد الكريمة، أما إسماعيل: فقد مدحه حين وُلِّيَ على أريكة مصر، وقدم نفسه لإسماعيل وأطراها، وأظهر استعداه لخدمته، وخدمة وطنه، وهذا ولم يغفل أن يثني على كل ممدوحيه وينعتهم بكرم الأصل وحب الخير والعدل, وأنهم ذوو هيبةٍ وشمائل كريمة ... إلخ هذه الصفات المعروفة والمعاني المطروقة، وقد مرَّت بنا بعض أبيات من مدحه لتوفيق وعباس، وهاك بعض ما قاله في إسماعيل حين ولي أريكة مصر:
طَرِبَ الفؤاد وكان غير طروب ... والمرء رهن بشاشة وقطوب
ورد البشير، فقلت من سرف المنى ... أعد الحديث عليَّ فهو حسيبي
خبر جلا صدأ القلوب فلم يدع ... فيها مجال تحفز لوجيب
فلتهن مصر وأهلها بسلامة ... جاءت لها بالأمن بعد خطوب
بالماجد المنسوب، بل بالأروع الـ ... مشبوب، بل بالأبلج المعصوب١
رب العلا والمجد "إسماعيل" مَنْ ... وضحت به الأيام بعد شحوب
وَرَدَ البلادَ وليلها متراكب ... فأضاءها كالكوكب المشبوب
برويَّةٍ تجلو الصواب وعزمة ... تمضي مضاء اللهذم المذروب٢
ويقول فيها:
وأعاد مصر إلى جمال شبابها ... من بعد ما لبست خمار مشيب
فتنعمت من فيضه في غبطة ... وتمتعت من عدله بنصيب
стр. 217
ويقدم نفسه لإسماعيل بقوله:
فاسمع مقالة صادق لم ينتسب ... لسواك في أدب ولا تهذيب
أوليته خيرًا, فقام بشكره ... والشكر للإحسان خير ضريب
فاعطف عليه تجد سليل كرامة ... أهلًا لحسن الأهل والترحيب
ينبيك ظاهره بود ضميره ... والوجه وسمة مخلص ومريب
وإليك من حوك اللسان حبيرة ... بغنيك رونقها عن التشبيب
حضرية الأنساب إلّا أنها ... بدوية في الطبع والتركيب
ولم يكن البارودي شاعرًا مدَّاحًا مكتسبًا بشعره, كما درج على هذه العادة معظم الشعراء في الأدب العربي، ولكنه كان أميرًا فارسًا عفيفًا, يقول الشعر للتعبير عن خلجات فؤاده, وقد قال:
الشعر زينا المرء ما لم يكن ... وسيلة للمدح والذام
وهو إذا مدح لم يقصد بمدحه العطاء، وإنما للتعريف بمنزلته، أو الشكر على يدٍ أسديت إليه، أو حثٍّ على مكرمة، ومديحه خالٍ من المبالغات المذمومة والنعوت الموهومة، وهذا طبيعيٌّ ما دام لم يقصد بمدحه صلة أوعطية؛ لأن الشعراء إنما لجئوا إلى هذه المبالغات ظنًّا منهم أنها تزيد في عطائهم، وأن نفس الممدوح تسر لها فيغدق عليهم جزيل الهبات.
فخره:
وقد افتخر البارودي كما عرفت بنسبه وحسبه، وافتخر كذلك بشجاعته وفروسيته, وقد أكثر من القول في هذا المعنى, وله فيه مبالغات سخيفة؛ فمن ذلك قوله يفتخر ببأسه ونجدته, وأنه مَلَكَ أَزَّمةَ الفصاحة والبيان، وأن الزمان لو تقدَّم به لبذ الشعراء الفحول, ولسطر اسمه على جبين التاريخ بالفخر إلى آخر هذه المعاني المعروفة من مثل قوله:
стр. 218
ولي شيمة تأبى الدنايا وعزمة ... ترد لهام الجيش وهو يمور
إذا سرت فالأرض التي نحن فوقها ... مراد لمهردي المعاقل دور
فلا عجب إن لم يصرني منزل ... فليس لعقبان الهواء وكور
وأصبحت محسود الجلال كأنني ... على كل نفس في الزمان أمير
إذا صلت كف الدهر من غلوائه ... وإن قلت غصَّت بالقلوب صدور
ملكت مقاليد الكلام وحكمة ... لها كوكب فخم الضياء منير
فلو كنت في عصر الكلام الذي انقضى ... لباء بفضلي "جرول" و"جرير"
ولو كنت أدركت الواسي لم يقل ... "أجارة بيتينا أبوك غيور"
وما ضرني أني تأخرت عنهم ... وفضلي بين العالمين شهير
فيا ربما أخلى من السبق أول ... وبذ الجياد السابقات أخير
ويسود هذا النوع من الفخر شعر البارودي، ويبين أنه محسود المكانة، وأنه فريد عصره وواحد دهره, كما يقول:
فإن أكن عشت فردًا بين آصرتي ... فهأنا اليوم فرد بين أندادي
بلغت من فضل ربي ما غنيت به ... عن كل قارٍ من الأملاك أو باد
فما مددت يدي إلّا لمنح يد ... ولا سعت قدمي إلّا لإسعاد
الزهد:
ولعل قوله في الزهد يرجع إلى تلك الحالات النفسية التي غلبة فيها اليأس على أمره؛ وهو وحيد شريد يعاني غصص الفراق والنفي, وإلا فهذه النفس الطموح التي خاطرت وغامرت وتطلعت إلى الملك, وتلذذت ونعمت بالحياة, كانت بعيدةً عن الزهد في الحياة، ولعلها لم تزهد إلّا مرغمة، وعلى كلٍّ فما قاله في الزهد قليل, مما يدل على أنه أثر لنوباتٍ كانت تعتريه؛ فيتشاءم من الدنيا ويتذكر الموت، والموت يذكره بالعمل الصالح والإقلاع عن الغواية والجهل، ويذكّره بمن ماتوا قبله من ملوك أمراء وأصحاب عروش وضياع, ذهبوا وذهبت دنياهم
стр. 219
الحافلة باللذات, وعمرت منهم القبور؛ ولم يذد عنهم الموت مالهم ولا جاههم, إلى آخر هذه المعاني التي استنفدها من قبل أبو العتاهية، وصالح بن عبد القدوس, وأضرابهما, من مثل قوله:
كل حي سيموت ... ليس في الدنيا ثبوت
حركات سوف تفنى ... ثم يتلوه خفوت
وكلام ليس يحلو ... بعده إلّا السكوت
أيها السادر قل لي ... أين ذاك الجبروت؟
كنت مطبوعًا على النطق ... فما هذا الصموت؟
ليت شعري أهمود ... ما أراه أم قنوت؟
أين أملاك لهم في ... كل أفق ملكوت؟!
زالت التيجان عنهم ... وخلت تلك التخوت
ومما يتصل بهذا الموضوع مدحه لرسول الله ﷺ ، وقد مدحه بقصيدةٍ طويلةٍ يتوسل فيها بجاهه ويطلب شفاعته، ويرجو الرحمة والمغفرة من الله بسببه, ويقول:
هو النبيُّ الذي لولا هدايته ... لكان أعلم من في الأرض كالهمج
أنا الذي بِتُّ من وجدي بروضته ... أحنُّ شوقًا كطير البانة الهزج
هاجت بذكراه نفسي فاكتست ولهًا ... وأي صب بذكر الشروق لم يهج
يا رب بالمصفى هب لي وإن عظمت ... جرائمي -رحمةً تغني عن الحجج
ولا تكلني إلى نفسي فإن يدي ... مغلولة، وصباحي غير منبلج
ما لي سواك وأنت المستعان إذا ... ضاق الزحام غداة الموقف الحرج
стр. 220
الحكمة:
وقد أكثر البارودي من قول الحكم، ومعظمها حكم مبتكرة, وقع عليها السابقون, وصاغها البارودي صياغةً جديدةً بأسلوبه الجزل الفخم, وقد وردت له كثير من الأبيات السائرة التي صارت كأنها أمثال كقوله:
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
وقوله:
وقليلًا ما يصلح المرء للجد ... إذا كان ساقط الأجداد
وقوله:
لعمرك ما في الدهر أطيب لذة ... من اللهو في ظل الشبيبة واليسر
وقوله:
إذا ساء صنع المرء ساءت حياته ... فما لصرف الدهر يوسعها سبا
ومن أبيات الحكمة التي اشتهر بها قوله:
والدهر كالبحر لا ينفك ذا كدر ... وإنما صفوه بين الورى لمع
لو كان للمرء فكر في عواقبه ... ما شان أخلاقه حرص ولا طبع١
وكيف يدرك ما في الغيب من حدث ... من لم يزل بغرور العيش ينخدع
دهر يغرُّ، وآمال تسر وأعمار ... تمر، وأيام لها خدع
يسعى الفتى لأمور قد تضر به ... وليس يعلم ما يأتي وما يدع
يأيها السادر المزور من صلف ... مهلًا فإنك بالأيام منخدع
دع ما يريب، وخذ فيما خلقت له ... لعل قلبك بالإييان ينتفع
إن الحياة لثوب سوف تخلعه ... وكل ثوب إذا ما رَثَّ ينخلع
стр. 221
وهي حكم قريبة مأخوذة من تجارب عادية, ليست فيها فلسفة عميقة، ولا تدل على مذهب في الحياة ومصيرها ومصدرها، أو على نظرة عامة شاملة للكون، وإنما هي نظرات عابرة ليس فيها تحليل دقيق، ولا سبر لأغوار الحياة والمجتمع ونفسيته، ولكنها حلوة الصياغة خفيفة على الألسنة متقنة السبك.
