وأخيرًا أخفقت الثورة وسجن محمد عبده مائة يوم، وحُقِّقَ معه, وحكم عليه بالنفي, فاتخذ بيروت ملجأً١.
بعد الثورة:
وفي بيروت التف حوله العلماء والأدباء, ودرَّسَ بالمدرسة السلطانية, وكانت أشبه بمدرسة أولية، فارتفع بها حتى صارت مدرسة عالية, ولكن مقامه بها لم يطل؛ إذ طلب إليه أستاذه جمال الدين أن يلحق به في باريس فلبى دعوته٣ وأصدرا معًا مجلة "العروة الوثقى" وقد مر بك شيء كثير عنها ونبذ من مقالاته بها. وهنا تعجب كيف تغيرت لهجة الشيخ محمد عبده في "العروة الوثقى" ولم يعد ذلك المصلح المتأني الذي يأخذ الأمور بالرفق، ويسعى للإصلاح في هوادةٍ, بل نراه ثورة متأججة وذا قلم عنيف، كما اتسع غرضه، ولم ينظر لمصر وحدها, بل شمل العالم الإسلامي كله، والحق أن الشيخ محمد عبده في "العروة والوثقى" لم يستطع أن يقاوم تأثير جمال الدين عليه، وناهيك بجمال الدين قوةً وحماسةً ونارًا مشبوبة.
وعُطِّلَت "العروة الوثقى" بعد ثمانية عشر عددًا، وسافر جمال الدين إلى إيران.. وعاد الشيخ محمد عبده إلى بيروت، وقد أخفق مرتين: أخفق في الثورة العرابية، وأخفق في استمرار العروة الوثقى, فالتف حوله مريدوه، وشرح لهم نهج البلاغة، ومقامات بديع الزمان، وأخذ يفسر لهم القرآن الكريم على النحو الذياتبعه بمصر, من غير أن يتقيد بكتاب أو تفسير خاص، بل اتخذ آيات القرآن مجالًا لوصف أدواء المسلمين وعلاجها، ودرس الفقه على المذهب الحنفي بالمدرسة السلطانية، وهناك ألَّف رسالة التوحيد، وصار يكتب بعض المقالات في جريدة "ثمرة الفنون" مشاهبةً لمقالاته في "الوقائع المصرية"٣.
стр. 282
كان محكومًا عليه بالنفي ثلاث سنوات، ولكنه مكث ببيروت ست سنوات, وذلك لأن توفيقًا كان غاضبًا عليه١، وكان يجهر بخطيئة توفيق في حق الوطن ويقول٢: "إن توفيق أساء إلينا أكبر إساءة، لأنه مهَّدَ لدخولكم -أي: الإنجليز- بلادنا، ورجل مثله انضم إلى أعدائنا أيام الحرب لا يمكن أن نشعر نحوه بأدنى احترام، ومع هذا, إذا ندم على ما فرط منه, وعمل على الخلاص منكم, ربما غفرنا له ذنبه, إننا لا نريد خونة وجوههم مصرية وقلوبهم إنجليزية".
فكان من العسير أن يعود في عهد توفيق، بيد أن رياض باشا عاد إلى الوزارة، وكان من الذين يجلون الأستاذ الإمام, ويتعقدون فيه النفع والخير لمصر، فما لبث أن سعى لدى توفيق هو وبعض ذوي النفوذ١ حتى عفا عنه، وكان عفوًا قريبًا من الاعتذار.
بعد العودة من المنفى:
عاد محمد عبده إلى مصر, فوجد الأمور قد تغيَّرَت, وصار الحل والعقد بيد الإنجليز، ولم يعد الخديو صاحب الأمر والنهي كما كان من قبل، ورأى لزامًا عليه وهو المصلح ذو المشروعات الحية في النهوض بالأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية أن يعتمد على سلطةٍ تؤيده وتهيئ له الاستمرار في إصلاحاته، فسالم الخديو -على الرغم منه- واستعان بالإنجليز على الإصلاح المنشود، ولا تعجب بعد هذا إذا صار جمال الدين حانقًا عليه, ويرى فيه الرجل الذي تنكَّر لمبادئه ومَدَّ يده لأعذاه يهادنهم ويسالمهم, ورث محمد عبده من جمال الدين آراءه الإصلاحية الاجتماعية، وورث عبد الله نديم وسعد زغلول ومصطفى كامل آراءه السياسية.
стр. 283
وقد ظل محمد عبده متمسكًا بسياسة التقرب من الإنجليز والاستعانة بهم حتى آخر حياته، وكان هذا مثار الطعن فيه والغض من شأنه، ولكنه كان يصدر فيه عن عقيدة وجرأة، فقد استُفْتِيَ مرةً في الاستعانة بالأجانب فكان من فتواه "قد قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف على جواز الاستعانة بغير المؤمنين وغير الصالحين على ما فيه خير ومنفعة المسلمين" ونسي قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ .
وأمل محمد عبده بعد عودته أن يرجع إلى التدريس بدار العلوم ويتصل بالنشء، ويربي طائفة من الشباب يعدهم للغد، يحملون بعده راية الإصلاح؛ ولكن أبى عليه توفيق ذلك١، وعُيِّنَ قاضيًا أهليًّا، ثم مستشارًا في محكمة الاستئناف، ووجد نفسه في بيئةٍ غريبةٍ عنه, تدل بمعرفتها للغة الفرنسية والقوانين الأجنبية, فدفعته نفسه الطموح إلى أن يكمل هذا النقص، وبدأ يتعلم الفرنسية٣ وهو في سن الأربعين أو ما قاربها، وقد استطاع بعد مدة أن يتقنها, وترجم منها كتاب التربية لسبنسر بعد أن نقل من الإنجليزية إلى الفرنسية، وروى لطفي السيد أن محمد عبده هو الذي كان يجلو لإخوانه المصريين ما غمض عن عبارات الفيلسوف "تين" في كتابه المشهور عن "الذهن".
وقد رأى الأستاذ الإمام فائدة تعلم اللغة الأجنبية ولمسها, وفي ذلك يقول: "ثم إن الذي زادني تعلقًا بتعلم لغة أوربية هو أني وجدت أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه على شيء من العلم يتمكن به من خدمة أمته، ويقتدر به على الدفاع عن مصالحها كما ينبغي, إلّا إذا كان يعرف لغة أوربية, كيف لا! وقد أصبحت مصالح المسلمين مشتكبة مع مصالح الأوربيين في جميع أقطار الأرض، وهل يمكن مع ذلك لمن لا يعرف لغتهم أن يشتغل للاستفادة من خيرهم, أو للخلاص من شر الشرار منهم؟ "
стр. 284
واشتهر محمد عبده بعدله في القضاء، ونظره إلى روح القانون، وعدم تقيده بالقالب والألفاظ، وقد ساعدته دراسته للشريعة الإسلامية في هذا كل المساعدة.
إصلاح الأزهر:
مات توفيق وتولى عباس سنة ١٨٩٢م, وقد عاد لتوه من أوربا فتًى ممتلئًا حماسةً وغيرةً وحبًّا للخير ورغبةً في إنهاض مصر من كبوتها وتخليصها من الاحتلال، فغيَّرَ رجال الحاشية, وجمع حوله أقوياء الرجال حتى ضاق الإنجليز, فأخذوا يكيدون له، ورأى محمد عبده أن يستفيد من حماسة عباس، فتقرب منه وبسط آراءه في الإصلاح، وهو إصلاحٌ يتناول جهات لا تهم الإنجليز في شيءٍ, وهي الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وليكن البدء بالأزهر، وارتاح الخديو للشيخ, وكلَّفَه بوضع تقرير مشروع للإصلاح، وسرعان ما وافق عليه وكوَّنَ مجلس إدارة الأزهر برئاسة الشيخ حسونة النواوي, وعُيِّنَ محمد عبده، وعبد الكريم سليمان عضوين به، وهكذا أتيحت للشيح الفرصة التي طالما نشدها للإصلاح, ولكن هل استطاع الإصلاح؟!
إنا نقول كما قال أحمد أمين١ "يالله وإصلاح الأزهر! ما حاوله أحد ونجح ولا الشيخ محمد عبده، لأن كل المحاولات كانت تتجه إلى هامش الموضوع لا أساس الموضوع، وكانت عن سبيل استرضاء أهله, والخوف من أي قلق واضطراب، وهم يتزعمهم طائفة ألفت القديم حتى عدته دينًا، وكرهت الجديد حتى عدته كفرًا، وعاشت إلى المغارات فلم تر ضوءًا, وأفنت عمرها في فهم لفظ، وتخريج جملة, وتأويل خطأ، فلم تر حقائق الدنيا، فإذا أتى المصلح سمم أهله الجو حوله، واحتموا بالدين يخيفون به الحكومة، ويكسبون به عامة الشعب.
المشكل لا يحل إلّا بالعلاج الحاسم، وهو أن يتبع الأزهر الحكومة تبيعة الجامعة، ويستقل استقلالها ويخضع في نظمه لما ترشد إليه علوم التربية الحديثة, ويرقى برقيها، ثم ينفذ ذلك من غير خشية".
стр. 285
وأضيف إلى هذا بالأزهر اليوم وفي كل حين ثروة معنوية عظيمة تضيع هباءً وتوجه وجهةً خاطئةً، ولا تفيد منها الأمة شيئًا، ولو حولت هذه الجامعة الأزهرية إلى جامعة مدنية ينفق عليها من الأموال الموقوفة على الأزهر، ويتعلم الطلبة فيها بالمجان, لما حرمت الأمة من الثروة العظيمة، ولنبغ من أبنائها الطبيب النطاسي، والمهندس الفذ، والرياضي القدير، والصيدلي الماهر، أما الدين فتخصص له طائفة، تسد الفراغ وتلي شئونه من وعظ وإمامة وغير ذلك، لقد اتجه الأزهريون اليوم إلى الوظائف ولم يعودوا يطلبون العلم لذاته كما كان يفعل أسلافهم، فوجب على الأمة والحكومة أن تعدهم الإعداد الصالح لهذه الوظائف, وتتولى شئون الأزهرن بحزم, وتنهض به نهضة تليق باسمه وتاريخه، فيتعلم أبناءه اللغات الأجنبية, فإذا جادلوا في الدين جادلوا بالحجة القوية, وعرفوا مواطن الضعف عند سواهم، وإذا درسوا الفلسفة والمذاهب الحديثة تفتح أمامهم سبل الاطلاع, على أن تتجه جمهرتهم إلى التعليم المدني, وبذلك تفيد الأمة من هذه الثروة المعنوية الضائعة، ومصر بحاجة إلى أكثر من جامعة.
حاول الإمام محمد عبده إصلاح الأزهر، فلم يصلح سوى الشكل من زيادة مرتبات العلماء ووضع لائحة كَسَى التشريف، والامتحان, ومساكن الطلبة، ولكن حين ابتدأ ينظر إلى الدارسة وطرقها والكتب التي تدرس والمناهج, وجد العقبات أمامه جمةً, وأخفق في محاولاته, ونفض يده من الإصلاح، لقد كان كارهًا للطريقة الأزهرية في معالجة الدرس والشروح والحواشي والتقارير وعلك الألفاظ، وقد عرفنا أنفًا كيف كادت هذه الطريقة أن تحرم مصر إمامها ومصلحها، ولقد قال له يومًا الشيخ البحيري مدافعًا في مجلس إدارة الأزهر عن هذه الطريقة: "إننا نعلم الطلاب كما تعلمنا" فقال له الشيخ محمد عبده: "وهذا ما أخاف منه"، فقال البحيري مستنكرًا: "ألم تتعلم أنت في الأزهر, وقد بلغت ما بلغت من مراقي العلم وصرت في العلم الفرد؟! " فأجاب الإمام: "إن كان لي حظٌّ من العلم الصحيح الذي تذكره، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق به من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة١".
стр. 286
وهذه كلمات دل على مرارة وألم، وعلى أن الشيخ لم ير في الأزهر وعلومه ورجاله ما يبشر بالنجاح، فليت شعري هل تغير الأزهر كثيرًا منذ محمد عبده حتى اليوم؟!
