يعيشوا أحرارًا في بلادهم غير خاضعين لهذه الأغلال الاقتصادية، وغير مقيدين في تصرفاتهم الوطنية.
فلا عجب إذن حين نرى شعراءنا نقيض بهم العاطفة فيقولون في "بنك مصر"، وفي مشروع القرش، وفي أول سرب من طياري مصر، وفي طليعة الملاحة المصرية، وفي مصنع النسيج بالمحلة، وغير ذلك من مظاهر النهضة الاقتصادية، والتي هي من أكبر دعائم الاستقلال، فقد كانت هذه الحقبة مليئة بعوامل اليقظة والرقي في كل ميدان من ميادين الحياة في السياسة، والاجتماع، والقومية بمظاهرها العديدة، وقد سجل الشعراء كل هذه المظاهر في شعرهم يترجمون به عما يختلج في صدور الأمة، ويطلبون المزيد منها لأنهم نصبوا أنفسهم في مقام الهداة والمرشدين، وقادة الفكر المصلحين، ويصدرون فيه عاطفة غالبًا، وعن تكلف أحيانًا، وقد تعدوا الكلام في هذه المظاهر إلى رثاء عظماء الأمة في كل نواحي نشاطها، سواء كانوا رجال سياسة، أو دين، أو صحافة، أو إصلاح، أو اقتصاد، حتى صار شعرهم وثيقة تاريخية، وصورة لعصرهم الذين عاشوا فيه.
وقد لا يرضى عن ذلك أصحاب المدرسة الجديدة، ولكنهم على الرغم منهم اضطروا إلى مشاركة الأمة في عواطفها، وإلى تغذية هذه العاطفة، وقد لا يكون هذا النوع من الشعر جاريًا على نمط الشعر الغربي الحديث، ولكنا أمة لها ظروفها الخاصة، وفي يده نهضة عامة شاملة، وفي أمس الحاجة إلى من يشجع المكافحين في سبيل مجدها أحياء، ويجعلهم مثلًا طيبًا لمن بعدهم أمواتًا.
كنت أود أن أسوق نماذج على كل لون من ألوان الحياة الاجتماعية، وأن أتعقب الشعراء واحدًا واحدًا كما فعلت في الشعر السياسي، بيد أنني أوثر هنا أن أكتفي بهذا التعميم، مرجئًا الأمثلة إلى حين الكلام عن الشعراء، وحسبنا أن نعرف الخطوط العريضة للعوامل الاجتماعية المؤثرة في الشعر الحديث، وهي لا تقل في قوة تأثيرها عن العامل السياسي بل ربما فاقته؛ لأن الأمة كانت حقًّا في مسيس الحاجة إلى الإصلاح الاجتماعي بعد أن طالبت هجعتها، وعمل المستعمر على أن تظل في تلك الهجعة.
стр. 632
٣- الفصل الثالث: النقد الأدبي
لقد خطا البارودي بالشعر خطوة قوية عظيمة كما عرفت، أعاد للشعر ديباجته المشرقة، ومتانته الرائقة، ورجع به إلى عصر ازدهاره أيام العباسيين، وسار على نمطهم في موضوعه، وقالبه، ومعانيه، وحذا حذو البارودي الشعراء الذين أتوا بعده، وكان تأثيره فيهم جليلًا قويًّا؛ لأنه شاعر معاصر، ضرب لهم مثلًا صادقًا فيكيف يكونون شعراء بحفظهم من جيد الأدب القديم، ثم معارضته وتقليده، ثم الاستقلال عنه وظهور شخصيتهم؛ ولم يعد أحد منهم تساوره نفسه لتقليد شعراء الضعف أيام المماليك والعثمانيين، والاهتمام بالمحسنات والحلى والزخارف، إلا من باب رياضة القريحة، أو العجز عن التخلص من تقاليد الشعر البالي كما فعل إسماعيل صبري لأول عهده بقرض الشعر، فكان يجيد التاريخ الشعري، ويهتم بعض الاهتمام بالمحسنات، إلى أن استطاع الوقوف وحده، فهجر ذلك كله١.
وقد ظهرت طائفة من الأدباء والملمين بأصول اللغة العربية، وعلومها في أخريات القرن الماضي حاولوا تجديد النقد الأدبي كما عرفه القدماء، وتطبيق النظريات العربية في النقد كما عرفها نقاد العصر العباسي على الشعر الحديث.
وأول من خطا خطوة جدية في هذا الباب هو الشيخ حسين المرصفي صاحب "الوسيلة الأدبية"، وقد عرض علوم العربية عرضًا جديدًا بأسلوب جديد وبخاصة علوم البلاغة مبينًا منزلة كل منها في نقد الكلام.
ولم يكتف بهذا بل حاول التطبيق النقدي، وصح كثيرًا مما أخطأ فيه القدماء، وكان له ذوق مرهف لمعرفة مواطن الحسن في الكلام، ويبدأ نقده بتفسير الكلمات اللغوية حتى يتضح المعنى ولا يجعل من النحو والبلاغة غاية في النقد وإنما هي عنده وسيلة لمعرفة الصور وجلائها وإيضاح مكامن البلاغة في
стр. 633
القول، ولذلك نراه ينتقد معاصريه، والسابقين عليه في طريقة دراستهم للبلاغة وفهمهم لمقصدها، فلا ينبغي لهم الاقتصار على قولهم: "كذا يشبه كذا كذا أو استعار كذا ولكذا"، وإنما يجب على الناقد. أن يقف القارئ على مواطن الحسن في العبارة.
ومن أمثلة نقده كلامه على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ ، الختم: الطبع، ويدل على تشبيه القلوب بصناديق مثلًا، ففي الكلام استعارة مكنية وقرينتها لفظ ختم، فيفيد الكلام أنه بمنزلة الجمادات بحيث أنها لو كان فيها شيء لم تكن منتفعة به، وقد جعلت بحيث لا يمكن أن يدخل فيها شيء، فلا يطمع طامع في إيمانهم.
وعنده أنه ليس كل كلام تحققت فيه أركان قسم من أقسام فنون البلاغة يعد بليغًا فيقول: ليس كل ما فيه الكاف أو كأن يعد في نظر أهل صناعة الكلام العارفين بها، الواقفين على أسرارها، والملتفتين إلى دقائقها -تشبيهًا، وإنما التشبيه ما جلت فائدته وحسن موقعه من عرضه. وإن أحسن التشبيه والاستعارة ما وقع موقعه من غرض تصوير حال المشبه أو المستعار له، والإبانة عنها بجزيل العبارة ولطف السياق بحيث لا يكون قصد المتكلم إلى مجرد التشبيه والاستعارة كما هو كثير من كلام المولدين١.
ويورد المرصفي نماذج عدة من الكلام البليغ، ويبين مواطن البلاغة فيها، ولم يقتصر في أمثلته على عصر، وإنما أورد نماذج تبين مختلف العصور والتطور البلاغي محللًا بعضها تحليلًا دقيقًا. وهو يعتمد في كثير من الأحيان على ذوقه، وتمرسه بأساليب العرب الأقدمين. وحفظه للجيد من كلامهم؛ ولذلك كان معجبًا بالبارودي لأنه لم يتلق علوم العربية على مدرس، وإنما اكتسب الملكة البيانية من حفظه للجيد من النثر والشعر في عصورهما الذهبية، ولكن اعتماد المرصفي على ذوقه لم ينسه القواعد والأصول لعلوم العربية، وإذا خرج الأديب
стр. 634
على الأصول خرج من ميدان اللغة العربية أصلًا؛ لأن الوقوف على ما تعارف عليه العرب شرط أساسي لا يمكن الاستغناء عنه ما دام المراد هو التكلم بلغتهم.
ولم يكتف المرصفي بالتجديد في النظرة إلى علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وبيان الغاية منها، ولكنه تكلم عن "كتابة الإنشاء أو صناعة الترسل"، وكذلك ما سماه "صناعة الشعر" واتبع في معالجتها ما أتبعه في معالجة البلاغة من الاعتماد على الذوق والمعرفة معًا.
ومقياس الجودة عنده: "صحة المعنى وشرفه، وتخير الألفاظ في أنفسها، ومن جهة تجاورها، وموافقتها للمقام، وإجادة التركيب على ما شرح في علم المعاني وغيره، بحيث تكون الألفاظ سلسلة في النطق خالية من التنافر وشدة الغرابة، يألف بعضها بعضًا: حتى تكون الكلمات المتوالية بمنزلة كلمة واحدة، وتكون الألفاظ التي توردها في مقام الحماسة ليست كالألفاظ التي توردها في مقام الغزل والتشبيب، فلكل فن من تلك الفنون ألفاظ توافقه من جهة شدتها ولينها تسمعهم يقولون: الجزل الرقيق١".
وجاء بعد المرصفي جماعة ساروا على نهجه في الإفادة من العلوم في فهم النص وشرحه ونقده على طريقة القدماء، منهم الشيخ حمزة فتح الله في "المواهب الفتحية" مع زيادة اهتمام بالنحو واللغة، ومنهم الشيخ المهدي وحفني ناصف في دروسهما بالجامعة المصرية القديمة مع اهتمام أولهما بتاريخ الأدب وثانيهما بدراسة النصوص الأدبية على الطريقة القديمة.
وقد اشتهر من النقاد الذين سلكوا مسلك السلف في النظرة إلى الشعر وطبقوا قواعد البلاغة القديمة في النقد: إبراهيم المويلحي، ولم يروجوا في نقدم لمذاهب جديدة في الأدب، أو ينموا على تأثر بتيارات الأدب الغربي وإنما ينظرون إلى اللفظ من حيث جودته وصحته وعدم تعاضل حروفه وانسجامه مع غيره وأدائه للمعنى، وينظرون إلى المعنى من حيث الإحالة والتعسف والخطأ والوهم
стр. 635
وما شاكل ذلك مما كان مألوفًا في النقد والمقاييس البلاغية المعروفة عند العرب.
ومن أمثلة هذا نقد محمد المويلحي لديوان شوقي ومنه نقده المشهور:
خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن النثاء
"فقوله: خدعوها يفهم منه أن المشبب بها غير حسناء؛ لأن الخداع لا يكون بالحقيقة، وإذا أردت أن تخدع الشوهاء فقل لها حسناء وهو ينافي قوله في البيت الثاني:
ما تراها تناسب اسمي لما ... كثر في غرامها الأسماء
وخدعوها بمعنى حتلوها وأرادوا بها المكروه من حيث لا تعلمه".
وقد جرى على هذا النهج كل النقاد حتى أولئك الذين نادوا بالتجديد في الأدب، ودعوا إلى بعض المذاهب الغربية، كانوا في النقد التطبيقي ينظرون إلى البيت الشعري في كثير من الأحيان بمقاييس البلاغة القديمة ترى ذلك عند الرافعي في نقده لشوقي، والعقاد وطه حسين في نقدهما لحافظ وشوقي، والعقاد في نقده للرافعي، والمازني في نقده لشكري، وإن كان للمجددين نظرات أخرى في القصيدة كلها من حيث بنائها ووحدتها وموضوعها وما بها من عاطفة وخيال كما سيأتي.
وكأني بهذه المدرسة المحافظة التقليدية الجديدة كانت تشعر بزحمة التيار الغربي وقوته، وأنه يحاول أن يعطي للشعر مفهومًا جديدًا ويحول مجراه القديم إلى مجرى آخر، فراح كل شاعر يقدم ديوانه بمقدمة يعرف فيها الشعر ويضع أسسه وأركانه وشروطه التي يصح بها، وهي تعاريف فيها شيء من الجدة والطرافة والخروج عن مفهوم الشعر في عصور الضعف والانحلال، ومحاولة الأخذ من الآراء الجديدة في الشعر كما عرفه الغربيون بالقدر الذي يتفق مع حقيقة الشعر ورسالته كما عرفه العرب وهم في عنفوان مجدهم.