وبعد، فهذه معظم الموضوعات التي تكلم فيها البارودي, وقد عقَّبْنَا على كل موضوع بكلمة موجزة، وعرفنا إلى أي حَدٍّ مشى البارودي في ظل القدماء, وإلى أي حَدٍّ تميَّزَت شخصيته، وبرزت خصائصه، وفي شعر البارودي هنات.
هنات:
وهذه الهنات قليلة لا تقدح في منزلته, ولا تغض من شأنه، وبعض هذه الهنات ترجع إلى:
١- لغويات: فاستعمل البارودي كلمات كثيرة غير موجودة في المعاجم, ولا يعين عليها الاشتقاق الصرفي من مثل قوله: "همامة نفس" فهذا المصدر بالمعنى الذي يريده, أي: قوة العزم, غير موجود في المعجمات التي بين أيدينا، وقد يلتمس له تخريج بعيد، فيه كثير من التعسف، ومن مثل قوله: "يكفيك منه إذا استحس" يريد أحس، ومثل قوله:
شفت زجاجة فكري فارتسمت بها ... علياك من منطقي في لوح تصويري
فارتسمت بمعنى: رسمت, غير موجودة بالمعجمات، ومعناها في المعاجم امتثل؛ ومثل قوله:
فكم سلموا عينًا بها تبصر العلا ... وشلوا يدًا كانت بها راية النصر
والفعل شل لازم، ويتعدى بالهمزة, فيقال: أشل الله فلانًا, واستعمله الشاعر متعديًا بنفسه، وقد يوجد له تخريج بعيد.
стр. 222
ومن مثل قوله: "تمديدًا نحو السماء خضيبة" وخضيب على وزن فعيل بمعنى: مفعول, أي: مخضوبة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث إن تبع الموصوف, ولهذا قالوا: كَفٌّ خضيبٌ وامرأة خضيبٌ, فاستعمال خضيبة خطأ.
ومثل قوله:
فما أبصرته الخيل حتى تمطرت ... بفرسانها واستتلعت كي تخلص
وليس بالمعجمات استتلعت، وإنما بها تعلت, بمعنى: مدت أعناقها، وقد يقال: إن زيادة الهمزة والسين والتاء للطلب, قياسية عند بعض الصرفيين.
٢- وقد يخطئ البارودي في الأساليب العربية في مثل قوله:
إذا راطنوا بعضًا سمعت لصوتهم ... هديدًا تكاد الأرض منه تميد
والفصيح إذا راطن بعضهم بعضًا
ولكن هذا قليل في شعره؛ لأنه على قول الفصيح لكثرة محفوظه من كلام العرب الخلص.
٣- ومن المآخذ التي كثيرًا ما يعير بها البارودي اتهامه بسرقات شعرية تأتي في صورة أبيات أو أنصاف أبيات من مثل قوله:
على طلاب العز من مستقره ... ولا ذنب لي إن عارضتني المقادر
وهو من قول أبي نواس:
على طلاب العز من مستقره ... ولا ذنب لي إن حاربتني المطالب
ومثل قوله:
نميل من الدنيا إلى ظل مزنة ... لها بارق فيه المنية تلمع
стр. 223
فالشطر الثاني مأخوذٌ من قول أبي العتاهية.
لها عارض فيه المنية تلمع.
وقول البارودي:
قد يظفر الفاتك الألوى بحاجته ... وليس يدركها الهيابة الخلط
مأخوذ من قول الشاعر العباسي:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
قوله:
وما الحلم عند الخطب والمرء عاجز ... بمستحسن كالحلم والمرء قادر
مأخوذ من قول المتنبي:
كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لا جيء إليها اللئام
وهناك أبيات كثيرة تدل على نظرته إلى أشعار القدماء؛ وقد ذكرنا آنفًا أن البارودي لم يسرق، ولم يتعمد أخذ هذه الأبيات والسطو عليها، وإنما كثر محفوظه، وتأثر به كل التأثر، ولا سيما إذا كان يعارض قصيدةً لشاعر مجيد، فإنه يجاريه حتى لقد يختلط شعره بشعره, وتتعذر التفرقة بينهما، وذلك لجودة محاكاته وسلامة طبعه، وقد ترد على لسانه كلمات أو أبيات من أشعار القدماء دون أن يدرك؛ لأنها من محفوظه, وقد عرفنا أنه لم يتعلم قواعد اللغة والصرف وغيرهما, وإنما صار يقرأ الشعر يحفظه حتى مرن لسانه على قوله, وتملك أزمة اللغة، وطُبِعَ على الفصاحة، كل هذه الهنات التي ذكرناها مصدرها اعتداده بنفسه, واعتماده على ذاكرته, وعدم دراسته المنظمة؛ ولكنها تفاهةٌ لا تغض من شعره أو تضير منزلته بشيء.
٤- هذا وللبارودي مبالغات سقيمة من مثل قوله:
وما زاد ماء النيل إلّا لأنني ... وقفت به أبكي على الأحباب
стр. 224
ويكرر هذا المعنى في قوله:
وكفكفت دمعًا لو أسلت شئونه ... على الأرض ما شك امرؤ أنه البحر
ومن مثل قوله:
إذا تنفست فاضت زفرتي شررًا ... كما استنار وراء القدحة اللهب
على أنها تغتفر له, فإنها خيالات شاعر.
منزلته:
يدين الشعر العربي الحديث للبارودي بأنه النموذج الحيّ الذي احتذاه الشعراء من بعده, وساروا على نهجه في أسلوبه وأغراضه، وذلك لأنه أتى -كما رأيت- بشعر جزلٍ رائق الديباجة, عذب النغم, في حقبة ساد فيها شعر الضعف والصنعة وضحالة المعنى وعقم الخيال، ثم إنه مثَّل عصره أتمَّ تمثيلٍ, وكان صدًى لحوادث بيئته, فكان قدوةً لمن جاء على أثره في التجديد.
أضف إلى ذلك أنه علمهم كيف يتجهون إلى الأدب العربي في أزهى عصوره, ويغترفون من ذخائره؛ بحيث لا تفنى شخصياتهم، فيقوى أسلوبهم, وتشرق ديباجتهم, ويبعدون عن الحلى المتكلفة، وبذلك سار الشعر من بعده إلى الأمام, ولم يجرع أبدًا إلى عصور الضعف والركاكة.
وممن تتلمذ على البارودي واقتفى أثره عدد كبير من شعراء العربية, اتخذوه إمامهم غير مدافع؛ كشوقي وحافظ والرافعي وصبري وعبد المطلب والجارم والكاظمي والرصافي وأحمد محرم والكاشف ونسيم والزين وغيرهم، وعلى تباينٍ بينهم في حظِّ كلٍّ منهم من التجديد والتأثر بثقافة الغرب ومذاهبه الأدبية.
وعلى الرغم من قيام مدرسة مجددة نشيطة يتزعمها مطران وشكري والمازني والعقاد وأبو شادي، فلا يزال كثيرون في البلاد العربية بعامة وفي
стр. 225
مصر بخاصة، يحنون إلى ديباجة البارودي وموسيقى مدرسته, مع الأخذ بطرفٍ من التجديد في المعاني والأخيلة والصور.
وحسب البارودي فخرًا أنه أحيا الشعر بعد مواته, على غير مثالٍ سبق من معاصريه.
ونقول مع هيكل: إنه كان مجددًا في كل بيت من أبياته, حتى في معارضاته للقدماء, والنهج على منهجهم.
هذا وقد حاول البارودي التجديد في الأوزان؛ فنظم قصيدةً من تسعة عشر بيتًا على وزن جديد هو مجزوء المتدارك، ولم يسبق للعرب أن نظموا منه، وإنما ورد المتدارك عندهم كاملًا أو مشطورًا, تلك هي القصيدة التي يقول في أولها:
املأ القدح ... وعص من نصح
واروغلتي ... بابنة الفرح
فالفتى متى ... ذاقها انشرح
وقد نظم شوقي من هذا الوزن الذي اخترعه البارودي قصيدته التي مطلعه:
مال واحتجب ... وادعي الغضب
ليت هاجري ... يشرح السبب
стр. 226
الفصل الخامس: نهضة النثر
موضوعاته
...
نهضة النثر:
عرفت فيما سبق كيف أن الصحافة في عصر إسماعيل نهضت بلغة الكتابة، وحررت النثر من السجع المتكلف، والإمعان في طلب المحسنات البديعية، وأنها تناولت موضوعاتٍ شتَّى مما يَمُسُّ الحياة العامة ومشكلات الشعوب، بيد أن نظرتها ثمة كانت عابرة، لم تقف طويلًا للتعرف على خصائص هذا النثر ومميزاته الفنية، والموضوعات المتباينة العديدة التي خاض غمارها، والعوامل الكثيرة التي تضافرت على النهوض به، والتي اتخذت من الصحافة منبرًا يذيع على الناس فكرًا جديدًا.