وتولى محمد عبده منصب الإفتاء في يولية ١٨٩٩، وأضفى عليه وجاهةً دينيةً وجلالًا, وكان في منصبه هذا جريئًا، يصدر الفتاوى التي يرى فيها الجامدون زندقة وإلحادًا، وهو يراها اجتهادًا وتجديدًا وتمشيًا مع روح العصر بما لا يخالف حقيق الدين وجوهره١، ولم تكن العلاقة بينه وبين الخديو عباس طيبة؛ لأن عباسًا يراه مسالمًا للإنجليز مستعينًا بهم, وفي ذلك جرح لوطنية الخديو والتجاء إلى خصومه، وكان الشيخ محمد عبده يعتقد في مهادنة الإنجليز والاستفادة منهم، ويرى في عباس رأيًا آخر, وهو أنه جشعٌ محبٌّ لجمع المال ولو من دماء رعاياه, وقد اصطدم به مرتين؛ أولاهما: حين أراد استبدال أراضي وقف فأبى عليه الشيخ ذلك, ورأى أن هذا الاستبدل ليس في مصلحة الوقف، وحمل مجلس الأوقاف الأعلى على رفض هذا الاستبدال إلّا أذا أُعْطِيَ للوقف عشرين ألفًا من الجنيهات تعويضًا لهم، وثانيهما: حينما أراد الخديو منح بعض رجال حاشيته "كسوة تشريفة" ولم يكن هذا المنح منسجما مع اللوائح، فأوعز الشيخ محمد عبده بعدم تنفيذ أمر الخديو وإعطائها للمستحق، ولما اجتمع العلماء لدى الخديو, وأخذ يؤنب شيخ الأزهر على ذلك, انبرى له الشيخ محمد عبده، وطلب منه إذا أراد التنفيذ أن يغير اللائحة, وينسخ القانون السابق، فاستشاط عباس غضبًا ووقف
стр. 287
إيذانًا للعلماء بالانصراف، وقد كان لهذا كله أثر في الحملات الشديدة, والمكايد التي دبرها عباس للشيخ وإيعازه للصحافة بالتشهير به, وانتهاز فرصة فتاويه الجريئة ورميه بالكفر والإلحاد، وكلما هَمَّ الخديو بعزله من منصب الإفتاء صرَّح كرومر بأنه لا يوافق على عزله, ومهما كانت الأحوال ما دام موجودًا.
كل هذا ومحمد عبده ماضٍ في مشروعاته الإصلاحية بالأزهر والمحاكم والأوقاف, وكان الحزب الوطني يناوئه ويحمل عليه بشدةٍ لأنه كان يشايع الإنجليز ويتخذهم أعوانه، وكان الإمام يرى أن مصطفى كامل مخطئ في صلته بالخديو؛ لأن عباسًا لم يكن مخلصًا في وطنيته, ولا هَمَّ له إلّا جمع المال وإيداعه بالمصارف الأجنبية خشية أن يعزله الإنجليز فجأةً، وقد قال محمد عبده في وصف مقالات مصطفى كامل: "إنها مجموعة نوبات عصبية بعضها شديد وبعضها خفيف".
والحق أن التباين كان شديدًا بين عقلية الإمام وعقلية الزعيم الشاب؛ من حيث طريقة التفكير واتخاذ الوسيلة، ولا نستطيع أن ندافع عن موقف الشيخ محمد عبده من الإنجليز واعتماده عليهم, إلّا أن الخديو هو الملوم في ذلك؛ لأنه لم يمكِّنْ هذا المصلح الكبير من السير في إصلاحاته، ولأنه أراد أن يلتهم مال الوقف بدون مبرر؛ وفي مال الوقف قسم كبير جدًّا للأزهر، كلما حاول عباس أن يعبث وقف له محمد عبده بالمرصاد، وحب المال ضعف بشري عام، وكان في عباس أضعف شيء فيه، ولكن دفاعنا هذا لا يسوغ لجوء الشيخ إلى خصوم وطنه وخصوم دينه مهما كان الإصلاح المنشود وقيمته، وما كان له أن يستعين بهم حتى لو ظل الأزهر على ما هو عليه، وهل بعد هذه التضحية استطاع أن يصلح الأزهر؟ كلّا! وقد اعترف بإخفاقه.
ولكن هل تقضي هذه الزلة السياسية على كل ما لمحمد عبده من مجد؟ اللهم لا، فقد شاركه في رأيه السياسي حينذاك كثير من زعماء الأمة؛ كسعد زغلول، وفتحي زغلول، وحسن عاصم، ومحمو عاصم، ومحمود سليمان، وسلطان وغيرهم، إلا أنه تعرض للهجمات أكثر منهم؛ لأن الخديو رأى فيه قوة واعتدادًا بالنفس، وعقبةً في سبيل مطامعه؛ فألَّبَ عليه العلماء الرجعيين, والصحافة المأجورة هزلية وجدية.
стр. 288
وأخيرًا اضطر محمد عبده إلى الاستقالة عقب خطبةٍ ألقاها عباس عند توليته الشيخ الشربيني مشيخة الأزهر، وهي تدل على عظم حنقه وسخطه على محمد عبده وتعريضه به، وجاء في هذه الخطبة: "إن الأزهر أُسِّسَ على أن يكون مدرسةً دينيةً إسلاميةً تنشر الدين في مصر وجميع الأقطار العربية.. ولقد كنت أود أن يكون هذا شأن الأزهر والأزهريين دائمًا, ولكن من الأسف رأيت فيه من يخلطون الشغب بالعلم، ومسائل الشخصيات بالدين، ويكثرون من أسباب القلاقل.. وأول شيء أطلبه أنا وحكومتي أن يكون الهدوء سائدًا في الأزهر, والشغب بعيدًا عنه، فلا يشغل علماؤه وطلبته إلّابتلقي العلوم النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأفكار؛ لأنه مدرسة دينية قبل كل شيء" ثم ذكر أنه قبل استقالة السيد علي الببلاوي رعايةً لصحته، وأنه مستعد لقبول كل استقالة من سواه, وممن "يحالون بثَّ الشغب بالوساوس والأوهام, أو الإبهام بالأقوال" ويرى أن مثل هذا الشخص يجب أن يكون بعيدًا عن الأزهر.
لم يكن محمد عبده صنيعة الإنجليز، أو مما يتناول أجرًا منهم، أو ممن يستعدونهم على قومهم، ويشجعونهم في أطماعهم الاستعمارية١، وإنما كان يرى أنه مصلح, ولابد له من عضد يسنده في إصلاحه ويشجعه على السير قدمًا في طريق الكمال، ولم يجد في عباس هذا العضد؛ لأنه كان مشغولًا بنفسه, وبجمع المال, وبأهوائه الخاصة، فلجأ إلى الإنجليز، وهذا اجتهاد منه أخطأ فيه, بيد أنه لا يطوح بكل ماضيه وآرائه، فالعظيم لا ينظر إليه من ناحية واحدة, بل لابد من رؤية جميع خصائصه وميزاته، وقد كان محمد عبده إمامًا في الإصلاح الاجتماعي, ورائدًا فذًّا من رواد النهضة الفكرية.
لقد كان ممكنًا أن يلتقي عباس ومحمد عبده ومصطفى كامل٢، وينهض الثلاثة بمصر وبالإسلام وبالشرق العربي كله، ولكن لم يتم هذا، كما لم يتم
стр. 289
اجتماع محمد علي والسيد عمر مكرم ومحمد بن عبد الوهاب من قبل، واضهد محمد علي الزعيم الروحي لمصر عمر مكرم, والمصلح الديني الكبير محمد بن عبد الوهاب, وحاربه في نجد، وهكذا تكررت المأساة على يد أحد أحفاده بعد خمسين سنة.
وفاته:
استقال محمد عبده من الإفتاء وقد آمن بعجزه عن إصلاح الأزهر عجزًا تامًّا، ولم يلبث بعد ذلك مدةً وجيزةً حتى أحسَّ بالمرض، فعزم على السفر إلى أوربا طلبًا للشفاء, ولم يحل مرضه بينه وبين ما يقوم به من أعمال جليلة في مجلس الشورى وفي الجمعية الخيرية الإسلامية وامتحان دار العلوم، وإعداد مشروع القضاء، وإعداد مشروع الجامعة المصرية, بيد أن المرض ألَحَّ عليه, واختلف فيه الأطباء، هل هو المعدة؟ أو الكبد؟ ثم ظهر أنه السرطان الذي مات به من قبل أستاذه جمال الدين، فأشاروا إليه بعدم السفر, وفي يوم ١١ من يولية سنة ١٩٠٥, انطفأ هذا المصباح الوهَّاج, عن ست وخمسين سنة برمل الإسكندرية، واحتفل بتشييع جنازته رسميًّا، وكان حفلًا رائعًا لم تشهد مصر مثله من قبل, وكان عباس متغيبًا عن مصر فلما عاد وسمع بعظم الحفل واشتراك الحكومة فيه أنَّبَ كل من أسهم في هذا.
أثره في النثر:
لا نريد أن نتعرض هنا لآرائه الاجتماعية والسياسية والخلقية بالتفصيل، وقد مر بنا ما يعطينا عنها فكرةً واضحةً، وإنما الذي يعنينا حقًّا هي آثاره في الكتابة والنثر، وقد عرفنا أنه ابتدأ يكتب في الصحف، وهو بعد طالب في الأزهر، وقد طرأ على أسلوبه الكتابيِّ تغييرٌ كثير منذ المقالة الأولى التي أرسلها لجريدة "الأهرام"١ حتى انتقل إلى جوار ربه، ولمحمد عبده أثر عظيم في النثر العربي, سواء في أسلوبه هو, وجعله مثلًا يحتذى به في الأعمال الجليلة التي قام بها لخدمة النثر والكتابة.
стр. 290
١- أما أسلوبه فتراه يعنى به عنايةً زائدةً, وإذا قرأت ما كتبه في جريدة الأهرام، تجده متأثرًا بالكتب الأزهرية وخاصة ما أُلِّفَ في الفلسفة الإسلامية؛ من حيث الموضوع وطريقة علاجه، ونجده كذلك لا تفوته سجعة، وإن تكلف في سبيلها المشاق، ويقدم موضوعه بمقدمات طويلة تجهد نفس القارئ وتسئمه، وهاك مثلًا على هذا الأسلوب من مقالة "الكتابة والقلم": "ولما انتشر نوع الإنسان في أقطار الأرض، وبعد ما بينهم في الطول والعرض، مع ما بينهم من المعاملات، ومواثيق المعاقدات، احتاجوا إلى التخاطب في شئونهم، مع تنائي أمكنتهم، وتباعد أوطانهم, فكان لسان المرسل إذ ذاك لسان البريد, وما يدريك هل حفظ ما يبدء المرسل وما يعيد، وإن حفظ هل يقدر على تأدية ما يريد, بدون أن ينقص أو يزيد، أو يبعد القريب أو يقرب البعيد، فكم من رسول أعقبه سيف مسلول، أو عنق مغلول، أو حرب تخمد الأنفاس، وتعمر الأرماس، ومع ذلك كان خلاف المرام, ورمية من غير رام.. فالتجئوا إلى استعمال رقم القلم, ووكلوا الأمر إليه فيما به يتكلم". وهذا النوع من النثر قد وفيناه بحثًا فيما سبق.