وكأن أول من سن هذه السنة في العصر الحديث "البارودي"، وقد أتينا في الجزء الأول من هذا الكتاب على تعريفه للشعر وظهر لنا من مناقشته أنه لم يخرج به عن مفهوم العرب له.
стр. 636
وهاك بعضًا من هذه التعريفات التي ظهرت في هذه الحقبة القلقة، في أخريات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، قبل أن يشتد التيار الغربي، وتظهر المدارس الجديدة المتأثرة به.
من ذلك تعريف الأمير شكيب أرسلان للشعر، وشكيب أرسلان شاعر تقليدي على الرغم من إجادته الفرنسية وقراءته بها، وقد حاول أن يوائم بين القديم والنزعات التجديدية حيث يقول:
"إن الشعر قوة روحية يفيضها الله على من يشاء من عباده فتحلق بالشاعر تحليق الأجنحة بالطائر، فيرى الطبيعة في أفخم مشاهدها، وأشمخ شرفاتها، وأبقى مجاليها وأشجى أصواته، وأذكى أعرافها".
فهو يرى الشعر ابن الخيال، والطبيعة مصدر الإلهام، كما يرى أن الشعر الحق لا بد من أن يصدر عن انفعال نفسي يعتلج في صدر الشاعر ويدفعه إلى القول وتخير سنى الكلام للتعبير عن هذه المشاعر القوية.
"وإذا تغلغل الشاعر في أنحاء النفس وأنحاء القلب، وهام في أودية الانفعال أخذ يؤدي من هناك ما يلقيه إليه مضاعفًا: هوى ملح وشوق هاف وحب شاغف، وتمن واصب، وتوسل هالع، ورغبة ورهبة، وإيمان كإيمان العجائز، ثم آب من أودية إحساساته وأعطاف فراساته مفضيًا بذلك إلى سامعيه -أشجى وأصبى، وأرقص وأبكى".
وهو يقول بعد تأكيده منزلة العاطفة في الشعر حتى يأتي صادقًا طبيعيًّا لا وليد التكلف والصنعة بأن الشاعر في حل إذا بالغ وصور الطبيعة أبهى مما هي وأجمل مما هي. ويؤكد كذلك قيمة الفكرة في الشعر، وبذلك يستوفي أركانه وشروطه.
"فالشعر إذن مظهر المرء في أسمى خواطر فكره، وأقصى عواطف قلبه، وأبعد مرامي إدراكه، والشعر هو رؤية الإنسان الطبيعية بمرآة طبعه، فهو شعور عام، وحس مستغرق يأخذ المرء بكليته ويتناوله بجميع خصائصه. حتى يروح
стр. 637
نشوان خمرته وأسير رايته ويريه الأشياء أضعافًا مضاعفة، ويصورها بألوان ساطعة وحلى مؤثرة تفوق الحقائق، وربما أزرت بها، وصرفت النفس عن النظر إليها، فهو أحيانًا أحسن من الحسن وأجمل من الجمال، وأشجع من الشجاعة، وأعف من العفاف، وإن الظبي في قصيدة غير الظبي في فلاة، بل غير الظبي في ملاءة، وإن الأسد في منظومه غير الأسد في مفازة، وذلك حيث كان الشعر كلامًا يلقى بلسان الإحساس، ونطقًا ينزل عن وحي المخيلة، وأوصافًا يفضي بها الشوق، وإنما كانت المبالغة زيادة على الحقيقة لتمكن السامع من الوصول إلى مقدار الحق، والحرص على ألا ينقطع منه قسم على طريق الإلقاء، وفي أثناء الانتقال، فكأن هذه الزيادة جعلت لتملأ الفراغ الواقع بين المدرك والمدرك حتى لا يصل إلى الذهن إلا كاملًا بكل قوته، ولا يحل في العقل إلا بجميع حاشيته١.
ومع أن هذا التعريف وصل إلى درجة كبيرة في فهم حقيقة الشعر وشروطه التي تهيئ له الصحة والجودة، إلا أنه سار في الإطار الذي وضعه العرب للشعر الغنائي مع نظرة جديدة أطلت على الشعر الغربي من بعيد.
وهاك رأيًّا لأتديب ذواقة، اشتهر بالنثر والشعر معًا، وإن كان قد احتل في النثر الحديث منزلة الرائد إلى أسلوب جديد، وهو وإن لم ينل حظًا من الثقافات الأجنبية بيد أنه لسلامة طبعه وأصالة ذوقه، ورقة حسه، وكثرة إطلاعه على ما ترجم استطاع أن يقرب إلى حد كبير من التعريف الصحيح للشعر، ذلك هو المنفلوطي.
فهو يرى أولًا أن الشعر فمن من الفنون الجميلة يجب أن يأتي وليد الطبع والشعور٢: "وهل الشعر إلا نثارة من الدر وينظمها الناظم إن شاء شعرًا. وينثرها الناثر إن شاء نثرًا أو نغمة من نغمات الموسيقى يسمعها السامع مرة من أفواه البلابل والحمائم، وأخرى من أوتار العيدان والمزاهر، أو عالم من عوالم الخيال يطير بقادمتين من عروض وقافية، أو خافيتين من فقر وأسجاع".
ويجهر المنفلوطي برأي جديد في الوزن والقافية وأنهما لا يمتان إلى جوهر الشعر إلا بمقدار ما ينتمي الصبغ واللوم إلى النسيج، وأن الغناء والحداء هو الذي أوحى بهما أول الأمر ولكن:
стр. 638
"الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر إلا ألوان وأصباغ تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه وأطواره، ولا علاقة بينهما وبين جوهره وحقيقته، ولولا أن غريزة في النفس أن يردد القائل ما يقول ويتغنى بما يردد ترويحًا عن نفسه، وتطريبًا لعاطفته ما نظم ناظم شعرًا، ولا روى عروضي بحرًا.
الشعر أمر وراء الأنغام والأوزان، وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلي في جيد الغانية الحسناء، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغائية لا يحزنها عطل جيدها، والديباج لا يزري به أنه غير معلم كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير منظوم ولا موزون".
وهذا رأي في غاية الجرأة من جهة محافظة لم يقل به حتى أولئك الذين ينادون اليوم بالشعر الحر، فإنهم يحرصون على وجود نوع من النغم ممثلًا في "التفعلية". ولعل المنفلوطي الكاتب العاطفي الذي اشتهر أول أمره بالشعر، ثم عدل عنه إلى النثر الفني حين وجده أضيق من أن يتسع لأفكاره وعواطفه، يريد أن يعد بنثره في زمرة الشعراء ولو لم يأت بالموزون المقفى. فالنغم شرط أساس في الشعر لا يسمى شعرًا إلا به، وهو صناعة دقيقة يظهر فيها الخلل اليسير، ولا يتحمل السخف والهذر.
ولعل المنفلوطي كذلك كان يظهر إلى هؤلاء النظامين الذين لا يعرفون ماهية الشعر وجوهره، ويأتون بالغث من الكلام، وهو وإن كان منظومًا إلا أنه خال من كل أركان الشعر، عار عن شروطه، وأصوله، فلا عاطفة ولا يخال ولا سمو تعبير، والصلة بين الشعر والوزن هي التي جعلت بعض الناس يدخلون في باب الشعر كل منظوم وإن خلا من سمات الشعر الأصيلة فيقول المنفلوطي: "تلك الصلة هي التي خلطت بينهما وعمت على كثير من الناس أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد الشعراء وألقت عليهم جميعًا رداء واحدًا لا يستطيع معه التمييز بينها إلا لقليل من الناقدين المستبصرين، فأصبحنا نقرأ القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد بيتًا، ونتصفح الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر
стр. 639
على قصيدة"، ويجمل المنفلوطي بعد ذلك رأيه في الشعر وتعريفه محددًا شروطه ومعالمه بقوله: "وعندي أن أفضل تعريف له أنه تصوير ناطق؛ لأن القاعدة المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله، ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرًا يكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه يبكي لبكائه ويضحك لضحكه ويغضب لغضبه، ويطرب لطربه ويطير معه في الفضاء الواسع من الخيال فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها وشموسها وأقمارها ورياضتها وأزهارها وسهولها وجبالها وصادحها وباغمها وناطقها وصامتها من حيث لا ينقل إلى ذلك قدمًا".
وهو بهذا قد فطن إلى أن الغاية من الأدب هي نقل الأثر الذي يحسه الأديب إلى السامع أو القارئ ومشاركته في أحاسيسه كأنه مع وعانى تجربته.
ولا شك أن هذه لمحات جيدة من هؤلاء الأدباء كان لها أثرها الفعال في القضاء على أدعياء الشعر، وفي دفعة نحو القوة والجزالة والصدق، ولكنهم لم يخرجوا عن دائرة الشعر العربي القديم في أغراضه وفي موضوعاته، ولم يأتوا بنظريات جديدة، وإن قاموا بعرض القديم عرضًا طريفًا يتناسب مع الثقافة المعاصرة لهم وانتشار التراجم العربية بين أيديهم.
ولا يخرج عن مثل هذه النظرة ما قاله إبراهيم المويلحي في تعريفه للشعر وبيان جوهر١، وسنعرض لرأي الرافعي في الشعر عند الكلام عنه في هذا الفصل إن شاء الله.
ولكن ثمة عوامل كثيرة دعت الشعراء الذين ساروا على نهج الشعر العربي القديم في أغراضه، وفي نظام القصيدة وفي المعاني، والأخيلة، أن يسلكوا بالشعر طريقًا جديدة. ولقد بينا فيما سبق بعض هذه العوامل، من تأثر بالثقافة الأجنبية ثم تأثر بالنهضة القومية.
стр. 640
ومن العوامل القوية ذات الأثر الفعال في توجيه الشعر: النقد الأدبي الحديث وإلحاج النقاد المتواصل في أن يعدل الشعراء عن المنهج القديم، ويجعلوا شعرهم مناسبًا لبيئتهم وزمانهم، وأن يجددوا فيه بما يناسب الحضارة التي ينعمون بها، ويرون آثارها في الأفكار والحياة المدنية، وقد قسوا أحيانًا في نقدهم الشعراء علهم يتفرون من طريقتهم الأولى، وإن لم يخل بعض نقدهم من أغراض خاصة، وحزازات شخصية وتحامل، ولكنه كان في جملته موجهًا للشعر الحديث توجيهًا جديدًا.
ومن بواكير ذلك النقد الأدبي ما سطره أحمد فارس الشدياق عن نفسه حينما مدح أحمد باشا وإلى تونس بقصيدة ابتداها بالنسيب على عادة العرب، وترجمها مسيو "دوكان"، ودهش الفرنسيون، من بدئها بذكر المرأة، واستطرد الشدياق في تبيان الفرق بين الشعر الغربي والشعر العربي على نحو ما فصلناه في الجزء الأول١. ولكن الشعراء لم يلتفتوا إلى هذا النقد وهذا التوجيه لأنه كان سابقًا لزمنه ولم تتهيأ العقول بعد لتعمل به، وظل كثير منهم في العقد الأخير من القرن التاسع عشر يوالي قرض الشعر بأغراضه القديم، ومعانيه المستقاة من الأدب العربي القديم، وبنفس الأسلوب الذي اختطه شعراء الجاهلية، وإن أثارت الأغراض القومية الشعراء، ونظموا في الشعر السياسي، وتبيان مآسي الشعب وآلامه، وآماله؛ بيد أنهم لم يقلعوا جملة عن المديح والرثاء في مختلف المناسبات.