ورأيت أن المدرسة الديوانية التي مثلها: عبد الله فكري, لم تتناول السياسة والاجتماع والإصلاح، وأن موضوعاتها لم تتعد الأمور الشخصية, أو الأدبية البحتة؛ كرسائل التعزية والتهنئة والاعتذار والرجاء، أو وصف منظر جميل, أو أنية أنيقة الصنع ... وما شاكل ذلك مما يكون مبعثه الشعور الشخصي.
ولقد شهدت أخريات عهد إسماعيل، وعهد توفيق لونًا جديدًا من النثر، وأدبًا ينبض بالحياة وبالحرارة, رأينا نتفًا منه قبل١ وآن لنا نخصه بنظرة واسعة.
١- موضوعاته:
أما موضوعات هذا النثر فكانت واسعة الأفق، وتناولت مشكلات الحياة وما يهم الشعوب, وما يبعث على اليقظة والنهضة ممثلة في:
١- الدافع عن الشعوب المظلومة التي ظلت تئن تحت نير العبودية والعسف قرونًا مديدة، لا تعرف كيف تراجع الحاكم في حكمٍ أبرمه ولو كان ظالمًا، ولا كيف تثور وتشكو وتئن وتتوجع وتسمع شكاتها للعالم، والحاكم سادر في غلوائه، يمتص دماءها، ويسخرها لأهوائه وشهواته؛ ولا يفكر في نفعها إلا بمقدار ما يعود عليه من الفائدة، استمع للأستاذ الإمام محمد عبده كيف يصور لك حال مصر قبل أن يشيع هذا الأدب الجديد والفكر الجرئ في أرجائها.
стр. 227
"إن أهالي مصر قبل سنة ١٢٩٣هـ كانو يرون شئونهم العامة بل والخاصة, ملكًا لحاكمهم الأعلى، ومن يستنيبه عنه في تدبير أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم موكولان إلى أمانته وعدله, أو خيانته وظلمه؛ ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيًا يحق له أن يبديه في إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيها صالحًا لأمته، ولا يعلمون من علاقة بينهم وبين الحكومة سوى أنهم مصرفون فيما تكلفهم الحكومة به وتضربه عليهم.
وكانوا في غاية البعد عن معرفة ما عليه الأمم الأخرى, سواء كانت إسلامية أو أوروبية, ومع كثرة من ذهب منهم إلى أوروبا وتعلم فيها من عهد محمد علي الكبير إلى ذلك التاريخ، وذهاب العدد الكثير منهم إلى ما جاورهم من البلاد الإسلامية إيام محمد علي باشا الكبير, وإبراهيم باشا, لم يشعر الأهالي بشيء من ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك المعارف, ومع أن إسماعيل باشا أبدع مجلس الشورى في مصر سنة ١٢٨٣، وكان من حقه أن يعلم الأهالي أن لهم شأنًا في مصالح بلادهم, وأن لهم رأيًا يرجع إليه فيها، لم يحس أحد منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأن لهم ذلك الحق الذي يقتضيه تشكيل هذه الهيئة الشورية؛ لأن مبدع المجلس قيده في النظام وفي العمل، ولو حدث إنسانًا فكره السليم بأن هناك وجهة خيرٍ غير التي يوجهها إليه الحاكم لما أمكنه ذلك؛ فإن بجانب كل لفظ نفيًا عن الوطن، أو إزهاقًا للروح، أو تجريدًا من المال".
وكان الأدب صدى لهذه الحياة البئيسة التي تقبر فيها الحريات وتغل العقول، ويتغنى بما قام به هذا الحاكم الظالم من أفعال وضيعة، ويصور سيئاته حسنات، وسخافاته آيات، وحماقاته معجزات، ولكن الأدب الجديد ينظر إلى هذه الشعوب، ويجعل خيرها غايته, فيجمعهم على من اعتدى عليها، ويبين للناس سوء حالهم, ومواضع بؤسهم وأدوائهم، وطرق علاجها، ويقف للحكام بالمرصاد، يذيع سيئاتهم ومظالمهم وينقدهم في غير هوادة أو رفق، ويشجع أفراد الأمة على المطالبة بحقوقهم، وألّا يخشوا بأس الحاكم وجبروته؛ لأنه مدين بقوته لهم، وبغناه وضياعه لكدهم وكدحهم.
واستمع كذلك إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده كيف يحرض الأمة على خلع نير العبودية، والحد من سطوة الحاكم الغاشم، وينعى عليه جهله وسفالته:
стр. 228
"إن الأمة التي ليس لها في شئونها حلٌّ ولا عقدٌ، ولا تستشار في مصالحها, ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحاكمٍ واحدٍ؛ إرادته قانون, ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ويتداولها العلم والجهل، ويتبادل عليها الغنى والفقر، ويتناوبها العز والذل، وكل ما يعرض عليها من هذه الأحوال خيرها وشرها، فهو تابع لحال الحاكم، فإن كان حاكمها عالما حازمًا أصيل الرأي، عالي الهمة، رفيع المقصد، قويم الطبع، سَاسَ الأمة بسياسة العدل, ورفع فيها منار العلم، ومهَّدَ لها طرق اليسار والثروة، وفتح لها أبوابًا للتفنن في الصنائع والحذق في جميع الوازم اليحاة، وبعث في أفراد المحكومين روح الشرف والنخوة، وحملهم على التحلي بالمزايا الشريفة؛ من الشهامة والشجاعة، وإباء الضيم، والأنفة من الذل، ورفعهم إلى مكانة عليًّا من العزة، ووطَّأَ لهم سبل الراحة والرفاهة وتقدم بهم إلى كل وجهٍ من وجوه الخير.
وإن كان حاكمها جاهلًا، سيئ الطبع، سافل الهمة، جبانًا, ضعيف الرأي أحمق الجنان، خسيس النفس، معوج الطبيعة، أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران، وضرب على نواظرها غشاوات الجهل، وجلب عليها غائلة الفاقة والفقر، وجار في سلطته عن جادة العدل، وفتح أبوابًا للعدوان؛ فيتغلب القويّ على حقوق الضعيف، ويختل النظام، وتفسد الأخلاق، وتخفض الكلمة, ويغلب اليأس؛ فتمتد إليها أنظار الطامعين، وتضرب الدول الفاتحة بمخالبها في أحشاء الأمة، عند ذلك, إن كان في الأمة رمق من الحياة، وبقيت فيها بقية منها، وأراد الله بها خيرًا، اجتمع أهل الرأي وأرباب الهمة من أفرادها, وتعانوا على اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة، واستئصال جذورها، قبل أن تنشر الرياح بذورها، وأجزاءها السامة القاتلة بين جموع الأمة فتميتها, وينطقع الأمل من العلاج١".
بمثل هذا الأدب أخذ المصلحون ينادون الشعوب المستكينة للذل, ويوقظونها من سباتها العميق, وينددون بما عليه أبناؤها من جبن وخور، فلا يغضبون لكرامة امتهنت، ولا يثورون لعفاف ثلم، وشرف دنس:
стр. 229
"الجبن هو الذي أوهى الممالك فهدم بناءها، هو الذي قطع روابط الأمم فحل نظامها، هو الذي وهن عزائم الملوك فانقلبت عروشهم، وأضعف قلوب العالمين فسقطت صروحهم، هو الذي يغلق أبواب الخير في وجوه الطالبين, ويطمس معالم الهداية عن أنظار السائرين، يسهل على النفوس احتمال الذلة, ويخفف عليها مضض المسكنة، ويهون عليها حمل نير العبودية الثقيل, ويوطن النفس على تلقي الإهانة بالصبر والتذليل بالجلد، ويوطن الظهور الجاسية لأحمال من المصاعب أثقل مما كان يتوهم عروضه عند التحلي بالشجاعة والإقدام، والجبن يلبس النفس عارًا دون القرب منه موت أحمر عند كل روح زكية, وهمة علية، ويرى الجبان وعر المذلات سهلًا، وشظف العيش في المسكنات رفهًا ونعيمًا".
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام١
وإذا جاوز الحاكم حده، طغى وبغى واستبدَّ، وباع بلاده للأجانب الطامعين، والمستعمرين الغاصبين، ونكَّلَ بالأحرار المفكرين؛ كما فعل نوبار باشا مثلًَا حين طلب إبعاد الزبير باشا من مصر، وحين حارب كثيرًا من المصلحين، وحين مكَّن للإنجليز في وادي النيل، فإن زعماء الإصلاح لا يترددون في التحريض على قتله، وتخليص الأمة منه".
"وإني أتعجب، وكل ذي إحساس يتعجب، من سكان الديار المصرية من المصريين والأتراك والحجازيين واليمانيين، ألَا يوجد بين هؤلاء فتًى يشمِّر عن ساعده ويتقدم بصدره، ويخطو خطوةً إلى هذا الوزير الأرمنيّ فيبطل هذه الصفقة, وينقض هذه البيعة، ويكشف له وللمغرورين من أمثاله حقيقة الوطنية، ويرفع الحجاب عن واجبات الملية؟ لا حول ولا قوة إلّا بالله! إن المولعين بحب الحياة يقضونها من خوف العبودية في العبودية، ويتجرعون مرارات سكرات الموت في كل لحظة خوفًا من الموت, لا يسوقهم إلى مرضاة الله، ولا الحمية تدفعهم إلى ما به فخار الإنسان"٢.