ثم لما اتصل بجمال الدين، ورأى منه قدرته على تصريف المعاني، وعلى ابتداع أفكارٍ جديدةٍ, وقرأ معه بعض كتب الفلسفة والمنطق, وخاض في الموضوعات الاجتماعية والسياسية, تدفعه إلى الكتابة عاطفة جياشة وشباب فتيّ, وأثر متقد من نفس أستاذه جمال الدين, لم يجد وسيلة إلّا أن يتخلص من السجع والكلف به وأن يتجنب المقدمات الطويلة، وأن يرتِّبَ الموضوعات ترتيبًا منطقيًّا، ويكثر من استعمال الأقيسة والبراهين، يقلب الفكرة على شتَّى وجوهها؛ ويرى في كلامه قوةً وحرارة إيمان بما يكتب، وهذا النوع من النثر يتجلى في مقالات "الوقائع المصرية" وقد تدرج في إصلاح أسلوبه حتى اشتد وقوي، ثم بلغ درجةً عظيمةً من المتانة, وبرزت فيه هذه المزايا التي ذكرناها في مقالات "العروة الوثقى", فمن نثره في "الوقائع المصرية" قوله في التربية بالمدارس: "من المعلوم البيِّنِ أن الغرض الحقيقي من تأسيس المدارس والمكاتب، والعناية بشأن التعليم فيه إنما هو تربية العقول والنفوس, وإيصالها إلى حدٍّ يُمَكِّنُ المربي من نيل كمال السعادة أو معظمها ما دام حيًّا, وبعد موته، ومرادنا من تربية العقول إخراجها من حيز البساطة
стр. 291
الصرفة والخلو من المعلومات، وإبعادها من التصورات والاعتقادات الرديئة إلى أن تتحلى بتصورات ومعلومات صحيحة تحدث لها ملكة التمييز بين الخير والشر, والضار والنافع، ويكون النظر بذلك سجية لها، أي يكون لنور العقل نفوذ تامٌّ يفصل بين طيبات الأشياء وخبائثها".
وهو أسلوب المصلح الاجتماعي, وقد عرفت خصائص هذا النوع من النثر قبل، ولم يكن يعمد فيه الشيخ محمد عبده إلى تفخيم الألفاظ وانتقائها، وحبك الجمل واستوائها، وقد يستعمل أحيانًا كلمات عامية أو دخيلة للتعبير عما يريد إذا لم تسعفه الكلمة العربية.
أما مقالات "العروة الوثقى" فقد مرت بك نماذج كثيرة منها, فلا داعي لذكر جديد.
ثم مرن أسلوب الشيخ محمد عبده واشتدَّ قلمه، من كثرة ما كتب، وما تناول من موضوعات, وما تأثر به من تجارب وقراءة، وبلغ أسلوبه غايته في مقالته التي يردُّ بها على "هانوتو" وكان وزيرًا لخارجية فرنسا، وقد بحث في كلمته الأسباب التي تدعو المسلمين إلى النفور من الحكم الأجنبي، وهل من وسيلة لتحبيبهم في فرنسا؟ وقد تعرض للإسلام, ولماذا كان المسلمون غير مسيحيين؟ ووازن بين الإسلام والمسيحية، وتعصَّب لدينه ونشرت جريدة "المؤيد"١ مقالته, فرد عليه الشيخ محمد عبده ردًّا مفحمًا, تجلت فيه نصاعة الفكرة، وصدق العاطفة ومتانة الأسلوب، وقوة الحجة، وسلامة البرهان، مع بساطة في التركيب، وسهولة في الألفاظ، وطالت المساجلة بين "هانوتو" والشيخ محمد عبده، وانتصر فيها الإمام انتصارًا بالغًا, وكان من الأسباب التي مكنت له مقامه بمصر بعد عودته من المنفى، ووضعته في مركز الصدارة من مفكري الأمة والذادة عن الدين.
стр. 292
ويقول في إحدى هذه المقالات: "إن أول شرارة ألهبت نفوس الغربيين فطارت بها إلى المدنية الحاضرة كانت من تلك الشعلة الموقدة التي كان يسطع ضوءها من بلاد الأندلس على ما جاورها, وعمل رجال الدين المسيحي على إطفائها عدة قرون فما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، واليوم يرعى أهل أوربا ما نبت في أرضهم بعدما سقيت بدماء أسلافهم المسفوكة بأيدي أهل دينهم, في سبيل مطاردة العلم والحرية وطوالع المدنية الحاضرة".
هذا وقد كانت للشيخ في رسائله الإخوانيه أسلوب يحتفي فيه، بعبارته، وتصوير مشاعره تصويرًا فنيًّا يدل على ذوق أدبي، وتمكن من اللغة والأدب، وعلى أنه ذو موهبة شعرية تمده بالخيالات الطريفة والصور البيانية الجميلة، وقد ذكرنا فيما سبق خصائص هذا الأسلوب, وضربنا عليه أمثلةً من كتابة أديب إسحق، وعبد الله نديم، وعبد الله فكري. وهاك مثلًا من رسالة للشيخ محمد عبده إلى أحد إخوانه وهو في سجن القاهرة بعد أن اتهم بالاشتراك في حوادث الثورة العرابية، وذلك في ٩ من المحرم سنة ١٣٢٠, الموافق ٢٠ من نوفمبر سنة ١٨٨١م.
عزيزي:
تلقدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
هذه حالتي: اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر، فأخذت صخوره فمن مركز الأرض إلى المحيط الأعلى، واعترضت ما بين المشرق والمغرب, وامتد إلى القطبين، فاستحجرت في طباع الناس! إذا تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية أو الإنسانية، فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد قسوة, فتبارك الله أقدر الخالقين.
رأيت نفسي اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية، غطى فيها وجه المساء بغمام سوء، فتكاثف ركامًا؛ لا أرى إنسانًا، ولا أسمع ناطقًا، ولا أتوهم مجيبًا.
стр. 293
أسمع ذائابًا تعوي، وسباعًا تزأر، وكلابًا تنبح، كلها يطلب فريسةً واحدةً وهي ذات الكاتب، والتف على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومن كان هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين.
تقطع حبل الأمل، وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء, وضل الاعتقاد بالإصغاء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء والناس أجمعين.
سقطت الهمم، وخربت الذمم, وغاض ماء الوفاء، وطمست معالم الحق، ومزقت الشرائع، وبدلت القوانين، ولم يبق إلّا هوًى يتحكم, وشهوات تقضي, وغيظ يحتدم, وخشونة تنفذ، تلك سنة الغدر، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية, ينوسون لطب أصداف من الشبه, ومقذوفات من التهم, وسواقط من اللم, ليموهوها بمياه السفسطة, ويغشوها بأغضية من معادن القوة؛ ليبرزوها في معرض السطوة, ويغشوا بها أعين الناظرين، لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لحقٍّ خفيٍّ فيظهرونه، أو خرق بدا فيرتقونه، أو نظام فسد فيصلحونه، كلّا كلّا بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين"١.
ولعلك تلمس في تلك الشكوى المرة من الخيانة والغدر وعدم الوفاء، وتحكم الأهواء, وهي التي سمعتها من قبل على لسان البارودي بعد أن غدر به أصحابه، وأخفقت الثورة, وزج به في غياهب السجن، ولقد كان الشيخ في نثره شاعرًا جياش العاطفة, بارع التصوير لحاله ولآلامه ولمرارة السجن.
هذا ولم يعن محمد عبده بأسلوبه فحسب, بل حاول أن يحمل الكُتَّابَ على العناية بكتاباتهم, وله في هذا المضمار، وفي النهوض بالكتابة آثار منها:
١- مكَّنَ له منصبه في "الوقائع المصرية" من الإشراف على الجرائد والمجلات, ومراجعة ما يحرره كتبة الدواوين في شئون الحكومة، وقد مر بك كيف أنذر
стр. 294
صاحب إحدى الجرائد بالتعطيل إن لم تغير أحد كتابها, أو تحمله على تحسين أسلوبه, وقد التَفَّ حوله فريق من طليعة كتاب مصر والشرق، وأفسح لهم في "الوقائع المصرية" يدبجون المقالات الاجتماعية والأدبية والسياسية بإرشاده، وكان يرى أن اللغة العربية هي أساس الدين١ وأن حياة المسلمين بدون حياة لغتهم من المحال٢.
٢- وفي بيروت شرح نهج البلاغة ليسهل على الناس قراءته والإفادة منه، وشرح مقامات بديع الزمان الهمذاني ونشرها حتى تكون زادًا يتغذَّى به طلاب الأدب، ومن ينشدون قوة الأسلوب وسلامة التعبير.
ولما عاد إلى مصر كانت دروسه في البلاغة تختلف عن تلك الكتب التي أفسدتها عجمة مؤلفيها، واختار من كتب البلاغة دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني، وكان السبب في نشرهما لينتفع الناس بهما وقد نشرهما المنار.
وأنشأ جمعية لإحياء الكتب العربية, نشرت "المخصص" لابن سيده، وفي نشره تيسير على طلاب اللغة؛ لأنه من معجمات المعاني، فقد يكون بذهنك المعنى, ولكن يعوزك اللفظ المعبر عنه فتلتمسه في "المخصص" وفي أمثاله من المعجمات، وقام بتصحيح "المخصص" العالم اللغوي الشهير الشيخ محمد محمود الشنقطي, وقد حماه الشيخ محمد عبده، وشجعه على الإقامة بمصر، ولولاه ما بقي٣. كما شرع في طبع "الموطأ" للإمام مالك بعد أن جاء بنسخ خطية له من تونس وفاس وغيرهما٤.
٤- وعهد إلى الأستاذ سيد بن علي المرصفي في تدريس كتب الأدب بالأزهر, أمثال: "الكامل" للمبرد، و"ديوان الحماسة" لأبي تمام، وكانت هذه الدروس غريبة عن الأزهر, ولا عهد له بها، وقد تتلمذ على المرصفي عدد كبير من أدباء مصر البارزين اليوم, أمثال: المنفلوطي، وطه حسين، والزيات، والزناتي, وغيرهم, فهم أثر من آثار توجيهه وإرشاده.
стр. 295
وبهذه الوسائل استطاع محمد عبده أن يقدم للنثر العربي خدمة جليلة، ويوجه الكُتَّاب إلى العناية بما يكتبون، غير مقيدين بذلك السجع السخيف, ومنصرفين إلى المعاني وتفتيقها, ودراسة الموضوع دراسة جيدة تفيد القارئ وتجدي على الأمة.
هذا ما كان من أثره في النثر، ولا يسعنا ونحن نختم هذه العجالة عن محمد عبده إلّا أن نقرر أنه أيقظ في مصر الشعور الديني، والرغبة في الإصلاح الاجتماعي، وأن الأولى بالمسلمين أن يعتمدوا في الإصلاح على أنفسهم, ويدعوا الفخر بماضيهم؛ ودعا إلى أن العقل يجب أن يحكم كما يحكم الدين، فالدين عرف بالعقل، وكما دعا إلى الاجتهاد، وعدم الوقوف بالتشريع وبمسائل الدين عند الحد الذي قُرِّرَ من قرون عديدة، وذلك لكي نواجه المسائل الجديدة بتشريعٍ دينيٍّ سليم, قبل أن نغلب على أمرنا، وكان يرى أن أكبر سلاح في الدنيا هو العلم، وأكبر مقوم للأخلاق ومهذب لها هو الدين، والدين الإسلامي لحسن الحظ يتشمى مع العقل، ويحض على مكارم الأخلاق، ويفسح صدره للعلم.
لقد خلف محمد عبده تلاميذه ببررة تأثروا بتعاليمه, وظلوا ردحًا طويلًا من الزمن يفتخرون بانتسابهم إليه وبالأخذ عنه، ومنهم سعد زغلول، وحافظ إبراهيم، وإبراهيم المويلحي، والهلباوي، ومصطفى صادق الرافعي بمصر، وإبراهيم اليازجي، وأحمد الحمصاني بسوريا, وعدد كثير سواهم ممن حملوا لواء الإصلاح بعده, وكان لهم الأثر البالغ في أوطانهم ونهضتها، وإن كان قد صبغهم في أثناء حياته بطابعه السياسي الخاص، ووجه ميولهم صوب الإنجليز، فهادونهم، وتعانوا معهم في كل شيء، فلما تُوفِّيَ الشيخ محمد عبده, أسرع بعضهم إلى جبهة الوطنيين مثل حافظ إبراهيم، وتأخر الزمن قليلًا ببعضهم عن ذلك المضمار, ولكن ما لبث بعضهم حتى صار زعيم الوطنية بمصر كسعد زغلول.
