← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تركيا، ولم تكن الفكرة جلية -كما يجب- عند النديم، ولكنها خطرات الوطنيّ المتحمس, جعلته يفكر مثل هذا التفكير، وإن كنا نراه أحيانًا يشايع الرأي السائد، ويدعو للسلطان والالتفاف حوله من مثل قوله: "هذه يدي في يد من أضعها؟ أضعها في يد وطنيك، وأعقد خنصريكما على محبة أمير البلاد، مرتبطة هذه المحبة بمحبة أمير المؤمنين، وإلّا فقطعها خير من وضعها في يد أجنبيٍّ يستميلك إليه بوعود كاذبة وحيل واهية، ويظهر لك سعيه في صالحك وحبه لتقدمك، ورميك بأوهام لا توجد إلّا بينك وبينه، ويغرك بدعوى انفراده بالسلطة عليك، وبعد الدول عنك، ويضللك بنسبة أمرائك للقصور، وحكامك للجهل والظلم، ويصور لك الأباطيل في صورة حقٍّ يخدعك به، ويحوِّلُ أفكارك الشرقية إلى أفكار غربيةٍ تأخذها وتقول بها، فتكون يده القوية وعونه الأكبر على ضياع حقوقك وإذلال إخوانك، واسترقاق أهلك, وانتزاع سلطة أميرك وسلطانك, وأنت لا تشعر بشيء من هذا". وقد يفسر كلام النديم بدعوته للسلطان والحض على الولاء له، بأنه ولاءٌ دينيّ، بينما الولاء لأمير البلاد ولاء وطنيّ، وهذا ما أرجحه، فإن النديم اشتهر بدعوته الجريئة "مصر للمصريين" وكان دعوة "عرابي" كذلك، وإذا تعارض الدين والوطنية، فضَّل الوطنية على الدين؛ لأنه جاذبية الوطن عنده أقوى من جاذبية الدين، ويعلل لذلك تعليلًا فلسفيًّا في مقالة نفيسة بالأستاذ هي "تجاذب الجنسيات والأديان" يقول فيها: "لو وقعت حرب بين عربيّ وعجميّ تماثلا دينيًّا, هربت الطباع إلى الجنسية, فترى عربيًّا في أقصى الأرض يفرح بانتصار مثيله على العجميّ والعكس بالعكس" ويعلل لاتحاد الأقباط والمسلمين بمصر, ومحبة كل فريق للآخر بقوة الرابطة الجنسية، فإن كثيرًا من مسلمي مصر أقباطٌ أسلموا، فنداء الدم بليغ، وفي هذا يقول: "وأقرب الأماكن إلينا مصر التي نحن فيها، فإنها بلاد إنسانية مختلطة بقليل من الأقباط الذين تجذبهم الجنسية إلى كثير ممن تولدوا ممن أسلم من سابقيهم، وتدفعهم الوطنية إلى التلاصق بالمجموع بجاذبية الوطنية والألفة وطول المعاشرة"، وهذه خطرات وطنية صادقة العاطفة, عميقة الفكرة، بعيدة النظر، ولقد قال وليّ الدين يكن عن عبد الله نديم:

стр. 317

"وإنما أحدث بيننا الخلاف أنه كان عدوًّا للعثمانيين, وهو من قدماء من يقولون "مصر للمصريين، ونحن نقول مصر للعثمانيين". لقد جهر عبد الله نديم بندائه هذا، ولم يجاره في دعمته زعماء السياسة من بعد، فهذا مصطفى كامل وهو في مناوأته للإنجليز, وبعثه للشعور الوطنيّ, ومحاربته للاحتلال الأجنبيّ, لم تنضج عنده الفكرة الوطنية كما نفهمها اليوم، فلم يقل: إن مصر للمصريين, بل قال: "حقًّا إن سياسة التقرب من الدولة العلية لأحكم السياسات وأرشدها، فضلًا عن الأسباب الداعية لهذا التقريب, فإن العدو واحد ولا يليق بنا أن نكون في فشل وشقاق في وقت يعمل أعداؤنا على تجزئة دولتنا، ولا غرو إن كنا نتألم لآلام الدولة العلية, فما نحن إلّا أبناؤها المستظلون بظلها الوريف, المجتمعون حول رايتها، وقصارى القول أن الراية العثمانية هي الراية الوحيدة التي يجب أن يجتمع حولها، ولا تتحقق وحدتنا بغير الاتحاد والائتلاف, فلنتحد قلبًا ولسانًا"١ ولكنه رجع عن هذا الرأي فيما بعد, وفسره في خطبته بالإسكندرية٢. استطاع النديم في جريدة "الأستاذ" أن ينبه الأفكار إلى موضوعات حيوية, وأن يجادل ويناقش ويثير العقول ويخلق الرأي العام, ويدعو زعماء الثورة العرابية الذين أذلهم الاحتلال، وغلبهم الخوف منه إلى البروز والعمل في سبيل مصر، ويدعو إلى تأليف الأحزاب حتّى يكون لكل جريدة حزبها الذي تنافح عنه، ولكل حزب منهجه في الإصلاح، وقد وقف من الأجانب بعامةٍ ومن الإنجليز بخاصة موقفًا صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، أما الإنجليز: فهو عدوهم اللدود، ويصورهم صورًا منكرة، ويدعو الشعب لتأييد توفيق والالتفاف حوله، وأما سواهم من المرتزقة الذين هاجروا في سبيل القوت أو الثروة, فينصح بعدم الأمان لهم، وبالبعد عنهم، إلّا إذا برهنت التجربة على إخلاصهم "فعليك بمن إذا حلت المصائب وآب النازحون إلى مقارهم فرارًا من مشاركتك في هموك كان قسيمك

стр. 318

في النكبات، يتناول معك حمل الخطوب، ويحملك إذا ضعفت, ويبرك إذا احتجت، ويعودك إذا مرضت، وينصرك إذا خذلت، ويدفع معك عدوًّا يحاربك، ويحفظ معك وطنًا لزمته، ويصون لك عرضًا تبذل الروح في حمياته، والجمهرة من الأجانب في نظره متسولون؛ إذا أعطيتهم مدحوك، وهم يمدحونك طالما يجدون عندك نفعًا" ومن كانت هذه صفته يصدفه عنك الغير بلقمة يريدها، فإذا زاده دينارًا على أن يقذفك ويهجوك أضحك الناس بما يفتريه عليك". الحق أن النديم في "الأستاذ" كان معلمًا جليلًا للوطنية المتطرفة كما يفهمها جيله، وكان مخلصًا في نصحه، وثابتًا على مبدئه منذ الثورة واندلاعها, لم يلن للخطوب, أو يطأطيء الرأس لعدوٍّ؛ فكان أكبر مثل يحتذيه الزعماء من بعد. ٤- وله رسائل أدبية، ومقالات في موضوعات شتَّى, احتفي بأسلوبها احتفاء زائدًا, وقد جمع منها أحمد سمير في سلافة النديم مقدارًا صالحًَا للحكم عليها من حيث منزلتها الأدبية؛ فمن ذلك رسالة: "لواء النصر في أدباء العصر" وفيها يصف من تعرف عليهم من أدباء مصر أمثال: البارودي, وصفوت الساعاتي، وعبد العزيز حافظ، وعبد الله فكري, وسواهم. ومنها رسالة: "التنور المسجور" في المفاخرة بين السفينة و"الوابور"، ومنها الرسائل المتبادلة بينه وبين بعض الأدباء في أمور خاصة. أسلوبه: ١- التزم عبد الله نديم في مطلع حياته الأدبية ذلك الأسلوب المسجوع المتكلف، يكثر فيه من ألوان البديع ولا سيما الجناس، ويظهر فيه مهارته اللغوية, وقدرته على تأليف الكلام، في جملٍ قصيرة الفواصل، كثيرة المترادفات, ويعمد في أغلب الأحيان إلى الخيال والمبالغات المرذولة، وأحيانًا يأتي يجملٍ لا معنى لها, ولكن اقتضاها السجع, مثل قوله في مطلع رسالته يصف كلامه: "حديقة معاني، ونادي مغاني، وبستان أفكار" فهذه جمل مترادفة، والجملة الوسطى لا معنى لها.

стр. 319

ومن الجمل المترادفة والجناس المتكلف قوله من الرسالة السابقة: "فكاهة نفوس، وزينة طورس، هزلها أدب, وجدها طرب، وإن سئلت أوجزت، وإن سألت أعجزت، لو أقمت لها حكمًا، وجدها كلها حِكَمًا". ومن المبالغات السخيفة، والوصف المتكلف قوله يصف أديبًا: "رامي نبال وعظه إلى الأحشاء، ومفوق سهام بديعه إلى الإنشاء، حامل لواء العلوم العقلية، وقائد جيوش الفنون النقلية، مطلع شمس الأماني، ومبارز فرسان المعاني، إن ألف لم يتكلف، بل يجعل الانسجام زينة الكلام، وإن نثر كَرَّ بهجومٍ على سرايا النجوم". فهذا الأديب في حربٍ دائمةٍ يرمي الأحشاء بنبال وعظه، يفوق سهام بديعه إلى الإنشاء، ويحمل لواء العلوم العقلية، واللواء يقتضي الجيوش، وهكذا تراه يحمل معدات الحرب ويستعملها، وكثيرًا ما يعمد إلى هذا الأسلوب، ويكرر هذا المعنى كقوله: "وكيف لا يكون لساني قوس البديع، وكلامي السهم السريع، وأنت باريه وراميه؟ أم كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع, وقدري العزيز الرفيع، وأنت معليه وبانيه؟ ". وله في مطلع حياته كذلك رسائل التزم فيها ما لا يلتزم من ألوان السجع إظهارًا لبراعته, وعرضًا لقدرته ومهاراته، فتارةً تراه يأتي بمجموعة من السجعات؛ كل اثنتين متشابهتين في القافية، وفي ختامها سجعة من قافية مختلفة، ثم يكرر هذه القوافي بالترتيب الذي ساقها به أولًا، وتارةً يأتي بمجموعة من السجعات بعض خمس أو ست على الترتيب الأول، وأحيانًا يلتزم في السجعة الثانية أن تكون آية من آيات القرآن، ومن النوع الأول قوله: "لعبت به الأشواق في مصارع العشاق, لعب الراح بالأرواح في مجلس الأنس، وجرت به الأتواق١ في ميادين الأذواق, جري السحاب والأرواح في حومة الشمس".

стр. 320

ومن الثاني قوله: منحتنا اللهم سلامة الروح, فلله الحمد على هذه المنحة حمدًا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان, فلله الشكر على هذه الصحة شكرًا بلا حدِّ، يلوح بدره، ويفوح عطره، وروح هو عين الحياة، ومدد العقل، ولب هو منطق للشفاه، وسند النقل، طال عمره وجال أمره". ومثل النوع الثالث الذي يأتي فيه بسجعةٍ قرآنيةٍ تكمل المعنى قوله من رسالةٍ كتب بها إلى صديقه المرحوم عبد العزيز حافظ تنبيهًا له حينما رآه يجتمع ببعض المغاربة, ويشتغل معهم بخرافاتٍ باطلة: "لا حول ولا قوة إلّا بالله اشتبه المراقب باللاه، واستبدل الحول بالمر، وقدم الرقيق على الحر، وبيع الدر بالخزف، والخز بالحشف، وأظهر كل لئيم كبره, إن في ذلك لعبرة، سمعًا سمعًا؟ قالوشاة إن سعوا لا يعقلوا, ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر, وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر؟ وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر" إلى أن يقوله له: "وأنت يا عزيز العليا, ووحيد الدنيا، قد بينت لك فعلهم, فبما رحمة من الله لنت لهم؛ ولكنهم طمعوا في عميم قولك، ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك، أتراهم يعقلون كلام أو يفهمون، لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون". ومعظم رسائله الأدبية من هذا الطراز الذي يكثر فيه ألوان البديع, ويلتزم السجع, ويفتن في عرضه، ونراه لا يمدح رسالةً وصلت إليه إلّا بأن البديع قد كمل نظمه، والسجع قد لطف من مثل قوله: "إذا قرأت لفظه، وسمعت وعظه, ورأيت ما فيه من المرقص والمطرب، والمنعش والمعجب، وتلوث ما فيه من الرقائق، ونظرت ما حاز من الدقائق، علمت أنه معجزة المتنبي, وإن تأخر زمانها، وفطنة المعري، وإن بعد مكانها, وكيف لا وعطر نرجس بلاغته أزرى بطيب الريحانة، وحسن دمية بيانه نبه على ضيق الخزانة، وانسجام رقائق كلماته أغنى عن البديعات، ورقة لطف سجعاته تأهت على الأرتقيات١".