стр. 230
وأنصت إلى السيد جمال الدين الأفغاني كيف يثير في النفوس الحمية، ويريدها متمردةً على الطغيان والعسف والهوان، وينعى على المصريين خورهم واستكانتهم إلى كل من يحكمهم؛ فقد روى سليم عنحوري عن السيد جمال الدين قوله: "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرونٌ منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم، وأنتم تحملون عبء الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتهم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتسنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم معرضون، فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية، وفي رءوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة، وتناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس، ثم العرب والأكراد والمماليك، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت.
انظروا أهرام مصر, وهياكل ممفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم.
هبوا من غفلتكم ... اصحوا من سكرتكم ... عيشوا كباقي الأمم أحرارًا سعداء١.
بل كان السيد جمال الدين في غاية الجرأة يحرِّضُ على الثورة علانيةً في كلماتٍ ملتهبة تثير الهمم الخامدة، وتحيي العزائم الميتة، وتحرك العقول الجامدة، من مثل قوله من خبطة له بالإسكندرية قبيل خلع الخديو إسماعيل:
"أنت أيها الفلاح المسكين, تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟ لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك"٢.
стр. 231
ومن الكلمات التي تتلظى لهبًا, وتتقد غيرة وحماسة حين تصور بؤس المصريين, وكيف يسومهم حكامهم العسف والخسف, تلك الكلمة التي كتبها أديب إسحق وهو مريض بباريس, تحت عنوان: "نفثة مصدور" ويوازن فيها بين الحياة النيابية الحرة في فرنسا وحياة الاستبداد بمصر, فيقول: "وأنا تحت سماء الإنصاف على أرض الراحة، بين أهل الحرية أسمع ألحانًا في مجالس العدل، فأذكر أنين قومي في مجالس الظلمة، وتحت سياط الجلادين، فأنوح نوع الثاكلات، وأرى علائم النعمة في معاهد المساواة، فأذكر شقاء سربي في ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممتزجًا بسواد القلب, فأكتب إليهم: يا قوم ظلمتم غير معذورين، وصبرتم غير مأجورين وسعيتم غير مشكورين, فهلكتم غير مأسوف عليكم، تصبرون على الظلم حتى يحسبه الناظر عدلًا، وتبتسمون للقيد حتى يظنه الناقد حليًّا، وتخفضون للظالمين جناح الذل حيث يقول من يراكم: ما هؤلاء بشر, إن هم إلّا آلة سخرت للناس، يفلحون بها الأرض ويزرعون، يقلب الجائرون عليكم أنواع المكايد وأصناف الحيل وألوان الخداع فيما يختلسون, كما تقلب المشعوذة لدى الأطفال أوجه الودعات في استخراج ما يضمرون.
رأيت فلاحهم في حقله الصغير, يتناول الطعام أكلًا مريئًا, وينام القيلولة نومًا هنيئًا، يأوي إلى البيت فيأكل بين عياله, ويتلو عليهم صحيفة النهار, ثم ينام ملء عينيه، لا يحلم بسوط المأمور ولا يتصور عصا الشيخ، ولا يتذكر حبس المدير، فتخيلتكم بين السواقي والأنهار تشتغلون سحابة اليوم؛ لتجتمعوا على القصعة السواداء فتلتهموا فتات الشعير، وتنكبوا على الترعة فتشربوا الماء الكدر، تعودون إلى الأرض المريعة تزرعونها، والغلة الوفيرة تحصدونها، لتنصرفوا إلى أكواخٍ باليةٍ تشبه قبورًا توالت عليها السنون، فيجتمع من حولكم الصغار لا تعرف أبدانهم الوقاء، ونساء تعوضن الأقذار عن الكساء، ثم يأتيكم المأمور سالبًا، والشيخ غاضبًا، والمدير ناهبًا، فأنتم في بلاءٍ مستقرٍّ، وعناء مستمرٍّ، وتحصدون البُرَّ ولا تأكلون، وتملكون الأرض ولا تسكنون"١.
стр. 232
بل استمع إليه يحرض على الثورة جهرةً في كلمته التي كتبها تحت عنوان: "التردد", وهو فيها لا يقل حميةً وحماسةً عن جمال الدين، ساقها في أسلوبٍ شعريٍّ يهيج العواطف, وذلك حيث يقول:
"قد بليتم بما يذيب الشحم, ويفري اللحم، وينقي العظم, وأنتم صابرون؛ ومنيتم بما وفَّرَ النقم وغير النعم, وأهلك النعم وأنتم صامتون، ورزقهتم بما جلب المصاب، وهتك الحجاب، وأبرز الكعاب وأنتم خاشعون، فما الذي تخافون؟
تقولون: لا نرضى بهذ الخسف، ولا نقوى على احتمال الذل، فقد صار تاجرنا عاملًا، ونبيهنا خاملًا، وعالمنا سائلًا، فلم يبق فينا غير الأجير والتابع والشحاذ والزارع، والجندي منخفض الجانب، والشرطيّ منقطع الراتب، بل زارعنا الذي يدفن مع الحبة قوة يمينه، ويسقي الغرس بماء جبينه, نزيلٌ في دار أبيه، وغريب في أرض ذويه، يحصد مما زرع ولكن لسواه، ويجني مما غرس ولا يذوق جناه.
وكأني بكم عصابة، من أهل الهمة الإصابة، ترفعون الأصوات في طلب الحق المسلوب، وتمدون الأكف لالتماس المال المنهوب، وتجعلون الأبدان للوطن سورًا يرد عنه العدو مذعورًا، وأنتم الكلمة المتحدة, والقوة المجتمعة هي أقوى من العدد الكثير إلّا أنكم تترددون.
فيا حليف الصبر, ويا نضو العناء، نداء مشارك في بلواك، وسامع لنجواك، دع التردد إن أردت النجاح والنجاة، وأقدم، فرب حياةٍ تكون في طلب الموت، ورب موتٍ يجئ من طلب الحياة"١
وهي كما ترى كلمة تحمل روح جمال الدين، وتحض على الثورة علانيةً، بتنبيه المصريين لمهاوي الذلة التي تردوا فيها، وحثهم على استخلاص حقهم بالقوة من ظالميهم.
стр. 233
٢- الدعوة إلى الأخذ بنظام الشورى في الحكم، حتى تشعر الأمة أن مقدراتها بيدها، وحتى تأمن جانب الحكام وعبثهم بكنوزها وأزراقها، بل مقامرتهم على استقلالها وحريتها، وحتى لا تدع للأجانب حجة يتكئون عليها في إشرافهم على الحكومة وإدارتها.
وقد رأيت طرفًا مما قاله البارودي الشاعر في الشورى، وقد كانت هذه الروح التي تجلَّت في شعر البارودي قبسًا من نار مشتعلة في نفس جمال الدين الأفغاني وصحبه وحوارييه من أمثال محمد عبده وعبد الله نديم، وأديب إسحق، استمع إلى هذا الحوار بين توفيق باشا وبين جمال الدين الأفغاني, وقد طلبه للمثول بين يديه في قصر عابدين:
قال توفيق: إني أحب كل المصريين، ويسرني أن أرى بلادي وأبناءها في أعلى درجات الرقيِّ والفلاح، ولكن من الأسف أن أكثر الشعب خامل جاهل لا يصلح أن يلقى عليه ما تلقونه من الدورس والأقوال المهيجة، فيلقون بأنفسهم في تهلكة.
فأجاب جمال الدين: "ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول بحريةٍ وإخلاصٍ: إن الشعب المصريّ كسائر الشعوب, لا يخلوا من وجود الخامل والجاهل بين أفراده، ولكنه غير محروم من وجود العالم والعاقل، فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب المصريّ ينظر إليكم، وإن قبلتم نصح هذا المخلص، وأسرعتم في إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى فتأمرون بإجراء انتخابات نواب الأمة, لتسن القوانين وتنفذها باسمكم وإرادتكم, يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم"٢.
ويقول الأستاذ الإمام الشيح محمد عبده، مبرهنًا على أن الأمة المصرية بلغت حدًّا من النضج يؤهلها لأن تتولى أمورها بنفسها.
стр. 234
"ومما تقدَّم سرده تعلم أن أهالي بلادنا المصرية دبت فيهم روح الاتحاد، وأشرفت نفوسهم على مدارك الرأي العام، وأخذوا يتنصلون من جرم الإهمال، ويتسيقظون من نومة الإغفال، وقد مرت عليهم حوادث كقطع الليل، ثم تقشَّعت عنهم فطالعوا من سماء الحق ما كحَّل عيونهم بنور الاستبصار، حتى اشرأبت مطامحهم إلى بثِّ أفكارهم فيما يصلح الشأن, ويلم الشعث, ويجمع المتفرق من الأمور؛ ليكونوا أمة متمتعة بمزاياها الحقيقية، فهم بهذا الاستعداد العظيم أهلٌ لأن يسلكوا الطريق الأقوم, طريق الشورى والتعاضد في الرأي"١.