ويوجه أحد رجالات السياسة، وزعماء الوطنية نقدًا لبعض الشعراء الذي كان يسمعه في ذلك الوقت، وذلك السياسي، وهو المرحوم محمد فريد "بك" في المقدمة التي كتبها لديوان "وطنيتي" الذي نظمه الأستاذ على القاياتي، وحبس من أجلها ستة أشهر، كما حبس الشيخ جاويش ثلاثة أشهر لأنه كتب مقدمة أخرى لهذا الديوان، وتلك المقدمة التي كتبها محمد فريد فيها توجيه سديد للشعر نحو
стр. 641
الأغراض القومية، وقد قال فيها: "الشعر من أفعل المؤثرات في إيقاظ الأمم من سباتها وبث روح الحياة فيها، كما أنه من المشجعات على القتال، وبث حب الإقدام والمخاطرة بالنفس في الحروب، ولذلك نجد الأشعار الحماسية من قديم الزمان شائعة لدى العرب وغيرهم من الأمم المجيدة كالرومان واليونان وغيرهم.
وليس من ينكر أن الأنشود الفرنسية التي أنشأها الضابط الفرنسي "روجيه دي ليل" وسميت المارسيليز كانت أقوى أسباب انتصار فرنسا على ملوك أوربا، الذين تألبوا عليها لإخماد روح الحرية في مبدأ ظهورها.
لذلك كتب الكثيرون منا كثيرًا في ضرورة وضع القصائد، والأغاني الوطنية ليحفظها الصغار، ويتغنوا بها في أوقات فراغهم، ولينشدوها في ساعات لعبهم، بدل هذه الأغاني والأناشيد التي يرددها الأطفال في الأزقة خصوصًا في ليالي رمضان المبارك، كما كتبوا في لزوم تغيير الأغاني التي تنشد في الأفراح، وكلها دائرة حول نقطة واحدة هي الغرام ووصف المحبوب بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان.
لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد سواء في الغرب أو في الشرق إماتة الشعر الحماسي، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح على وضع قصائد المدح البارد، والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء، وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس، ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال كما كان من نتائج هذا الاستبداد خول خطب المساجد من كل فائدة تعود على المستمع، حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا، والحض على الكسل، وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل.
تنبهت لذلك الأمم المغلوبة على أمرها، فجعلت من أول مبادئها وضع القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية باللغة الفصحى للطبقة المتعلمة، وباللغة العامية لطبقات الزراع والصناع. وسواهم من العمال غير المتعلمين، فكان ذلك من أكبر العوامل على بث روح الوطنية بين جميع الطبقات، ويسرني أن هذه النهضة المباركة سرت في بلادنا فترك أغلب الشعراء نظم قصائد المديح للأمراء
стр. 642
والحكام، وصرفوا همهم، واستعملوا مواهبهم في وضع الأشعار الوطنية وإرسالها في وصف الشئون السياسية التي تشغل الرأي العام، وقد لاحت "وطنيتي" في طليعة هذه النهضة الميمونة.
ومما يزيد سروري أن شعراء الأرياف وضعوا عدة أناشيد وأغانٍ في مأساة "دنشواي" وما نشأ عنها. وفي المرحوم مصطفى باشا كامل، ومجهوداته الوطنية، وفي موضوع قناة السويس، وأخذوا ينشدونها في سمرهم وأفراحهم على آلاتهم الموسيقية البسيطة، وهي حركة مباركة إن شاء لله تدل على أن مجهودات الوطنيين قد أثمرت، ووصل تأثيرها إلى أعماق القلوب في جميع طبقات الأمة، وتبشر باقتراب زمن الاستقلال، والتخلص من سلطة الفرد بإذن الله.
فعلى حضرات الشعراء أن يقعلوا عن عادة وضع قصائد المديح في أيام معلومة، ومواسم معدودة، وأن يستعملوا هذه المواهب الربانية العالمية في خدمة الأمة وتربيتها بدل أن يصرفوها في خدمة الأغنياء، وتملق الأمراء، والتقرب من الوزراء، فالحكام زائلون، والأمة باقية١.
إن هذا النداء الذي يوجهه زعيم سياسي للأدباء لدليل قوي على مبلغ ما يشعر به من فائدة الأدب الحي، والشعر الحماسي، وما عساه أن يفعله في نفسية شعب أرهقها المحتل، وأذلها واعتصر منها ماء الحياة والعزة؛ وأنه يريد من الشعر أن يؤدي رسالة الوطنية والقومية، وأن يلهب بحرارته تلك النفوس الميتة، حتى تشتعل، وتحرق بحرارة إيمانها، وقوة يقينها بحقها في الحرية سطوة الغاصب، وتذيب حديده ومدافعه. وكم من أمة بليت بما ابتليت به مصر من محنة الاحتلال، وسامها أعداؤها الهوان والخسف، ولقنت صغارها تلك الأناشيد الوطنية، التي تنفث في قلوبهم كراهية هذا العدو الغشوم، فكبروا وكبر معهم مقتهم لهذا الذي حرمهم ألذ ما تطمح إليه الإنسانية وهو الحرية فحركهم شعور واحد هو الحقد والبغض، وويل للعدو -مهما أوتي من البطش والسيطرة- إذا
стр. 643
تجمعت عليه أمة تنبعث كل حركاتها عن كراهية له وحقد عليه، وتصمم في إرادة لا تفل، وعزيمة لا تكل، على طرده، وتحطيم أغلاله، فعلت هذا "أيرلندا" و"بولندا" وغيرهما من الشعوب التي نكبت في استقلالها حينًا من الدهر.
إنه كذلك يريد أن ينصرف الشعراء عن تمجيد الفرد إلى تمجيد الأمة، وإذا كان العرب قديمًا قد توجهوا بمديحهم للأفراد أمراء وخلفاء فلأن هؤلاء، وكانوا عنوان عزتهم، ومصدر فخارهم، وقادة لشعب حر مستقل لم يعرف العبودية والذلة؛ ولأنهم كانوا يمجدون فيهم صفات النبل والكرم والشجاعة ليكونوا مثلًا أعلى لشعوبهم١، ثم إنهم لم يكونوا في حاجة إلى تلك الأناشيد الحماسية، والشعر الوطني، وهم يتمتعون بالاستقلال والحرية ولكننا في أمس الحاجة إلى مثل هذا اللون من الشعر.
وقد كانت الحقبة التي ظهر فيها مصطفى كامل ومحمد فريد حقبة يقظة قومية، وقد لبى الشعراء نداء الوطن، ووصفوا آلامه وعبروا عن مشاعره وآماله، كما مر بك، ولكن الزعيم السياسي يرحب بديوان "وطنيتي" لأنه حوى شعرًا يعلي شأن الوطن في النفوس، ويوحي إليها بكراهية المحتل، والعمل على مقاومته وطرده، وهذا هو السبب في أنهم صادروا الديوان، وسجنوا فريدًا ستة أشهر وعبد العزيز جاويش ثلاثة أشهر.
كانت هذه الصيحة صيحة زعيم سياسي ربما لم يتح له أن يدرس الأدب الغربي دراسة عميقة أو أن يشغل به ولقد خاض في حديث الشعر والتجديد فيه عدد غير قليل من النقاد الذين تأثروا بالأدب الغربي. ودرسوه في مواطنه قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، درسوا الأدب التي كان موجودًا قبل الحرب لا الذي جد في خلالها وعقب انتهائها؛ لأن هذا الأخير كان أدبًا تافهًا يرمي إلى الترويح عن تلك النفوس التي اصطلت بنار الحرب أربع سنين كاملة، والتي شاهدت
стр. 644
المئات والألوف والملايين تحصد حصدًا، والمدن تدمر تدميرًا، فصارت لا تؤمن بالمثل العليا، والقيم الأخلاقية، ولا يبقى على شيء من الفضائل، إذ لا فائدة من هذا كله والحرب تحطم كل شيء فالأولى لهذه البشرية أن تقبل عن اللذات بنهم، وتتزود منها ما استطاعت قبل أن تذهب إلى جحيم الحرب، وأخذ الأدباء -للأسف- في أوربا يتملقون تلك النزعات، ويغذونها بأدب رخيص كله شهوة عارمة، ولذة تافهة.
تأثير بعض نقادنا بكبار الأباء الأوربيين الذين لم يشاهدوا تلك الحركات الهداية لمعنويات البشرية وحضارتها، ورجعوا يدعون قومهم إلى أن يجددوا في أدبهم، وأن يجعلوه ممثلًا لعصرهم وبيئتهم والحضارة التي يتقلبون في أحضانها. دعوا إلى الثورة في الأدب شعرًا ونثرًا، والذي يعنينا الآن هو الشعر، فلم تكن الثورة على الغرض وحده كما رأيت عند محمد فريد، ولكن الثورة كانت على لغته، وعلى أسلوبه، وعلى معانيه، وعلى أغراضه، وأن نقتفي في شعرنا آثار الشعر الغربي في كل هذا.
وقد حاول الشيخ نجيب الحداد١ أن يوازن بين الشعرالعربي والغرب في اللفظ، والقافية، والمعنى، وليضع أمام المجددين حقائق عن الشعر الغربي يسيرون على هديها وبين أن وزن الشعر عندنا يختلف عن وزنه عندهم، فالشعر العربي يعتمد على التفاعيل، والشعر الغربي يعتمد على "الأهجية اللفظية" وهي كل نبرة صوتية تعتمد على حرف من حروف المد، سواء كل ذلك الحرف وحده، أو مقترنًا بحرف صحيح، ويسمون هذه الأهجية "أقدامًا" وأطو لها ما تركب من اثني عشر هجاء، وأقصرها من هجاء واحد، ويجوز للشاعر أن ينظم القطعة بحيث يكون أول أبياتها اثني عشر هجاء واحد، وينزل بها تدريجًا إلى هجاء واحد، كالحال في بعض الموشحات، وثمة فرق آخر وهو أنهم يصلون بين البيتين في المعنى واللفظ، وقد كان هذا عيبًا عند العرب، ولقد عابوا النابغة الذبياني لقوله:
стр. 645
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواقف صادقات ... أتيتهم بصدق الود مني
وقيام الوزن في الشعر الغربي على عدد الأهجية مما يسهل نظمه كثيرًا، ويبيح للشاعر أن يقدم ويؤخر في ألفاظ البيت ما شاء، ويضع في أثنائه اللفظة التي يريدها ولا يختل معه الوزن، وعلى العكس من ذلك الشعر العربي الذي يعتمد وزنه على التفاعيل من الأسباب والأوتاد، فإن تقديم الحرف الواحد أو تأخيره فيه قد يؤدي إلى اختلال الوزن بجملته، أو نقل البيت من بحر إلى بحر.
والقافية في الشعر الغربي لا تلزم في أكثر من بيتين، ولذلك كان شعرهم كالأراجيز عندنا، ولهم فيها قيد آخر هو تقسيم القافية إلى مذكرة ومؤنثة ويتطلبون أن تكون كل قوافي القصيدة مؤنثة فمذكرة على التوالي بحث لا يتوالى بيتان على قافية مذكرة أو مؤنثة ويريدون بالقافية المؤنثة ما كانت مختومة بحرف علة، وبالمذكرة ما كانت مختومة بحرف صحيح١ ومع أن القافية لا تلزم في أكثر من بيتين فقد برم بها كثير من شعرائهم، حتى تخلص بعضهم منها وأوجد ما يسمى بالشعر المرسل أو "الأبيض" لا يلتزمون فيه قافية، ولا يتقيدون بغير وزن، وهو شائع في الشعر الإنجليزي، ومنه معظم شعر شكسبير المسرحي، ينظمون المقطوعة الواحدة من الشعر على عدة أوزان مختلفة، ولا تنطبق في مجموعها على الذوق السماعي، كما يوجد عندنا في بعض الموشحات.
أما ما يميز شعرهم من جهة المعنى فهم يلتزمون الحقائق في نظمهم التزامًا شديدًا، ويبعدون عن المبالغة والإطراء بعدًا شاسعًا، فلا تكاد تجد لهم غلوًّا، ولا إغراقًا، ولا تشبيهًا بعيدًا، ولا استعارة خفية، ولا خروجًا عن الحد الجائز المقبول من المعاني الشعرية وهم في هذا أشبه ما يكونون بشعراء العصر
стр. 646
الجاهلي، فأحسن الشعر عندهم أصدقه، وهم لا يقدمون بين يدي أغراضهم نسيبًا أو غيره، ولا يفتخرون في شعرهم إلا نادرًا.