стр. 321

وهذا النوع من النثر بما فيه من تلاعبٍ وافتنانٍ في الازدواج والفواصل والسجعات, تقليد لمقامات الحريري وما ورد على مثالها من الرسائل، ومما يؤيد هذا الاتجاه عند النديم أنه كتب رسالة على لسان أحد أصدقائه يطلب إليه فيها أن يراسله، ويشترط أن تكون رسائله مشتملة على أفانين خاصة من البديع وغيره، وينفذ النديم الشرط, فيضع عدة رسائل منفذًا بها شروط صديقه التي ذكرها في قوله: "أحب أن تتواصل إليّ رسائلك, وتسامرني وسائلك، بشرط أن تكون أسطرها عشرين فما فوق، وأن يكون بعضها في غزل وعشق, وبعضها نكتًا أدبية, وبعضها فوائد عربية، هذه محاورة، والأخرى مسايرة، تارةً طرائف خمرية, ومرةً لطائف عمرية، وهكذا تشرف من كل دن، وتسطع في كل فن، على أن تكون بحكايات ما طرأت على الأفكار، ولا خرجت من الأوكار, تلتزم الجناس في الفقر, وألَّا تأخذ شعر غيرك إلّا بيتًا أو بيتين" وقد استجاب النديم لهذا الطلب فوضع عدة رسائل متكلفة لا معنى لها، وقد أثبت منها "أحمد سمير في السلافة"رسالتين. والشعر الذي يرصع به الرسائل وأمثالها -وهو كثير بحيث لا تخلوا منه رسالة- شعر يمثل هذا التعمل من مثل قوله يتلاعب بلفظ النوى: لست الملول مع التدلل والنوى ... إن لم يكن روحي على هجري نوى ما دام يرضي منيتي فقد استوت ... عند الإقامة في شبين أو نوى أطعمته أثمار ودي كلها ... وغذيت من ثمر المحبة بالنوى ويأتي النديم أحيانًا بتعبيراتٍ غريبةٍ شاذةٍ متكلفة الاستعارات؛ كقوله: "وطلاؤه مرمر بالدبر معجون بليلة القدر" وأحيانًا يأتي بتعبيرات في منتهى اللطف كقوله: "واختلسنا النوم من جفون الزهر" أو قوله: أورق من خفر في بكر". وشعر النديم الموجود قليل، وهو كنثره الأدبيّ مصنوع متكلف، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ شعر أبي النصر وعلي الليثي، مع فارقٍ واحدٍ هو قوة السبك، ولكنه لا يختلف عن شعرهما في الصياغة والزخرفة والمعاني، ومن أحسن ما روي له قوله في الغزل:

стр. 322

سلوه عن الأرواح فهي ملاعبه ... وكفوا إذا سل المهند حاجبه وعودوا إذا نامت أراقم شعره ... وولوا إذا دبت إليكم عقاربه ولا تذكروا الأشباح بالله عنده ... فلو أتلف الأرواح منذا يطالبه أراه بعيني والدموع تكاتبه ... ويحجب عني والفؤاد يراقبه فلا حاجة تدني الحبيب لصبه ... سوى زفرة تثني الحشا وتجاذبه فلا أنا ممن يتقيه حبيبه ... ولا أنا ممن بالصدود يعاتبه ولو أن طرفي أرسل الدمع مرة ... سفيرًا لقلبي ما توالت كتائبه وتراه يستعمل التأريخ الشعريّ؛ كقوله يؤرخ موت توفيق وهو بيافا, من قصيدة أرسلها إلى مصر يرثيه على الرغم من أنه نفاه: فملائك الجنات قالت أرخوا ... توفيق في عز النعيم السرمدي ١٣٠٩ ومن شعره قوله من رسالةٍ كتبها لأحد أصداقائه أيام أن كان بالمنفى, وفيها يظهر أمله ويندب سوء حظه: يا صاحبي دع عنك قول الهازل ... واسمع نصيحة عارف بالحاصل اجهل تجد صفو الزمان فإنه ... من قصمة الفدم الغبي الجاهل ودع التعقل بالغفل يستقم ... أمر المعاش فحظه للغافل وارض البلادة تغتنم من بابها ... مالًا وجاهًا بعد ذكر خامل وإذا أبيت سوى العلوم فلا تضق ... بحروب دهر لا يميل لفاضل قلب تواريخ الألى سبقوا تجد ... دنياك ما قيدت بغير الباطل أحسبنا إذا قلنا بلينا ... بلينا، أن يروم القلب لينا نعم؟ للمجد نقتحم الدواهي ... فيحسب خامل أنا دهينا تناوشنا فنقهرها خطوب ... ترى ليث العرين لها قرينا

стр. 323

إلى أن يقول: ولسنا الساخطين إذا رزينا ... نعم يلقى القضا قلبًا رزينا فإنا في عداد الناس قوم ... بما يرضى الإله لنا رضينا إذا طاش الزمان بنا حلمنا ... ولكنا نهينا أن نهينا وله قصيدة طويلة من رواية الوطن التي مثلها أمام الخديوي توفيق، وفي هذه القصيدة يبكت المصريين على افتخارهم الدائم بآبائهم, بينما هم في خمول وتقصير فتركوا الصناعات والعلوم، واستمرءوا الصفات التي تذل الشعوب وتضعها، وقد قال القصيدة معارضة لنونية ابن زيدون المشهورة، وفيها يقول: هذه معالمنا تبكي وتنشدنا ... قول ابن زيدون إذ قامت تعزينا "بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا" قل للنفوس التي ماتت بلا أجل ... أين القلوب التي كانت تجارينا؟ أين العلوم التي كانت توصلنا ... باب السعود فصارت من أعادينا؟ أين الصنائع أين العارفون بها؟ ... أين الديار التي كانت لأهلينا كانت وكانوا وصار الكل في عدم ... واستعبدتنا بما نهوى أمانينا إذا سمعنا خطيبًا ذاكرًا حكمًا ... قلنا له: عزة الآباء تكفينا١ وحسبنا هذا القدر من شعره, فهو يعطينا صورةً عن منزلته في الشعر وعن فهمه له. ٢- أما مقالاته في "التنكيت والتبكيت" وأسلوبه الكتابيّ في هذه الصحيفة، فقد ذكرنا آنفًا أنها احتوت موضوعات للخاصة, يكتبها بأسلوب أدبيّ محرر من السجع ومن ألوان البديع، ويتوخى فيها السهولة، "ليست منمقة بمجاز واستعارات, ولا مزخرفة بتورية واستخدام, ولا مفتخرة برقة قلم محررها، وفخامة لفظه وبلاغة عبارته، ولا معربة عن غزارة علمه وتوقد ذكائه، ولكنها

стр. 324

أحاديث تعودنا عليها، ولغة ألفنا المسامرة بها، لا تلجئك إلى قاموس الفيروزآبادي، ولا تلزمك مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافية, ولا تضطرك لترجمانٍ يعبر لك عن موضوعها، ولا شيخٍ يفسر لك معانيها، فهي في مجلسك كصاحبٍ يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادمٍ يطلب منك ما تقدر عليه، ونديم يسامرك بما تحب وتهوى". ومن أمثلة موضوعات الخاصة مقالته المشهورة "مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي" وفيها يقول: "كان المصاب صحيح البنية قويّ الأعصاب جميل الصورة لطيف الشكل، وما رآه فارغ القلب إلّا صبًّا، ولا سمع بذكره بعيد إلّا طار إليه شوقًا، نشأ في العالم روضة، ودار به أهله يحفظونه عن الأعداء، ويدفعون عنه الوشاة والرقباء، وقد مات في حبه جملة من العشاق الذين خاطروا في وصاله بالأوراح والأموال، وكلما وصل إليه واحد سحره برقة ألفاظه وعذوبة كلامه، وسلب عقله ببهجة يحار الطرف فيها، وعزة لا يشاركه فيها مشارك" وأنت ترى أسلوبًا خاليًا من السجع ليفرغ كتابه إلى المعاني التي يريدها، ويسير في سهولة ووضوح. وهناك موضوعات للعامة كتبت باللغة العامية الدارجة بمصر حتى يفهموها، ويعملوا بها كموضوع المزراع والمرابي، وكموضوع "عربي تفرنج" ويقول في الأخير: "وُلِدَ لأحد الفلاحين ولد فسماه زعيط، وتركه يلعب في التراب، وينام في الوحل حتى صار يقدم على تسريح الجاموسة، فسرحه مع البهائم إلى الغيط, يسوق الساقية ويحول الماء, وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات، وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد يقدم له اليخني ليمتعه بأكل اللحم والبصل". وأما أسلوبه في "الأستاذ" فهو أسلوب صحفيّ أدبيّ يمتاز بالسهولة والتدفق، والخلو من السجع والبديع والمجاز، وقد مر بك نماذج منه. ويلاحظ أن النديم يستعمل الأسلوب الخبريّ الممتزج بالخطابيّ في معظم كتابته، وهو أسلوب يصلح للوعظ، وتراه كثير التهكم والسخرية في موضوعاته الاجتماعية، يلجأ إلى الحوار في الموضوعات التي كتبها للعامة وكان

стр. 325

ينطلق كل شخص بما يوافق طبعه وصنعته ودرجة علمه، مماي دل على خبرة واسعة بالناس وطباعهم ولغة حديثهم، وله مقالات اختار لها عناوين من العامية الدارجة, تدل على تمكنه عن تفهم البيئة الفقيرة ولغتها، وعلى روح الفكاهة والسخرية عنده مثل: "الشنة والرنة في أولاد مصر الزنة" ومثل: "حاوريني يا طيطة في الطربوش والبرنيطة" و"شد الدبلاق في أكتاف أهل بولاق" وإن كانت المقالات نفسها مفقودة مع دواوين شعره. منزلته: واشتهر عبد الله النديم بالخطابة، وتملكه لناصية القول، فكان لسان الأمة في عهده بخطبه المملوءة حماسة وقوة وصراحة، يذيعها في كل مجلس بكل مكانٍ, لا يكلُّ ولا يملُّ، وقد استطاع بهذا أن ينشر آراءه في أكبر عدد ممكن من الأمة, وأسهم في تكوين رأي عام -سواء بخطبه أو بقلمه- يؤمن بحكم الشورى، ويثور ضد الأجانب، ويتطلع إلى إصلاح المفاسد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإذا كان السيد جمال الدين رسول الخاصة في هذه المعاني, فعبد الله نديم أوتي المقدرة واللباقة على أن يبسط آراء جمال الدين ونظريات الإصلاح المنشود في كل نواحي الحياة، حتى يفهمها العامة؛ من الفلاح في حقله, والتلميذ في مدرسته، والصانع في دكانه. وقد شهد بمقدرته على الحديث والخطابة وبراعته في تنميق الكلام كثيرٌ من ذوي الخبرة بوجوه الكلام، فهذا جمال الدين الأفغاني، وهو من عرفت ذكاء وقوت عارضة، ومقدرة على الحديث يقول: "إن ما رأى مثل النديم طول حياته في توقد الذهن وصفاء القريحة، وشدة العارضة، ووضوح الدليل، ووضع الألفاظ وضعًا محكمًا بإزاء معانيها إن خطب أو كتب"١. وأحمد تيمور العالم المحقق يقول في الترجمة التي كتبها له٢: "كان شهيّ الحديث، حلو الفكاهة, إذا أوجز ود المحدث أنه لم يوجز، لقيته مرة في آخر إقاماته