٣- محاربة الاستعمار، وإثارة الحمية الوطنية في نفوس الشعوب المستذلة التي غُلِبَتْ على أمرها, وقادها ملوكها وزعماؤها إلى الدمار والبوار، بينما العدو يتربص بهم الدوائر, فلما لاحت الفرصة انقض على الفريسة كالوحش الكاسر يوسعها نهشًا وعضًّا، حتى خرت تحت قدميه دامية الجسد، هامدة الفكرة، تنظر بعينين ملؤهما الرعب والذلة.
وقف هذا الأدب يصرخ في هذه الشعوب صرخاتٍ مدويةً علها تفيق من سباتها؛ تنهض لمحاربة عدوها، وتنبه الختل والغيلة، والغدر والحيلة، وشتَّى الوسائل الزائفة التي عمد لها الطامع الجشع من وعودٍ مصيرها الخلف، ومواثيق غايتها النقض، وأيمان يتبعها الحنث، كلذلك حتى يمكِّنَ لنفسه في البلاد؛ فيمتص دماء أهلها, ويسخرهم لطاعته عبيدًا غير مأجورين, وفَعَلَةً غير مشكورين.
"بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته, ووصل العدوان فيهم نهايته، وأدرك المتغلب منهم نكايته، وخصوصًا في المسلمين منهم، فملوك أنزلوا عن عورشهم جورًا، وذوو حقوق في الإمرة حُرِمُوا حقوقهم ظلمًا، وأعزَّاء باتوا أذلاء، وأجلاء أصبحوا حقراء، وأغنياء أمسوا فقراء، وأصحَّاء أضحوا سقامًا، وأسود تحولت نعامًا، ولم تبق طبقة من الطبقات إلّا وقد مسَّها الضر من إفراط الطامعين في أطماعهم، خصوصًا من جراء هذه الحوادث التي بذرت بذورها الأراضي المصرية نحو
стр. 235
خمس سنواتٍ بأيدي ذوي المطامع فيها، حملوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها، وشدوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها، وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصت عليه قواها، وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة؛ ليهيئوا بكل ذلك وسيلةً لنيل المطمع, فكانت الحركة العرابية, فاتخذوها ذريعةً لما كانوا له طالبين، فاندفع بهم سيل المصاعب، بل طوفان المصائب على تلك البلاد، وظنوا بلوغ الأرب, ولكن أخطأ الظن وهموا بما لم ينالوا١".
واستمع لهذه الفئة المصلحة اليقظة كيف تتنبه لمكايد الإنجليز وصنائعهم في مصر، وتفضح حيلهم: "نوبار باشا ساعٍ إلى أمر مهمٍّ, وهو ما ذكرناه في العدد السابق، ونشرته بعدنا جريدة "الدبّا" وسائر الجرائد الإنجليزية، وهو أن يكون ولي القاصر "عباس" بعد خلع أبيه, فينال بسطةً في السلطة، وإطلاقًا في الأمر والنهي، وعلم أن هذا وقت الفرصة لحرص الحكومة الإنجليزية على تملك مصر، وهي محتاجة في ذلك إلى من ليس له وطن ولا دين ولا جنس في مصر، فهي في شدة الاحتياج لنوبار باشا، وتوفيق باشا قبةٌ جوفاء لا يرجع منها إلّا صدى الأصوات، إن قلت: لا، فلا، أو قلت: نعم، فنعم، فهو في غضبه ورضاه تابع لما يلقى إليه، فعلم نوبار أن خديويًّا مثل هذا, يمكن أن يكون واسطةً في تمكين الإنجليز من مصر من حيث لا يشعر، بتقديمه هذه الخدمة لهم يبني لنفسه من العزة قصرًا شاهقًا"٣.
واستمع كذلك إلى أديب إسحق, تلميذ جمال الدين الأفغانين, وأحد الألسنة التي أطلقها تندد بالاستعمار وحيله، وكيف ينبه المصريين إلى خداع الإنجليز، وتخديرهم المصريين بتخفيض الضرائب حتى يمدحوا أيامهم، ويوازنوا بينهم وبين حكامهم المتعسفين, فيرجحون في كفة العدالة، وقد أشارت بعض الصحف بما قدم الإنجليز من عملٍ فثارت ثائرته وقال:
стр. 236
"فهل خفي عن تلك الصحف أن من شفقة الصياد على الطير إلقاءه الحب بين يديها؟ أولم تعلم أن القائل بهمجية المصريين، المعتقد بانحطاط مدراكهم، لا يطعمهم هذا الفتات إلّا ليسهل على الإنجليز هضم قوتهم والتهام ثروتهم!
كلَّا! إن الجرائد المصرية لا تجهل حقيقة الأمر، ولكنها لا تستطيع التصدي، علمًا بأن اللصَّ العازم على سرقة الحقوق الوطنية يكره النور، فإذ حاولت الجرائد إظهاره سارع إلى إطفائه بتعطيلها وإلغائها.
يا أهل مصر: إني محدثكم حديثًا غريبًا, إذا كان امراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياءكم, وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطانها، وإذا كان أمراؤكم شراركم, وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم, فبطن الأرض خير من ظهرها".
٤- السعي في إصلاح المفاسد الاجتماعية، فالفقر الذي يذوي الشباب الغض, والإهاب النضر, ويذل النفس الأبيّة، ويطوح بالأنفة والكبرياء بعيدًا حين تصرخ المعدة الجائعة صرخةً تنهار على أثرها النفس المتجلدة, قد جثم على صدور كثير من أبناء الشرق، يكدون ويكدحون لفئةٍ قليلةٍ من الأغنياء، يبعثرون على موائد الفساد ما جمع هؤلاء المساكين في حمارة القيظ وصبارة الشتاء، وهم يبيتون على الطوى، وأبناؤهم يتضاغون من المسبغة والفاقة, ويتضورون من الجوع والعُري، ويتلوون من السقام والأوصاب، والجهل الذي بنى أعشاشه في رءوس الجمهرة من أبناء الشرق، وباض وفرخ وملأ الدينا خرافات وخزعبلات, يجب أن يحارب, وتفتح لأبناء الأمة مغاليق الأمور حتى يعيشوا كالأناسي.
إن الفلاح المسكين كان نهبًا للمرابين والمستغلين يأكلون ظلمًا وعدوانًا ما سعى لتحصيله بكدِّ النهار وسهر الليل. استمع لعبد الله نديم يصور هذا الجهل بالحساب، ووقوع هذه الفلاح البائس في أحابيل شياطين الفرنجة من المرابين والأفاقين، وكيف يضاعفون ديونه ظلمًا، وينهبون ماله جهرًا، وهو لا يدري من الأمر شيئًا, كأنه سائمة ترعى, وقد ساق عبد الله نديم هذه المحاورة بين الفلاح
стр. 237
والمرابي باللغة العامية حتى يبين للفلاحين خداع هذا اللص الكبير، وسذاجة هذا الجاهل الغر "ذهب المزراع إلى المرابي ليقترض مائة جنيهٍ بفائدة قدرها عشرون في المائة، فقال المرابي: حسن! سأخصم من المائة عشرين فتستحق ثمانين، وأضيف الفائدة وقدرها عشرون فيكون الدين مائة وعشرين"، ووافق الفلاح لجهله بالحساب، وبذلك أخذ ثمانين جنيهًا ليسددها مائة وعشرين، وحين السداد جاء بكل ما أنتجته أرضه فاشتراه المرابي بأبخس الأثمان، وخرج الفلاح بعد بيع محصوله الكبير ميدينًا بمبلغ مائتي جنيه, في حين أن المرابي لو قدر المحصول كما يجب لسدد الفلاح دينه، ودفع له المرابي فوق ذلك مائة جنيه، ولكنه الجهل والغش.
ويحارب المصلحون زبرج المدنية الخلاب، ولأولاءها الخداع، والفتنة التي أوقعت المصريين في شباكها، فراحوا يلتقطون في نهم بالغٍ نفايات الحضارة الأوروبية العفنة, يحسبونها تمدينًا، ونسوا دينهم وأخلاقهم الكريمة وعاداتهم الطيبة.
لقد جهد المصلحون والمفكرون أن ينيروا للأمة سبيلها, ويبصروها عاقبة السير في ظلماء الجهالة، ويحثون على التعليم, بل يشيدون المدارس، ويخطبون في كل مكانٍ علَّ الأمة تستجيب لندائهم، فتمرق من شرك الجهل، وأحابيل الضلالة.
ونمت في الشعوب الجاهلة التي ظلت قرونًا تخضع لسيطرة العتاة الجبارين صفات رديئة كالنفاق، والرشوة، والكذب، والخداع، والتراخي في العمل.
إلى آخر هذا التثبت الشنيع من نقائص الأمم المغلوبة على أمرها، حتى ماتت فيها روح الكرامة والعزة، وكثير من المحامد التي لا تستطيع النمو في جوٍّ خانقٍ بعثير الظلم ودخانه؛ ولذلك عمد الكُتَّاب المفكرون في هذه الحقبة إلى التشنيع على هذا الرذائل وتبشيعها لدى أفراد الشعب كي يقلعوا عنها.