стр. 296
٣- عبد الله نديم:
أعجوبة من أعاجيب عصره، يقف وحده في كل ما تميز به من سجايا، لا يدانيه فيها امرؤ من أهل زمانه؛ ويخيل إليك وأنت تقرأ سيرته أنك أمام رجل من رجال الأساطير, يروعك بذكائه الخارق، وقوة عارضته، ومتين حجته، وشجاعته الفائقة، وبحياته المليئة بالأحداث، وبما بلغ من شهرة، وبما حارب من أبطال، وبما أفزع من دول, ولم يكن في حسب جمال الدين وعلمه، ولم يدرس ما درس محمد عبده, وإنما نشأ في بيئة فقيرة١ فعانى البؤس وشظف العيش؛ ولكن الله الذي يهب العبقرية لمن يشاء أودع حظًّا كبيرًا منها في رأس عبد الله النديم، وزوَّدَه بنفس شجاعة، ويد سخية، وكانت هذه الخلال رأس ماله الذي واجه به الحياة, وقد استطاع أن يسجِّلَ اسمه لامعًا في سجل الخلود.
دراسته وتجاربه:
لم يرق لعبد الله العلم الذي وجده بمسجد الشيخ إبراهيم باشا، وهو عِلْمٌ شيبه بما كان يدرس في الأزهر حينذاك، ووجد في جفاف العلوم، وعقم الطريقة، ورداءة الكتب وركاكة عبارتها, ما نفره من الأزهر المصغر، وحُبِّبَ إليه نوعٌ آخر من الدارسة تهواه نفسه، وينسجم مع ما أودع فيها من مواهب؛ فغشي مجالس الأدباء يسمع شعرًا وزجلًا، ونوادر وقصصًا, فتهتز نفسه طربًا، ويتمنى أن يكون أحد هؤلاء الشعراء أو الزجالين؛ وكانت له ذاكرةٌ حادةٌ تلتقط كل ما تسمع فوعى كثيرًا.
وقد كان لهذا أثرٌ كبيرٌ في حياته الأدبية، ولا سيما وقد خالط أبناء الطبقة الفقيرة, وجمهرة الشعب, ووقف على عاداتهم وأمثالهم ونوادرهم وظروفهم وسرعة بديهتهم، فتاثرت بذلك نفسه الحساسة وذوقه المرهف.
стр. 297
ولكن هيهات أن يرضى أبوه بهذه الدراسة غيرة المنتظمة وهو رجل يكد ويتعب لينال الكفاف, وكان يؤمل أن يرى ابنه عالمًا كبيرًا كهؤلاء الذين يرى الناس يقبلون أيديهم, أو على الأقل يساعده بما تعلَّم من حساب ولغة، فلما بدت هذه النزعة نفض منه يده، وأخذ عبد الله يعول نفسه، وتعلم في الإشارات "التلغرافية"، وأتيح له بعد أن أتقن هذا الفن أن يشغل وظيفة بقصر والدة الخديو إسماعيل بالقاهرة، فشاهد الغنى والجاه، وألوانًا من الحياة والعيش لم يرها من قبل؛ شاهد العز في أوجه، كما عرف الفقر في أبشع صوره من قبل.
وعاوده بالقاهرة حنينه إلى مجلس الأدباء والشعراء, فصار يَجِدُّ في البحث عنهم، فتارةً يذهب إلى الأزهر ويطَّلِعُ على ما أخذ رفقاءه١, وأحيانًا يغشى منازل الأدباء ويتعرف عليهم ويستفيد منهم، فتوثقت صلته بالبارودي، وعلي أبي النصر، وعبد الله فكري، ومحمود صفوت الساعاتي، والشيخ أحمد الزرقاني، وحمد بك سعيد بن جعفر مظهر باشا الشاعر الناثر، وعبد العزيز بك حافظ٢, وغيرهم من الأدباء أو محبي الأدب، فاتسعت ثقافته الأدبية بهذا الاختلاط، وعرف مزايا كلٍّ منهم، ووقف على فنه، وشاركهم في مجلس أنسهم وطريقتهم ومطارحتهم, فأضاف إلى خزينة أدبه ما وعاه في هذه المجالس من طرفٍ وملحٍ وروايةٍ.
ولكن مقامه بالقاهرة لم يطل؛ إذ زَلَّ قلمه وهو في الوظيفة, فأغضب خليل أغا٣ المشرف على القصر، وناهيك به في ذاك الوقت جبارًا، لا يرد له أمر، وبذلك فقد عبد الله وظيفته، وضاقت عليه القاهرة بما رحبت، فضرب في البلاد هائمًا على وجهه حتى وصل إلى "بدواي" بمديرية الدقهلية، وأخذ يعلم أبناء عمدتها القراءة، لكن هذا العمدة ضَنَّ عليه بالأجر، فثارت ثائرة عبد الله نديم، وأخذ يصوغ في هجاء هذا العمدة ألوانًا مقذعةً من الهجاء, كانت أول ما عرف من أدبه، واكتشف نفسه أديبًا ذا سطوةٍ في القول، حادَّ اللسان, عنيف الخصام, حاضر البديهة.
стр. 298
ثم نراه في المنصورة يتجر في "العصائب" ويجمع حوله الأدباء والشعراء, فأكل الربح رأس المال الذي جاد به عليه أحد الكرماء، ووجد نفسه بعد مدةٍ في دكانٍ مملوء بالشعراء, خلو من السلع، فهام على وجهه مرة أخرى بالبلاد حتى وصل إلى طنطا إبان مولد السيد البدويّ, واتصل بشاهين باشا كنج١، وكان رجلًا ذا جاه يجتمع حوله الأدباء والظرفاء, وله ببيته منتدى يضم أنماطًا شتَّى من ذوي اللسن والنكتة والفكاهة، وقد مكث عبد الله نديم في ضيافته مدةً ينعم بكرم وأدب وراحة، وكان واسطة العقد يبهر الناس بأدبه وطلاقة لسانه وسرعة بديهته، وكان يتحداه الأدباء، ويحاولون تعجيزه ولكنه بهرهم بمواهبة؛ وقد روي أن بعضهم اقترح عليه أن يعارض دالية المتنبي المشهورة التي مطلعها:
стр. 299
أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد
وادعى المفترح أنه لا يتأتى لشاعر أن يعارض المتنبي في قوله بهذه القصيدة:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوًا له من صداقته بد
فقبل النديم التحدي، وأنشأ قصيدة مطلعها:
سيوف الثنا تصدا، ومقولي الغمد ... ومن صار في نصري تكلفه الحمد
ومنها يعارض بيت المتنبي:
ومن عجب الأيام شهم أخو حجا ... يعارضه غر ويفحمه وغد
ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما ... لتحفظ أعراض تكفلها المجد
وليس هذا شعرًا صادرًا عن عاطفة أو فكرة، وإن هو إلّا مهارة لسانية، وإظهار لمقدرة كلامية، وقوة عارضة، وتوقد خاطر، وأثر الصنعة باد عليه، ولكن الشعر في عصر عبد الله نديم كان كذلك.
ثم عاد إلى الإسكندرية في سنة ١٨٧٩، بعد أن غاب عنها طويلًا, ووجد الأمور والأحداث قد بدلت حديث الناس وسمرهم, ولم يعد الشعر وروايته والأدب ودرايته هي ما يشغل المستنيرين بمصر عامة، والإسكندرية بخاصة، وإنما كان يشغل الناس حينذاك إسراف إسماعيل وتهوره، وتدخل الأجنبيّ في شئون البلاد وتجبره, ووجد بالإسكندرية جمعية سرية تسمى: "مصر الفتاة" تنقد إسماعيل وأعماله صراحة، وتعبر عن آلام الأمة وآمالها، ووجد الصحف قد تغيرت لهجتها، وصارت بفضل تعاليم جمال الدين ميدانًا، فيه الأقلام المرهفة الحادة على الظلم والعنفوان والاستبداد والقسوة, وتطلب الشورى وإنصاف الشعب، ورأى عبد الله نديم أن هذا الأدب الجديد ينسجم مع نفسه, فألقى بها في هذا التيار، تيار السياسة القوي, حتى صار من قواد الأمة السياسيين، ورائدًا من رواد الوطنية الأوائل، فأخذ يغذي الصحف بمقالاته السياسية، وحَوَّلَ هذه الجمعية السرية إلى جمعية علنية تعمل في ضوء النهار، وسماها الجمعية
стр. 300
الخيرية الإسلامية، وقد مر بك شيء عنها, وكان من أغراضها تأسيس معاهد العلم يربى فيها النشء تربيةً وطنيةً، ويلقنون العلم بطرق حديثة تحببه إليهم، وتغرس في نفوسهم المثل العليا، وتعودهم قيادة الأمة وإرشادها, ولذلك عمد إلى تشيجع تلاميذ المدرسة على الخطابة، ولم يكتف بهذا, بل كان يؤلف روايات تمثيلية في نقد بعض العيوب الاجتماعية، ويمثلها هو وتلاميذه أمام جمهور المتعلمين بالمدينة؛ كرواية "الوطن وطالع التوفيق" و"العرب", وقد حضرها الخديو توفيق تشجيعًا، ولقي نجاحًا ملحوظًا أثار عليه حسد بعض الناس.
ولم يلبث أن ترك الجمعية الخيرية ومدرستها حين ظهر بها خلل نسب إليه، فتفرغ للصحافة وأنشأ جريدة "التبكيت والتنكيت"١، يدبج فيها مقالات ظاهرها هزل, وباطنها جد, يصور فيها عيوب المجتمع المصري تصويرًا شائقًا بأسلوب تهكميٍّ لاذعٍ، ويطلب من القراء أن يعاونوا في تحريرها بقوله: "كونوا معي في المشرب الذي التزمته, والمذهب الذي انتحلته، أفكار تخيلية، وفوائد تاريخية, وأمثال أدبية, وتبكيت ينادي بقبح الجهالة وذم الخرافات؛ لنتعاون بهذه الخدمة على نحو ما صرنا به مثلة في الوجود من ركوب متن الغواية, واتباع الهوى اللذين أضلانا سواء السبيل". وسنتعرض لنهجه أو طريقة كتابته بها فيما بعد، وحسبنا أن نقول الآن: إن أسلوب هذه الجريدة والموضوعات التي عالجتها، والحرارة التي كتبت بها هذه الموضوعات، والجرأة الأدبية التي تمثلت في صراحتها, وهجماتها على كثيرٍ من قلاع الفساد بمصر, حببها إلى جمهرة القراء، وبغضها إلى المنافقين وأدعياء الوطنية.
ثم قامت الثورة العرابية في الظروف التي علمتها من قبل، وصادفت هوًى في نفس النديم؛ لأن مبادئها كانت تنادي بالإصلاح السياسي والاجتماعي الذي طالما دعى إليه في جريدته، ووجد الثوار أنفسهم في حاجة إلى خطيب ذلق اللسان، حاضر البديهة، وجياش العاطفة, مصري غيور على وطنه، يكون لسانهم الناطق
стр. 301
وداعيتهم المحبوب، فلم يجدوا خيرًا من عبد الله النديم, فألحوا عليه حتى شايعهم, فكان معهم كما أردوا وزيادة، وطلب منه عرابي أن يغير اسم جريدته١ ويسميها "الطائف" تيمنًا باسم طائف الحجاز، وتفاؤلًا بأنها تطوف المسكونة كما جابتها جوائب الشدياق.
وابتدأ الطائف قويةً عنيفة اللهجة, تنقد إسماعيل نقدًا مرًّا، وتشرح للناس كيف أسرف، وكيف استولى على الأراضي، وتصوّر بؤس الفلاحين في السخرة -أيام إسماعيل٢, والعذاب المهين الذي يصبه الرؤساء على الناس, ويلهبون ظهورهم بالسياط في سبيل الجباية ودفع الضرائب، ويضيف إلى كل ذلك ما رآه بنفسه من مشاهد دامية، وقلوب قاسية, ورؤساء يزدادون غلظةً طمعًا في الترقية، وما لجأ عبد الله نديم إلى كل هذه الموضوعات إلّا ليسوغ طلب الثور الحكم النيابي ضمانًا للعدالة، وجبًّا للاستبداد وعهوده؛ وطلب الثوار من وزارة الداخلية أن تعتمد "الطائف" لسانهم المعبر فوافقت على ذلك، وصارت "الطائف" مقياسًا لتطور الثورة، فتارةً تذم الأروبيين وتحمل عليهم حملاتٍ شعواء لتدخلهم في شئون البلاد، وآونةً تصب نقمتها على توفيق؛ لأنه مَكَّنَ لهم في مصر، وغَضَّ الطرف عن ازدياد نفوذهم, وكان النديم في "الطائف" يدلس في أخبار الثورة والقتال تهدئةً للناس, فيصور الهزيمة نصرًا حتى تمت الهزيمة، وأسقط في يد الثوار.