стр. 326

بمصر، فرأيت رجلًا في ذكاء إياس, وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ، أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا". ويقول عنه جورجي زيدان١: "أما أخلاقه فإنه كان برًّا بوالديه وذوي قرابته وقصاده, ولو لم يكن يعرفهم، فما أقرض أحدًا شيئًا وطالبه به، ولا ردَّ يومًا سائلًا، ولا خضع لعظيم قط، وإنما كان يلين ويتواضع لصغار الناس وأوساطهم، وكان ذكيًّا فطنًا قويَّ الحافظة, فصيحًا جريئًا شاعرًا مطبوعًا، وكاتبًا ثائرًا". ويقول عنه عبد الرحمن الرافعي٢: "وهو الزعيم الوحيد بين العرابيين الذي استمر في جهاده السياسيّ ونضاله عن مصر في عهد الاحتلال، وهي ميزة كبرى انفرد بها دون بقية الزعماء الذين أثرت فيهم الهزيمة؛ فوهنت لها روحهم المعنوية، وانطفأت فيهم شعلة الأمل والحماسة والجهاد, وهذا وحده يدلك على مبلغ علو نفسه، وقوة شخصيته؛ إذ لم تنل منه الشدائد، ولم يضعف إزاء المحن والكوارث، ولم يعرف اليأس إلى قلبه سبيلًا". ويقول عنه الأستاذ أحمد أمين٣: "طالما غذى الناس بقلمه، وهيجهم بأفكاره, وأضحكهم وأبكاهم، وحيّر رجال الشرطة، وأقلق بال الساسة، ونازل خصومه من رجال الصحافة، فنال منهم أكثر مما نالوا منه، ولم يهدأ له لسان ولا قلم حيث حلّ، وعلى أي حالٍ كان، حتى هدأه الموت الذي يهدئ كل ثائر، ومهما أخذ عليه فقد كان عظيمًا، وكانت جريدة "الأستاذ" هي الأستاذ لمصطفى كامل, تعلم منها الاتجاه والنغمة، وإن اختلفا من حيث الثقافة والأسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف". ويقول الأستاذ العقاد٤: "ولقد كان عبد الله النديم خطيبًا مطبوعًا، ومحدثًا ظريفًا من الطراز الأول, كما شهد له عدوه وصديقه، وكان إذا كتب فكأنما

стр. 327

يرتجل الخطابة لسهولة منحاه وتدفق كلامه، وتناسق عباراته، إلّا حين يكتب الخطب المنبرية, أو المقامات المصنوعة.. على أنك قد تقول ما بدا لك في شعر عبد الله نديم وفي خطبه وفي كتاباته وفي تحقيقه العلمي وملكاته الأدبية، ولكنك لا تستطيع أن تنكر عليه أنه كان أعجب نموذج من نماذج الشخصيات في تاريخ الأدب المصري الحديث". أما نحن فقد أصدرنا حكمنا عليه في هذه الترجمة، ووفينا أدبه درسًا، وبينَّا خصائصه كما ظهر لنا من آثاره القليلة التي أبقى عليها الزمان.

стр. 328

٤- أحمد عرابي: إذا كان جمال الدين الأفغاني قد أثَّرَ في مصر بتعاليمه وفلسفته ووحي تجاربه التي أفادها من رحلاته الكثيرة، وإذا كان قد قصد إلى إيجاد قطرٍ قويٍّ من أقطار الإسلام يكون نواةً لوحدة إسلامية كبرى، ويعيد للمسلمين سالف مجدهم وغابر عزهم، وإذا كان قد مهَّدَ للثورة العرابية, وهيأ النفوس لها؛ فإن أحمد عرابي لا يقل عنه خطرًا ولا أثرًا، وأغلب الظن أنهما لم يلتقيا، وإن اتفقا في كثير من الأمور, واختلفا في الغاية والوسيلة. أما الغاية: فإن أحمد عرابي كان همه الأول تخليص المصريين من العذاب والذل والاستبداد والسخرة والاستغلال, واستصفاء مصر لأهلها ينعمون بخيرها وبرها، ويعيشون فيها أحرارًا على قدم المساواة مع هؤلاء الذين شاءت الأقدار أن يكونوا حكامًا لها، ولم يكن يهدف إلى تكوين وحدة إسلامية، بل لم يكن متعصبًا تعصبًا دينيًّا ألبتة، وأما الوسيلة: فإنه لجأ إلى عامة الشعب لا إلى الخاصة من المثقفين، ولم يكن يميل إلى العنف, وإنما اضطر إليه اضطرارًا ردًّا للعدوان، ودفاعًا عن الحقوق المهضمومة والنفوس المظلومة. ولم يكن تلاميذ جمال الدين وعلى رأسهم محمد عبده, راضين عنه أول الأمر، بل كانوا ينظرون إليه بازدراء، ويعدونه زعيم غوغاء، وإن أرغمتهم الحوادث والشعور الوطنيّ الجارف على أن ينضووا تحت لوائه، ويخوضوا معه غمار الثورة.

стр. 329

في أحمد عرابي يتمثل العنصر المصري الأصيل بصفاته الجسمية والخلقية، وفيه تركزت آمال الأمة وآلامها، وتعد ثورته أول ثورة مصرية واعية على الظلم الذي طال أمده، وتعد ثورة شعب لا ثورة فرد، ولم يكن أحمد عرابي إلّا لسان ذلك الشعب يعبر عن أحساسيسه، ويترجم عن أماله وآلامه، فاكتسب بذلك عداوة الخديو وآل بيته، وعداوة الأرستقراطية الكاذبة التي مكن لها بمصر، والتي كانت تتمثل في المماليك والجراكسة والأتراك، هؤلاء الذين كانوا ينظرون إلى الفلاح المصريّ بعين الزراية والاحتقار، وهم ينعمون بكده وثمرة شقائه، وعداوة الإنجليز الذين حاربهم, وأظهر خبث طويتهم وسوء نيتهم، والذين كانوا يتربصون بمصر الدوائر، ويدبرون لها المكايد منذ أن هزموا في معركة رشيد سنة ١٨٠٧. نشأته وشخصيته: تضافرت عدة عناصر على تكوين شخصية عرابي، وجعلته أصدق مَثَلٍ للفلاح المصريّ المكافح المضطهد، الذي يشعر بالظلم، ويأنف منه، ويطالب بالحرية والكرامة في قوة وصرامة. ولد بقرية "هرية رزنة" بالقرب من الزقازيق سنة ١٨٤١, من أسرة تنتسب إلى رسول الله ﷺ ، وتعتز بانتسبها إليه، وكان والده محمد عرابي على شيءٍ من العلم والدين, معروفًا بالتقوى, وكان فقيه القرية, يقرئ أطفالها القرآن, ويعلمهم مبادئ القراءة والكتابة، وعلى يديه تعلم ابنه أحمد حتى حفظ القرآن، ثم دخل الأزهر, ومكث به أربع سنوات، وعاد بعدها ليكدح في الحقل كما يكدح ذووه. ثم شاء الله أن يعده لشيء آخر، حين أراد "سعيد" أن ينهض بالجيش، وأن يجند أبناء العمد والمشايخ وأعيان الفلاحين, وكان يميل إلى المصريين, ويعدهم أساس مصر, ولا سبيل إلى نهضتها إلّا بهم، فجند أحمد عرابي، وسرعان ما ظهر تفوقه، وترقى بسرعةٍ خاطفةٍ حتى وصل إلى رتبة "قائمقام" وهي رتبة لم

стр. 330

يصل إليها فلاح قبله, وذلك بفضل ذكائه وطموحه، ويقول عن نفسه في تلك الأيام: "وكنت أطمع إلى منصب عالٍ يماثل منصب مديريتنا"١. بيد أنه مكث في هذه الرتبة تسعة عشر عامًا, أي: طوال حكم إسماعيل كله، وذلك لأن إسماعيل كان على النقيض من سعيد, يؤثر الجراكسة بالترقية، ويزدري المصريين، وأحسَّ عرابي بالظلم, وابتدأ يطالب بحقه٢ فاضطهد، وكان رئيسه خسرو كما يقول عرابي "رجلًا جاهلًا، متعصبًا لجنسه الجركسيّ تعصبًا زائدًا على حد المعقول، متفانيًا في الحقد على إقصائي من مركزي٣" وفصل عرابي من الجيش ظلمًا وتعسفًا، ولكنه لم يستكن للضيم، وظلَّ يطالب بحقه, فعين في وظيفةٍ مدنيةٍ قام بشئونها في همةٍ وأمانةٍ, وجوزي عليها بالتقاعد من غير معاش "فيالله من أمر, وأصعب تلك المكافآت المقلوبة على النفوس الحساسة الشريفة، وما أكثر العجائب في الحكومات المطلقة المستبدة الظالمة"٤. وثار عرابي، ولم يهدأ حتى أعيد للجيش، وشعر بمرارة الظلم وقسوته، زاده شعورًا باضطهاد المصريين اشتراكه وزملائه في حملة الحبشة، حيث لمسوا من قوادهم ضعفًا وخيانةً, ولم يجد هو وزملاؤه عطفًا من أولي الأمر, بل اضطهادًا لهم, ومحاباة للأجانب الذين اصطفاهم الخديو بالرتب والنياشين والجواري الحسان، والأراضي الواسعة الخصبة, والبيوت الرحبة، وحباهم بالأمور الكثيرة, والحلى الثمينة من دم المصريين المساكين وعرق جبينهم"٥. كانت نشأته الريفية، وتربيته الدينية، وإحساسه بالاضطهاد؛ لأنه فلاح مصريّ, من أهم العناصر التي كونت شخصيته، أضف إلى ذلك أنه تأثر بكتاب أهدي إليه عن نابليون والثورة الفرنسية، وبقراءته في التاريخ العربيّ، وبخطبة ألقاها "سعيد" يشيد فيها بالمصريين وضرورة تربيتهم حتى ينفعوا بلادهم،

стр. 331

ويتسغنوا عن الأجانب, ويقول عرابي: إنه اعتبر هذه الخطبة أول حجر في أساس نظام "مصر للمصريين"١ وكان ياورًا لسعيد، ورافقه في رحلته للحجاز, وتأثر بآرائه في "المساواة بين الطبقات، وفي الاحترام الواجب للفلاح باعتباره العنصر الأساسيّ المجد في الجيش المصري٣". وبدأ عرابي منذ عودته عن حرب الحبشة يعمل على توحيد صفوف الضباط المصريين في الجيش والتفافهم حوله، وإشعارهم بالظلم الواقع عليهم, وحرمانهم الترقية, بينما يتمتع بها سواهم من الأجانب. ومن الصفات المميزة لشخصية عرابي شدة إيمانه، فلم يعرف عنه أن هذه الصفة فارقته حتى في أشد ساعات الضنك والشدة، وكان شديد التدين، حتى عرف بين الجند حنيئذ بالشيخ أحمد عرابي، ويقول عنه محمد عبده، وكان دائم الزراية به. ما كان أحسنه شيخًا بزاوية ... يغشى النساء بوعظ كان يمليه٣ كانت العاطفة الدينية قوية جدًّا في نفسه، ولكنه لم يكن متعصبًا، وهذه العاطفة الدينية من خصائص الفلاح المصريّ، ولا سيما في تلك الأزمان، وكان عرابي يمجد الإنسانية عامةً, لا يتعصب تعصبًا أعمى، يقول بلنت بعد أن ذكر تمجيد عرابي للورد بيرون؛ لدفاعه عن حرية أهل اليونان: "وقد عنيت بذكر هذه النقطة لدلالتها على عطف عرابي على الإنسانية كلها، وعدم تفريقه في ذلك بين الأجناس والأديان٤. وكان بلنت يعد هذه الإنسانية في عرابي أحد عيوبه، وسببًا من أسباب إخفاقه في حرب الإنجليز٥, وإليها أشار "جريجوري" في حديثه معه، ومن الأسس التي أقام عليها "برودلي" دفاعه عن عرابي "مروءته وتطرفه في الإنسانية٦".