وهكذا امتد أفق الكتابة إلى جميع الأغراض السياسية والاجتماعية، وكانت الصحف خير معوانٍ بثَّ هذه الآراء الجريئة، والإرشادات النافعة، والنصائح الثمينة التي حركت الهمم, وأثارت العزائم، ومهدت الطريق لنضج الشعوب العربية والإسلامية.
стр. 238
وكان بجانب هذه الأغراض السياسية والاجتماعية موضوعات أدبية بحتة، من وصف وتعزية وتهنئة، وتحدث عن الأمور المعنوية كالجمال، والعاطفة, والذوق، والسعادة, وما شاكل هذا, وقد حاول بعض الكُتَّاب أن يرشد الناس إلى ما تقتضيه صنعة الكتابة من أمور، وما تطلبه من جهود؛ كأديب إسحق، وقد بَيَّنَ في مقالاته١ شروط الكتابة السليمة وأنواعها، وكان ذلك ضروريًّا في هذه الحقبة، ويقول الشيخ خليل اليازجي في الإنشاء:
"الإنشاء مَلَكَةٌ راسخةٌ في النفس, يعين عليه سلامة الذوق وطول المزاولة، والناس فيها طبقات متفاوتة, مرجعها في الأكثر إلى بداهة الخاطر وذكاء البصيرة وغزارة المادة، وله أحكام إذا راعاها المجيد نبغ فيها، وإذا راعاها الضعيف استأنس بها، فأعانته على الجري فيها"٢.
ومن أمثلة النثر الأدبي رسالة لعبد الله نديم يشكر صديقًا على كتاب وصله منه٣:
"لبيك كوكب الصبح، دام نداك، وسعد بك نسيم الصبا، طاب شذاك، وأهلًا بك يا نور النهار، ومرحبًا بك نَوْر البهار، فإني أرقت للقاء منذ سمعت بالإسراء، ومازلت أسأل عن ركبكم من منازل البدر، وأستفهم منه ركبان النجوم حتى مطلع الفجر، فالشعرى تقول: تركتهم بتلك الرحلة، وعطارد يقول: تقدمتهم بمنزلة، والمريخ يقول: أناخوا ركابهم، والمشترى يقول: أثاروا نجائبهم، والدجى تقول: ليلهم قمري، والزهر تقول: هم أولاء على أثري, وكل ذلك وأنا هائم كحاطب بليلٍ, حتى طلع على جانب السحر سهيل، فهممت بتقبيله فأبى، وارتفع عني ونبا، فأشرت له بتلطفٍ, وأنشدته بتعطف:
стр. 239
سهيل انعطف وانزل بساحة مغرم ... يراك بعين طول ليلتها عبرى
عسى يأخذ الأخبار منك عن الألى ... سيصلى بهم جمر الغضا ولك البشرى
ومن أمثلة النثر الأدبيّ كذلك ما كتبه السيد مصطفى نجيب١ يصف الحاكي "الفوتوغراف":
"مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافًا، ويختطف الصوت اختطافًا، مطبعة الأصوات، ومرآة الكلمات، ينقل الكلام من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ, نقل كلام عمر ﵁ إلى سارية، وأشد من الصدى وفعله، وفي إعادة الصوت إلى أصله، كأنه الحرف في يد الطابع، والوتر في يد الضارب، والقصب من فم القاصب٢، يحفظ الكلام ولا يبديه، ومتى استعدته منه يعيده، من غير أن يبقي لفظًا في صدره، أو يكتم شيئًا من أمره، كأنما حفظ الوديعة في نفسه طبيعة، فلو تقدَّم به الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة، ولا في الدعاوي إلى بينة، بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد؛ وصوت عازر من اللحد، وكانت استودعته الفلاسفة حكمتهم، وأنشدوه كلمتهم، فرأينا غرائب اليونان، وبدائع الرومان، وربما سمعنا خطب سحبان، وشعر سيدنا حسان بذلك اللسان، وأصبح وجود الإنسان غير محدود بزمنٍ من الأزمان.
لله دره من تلميذٍ يستوعب ما عند المعلم ويستخلصه في لحظة، معيدًا لقوله ناقلًا صوته ولفظه.
لقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل
نديم ليس في هفوة النديم، وسمير لا ينسب إليه تقصير، تسكته وتستعيده، وتذمه وتستجيده، وهو في كل هذه الأحوال، راضٍ بما يقال، لا يكلُّ من تحديث، ولا يمل من حديث، نمام كما ينم لك ينم عليك، وينقل لغيرك كما
стр. 240
ينقل إليك، فهو المصوِّرُ لكل فنٍّ، والمتكلم بكل لغة، المحدِّث بكل لسانٍ، المؤرِّخُ لكل زمان، الشاعر الناثر، المغني العازف، لا تعجزه العبارة، ولا تجهده الإدارة، ولا يضيره اختلاف شكل، ولا تباين أصل".
ومن أمثلة النثر الاجتماعي غير ما تقدَّم عرضه, قول قاسم أمين في كتابه عن "المرأة الجديدة":
"إن كل تغيير يعرض على الأنظار في صورة مشروع يلتمس قبوله، ولم يكن بدأ الناس فيه من قبل، هو في الحقيقة فكر سبق أوانه وقت عرضه، ولهذا لا يفهمه ولا يقدِّره حق قدره إلّا العدد القليل، ممن يمتد نظرهم إلى ما يكنه المستقبل من الحوداث, انظر إلى حالة مصر، فقد عاشت الأمة المصرية أجيالًا في الاستعباد السياسيّ، فكانت النتيجة انحطاطًا عامًّا في جميع مظاهر حياتها: انحطاطًا في العقول، وانحطاطًات في الأخلاق، وانحطاطًا في الأعمال، وما زالت تهبط من درجة إلى أسفل منها، حتى انتهى بها الحال إلى أن تكون جسمًا ضعيفًا، عليلًا ساكنًا يعيش عيشة النبات أكثر من عيشة الحيوان، فلما تخلصت من الاستعباد، رأت نفسها أول الأمر في حيرة لا تدري معها ما تصنع بحريتها الجديدة، وكان الكل لا يفهم لهذه الكلمة معنًى, ولا يقدر لها قيمةً, وكان الناس يستخفون ويهزءون بالحرية, بل ويتألمون منها، وينسبون إليها اختلال عيشهم، وعلل نفوسهم، فكم من مرة سمعنا بآذاننا أن سبب شقاء مصر هو تمتعها بالحرية والمساواة, ثم اعتاد القوم شيئًا فشيئًا على الحرية، وبدءوا يشعرون بأن اختلال عيشهم لا يمكن أن يكون ناتجًا عنها, بل له أسباب أخرى, ثم تعلق بنفوس الكثير منا حب الحرية, حتى صاروا لا يفهمون للوجود معنًى بدونها، ولنا الأمل في أن أولادنا الذين يشبون على حب الحرية يجنون ثمراتها النفيسة التي أهمها تهيئة نفوسهم للعمل، وعند ذلك يعرفون جيدًا أن الحرية هي أساس كل عمران، وقد دلت التجربة على أن الحرية هي منبع الخير للإنسان، وأصل تربيته وأساس كماله الأدبيّ، وأن استقلال إرادة الإنسان كانت أهم عامل في نهوض الرجال، فلا يمكن إلّا مثل هذا الأثر في نفوس النساء".
стр. 241
ومن أمثلته النثر السياسي غير ما تقدَّم, ما كتبه الشيخ علي يوسف في المؤيد, تحت عنوان: "لا تعصب في مصر".
"التعصب بالمعنى المعروف في الغرب عن الشرق، وبعبارةٍ أخرى: من المسيحيين عن المسلمين، وهو انبثاث روح العداء والبغضاء من الآخرين ضد الأولين، انبثاثًا يحمل على الاعتداء عليهم حينًا بعد حين، أو هو التوحش الذي يفتك بنفوس الأبرياء كلما ثار ثائره، فهو أشبه شيءٍ بالغول الكاسر الذي يندفع بعماية فيفترس كل ما في طريقه من نفوس البشر، وبهذا المعنى رذيلة من الرذائل التي ينهى عنها الدين الإسلاميّ، والقوانين الاجتماعية، نعوذ بالله أن ترزأ أمة بهذا البلاء العظيم.
قالوا: إن المصريين متعصبون تعصبًا دينيًّا، ومعنى هذا عندهم، أنهم يكرهون المخالفين لهم في الدين كراهةً عمياء, ويعتدون عليهم بروح البغضاء المتناهية، كلما سنحت لهم فرصة, أو استفزهم صائح، ولكن كيف وفي البلاد من قديم الزمان أديانٌ مختلفةٌ يتجاور أهلوها في المنازل، ويتشاركون في المرافق، ويتنافسون في الأعمال، فلم يكن بين المسلمين والأقباط تلك الروح الشريرة، ولو كانت في فطرة المسلمين أو فطرة الفريقين للاشت الأكثريةُ الأقليةَ في عصورٍ مضت, وخصوصًا في عصورٍ كانت الجهالة فيها سائدة، وكان بعض الحكام من المسلمين وغيرهم, يبذورون بذور البغضاء بين الفريقين لا لخدمة دينية إسلامية، بل لأغراضٍ منشؤها الشهوات والمطامع، ولكن التواريخ تدل على أن الفريقين عاشا على الوئام والسلام في كل الظروف أو أكثرها.