ولم يكن "الطائف" وحده الذي يدعو إلى الثورة ويحرض عليها، ويشجع الناس على التطوع والتبرع، بل خطبه المؤثرة وحماسته المتدفقة، وقدرته على تصنيف الكلام، ومخاطبة كل طائفة بالأسلوب الذي تفهمه، من أشد العوامل على إشعال نار الثورة، وازدياد لهيبها٣.
стр. 302
كان عبد الله نديم يمثل الروح المصرية أتم تمثيل، ويعرف عادات البلاد وصفات أهلها أتم المعرفة، ويحس بشعورهم وآلامهم، وما يعانونه من جور وقسوة على يد حكامهم، ولا بدع فقد خالطهم، ونشأ بينهم، وتشرَّبَ بمشربهم، وعانى مثل ما عانوا, وتربى في أحضان الفقر والفاقة، واختلط بشتَّى الطبقات، وكثرت تجاربه في الحياة, ولذلك كان يحترق شوقًا إلى الحرية، وإلى رفع الظلم عن كواهل مواطنيه، ورفع مستواهم الاجتماعيّ والثقافيّ, وأن يعيشوا في بحبوحة من العيش.
وكانت موهبته الحقة في لسانه، ويعرف أن دعوته إلى الإصلاح وإلى الثورة وإلى التعبئة القومية أيام الثورة العرابية لن تصل إلى أسماع العامة وقلوبهم إلّا عن طريق الخطابة، لفشو الأمية، ولتاثر الناس بالسماع والمشاهدة.
وقد أوتي فصاحة للسان، وقوة الحجة والبيان، ومعرفةً عميقةً بنفسية الشعب, وكيف يهيجه بعذب الكلام، استمع إليه يحث الناس على مجاهدة الإنجليز وحربهم, بعد أن نزلوا الإسكندرية، وبدا منهم الغدر والعدوان، بذلك الأسلوب الساحر القصير الفقرات, الذي يمزجه بآيات القرآن، وأبيات الشعر فيزاد قوة ورونقًا وتحميسًا:
أيا نخوة الإسلام هزي رجالنا ... لحرب بها عز البلاد يدوم
يا بني مصر:
هذه أيام النزال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذب عن الأعراض، هذه أيام يمتطي فيها بنو مصر صهوات الحماسة، وغوارب الشجاعة، ومتون الإقدام لمحاربة عدو مصر بل العرب، بل عدو الإسلام، الدولة الإنجليزية خذلها الله ورد كيدها في نحرها, فقاتلوهم قتال المستميتين، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين. قوم نفضوا العهود، ونكثوا الأيمان، وهموا بإخراج أهل الحكم، وهم بدءوكم أول مرة: أتخشونهم, فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.
стр. 303
يا أهل مصر!:
إنما الإنجليز نجس فلا يقربوا البلاد بعد عملهم هذا، وإن خفتم ضعفًا فتعاونوا وتأزروا ينصكرم الله عليهم, إن الله قوي عزيز، كيف إن يظهروا عليكم لا يراقبوا فيكم إلًّا ولا ذمة, يذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم".
لقد صحب الثورة العرابية من أول يوم هبت شعلتها، والتقت روحه بأرواح زعمائها، وعدوه لسانهم الناطق، وكان يصحبهم في كل مكان؛ كان مع الجيش في يوم ثورة عابدين يشد أرزهم، ويثبت قلوبهم، يقول عرابي: "فجال صديقي الأعز الهمام، صاحب الغيرة والعزم القوي, السيد عبد الله نديم, بين الصفوف ينادي: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فكان ثاني اثنين في حفظ قلوب الرجال من الزيغ والارتجاف، وأخذ يردد هذه الأية الكريمة كأنهم لم يسمعوها إلّا من فمه في تلك الساعة"١.
ولما سافرت فرقة عبد العال حلمي إلى دمياط في أول اكتوبر عام ١٨٨١, خطب النديم في جموع المودعين بمحطة القاهرة محييًا الجنود، وداعيًا الناس إلى الالتفاف حولهم قائلًا:
"حماة البلاد وفرسانها! من قرأ التاريخ وعلم ما تولى على مصر من الحوادث والنوازل, عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف، وما كتب لكم في صفحات التاريخ من الحسنات، فقد ارتقيتم ذورة ما سبقكم إليها سابق، ولا يلحقكم في إدراكها لاحق، ألا وهي حماية البلاد، وحفظ العباد، وكف يد الاستبداد عنا، فلكم الذكر الجميل، والمجد المخلد، يباهي بكم الحاضرين من أهلها، ويفاخر بمآثركم الآتي من أبنائنا، لقد حيي الوطن حياة طيبة، بعد أن تبلغت الروح التراقي, فإن الأمة جسده والجند روحه، ولا حياة للجسم بلا روح، وهذا وطنكم العزيز يناديكم ويقول:
стр. 304
إليكم يرد الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي للديار نعيم
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحب وحميم
إذا لم تكن للعائذين حماية ... فأنت ومخضوب البنان قسيم١
كان النديم يرتجل خطبه ولا يزورها، وإنما هي كلمات ملتهبة تعبر عن عواطف جياشة تتحرك في صدره، تصوّر آلامه وآلام أمته، كما تصوّر آمالهم وأحلامهم، وما مثله يحتاج إلى التحضير والتحبير وقد أوتي اللسان المطواع الذرب، وملك أعنَّةَ الكلام؛ ولقد تراه يخطب في المحفل الواحد خمس مرات، فما يكرر كلامًا قاله، ولا يتردد أو يتلعثم، وكان يجوب القرى والدساكر فيخلب قلوب الفلاحين بسحر بيانه وعذب لسانه ورائع خطبه، يحرضهم على الإباء والكرامة، والغضبة للوطن المكلوم، حتى عُرِفَ بخطيب الشرق، وكان يدعى بالبرق إلى الإسكندرية وغيرها ليخطب فيلبي الدعوة زميعًا، "ويرتجل من حُرِّ القول البليغ القوي القويم الحجة ما يترك الألباب سكارى من غير مدام"٢.
ولعلك لاحظت أنه لم يكن يتكلف السجع في خطبه أو غيره من المحسنات، ومع ذلك تحس لكلامه أسرًا وقوة، ورصانةً وموسيقيةً أخاذةً، وأنه كان يعمد إلى التهويل والمبالغة والتزيد حتى يقنع ويهيج العواطف، ويلجأ إلى الإيحاء والدفع، ويكثر من الشعر والحديث والاقتباس، من آي الله الحكيم، ويؤيد بها حجته، ويعلي كلماته، وليكون كلامه أعظم تأثيرًا وأقوى بيانًا.
وكانت كتابته خطبًا مكتوبة من حيث الموضوع والأسلوب، ولا سيما تلك التي كتبها في أيام الثورة العرابية، وفي إبَّان الحرب بين مصر وإنجلترا في جريدة "الطائف"؛ فكان لها فعل السحر في النفوس، ورفع الروح المعنوية، وتثبيت القلوب الواجفة, والأفئدة المضطربة الخائفة.
стр. 305
فلا بدع إذا وجد في أثره الطلب حين أخفقت الثورة؛ إذ رأى فيه توفيق والإنجليز المحرِّضَ الأكبر للثوار وناشر آرائهم، بقلمه ولسانه، ولكنه اختفى من وجه السلطة فلم يعثر عليه؛ لأنه كان يعلم جد العلم أنه لن يغفر له ذنب، أو تقال له عثرة إذا أسر، ولن يجديه الإنكار فتيلًا؛ فأقواله مأثورة، وخطبه مشهورة، والطائف خير شهيد، وسيكون العقاب صارمًا أليمًا، لقد ذل كثير من كبار الثوار والتمسوا الرأفة؛ ولكن عبد الله نديم آثر التشرد والاختفاء على إحناء الرأس، وذلة الطرف، وهو إنما خاض الثورة عن إيمان وعلم.
وقصة اختفاء النديم وحيله التي ضلل به السلطة على الرغم من المكافآت التي رصدتها لمن يأتي به، جديرة بأن توضع في رواية تمثيلية, وستكون رواية غاية في القوة؛ لأنه أجادج التنكر إجادةً يعجز عنها أمهر الممثلين اليوم في بلاد "الخيالة" واسمعه يصف بإيجاز هذا التنكر الذي دام تسع سنين وهو بمصرلم يبرحها, ويمر بين رجال الحكومة، وصنائع الإنجليز دون أن يدركوه، أو يعرفوه١: "خرجت من مصر مختفيًا فدرت في البلاد متنكرًا، أدخل كل بلد بلباسٍ مخصوص، وأتكلم في كل قريةٍ بلسان يوافق دعواى التي أدعيها، من قولي إني مغربيّ أو يمنيّ أو مدنيّ أو فيوميّ أو شرقاويّ أو نجديّ، وأصلح لحيتي إصلاحًا يوافق الدعوى أيضًا، فأطيلها في مكان عند دعوى المشيخة، وأقصرها في آخر
стр. 306
عند دعوى السياحة -مثلًا- وأبيِّضُهَا في بلد, وأحمِّرُهَا في قرية، وأسوِّدُها في عزبة, وتغيرت الأسماء التي انتحلتها، والناس في عجب من أمره, فالقدرة مقدرة النديم، ولكنه يختلف عنه في الشكل والصوت واللهجة، فيقولون: سبحان الله جل من لا شبيه له".
وقد أتيح له من الفراغ وهو في اختفائه هذا ما مكنه مواصلة دراسته، وشغل نفسه بالتأليف وقرض الشعر، وقد ألَّف في كثير من العلوم، وفي هذا يقول من رسالةٍ لصديق له: "تارةً أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول، وأجمع عقائد أهل السنة بما تعظم به لله المنة، وحينًا أشتغل بنظم فرائد في صورة قصائد، ووقتًا أكتب رسائل مؤلفة في فنون مختلفة، وآونةً أكتب في التصوف والسلوك وسير الأخبار والملوك، وزمانًا أكتب في العادات والأخلاق وجغرافية الآفاق، ومرةً أطوف الأكوان على سفينة تاريخ الزمان، ويومًا اشتغل بشرح أنواع البديع في مدح الشفيع, وقد تَمَّ لي الآن عشرون مؤلفًا بين صغير وكبير، فانظر إلى آثار رحمة الله اللطيف الخبير، كيف يجعل أيام المحنة وسيلة المنحة والمنة، أتراني كنت أكتب هذه العلوم في ذلك الوقت المعلوم، وقد كنت أشغل من مرضعة اثنين، وفي حجرها ثالث، وعلى كتفها رابع، وأتعب من مربي عشرة وليس له تابع".
стр. 307
وانتهى به المطاف إلى بلدة "الجميزة" فعرفه عمدتها وكتم أمره، ولكن أحد جواسيس الحكومة عرفه؛ فوشى به طعمًا في المكافأة١، وأطبق عليه رجال الشرطة، ولم يستطع النجاة بحيله المعهوده، فسلَّم نفسه٢ ومن حسن حظِّه لم يفحصوا عن أوراقه؛ إذ كان في بعضها هجاء مقذع لتوفيق، ولو تنبهوا لذلك لكان أمره غير ما عرفنا، ثم أرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان المحقق قاسم بك أمين؛ فأكرمه وواساه وأمدَّه بالمال من عنده, ثم صدر أمر توفيق بالعفو عنه وإبعاده عن مصر، فاختار "يافا" دار إقامة، وطوَّف ما شاء له هواه في فلسطين, وعرف كثيرًا من بقاعها٢.