стр. 332

ومن مظاهر هذه الإنسانية أنه بعد أن أطلق الجند سراحه عنوة من سجن قصر النيل الذي حسبه فيه الجراكسة، وهموا بالفتك بهم، ولكن عرابي حمى هؤلاء الذين آذوه وسجنوه ولولاه لكانت مذبحة. ومن سمات شخصية عرابي صفاته الجسمية، فقد كان طويل القامة، عظيم الهامة، ثقيل الأطراف، بطيء الحركة نوعًا، كأنه يمثل تلك القوة العظيمة التي اشتهر بها الفلاح العامل١، وكان شديد البنية متين التركيب، تلوح على وجهه أمارات الشهامة العسكرية، وسمات الهيبة والوقار، والجد مع القوة والبأس. كان عرابي كثير الاهتمام بالتاريخ، قرأ سيرة نابليون والثورة الفرنسية كما ذكرنا آنفًا، ويوجه إليها اهتمامًا كبيرًا، وقرأ قدرًا كافيًا من تواريخ الدول, وعظماء الأمم في الشرق والغرب، كما كان يقرأ كثيرًا في نهج البلاغة, ومنه استمد قدرته الخطابية والتعبيرية، ويقول بلنت عن آراء عرابي: "إنها تعتمد على العلم بالتاريخ، وعلى تقاليد الأفكار العربية الحرة الموروثة من أيام حرية الإسلام". كما كان يعرف كثيرًا عن إيطاليا وجهادها في سبيل وحدتها واستقلالها، ويعجب أشد الإعجاب بـ "غريبالدي"، ويمكن أن نقول: إن ثقافة عرابي كانت دينية أدبية تاريخية في حدود مطالعاته العربية. لقد نال قدرًا ضئيلًا من الثقافة، ولكنها خصوبة ذهنه أحالت هذه البذور القليلة أشجارًا ضخمة مثمرة، وأتت أكلها وطنيةً دافقةً، وفهمًا للحرية والديمقراطية والمساواة، وتقديرًا للحقوق العامة وقواعد الإدارة والنظام٢. يقول العقاد٣: "ويلوح لنا أن الرجل مخلوق من طينة العبقرية التي يمتحن صاحبها بشقوتها, كما يمتحن بنعمتها وفضلها، على أن العلامة التي لا تخطئ من علامات العبقرية هي الخصوبة الذهنية، وهي أن يثمر الذهن محصولًا وافرًا من بذور قليلة، وقد كانت الدروس التي تلقها عرابي في صباه قسطًا مشتركًا بينه وبين كل صبيٍّ من صبيان القرى, حضر مبادئ القراءة والحساب وما إليها في الكتاتيب وأروقة الأزهر المعدة للمبتدئين، ولكننا نقرأ أقواله في الحكم النيابي والمبادئ الديمقراطية والحقوق العامة وقواعد الإدارة والنظام, فيتمثل أمامنا حظٌّ وافرٌ من الفهم والمعرفة, لا يتهيأ للكثيرين ممن أحاطوا بالمعلومات المستفيضة في هذه الشئون.

стр. 333

عرابي الخطيب الزعيم: لقد أجمع الذين شهدوا عرابي خطيبًا، وحادثوه على أن جودة الكلام أهم مزاياه، وأنه كان محدثًا لبقًا ذا خلبةٍ وسيطرةٍ على النفوس، وأنه كان خطيبًا فصيحًا ذا تأثير كبير على سامعيه، وأن ذلك كان أكبر مقومات شخصيته. يقول ماليت: "كان لحديثه أحسن وقع في النفوس"١، وكان مراسل التيمس يسميه: "الداعي الفصيح إلى الحرية العربية٢"، ويرى بلنت "أنه كان فصيحًا قادرًا على شرح آرائه باللغة التي يفهمها مواطنوه ويحبونها, ومن ثَمَّ كان له نفوذ كبير٣"، ويقول جريجوري: "ويظهر في بادئ الأمر أنه ثقيل، إلى أن يتأثر فتتقد عيناه، ويتكلم بشهامة، وأخبرني الذين يعرفون اللغة العربية أن فصاحته أشهر من أن تنكر٤". أما الشيخ محمد عبده: فكان يزدريه ويقول عنه في قصيدته التي هجاه بها: وقائد الجند شهم في مكالمة ... أشل قلبًا إذا الهيجا تناديه ومع ذلك يشهد له بأنه "كان أجرأ إخوانه على القول، وأقدرهم على إقامة الحجة٥". وعلى الرغم من أن الرافعي قد أنكر بعض مزاياه، فلم يسعه إلّا أن يعترف بقدرته الخطابية حيث يقول: كل ما امتاز به هو لسان ذلق، وصوت جهوريّ

стр. 334

وترسل في الحديث، فقد كان خطيبًا فصيحًا، وأقوله كانت تقع من نفوس الضباط والسامعين موقع الاقتناع١". ترك عرابي طائفة من الآثار نتبين منها جهاده في سبيل مصر قولًا وعملًا وكتابةً، تتمثل في مجموعة كبير من أحاديثه وخطبه ورسائله إبان الثورة، ويلحق بها ما قاله في أثناء محاكمته، ثم المذكرات التي تركها قبيل وفاته وسماها: "كشف الستار" وتاريخه المختصر الذي كتبه بعد عودته، وهو مثبت في آخر التاريخ السري. ابتدأ عرابي دعوته سريةً في داخل الجيش وخارجه، وقد اختاره زملاؤه الضباط زعيمًا لهم؛ لأنه كان أشد المجتمعين إحساسًا بالظلم، وأقدرهم على التعبير عنه، وأجراهم في مهاجمة الظالمين, وقد كان للباقته وفصاحته في الكلام واستشهاده ببعض الأحاديث النبوية الشريفة والحكم والماثورة تأثير كبير في نفوس الضباط، واجتذبهم إليه ومال بهم إلى تلبية ندائه، والاستماع لنصحه والاقتناع بآرائه"٢. ثم تخرج الدعوة إلى النور، ونرى جماعةً من الضباط يذهبون إليه في بيته ليناقشوه في الأوامر التي أصدرها عثمان رفقي, وأنهم يريدون الاحتجاج على ذلك، وقد اختاروه ليمثلهم؛ فيحاول أن يثنيهم بالرفق أو يختاروا غيره، ولكنهم أصروا على اختياره، فقال لهم: إن من يتصدى لزعامة هذا الأمر هالك لامحالة، فأقسموا له على أن يفدوه من كل شر, فكتب الاحتجاج ووقعه معهم وقد جاء فيه " إن عثمان رفقي يعامل ضباط الجهادية بالذل والاحتقار, ويسعى فيما يوجب لهم الحرمان والإضرار, كأننا الأعداء الألداء، وكأن الله يطلب منه ظلم المصريين والإجحاف بحقوقهم" ويقدمها إلى رياض، ويدور بينهما الحوار الآتي: رياض: إن أمر هذه "العريضة" مهلك.

стр. 335

عرابي: إننا لم نطلب إلّا حقًّا وعدلًَا، وليس في طلب الحق من خطر، وإننا لنعتبرك أبًا للمصريين، فما هذا التلويح والتخويف؟ رياض: ليس في البلاد من هو أهل لأن يكون عضوًا في مجلس النواب. عرابي: إنك مصريّ وباقي النظار مصريون، والخديو مصري، أتظن أن مصر ولدتكم ثم عقمت؟ كلّا! فإن فيها العلماء والحكماء والنبهاء، وعلى فرض أن ليس فيها من يليق لأن يكون عضوًا في مجلس النواب، أفلا يمكن إنشاء مجلس يستمد من معارفكم, ويكون كمدرسة ابتدائية تخرج لنا بعد خمسة أعوام رجالًا يخدمون الوطن بصائب فكرهم, ويعضدون الحكومة في مشروعاتها الوطنية١". ويقبض الجراكسة على عرابي, ويسجن في قصر النيل, فيقتحمه الجند ويطلقون سراحه, ويهمون بذبح الجراكسة لولا تدخل عرابي؛ حيث وقف فيهم خطيبًا ونصح لهم "بالّا يمدوا يدًا بسوءٍ إلى أحد من الجراكسة ولا إلى غيرهم؛ لأنهم إخواننا, ولئن آثروا أنفسهم علينا, فإنا لا نريد إلّا النصفة والمساواة٢". ويسير عرابي إلى عابدين في مظاهرة عسكرية صاخبة، وتعدَّل القوانين، ويقام لذلك حفل في قصر النيل أقامه البارودي وزير الحربية, وحضره الوزارء يخطب عرابي قائلًا: "إننا لا نريد إلّا الإصلاح وإقامة العدل على قاعدة الحرية والإخاء والمساواة, وذلك لا يتمُّ إلّا بإنشاء مجلس النواب وإيجاده فعلًا، ونحن مطيعون للحكومة, بل نحن الآلة المنفذة لأوامرها العادلة"٣. ثم عُزِلَ البارودي, وتولى مكانه داود, الذي قسا على الضباط, فاجتمعوا لدى عرابي واستحلفهم على السيف والمصحف، أن تكون أرواحهم موقوفة على حفظ الوطن من شر الأعداء, والاحتراس على موارد إيراده من أيدي الطمع, وبأن يكونوا جميعًا على قلب رجل واحد، وأعلمهم بأنه قد اجتمعت الكلمة على أن

стр. 336

يتولى الزعامة١، وأخذ يرسل إلى القرى والمدن ينشر فيها دعوته ويبين لأهلها "أن الوزارة الرياضية قد ركبت متن الشطط وعدلت عن الصراط المستقيم، وليس لها من نية سوى العمل على ما فيه اضمحلال البلاد وتلاشيها بما هو جارٍ من بيع الأراضي للأجانب, وتسليم أغلب مصالح الحكومة لهم, وإعطائهم الرواتب الفادحة المثقلة على أكتافهم، وإن سكوتنا وإضرابنا عن هذه كله يُعَدُّ من الجبن والعجز والتفريط في وطننا٢" وطلب منهم في النهاية أن ينيبوه عنهم في كل ما يتعلق بأحوال البلاد، وأن يوقعوا على ذلك. وبهذا هيأ عرابي لثورة ٩ سبتمبر ١٨٨١، وقد دار بينه وبين توفيق في ذلك اليوم حوارٌ بدا هادئًا ثم اشتد، قال عرابي ثائرًا "ولقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا وعقارًا، فوالله الذي لا إله إلّا هو, إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم" فهرب توفيق وترك الأمر لبعض حاشيته، وقد سلَّم توفيق لعرابي بكل ما طلب. وألف شريف الوزارة الجديدة، وذهب عرابي مع وفد من الضباط لتهنئته، وخطب خطبة ضافية أكد فيها حقوق البلاد، وقبل أن ينقل إلى الزقازيق مع فرقته, وقد وقف في محطة القاهرة يودع الألوف التي جاءت لتحيته, وارتجل هذه الخطبة "سادتي وإخواني! بكم ولكم قمنا وطلبنا الحرية، وقطعنا غرس الاستعباد، ولا ننثني عن عزمنا حتى تحيا البلاد وأهلها, وما قصدنا بسعينا إفسادًا ولا تدميرًا, ولكن لما رأينا أننا بتنا في إذلالٍ واستعبادٍ، ولا يتمتع في بلادنا إلّا الغرباء, حركتنا الغيرة الوطنية والحمية العربية إلى حفظ البلاد وتحريرها والمطالبة بحقوق الأمة. ومن قرأ التواريخ يعلم أن الدول الأوربية ما تحصلت على الحرية إلّا بالتهور وإراقة الدماء، وهتك الأعراض وتدمير البلاد، ونحن اكتسبنها في ساعة واحدة من غير أن نريق قطرة دم, أو نخيف قلبًا, أو نضيع حقًّا, أو نخدش شرفًا. وما أوصلنا إلى هذه الدرجة القصوى إلّا الاتحاد والتضافر على حفظ شرف البلاد..