ومما انفردوا به كذلك وضع الروايات التمثيلية شعرًا، وقد مكنهم هذا من التحليل والتطويل، وإظهار شخصيات عدة، وصور متباينة من العادات والأخلاق والأشخاص١" وهذا النقد، أو التعريض بخصائص الشعر الغربي جعل بعض الشعراء يحاولون الخروج على تقاليد الشعر القديم، بل إن بعضهم حاول النظم بالشعر المرسل، والذين تجرءوا على هذا أغلبهم من شعراء المهجر وقلة من أدباء مصر منهم عبد الرحمن شكري وقد نظم به قصيدته "كلمات العواطف" التي أنهى بها الجزء الأول من ديوانه "ضوء الفجر" وقد جاءت مفككة النسج، كل بيت منها لا يكاد يتصل بما قبله أو بعده، ولم يكن ثمة ضرورة لأن يهجر القافية إذ لم تكن قصة طويلة متلاحمة النسج قد تتعثر فيها القافية.
كما نجد له من هذا النوع أقصوصتين في الجزء الثاني إحداهما "واقعة أبي قير" والثانية "نابليون والساحر المصري" وقد وفينا الكلام عن شكري حقه في غير هذا الموضع٢ ومنهم محمد فريد أبو حديد، وعلى باكثير في بعض مسرحياته محاولًا تقليد شكسبير، بيد أن محاولاتهم باءت بالإخفاق لأن طبيعة الشعر العربي تأبى هذا اللون الشعري الخالي في موسيقى القافية وإن سلم لمحمد فريد أبو حديد بعض من هذا الشعر في ديباجته وموسيقاه. ويجب هنا أن تفرق بين نوعين من الشعر أحدهما الشعر المرسل Blank verse والثاني الشعر الحر Verse Libre أم الأول فهو موزون ولكن لا يتقيد بقافية، والثاني لا يتقيد بقافية ولا وزن٣.
ويقول الأب لويس شيخو عن هذا النوع من الشعر: "ومما سبق إليه أدباء عصرنا تدون مثال في لغتنا ما دعوه بالنثر الشعري، أو الشعر المنثور، كأنه جامع بين خواص النثر والنظم، أما النثر فلأنه على غير وزن من أوزان البحور، وأما
стр. 647
النظم فلأنهم يقسمون مقاطعه ثلاث ورباع وخماس، وأزيد، دون مراعاة أعدادها، ويسبكونها سبكًا مموهًا بالمعاني الشعرية.
وهذه الطريقة استعارها على ظننا الكتبة المحدثون كأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومن جرى مجراها من الكتبة الغربيين، ولا سيما الإنكليز في ما يدعونه بالشعر "الأبيض" غير المقفى، وفي بعض كتاباتهم الشعرية المعاني غير المقيدة بالأوزان ولسنا نفي هذه الطريقة الكتابية التي تخلو من مسحة الجمال في بعض الظروف، اللهم إلا إذا روعي فيها الذوق الصحيح، ولم يفرط في الاتساع فيها فتصبح لغطًا وثرثرة. على أننا كثيرًا ما لقينا في هذا الشعر المنثور قشرة مزوقة ليس تحتها لباب، وربما قفز صاحبها من معنى لطيف إلى قول بذيء سخيف، أو كرر الألفاظ دون جدوى، بل بتعسف ظاهر ومن هذا الشكل كثير من المروحين للشعر المنثور من مصنفات الريحاني، وجبران، وتبعتهما، فلا تكاد تجد في كتاباتهم شيئًا مما تصبو إليه النفس للشعر الموزون الحر، من رقة شعور وتأثير. خذ مثلًا وصف الريحاني للثورة:
ويومها القطيب العصيب ... وليلها المنير العجيب
ونجمها الآفل يحدج بعينه الرقيب
وصوت فوضاها الرهيب، من هتاف ولجب ونحيب، وزئير، وعندلة، ونعيب
وطغاة الزمن تصير رمادًا ... وأخياره يحملون الصليب
ويل يومئذ للظالمين ... للمستكبرين والمفسدين
هو يوم من السنين ... بل ساعة من يوم الدين
ويل يومئذ للظالمين
ومثلها من شعر جبران قوله:
стр. 648
تنبئق الأرض من الأرض كرهًا وقسرًا
ثم تسير الأرض فوق الأرض تيهًا وكبرًا
وتقيم الأرض من الأرض القصور والبروج والهياكل
وتنشئ الأرض في الأرض الأساطير والتعاليم والشرائع
ثم تمل الأرض أعمال الأرض فتحرك من هالات الأرض الأشباح والأوهام والأحلام. ثم يراود نعاس الأرض أجفان الأرض فتنام نومًا هادئًا عميقًا أبديًّا.
ثم تنادي الأرض قائلة للأرض
أنا الرحم، وأنا والقبر. رحمًا وقبرًا، حتى تضمحل الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد. فلعمري هذه ألغاز لا شيء فيها منظوم رائق ولا منثور شائق، وهي أقرب إلى الهذيان والسخف منها إلى الكلام المعقول١".
ومن هذا الضرب الذي سموه شعرًا منثورًا ما قاله أمين الريحاني يحيى مصر:
أكبر الشرقيات الباسمات للدهر ... وأحدث الشرقيات الناهضات
هي أول من حل ميزان القسط ... وأول من استرق العباد
لها الصولجان المرصع الماسات ... والسوط الملطخ دما
هي أول من قال للموت لا ... وأول من قال للحياة نعم
لها في الوت حياة وفي ... الحياة المآثر الخالدات
مصر آية الزمان، ابنة فرعون ... معجزة الدهر فتاة النيل
ومن كلام جبران في هذا النوع من النثر الذي سماه شعرًا منثورًا؛ لأنه غص بكثير من الاستعارات والكنايات والمجازات وأنواع الخيال، قوله يناجي الليل:
يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين ... يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة
стр. 649
يا ليل الشوق والصبابة والتذكار
أيها الجبار الواقف بين أقزام المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج بالقمر المتشح بثوب السكوت، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغي بألف أذن إلى أنه الموت والعدم.
في ظلالك تدب عواطفك الشعراء، وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء، وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكرين.
أنا مثلك يا ليل، أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب وليس لظلمتي بدء، ولا لأعماقي نهاية".
لعلك ترى في هذا الذي يسمونه شعرًا، أنه غير موزون مقفى، فهو من نوع ما يسمى بالشعر الحر وهي تسمية فيها كثير من التعسف؛ لأن من أهم أركان الشعر أن يكون موزونًا منغمًا، وقد ورد مثل هذا الكلام المليء بضروب الاستعارات والمجازات لدى الأقدمين ولا سيما مدرسة ابن العميد، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على تسميته شعرًا؛ لأن للنغمة الموسيقية في الكلام روعة وأسرًا يجعلانه أنفذ إلى القلب وأسرع في التأثير وبدونها يصير نثرًا أدبيًّا، ويختلف عن الشعر في تأثيره وروعته.
وقد قال مصطفى صادق الرافعي عن هذا النوع من الشعر الذي خرج فيه الشعراء على تقاليد الشعر العربي القديم سواء كان شعرًا حرًّا مثل الذي قدمته آنفًا أو شعرًا مرسلًا كقصيدة "إيليا أبو ماضي" الشاعر والسلطان الجائر: "نشأ في أيامنا ما يسمونه: الشعر المنثور، وهي تسمية تدل على جهل واضعيها ومن يرضاها لنفسه فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب، ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الإخلال لأوهى علة، ولأيسر سبب، ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصل طبع، وأسلم ذوق، وأنصع بيان فمن أجل ذلك لا يحتمل شيئًا من سخف اللفظ، أو فساد العبارة، أو ضعف التأليف. غير أن النثر يحتمل كل أسلوب، وما من صورة فيه إلا ودونها صورة تنتهي إلى العامي الساقط،
стр. 650
والسوقي البارد، ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على شئت منه، وما يتفق فيه من الحسن الشعري، فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم، لا حين يتغنى، فمن قال: الشعر المنثور، فأعلم أن معناه عجز الكاتب عن الشعر من ناحية، وإدعاؤه من ناحية أخرى١".
لقد كان هؤلاء السوريون المهاجرون إلى مصر وإلى أمريكا ثائرين على الأدب العربي القديم ثورة جامحة، وحاولوا أن يجددوا على نمط الشعر الغربي، ويقولون: "لسوء حظنا أن آدابنا العربية قصرت عن مجاراة الحياة لأجيال كثيرة، فكان نصيبها الجمود والخمود، فقد مرت بنا قرون ونحن لا نجد نغمة نلحنها سوى نغمة القدماء، فإن تغزلنا فبلسان العيس، وإن ندينا فبلسان باكي الأطلال، والدمن، وإن هزتنا الحمامة طعنَّا بالهندوابي والأقني، وإن مدحنا أنزلنا الشمس عن عرشها، وكسفنا البدر ووطئنا هام الثريا، ولجمنا أمواج البحار. زد على ذلك أن غزلنا تكلف، وبكاءنا بلا حرقة، ولا دموع، وحماستنا بلا شعور، ومديحنا مغالاة واختلاق باختلاق فآدابنا ليست إلا جثة بلا روح؛ لأنها تحاول تقليد القدماء، وناسية أن روح مصر وسوريا اليوم ليست روح عدنان وقحطان واليمن أو بغداد أو غرناطة أو أشبيلة من ألف أو ألفي سنة٢".
ولم يكتف شعراء المهجر بهذه الدعوة إلى التحرر من تقاليد الأدب العربي وزخارفه ومبالغاته. حول دعوا إلى أن الشعر يجب أن يمثل الحياة: فالحياة والأدب توأمان لا ينفصلان وإلى أن نظم الشعر "ممكن في غير الغزل والنسيب والمدح والهجاء، والوصف، والرثاء، والفخر والحماسة"٣.
وثاروا على العروض والأوزان ثورة عنيفة كما رأيت في الأمثلة التي سقتها إليك٤، وهذا هو جيران خليل في مقاله: "لكم لغتكم ولي لغتي" يثور على كل شيء يثور على اللغة، فلا يعترف بمعاجم، ويثور على "العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز" ويثور على الأغراض فيقول:
стр. 651
"لكم منها الرثاء والمديح والفخر والتهنئة ولي منها ما يتكبر عن رثاء من مات وهو في الرحم، ويأبى مديح من يستوجب الاستهزاء ويأنف من تهنئة من يستدعي الشفقة، ويترفع عن هجو من يستطيع الإعراض عنه، ويستنكف من الفخر، إذ ليس في الإنسان ما يفاخر به سوى إقراره بضعفه وجهله"١.
ويرى صاحب الغربال أن الكاتب أو الشاعر في حال من الخطأ اللغوي ما دام الغرض الذي يرمي إليه مفهومًا، واللفظ الذي يؤدي به معناه مفيدًا، ويرى أن التطور يقضي بإطلاق التصرف للأدباء في اشتقاق المفردات وارتجالها٢.
لقد تأثر هؤلاء الأدباء المهاجرون بالأدب الإنجليز أيما تأثر، وقلدوه في بعض أنواعه وهو الشعر المرسل، والشعر الحر، وترسموا خطى "ولت ثمان" الأمريكي "Walt Witman" ب٣ في ديوانه الذي أودعه شعره الحر، وسماه أوراق العشب Leaves of Grass وقلدوه٤ كذلك في كثرة الحديث عن النفس، وتأملاتها، وفي الكلام عن الضمير والوحدة وفي نزعته الصوفية٥.