ولما مات توفيق وتولى عباس عفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر؛ فرجع إليها سنة ١٨٩٢ وأنشأ جريدة "الأستاذ" فكانت صحفةً مجيدة في تاريخ الجهاد القوميّ؛ لأن علاقة الخديو عباس بالإنجليز كانت سيئة أول الأمر، وكان يجمع حوله الوطنيين وكبار المفكرين كما علمت آنفًا، وأخذ النديم يناصر عباسًا بكل ما أوتي من قوة، وكان في استطاعته أن يجنح للسلم ويهادن الإنجليز، ويُعيَّنَ في أعظم المناصب بالمعارف أو الأزهر، وهو كفء أديب, ولكن أبت عليه نفسه العفة، ووطنيته المتقدة أن يلين لعدوه مهما كانت الأيام قد حاربته في الماضي، ولقي إبَّان اختفائه من عنتٍ وآلام.
شهر قلمه في وجه الإنجليز غير مبالٍ بهم وبسلطانهم القويّ بوادي النيل، فآثار بذلك حفيظتهم, وخافوا إن تركوه وشأنه أن يتسع الخرق، ويفسد الأمر
стр. 308
ويعيدها جذعًا فأفوقفوا مجلته، ورحَّلُوه إلي يافا٣ منفيًّا بعد أن منحوه أربعمائة دينار, وأجروا عليه خمسة وعشرين كل شهر، واشترطوا عليه ألّا يكتب شيئًا بشأن مصر، ولم ينفعه الخديو ويحول بينه وبين النفي؛ لأنه كان مغلول اليد, والسلطة كلها بيد الإنجليز.
ولم يكن بيافا أسعد منه حظًّا وهو بمصر؛ إذ وشى به جماعةٌ لدى السلطان عبد الحميد فأمر بإبعاده، فعاد إلى الإسكندرية في حيرةٍ من أمره بعد أن لفظته بلاد الدولة العثمانية، بيد أن الغازي مختار باشا تشفَّع له عند السلطان عبد الحميد حتى سمح له بالسفر إلى تركيا, وهناك التقى بأستاذه الأكبر جمال الدين، وكان كلاهما في أسرٍ وإن اختلف القفصان، فجمال الدين في قفص من ذهب ينسجم مع حسبه ومكانته، والنديم في قفص من حديد يليق بمقامه.
وعُيِّنَ النديم مفتشًا للمطبوعات, وهي وظيفةٌ اسميةٌ تكفل له راتبًا مقداره خمسة وأربعون مجيديًا، وطبعي أنه لم يزاول العمل بمهنته تلك، وهي أبعد الوظائف عن طبعه وحريته، وفي الآستانة عادى أكبر قوةٍ بها في ذياك الوقت, وهو أبو الهدى الصيادي١, ولعله تأثر في عداوته له بجمال الدين، وقد عرفت من أمرها معًا بعض الشيء, أو لعل الصياديّ -وهو الأرجح- كان عدوًا لكل حرٍّ كريم، ولم يعبأ النديم بسطوة الصيادي وجاهه وقدرته على الانتقام، وهو رجل كانت له في كل مكان عيون تنقل له الأخبار؛ وقد اصطنع بمعروفه كثيرًا من عظماء الدولة؛ فهم طوع يديه ورهن إشارته، وقد سخَّر كل ما بتركيا لخدمته, وكم نفذ أمره وأبطل أمر السلطان, وكم تدلل على عبد الحميد فبالغ في استرضائه.
ولكن النديم لا يهمه الصياديّ ولا عبد الحميد, وأخذ يخوض في سيرته بلسانٍ حادٍّ بذئ، ووضع فيه كتابًا سماه "المسامير"؛ كله هجوٌ مقذعٌ فاحشٌ لا يشرف الصيادي، ولا يشرف النديم، وحاول الصيادي أن يعثر على هذا الكتاب، وهرَّبه "جورج كرتشي" الذي كان متصلًا بجمال الدين وعبد الله نديم إلى مصر، ثم طبعه.
стр. 309
وأصيب النديم بالسل بعد ذلك بقليل، واشتدت عليه العلة؛ فمات في الرابع من شهر جمادى الأولى سنة ١٣١٤هـ، العاشر من أكتوبر سنة ١٨٩٦، ودُفِنَ بتركيا, وهو في الرابعة والخمسين من عمره.
آثاره وأثره:
ولعلك قد أدركت من هذه السيرة أن النديم قد جرَّب كثيرًا من شئون الحياة، وعرف حلوها ومرها، وخالط الفقراء والأغنياء، وعاشر أصنافًا شتَّى من مختلف الأجناس, وعرك الدهر حتى استحصدت مرته، وقويت شكيمته، وإني أدعه يسرد تجربته بنفسه؛ فستعيننا في تعرف أدبه، قال: "أخذت عن العلماء، جالست الأدباء، وخالطت الأمراء، وداخلت الحكام، وعاشرت أعيان البلاد، وامتزجت برجال الصناعة والفلاحة والمهن الصغيرة, وأدركت ما هم فيه من جهالة، وممن يتألمون، وماذا يرجون، وخالطت كثيرًا من متفرنجة الشرقيين, وألممت بما انطبع في صدروهم من أشعة الغربيين، وصاحبت جمعًا من أفاضل الشرقيين المتعلمين في الغرب ممن ثبتت أقدامهم في وظيفتهم، وعرفت كثيرًا من الغربيين, ورأيت أفكارهم عاليةً أو سافلةً فيما يختص بالشرقيين والغاية المقصودة لهم، واخلتطت بأكابر التجار، وسبرت ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة، وامتزجت بلفيف من الأجناس المتباينة جنسًا ووطنًا ودينًا، واشتغلت بقراءة كتب الأديان على اختلافها، والحكمة والتاريخ والأدب، وتعلقت بقراءة الجرائد مدةً، واستخدمت في الحكومة المصرية زمنًا، واتجرت برهةً، وفلحت حينًا, وخدمت الأفكار بالتدريس وقتًا, وبالخطابة والجرائد آونةً، واتخذت هذه المتاعب وسائل لهذا القصد الذي وصلت إليه بعناءٍ, وكساني نحول الشيخوخة في زمنٍ بضاضة الصبا, وتوجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء، فصورتي تريك هيئة أبناء السبعين، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلّا تسعة وثلاثين".
ولو عاش النديم -مع تجربته هذه التي قلما تتاح لأديب، ومع ذوقه المرهف, ومواهبه العديدة, وقدرته على التعبير- في عصرنا هذا، وعرف ألوان الأدب، وفنونه، واطَّلَع على طريقة الغرب وأساليبه من قصة ومسرحية، وأفكار، لكان
стр. 310
أديبًا عالميًّا ممتازًا, تفاخر كل أمة بانتسابه إليها، ولكنه كان متعلقًا إلى حدٍّ كبير بأذيال الماضين؛ يكتب بأسلوبٍ مقيدٍ بصنوف عديدة من الأغلال، ولم تكن كنوز المعاني قد حطمت أغلالها, ولا ألوان الأدب الغربيّ العديدة قد عرفت ودرست, ومع ذلك فالنديم يُعَدُّ في الطليعة من رواد الأدب الحديث.
أما آثاره: فيحدثنا أحمد سمير مترجم حياته، بأن النديم "لما كان في يافا أول مرةٍ بعث إليَّ محررًا يكلفني به أن أطلب ديوان شعره الصغير من صديقه المرحوم عبد العزيز حافظ, فلما قصدته وجدته مصابًا في قواه العقلية بما لم يدع للطلب مجالًا, ثم كتب إليّ كتابًا ثانيًا بأن ديوانه الأوسط عند "م.ن" فطلبته منه، فاعتذار بأنه ضاع، فلما أنبأت المترجم بذلك أرسل إليَّ في مكتوبه الثالث أنه إنما طلبهما لحيقرهما براءةً منهما ومن أمثالهما؛ لأنه فيها هجوًا كثيرًا، وختم المكتوب بهذه العبارة: "قد خلعت تلك الثياب الدنسة، ولبست ثوب ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ .
وهذه قصة تذكرنا بما كان من الشيخ علي الليثي من قبل, وبمكانة الشعر عند هؤلاء القوم، وفي الواقع أنه لم يكن شعرًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم، ولكنه كان -كما ذكرنا من قبل- نظمًا تظهر به المقدرة على التعبير والمهارة اللسانية، وتصريف الكلام, وسنرى نماذج من هذا الشعر فيما بعد، وقد بقي لنا قليل ينبيئ عن نوع هذه الدواوين التي لم يعثر عليها.
١- أما نثره: فقد كتب مقالاتٍ شتَّى في "التنكيت والتبكيت"، وقد وعدنا بالرجوع إليها لننظر في موضوعاتها وقميتها، وحسبنا أن نتصفح العدد الأول منها؛ وقد حرره النديم بقلمه, فنجد مقالاتٍ شتَّى تمس حياة الأمة وتعالج مشكلاتها.
فمقال عنوانه: "مجلس طبي لمصاب بلإفرنجي" وهي قصة شاب قوي الجسم, سليم البنية، جميل الطلعة، لطيف الشكل, نشأ تحوطه العناية وتكلؤه الرعاية, يدلله أهله ويحمونه حتى لا تصل إليه يد عدو، ولا حلية محتال، ولكن استطاع دجالٌ ماهرُ أتقن فن الخداع والحيلة أن يتسلل إليه، وأن يوهم أهله أنه
стр. 311
من ذوي الورع والتقوى، فأمنوا جانبه، وأسلموه له؛ فأخذه يعرضه في الأسواق والطرقات, وجلب له من الغواني الحسان من تعارض الشمس بحسنها, وتكسف البدر بنورها, يغازلن أهله بحركات تحرك الجبان، فانصر الأهل إليهن، وتركوا مراقبة الفتى المليح؛ فانفرد به ذلك المحتال الخداع، وأغرى به الفتيات الملاح، فتمنع حيناً, وعصمه حياؤه وطهر نشأته زمانًا طويلًا، ولكن رأى أن الإغراء شديد، والخصم عنيد، وأن لا قبل له بهؤلاء الشياطين, ولا سيما وقد وجد أهله عاكفين على التزلف لهؤلاء النسوة، والتدله في حبهن، فسار في الطريق التي رسمها من قبل هذا المنافق الدجال, فما هي إلّا شرفة كأس حتى أصيب بالداء الإفرنجي "الزهري"؛ فاصفرَّ لونه, وارتخت أعضاؤه، وذهبت بهجته، وغارت عيناه, وتشوه وجهه، وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر منها الطباع، وفطن إليه بعض أهله, فلما رأى ما به بكى وانتحب، وأخذ يذرف العبرات ويصعد الزفرات، ويلفظ الحسرات، وجمع له الأطباء يشخصون داءه، ويركبون الدواء عله يبرئه من علته, ويقف سريان الداء، وأقبل أهله متلهفين لسماع نصح الأطباء ورأيهم, فطلبوا إليهم الهدوء والسكون، ومساعدتهم في خدمته، وتنظيف محله, وتطهير أعضاءه وحفظه حتى لا يقربه غريب, ولا يمكن أجنبي من الوصول إليه فيفسد العلاج, ويسعى في إتلافه أكثر مما صنع هو وقومه، وأخذ أهله يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في وقايته وصيانته".
وهذه قصة رميزة تصوِّرُ ما كان من إصابة مصر على يد إسماعيل وإسرافه، وتدخل الأجانب في شئونها، والمراقبة الثنائية، وصندوق الدين، وتصور كذلك ألم الناس من هذه المرض الإفرنجي، وأملهم في النجاة بسعي العقلاء وتفكير المستنيرين، وتوريته "بالإفرنجي" عن هذه المصائب التي حلت بالبلاد تورية بارعة.