стр. 337

نحن الآن في نعمة جليلةٍ وعزةٍ جميلةٍ, وقد فتحنا باب الحرية في الشرق، ليقتدي بنا من يطلبها من إخواننا الشرقيين على شرط أن يلزم الهدوء والسكينة, ويجانب حدوث ما يكدر صفو الراحة، ونحن قائمون إلى رأس الوادي، ليعلم الجميع أن قيامنا كان لطلب الحقوق لا للعقوق، وأن الطمأنينة عادت كما كانت، وعدنا إلى ما نشأنا عليه من طاعةٍ، وأحض إخواني في الجهادية بحفظ وحدة الاتحاد، وعدم الإصغاء إلى الوشاة والحساد، فإنكم تعلمون أننا جاهدنا في هذا الأمر أعوامًا طوالًا حتى ربطنا القلوب، وألَّفْنَا النفوس، وبيننا مِن الأعداء مَنْ يسعى في تفريق كلمتنا, وإضرام نار الفتنة بيننا، فاردعوهم بلسان التقرع، واحفظوا لنا ما عاهدناكم عليه، فالبلاد محتاجة إلينا، وأمامنا عقبات يجب أن نقطعها بالحزم والثبات، وإلّا ضاعت مبادئنا، ووقعنا في شرك الاستبداد بعد التخلص منه.."١. وأنت تراه هنا حريصًا على الحرص على المبادئ التي دعا إليها، وعلى أن يؤكد أنه رجل سلام لا رجل شغب، وعلى أنه يعد نفسه أحد زعماء الشرق، وقد سنَّ له القدوة الحميدة في المطالبة بالحرية, وأنه حريص كذلك على وحدة الصفوف، متنبه إلى كيد الأعداء ووشايتهم وحسدهم. وخطب في الزقازيق عند وصوله، كما خطب في حفل أقامه أمين الشمسي لتكريمه, وجاء فيه: "وأنتم الآن مهيئون للانتخاب، فلا تملككم الأهواء والأغراض لانتخاب ذوي الغايات، بل عولوا على الأذكياء والنبهاء الذين يعرفون حقوقكم, ويدفعون المظالم عنكم, ويفتحون باب العدل والإنصاف في بلادنا، فلا تأخذكم الأراجيبف، واطمئنوا في بلادكم، والتفتوا إلى أشغالكم، ومصالحكم، وكونوا على يقين من حفظ البلاد"٢. ثم يرسل إليه نوبار يشكره على إنقاذ البلاد، ويعرض عليه عودته لتولي الحكومة، ويقول عرابي: "فعجبنا لذلك وأجبناه بأن مبدأنا هو أن مصر للمصريين, وللنزلاء عندنا حسن الضيافة ومزيد الإكرام"٣ وهي الكلمة التي رددها فيما بعد الزعيم مصطفى كامل "أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا".

стр. 338

ويعود إلى القاهرة, ويقابله كثير من مراسلي الصحف الأجنبية, ويؤكد لهم عدم التعصب الديني، وأنه إنما يتحدث باسم الأمة، وأنه سيقاوم كل اعتداء أجنبيٍّ على البلاد، ثم يتولى وزارة الحربية, ويستقبله "بلنت" ويتحدث معه في مشروعات كثيرة يقوم بتنفيذها، وطالما فخر بها فيما بعد لورد كرومر، ويقول بلنت: "عزي للموظفين البريطانيين في عهد الاحتلال، وادعى لورد كرومر أنه مبتكر كثير منها, فمن ذلك: إلغاء السخرة التي كان يفرضها الباشاوات الترك على الفلاحين, واحتكار بيع الماء في مدة الفيضان، وحماية الفلاحين من المرابين واليونانيين، وإنشاء بنك زراعي تشرف عليه الحكومة، وهذا هو البنك الذي باهى به كثيرًا اللورد كرومر، وكذلك تنقاشنا في الإصلاحات القضائية, وفي نظم تربية الذكور والإناث، وفي طريقة الانتخاب للبرلمان الجديد وفي مسألة الرقيق"١. غدر وخيانة: ولكن أنى الأمور أن تسير كما قدر عرابي؟ وكيف يمكن من الإصلاح، وينشر الوعي في البلاد، وينهض بمصر، والإنجليز والفرنسيون يريدونها متأخرة، بل يريدون اغتصابها، وامتصاص دمها، ولذلك أرسل مذكرة إلى توفيق بنفي عرابي, وإبعاد رفيقه, واستقالة الوزارة، وقد قبل توفيق المذكرة، واجتمع على أثر ذلك كثير من الضباط والنواب بمنزل سلطان باشا، وخطب فهيم عرابي، وأخذ يعدد مساوئ الخديو ومعايب أسلافه, وما جلبوه على البلاد وأهلها من المظالم والمغارم, وغير ذلك من أنواع البلايا والرزايا، واشتد الهرج فصاح عرابي: "ما بالكم لا تسمعون، وكأنكم خشب مسندة، وإن كنتم لا تنادون بخلعه، فنحن قد خلعناه، فصاح عند ذلك سائر العسكر قد خلعناه ثلاثًا"٢. ويصل وفد من تركيا، ويحاول إغراء عرابي بالذهاب إليها فيرفض عرابي، وترفض الأمة ويقول لهم: "ليقل الناس ما يشاءون, فإني ولدت في بلاد الفراعنة، وستظل الأهرام الخالدة قبري"٣.

стр. 339

وتحدث مذبحة الإسكندرية وتتوالى الأحداث، وهو دائمًا يوجه، ويثبت القلوب الخائفة، وحينما دارت الحرب لم يفقد أعصابه، وقد انتصر في موقعة كفر الدوار انتصارًا ساحقًا، وارتدَّ الإنجليز إلى الأسكندرية, فطاردهم الجيش إلى تفتيش "سيوف" وأوقع بيهم, بَيْدَ أنهم انتهكوا حرمة القناة، ولم يكن عرابي يقدر أنهم سيهاجمونه من الشرق، وقد طلب إليه أن يردم القناة، فخشي مغبة هذا العمل، وتألب الدول عليه، ثم يهزم عرابي في التل الكبير بسبب الخيانة التي دبت في صفوف الجيش, وقد حاول جهده أن يثبت الفارين, ولكنهم أبو الاستماع إليه، وفي ذلك يقول عرابي في مرارة وأسى: "دعوناهم للهجوم معنا فامتنعوا ودهشوا، فذكرناهم بحماية الدين والعرض والشرف والوطن, فلم يجد كل ذلك نفعًا، ولأن الرعب كان قد أخذ من قلوبهم كل مأخذ"١. محاكمة: ويحاكم عرابي، فلم تلن قناته، ولم يجبن عن مصارحة المحكم بالحق، وعن الأسباب التي دعته للثورة، سألوه عن الماضي كله، لماذا قام بمظاهرة عابدين، ولماذا أحاط الجيش بالقصر فقال: "إن الأسباب التي دعت إلى ذلك هي عدم الأخذ بالعدل والمساواة في المعاملات، وشأن البلاد التي لم يكن فيها قوانين، ويقص عليهم بعض ما كان يلقاه المصريون من ظلمٍ وإجحافٍ وإهدارٍ للكرامة، ثم يقول: "فاجتمعت إذن أفكار الناس على أنه لا مخلِّصَ لهم من تلك المظالم إلّا وجود مجلس نيابي, من شأنه حفظ الأرواح والحقوق والأموال, مع قوانين عادلة تكفل لهم حقوقهم، فاجمعوا أمرهم على ذلك، ولخوفهم من البطش بهم أنابوني مع إخواني الضباط في عرض طلباتهم، ولكوننا إخوانهم وأبناؤهم، وهم أهلونا، يضرنا ما يضرهم، وينفعنا ما ينفعهم، وأن البلاد التي ليس بها مجلس نيابي يحفظ للأمة حقوقها في كافة ممالك الأرض, يحصل فيها أكثر من ذلك، بحيث يسفك فيها كثير من الدماء، وهذا لا يخفى على كل متذكر؛ لأن الحاكم المستبد لا يقبل الشورى بسهولة، فمن أجل ذلك الظلم, ولشمولنا مع أهلينا بحقوق واحدة, حصل ما تقدم ذكره بدون أن تفسك شعرة واحدة من رأس أي إنسان".

стр. 340

ولما سئل عن خطبته في القدح والذم في توفيق والمناداة بخلعه، لم يتجللج لسانه، ولم ينكر ما حدث وقال "ما كان من الممكن قبول هذه اللائحة، ولو أدّى ذلك لخلعه, وكنت أنا وكل الناس على هذا الرأي"١. ويُحْكَم على عرابي بالسجن, ونراه في سجنه أشجع زملائه، ويردُّ بمقالٍ قويٍّ على اتهام الجوائب له ولزملائه بأنهم عصاة مارقون، وتنشر له جريدة "التيمس" رده هذا, وفي آخره يقول: "إننا كنا ندافع عن وطننا بطريقة تقرها شريعة الله والإنسان، وكل من يقول غير هذا كائنًا من كان, فهو عبد للهوى والمال. يا دعاة الحق! أمن العدل أن يحرم أبناء الوطن من كل وظيفة، ويأخذ الأجانب أماكنهم، ومن حضر إلى مصر من الشراكسة والألبان والبلقان؟.. ولكننا سنجد بين حماة الإنسانية من يدافعون عن الحق في وجه طغيان هذا العهد الذي يسود منه وجه الإنسان"٢. ونراه حين يجرد من ألقابه وأمواله يقول: "لا أعبأ بآلامي ولا بالسجن، ولا بالسباب ولا بأي شيء يوجه إلي بعد ذلك, ما دمت قد وقفت نفسي على حرية بلادي، ولا شيء يهمني الآن إلّا أن أنقذ بلادي من هذه الهوة المملوءة بالأفاعي السامة، وأن أنتشلهم من مخالب هذا التنين الفظيع. وإني لا أعبأ بهذه الألقاب العارضة التي لم أكن أرغب فيها في أي وقت من الأوقات، وإني مكتفٍ بشرفي الشخصيّ الذي سوف يلازمني ما حييت، ويبقى بعدي إذا مت، وسوف يرضيني دائمًا أن أنادى بأحمد عرابي المصري فقط, وبغير ألقاب"٣. ثم ينفى عرابي فما جزع حين ترك مصر، ولا تضعضع في المنفى، بل كان أهل سرنديب ينظرون إليه نظرة إكبار وإجلال, ويعده المسلمون هناك من زعماء الإسلام والأبطال، وكان يرد على الصحف المصرية والأجنبية التي تتهجم عليه

