← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والجيد من النثر في شتى الموضوعات: الهلال، والمقتطف، ثم السياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوعي، والجديد للمرصفي، والرسالة للزيات، والثقافة لأحمد أمين، ثم الكتب التي كانت تصدرها دار المعارف، ومجلة كلية الآداب، وصحيفة جماعة دار العلوم، وكانت كل هذه المجلات الجادة تبذل مجهودًا جبارًا في اجتذاب القارئ العربي؛ لأن الأدب الرخيص يطغى على الجمهور، ويجتذبه بيسر، وهذا يسيئ إلى الحركة الأدبية كل الإساءة، وتلك ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف، ولقد يئست كلها أخيرًا من هؤلاء القراء وأضناها التعب في جهادها المرير فاحتجبت جميعًا إلا مجلة الهلال؛ لأن الجهد الذي يبذل فيها لا يكافئ الربح الذي يعود منها بل كانت تمنى في كثير من الأحيان بخسائر أحنت ظهرها وأعجزتها عن النهوض بمهمتها السامية، وهذه ظاهرة يؤسف لها أشد الأسف وإن كان مما يعزينا بعض الشيء انتشار الكتب الأوربية التي تصدر في صورة "دوريات" عن دار المعارف والهلال وغيرها، وقد رأت الحكومة خلو الميدان من مجلة تعنى بالأدب الرفيع فعملت وزارة الثقافة والإرشاد على إصدار "المجلة" والرسالة والثقافة والمسرح وغيرها لتسد بها هذا الفراغ المريع. وإن حاولت بعض دور النشر سد هذا الفراغ. بإصدار كتيبات صغيرة كل مجموعة في سلسلة مثل. نوابغ الفكر العربي، ونوابع الفكري الغربي وتصدرهما دار المعارف، ومثل المجموعات التي أصدرتها الجمعية الثقافية المصرية بإشراف مؤلف هذا الكتاب في الأدب والاقتصاد والدين والنقد وغيرها. وقد دأبت وزارة الثقافة والإرشاد منذ مدة على إصدار كتب دورية بأثمان رخيصة، منها مجموعة: اخترنا لك، واخترنا للطالب، وكتب قومية، وكتب سياسية، وعيون المسريحات العالمية وغيرها، حتى تيسر على الجمهور القراء شراءها والانتفاع بها. كما عملت على تشجيع معرض الكتاب العربي في مناسبات مختلفة، ويقوم المجلس الأعلى للفنون والآداب بأعطاء جوائز تشجيعية وتقديرية للمؤلفين، وتعقد الدولة عيدًا للعلم كل عام توزع فيه الجوائز ويحضره الرئيس جمال عبد الناصر وكبار رجال الحكومة، وقد بلغت قيمة هذه الجوائز في عام ١٩٦٤ ثلاثة ملايين جنيه.

стр. 597

وبجانب هذا نرى إقبالًا على المحاضرات الأدبية، وانتشار قاعات المحاضرات والاهتمام بالأحاديث في المذياع، حتى بلغ عدد المحاضرات الأدبية والثقافية المتنوعة في عام ١٩٥١ ما يزيد عن ألف محاضرة. وقد انتشرت المطابع العربية في أنحاء القطر المصري حتى زاد عددها عن الألف١، وأخذت تزود الجمهور بشتى المؤلفات، والكتب المترجمة، والكتب القديمة التي نحا فيها العلماء نحو المستشرقين في الإخراج والتحقيق، وقد بلغ عدد الكتب الأدبية المؤلفة في سنة ١٩٤٧ مائة وثلاثين كتابًا، وفي سنة ١٩٤٨ ما يقرب من مائة وعشرين كتابًا، وفي سنة ١٩٥٠ ما يزيد عن مائة كتاب عدا كتب التاريخ والاقتصاد والفلسفة والاجتماع، والسياسة، والعلوم، والدين، والتصوف، واللغة، والمعارف العامة٢. ومن أشهر الكتب الأدبية التي ظهرت في السنوات الأخيرة؛ أبحاث ومقالات لأحمد الشايب، وأبو الفوارس لمحمد فريد أبو حديد، وأدب مصر الإسلامية للدكتور محمد كامل حسين، وعلى الأثير للعقاد، وقصصنا الشعبي للدكتور فؤاد حسنين، والجاحظ لشفيق جبري، ورحلة الربيع للدكتور طه حسين، وصوت العالم لميخائيل نعيمة، والنقد المنهجي عند العرب للدكتور محمد مندور والفتوة عند العرب والمسرحية لعمر الدسوقي؛ كما ظهر فيض من القصص ودواوين الشعراء والكتب المحققة. وقد عظمت العناية بالترجمة، وترجم الجيد والرديء من كل لغة، فترجمت أميرة بابل لفولتير، وأقاصيص لكبار كتاب الإنجليز، والإنسان الكامل، وجنيفا، وحيرة طبيب لبرناردشو، وترجم الدكتور طه حسين زاديج لفولتير، وترجم طعام الآلهة لويلز، والعالم الطريف لألدس هكسلي، وفي خلال العصور والآلهة عطاش لأناتول فرانس، وهنري وريتشارد الثاني والعاصفة لشكسبير عدا ما ترجمه مطران سابقًا، ومدرسة الزوجات لأندريه جيد، وسالومي لأسكار وايلد،