وقد وفد على القطر المصريّ وفودٌ من كل الطوائف المسيحية، غربية وشرقية، ومن أرمن وأروام وسوريين وفرنساويين وأرثوذكس، وغير ذلك، من علماء وتجار وصناع وعمال وهمل متشردين، فلقي الكل في مصر صدرًا رحبًا، وكان منهم الموظفون في كل مصلحة، حتى تولى نوبا باشا الأرمنيّ رياسة
стр. 242
النظار في مصر، وكان قائم مقام خديوي، ورئيسًا للاحتفال بموكب المحمل الشريف، فهل يوجد في أمة غير الأمة المصرية المسالمة مثل هذا التساهل الذي يرأس فيه احتفالًا دينيًّا رجل غير مسلم.
وكان من علمائهم الأساتذة والمعلمون ونظار المدارس والمفتشون، فهل الأمة التي تربي أبناءها على أيدي أساتذة من غير دينها تعد متعصبة، وكان التجار على ما يحبون من الرحب والسعة وحسن القبول، فضربوا في البلاد بمتاجرهم من غثٍّ وسمين، وجيدٍ ورديء, وخالص ومغشوش، حتى صارت مصر من أوسع أسواق متاجر أوربة ومعالمها التي وجدت إقبالًا من الأمة هائلًا.
وهؤلاء بعض الأجانب يقيمون الأكواخ الصغيرة الحقيرة لبيع الخمور الرديئة في كل قريةٍ من قرى القطر مهما سحقت وقل عددها، أو يربون الخنازير ويثرون شيئًا فشيئًا, حتى يكون الصعلوك منهم في بضع سنواتٍ صاحب القرية ومزارعها ومداين أهليها وسيدهم، فهل هؤلاء هم المتعصبون الذين يُخْشَى من شرهم في وادي النيل على الأوربيين؟ كيف يكون عند المصريين تعصب ديني وهؤلاء بينهم تتسع معاملاتهم معهم، وكثيرًا ما تنتهي هذه المعاملات بمصادرات المدينين في أملاكهم، ولا يخطر على بال مسلم خاطر سوء من ناحيتهم، لعلمه أن دينه ينهاه عن ذلك، حيث لا تكفي القوانين النظامية في زجر النفوس المتعصبة؛ لأن للاعتداء ضروبًا شتَّى وطرقًا خفيَّةً أكثر منها ظاهرة، وهذه تعديات الأهالي على بعضهم تعد بالألوف، في حين أن تعدياتهم على غيرهم لا تكاد تذكر في جانب تعديات الأجانب على بعضهم في هذه البلاد.
فكيف تعمى أعين الناظرين عن هذه الشمس المشرقة العامة بأسعتها على أرجاء القطر, ويقوم مفترون يزعمون أن في المصريين تعصبًا ثائرًا يكاد يفتك بالأوربيين لمجرد كونهم مسيحيين، أيها المدعون راقبوا الله في أمة رزئت بالإهمال في شئونها، حتى انحلَّتْ عرا الجامعة بين أفرادها، وذهبت منها ريح العصبية في كل شيءٍ, حرام عليكم مع هذا الانحلال أن تتهموها بالتعصب في أشد حالاته".
стр. 243
ومن هذه النماذج التي سقناها إليك هنا, وفي غير هذا الموضع, تستطيع أن تدرك إلى أيِّ حدٍّ وصل النثر الفني في هذه الحقبة التي نتحدث عنها؛ بل إنه سار إلى سبيل الكمال حثيثًا حتى يومنا هذا، لم يرجع القهقريّ منذ تكونت هذه المدرسة الإصلاحية, ومنذ أثمرت نهضة إسماعيل العلمية والأدبية، بل تراه قد زاد فنونًا، وتنوعت موضوعاته، وتعددت نظراته إلى الأشياء؛ لكثرة ما قرأ الكُتَّاب من الأدب القديم، وما اطلعوا عليه من آداب الغرب، ولهذا النثر مميزات وخصائص وطابع يعرف بها، ويختلف عما شاهدناه من الكتابة الديوانية.
стр. 244
ب- مميزاته:
إذا كانت الأحداث السياسية وتقلباتها الكثيرة، والثورات العنيفة، ويقظة الشعوب الشرقية والإسلامية، قد وضعت أمام الكُتَّاب مادةً خصبةً غزيرةً، وجعلتهم يخوضون في شتَّى الموضوعات؟ وإذا كانت الحال الاجتماعية، وما عليه الناس من فقرٍ وجهلٍ ومرضٍ وانحلالٍ قد دعت زعماء الإصلاح الاجتماعي إلى تشخيص الداء ووصف الدواء، وحَثّ الهمم على التخلص من تلك الرذائل, فإن ثمة عوامل أخرى نهضت بالنثر من حيث أسلوبه وألفاظه، وقد مر بنا ما قدمته حكومة إسماعيل للنهضة الأدبية من وسائل: كالمدارس والمكتبات العامة، وانتشار الصحف، وتشجيع المطابع على إيحاء تراث الآباء والأجداد، والقيام بترجمة شيء من أدب الغرب، وقد أضفى كل هذا على النثر طابعًا خاصًّا، فخلصه في الغالب من المحسنات البديعية التي كانت شائعةً في الكتابة الديوانية, وصرف الأدباء همهم إلى العناية بالمعاني لا إلى الألفاظ، اللهم إلّا في الموضوعات الأدبية البحتة، وخلا النثر من المبالغات الممجوجة, والأخيلة السخيفة، وانصرف عن المقدمات الطويلة التي كثيرًا ما تستهلك جهد الكاتب والقارئ جميعًا دون بلوغ الغرض الذي سيق له الكلام.
وكان من أثر هذا كذلك تغير طريقة الكتابة تبعًا لتغير طريقة التفكير: من تقصير الجمل، وفصل العبارات، وحبس كل واحدة منها على أداء معنًى واحد، واعتماد لون طريف في ترتيب الكلام وتبويبه، وسوق المقال في الغالب لأداء فكرة واحدة، واستحداث صيغ جديدة لأداء معانٍ جديدةٍ، والتجويز بكثير من المفردات لإصابة ما لا تطوله بأصل الوضع اللغوي.
ولقد رأيت من النماذج التي سقناها إليك أن موضوع هذا النثر، اجتماع، أو سياسة, أو أدب، ولقد تميز كل نوع من هذه الموضوعات بسماتٍ عامَّةٍ اقتضاها روح الموضوع وطريقة علاجه.
стр. 245
أنواعه:
١- فالنثر الاجتماعي يتطلب صحة العبارة، وبالضرورة البعد عن الزخرف والزينة، ووضوح الجمل، وترك المبالغات, وسلامة الحجج, وإجراءها على حكم المنطق الصحيح؛ لأن الغرض منه معالجة الأمر الواقع، فلا ينبغي استعمال أقيسة الشعرية، ولا الخيال المجنح، اللهم إلّا في المقامات التي تقتضي استفزاز الجماهير، وإثارة عواطفهم، وتحميسها للإقلاع عن خلةٍ فاسدةٍ، أو التظاهر على الاضطلاع بنفعٍ عامٍّ، على أن يكون ذلك بقدر، فإن الأغراض الاجتماعية إنما تجري في حدود الحقائق الواقعة على كل حال.
وقد رأيت أن هذا النوع من النثر قد خلا من السجع المتكلف؛ لأن الاهتمام باقتناص السجعة قد يفوت على الكاتب الغرض الذي يرمي إليه، وقد يذهب بالمعنى في سبيل سجعة متكلفة، بل حمل بعض الكتاب في هذا العصر على هذا السجع, فقال أديب إسحاق -مع أنه كان ممن يسجعون كثيرًا, وممن يحتفي بأسلوبه لأنه كان أديبًا بطبعه.
"ولم يدخل هذ السجع كلام القدماء في الجاهلية وصدر الإسلام إلّا ما كان منه عفو القريحة، فواصل غير مقفاة، أو ما يعزى إلى الكهان والمشعوذينن مما يراد به الإيهام والإبهام، فلما استولت العجمة على الألسن، وضعفت قوة الاختراع في الأذهان, سرى داؤه في المكاتبة إلى هذا العهد، فعدل الكتاب عن الكلام
стр. 246
الفحل, واللفظ الساذج, والأسلوب الطبيعي, إلى هذه الأسجاع الملفقة البالية، يتناقلونها خلفًا عن السلف، ويطيلون بها الكلام بلا طائلٍ سترًا لقصورهم في ابتداء المعاني، وإيضاح وقائع الحال من طريق البلاغة والإيجاز"١.
والانصراف عن السجع والزخرف في هذ النوع من النثر بدهي؛ لأن الفكر منصرف إلى تفتيق المعاني، وسوق الحجج، وضرب الأمثلة لا إلى الجري وراء كلمة أو سجعة.
٢- النثر السياسي أو الصحفي، ويمتاز بالسهولة والوضوح؛ بحيث يكون معناه في ظاهر لفظه؛ لأن الصحف تخاطب الجماهير، ويقرؤها الخاصة والعامة، وتتحدث إلى الجهال كما تتحدث إلى المتعلمين, هذا إلى أن قراءها إنما يبغونها للساعة، فلا محل للارتفاع بعبارتها, والتعمق في معانيها, مما يقتضي من القارئ كَدَّ الذهن، وإرهاق العصب.