стр. 341

وعلى إخوانه بلسانٍ عذبٍ، وحجةٍ قويةٍ، وقد نشرت له جريدة "التميس" كتابًا طويلًا يدافع فيه عن ثورته ويبين أسبابها١. ويعود عرابي من المنفى وهو في الستين من عمره، وقد وصف عودته منذ أن ودعه أهل سيلان حتى رست به الباخرة على شواطئ مصر وصفًا مؤثرًا٢. وقد ألف بعد عودته كتابه "كشف الستار" وقد عُنِيَ فيه بالحركة الأدبية إبان الثورة العرابية، حتى مقالات هؤلاء الذين تجنوا عليه ومفترياتهم، وقد دحضها وردَّ عليها، فمن ذلك تعليقه على ما كتب حمزة فتح الله, الذي كان يدعو إلى الهزيمة والتسليم، ويعد عرابي وإخوانه خونة مارقين عن طاعة الخديو، ويجب أن يفسحوا المجال للإنجليز كي يعيدوا الأمن والطمأنينة للبلاد، فيقول عرابي: "من الأقوال المأثورة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تعلموا أولاد السفلة العلم"، وهو قول حكيم؛ لأنهم يتخذون العلم ذريعةً لتضليل العامة، وآلةً للتلبيس على الناس، ينصرون الباطل على الحق ابتغاء حطام يسير، أو ابتسامة أمير، أضلهم الله على علم فهم لا يهتدون، ومصداق ذلك أن الشيخ حمزة فتح الله, أنشأ مقالةً مفتراةً نشرتها جريدة "الاعتدال" التي أنشئت إذ ذاك, ضمنها من الأكاذيب ما يعجز عنه مسيلمة الكذاب" ويوردها عرابي ويعلق على بعض أجزائها بقول: "يريد الشيخ تسليم البلاد للعدو بلا قتال، لقد باع دنياه وآخرته بثمن بخس، ولا رعى الله الغني من سبيل الخيانة والتزلف، وحبذا الفقر مع الأمانة والقناعة، وكل إناء بما فيه ينضح ... إلخ"٣. ويذكر بعض الرسائل والقصائد التي كتبها أهل سرنديب, ويختم كتابه بدعوة الناشئة المصرية أن تجدَّ وتجتهد, وتعمل ليلًا ونهارًا على استرداد مجدها واستقلالها وحريتها المسلوبة منها, ومطالبة الإنجليز بالجلاء حتى ينكشف هذا البلاء.

стр. 342

وهكذا ظلَّ عرابي وطنيًّا حتى آخر كلمة سطرها، وفيًّا لبلاده ولمبدئه, على الرغم من المحن التي توالت عليه، وقد ظلمه التاريخ، وتجنَّى عليه الكُتَّابُ تملقًا للأسرة الحاكمة, حتى شوقي قال يستقبله عند عودته من المنفى: صغار في الذهاب وفي الإياب ... أهذا كل شأنك يا عرابي حتى مصطفى كامل كان من المتجنيين عليه عقب عودته. ولكنه اليوم استرد مكانته الحقة في التاريخ، وأنه كان ممثلًا لشعب بأكمله، ويتكلم بلسانه, ويشعر بشعوره, وإذا كانت الأيام قد آذته, والتقدير قد أخطأه, فما يغض ذلك منه ولا من ثورته, وقد استجاب شباب مصر لندائه, وحررت على أيديهم البلاد، وطُرِدَ الإنجليز, وأُذِلُّوا أيما إذلال، كما طردت الأسرة الظالمة شر طردة، وكانت ثورة ١٩٥٢ امتدادًا لثورته، وإن تأخر بها الزمن، إلّا أنها جاءت محكمة قاضية موفقة. تعقيب: رأيت أن عرابي كان خطيب الثورة، ولا يقل شأنًا عن عبد الله نديم، وإن اختلفا أسلوبًا ومنهجًا، لقد كان عرابي قدوةً للمصريين في جرأته ومطالبته بالحرية والعدالة وإنصاف الفلاحين الكادحين، وأن يعيش المصريون مكرمين في ديارهم لا مستغلين ولا مهانين، وأن تكون خيراتهات لهم لا للأجانب وأفاقي الأرض. ولذلك كان شعاره "مصر للمصريين" أجل! كان قدوة لعبد الله نديم، ومصفطى كامل, وسعد زغلول وجمال عبد الناصرن, وضرب لهم المثل وهو الفلاح المصري في كيف يجابهون السادة المتألهين، وكيف يدمغونهم بالظلم، وكيف يثورون لكرامتهم، وكيف يحافظون على هذه الكرامة حتى في أحلك الأوقات وأشدها يأسًا، وكيف يتمسكون بحقوقهم لا يلينون, ولا يضعفون أمام جبروت الطغاة.

стр. 343

ولقد رأيت من خطبة أنها كانت من وحي العاطفة المتأججة في حنايا صدره، وأنها كانت هادئةً في قوةٍ؛ إذ لم يكن عصبيًّا ولا حادَّ المزاج، ولا مهيجًا، على النقيض من عبد الله نديم, ولم يكن متمهلًا ولا جامدًا شأن الذي يقرأ درسًا من الدروس, بل متحمسًا في رزانة ووقار، وبدا في كلامه الإيمان بالحق الصريح والإثارات العميقة المتأصلة. وكان كلامه مؤثرًا في نفوس السامعين, كما أقرَّ ذلك كل من سمعه, لا لخلابةٍ فيه وتزويق، ولكن لأنه صادر عن إيمانٍ وعاطفةٍ جياشة؛ ولأنه ينبعث من نفسٍ طيبةٍ صهرتها الأحداث، وأحست بما تحسُّ به ملايين القلوب على ضفاف النيل منذ زمن قديم، فوجدت كلماته صدًى عميقًا في نفوس مواطنيه؛ لأنها عبَّرت في وضوح عما يختلج في كل صدر، ويعتمل في كل قلب. ولم يكن صاحب صنعة في خطبه أو كتاباته، فلم يتكلف أيّ لونٍ من ألوان البديع، ولم يكن يقصد غير الوضوح، ومع هذا تحس أن فيه صفة الخطيب الجيد، فجمله قصيرة الفواصل, ترتاح عندها النفس, وتستوعبها الآذان، ولها جرس موسيقي خلاب، وأنها تتدفق في يسر وقوة، ومشحونة بالعاطفة والصدق، وقلما اقتبس من الشعر والحكم والأمثال، وإذا أتى بشيء منها كان موفقًا كل التوفيق، ولكنه كان يكثر من الاستشهاد بآي الله الحكيم وبالحديث الشريف، وقضايا الدين وحوادث التاريخ الإسلاميّ، وبخاصةٍ زمن الحرب لضرورة الإقناع والتأثير. وكانت ألفاظه سليمةً ليس فيها من العاميّ المبتذل إلّا القليل، وإذا راعينا ظروفه وظروف عصره غفرناها له، ولم يك يعرف أصول المنطق والجدل، ويأتي بالمقدمات الطويلة، كما كان يفعل جمال الدين ومحمد عبده، وذلك لأنه لم يكن فيلسوفًا، ولا متعلمًا عميق الغور، وإنما كان زعيمًا شعبيًّا يطالب بحق بسيط صريح، وهو الحرية والعدالة والمساواة. وقد غلب عليه الأسلوب الخطابيّ حتى في كتاباته، وكان واقعيًّا في تعبيراته، فلم يكن يعمد إلى الخيال الأدبيّ ولا إلى العبارة المحلاة، ولم يكن رجل أحلام وأوهام، بل رجل واقع وتجارب، وهو رجل مثل عليا، كما فصلنا ذلك عند الكلام على مبادئه وشخصيته.

стр. 344

لقد كان من آثار الثورة العرابية في الأدب أن ألهمت الناس الحماسة، وجَرَّأتهم على الخطابة, فظهر عشرات من الخطباء إبان الثورة، إذا عرفنا أن الخطابة باللغة العربية كانت قد ماتت قبل الثورة، وأن خطباء المساجد كانوا يرددون خطبهم من كتبٍ ويقرءونها على الناس، أدركنا مدى ما دَبَّ في اللغة من قوة، وفي الخطابة من حياة على يد الثورة العرابية؛ لأنها كانت ثورةً شعبيةً عامةً، وقد وجد الناس مجال القول فسيحًا، ووجدوا في قائد الثورة خطيبًا مفهوهًا فقلدوه، ولقد كانت الثورة في حاجة إلى الخطباء أكثر من حاجتها إلى الشعراء، حتى تنتشر الدعوة، ويفهم جمهور الشعب مبادئها، ويعضد الثورة ويثبت في الميدان، ولا يسمح للخيانة والغدر بالتسلسل إلى صفوفه. ولا بدع إذا كان مصفطى كامل وسعد زغلول فيما بعد من الخطباء المقاويل, واعتمدوا في تجميع شعور الأمة على الخطابة. هذه بعض آثار عرابي وثورته في الأدب، لقد خرج الأدب إلى ميدان الحياة والكفاح، بعد أن كان أدبًا شخصيًّا، ولا يعرف سوى التملق والدهان والرياء، وقد فصلنا ذلك في مقدمة هذا الفصل.

стр. 345

الفصل السادس: الاتصال بالأدب الأجنبي الترجمة والتأليف ... الفصل السادس: الاتصال بالأدب الأجنبي مَرَّ بك في الفصول السابقة شيء عن الترجمة في عهدي محمد علي وإسماعيل، وكيف أن الاتجاه في عهد محمد علي كان علميًّا بحتًا لحاجة النهضة إلى العلوم، وأن الآداب لم يكن لها إلّا نصيب ضئيل، ثم جاء عصر إسماعيل وزاد الاهتمام بالآداب، وترجمت بعض الكتب الأدبية في عصره، ولكن منيت مصر بعد ذلك بالاحتلال الإنجليزي، وازداد نفوذ الأجانب، وفرضت اللغة الإنجليزية فرضًا على تلاميذ المدراس المصرية، واتصل الأدب العربيّ والفكر العربيّ اتصالًا مباشرًا بالفكر الغربيّ، وقد كان لهذا أثر في الاتجاه الذي سلكه الأدب العربيّ حتى يومنا هذا، وسنرى إلى أيِّ حدٍّ أثَّرَ الأدب الغربيّ في الفكر العربيّ في ألوان الأدب واتجاهاته وأساليبه شعرًا ونثرًا، وإن كان هذا الفصل لا يتسع لكل هذا؛ لأن الأدب الأجنبيّ لا يزال حتى اليوم يغذي أدبنا العربيّ، وظهرت منذ الثورة العرابية حتى الحرب العالمية الثانية آثار عديدة لعشراتٍ من الكتاب والشعراء, يتضح في كثير منها ذلك الأثر الأجنبيّ في صور شتَّى, وستكون دراسة هذه الآثار، وترجمة أصحابها, في الأجزاء التالية -إن شاء الله، وحسبنا هنا أن نسجل الخطوات التي دفعت بالأدب العربيّ إلى هذا النهج، وأن ندرس بعض الألوان الجديدة التي قدمت للقارئ العربيّ في أخريات القرن التاسع عشر, وأوائل القرن العشرين. ١- الترجمة والتأليف: راينا آنفًا أن الثقافة الأجنبية التي نهلت منها مصر منذ عصر محمد علي كانت الثقافة الفرنسية، وأن مدرسة رفاعة من التراجمة والمعربين لم يهتموا بالثقافات الأجنبية الأخرى إلّا قليلًا، وكان معظم رجال البعثات في عصري محمد علي وإسماعيل يذهبون إلى فرنسا, ويعودون متشبعين بالفكر الفرنسيّ وبالثقافة الفرنسية، ولكن كان كل شيء ينقل إلى اللغة العربية؛ من طبٍّ, وهندسةٍ, وعلومٍ رياضيةٍ وعسكريةٍ, وما شاكل هذا، فاتسعت اللغة العربية، وزادت ثروتها بما بذل المعربون في سبيل مدها بالكلمات الجديدة، أو إحياء الكلمات القديمة التي تحقق غرضهم، ولو استمرت النهضة العلمية في هذ الاتجاه، وحمل العلماء والأدباء ورجال الفن والقانون الذين يلجأون إلى الثقافات الأجنبية المختلفة