стр. 598

وأناشيد الرعاة لفرجيل، والحياة والحب وكليوباترا لإميل لوفيج ترجمة عادل زعيتر، والمتحذلقات لموليير، والندم لجان بول سارتر وقصة الحضارة لبول ديورانت ومئات غيرها١. وقد أخذت دار الهلال منذ سنة ١٩٥٢ تترجم أمهات القصص العالمية في أسلوب شائق وطبعات سهلة التناول، كما ترجم فيض من الكتب في مختلف العلوم، ولقد وفدت على الشرق في سنة ١٩٥٣ مؤسسة "فرانكلين" الأمريكية للنشر أسهمت في ترجمة أمهات الكتب الأمريكية في مختلف فروع المعرفة، وقد اتخذت مصر مقرًّا لها، وظهر من منشوراتها عدد من الكتب غير قليل، كما أن وزارة التربية والتعليم بمصر عنيت بترجمة المراجع ذات القيمة في العلوم المختلفة من شتى اللغات ويسرت نشرها وتداولها، وكذلك فعلت الجامعة العربية ودور النشر الخاصة وظهرت مجموعة الألف كتاب في شتى فنون المعرفة، كما ظهرت مجموعة الجمعية الثقافية المصرية، ونوابغ الفكر العربي والغربي وغيرها. ولقد نجم عن كل هذا: انتشار التعليم بأنواعه، وكثرة الصحف والمجلات، وحركة إحياء الكتب القديمة، والتأليف والترجمة من كل لغة تياران أدبيان في مصر يختلفان بعض الاختلاف في الهدف والآثار: "ظهرت هذه الآثار في الأزهر حين عرضت الكتب القديمة في اللغة والدين والتفسيرو الحديث والكلام والفلسفة بنوع خاص، فاضطرب إيمان الأزهر بالكتب القائمة والعلم المألوف، وأخذوا في ثورة على تلك النظم وهذا العلم لم تزل قائمة، ولم تظهر ثمرتها في الأزهر بعد. وظهرت بعيدًا عن الأزهر أذواق الكتاب والشعراء، وطائفة من القراء حين قرءوا طائفة من الشعر القديم: جاهلية وأموية، وعباسية، وحين قرءوا طائفة من كتب الأدب التي ظهرت أيام العباسيين، فرأوا من هذا كله حياة للحس، والعاطفة والعقل، وأحسوا بعدما ما بين هذا النحو من الأدب الحي، وبين ما ألفوه من هذا الأدب الميت، كما أحسوا أن هذا الأدب القديم الحي، أقرب إلى نفوسهم،

стр. 599

وأقدر على تمثيل عواطفهم، وتصوير شعورهم من هذا الأدب الجديد الميت"١، وبجانب هؤلاء الذين تذوقوا الأدب العربي القديم الحي، ووجدوا في لغته معينًا فياضًا يمدهم بما يعبرون به عن خلجات نفوسهم، وجدت طائفة تتنكر لهذه اللغة وحاولوا أن يتركوها، ويلجئوا إلى اللعة العامية؛ لأنها في نظرهم أقوى على التعبير عن مقتضيات العصر الحاضر وأقرب إلى فهم الجمهور، وأدعى إلى نشر العلوم العصرية٢، كما أن تيارًا قويًّا نحو الآداب الغربية وتقليدها قد سرى بين أدباء مصر والبلاد العربية. وقد فطن إلى أن اللغة العربية في حاجة إلى نهضة وتجديد وإحياء وتعريب كثير من العلماء، حين انتشرت الحضارة ووجدوا أنفسهم إزاء آلاف من الكلمات والتعبيرات الأجنبية لا يستطيعون نقلها إلى اللغة العربية، فيقول الشيخ إبراهيم اليازجي: يا ليت شعري ما يصنع أحدنا لو دخل أحد المعارض الطبيعية أو الصناعية، ورأى ثمة من المسميات العضوية من أنواع الحيوان، وضروب النبات: وصنوف المعادن، وعاين ما هناك من الآلات، والأدوات وسائر أجناس المصنوعات، وما تتألف من القطع والأجزاء بما لها من الهيئات المختلفة والمنافع المتباينة، وأراد العبارة عن شيء من هذه المذكورات. ثم ما هو فاعل لو أراد الكلام فيما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية، والمكتشفات الطبية والكيماوية، والفنون العقلية واليدوية، وما لكل ذلك من الأوضاع والحدود والمصطلحات التي لا تغادر جليلًا ولا دقيقًا إلا تدل له بين ألواح معجمات اللغة ألفاظًا يعبر بها عنه، ولا يغنيه في هذا الموقف كثرة أسماء الأسد والسيف، والعسل، والعبير"٣. ويقول فتحي زغلول "باشا" حاثًا على التجديد في تلك اللغة التي ورثناها عن آبائنا، والتي مثلت حضارتهم أيما تمثيل، ولكنها اليوم عاجزة عن أداء كثير من حضارة الغرب: "نحن إما عرب، أو مستعربون، أو أجانب عن لغة العرب، أو مولدون، فإن كنا الأولين فلنا حقنا في التصرف بلغتنا كما تقضيه

стр. 600

مصلحتنا، وإن كنا مستعربين فبحكم قيامنا مقام أصحاب هذه اللغة، وبكوننا ورثناها عنهم بعد أن بادوا، فليس من له أن ينازعنا في استعمال ما كان مباحًا لآبائنا من قبلنا، وإن كنا أجانب أو مولدين، فمن له أن يسيطر علينا ويحرمنا ثمرة الكد في حفظ هذه اللغة وتفضيلها على غيرها من سائر اللغات، فيلزمنا بالبقاء على القديم، ويحكم علينا بالجمود، واعتقال اللسان؟ أخذ العرب العلوم عن أهلها، ونقلوها إلى لغتهم، فلما وجدوا منها استعصاء في بعض المواضع ذللوها، وأخضعوا الغريب عنها لأحكامها، فأيسرت، ودرجت بعد الجمود، فكانت لهم نعم النصير على إدراك ما طلبوا من نور وعرفان. نسينا نحن أن زماننًا غير زمانهم، فكانوا أصحاب حول وطول، وذوي مجد وسلطان، ونحن على ما نعلم من الضعف والإنزواء، على أنهم في عزهم، وبعد فخارهم، وتمكنهم من أنفسهم لم يعتزوا بلغتهم، فلم ينفروا من العجمة؛ لأنها عجمة بل استخدموها حيث وجب الأخذ بها تمكينًا للغتهم، وحذرًا من أن يصيبها الوهن، إذا قعدوا بها عن مجاراة تيار التقدم، وهو أولو الرأي فيه، وخوفًا من أن يعيقهم الجمود فيها عن حفظ مركزهم العظيم؛ بين الأمم التي كانت تعاصرهم. ليس لنا أن نتمسك بالقديم لقدمه، وأن أصبح عديم الجدوى، وإلا فأولى بنا أن نكف عن الدرس والمطالعة، وأن نكتفي من كل شيء بما ورثنا عن الآباء لنعيش كما عاش الأولون. عليكم بالتقدم، فأدخلوا أبوابه المفتحة أمامكم، ولا تتأخروا فلستم وحدكم في هذا الوجود ولا تقدم لكم إلا بلغتكم، فاعتنوا بها وأصلحوها وهيئوها لتكون آلة صالحة فيما تبتغون، ولكن لا تكثروا من الاشتقاق الخارج عن حد القياس والمعقول، ولا تشوهوا صورتها الجميلة بتعدد الاشتراك، أو التجوز، ثم لا تقفوا بها موقف الجمود والعجمة تهددها على ألسنة العامة، وهي لا تلبث أن تدخل