لقد هاجر هؤلاء إلى أمريكا شماليها وجنوبيها تحت الضغط الاقتصادي في بلادهم، وهربًا بحريتهم من أن تعصف بها عوامل التعصب الديني الذي بلغ أشده في آخريات القرن التاسع عشر، وكذلك استبداد الولاة وطغيانهم، حيث كبتوا الحريات، وكمموا الأفواه، وساموا الأحرار الخسف وسوء العذاب، فآثروا الهجرة حتى لا يساموا الضيم والخسف، وسوء العذاب، فأثروا الهجرة حتى لا يساموا الضيم والخسف، ويعانوا الفقر والذلة في بلادهم، وما أن هاجروا حتى شعروا بالحرية الواسعة ولا سيما حرية القول والعقيدة، فانطلقوا على سجيتهم، وفي ذلك يقول جورج صيد يصف هذا المهاجر:
كمت الأوطان فاه فاعتلى ... منير المهجر يستوفي كلامه
واعتقد أن لهذه الحرية أثرًا كبيرًا في نزعتهم الثورية على كل القيم في
стр. 652
بلادهم ولا سيما هؤلاء الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية وعلى رأسهم جبران، ونعيمة، وعريضة؛ لقد كان ذلك أشبه برد فعل للكبت الشديد الذي عانوه في بلادهم، وللحرمان المزري الذي دفعهم إلى ترك الوطن الحبيب، ولقد عبر الشاعر القروي سليم الخوري عن الدوافع التي حفزته إلى الهجرة بقوله وهو يودع قريته بلبنان قبل الرحيل عنها:
أبيت جوارها أرضًا ... بغير الذل لا ترضى
بلاد خسفها أمسى ... على أبنائها فرضًا
أحس يد الرجاء فلا ... أحس لقلبه نبضًا
إنه لم يهاجر حتى يئس ولم يجد بارقة من أمل أو رجاء تحبب إليه الإقامة. ولقد تفاوتوا في تحررهم وثورتهم على تقاليد الأدب العربي القديم وعلى اللغة فكان المهاجرون في أمريكا الشمالية أشد ثورة من سواهم ولا سيما أبناء الرابطة القلمية التي أسست في نيويورك سنة ١٩٢٠ وعلى رأسهم جبران، ونعيمة، وعريضة، وأبو ماضي ورشيد أيوب ممن تأثروا إلى حد ما بالأدب الغربي ولا سيما بالأدب الرومانتيكي الذي يعزز النزعة الفردية، والتعبير عن الذات وخلجات النفس في يأسها ورجائها وحزنها وفرحها، وصحتها ومرضها، وفقرها وغناها، وآمالها وآلامها: فنزعوا إلى الشعر الوجداني الذاتي، وكرهوا الأدب التقليدي الذي لا يصدر عن شعور وإحساس، واشتدت حملتهم عليه كما رأيت في كلام جبران.
كما أن شعورهم بالعزلة في هذه المدن الصناعية الكبرى التي يتطاحن فيها البشر ويتصارعون على المادة، ولا يجد فيها الغريب إلا الوحشة والضيق جعلتهم يعكفون على أنفسهم ويكثرون من تأملاتهم.
استمع إلى إيليا أبي ماضي يصور هذه الحيرة التي يعانيها المغتربون في زحمة الحياة الأمريكية:
نحن في الأرض تائهون كأنا ... قوم موسى في الليلة الظلماء
ضعفاء محقرون كأنا ... من ظلام والناس من لألاء
واغتراب القوى عز وفخر ... واغتراب الضعيف بدء الفناء
стр. 653
وقد أبدع الشاعر القروي حين قال في تصوير هذه الحالة وإن كان من المهاجرين إلى الجنوب:
في وحشة لا شيء يؤنسها ... إلا أنا والعود والشعر
حوالي أعاجم يرطنون فما ... للضاد عند لسانهم قدر
ناس ولكن لا أنيس لهم ... ومدينة لكنها قفر
كما شعروا في غمرة هذه الحياة المادية بحاجتهم الماسة إلى روحانية الشرق التي افتقدوها في غربتهم، وزادهم شظف العيش، والجهاد المرهق في سبيله شعورًا بوطأة الحياة المادية المضطرمة حولهم، فنزع كثير منهم نزعة تصوفية، وقد صور جورج صيدح هذه الحالة النفسية بقوله:
عز من يفهم شكوى روحه ... رب حشد فيه بالروح انفرد
وهذا هو مسعود سماحة يتجه إلى الله يشكو إليه حاله ويصور العقد التي تئود نفسه ويلجأ إلى خالق الكون ليفرج من كربته.
الملك ملكك والبهاء بهاكا ... والأرض أرضك والسماء سماكا
الكون مغ ما فيه من متحرك ... أو ساكن قد كونته يداكا
لا مسعف إلاك، لا متساهل ... إلاك لا متسلط إلاكا
وقد أكثروا من الابتهالات والتضرعات إلى الله سبحانه ليخفوا عن نفوسهم ما يحزبها، ويذكرنا شعرهم بمتصوفة المشرق. استمع إلى نسيب عريضة وقد أضناه الجهاد في سبيل العيش، وحار في دروب الحياة يقول متوجهًا إلى الله جل وعلا:
أيا من سناه اختفى ... وراء حدود البشر
نسيتك يوم الصفا ... فلا تنسنى في الكدر
أيا غافرًا راحمًا ... يرى ذل أمسى وغد
معاذك أن تنقما ... وحلمك ملء الأبد
مراعيك خضر المنى ... هي المشتهي سيدي
وجسمي دهاه العنا ... حنانيك خذ بيدي
стр. 654
ولذلك كله كان إقبالهم على قراءة "ويتمان" وحبهم له وتأثرهم به والتقائهم معه في منازعة لظروفهم التي ذكرت طرفًا منهم مع تأثرهم بالنزعة الرومانتيكية بعامة.
كان مهاجرو الشمال أكثر ثورة على اللغة العربية وعلى تقاليد الأدب الموروث من شعراء الجنوب الذين حافظوا على "أصول اللغة بقوة وروعة؛ لأن بضاعتهم كانت كلها شعرًا، ومن الصنف الممتاز بجودة الصياغة وحرارة العاطفة ورخامة النغم؛ ولأن النزعة القومية كانت الغالبة عليهم، فالشعوب التي ترزح تحت الاحتلال أو الانتداب، المتعطشة إلى الانعتاق من نير الاستعمار لا يستهويها في محنتها مثل الشعر الوطني الحماسي الصادق النبرات الذي يعبر عن واقعها وعن شعورها وعن أمانيها١".
انهارت الرابطة القلمية بعد موت جبران في سنة ١٩٣١، ولكن الشعر المهجري وجد دعامته في العصبة الأندلسية التي أسست في سان باولوا سنة ١٩٣٢، فكان هؤلاء أكثر حفاظًا على تقاليد الأدب العربي واللغة من سواهم، ومن أشهرهم الشاعر القروي سليم الخوري، وإلياس فرحات وآل المعلوف، وإن ظل إيليا أبو ماضي في الشمال يوالي نتاجه الرائع حتى توفي في ٤ من نوفمبر ١٩٥٧.
ويتسم الشعر المهجري -بعامة: شماليه وجنوبيه- بهذه الحرية في التعبير وبالتأمل في الكون وفي الإنسان فردًا وفي المجتمع وفي الطبيعة وفي حقيقة الوجود والبحث عنها، وفي النزعات التصوفية عند اشتداد الأزمات النفسية.
لقد كان الانطلاق، والانعزال عن دنيا الإقطاع الفكري، وعن الأوساط الرجعية في الوطن هي السبب في شعورهم الحاد بالحرية وبالذاتية، وقد بلور ميخائيل نعيمة رأيه في الشعر الذي يدعو إليه ووضع مقاييس حتى يؤدي الأدب مهمته الحقيقية في الحياة ويلبي رغبات النفس بقوله: "الغربال" مبينًا هذه الحاجات:
стр. 655
أولًا: حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية: من رجاء وبأس وفوز وفشل وإيمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة، وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات والتأثرات.
ثانيًا: حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من نور نهتدي به غير نور الحقيقة، حقيقة ما في أنفسنا، وحقيقة ما في العالم من حولنا، فنحن وإن اختلف فهمنا عن الحقيقة لسنا ننكر أن في الحياة ما كان في عهد أدم ولا يزال حقيقة حتى اليوم، وسيبقى حقيقة حتى آخر الدهر.
ثالثًا: حاجتنا إلى الجميل في كل شيء، ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال، كل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال، فإنا وإن تضاربت أذواقنا فيما نحسبه جميلًا وما نحسبه قبيحًا لا يمكننا التعامي عن أن في الحياة جمالًا مطلقًا لا يختلف فيه ذوقان.
رابعًا: حاجتنا إلى الموسيقى، ففي الروح ميل عجيب إلى الأصوات، والألحان لا ندرك كنهه، فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق، ولكنها تنكمش من الأصوات المتنافرة وتأنس بما تآلف منها".
ولا ريب أن هذه الحاجات إنما تعبر عن حاجات النفس الفردية لا حاجات الجماعة، وليس تحقيق هذه الحاجات هو كل الشعر.
ولست أريد في هذه المرحلة من الكتاب أن أدرس أدبهم، وأحلل نزعاته وأغراضه، ولكني أقول: إنهم تركوا تقليد الأدب العربي ليقعوا في تقليد أدب غربي، وفي تقليد شاعر بعينه، ولقد حاولوا أن يوجدوا لهم أنصارًا في مصر، وقد التقوا مع المجددين في الشعر من المصريين أمثال العقاد والمازني، بيد أن هؤلاء وإن وافقوهم في أشياء، فإنهم أنكروا عليهم ركاكة أسلوبهم، وتساهلهم في اللغة وخطأهم١.
لم يسر في ركاب شعراء المهجر أحد من أدباء مصر إلا نفر قليل أمثال الكاتبة السورية "مي زيادة" حاولوا كتابة ما سموه بالشعر المنثور، ولكنهم ما
стр. 656
لبثوا أن أقلعوا عنه؛ لأنه لم يجد قبولًا من أذواق المصريين، كما لم تجد نظراتهم التشاؤمية، ونزعتهم المغرقة في التحليل النفسي والتصوف الحزين رغبة في الشرق بعامة بادئ الأمر حينما كان هناك شعراء أقوياء يشبعون أرواح المتأدبين ويعبرون عما يجيش في نفوسهم أمثال شوقي وحافظ ومطران وعلي محمود طه، فلما ضعف صوت هذا الشعر أو كاد تطلع العرب من المشرق إلى شعر المهجر ودرسوه ووجدوا في كثير منه صورًا جديدة ونغمًا جديدًا فأقبلوا عليه وظهرت فيه عدة دراسات في السنوات الأخيرة دليل الاهتمام والإعجاب، وكان لدعوتهم إلى هجر بعض أغراض الشعر العربي القديم ولا سيما المديح والفخر والهجاء صدى في أدبنا الحديث.
أما نقاد مصر فقد اختلفوا شيعًا، فهيكل يدعو إلى الأدب القومي١، ويلح في كثير من كتبه أن نتجه في أدبنا اتجاهًا قوميًّا، ويرى أن مصر الحديثة أقرب إلى مصر الفرعونية منها إلى مصر الإسلامية، وعقد موازنات شتى بين ما تخلف عند المصريين المحدثين من عادات، وبين ما كان عند الفراعنة، كحفلات الزواج وحفلات الجنازة، وتعظيم الأولياء، ويدعو إلى أن نقتبس في أدبنا الحديث من تاريخ الفراعنة "وأن يعمل مؤرخونا وأدباؤنا ليتمثل ابن اليوم هذا الميراث المجيد فيجمع ذهنه وقلبه وفؤاده وتصوره وخياله ما كان لمصر في ميادين العقل والعلم والخيال من مجد وعظمة، تنقلت في تاريخ مصر على كاهل القرون" حتى وصلت إلينا، ويدعو إلى استجلاء عظمة تلك الآثار الباهرة التي خلفها قدماء الأدب القومي الذي ارتآه والذي يستلهم تاريخ مصر القديم، فأنشأ عدة قصص تدور حول الفراعنة مثل "إيزيس" و"راعية هاتور" و"أفروديت" وغيرها.