وترى بالعدد الأول من "التنكيت والتبكيت" مقالًا آخر بعنوان: "عربيٌّ تَفَرْنَجَ" وهي قصة شاب من صميم الريف, أبوه فلاح مسكين، لم يستطع أن يعلمه، بل تركه جاهلًا يساعده في حقله ويأكل البصل، ولا يرى اللحم إلّا في العيد، ثم مرَّ
стр. 312
به أحد التجار, فأغراه على أن يدفع به إلى المدرسة، ولما أتمَّ تعليمه بمصر أُرْسِلَ إلى أوربا, وعاد إلى بلاده متنكرًا لأهله، مستقبحًا عادات قومه، مهجنًا طريقتهم في التحية، ومستفهمًا بقحة عن اسم البصل الذي أكله؛ لأنه نسي الاسم العربيّ، ولم يعد يتذكر إلّا الاسم الفرنسيّ١, ولما شكى أبوه إلى أحد النابهين قال له: "ولدك لم يتهذب صغيرًا, ولا تعلم حقوق وطنه، ولا عرف حقَّ لغته، ولا قدر شرف أمته، ولا ثمرة الحرص على عوائد أهله, ولا مزية الوطنية، فهو وإن كان تعلم علومًا إلّا أنها لا تفيد وطنه".
وهذا داء استشرى في مصر بعد النديم، وحاكى كثير ممن درسوا في بلاد الغرب أوربا في كل شيء, حتى هجنت عاداتنا وتقاليدنا، وفقد شبابنا كثير من مقومات الوطنية الصادقة، وإن كانت هذه الفتنة قد ابتدأت تخف وتتنبه الأمة إلى التمسك بلغتها وعاداتها ومزاياها، وتعتز بها.
ويلي ذلك قصة جماعة من الموسرين اجتمعوا في بيت أحدهم، ودخل عليهم فوجدهم مبهوتين صامتين لا يتكلمون ولا يتحركون، ولا يرفعون أبصارهم, فظنَّ أول الأمر أن ربَّ الدار قد رزئ بخطب فادح، وقد أتت هذه الجماعة لتواسيه، وعقد الحزن ألستنهم، وران على قلوبهم, فتركهم واجمين، ولكن خاب ظنه هذا، فسأل: هل ثمة معضلة عويصة عرضت لكم وأنتم تبحثون تقدم أوربا في الصناعات، وانتشار تجارتها, وكيف تصل مصر إلى هذه المنزلة، فأجابوا بالنفي، فقال: ربما تفكرون فيما يزيد ثروتكم, ويعود بالنفع والخير عليكم وعلى أمتكم, فقال رب الدار: هذا أمر لا يهمنا, فإن البلاد إذا تقدمت أو تأخرت لا تفيدنا شيئًا أحسن مما نحن فيه، وأما عن ثروتنا وزيادتها فعندنا من الثروة الكفاية؛ وهكذا صار يسألهم وهو في حيرةٍ من أمرهم حتى اكتشف أنهم إنما اجتمعوا لتعاطي "الكيف"، والمنبهات وغير ذلك، وعللوا لاجتماعهم هذا بأن: "الكيف" لا يفرح إلّا إذا تعاطاه الإنسان في مجالس، ويختم النديم هذه القصة التي سماها
стр. 313
"سهرة الأنطاع" بقوله: هكذا تكون حال من لم يتهذب صغيرًا, فإنه يخرج أسير شهواته, بعيدًا عن إدراك المعاني, جبانًا بليدًا غبيًّا".
ثم يتعرض في كلمة أخرى لهؤلاء الذين يلتفون حول القصاص بالمقهى يسمعون قصة عنترة, ويتجادلون ويتحزَّبون لأبطال القصة: ولما رآهم القصاص منصتين إليه أخذ يفتري عباراتٍ ينسبها إلى عنترة، وكلماتٍ يعزوها إلى عمارة، وكل فريق يرشه حتى ينتصر له بتلفيق كلام يصف فيه حزبه، وأخيرًا انتهت الليلة بأسر عنترة، فقام من الجمع رجل قدَّم للقصاص عشرة جنيهات ليخلص عنترة من أسره فأبى، فانهال عليه شتمًا وسبًّا، وتذكر أن عنده قصة عنترة ولكنه أميّ، فذهب إلى ابنه قبيل الفجر وأيقظه، وهو في مصيبته التي لحقته تلك الليلة، حتى ظنَّ الولد أن أمه قد ماتت، أو أحد أخوته توفي، أو تجارة أبيه صودرت، فلم علم أن الأمر يتعلق بعنترة أخذ يهوّن على والده الأمر، ويصف القصة بالتلفيق والكذب، فانهال عليه والده ضربًا بالعصا وطرده من البيت.
ثم يقص أمر المزراع والمرابي، وقد ذكرناها آنفًا، ويتبع ذلك بقصة غنيٍّ كبيرٍ بنى بيتًا واعتنى بأثاثه ورياشه، ثم دعا فريقًا من أصدقائه لزيارته، ولما وصلوا إلى المكتبة سأله أحدهم عن الكتب التي يهواها، فأجاب بما يدل على الجهل، وأنه لا علم له بالكتب وما تحتويه، وكل ما في الأمر أنه زار أحد العظماء ووجد في بيته خزانة كتب، عليها ستارة خضراء، وبجانبها منفضة من الريش، والخادم يسح زجاجة الخزانة كل يوم, فظن أن هذا طرازٌ جديدٌ في تأثيث البيوت؛ فحاكاه فيه دون أن يعرف شيئًا عن الكتب وما تحتويه, فدل على عظيم جهله, وعلى أن التقليد الأعمى مضر بالإنسان مزر بمكانته.
أجل! ضم العدد الأول من المجلة كل هذه الموضوعات التي تصور عيوبًا شائعةً لا يزال بعضها متفشيًا، وتصف الدواء لهذه العلل الاجتماعية، ولكن بأسلوب الوعظ والإرشاد, وإن كان ممزوجًا بكثير من التهكم الاذع والسخرية المرة، والكلمات القارصة، وقد فطن النديم إلى أن التعليم والنقد عن طريق القصة يحمل القارئ على متابعة القراءة, ويرى مصير أشخاص القصة فيتعظ بهم،
стр. 314
وبذلك يجدي النقد ويؤتي ثمرته، ولذلك أكثر منه، ولم يضع هذه القصص في عباراتٍ منمَّقَةٍ مزوقةٍ بليغة متخيرة الألفاظ، ولكن ساقها في أسلوب سهلٍ, وكثيرًا ما عمد إلى اللغة العامية يعبر بها عن مراده، ولعلمه أن في الناس الجاهل والعالم, والعامة والخاصة، ولكل أسلوب يلائمه، فموضوع: "الداء الإفرنجي" موضوع سياسيّ رمزيّ لا يفهمه إلّا الخاصة، ولذلك صيغ صياغةً أدبيةً سليمةً، أما موضوع: "المرابي والمزراع"، وموضوع: "سماع القصص" فمكتوبان للعامة، ولذلك لجأ إلى اللغة العامية يعبر بها حتى يفهمها هؤلاء فيتعظوا.
إن النديم في هذه الموضوعات قدير على الحوار، وتراه يبالغ حتى يستفز شعور القارئ, ويجعله يشمئز من هؤلاء الجهلة الذين يصور حالتهم، وتراه كذلك يستنفد المعاني ويستقرئ الأسباب، حتى يكون الحكم، أو النهاية بالغة العظة، ولو فطن النديم إلى المسرحية الهزلية وصور هذه الشخصيات فيها لكان "موليير" العرب؛ لأن عنده المقدرة على التصوير، وخلق الشخصيات والتهكم عليها, والمبالغة في تبشيع المثالب والعيوب، وهذه كلها تعده لأن يكتب ملهاة متقنة.
٢- ومن الموضوعات التي كتب فيها بمجلته فيما بعد موضوع "الخطابة، وأثرها في تاريخ الإسلام"، وفائدتها في تهذيب الشعب وتربيته، ورأى أن خطب الجمعة ميتةً لا تمت إلى الحياة التي يحياها الناس بصلة, وتتكلم في أمور بعيدة عن مشكلاتهم الاجتماعية والخلقية والسياسية كل البعد١، واقترح أن يحضر خطب الجمعة فئة من ذوي الفكر السديد والرأي الرشيد، وتوزعها الحكومة على خطباء المساجد, وتبرع هو فوضع نموذجًا لخطبة منبرية، ضمنها الحثَّ على الاهتمام بشئون البلاد والمحافظة على حقوقها, والدعوة إلى الائتلاف للتغلب على الخصم الأجنبيّ، وعلى الأخطار التي تحدث بالوادي، والاتحاد بين المسلمين والأقباط، والتذكير بمجد مصر السابق، ومعاملة الأجانب بالحسنى حتى لا تتخذ
стр. 315
سوء معاملتهم ذريعةً للتدخل الأجنبيّ، وغير ذلك من الأمور التي يرى أن الحاجة ماسَّةً إلى التكلم فيها لأول عهد توفيق، ومن قوله في أثر الخطابة وفائدتها:
"ألسن الخطباء تحيي وتميت، وحكمة إذا عقلت معناها وقفت على سر الخطابة حكمة حدوثها، وعلمت أنها للعقول بمنزلة الغذاء للبدن، وكانت الخطابة في الأعصر الخالية غير معلومة إلّا في أمتيّ العرب واليونان، فكانت ساحتها في جزيرة العرب عكاظًا، ومنابرها ظهور الإبل، وهذه الساحة كانت معرضًا للافكار, تجتمع فيه الخطباء والبلغاء والشعراء وأمم كثيرة من المجاورة للجزيرة؛ فيرقى الخطيب ظهر ناقته, ويشير بطرف ردائه، وينثر على الأسماع دررًا وبدائع، ثم يباريه آخر, ويعارضه غيره, فتتضارب الأفكار, وتتنبه الأذهان, وتحيا الهمم، وتتحرك الدماء، ويرجع كبار القبائل وأمراؤها لما يشير إليه الخطيب إن صلحًا وإن حربًا، ولم يقتصروا في خطباتهم على مسائل الحرب والصلح، بل كانوا يخوضون بحار الأفكار, فلا يتركون مَلَمَّةً إلّا شرحوها، ولا يذورون فضيلةً إلى حثوا عليها، حتى إنهم كانوا يحفظون أسماء الحكماء منهم, وأهل المآثر فيذكرونهم في هذا المعرض إحياءً لتذكارهم, وتخليدًا لأسمائهم؛ لئلَّا يجهل الآتي سيرة الماضي فتفتر الهمم، وتخمد الدماء, وتتغير الطباع".
٣- وأما مقالاته بالأستاذ فكانت صرخةً أخرى مدويةً, حاول بها إيقاظ مصر كي تتنبه لما يحدق بها من أخطار، وعالج في هذه المقالات موضوعات اجتماعية وسياسية وخلقية لم تخطر على بال أحد من قبل، فتراه يتكلم عن التعليم وأثره في الحضارة والعمران, وما يجلبه الجهل من الآفات الاجتماعية والعلل الخلقية, ويعدد هذه المثالب, ويبين أثرها في تأخر الأمة، وتارةً يحث أبناء مصر على الاتحاد والتآزر والالتفاف حول الوطن والأمير والسلطان, والتنكر للأجانب مهما كان شأنهم، والتحذير من غواياتهم، وهو أول من دعا إلى أن مصر يجب أن تكون للمصريين لا لتركيا ولا للأوربيين، فكانت لفتةً وطنيةً لا تخرج إلّا من قلبٍ عامرٍ بحب بلاده، ولا سيما في ذلك الزمان الذي لم تفكر فيه أية دولة عربية في هذا المعنى، وإنما كانت الفكرة الوطنية عندها عاطفة غامضة تربط مصيرها بمصير
стр. 316
تركيا، ولم تكن الفكرة جلية -كما يجب- عند النديم، ولكنها خطرات الوطنيّ المتحمس, جعلته يفكر مثل هذا التفكير، وإن كنا نراه أحيانًا يشايع الرأي السائد، ويدعو للسلطان والالتفاف حوله من مثل قوله: "هذه يدي في يد من أضعها؟ أضعها في يد وطنيك، وأعقد خنصريكما على محبة أمير البلاد، مرتبطة هذه المحبة بمحبة أمير المؤمنين، وإلّا فقطعها خير من وضعها في يد أجنبيٍّ يستميلك إليه بوعود كاذبة وحيل واهية، ويظهر لك سعيه في صالحك وحبه لتقدمك، ورميك بأوهام لا توجد إلّا بينك وبينه، ويغرك بدعوى انفراده بالسلطة عليك، وبعد الدول عنك، ويضللك بنسبة أمرائك للقصور، وحكامك للجهل والظلم، ويصور لك الأباطيل في صورة حقٍّ يخدعك به، ويحوِّلُ أفكارك الشرقية إلى أفكار غربيةٍ تأخذها وتقول بها، فتكون يده القوية وعونه الأكبر على ضياع حقوقك وإذلال إخوانك، واسترقاق أهلك, وانتزاع سلطة أميرك وسلطانك, وأنت لا تشعر بشيء من هذا".