стр. 601

على ألسنة الخاصة، أقيموا فيوجه هذا السبيل الجارف سدًّا من الاشتقاق المعقول والترجمة الصحيحة، والتعريب عند الضرورة لتكونوا من الناجحين"١. ويقول الشيخ محمد الخضري "بك": "وأما عدم الحاجة إلى مزيد؟ فهذا لا تدعيه لغة من لغات الأمم الحية؛ لأن الأمم كلما كثرت حاجاتها وتجددت، اضطرت إلى المزيد من الألفاظ في اللغة، وهذا هو سر الحركة الدائمة في لغة الإفرنج بحيث ترون مجامعهم في شغل دائم، لا يأنفون أن يجدوا يومًا ما في لغتهم كلمة زائدة دلت على معنى جديد، وأكثر أحوالهم الاستعارة من غير لغتهم. وإذا كنا نرى عقولنا قد وقفت عن الاختراع، فإنا نرى أنفسنا في حاجة إلى استعمال مخترعات المخترعين والتعبير عنها"٢. وقد حاول بعض العلماء قبل الحرب العالمية الأولى تكوين مجمع لغوي يضع كلمات جديدة، أو يعرب أو يشتق من الكلمات القديمة لتساير اللغة موكب الحضارة الجارف، وقد تكون هذا المجمع فعلًا قبل الحرب العالمية الأولى برئاسة أحمد لطفي السيد ووضع بضعًا وعشرين كلمة اشتهر بعضها ومات كثير منها٣ ثم انفض واجتهد كثير من المعبرين في وضع كلمات جديدة، ولكن المسألة صارت فوضى، فقد توضع أكثر من كلمة لمدلول أجنبي واحد، وأخيرًا أنشئ مجمع "فؤاد الأول" للغة العربية، في ١٣ ديسمبر ١٩٣٢ وقد سمي في سنة ١٩٥٤ مجمع اللغة العربية، وأهم أغراضه المحافظة على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، وملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر وأن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة وأن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة"٤. ولقد كان للاهتمام باللغة أثر عظيم في تزويدها بكثير من الكلمات الاصطلاحية والفنية والأدبية التي تعوزها، وسهل النقل نوعًا ما من اللغات

стр. 602

الأجنبية، ولا سيما في الأدب وهذا هو البستاني١ ينقل لنا إلياذة هوميروس شعرًا في مستهل هذا القرن، ويجدر بي أن أعرف بهذه الترجمة وبالمجهود الفذ الذي بذل فيها، فقد ابتدأ البستاني بنظم الإلياذة في أواخر سنة ١٨٨٧، وهو بالقاهرة نقلًا عن الترجمات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، ثم بدا له أن ينقلها رأسًا عن الأصل اليوناني، فدرس اليونانية على راهب يسوعي حتى أحكمها فراجع ما كان ترجمه، ونفح ما فيه من الخلل، وكانت الإلياذة ترافقه في أسفاره الكثيرة حتى انتهى من نظمها في ١٨٩٥، ووضع لها شرحًا، فكان عمله شاقًا راجع من أجله كثيرًا من الكتب العربية والأعجمية في الشعر العربي والأدب والتاريخ، ويتضمن الشرح نحو ألف بيت لمائتي شاعر عربي بين جاهلي ومخضرم، وإسلامي ومولد، قالوا في مثل معاني الإلياذة أو حوادثها، ويشتمل على طائفة كبيرة من أساطير العرب، وعاداتهم، وأخلاقهم، وأدابهم في بداواتهم، وحاضراته، وكان انتهاؤه منه في سنة ١٩٠٢، وطبعت الإلياذة وشرحها في القاهرة في ربيع سنة ١٩٠٣، ونشرت بمقدماتها وفهارسها ١٩٠٤ وهي تشتمل على نحو أحد عشر ألف بيت، ذلل فيها الشعر العربي وأوزانه للملاحم الطويلة، ومن المعلوم أن القيام بنظم مثل هذه الملحمة الطويلة لا يتأتى إلا إذا تحرر الشاعر من عبودية الوزن الواحد، والقافية الواحدة، وهكذا صنع البستاني، فإنه جعل الأناشيد على طرق شتى فمنها ما قطعه قصائد مختلفة، ومنها ما نظمه قصيدة واحدة من غير أن يراعي القافية الواحدة وتوسع في اتخاذ الموشحات والأراجيز، والمخمسات، وفي استنباط ضروب جديدة كالمثنى والمربع والمثمن وما أشبه، وحاول على قدر المستطاع أن يراعي لكل نوع مقامًا، ولكل موضوع بحرًا٢. وقد أعطى البستاني بإخراجه الإلياذة شعرًا نموذجًا قوى الأسلوب مشرق الديباجة للشعراء الذين يحاولون نظم الملاحم، أو نظم المسرحيات، وكيف يتصرفون، ويتحللون من نظام القصيدة؛ ونحن لا يعنينا الآن الخوض في قيمة الإلياذة، وأثر نقلها في اللغة العربية بقدر ما يعنينا تلك الطريقة التي ترجمت بها،