وهو يرى أن محاولاته في الأدب القومي لم تبلغ حد الكمال، ولا قاربته، وأنه يضع بها نماذج مقتفيًا آثار شكسبير، وأناتول فرانس، وبرناردشو في محاولاتهم الكتابة عن قدماء المصريين، وإن لم يدنهم في روعة أدبهم٢.
стр. 657
ومن العجيب أن بعض أدبائنا في مستهل هذا القرن حاولوا أن يتنكروا لعروبة مصر وإسلاميتها، وأن يدفعوها إلى الوراء قرونًا حتى تتعلق بأذيال الفرعونية متلمسين أسبابًا واهية لذلك من مثل ما ضربه هيكل من عادات الزواج وحفلات الجنازة وتنظيم الأولياء، مع أن هذه أمور استقرت في مصر منذ العهد الإسلامي، وهي طبيعية في كل الأمم: فلطم الخدود وشق الجيوب، وصبغ الوجوه بالسواد، وخروج النساء وراء الميت، عادت عرفها عرب الجاهلية، ونهى عنها الإسلام وهي ظاهرة تلفت النظر لدى الشعوب البدائية، أما زف العروس، ودق الطبول، وإطلاق الزغاريد وراء العروس فمما يمارسه الناس في كل أمة ولسنا نجد فيه بدعًا. وأما تعظيم الأولياء فقد كان للفاطميين أثر عظيم في تمكينه بنفوس المصريين، ومعظم أولياء مصر من آل البيت، وكما يوجد كذلك في كل بلد اعتنقت المذهب الشيعي مثل هذه الأضرحة كبلاد إيران وبعض نواحي العراق والمغرب.
وإن من التكلف والتعسف أن نرجع بعادات المصريين وتقاليدهم إلى قدماء المصريين، وقد عفى البطالسة والرومان في سنوات طويلة على آثار هذه التقاليد الوثنية، ولا سيما بعد أن دخلت مصر المسيحية على يد الرومان، ولما جاء العرب لم يجدوا للغة الفرعونية ولا للتقاليد الفرعونية أثرًا في حياة المصريين، أجل! إن هناك بعض رواسب فرعونية ممثلة في قليل من الألعاب التي يمارسها أطفال المصريين في الريف ككرة اليد وكرة المضرب وغيرهما، ولكن هذا لا يجعل مصر الحديثة أقرب إلى مصر الفرعونية منها إلى مصر الإسلامية كما يدعي هيكل.
والأغرب من هذا أن يدعي الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل التعليم في مصر أن مصر أقرب إلى اليونان منها إلى العرب والمسلمين، ولعل السبب في هذه النزعات هو حب التظاهر بالتجديد، والخروج على المألوف، أو التأثر بالحملات الاستعمارية على الإسلام وبحسبك أن هؤلاء الذين أنكروا يومًا عروبة مصر وإسلاميتها صاروا اليوم من أكبر الدعاة لهذه العروبة ومن أشد المدافعين عنها، وبحسبك كذلك أن هؤلاء الذين تهجموا على الدين الإسلامي في مستهل حياتهم الأدبية حتى تشتهر أسماؤهم ويلهج بها الناسلم ينالوا جوائز الدولة إلا
стр. 658
على كتبهم الإسلامية مثل: "على هامش السيرة" لطه حسين. و"أبو بكر الصديق" لهيكل؛ لأنها أحسن نتاجهم.
وليس تاريخ مصر القديم وحده هو مصدر الأدب القومي في رأي هيكل، بل عنده أن وصف الطبيعة المصرية، وما فيها من جمال فتان من صميم الشعر القومي، وقد عقد لذلك فصلًا كاملًا في كتابه ثورة الأدب، بين فيه ما يجب على الشعراء حيال هذا الجمال في الطبيعة المصرية. "لكن العجب هم أولئك الذين نسميهم شعراء مصر وكتابها ورجال الفن فيها. هؤلاء كذلك يشعر أكثرهم إزاء ما في بلادهم من جمال يمثل شعور هؤلاء الذين يسمونهم جماعة المتعلمين في مصر، فقل منهم من تهتز عاطفته لمشهد هذا الجمال إلى حد يهز شاعريته أو فنه اهتزازًا يخرج من نفوسهم صيحات صادقة كلها تأليه لهذا الجمال وعبادته وتقديسه، ويستثير من أوتار شاعريتهم أو خيالهم هذه الأناشيد التي تدفع بالفارس ليلقى بنفسه في غمار "التيبر"١ متغنيًا: "أيها التيبر! يا أبانا التيبر! يا من يسبح الرومان بحمده! إليك حياة روماني وعدة حربه، خذهما اليوم في رعايتك"؛ بل إن أحدهم ليحس أحيانًا بأن واجبًا عليه أن يتحدث عن بلاده وتاريخها وعن جمالها، فإذا قرأت حديثه وجدت فيه من جمال العبادة ما يخلبك، ولكنك وجدته خلوًا من الشعور الصادق، والإحساس العميق. وكل شعر وكل أدب، وكل فن ليس صادرًا عن شعور صادق، وإحساس عميق، لا حياة فيه ولا بقاء له، وسر هذا الجمود في تقدير جمال بلادنها ضعف الإيمان في نفوس شعرائنا وأدبائنا وكتابنا وذوي الفن فينا بالجمال٢.
وأخذ هيكل يتغنى بجمال النيل، ويحاول أن يكشف عن مفاتنه لأدبائنا وشعرائنا، ويغريهم بالذهاب إليه والتملي من محاسنه، حتى يكون إحساسهم بالجمال عميقًا، وحتى يستلهموا هذا النهر الذي يفوق في جماله كل أنهار أوربا وما يحيط بها، بل "أين أنت يا أنهار أوربا، وأنهار العالم من نيلنا السعيد، المبارك الغدوات، الميمون الروحات؟ ".
يدعو هيكل الشعراء والأدباء إلى تمجيد الطبيعة المصرية حتى يحببوا فيها بني قومهم، ويكشفوا لهم بما أوتوا من حساسية مرهفة، وذوق صاف، وشعور
стр. 659
فياض بالجمال، وقدرة فائقة على التعبير عن هذا الجمال، "لو أن رهطًا من الشعراء والكتاب، وأرباب الفن استلهموا هذا النيل ودونوا وحيه، لرأيت صاحبي الذي هز كتفيه حين ذكرت له إعجابي بالنيل وجماله أشد بنيل بلاده إعجابًا منه بجمال سويسرا، أو أية بقعة ساحرة من بقاع العالم، نعم! فالفن يسكب الجمال في النفوس الجامدة أمام الجمال، وهو بمال يصنع من هذا يدفع الناس إلى العمل للمزيد من هذا الجمال، وذلك بأنه يحبب إليهم الحياة، ويدعوهم إلى زيادة تجميلها، وإلى معاونة الطبيعة فظهار زينتها وبهجتها"١.
ولا شك أن دراسة هيكل للأدب الأجنبي القديم والحديث، ولا سيما أدباء المدرسة الإبداعية أمثال روسو، وهيجو، وأناتول فرانس، وشاتو بريان، ولا مارتين، وغيرهم هو الذي أوحى إليه بأن يهز أدباءنا تلك الهزة القوية لعلهم يستيقظون، ولكننا نقول تقريرًا للحقيقة: إن تلك النزعات القومية التي دعا إليها هيكل، وتغنى بها، وحث الشعراء عليها: من إحياء التاريخ القديم، وتغنيه بالطبيعة، وقد ظهرت في شاعر مصري قوية جذابة من أول نشأته الشعرية، وذلك هو شوقي، فقصيدته: "كبار الحوادث في وادي النيل" التي قالها في مؤتمر المستشرقين بجنيف عام ١٨٩٤ والتي مطلعها:
همت الفلك واحتواها الماء ... وحداها بمن تقل الرجاء
"رواية من الروايات الخالدة لتاريخ مصر منذ الفراعنة إلى عهد أبناء محمد علي، وقف فيها الشاعر وقفة مصري، صادق العاطفة تفيض عليه ربة الشعر تاريخ بلاده منذ عرفها التاريخ٢ وليست هذه القصيدة اليتيمة التي قالها شوقي في مصر، بل إنه أحس بما أحس به هيكل، وسبقه في شعوره، وفي إبراز هذه الفكرة، واستجابته لجمال بلاده، ولإيمانه العميق بها، فقال عدة قصائد في تاريخ مصر قديمًا وحديثًا كقصائده على سفح الأهرام، وأبي الهول، وتوت عنخ أمون، وأنس الوجود، وأنت إذا تقرأ هذه القصائد يهزك الشعور بصورة هذا الماضي في
стр. 660
قداستها ومهابتها، وتملك نفس المشاعر فترتفع بك عن مستوى الحياة الدنيا إلى سماوات الخلد. ذلك بأن شوقي يهديك المعنى الذي كانت تلتمسه نفسك فلا تقع عليه، ويرسم أمامك بوضوح وقوة وسمو خيال ونبل عاطفة كل ما ينبض به قلبك، ويهتز له فؤادك"١.
ولم يكتف شوقي بهذا بل هو كما قدمت لك في غير هذا الموضع قد إبداع الإبداع كله في وصف الطبيعة المصرية، وإظهار جمالها، وفتن بها إلى حد العبادة.
وطنى لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي
واستعرض تاريخ بلاده في خلال الحكم الإسلامي بقصائد رائعة، ووضع روايات عدة في تاريخ مصر القديم والحديث، وأفرد جزءًا خاصًّا من شعره لمجد العرب والإسلام، فشوقي من هذه الوجهة هو شاعر القومية المصرية وهو أسبق من كل هؤلاء الأدباء إلى وضع النموذج الصحيح، في الأسلوب العالي الممتاز في الأدب القومي. إن هذه الصيحات التي جأر بها هيكل كان يقصد بها المزيد من شوقي، والاحتذاء حذو شوقي من هؤلاء الشعراء الذين لم يحركهم جمال بلادهم. ولا شك أن شوقي وهيكل قد تأثرا في هذه الدعوة بما رأيا وقرءوا في الأدب الأوربي، ولعل "تاييس" لأناتول فرانس، و"كليوباترا" لإميل مورو "moreau" - وقد مثلتها سارة برنارد في سنة ١٨٩٠ وشوقي بعدُ طالب في باريس بعض ما أوحي إليه بهذا.
لقد كانت هذه النزعة على أشدها في فرنسا منذ أواسط القرن التاسع عشر، وظهرت عشرات الكتب: والروايات، والمسرحيات، والقصائد في تلك الحقبة تدعو إلى تمجيد الطبيعة وإلى استلهام التاريخ، وقد ظلت كذلك حتى الحرب العالمية الأولى، وقد عاصر شوقي وهيكل٢ كثيرًا من هؤلاء الأدباء والشعراء الذين أولعوا بالطبيعة والتاريخ، وشاهدا مسرحياتهم٣، فتأثرا بهم كل التأثر.
стр. 661
وليست الدعوة إلى الأدب القومي هي كل ما عنى به هيكل، فقد رأى أن الأدب لا يقوم على الألفاظ والعبارات، بل بما يقدمه الأديب من الصور والمعاني، وما تبعثه هذه الصور والمعاني إلى النفس من لذائذ، وإلى المشاعر من اهتزازات، وإلى الخيال من الصور، وإلى الذهن من التفكير، وهذه النفوس القوية لا يمكنها أن تفيض بهذا الإلهام إلا إذا كانت تمثل بيئة خاصة أو عصرًا خاصًّا كما فعل هوميروس، وفيرجيل، وشكسبير، وفولتير، وجوتيه، حيث خلدوا على الرغم من تطور الحياة، وتقدم الحضارة في العالم؛ لأن نفوسهم مثَّلت أمة خاصة وعلمًا خاصًّا، فانطبعت فيها الصفات الخالدة لأممهم؛ والتي لا يأتي عليها تقدم أو تطور١.