стр. 346

ويتزودون من معينها، وينقلون من آثارها، على تعريب كل ما يفيدهم، لأصبحت اللغة العربية اليوم من أقوى اللغات على تمثيل الحضارة الحديثة, وإبرازها في صورها المتباينة، ولأخذت الكلمات المعربة صبغًا عربيًّا خاصًّا على مر السنين، وتركزت معانيها بكثرة استعمالها، وسهل على الجامعات العربية تدريس شتَّى العلوم وأحدث النظريات باللغة العربية. ولكن واأسفاه؛ أبى الإنجليز حين دخلوا مصر إلّا أن يرغموها على تعلم لغتهم في مدارسها الابتدائية والثانوية والعالية, وصار حظ اللغة العربية من اليوم المدرسي ضئيلًا، ولم يفعل الإنجليز ذلك دفعةً واحدة، وإنما مهدوا له تمهيدًا بطيئًا.. دخل الإنجليز مصر في سنة ١٨٨٢، بعد أن ازداد نفوذ الأجانب، وقويت شوكتهم, وعظمت شركاتهم، وبعد أن فرضت الرقابة الثنائية, ودخل الوزارة المصرية وزيران أجنبيان، شعر المثقفون المصريون بتغلغل الأجانب في كل مصالح مصر، ورأوهم معتدين بلغاتهم وبجنسياتهم, وأن مدارسهم وإرسالياتهم تَجِدُّ في تدريس اللغات الأجنبية، ومن يتخرج فيها يكون له التفوق في ميادين الاقتصاد والسياسة، فأدى كل هذا إلى اهتمام مصر -حتى قبل الاحتلال الإنجليزي- بتعليم اللغات الأجنبية في مدراسها، وقد تقدَّم على إبراهيم ناظر المعارف في سنة ١٨٨٠ يطلب إنشاء مدرسة تُسَمَّى "دار العلوم التوفيقية" لتخرج مدرسين في اللغات الأوربية, وسائر العلوم الغربية، على غرار دار العلوم العربية؛ وكانت مدرسة الألسن لا تزال موجودة، ولكن ضعف التعليم فيها؛ إذ ألغيت منها اللغة التركية والألمانية، واقتصر على تعليم الإنجليزية والفرنسية والعربية، وفي سنة ١٨٨١ تقرر إنشاء مكتب للترجمة والتحرير, تولى إدارته حينئذ أديب إسحق الكاتب المشهور، ثم تحول هذا المكتب إلى مدرسة المعلمين الخديوية في سنة ١٨٨٩؛ كي تخرج مدرسين مصريين لتعليم اللغة الإنجليزية بالمدارس الابتدائية.

стр. 347

ولما ألغيت مدرسة الألسن أنشئ بدلها مدرسة الإدارة والحقوق سنة ١٨٨٦ -وكان غرض الإنجليز جعل الثقافة المصرية ثقافة ديوانية بحتة- وقد ظلت كذلك طويلًا, حتى بعد أن كفوا أيديهم عن التدخل في وزارة المعارف؛ لأن المشرفين على نظم التعليم بمصر كانوا متشبعين بمبادئ المدرسة الديوانية، ولذلك صار الموظف المصري عبدًا لوظيفته, إذا فقدها أو إذا خرج إلى ميدان الحياة، صار كالسمكة التي جفَّ من حولها الماء، وإنما اختطَّ الإنجليز هذا النهج حتى لا يفطن المصريون إلى الأعمال الحرة, والنهوض ببلادهم عن سبيل التجارة والاقتصاد، وينفرد بها الأجانب بعامةٍ والإنجليز بخاصة، وبحسب المصريّ أن يوفِّرَ لهؤلاء الدخلاء الطمأنينة والرفاهية والنظام، وله من الأجر لقيمات تقيم صلبه, وحياة دونها حياة الخدم والأجراء، أما الربح الوفير، والعيش الرغيد, والعربات الفارهة، والقصور الشامخة, والتجارة العالمية, فهي وقف على هؤلاء الأفاقين الذين دخلوا ديارنا ضيوفًا, فاستبدوا بثروتها المادية والمعنوية، وتبجحوا في معاملاتهم لأبناء البلاد، يمشون في تيه وخيلاء وصلف وكبرياء, حتى تنبهت مصر لهم، وكفت من غلوائهم، وألغت امتيازاتهم. أجل! كان هذا بعض ما رسمه الإنجليز للشعب المصريّ، وأشرفوا على تنفيذه، فإن مدرسة الحقوق حينما أنشئت، قسمت قسمين: ابتدائي وعالي، يعد الابتدائي والمحضرين والمترجمين، وأصناف الموظفين لأقلام الكتاب والنيابة بجميع المحاكم، وأقلام الحكومة والوزارات، وشتّى المصالح التي تحتاج لأشخاص عندهم معلومات قانونية، ويعد القسم العالي لوظائف الكتاب في الدرجة الأولى والثانية, ووكلاء النيابة وما شاكل هذا. ولم يفكر المستعمرون -طبعًا- في إنشاء المدراس التي تُعِدُّ شبان مصر لميدان الحياة العلمية؛ من تجارةٍ وزراعةٍ وهندسةٍ وصناعةٍ, وغيرها، وليتهم حافظوا على لغة البلاد، وهي مصدر عزتهم، ورمز وطنيتهم وقوميتهم، وإنما عمدوا في سنة ١٨٨٨ إلى الغض من شأنها، والحدِّ من تعليمها، وإفساح المدى أمام اللغات الأجنبية، وهاك ما أورده أمين باشا سامي في كتابه "التعليم في مصر خاصًّا

стр. 348

بهذا التحول الخطير, وهو في صورة تقرير مقدَّم من وزارة المعارف إلى الخديو: "إن تعليم اللغات الأجنبية التي لها في هذا العصر من الأهمية ما لا يخفى بمصر خاصَّةً، لم يأت إلى الآن في مدارسنا بالنتائج المطلوبة، وليس ذلك لتقصير من المعلمين، أو فتور في همتهم، فإنهم في الواقع أهلٌ لما عُهِدَ إليهم من الوظائف، غير أن الوقت المخصص لتعليم هذه اللغات غير كافٍ، حتى تكتسب التلامذة ملكة استعمال اللغة، ويسهل عليهم التكلم بها، وهو أمر لا يمكن الحصول عليه إلّا بعد تمرينٍ طويلٍ مستمرٍ، فلتلافي هذا الأمر بقدر الإمكان, تقرر أن مواد العلوم الجاري تدريسها للآن باللغة العربية, تعلم من الآن فصاعدًا بمعرفة مدرس اللغة الأجنبية, إما باللغة الفرنسية، وإما باللغة الإنجليزية، فإذا درس التاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية بلغات أجنبية, وضم هذا إلى تعليم اللغة المقصودة بالذات سهل نيل المقصود". ثم ألغيت بعد ذلك اللغة الفرنسية من المدارس الأميرية الابتدائية، وحلَّت محلها اللغة الإنجليزية، وإن بقي للفرنسية بعض القوة والانتشار لكثرة المدارس التبشيرية التي تتخذها أساسًا للتعليم بمصر. وفي سنة ١٨٩٨ رأت الحكومة -أو رأى المستعمر- أن يغير منهج مدرسة الطب، وأن يحول بينها وبين الرسالة العظيمة التي اضطلعت بأدائها منذ عصر محمد علي، ألا وهي نقل الطبِّ الغربيِّ الحديث إلى اللسان العربي المبين؛ فعين لها مدير إنجليزيّ, أدخل بعض الإصطلاحات فيها، واشترط لنجاحه في مهمته أن تكون لغة التدريس بالمدرسة هي الإنجليزية, فأجيب إلى طلبه، وعطلت الترجمة، وصار كل الأساتذة من الإنجليز وظلت الإنجليزية هي لغة الطب بمصر حتى يومنا هذا. وإذا كانت اللغة العربية قد حوربت في كل معهد، واشتد ساعد اللغات الأجنبية, ولا سيما الإنجليزية، فقد استطاعت بما كمن فيها من قوةٍ أن تقف أمام المحنة، وأن تسترد سلطانها المفقود بعد لأي، وأن ترغم العدو الغاصب على الاعتراف لها بالحيوية، وأنه ليس من السهل القضاء على لغة ذات تاريخ مجيد، وتراث تليد، ودين سماويٍّ مكين كاللغة العربية.

стр. 349

ظهرت سطوتها أول الأمر حينما اضطرت المحاكم الأهلية إلى تعيين المترجمين بين القضاة الأجانب، وبين الأهالي والمترافعين لأول عهدها سنة ١٨٨٣؛ إذ لم تجد الحكومة من بين المصريين أكفاء يلون شئون القضاء، ولقد أدى إنشاء المحاكم المختطلة سنة ١٨٧٦، وإنشاء المحاكم الأهلية بعد ذلك إلى نهضة قانونية قوية بمصر؛ فوضعت القوانين، وكثرت عليها شروح العلماء١. وترجمت كتب كثيرة من الفرنسية في هذا الباب مثل: أصول النواميس والشرائع, لبنتام, نقله فتحي زغلول٢ وهو في الخامس والعشرين من عمره، وحقوق الملل, ومعاهدات الدول, للأمير أمين أرسلان، والطعن في الحكام بطريق النقض والإبرام, ترجمة عزيز خانكي سنة ١٩٠٠. ووضعت المعاجم القضائية لتيسر على المشتغلين بالقضاء والمحاماة الاطلاع على المواد اللازمة أو الأوامر العالية، ومن أشهر هذه المعاجم: قاموس الإدارة والقضاء, لفيليب جلاد, في ستة مجلدات سنة ١٨٩٩، والقضاء المصري الأهلي, لإبراهيم الجمال, وهو معجم للقواعد القانونية المأخوذة من أحكام المحاكم الأهلية.

стр. 350

وصدرت مع هذه التراجم العديدة، والمؤلفات الكثيرة، مجلات قضائية؛ من أشهرها: مجلة "الحقوق" لأمين شميل، ثم آلت لإبراهيم الجمال، ومجلة "الأحكام" لنقولا توما، ومجلة "القضاء" للشراباتي وغيرها. إن هذه النهضة القانونية قد أفادت اللغة كثيرًا، وأضافت إلى المعجم العربيّ عشرات الكلمات الاصطلاحية، ولبى العلماء دعوة فتحي زغلول حين أهاب بهم أن يهيئوا لغتهم للحياة الجديدة، ورسم لهم الطريق بقوله: "عليكم بالتقدم, فادخلوا أبوابه المفتحة أمامكم ولا تتأخروا, فلستم وحدكم في هذا الوجود، ولا تقدم لكم إلّا بلغتِكم، فاعتنوا بها وأصلحوها وهيئوها, ولا تشوهوا صورتها الجميلة بتعدد الاشتراك أو التجوز، ثم لا تقفوا بها موقف الجمود، وأقيموا في وجه هذا السيل الجارف سدًّا من الاشتقاق المعقول, والترجمة الصحيحة, والتعريب عند الضرورة, لتكونوا من الناجحين"١. ومع هذه الفائدة الجليلة التي أحرزتها اللغة العربية بهذه النهضة القانونية, فإن من المؤسف حقًّا أن تهمل الشريعة الإسلامية وأحكامها، وأن يغلبنا الأجانب على أمرنا، ويتمكنوا من حملنا على التنكر للقانون السماويّ الذي يتمشى مع الغرائز الإنسانية، والطبيعة البشرية, وبرهنت الأيام على أنه أعدل القوانين وأقواها وأرحمها؛ إن القوانين الوضعية، ولا سيما القوانين التي وضعت لأناسٍ سوانا؛ لهم عادات وتقاليد وبيئة غير ما نحن عليه، لم تصلح المجتمع المصريّ بل أفسدته، ولو حاول المصلحون في مصر تنظيم أحكام الشريعة الإسلامية ووضعها في موادٍّ حسب أبواب القانون، ووازنوا بينها وبين غيرها من القوانين, واجتهدوا في استنباط الأحكام, ووصلوا الماضي التليد بالعهد الجديد، لبرهنوا على أنهم من أمة لها كرامة، وبها حرص على تراثها، والسير بنهضتها في السبيل المستقيم، أما عملهم هذا, فهو مسخ وتشويه للأمة، وتقليد سخيف، وهو عنوان الضعف، والشعور بالخزي أمام الأجانب، وعدم القدرة على الدفاع عن مقومات شخصيتنا.