стр. 603

والمقدمة التي كتبت لها فقد كانت درسًا جديدًا في مستهل هذا القرن لدراسة الأدب، والنقد الأدبي، على غير ما ألف نقاد ذلك الوقت من الاهتمام بالألفاظ والمعاني وائتلافهما وأوجه البيان، والأخطاء اللغوية، وما شاكل ذلك، بدون درس وتحليل، ومعرفة العلل والأسباب والنتائج، والموازنة بين الآداب بعضها وبعض، ولذلك كانت هذه المقدمة ذات أثر جليل في النقد الأدبي، وما زالت حتى اليوم تحتل هذه المكانة لدى من يقدرونها قدرها. ولا ريب أن انتشار التعليم وكثرة المطابع، والمؤلفات، والكتب المترجمة من شتى اللغات في الآداب والعلوم، قد أفاد الأدب فائدة عظيمة؛ لأن ثقافة الأديب قد اتسعت آفاقها، وثقافة القارئ لم تعد تقنع بالشعر التافه، والخالي من المعاني، أو بالشعر التقليدي الذي لا يمثل حياة الأمة، ولا يعبر عن مشاعرها، ولا يغذي عواطفها، ولقد اشتد بعد الحرب العالمية الأولى الإقبال على تقليد الآداب الأوربية في موضوعها، وطريقتها، وقالبها فانتشرت القصة بأنواعها، وكثرت الترجمة لها ثم محاكاتها، ونقلت مسرحيات عديدة مثلت في دور التمثيل المصرية، وأخذ الأدباء، ومحترفوا التمثيل يضعون على نمطها مسرحيات تعالج مشكلات المجتمع المصري١. وليس من همي في هذا المقام أن أفيض في الكلام على القصة، أو المسرحية، أو المقالات النثرية، أو الكتب الأدبية التي تأثرت بطريقة البحث الغربية، من حيث التمحيص والتحليل، والتعرف على الأسباب والعلل والوصول إلى أحكام واستنباطات صحيحة أو قريبة من الصواب على الأقل، فإن غايتي الآن أن أدرس العوامل المؤثرة في الشعر. لقد اطلع الشعراء على الكتب المترجمة؛ وعرفوا ألوانًا من الأدب الغربي، وكثير منهم كان على صلة بهذا الأدب من غير وساطة، فحاولوا التجديد في أسلوبهم، وموضوعاتهم وحاولوا الخروج على تقاليد الشعر العربي القديم، أو

стр. 604

التجديد في أغراضهم ومعانيهم، وقد خطا شوقي أمامهم خطوة واسعة بوضعه عدة مسرحيات تاريخية شعرية، وهم اليوم ينسجون على منواله؛ وظهرت مذاهب أدبية جديدة في الشعر ثائرة على الشعر القديم، حمل لواءها مطران، وشكري، والمازني، والعقاد، وشيبوب، وجاراهم شباب الأدباء. وأهم ظاهرة تستحق التسجيل هي العناية باللغة العربية، والأسلوب، وبلغ هذا الأسلوب غايته عند شوقي في الشعراء، وإن شعراء المدرسة الحديثة يؤثرون الاهتمام بالموضوع والمعاني على الاهتمام باللفظ والأسلوب؛ ولكن يظهر أن طبيعة الشعر العربي تتطلب جودة الأسلوب وحسن النغم، وجمال الموسيقى، ولذلك لم تستسغ الآذان، أو لم تتعود بعد شعورهم هذا، فلم يلاقوا من الشهرة، والإقبال ما قدروا لأنفسهم. وقد كان من أثر هذه الثقافة العامة الواسعة للشعب أن ارتقت الأغاني، ونظم كثير منها باللغة العربية الفصيحة، وتركت "الأدوار" و "المواويل" التي كانت تنظم بالعامية، ومن يتصفح ديوان إسماعيل صبري يجد بآخره مجموعة من الأغاني التي نظمها الشاعر باللغة العامية، مجارة لزمنه، وجمهوره، ولكنا منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى حتى اليوم قد ألفنا سماع كثير من الأغاني الجيدة بالشعر الجيد العربي الفصيح، والفضل في ذلك لشوقي، واختياره أبرع الموسيقيين لتلحين تلك القطع الرائعة من الشعر الغنائي التي جاءت في رواياته المسرحية مثل: "أنا أنطونيو" ومن غير مسرحياته مثل: "يا شراعًا وراء دجلة"، "ولي مثل ما بك يا قمرية الوادي" وحظى شعر شوقي بعد وفاته بإقبال المغنين عليه، ويختارون منه القطع الرائعة، كنهج البردة، والهمزية، والسودان وحذا الشعراء حذو شوقي، وأقبلوا على وضع القطع الغنائية باللغة الفصحى، واستساغ الشعب هذه الأغنيات، وحفظها ورددها، وذلك ولا شك رقى بذوقه اللغوي، ونهوض به. ونرى المغنين حين تعوزهم القطع الغنائية الجديدة، ينقبون في الشعر العربي القديم على القصائد التي تصلح للتلحين الحديث، وهكذا نهض الغناء نهضة تبشر بأن ذوق الأمة سائر نحو التهذيب الصحيح، وأن اللغة العربية في طريق السيادة التامة، حتى على ألسنة الجمهور.