وينادي بأن الأدب في مصر، وفي كل بلد عربي يجب أن يكون له طابع خاص يميزه عن الأدب العربي القديم، وإلى أن يكون أدبنا الحديث عنوانًا لحضارتنا، التي هي جزء من حضارة أوربا٢. عنده أن أحسن وسيلة لوضوح شخصية الأديب في أدبه هي اتصال ما يكتب بقلبه، وعقله، وكل حياته. وليس ذلك بمستطاع إلا إذا وصف حياته وحياة قومه ووطنه وكل ما توحي به هذه الحياة للعقل والقلب والحس والشعور مما لا تستطيع حياة أخرى أن تلهمه أو توحي به وبذلك نصل حاضرنا بماضينا٣.
ويعتقد أن جرثومة الأدب المصري المستقبل تكمن في أناشيد الشعب الساذجة التي ينشدها في حفلات الأعراس والمآتم، من ذكريات الحب، والحنان والتضحية والتفجع، وما يرويه الرواة المحليون عن أبطال القرون الغابرة، وما يحكونه من القصص التي يعبر عن خلق الشعب وصبره، وقوة احتماله، وما تحدث به عن عبقريته الفطرية وعن آماله وأحلامه٤.
وهو في هذا متأثر كل التأثر بثقافته الأجنبية فقد ابتدأ يقرأ وهو بعد طالب بمدرسة الحقوق في مصر شيئًا في الأدب الإنجليزي ولفلاسفة الإنجليز
стр. 662
ومفكريهم؛ قرأ كتاب الأبطال لكارليل، والحرية لجون ستيورات مل، والعدل لسبنسر.
ولما ذهب إلى فرنسا استهواه الأدب الفرنسي وآثره على غيره، ورأى فيه من السمو الأدبي ما لا يراه في غيره من الآداب العربية والإنجليزية معًا، وذلك لما فيه من سلاسة وسهولة وقصد ودقة في التعبير والوصف، وبساطة في العبارة وعناية بالمعنى أكثر من العناية باللفظ١. ولم يكن قد اتصل بالثقافة العربية ولا بالدين الإسلامي عن قرب، ولقد عدل من أفكاره فيما بعد واستوحى التاريخ العربي الإسلامي في بعض آثاره حين وجد فيها الروعة والعمق والجلال والمثل الأعلى الذي يرنو إليه.
فهيكل بجانب دعوته إلى الأدب القومي يطالب الأدباء بأن يتجنبوا العناية بالزخرف، والاهتمام بالألفاظ، وأن يحفلوا بالصور والمعاني، ولن يتأتى لهم هذا إلا إذا وصفوا بيئتهم ونفوسهم وحياتهم، ومثلوا عصرهم أتم تمثيل، لا أن يعيشوا في لغة عرب البادية وخيالهم وصورهم ومعانيهم، وأمالهم، وطريقة نظمهم، وأن يهيموا في أودية الشعر بعيدين عن مجتمعاتهم.
ويدعو كذلك إلى ظهور شخصية الأدباء، وذلك بأن يصدر أدبهم عن إحساس وصدق عاطفة، كما يدعو إلى تخليد الأدب الشعبي، وهو لا يقصد بدعوته ذلك الجيل من الشعراء الذي ألف الجمود، واختط لنفسه طريقًا خاصة في الشعر يعسر أن يحيد عنها، وإنما يخاطب جيلًا جديدًا يستطيع أن ينهج بالشعر نهجًا يحقق الغرض منه٢. وكثير مما أراده هيكل قد تحقق عند بعض الشعراء الذين تثقفوا ثقافة عالية، وكان عندهم مرونة عقلية ليتشكلوا حسب زمانهم أمثال شوقي ومطران. اللهم إلا دعوته إلى الأدب الشعبي فإنها لم تتحقق.
كان هيكل من الذين تأثروا بالأدب الفرنسي ونهج طريقة المدرسة الطبيعية الفرنسية، ولم تكن دعوته إلى التجديد هي الأولى في مصر، بل سبقه إلى الثورة
стр. 663
على الأدب القديم وبخاصة على الشعر العربي المعاصر لهم ثلاثة من شباب الأدباء ظهروا في أخريات العقد الأول من القرن العشرين، بعد أن تشبعوا بدراسة الأدب الإنجليزي وهو عبد الرحمن شكري، وعباس العقاد، والمازني.
وكان شكري رائد هذه المدرسة، وكان متمكنًا في اللغة الإنجليزية بحكم دراسته منذ السنة الأولى الابتدائية حتى تخرج في المعلمين العليا سنة ١٩٠٩ وهي السنة التي صدر فيها ديوانه الأول "ضوء الفجر"١ وأعجب شكري كل الإعجاب بشعراء الرومانسية الإنجليزية، وردسورث وكولردج وشيلي وبيرون وكيتس وسكوت، وأخذ يلتهم كل ما أنتجوه في نهم وشراهة، وهو في هذه السن التي تتفتح فيها المواهب وتوجه الملكات، فتأثر بهم في الروح والمنهج، وفهم فهمًا جديدًا لمهمة الشعر غير ما كان يفهمه شعراء العربية قبله.
كان طابع هذه المدرسة الإنجليزية البساطة في التعبير وعدم التقييد بما كان يسمى "المعجم الشعري" the poetic diction.
بل كانوا يؤثرون الكلمات المألوفة الشائعة الاستعمال، ثم الاهتمام بالنفس الإنسانية في أبسط صورها، فلم يحفلوا بالملوك والأمراء ورجال الحاشية والأبطال، كما كانت تحتفي المدرسة الاتباعية "الكلاسيكية"، وإنما فتشوا عن النفس الساذجة البسيطة التي لم يلوثها النفاق الاجتماعي والرياء والزيف، وراحوا يسبرون أغوار نفوسهم ونفوس العامة من الشعب، ويفحصون عما تكنه هذه النفوس في دقة ووضوح، كما أغرموا بالطبيعة غرامًا شديدًا.
كان شعرهم وجدانيًّا ذاتيًّا ينبع من قرارة نفوسهم، ويستوحي مشاعرهم وحدها، ولكنهم لم يكونوا متشائمين، ولم يفعل بهم الأسى ما فعل بإخوانهم شعراء الرومانسية الفرنسية، الذين صبغوا شعرهم صبغة حزينة سوداء؛ نتيجة للكبت وخيبة الآمال في الإمبراطورية التي شيدها نابليون ثم قوضتها رياح الأحداث العاصفة، والخراب الذي حل بفرنسا على أثر تلك الحروب الطويلة التي أثمرت اليتم والترمل والفقر والفراغ القتال.
стр. 664
بيد أن المدرسة الإنجليزية التي أتت بعد زعماء المدرسة الرومانسية الأوائل جنحت إلى الواقعية، وتكتشف لها الطبيعة البشرية في أبشع صورها وتمثل لها ذلك الصراع الدامي في المجتمع الغربي بين الننزعات والرغبات المتباينة، وعبرت عنها تعبيرًا مباشرًا، فجاء أدبها حزينًا كئيبًا متشائمًا، يمثله بروننج، وبو، وويتمان، وتوماس هاردي وأضرابهم.
وقد قرأ لهم شكري كما قرأ لأسلافهم، ومن ثم أصيب بعدوى الحزن والكآبة التي صارت طابع شعره كله، وقد أتيح له أن يذهب إلى إنجلترا عقب تخرجه في مدرسة المعلمين العليا، ومكث ثمة بضع سنوات زادت فيها ثقافته الأدبية واتسعت آفاقها. وقرأ كثيرًا بالإنجليزية عن الآداب الأوربية الأخرى ثم عاد إلى مصر، وزادت صلته وثاقة بالمازني والعقاد، وأخذ يوالي إصدار دواوينه الشعرية حتى بلغت سبعًا في بضع سنين آخرها سنة ١٩١٩ وقد قدم العقاد لديوانه الثاني، كما كتب هو مقدمة الجزء الخامس من ديوانه، وتعتبر هذه المقدمة دراسة طيبة لرأيه في الشعر والطريقة التي يجب أن يسلكها الشعراء، وقد وضع فيها أسس هذا المذهب الجديد في الشعر، ذلك المذهب الذي سلكه صاحباه المازني والعقاد على اختلاف بينهم في الاهتمام بالعاطفة والفكر حيث زاوج شكري بينهما، وأثر المازني العاطفة، وانفرد العقاد بالفكرة.
ويقر المازني بأن شكري هو الذي هداه إلى الطريق السوي في الشعر حيث قال١: "ولقد غبر زمن كان فيه شكري محور النزاع بين القديم والجديد -ذلك أنه كان في طليعة المجددين إذا لم يكن هو الطليعة والسابق إلى هذا الفضل، فقد ظهر الجزء الأول من ديوانه، وكنا يومئذ طالبين في مدرسة المعلمين العليا وكانت صلتي به وثيقة، وكان كل منا يخلط صاحبه بنفسه، ولكني لم أكن يومئذ إلا مبتدئًا، على حين كان هو قد انتهى إلى مذهب معين في الأدب، ورأي حاسم فيما ينبغي أن يكون عليه. ومن اللؤم الذي أتجافى بنفسي عنه أن أنكر أنه أول
стр. 665
من أخذ بيدي وسدد خطاي"، ودلني على المحجة الواضحة، وأنني لولا عونه المستمر لكان الأرجح أن أظل أتخبط أعوامًا أخرى، ولكان من المحتمل جدًّا أن أضل طريق الهدى".
قال المازني هذا، بعد أن جحد فضل شكري، وأساء إساءة بالغة في "الديوان" حيث سماه صنم الألاعيب، وجحد كل ماله فضل، ورماه بالجنون، وجرده من كل صفات الشعراء. مما ألم شكري أشد الألم. وزاده زهدًا في الناس والحياة وتشاؤمًا، فآثر العزلة والانصراف عن قول الشعر إلا لمامًا في أوقات متباعدة، كما قضت هذه المعركة على المازني وصرفته عن قول الشعر.
حدد شكري مهمة الشاعر بقوله١: "ينبغي للشاعر أن يتذكر -كي يجيء شعره عظيمًا- أنه لا يكتب للعامة، ولا لقرية، ولا لأمة. وإنما يكتب للعقل البشري ونفس لإنسان أين كان، وهو لا يكتب لليوم الذي يعيش فيه، وإنما يكتب لكل يوم وكل دهر، وهذا ليس معناه أنه لا يكتب أولًا لأمته المتأثرة بحالتها المتهيئ ببيئتها.
ولا نقول إن كل شاعر قادر على أن يرقى إلى هذه المنزلة، ولكنه باعث من البواعث التي تجعل شعره أشبه بالمحيط -إن لم يكن محيطًا- منه بالبركة العطنة في المستنقع الموبي".
ومعنى هذا أن الشاعر يجب أن يستوحي نفسه ويعبر عنها غير ملتفت إلى العامة أو القرية أو الأمة، وأن تكون نظرته شاملة للإنسانية جمعاء وليست محلية خاصة -وهو مطلب عسير كما أقر بذلك.
ويفهم من هذا أيضًا نفوره من شعر المناسبات والأحداث اليومية التي تحيط بالشاعر، وقد صرح بذلك في مقدمة الجزء الرابع حيث قال: "وبعض القراء يهذي بذكر الشعر الاجتماعي، ويعني شعر الحوادث اليومية مثل افتتاح خزان أو بناء مدرسة أو حملة جراد أو حريق، فإذا ترفع الشاعر عن هذه الحوادث اليومية، قالوا: ما له؟ هل نضب ذهنه؟ أو جفت عاطفته؟ ".