وإذا كان النثر الاجتماعي ينبغي أن يجري الاحتجاج فيه على الأقيسة المنطقية؛ لأنه يعتمد على القضايا العلمية والحقائق الواقعة، فإن النثر الصحفي لا يلتزم فيه ذلك، بل يلجأ إلى الأدلة الخطابية؛ لأنها أنفقذ في إقناع الجماهير من سواها؛ إذ تقوم النزعات السياسية في الغالب على الفروض والاعتبارات والميول الوجدانية أكثر مما تقوم على الحقائق العلمية.
وليس في هذا النثر احتفاءٌ بالأسلوب، أو تخيرٌ للألفاظ، أو جنوحٌ إلى الخيال، أو تعمقٌ في المعنى, وإنما هو التصوير السريع، وليس فيه تحقيقٌ للغرض المقصود بها؛ من تعلم العلم, وترقية الآداب، ولا يقبل على قراءة مثل هذه المجلات إلّا المتعلمون.
٣- النثر الأدبي، وهو أشد أنواع النثر حاجة غلى تخير اللفظ، والتأنق في النظم، حتى يخرج الكلام مشرقًا منيرًا، لطيف الموقع في النفوس، حلوة النبرة في الآذان؛ لأن للموسيقى اللفظية أثرًا كبيرًا في الأذهان، وهو أدنى أنواع النثر إلى
стр. 247
الشعر؛ ولهذا لا ينكر منه البديع، على ألّا يكون من الكثرة بحيث يستهلك ذهن القارئ, وبحيث لا يستكره على النظم استكراهًا، ولا تساق الجملة لمجرد اصطياده، بل إن خيره ما جاء عفوًا.
ويقضي التأنق في اللفظ، جودة السبك، وتفتيق المعاني، معرفةً بأسرار اللغة، ووفرة محصولٍ من المفردات، وخبرةً بالكلام الجيد، واستظهار كثير من المنثور والمنظوم، هذا إلى طبيعة مواتية، وحسٍّ مرهفٍ، وذوقٍ، وفطنةٍ إلى مواطن الجمال.
وعلينا بعد أن سقنا إليك أمثلة من أنواع النثر، وعرفناك بخصائصه ومميزاته، أن نطلعك على سير موجزة لأعلام البيان في هذا العصر، وما برز منهم غير هؤلاء الذين ترجمنا لهم آنفًا؛ أمثال: الشدياق وأديب إسحق.
стр. 248
١- جمال الدين الأفغاني:
وإذا أردت أن تقف على الروح التي تكمن من وراء هذا الأديب الحيّ، والتي بعثت في الشرق الإسلاميِّ كله حيويةً دافقةً، وهزته هزةً عنيفةً أيقظته من نومه الطويل، وعرَّفته كيف يطلب حقه من الأقوياء العتاة، وكيف يدفع عن نفسه جور الظلمة القساة، فاعلم أن الروح تمثلت في السيد جمال الدين الأفغاني: من يدين له الشرق الإسلاميّ بيقظته القومية والفكرية في العصر الحديث.
رجل فرد، استطاع بما أوتي من عزيمةٍ جبارةٍ تنهار أمامها العروش, وتزلزل الممالك، وتتقوض الحصون، وبما أوتي من فكرٍ نيِّرٍ مشرقٍ ملهمٍ, ينقشع أمام ضوئه الوهاج حندس الجهل وغياهب الظلم، وبما أوتي من لسان ذرب طلق، حادٍّ مطواع، يدفعه شعورٌ متقدٌ، وعاطفةٌ متأججةٌ، وإحساسٌ مرهفٌ، وحماسةٌ عارمةٌ, فيلهب بهذا اللسان، وذاك الشعور كل ما ينصت إليه، فيحيل البليد نشيطًا، والجبان جريئًا، والخامل مقدمًا؛ استطاع هذا الرجل وحده بهذه القوة أن يخلق قادةً وزعماء، وأن يكوّن جيلًا من الناس يسيرون بأممهم إلى حيث أمل السيد وصوب، فكان بعمله أقوى من الحكومات القومية الفتية.
стр. 249
وهكذا يأبى الله إلّا أن يضرب للناس أمثلةً على بالغ قدرته، وعظيم إعجازه في كل جيل, وقد مَرَّ بك ما قاله الشيخ محمد عبده عن حالة مصر قبل أن يهبط واديها جمال الدين، وكيف أن بعثات محمد علي وإصلاحاته ونشاط إسماعيل وتقديراته، واطلاع بعض شباب مصر وشيوخها على حضارات الأمم الأوربية وغيرها لم يؤت ثمره، ولم يبعث في الأمة هذه الروح المتوثبة، ولم يحرك خامد العزائم، وينصب المثل العليا أمام الشعوب تهدف إليها في سيرها, وتحث الخطى نحوها، وإنما وجد ذلك كله على يد جمال الدين، فأي رجل كان هو؟
شعلة متقدة من الذكاء، وسرعة الخاطر، وقوة العارضة, شديد الرغبة في الإصلاح، وإنهاض الأمم الإسلامية، وتحطيم الأغلال والقيود التي جعلتها في مسغبةٍ ومذلةٍ وجهلٍ ومرضٍ وانحلالٍ، كان ثورةً عنيفةً على الظلم، والطغيان والجبروت؛ قابله السلطان عبد الحميد الطاغية في "يلدز" فطلب منه أن يكف عن هجماته على شاه العجم، فال السيد: "إني لأجلك قد عفوت عنه"، فيرتاع السلطان لهذه الكلمة الجريئة، عفا "السيد" عن الشاه ذي الحول والسلطان، أجل؟ فالسيد أقوى منه بأسًا, وأعظم قدرًا, وأقدر على النكاية، إنه حربٌ شعواء تطوح بالتيجان, تدك العروش.
ويجلس جمال الدين بحضرة عبد الحميد، وهو يداعب مسبحته غير حافلٍ بمن تعودت الأبصار أن تخشع في مجلسه، وتطأطئ الرءوس فرقًا ورعبًا منه, ونبهه إلى هذا كبيرٌ من رجال الحاشية بعد مغادرة عبد الحميد للمجلس, فقال له: "إن السلطان يلعب بمستقبل الملايين من الأمة، أفلا يحق لجمال الدين أن يلعب بسبحته كما يشاء؟ " فيرتاع الرجل، ويهرب من سماعه هذه الكلمة التي لا يجرؤ أي إنسان أن يرفع بمثلها, أو بما هو أقل منها صوتًا في البلاد الإسلامية.
стр. 250
وُلِدَ السيد جمال الدين في قرية "أسعد أباد" من قرى "كندر"١ ببلاد الأفغان, سنة ١٢٤٥٤هـ-١٨٣٩م, من أسرةٍ شريفةٍ تنتسب إلى الإمام الترمذي المحدث المشهور، وترتقي إلى الإمام الحسين بن علي ﵄، وانتقل به والده إلى "كابل" وهناك تلقى تعليمه، فدرس مبادئ العلوم العربية والتاريخ، وعلوم الشريعة، والعلوم العقلية؛ من منطق, وحكمة عقلية سياسية، وفلسفة، وكذلك العلوم الرياضية؛ من حساب, وجبر, وهندسة, وفلك، ودرس نظريات الطب والتشريح، ثم سافر إلى الهند، وهو في الثامنة عشرة من عمره، واطَّلَع على علوم الرياضة في الطرق الحديثة، وقَدِمَ الحجاز للحج، وقضى في رحلته إلى مكة سنة، فأفادته الرحلة خبرةً بالشعوب الإسلامية، وأحوالها الاجتماعية، ثم رجع إلى بلاده، واشترك في مؤامرة سياسيةٍ مكنت بعض الأمراء من التغلب على عرش الأفغان، فعظمت مكانته لدى هذا الأمير، ولكن عصفت الأحداث بأميره هذا، وحاول خلفه الانتقام من السيد جمال الدين، ففطن لمكايده, وغادر بلاده إلى الهند فمصر، ومكث بمصر أربعين يومًا، ومن ثَمَّ يمم نحو الآستانة, فذاع صيته بها، وعلت مكانته, حتى انتخب بعد مدة وجيزة عضوًا في مجلس المعارف الأعلى، ولكن آراءه الإصلاحية الجريئة، وأفكاره الحرة التي لم يألفها الناس في عصره, بعثت في نفوس رجال عبد الحميد الهلع، وتألب عليه كثير من علية القوم، ولا سيما شيخ الإسلام، فجاءه الأمر بمغادرة البلاد خشية أن يشعل في عرش عبد الحميد الحريق.
فقدم السيد جمال الدين مصر، ودخلها في مارس سنة ١٨٧١، ومكث بها ثماني سنوات, كانت خير السنين بركةً على مصر وعلى الشرق العربي والإسلامي، فقد حاول جمال الدين من قبل أن يغرس تعاليمه, وينفخ في الشعوب الشرقية من روحه؛ ولكن وجد أرضًا مجدبة، وشعوبًا ميتة لم تسمع لندائه, وما أن نزل مصر حتى فتحت له ذارعيها، وحببت له الإقامة به، والتف حوله لفيف من