стр. 605

وكثرت كذلك العناية بكتب الأطفال، وتزويدهم بالشعر السهل الذي تتلاءم معانيه وأخيلتهم ومداركهم، وقد اهتم شوقي بهذا النهج، ونظم عشرات القطع السهلة خرافية وغير خرافية، ترمي إلى التهذيب والترويح عن الأطفال، وسار كثير من الشعراء على نهجه، وأخذوا في نظم الشعر المدرسي للأطفال، حتى صار عندنا فيض منه، وهذه لعمري ظاهرة تستحق التقدير؛ لأنها تعود التلميذ من الصغر على قراءة الشعر ومحبته، وتطبع لسانه على اللغة الفصحى؛ لأن الشعر أهل حفظًا، وأيسر تذكرًا من سواه، كما وضعت المسرحيات المدرسية الشعرية التي يقبل الطلبة على تمثيلها بسرور وإتقان، ومن الذين اشتهروا بنظم الشعر السهل الملائم للأطفال في صورة مقطوعات محمد يوسف المحجوب وفايد العمروسي وعبد العزيز عتيق وعلي عبد العظيم كما أن علي عبد العظيم ومحمد يوسف المحجوب اشتهرا بالمسرحيات الشعرية المدرسية. وعنيت وزارة الشئون الاجتماعية بالمسرحيات الشعرية، وغير الشعرية وخصصت في كل عام جائزة لأحسن مسرحية، فجد الشعراء في وضع المسرحيات الجيدة١ كما عنى مجمع اللغة العربية بتخصيص جائزة مالية كل عام للشعر، وهذا كله يحفز الشعراء على التجديد والعمل. هذه لمحات سريعة، وإشارات عابرة لما كان للنهضة القومية من أثر في ميدان الثقافة، ما كان لها من أثر على الشعر، وكم كنت أود أن أسوق أمثلة ونماذج أؤيد بها ما ذكرت ولكني سأكتفي بهذا القدر، مرجئًا تلك النماذج إلى حين دراسة الشعراء، والتحدث عن ثقافة كل شاعر، ومقدار ما أفاده من تلك النهضة الشاملة، حتى لا أضطر إلى التكرار.

стр. 606

المظهر الاجتماعي: ومن أهم مظاهر النهضة القومية المظهر الاجتماعي، فالشعب هو المعين الذي يزود الأمة برجالها الحاكمين، وساستها القادرين، وزعمائها المصلحين وعلمائها الأعلام، وكتابها المرشدين، وشعرائها المجيدين، ومهندسيها البارعين،

стр. 607

وأطبائها الأفذاذ، وهو ثروة معنوية عظيمة، وكنز ثمين؛ والشعب اليقظ الفطن المثقف، والحريص على منفعته هو الذي يوجه الأمة في مجموعها وجهة صحيحة نحو الرقي لا يسمح لأحد أن يعبث بمصالحه، أو يتغفله، أو يبرم أمرًا لا يرضيه. وللشعوب في أوربا مهابة عظيمة، يترضاها الزعماء والحكام والكتاب، ويسعى الكل جادين على إنهاضها ورقيها، فهي حصن الأمة حين الفزع، وقوتها التي ترهب بها أعداءها، لأن الشعب هو القوة العاملة الكادحة، وهو صاحب المنفعة المباشرة من رقي الأمة؛ ولقد تغيرت في القرن التاسع عشر عقلية الشعوب، ولم تعد ترضى الحكم المطلق، ولا أن تسام الخسف والهوان على يد حاكم مستبد، يمتص دماءها ويسخرها في سبيل شهواته وأطماعه، وطالبت جادة بالاشتراك في الحكم، وأن يؤخذ رأيها في كل صغيرة وكبيرة. ولقد تأثرت مصر بهذه النزعة، ونعلم أن الثورة العرابية قد تطورت إلى المطالبة بالحكم النيابي ورفع الضيم عن الشعب، ولا ننسى حملة جمال الدين وصحبه علي إسماعيل، ثم علي توفيق، وقد رأينا كيف عم الفرح بلاد العرب والإسلام حين أعلنت تركيا الدستور في سنة ١٩٠٨، جهر شاعر مثل إسماعيل صبري بأن مصر لا بد أن تنال مثل ما نالت تركيا، وناشد عباسًا أن يعطي مصر نصيبها في الحكم النيابي، وجاهد مصطفى كامل ومحمد فريد، ورجال الحزب الوطني في أن يمصروا التعليم ويحافظوا على اللغة العربية، وعلى مظاهر القومية في الثقافة كما رأينا آنفًا، وأسهم الشعراء والأدباء في الحث على ذلك. ومن المظاهر التي استحقت العناية -عناية المصلحين، وعناية الأدباء- مشكلة الفقر بمصر، فقد تخلف عن عهود الإقطاع أن حظي فريق من المصريين بثروة عريضة، وغنى فاحش، وأنفقوا بسرف، وعربدوا بدون وعي، بينما سواد الأمة في فقر مدقع؛ قد تخلفت عدة مشكلات اجتماعية نتيجة هذا التفاوت بين الطبقات، فازداد الغني غنى، والفقير فقرًا. والفقر يفضي إلى التسول والتشرد، وارتكاب الجرائم، وضعف الصحة بين العمال والفلاحين وهم لا يملكون القدرة على العلاج، كما أن الفقر يحرم الأمة ثروة معنوية كبيرة تفيدها في نهضتها حيث لا يمكن الفقراء من التعليم ويظلون في جهل عميم، وكان من أوضح