стр. 351

ولقد حاول بعض العلماء في ذاك الوقت ممن كان لهم شعور صادق بهذه الكارثة أن يبرهنوا لهؤلاء الأجانب على أن الشريعة الإسلامية تستطيع أن تنهض بالمجتمع المصري كل النهوض، وأن بها من الأحكام ما يجعل الأمم الإسلامية في غنًى عن قانون نابليون, أو القانون الروماني، وهاك عمر لطفي١ يضع باللغة الفرنسية بعض مواد الشريعة الإسلامية؛ ليدحض دعاوى هؤلاء المغرورين بمدنيتهم الزائفة, ومن لف لفهم ممن لم يعرفوا حقيقة الشريعة الإسلامية, ومن هذه المؤلفات التي قدمها عمر لطفي بالفرنسية للموازنة. ١- الدعوى الجنائية في الشريعة الإسلامية، وقد أعجب به الفرنج أيَّمَا إعجاب. ٢- حرمة المساكن. ٣- حق المرأة. ٤- وحق الدفاع. إن الاتجاه الذي سلكه العراق منذ سنوات, حين انتدب الدكتور عبد الرازق السنهوري لوضع قانون للمحاكم العراقية مستنبط من الشريعة الإسلامية, والاتجاه الذي اتجته سوريا في دستورها قبل الوحدة اتجاه سليم يدل على يقظةٍ وإدراكٍ صحيحٍ لقيم التراث الإسلاميّ، وحرص على عدم المسخ والفناء في الأمم الأجنبية. وظهرت قوة اللغة العربية كذلك، وأنها تستطيع أن تتحدى الاستعمار، وتسير في النهج العريض الذي خطه محمد علي وعبدته حكومة إسماعيل، على الرغم من العقبات التي أقامها الإنجليز أمامها؛ في رغبة العلماء والأدباء في أن يعرفوا أبناء أمتهم كثيرًا من أسس الحضارة الغربية، لعلمهم أن الاستعمار مهما كان جامحًا عنيفًا, لا يستطيع أن يستولي على إرادة العلماء ويمنعهم من

стр. 352

الاستمرار في تغذية اللغة العربية بهذه النفائس، وقد شملت الترجمة في هذا العصر الذي نؤرخ له ألوانًا جديدة من الفكر الغربيّ، فهناك "الاقتصاد السياسيّ"، وكان العرب يطلقون عليه المعاش, ومن الكتب التي وضعت أو ترجمت في هذا الموضوع: ١- كتاب الاقتصاد السياسي, أو فن تدبير المنزل, لخليل غانم ١٨٧٩. ٢- أصول الاقتصاد السياسي, لرفلة جرجس ١٨٨٩، وهو مقتبس من كتب إفرنجية عديدة. ٣ كتاب الاقتصاد السياسي, لجيفرنس, نقلته جمعية التعريب سنة ١٨٩٢. ٤- مبادئ الاقتصادي السياسي, تأليف محمد حسين فهمي. ٥- الموجز في علم الاقتصاد لـ "بول لروابوليه", نقله حافظ إبراهيم وخليل مطران في خمسة أجزاء بأمر حشمت ناظر المعارف سنة ١٩١٣. وهناك "علم الاجتماع" وقد مرَّ بك كيف بدأ هذا العلم على يد جمال الدين ومدرسته, وكيف شخصت أدواء الأمة الاجتماعية، ووصف لها الدواء على يد أديب إسحاق وعبد الله نديم ومحمد عبده، ولكن ما كتبه هؤلاء لم يبن على أصول علمية ثابتة، وقواعد مقررة، وإنما كان وليدة الخبرة والملاحظة والتجربة، وكان لا بُدَّ للنهوض بهذا العلم من دراسته عند علماء الغرب, ونقل أجلّ آثاره، مع تطبيق نظرياته على المجتمع المصريّ وعاداته وتقاليه وشرائعه وبيئته. وليس علم الاجتماع غريبًا عن اللغة العربية، فإن ابن خلدون في مقدمته, قد وضع له أسسًا متينةً, ونظرياتٍ سليمةً بنى عليها مونتوسكيو١ وسواه

стр. 353

أبحاثهم، ثم تطور هذا العلم واتسعت موضوعاته، ونظمت أبحاثه، وقد فطن لذلك علماء مصر, فترجم فتحي زغلول -كما مرَّ بك- كتابي روح الاجتماع، وتطور الأمم لـ "غوستاف لوبون" ونقل كذلك تقدم الإنجليز السكسونيين، وهو من الكتب الممتعة التي قرأناها بشغف، ونقل محمد زكي صالح نشوء الاجتماع لـ "بنيمامين كد". ومن الكتاب الاجتماعيين الذين أفادوا هذا العلم، وحاولوا إصلاح الأمة عن طريق الدرس والتمحيص والتحليل، والاستقراء والاستنباط، السيد عبد الرحمن الكواكبي١ ومن كتبه النفيسة التي بهرت جيله، وصار لها أكبر الأثر في اليقظة القومية بالشرق: ١- طبائع الاستبداد. ٢- أم القرى. وقد وضع كتبه في شكل روائي، وفهيا تحليل دقيق للأمراض الاجتماعية والسياسية, وفيها حملات شديدة على الحكومة العثمانية، وفيها علاج إيجابي سليم لأدواء المسلمين, وامتاز الكواكبي في كتابته بالذكاء والتخصص والتعمق والرزانة، ولو أتيح له أن يعرف لغة أجنبية فيطلع على أبحاث علم الاجتماع عند الغربيين لكان له -مع غزارة فكره وصدق نظره- في تقدم هذا العلم وتطوره شأن يذكر.

стр. 354

ومن المشكلات الاجتماعية التي أثيرت في هذه الفترة، وكان لها دويٌّ عظيمٌ مسألة الحجاب والسفور، ومركز المرأة في المجتمع، ولقد أدّى اختلاطنا الشديد بالأجانب، وتطعلنا إلى محاكاتهم في كل شيء، والسير على نهجهم في مدنيتهم إلى ظهور هذه المشكلة، وكان بعض المفكرين يرى سفور المرأة المسلمة ومساواتها بالرجل في كل شيءٍ مغالاةً منهم في المحاكاة, ولكنهم لم يجرءوا على الجهر بآرائهم أمام جمهور المسلمين في ذاك الوقت؛ لتمكن عادة الحجاب من النفوس، حتى ظهر قاسم أمين١, فنشر كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، وقد كان لهما أثر بليغ في الحياة المصرية، وإن لم يظهر هذا الأثر سريعًا، بل ظلت المرأة مدة يتجاذبها السفور تارةً والحجاب تارةً، حتى خلعته أخيرًا, ولم يعد له أثر إلّا في بيئات محدودة. أما "الأدب" وهو الذي يعنينا في كتابنا هذا أكثر من سواه، فقد اشتدت فيه حركة التعريب، ولا سيما الروايات والقصص، وقد عرفت فيما سبق أن الكلية الأمريكية ببيروت أسست سنة ١٨٦٠, ثم أسست الكلية اليسوعية بعدها بقليل، وقد كان لهاتين الكليتين أثرٌ بارزٌ في توجيه النشء إلى القصة الغربية، ولما هاجر كثير من نصارى لبنان إلى مصر؛ حيث الحرية والشهرة والثورة, أخذ هؤلاء المهاجرون يترجمون القصص الأوربيّ ويذيعونه في الناس، وكانت بيروت قد شهدت من قبل قيام "مارون نقاش" يؤلف بعض المسرحيات أو يقتبسها من الأدب الغربيّ؛ مثل مسرحية: "البخيل" لـ "موليير"، وكان يدعو فنه هذا "الذهب الإفرنجي المسبوك" وكان لمارون ابن أخٍ اسمه سليم نقاش, رحل بعد موت عمه إلى مصر، وسعى فيها حتى أنشأ مسرحًا وفرقةً، وظهر بمصر في ذلك الوقت رجل يهوديّ اسمه "يعقوب صنوع", أسس مسرحًا عربيًّا بالقاهرة ترجم له عشرات

стр. 355

الروايات الفرنسية الغرامية بلغة عامية ركيكة, وقد تقدم الكلام عنه١، وظل المسرح منذ ذلك الوقت يعتمد على الرويات الأجنبية الممصرة، وأحيانًا يضع له بعض المؤلفين مسريحاتٍ لا تمثل الحياة المصرية في شيء، وبها كثير من عادات الغرب وتقاليده, ولم يتجه المسرح وجهة إصلاحية إلّا نادرًا, مثل ما مر بك من روايات عبد الله نديم وأضرابه٢. على أن الاهتمام بالمسرح وبالتمثيليات لم يكن كبيرًا، وإنما عُنِيَ المترجمون بنقل القصص الغربيّ بأنواعه وألوانه؛ ومن أقدم الذين اشتغلوا بترجمة القصص نجيب حداد اللبناني٣؛ فنقل إلى العربية رواية صلاح الدين تأليف "ولترسكوت" ورواية السيد Cid تأليف كروني Corneille وسماها: "غرام وانتقام", رواية "هير ناني" تأليف هوجو، وسماها: "حمدان", ورواية رميو وجوليت, تأليف سكسبير, وسماها: "شهداء الغرام"، ورواية البخيل لـ "موليير" ورواية الفرسان الثلاثة, تأليف إسكندر دوماس في أربعة أجزء, طبعت لأول مرة سنة ١٨٨٨. وفي أواخر القرن التاسع عشر "يونيو سنة ١٨٩٧", حضر إلى مصر كلٌّ من نقولا زرق الله، وخليل مطران، وطانيوس عبده، واشتغلوا بالصحافة، ثم التحق نقولا بجريدة الأهرام، وعكف على ترجمة الروايات بأسلوب سهل جذَّاب، وفي سنة ١٩٠٤ ترجم رواية "سقوط نابليون الثالث" في أكثر من ألف صفحة، وقد استهوت هذه الروايات الناشئة في مصر والبلاد العربية، فأقبلوا عليها إقبالًا شديدًا، وأخذ بعض المسلمين يقلد هؤلاء المترجمين, حتى لقد أنشأ أحدهم مجلة باسم "مسامرات الشعب" يحشد فيها كثيرًا من القصص الرخيص، وأخرج نقولا رزق الله٤ "سلسلة الروايات الجديدة" وكان العدد يحتوي على شذرات من الشعر القديم، وقصصًا قصيرة, إلى جانب الرواية الرئيسية، وأنشأ طانيوس عبده مجلة "الراوي" وفيها أخذ في تعريب الروايات الشهيرة مثل: "فوست" و"الملكة إيزابو".
следующие страницы →