стр. 666
ولم يكن الشعر عند شكري كلامًا مزوقًا مرصوفًا، عذب الجرس والنغم فحسب ولكنه معنى وفكرة وعاطفة قبل كل شيء، والمعاني البكر تتولد من سواها، وهذا لا يتأتى إلا بإدمان القراءة في نهم وشراهة، فكثرة الاطلاع خير زاد للشاعر، تثير خياله، وتحشد أمامه المعاني يختار جيادها، وتبعثه على التأمل.
وكان شكري من المولعين بالقراءة في الأدبين العربي والغربي على السواء وفيه يقول العقاد١: "لم أعرف قبله ولا بعده من شعرائنا، وكتابنا أوسع منه اطلاعًا على أدب اللغة العربية وأدب اللغة الإنجليزية وما يترجم إليها من اللغات الأخرى، ولا أذكر أنني حدثته عن كتاب قرأته وجدت عنده علمًا به وإحاطة بخير ما فيه، وكان يحدثنا أحيانًا عن كتب لم نقرأها، ولم نلتفت إليها، ولا سيما كتب القصة والتاريخ" وفي جدوى القراءة وأثرها في الشعر يقول شكري:
"الاطلاع شراب روح الشاعر، وفيه ما يوقظ ملكاته ويحركها ويلقح ذهنه، ونفس الشاعر ينبوع، والاطلاع هو الآلة التي يرفع بها ماء ذلك الينبوع إلى الأماكن العالية، والشاعر في حاجة إلى محركات، وبواعث، والاطلاع فيه كثير من هذه المحركات والبواعث، والأديب الذي لا يقوم بالاطلاع كالماء الآسن العطن الذي لا يحركه محرك".
"وكلما كان الشاعر أبعد مرمى، وأسمى روحًا كان أغزر اطلاعًا فلا يقصر همه على درس شيء قليل من شعر أمة من الأمم، فإن الشاعر يحاول أن يعبر عن العقل البشري، والنفس البشرية، وأن يكون خلاصة زمنه، وأن يكون شعره تاريخًا للنفوس ومظهر ما بلغته النفوس في عصره".
وإذا كان شكري قد استطاع أن يفيد شعره من كثرة اطلاعه فتغزر معانيه، ويطرق أبوابًا جديدة في الشعر لا عهد للعربية بها ولا سيما في الشعر الوجداني الذاتي، فإن المازني قد استساع أن يترجم شعر غيره وينسبه لنفسه، وقد صدر
стр. 667
الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩١٤ وفيه بعض الشعر المنقول عن الإنجليزية مدعيًا أن له مثل قصيدة: "رقية حسناء" وهي "لشلي" والجزء الأخير من قصيدة "أماني وذكر" وهي "لبيرنز" وأول هذا الجزء "ياليت حبي وردة"، و"فتى في سباق الموت" وهي "لهود" وغيرها مما جعل شكري يفزع من هذه السرقات؛ إذ ليس معنى سعة الاطلاع وكثرة القراءة والتجديد في الشعر أن نسطو على آثار سوانا دون التنويه بهم وبفضلهم، فنعى على المازني هذه السرقات وإذاعها في الناس، وهو العليم بمواطنها في الشعر الإنجليزي، ولم يغتفر المازني لأستاذه وصديقه صراحته في تهجمه في إفشاء سره، فشن عليه حملة شعواء في "الديوان"، ذكرناها آنفًا، وقد قضت عليهما معًا في ميدان الشعر.
ومن يتملى كلام شكري في فائدة القراءة وأثرها في تزويد الشعر بالمعاني وغثارة الخيال، يدرك أن شكري ممن يؤثرون المعنى على اللفظ والصياغة وكان هذا طابع مدرسته وجرى على سنته زميلاه، وقد أضر ذلك بشعرهم؛ لأن المعاني في الشعر لا تقصد لذاتها، ولكنها تقصد حين تلبس الفن الرفيع، مصحوبة بالموسيقى الشعرية الخلابة، فإن اكتفى الشاعر بالمعنى ولم يعط أركان الشعر الأخرى حقها هبط شعره إلى مستوى النثر.
ولم يكن شكري ممن يهتمون باختيار الألفاظ ذات الجرس والرنين بل كلف بالبساطة في التعبير وباستعمال الكلمات المألوفة، وهو بهذا يقتفي أثر المدرسة الرومانسية الإنجليزية التي نفرت من المعجم الشعري ويقول: "وجدت بعض الأدباء يقسم الكلمات إلى شريفة ووضيعة، وبحسب أن كل كلمة كثر استعمالها صارت وضيعة، وكل كلمة قل استعمالها صارت شريفة، وهذا يؤدي إلى ضيق الذوق وفوضى الآراء في الأدب، والعيب في استعمال الكلمة في غير مواضعها".
وعبر شكري عن سخطه على طريقة الشعر الموروثة، وثار عليها ثورة عملية ونقدية، وقد راعه اهتمام الشعراء بالتشابيه والاستعارات والمبالغات ممن غير أن يكون لها أثرها في القارئ أو السامع وذلك حين يقول: "وقد فسد ذوق
стр. 668
المتأخرين في الحكم على الشعر حتى صار الشعر كله عبثًا لا طائل تحته. فإذا تغزلوا جعلوا حبيبهم مصنوعًا من قمر وغصن وتل وعين من عيون البقر ولؤلؤ وبرد وعنب ونرجس ... إلخ، ومثل ذلك قول الوأواء الدمشقي:
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد
ويقول كذلك مفصلًا الكلام على التشبيهات التي ولع بها المتأخرون: "ومثل الشاعرالذي يرمى بالتشبيهات على صحيفته من غير حساب، مثل الرسام الذي تغره مظاهر الألوان فيملأ بها رسمه من غير حساب"، التشبيه عنده لا يقصد لذاته، وليس هو عقد صلة بين محسوس أو بين معنوي ومحسوس"، فوصف الأشياء ليس بشعر إذا لم يقترن بعواطف الإنسان وخواطره وذكرياته وأمانيه وصلات نفسه، والتشبيه لا يراد لذاته، وإنما يراد لشرح عاطفة أو توضيح حالة أو بيان حقيقة، وأجل الشعر عنده ما خلا من التشبيهات البعيدة والمغالطات المنطقية.
وهو بهذا يريد أن يجعل التشبيه وسيلة لحمل أثر المشبه في نفسه أو الإيحاء بهذا الأثر فالتشبيه إذا لم يقرن بالعاطفة أو لم يكن وسيلة لنقلها فلا فائدة منه ولا جدوى فيه.
وقد ضرب مثلين على الشعر الجيد الذي وصف حالة مشبعة بالعاطفة فكان أثره في النفس رائعًا أولهما في الرثاء قول مويلك يرثي امرأته وقد خلفت له بنتًا صغيرة فوصف حالة هذه البنية بعد وفاة أمها:
فلقد تركت صغيرة مرحومة ... لم تدر ما جزعًا عليك فتجزع
فقدت شمائل من لزامك حلوة ... فتبيت تسهر أهلها وتفجع
وإذا سمعت أنينها في ليلها ... طفقت عليك شئون عيني تدمع
فهو لم يعلمك شيئًا جديدًا لم تكن تعرفه، ولم يبهر خيالك بالتشبيهات الفاسدة والمغالطات المعنوية، ولكنه ذكر حقيقة، ومهارته في تخيل هذه الحالة ووصفها بدقة ومن أمثال هذا في الغزل قول ابن الدمينة في وصف حياء الحبيب.
стр. 669
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب
مثل هذا الشعر يصل إلى أعماق النفس ويهزها هزًّا والشعر هو ما أشعرك وجعلك تحس عواطف النفس إحساسًا شديدًا.
وقد بين شكري الفرق بين الخيال imagination والوهم fancy؛ لأن كثيرًا من الشعراء يخلطون بينهما، فيفسد شعرهم وذلك حين يقول: "إن التخيل هو أن يظهر الشاعر الصلات التي بين الأشياء والحقائق، ويشترط في هذا النوع أن يعبر عن حق والتوهم هون أن يتوهم الشاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود، وهذا النوع يغري به الشعراء الكبار ومثله قول أبي العلاء المعري:
وأهجم على جنح الدجى ولوانه ... أسد يصول من الهلال بمخلب
والصلة التي بين المشبه والمشبه به صلة توهم ليس لها وجود، وكذلك قول أبي العلاء في سهيل النجوم:
ضرجته دمًا سيوف الأعادي ... فبكت رحمة له الشعريان
أي أعادٍ، وأي السيوف؟ في مثل هذا البيت ترى الفرق واضحًا بين التخيل والوهم، وأما أمثلة الخيال الصحيح، فهو أن يقول قائل إن ضياء الأمل يظهر في ظلمة الشقاء، كما يقول البحتري:
كالكوكب الدري أخلص ضوءه ... حلك الدجى حتى تألق وانجلى
فهذا تفسير للحقيقة وإيضاح لها، وكذلك قول الشريف الرضي:
ما للزمان رمى قومي فزعزعهم ... تطاير القعب لما صكه الحجر
والقعب القدح، فهو يشبه تفرق قومه، بتطاير أجزاء الإناء المكسور وهذا أيضًا توضيح لصورة حقيقة من الحقائق وهي تفرق قومه، وفي الحق إن هذه التفرقة بين الخيال والوهم تدل على رهافة حس ورقة ذوق وحسن تفهم للشعر؛ وقد عد العقادُ شكري رائد هذا التفرقة، ووضحها في كثير من مقالاته النقدية كما ستأتي بعد.
стр. 670
والمعاني الشعرية عند شكري هي: خواطر المرء، وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه عبارات عواطفه.
ومن الأمور النقدية التي نادى بها شكري وحده القصيدة وقال في ذلك: "قيمة البيت في الصلة التي بين معناه وبين موضوع القصيدة؛ لأن البيت جزء مكمل، ولا يصح أن يكون البيت شاذًّا خارجًا عن مكانه من القصيدة بعيدًا عن موضوعها، وينبغي أن ينظر إلى القصيدة من حيث هي شيء فرد كامل لا من حيث هي أبيات مستقلة".
وقد قلنا في غير هذا الكتاب١ تعليقًا على رأي شكري هذا: "وهذه الدعوة إلى وحدة القصيدة ثورة على نظام الشعر العربي الذي كان البيت فيه وحدة مستقلة، ولكننا نلاحظ أن شكري لم يتطرف في دعوته مثلما تطرف العقاد من بعد، حين دعا إلى الوحدة العضوية وإلى أن القصيدة بنية حية؛ وكل الذي أراده شكري ألا يكون البيت خارجًا في معناه عن موضوع القصيدة، أي أن القصيدة تكون كلها ذات موضوع واحد، لا عددًا من الموضوعات، كما كانت القصيدة العربية التي وضع أسسها الجاهليون.
إن وحدة القصيدة كما أرادها شكري قد تحققت لديه، فكل قصيدة من شعره غالبًا ذات موضوع واحد، مرتبطة أبياتها بعضها ببعض ولكن ليس بالقدر الذي إذا قدمت فيه بيتًا على آخر، أو أخرت بيتًا أو حذفته اختل نظام القصيدة وبتر المعنى. كما أراد الأستاذ العقاد وتهكم بشوقي في قصيدته التي رثى بها مصطفى كامل.
إن طبيعة الشعر الوجداني أن يكون انفعالات يتلو بعضها بعضًا وليس انفعالًا واحدًا متصلًا، وذلك لتعدد الانفعالات وتباينها نوعًا وضعفًا، ولم تتحقق الوحدة العضوية أبدًا في الشعر الوجداني لدى أي شاعر من شعراء العالم، اللهم إلا إذا نظمها على طريقة القصة، فهنا فقط يجوز أن تتحقق، وفي شعرنا القديم حتى الجاهلي منه أمثلة عدة لوحدة القصيدة إذا جاءت قصة".