стр. 608

المشكلات الاجتماعية: الأطفال المشردون، نتيجة لهذا، ونتيجة لجهل الطبقة الدنيا بتعاليم الإسلام، والإكثار من الزواج والطلاق، مع عدم قدرتهم المالية على تربية أولادهم. لذلك كثر الاهتمام بهؤلاء الأطفال الذين يعدون قذى في عين الأمة وسبة لمصر الغنية التي تنبت أرضها الذهب، والتي يبشم فيها فريق، حتى يسأم ويبعثر المال ذات اليمين وذات اليسار في سفه وطيش. وكان حافظ إبراهيم قبل أن يدخل سجن الوظيفة شاعر مصر الاجتماعي الذي يأسى لما تعانيه من أدواء وعلل. وهو الذي ذاق مر الفقر، وكوي بنار الفاقة، وعرف ذل الحاجة، والبؤس، وكان متأثرًا بمبادئ الحزب الوطني الذي كان في أوجه حينذاك، والذي كان يهدف إلى نهضة الأمة في كل مرفق من مرافق الحياة، لا في السياسة فحسب، ولحافظ أكثر من قصيدة في وجوب العناية بهؤلاء الأطفال الذين إن أهملوا كانوا حربًا على الأمة في المستقبل، وصاروا عيارين، وسفاحين، وأفاقين، وعالة على المجتمع، يعاني منهم -وقد كبر معهم شرهم- أسوأ الأدواء وأضرها فتكا به. قال حافظ في رعاية الطفل سنة ١٩١٠ قصيدته التي مطلعها: شبحًا أرى ذاك طيف خيال ... لا بل فتاة بالعراء حيالي أمست بمدرجة الخطوب فما لها ... راع هناك وما لها من والي وقال في ملجأ رعاية الطفل سنة ١٩١١ قصيدته التي مطلعها: صفحة البرق أومضت في الغمام ... أم شهاب يشق جوف الظلام وفيها يحث على الإحسان بقوله: دعوة البائس المعذب سور ... يدفع الشر عن حياض الكرام وهو حرب على البخيل وذي ... البغي وسيف على رقاب اللئام وفيها يقول منوهًا بفضل الزكاة لمن يستحقها: وعلمنا أن الزكاة سبيل الله ... قبل الصلاة قبل الصيام خصها الله في الكتاب بذكر ... فهي ركن الأركان في الإسلام

стр. 609

بدأت مبدأ اليقين وظلت ... لحياة الشعوب خير قيام لو وفى بالزكاة من جمع الدنيا ... وأهوى على اقتناء الحطام ما شكا الجوع معدم أو تصدى ... لركوب الشرور والآثام راكبًا رأسه طريدًا شريدًا ... لا يبال بشرعة أو ذمام سائلًا عن وصية الله فيه ... آخذًا قوته بحد الحسام ويقول في حفل أقامته جمعية رعاية الطفل سنة ١٩٠٣، في محاورة بينه وبين مطران: هذا صبي هائم ... تحت الظلام هيام حائر أبلى الشقاء جديده ... وتقلمت منه الأظافر فانظر إلى أسماله ... لم يبقَ منها ما يظاهر ويقول في دعوة للإحسان سنة ١٩١٥، وفي الجمعية الخيرية ١٩١٦، وفي إعانة العميان ١٩١٦، وفي ملجأ الحرية ١٩١٩، ومن قوله في الجمعية الخيرية الإسلامية على لسان يتيم أوته الجمعية، وانتشلته من وهدة الفقر والجهل والتشرد: قضيت عهد حداثتي ... ما بين ذل واغتراب لم يغن عني بين مشرقها ... ومغربها اضطراب صفرت يدي فخوى لها ... رأسي وجوفي والوطاب لم يبقَ من أهلي سوى ... ذكر تناساه الصحاب أمشي يرنحنى الأسى ... والبؤس ترنيح الشراب ولا يكتفي بهذا في الحض على مساعدة الأطفال البائسين، والعمل على النهوض بهم، بل يأسى لما يلاقيه الشعب من غلاء، لا يكتوي به إلا ذوو المورد المحدود، والذين يكدحون في سبيل الرزق، وتتصبب جباههم عرقًا إبان العمل،

стр. 610

ولا يحس به من ورثوا المال الطائل وجاءهم هينًا لينًا؛ فبعثوه في يسر وسخاء غير آسفين ولا نادمين، ولا يحسون بغلاء، ولا تقف دون رغباتهم عقبات: أيها المصلحون ضاق بنا العيش ... ولم تحسنوا عليه القياما عزت السلعة الذليلة حتى ... بات مسح الحذاء خطبًا جسامًا وغدا القوت في يد الناس كالياقوت ... حتى نوى الفقير الصياما ويخال الرغيف في العيد بدرًا ... ويظن اللحوم لحمًا حرامًا على أن حافظًا بعد ثورة سنة ١٩١٩ انصرف عن الشعر الاجتماعي إلا القليل كقوله في حفلة مدرسة للبنات، أو جمعية الطفل سنة ١٩٢٨ قصيدة واحدة؛ صمت حافظ عن السياسة، وصمت عن وصف الطبيعة المصرية، وصمت حتى عن الشعر الاجتماعي الذي ظهرت فيه موهبته، والذي لا حرج عليه فيه أنه قاله. ولست أدري لصدوف حافظ عن الشعر الجيد الكريم الغرض في هذه الحقبة تعليلًا، إلا أن طاقة حافظ الشعرية قد نفدت وقريحته قد نضبت، وأنه قال ما قال سابقًا في فورة النفس، ثم ران عليها اليأس والخوف، وانصرفت لرثاء العظماء، وإلى إغفاءة طويلة لا تتنبه منها إلا في فترات متباعدة فتحس بها حولها. فيخرج قصيدة اجتماعية، أو مقطوعة سياسية يحاول إخفاءها جهده حتى لا يضار بشيء مع أنه لو نشرها ما أصابه ضر؛ إذ ليس فيها ما يخشى منه أشد الناس جبنًا. ولكنه على كل كان قبل الحرب العالمية الأولى، وفي خلالها شديد العناية بمصر وشئون مصر. وليس كذلك شوقي، فهو قبل الحرب الأولى، كان حبيسًا في قفص من ذهب، مقيدًا بقيود القصر، وغل الحاشية، وأغلب الظن أنه لم يكن يدري عن حالة البؤس والفاقة التي يعانيها سواد الشعب شيئًا، وإذا درى فقلما يحس الآلم أو يتذكرها، وليس له بها عهد، أو إدراك، ولا نسمع له في هذه الحقبة إلا ثلاث قصائد في الهلال الأحمر والصليب الأحمر، أولاها مواجهة إلى توفيق باشا وزوجته، وهي التي مطلعها:

стр. 611

جبريل هلل في السماء وكبر ... واكتب ثواب المسنين وسطر سل للفقير على تكرمه الغنى ... وأطلب مزيدًا في الرخاء لموسر ويتخذ القصيدة في الهلال الأحمر وسيلة لمدح توفيق وزوجته. يا بنت إلهامي دعاء معظم ... لسماء عزك في البرية مكبر توفيق مصر وأنت أصل في الندى ... وفتا كما الفرع الكريم العنصر والقصيدة الثانية قيلت إبان حرب طرابلس. وفيها حث على مساعدة الهلال الأحمر ليعنى بجند الترك وأهل طرابلس، فليست منبعثة عن شجى لحال المنكوبين، وعن شعور صادق بآلامهم، ومطلعها: يا قوم عثمان والدنيا مداولة ... تعاونوا بينكم يا قوم عثمانا وفيها يقول في كلام عام لا يصور الفاقة والبؤس كما صورها حافظ: البر من شعب الإيمان أفضلها ... لا يقبل الله دون البر إيمانًا هلى ترحمون لعل الله يرحمكم ... باليد أهلًا، وبالصحراء جيرانا؟ وليس لشوقي في الواقع شعر في الفاقة والبؤس، والعناسة بالفقراء لا قبل الحرب العالمية الأولى أيام أن كان مقيدًا بتلك القيود التي أشرنا إليها ولا بعد أن عاد من المنفى، وذاق فيه مرارة الحرمان، ولكنه كان على كل حال -حتى وهو في منفاه- في يسر من العيش ورغد من الحياة، ولذلك لم يشعر بتلك الآلام المبرحة التي يعانيها الفقراء، ولم يألف المواطن الشعبية التي يغشاها هؤلاء الفقراء، والأطفال المشردون، وإنما كان يعيش بعد عودته من المنفى في بيئة محوطة بالعناية والثراء، وقليل الاختلاط بالناس، اللهم إلا طبقة من خلصاء الأصدقاء يزورهم في سيارته الفارهة الفخمة، ويمر بمواكب البؤس ومناظره، ولا يراها ولا يحس بها. أما مطران فحاله كحال شوقي من حيث ندرة ما قال عن الفقراء، ووصف حالتهم البشعة، وحث الأمة على العناية بهم، وتتصفح ديوانه كله فلا تجد إلا

стр. 612

قصيدتين، وثلاث مقطوعات كل مقطوعة في بيتين، وليس فيها ذلك الشعور الذي تراءى في شعر حافظ، وأغلب الظن أنها متكلفة، طلب إليه أن يقول فقال. فمن تلك المقطوعات قوله: حبب الفقر إلينا ... منك إحسان شريف فاشتهى الموسر منعا ... أنه عاف يطوف ويقول في قصيدة عنوانها "دعوة الخير"، وهي كلام عام، وحكم متداولة مما يقال عادة في هذه المناسبات: مهما تقل ثمالة الموجود ... لا تحرم المسكين فطرة جود فإذا حباك الله فضلًا واسعًا ... فالبخل خسران وشبه جحود ويقول في ملجأ الحرية الذي أسسه الدكتور عبد العزيز نظمي والذي قال فيه حافظ سنة ١٩١٩، وبعض تلك الحكم، من غير تصوير، أو ألم أو عاطفة ما: إن لم يصن خلق الصغار مهذب ... ماذا يحاول وازع ومُشَرِّع أو لم يكن أدب السجايا رادعًا ... للناشئين هل العقوبة تردع في كل قطر ملجأ أفما لنا ... في أن نجاري ما يُجارى مطمع ما بالنا نجد الشعوب أمامنا ... وعلى مثال صنيعهم لا نصنع هذا ما كان من شأن مطران، أما إسماعيل صبري فليس له في هذا الموضوع قليل أو كثير، وكأن مصر ليس بها فقراء معدمون، أحلاس مسغبة، وأَنَّى لصبري أن يصف الفاقة والبؤس وأهلهما، وقد عاش عيشة مترفة منعمة، وقد قال عنه الدكتور طه حسين في المقدمة التي صدر بها ديوانه: "وكيف السبيل لطالب من طلاب الأزهر، ومن طلاب الجامعة القديمة، شديد الحياء أن يتصل بهذا الرجل الأرستقراطي، الذي كان يشغل منصبًا رفيعًا من مناصب الدولة، ويلقب بلقب رفيع من ألقابها، ولا يجلس حيث كان يجلس الشعراء في هذه القهوة أو تلك، ولا يختلف إلى حيث يختلف الشعراء في هذا النادي أو ذاك"١.

стр. 613

وترى محمد عبد المطلب يطرق باب هذه المشكلة في أربع قصائد، ثلاث منها في جمعية المواساة الإسلامية قال أولاها في سنة ١٩١٣ والثانية في سنة ١٩١٤، والثالثة في سنة ١٩٢٨ أما القصيدة الرابعة فقالها في الحرب والغلا، سنة ١٩١٨ ونرى عبد المطلب في قصيدة المواساة الأولى يصف حالة الفقراء، وما يكابدون من جهد، وجوع، وعرى: أسألت باكية الدياجى ما لها ... أرقت فأرّقت النجوم حيالها باتت تكفكف بالوقار مدامعًا ... غلب الأسى عبراتها فأسالها وينهى من هذا الوصف إلى الثناء على رجال المواساة، ثم إلى مدح عباس، وأم المحسنين، وأما القصيدة الثانية فقد جعلها قصة يصف فيها حال فقير بائس، له صبية صغار يتضاعفن من الجوع، ويتلوون من الألم، وله جار رب قصر مثيف: قصر يشق السماء طولًا ... فخم الدعامات ذو منار تلألا الكهرباء فيه ... تلألؤ الكُنّس الجوارى كأنه والظلام ساج ... من حوله آية النهار ومركب النسيم يجري ... على الثرى آمن العثار والمال يجبى إليه كيلًا ... فمن ضياع ومن عقار ويرى هذا الفقير جاره الغني، في كل ليلة، وموائده عامرة بكل ما لذّ وطاب، والخدم يروحون ويجيئون: فتلك في كفها حنيذ ... على إناء من النضار وتلك من خلفها بصحن ... عليه حوت من البهار وهذا الفقير يشتهي فتات المائدة ويدعو الله أن يعطف عليه هذا الجار، ولكن لا يستجاب دعاؤه، حتى يأتيه رجل المواساة بالبر والعطف والخير والمواساة. وأما القصيدة الثالثة فليس فيها هذا التصوير البارع، وإنما هي كلام عام ومدح وثناء على عناية رجال المواساة بالبائسين من كل صنفٍ.