وقد يفسر كلام النديم بدعوته للسلطان والحض على الولاء له، بأنه ولاءٌ دينيّ، بينما الولاء لأمير البلاد ولاء وطنيّ، وهذا ما أرجحه، فإن النديم اشتهر بدعوته الجريئة "مصر للمصريين" وكان دعوة "عرابي" كذلك، وإذا تعارض الدين والوطنية، فضَّل الوطنية على الدين؛ لأنه جاذبية الوطن عنده أقوى من جاذبية الدين، ويعلل لذلك تعليلًا فلسفيًّا في مقالة نفيسة بالأستاذ هي "تجاذب الجنسيات والأديان" يقول فيها: "لو وقعت حرب بين عربيّ وعجميّ تماثلا دينيًّا, هربت الطباع إلى الجنسية, فترى عربيًّا في أقصى الأرض يفرح بانتصار مثيله على العجميّ والعكس بالعكس" ويعلل لاتحاد الأقباط والمسلمين بمصر, ومحبة كل فريق للآخر بقوة الرابطة الجنسية، فإن كثيرًا من مسلمي مصر أقباطٌ أسلموا، فنداء الدم بليغ، وفي هذا يقول: "وأقرب الأماكن إلينا مصر التي نحن فيها، فإنها بلاد إنسانية مختلطة بقليل من الأقباط الذين تجذبهم الجنسية إلى كثير ممن تولدوا ممن أسلم من سابقيهم، وتدفعهم الوطنية إلى التلاصق بالمجموع بجاذبية الوطنية والألفة وطول المعاشرة"، وهذه خطرات وطنية صادقة العاطفة, عميقة الفكرة، بعيدة النظر، ولقد قال وليّ الدين يكن عن عبد الله نديم:
стр. 317
"وإنما أحدث بيننا الخلاف أنه كان عدوًّا للعثمانيين, وهو من قدماء من يقولون "مصر للمصريين، ونحن نقول مصر للعثمانيين".
لقد جهر عبد الله نديم بندائه هذا، ولم يجاره في دعمته زعماء السياسة من بعد، فهذا مصطفى كامل وهو في مناوأته للإنجليز, وبعثه للشعور الوطنيّ, ومحاربته للاحتلال الأجنبيّ, لم تنضج عنده الفكرة الوطنية كما نفهمها اليوم، فلم يقل: إن مصر للمصريين, بل قال: "حقًّا إن سياسة التقرب من الدولة العلية لأحكم السياسات وأرشدها، فضلًا عن الأسباب الداعية لهذا التقريب, فإن العدو واحد ولا يليق بنا أن نكون في فشل وشقاق في وقت يعمل أعداؤنا على تجزئة دولتنا، ولا غرو إن كنا نتألم لآلام الدولة العلية, فما نحن إلّا أبناؤها المستظلون بظلها الوريف, المجتمعون حول رايتها، وقصارى القول أن الراية العثمانية هي الراية الوحيدة التي يجب أن يجتمع حولها، ولا تتحقق وحدتنا بغير الاتحاد والائتلاف, فلنتحد قلبًا ولسانًا"١ ولكنه رجع عن هذا الرأي فيما بعد, وفسره في خطبته بالإسكندرية٢.
استطاع النديم في جريدة "الأستاذ" أن ينبه الأفكار إلى موضوعات حيوية, وأن يجادل ويناقش ويثير العقول ويخلق الرأي العام, ويدعو زعماء الثورة العرابية الذين أذلهم الاحتلال، وغلبهم الخوف منه إلى البروز والعمل في سبيل مصر، ويدعو إلى تأليف الأحزاب حتّى يكون لكل جريدة حزبها الذي تنافح عنه، ولكل حزب منهجه في الإصلاح، وقد وقف من الأجانب بعامةٍ ومن الإنجليز بخاصة موقفًا صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، أما الإنجليز: فهو عدوهم اللدود، ويصورهم صورًا منكرة، ويدعو الشعب لتأييد توفيق والالتفاف حوله، وأما سواهم من المرتزقة الذين هاجروا في سبيل القوت أو الثروة, فينصح بعدم الأمان لهم، وبالبعد عنهم، إلّا إذا برهنت التجربة على إخلاصهم "فعليك بمن إذا حلت المصائب وآب النازحون إلى مقارهم فرارًا من مشاركتك في هموك كان قسيمك
стр. 318
في النكبات، يتناول معك حمل الخطوب، ويحملك إذا ضعفت, ويبرك إذا احتجت، ويعودك إذا مرضت، وينصرك إذا خذلت، ويدفع معك عدوًّا يحاربك، ويحفظ معك وطنًا لزمته، ويصون لك عرضًا تبذل الروح في حمياته، والجمهرة من الأجانب في نظره متسولون؛ إذا أعطيتهم مدحوك، وهم يمدحونك طالما يجدون عندك نفعًا" ومن كانت هذه صفته يصدفه عنك الغير بلقمة يريدها، فإذا زاده دينارًا على أن يقذفك ويهجوك أضحك الناس بما يفتريه عليك".
الحق أن النديم في "الأستاذ" كان معلمًا جليلًا للوطنية المتطرفة كما يفهمها جيله، وكان مخلصًا في نصحه، وثابتًا على مبدئه منذ الثورة واندلاعها, لم يلن للخطوب, أو يطأطيء الرأس لعدوٍّ؛ فكان أكبر مثل يحتذيه الزعماء من بعد.
٤- وله رسائل أدبية، ومقالات في موضوعات شتَّى, احتفي بأسلوبها احتفاء زائدًا, وقد جمع منها أحمد سمير في سلافة النديم مقدارًا صالحًَا للحكم عليها من حيث منزلتها الأدبية؛ فمن ذلك رسالة: "لواء النصر في أدباء العصر" وفيها يصف من تعرف عليهم من أدباء مصر أمثال: البارودي, وصفوت الساعاتي، وعبد العزيز حافظ، وعبد الله فكري, وسواهم.
ومنها رسالة: "التنور المسجور" في المفاخرة بين السفينة و"الوابور"، ومنها الرسائل المتبادلة بينه وبين بعض الأدباء في أمور خاصة.
أسلوبه:
١- التزم عبد الله نديم في مطلع حياته الأدبية ذلك الأسلوب المسجوع المتكلف، يكثر فيه من ألوان البديع ولا سيما الجناس، ويظهر فيه مهارته اللغوية, وقدرته على تأليف الكلام، في جملٍ قصيرة الفواصل، كثيرة المترادفات, ويعمد في أغلب الأحيان إلى الخيال والمبالغات المرذولة، وأحيانًا يأتي يجملٍ لا معنى لها, ولكن اقتضاها السجع, مثل قوله في مطلع رسالته يصف كلامه:
"حديقة معاني، ونادي مغاني، وبستان أفكار" فهذه جمل مترادفة، والجملة الوسطى لا معنى لها.
стр. 319
ومن الجمل المترادفة والجناس المتكلف قوله من الرسالة السابقة: "فكاهة نفوس، وزينة طورس، هزلها أدب, وجدها طرب، وإن سئلت أوجزت، وإن سألت أعجزت، لو أقمت لها حكمًا، وجدها كلها حِكَمًا".
ومن المبالغات السخيفة، والوصف المتكلف قوله يصف أديبًا: "رامي نبال وعظه إلى الأحشاء، ومفوق سهام بديعه إلى الإنشاء، حامل لواء العلوم العقلية، وقائد جيوش الفنون النقلية، مطلع شمس الأماني، ومبارز فرسان المعاني، إن ألف لم يتكلف، بل يجعل الانسجام زينة الكلام، وإن نثر كَرَّ بهجومٍ على سرايا النجوم".
فهذا الأديب في حربٍ دائمةٍ يرمي الأحشاء بنبال وعظه، يفوق سهام بديعه إلى الإنشاء، ويحمل لواء العلوم العقلية، واللواء يقتضي الجيوش، وهكذا تراه يحمل معدات الحرب ويستعملها، وكثيرًا ما يعمد إلى هذا الأسلوب، ويكرر هذا المعنى كقوله: "وكيف لا يكون لساني قوس البديع، وكلامي السهم السريع، وأنت باريه وراميه؟ أم كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع, وقدري العزيز الرفيع، وأنت معليه وبانيه؟ ".
وله في مطلع حياته كذلك رسائل التزم فيها ما لا يلتزم من ألوان السجع إظهارًا لبراعته, وعرضًا لقدرته ومهاراته، فتارةً تراه يأتي بمجموعة من السجعات؛ كل اثنتين متشابهتين في القافية، وفي ختامها سجعة من قافية مختلفة، ثم يكرر هذه القوافي بالترتيب الذي ساقها به أولًا، وتارةً يأتي بمجموعة من السجعات بعض خمس أو ست على الترتيب الأول، وأحيانًا يلتزم في السجعة الثانية أن تكون آية من آيات القرآن، ومن النوع الأول قوله: "لعبت به الأشواق في مصارع العشاق, لعب الراح بالأرواح في مجلس الأنس، وجرت به الأتواق١ في ميادين الأذواق, جري السحاب والأرواح في حومة الشمس".
стр. 320
ومن الثاني قوله: منحتنا اللهم سلامة الروح, فلله الحمد على هذه المنحة حمدًا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان, فلله الشكر على هذه الصحة شكرًا بلا حدِّ، يلوح بدره، ويفوح عطره، وروح هو عين الحياة، ومدد العقل، ولب هو منطق للشفاه، وسند النقل، طال عمره وجال أمره".
ومثل النوع الثالث الذي يأتي فيه بسجعةٍ قرآنيةٍ تكمل المعنى قوله من رسالةٍ كتب بها إلى صديقه المرحوم عبد العزيز حافظ تنبيهًا له حينما رآه يجتمع ببعض المغاربة, ويشتغل معهم بخرافاتٍ باطلة: "لا حول ولا قوة إلّا بالله اشتبه المراقب باللاه، واستبدل الحول بالمر، وقدم الرقيق على الحر، وبيع الدر بالخزف، والخز بالحشف، وأظهر كل لئيم كبره, إن في ذلك لعبرة، سمعًا سمعًا؟ قالوشاة إن سعوا لا يعقلوا, ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر, وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر؟ وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر" إلى أن يقوله له: "وأنت يا عزيز العليا, ووحيد الدنيا، قد بينت لك فعلهم, فبما رحمة من الله لنت لهم؛ ولكنهم طمعوا في عميم قولك، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك، أتراهم يعقلون كلام أو يفهمون، لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون".
ومعظم رسائله الأدبية من هذا الطراز الذي يكثر فيه ألوان البديع, ويلتزم السجع, ويفتن في عرضه، ونراه لا يمدح رسالةً وصلت إليه إلّا بأن البديع قد كمل نظمه، والسجع قد لطف من مثل قوله: "إذا قرأت لفظه، وسمعت وعظه, ورأيت ما فيه من المرقص والمطرب، والمنعش والمعجب، وتلوث ما فيه من الرقائق، ونظرت ما حاز من الدقائق، علمت أنه معجزة المتنبي, وإن تأخر زمانها، وفطنة المعري، وإن بعد مكانها, وكيف لا وعطر نرجس بلاغته أزرى بطيب الريحانة، وحسن دمية بيانه نبه على ضيق الخزانة، وانسجام رقائق كلماته أغنى عن البديعات، ورقة لطف سجعاته تأهت على الأرتقيات١".