стр. 614

فكم صانوا كرامة ذي إباء ... وكم صاغوا لبائسة حجابا وكم مدوا لذي الحاجات راحًا ... تسابق في تكرمها السحابا وأما قصيدة الغلاء، فقد قالها بعد أن فتكت الحرب بما اختزن الناس وما بقي في مصر من خيرات أربع سنوات كاملة، وكان أشد الناس أَلَمًا من الغلاء هم موظفو الحكومة. فوا رحمنا لابن الحكومة قوسه ... قلوع وهل يجرى سداد قلوع١ ومن حوله غرثى، عيال ونسوة ... طواها الطوى في ذلة وخضوع٢ تقلب في جوع وعرى يؤودها ... وحسبك من عرى يؤود وجوع٣ غلا كل شيء من مرافق عيشها ... على ربها من مُسْلَم ومبيع وهذا شعور من اكتوى بنار الغلاء، عجزت موارده وقصرت يده عن تحقيق رغباته ورغبات أسرته الضرورية، فهو يصف حالة عاناها، وآلامًا قاساها، وقد كان موظفًا عفيفًا محدود الدخل، فهو وحافظ إبراهيم صادقان، وصدرا في وصف الغلاء عن شعور صحيح، أما إسماعيل صبري، أو شوقي، أو مطران، فلم يحسوا بعوز أو ضيق من خلال الحرب الأولى، ولذلك لم يخطر لهم ببال وصف الغلاء، وما فعله بالناس. ولأحمد محرم أكثر من قصيدة في مشكلة الفقر والغنى، وهو قوي في شعوره، غني في تصويره، جريء في تعبيره، مما يدل على شدة انفعال، وفرط حساسية، استمع إليه يصف هذا البؤس في أحد مناظره: رأيت الهول ينبعث ارتجالًا ... فتنصدع القلوب له بديها رأيت البؤس يركض في جلود ... بجانبها النعيم ويحتميها رأيت بيوت ساغبة تلوَّى ... كأمثال الأراقم ملء فيها تريد طعامها والبيت مُقْو ... فتوشك أن تميل على بنيها أنيلونا الديات ولا تكونوا ... كمن يردى النفوس ولا يديها

стр. 615

فهو يحمل الأغنياء وزر قتل الفقراء مسغبة وبؤسًا، وحق القاتل شرعًا أن يدفع الدية، وإلا كان مجرمًا وسفاحًا خارجًا على القانون، اللهم إلا إذا عامل البشر معاملة الحيوان الأعجم الذي يذبح، ولا دية له، وهو ينعى على أثرياء مصر أثرتهم. وعدم اهتمامهم بهؤلاء الذين يعولون، ويصرخون ويغولهم الفقر ويفتك بهم البؤس والشر: أكل امرئ في مصر يسعى لنفسه ... ويطلب أسباب الحياة لذاته طروب الأمانى ما يبالي بشعبه ... وإن ملأ الدنيا ضجيج نعاته إذا نال ما يرجوه لم يعنه امرؤ ... سواه ولم يحفل بطول شكاته سواء عليه منزل السخط والرضا ... إذا نال ما يرضيه من شهواته يرى الدين والدنيا ثراء يصيبه ... وقصرًا تزل العين عن شرفاته وهكذا نرى بعض الشعراء قد تأثر لهذه المشكلة الاجتماعية، التي لا تزال جاثمة رابطة في مصر الغنية، لم تحل بعد، ولم يرعو ذوو اليسار من غيهم، أو يزدجروا عن شرهم أو يطامنوا من شهواتهم، أو يتستروا في مباذلهم، وتظاهرهم هذا بالفساد يعتصر قلوب مواطنيهم الذين لم يواتهم الحظ من ثراء مورث، أو مغتصب، فيزدادون عليهم حقدًا وموجدة، وتعمل في نفوسهم المبادئ الفتاكة عملها. ولقد كان لدى شعراء الجيل الماضي حساسية، وإدراك لأدواء هذه الأمة، فقالوا، وحضوا على الإحسان، ونبهوا الأثرياء، ولكن ما لنا اليوم وقد خفت صوت الشعر والمشكلة لا تزال على أشدها، والغلاء الشنيع قد طوح بكل القيم؟ ١. على أن مشكلة الفقر والغنى ليست المشكلة الوحيدة التي نظر إليها شعراء الجيل الماضي بل اهتموا بكل ظاهرة من ظواهر التقدم والرقى، وكل ما يحفز الأمة على أن تتبوأ مركزها العظيم الذي يليق بماضيها الحافل بالحضارات، واهتموا كذلك بكل بادرة من داء يوهن هذه الأمة، ويمكن لأعدائها، أو يضعف بنيها.

стр. 616

وقد اتجه الشعراء اتجاهات مختلفة في هذا، فشوقي عنى بمظاهر النهضة، والإشادة بها والحث عليها فيقول في الجامعة قصيدته الثانية١ في سنة ١٩٢٦ والتي مطلعها. تاج البلاد تحية وسلام ... ردنك مصر وصحت الأحلام٢ ويقول في الصحافة قصيدته التي مطلعها: لكل زمان مضى آية ... وآية هذه الزمان الصحف٣ ويقول في العلم والتعليم قصيدته التي مطلعها: قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولًا وكان شوقي حريصًا كل الحرص على أن تتبوأ مصر مكانة مرموقة في العالم، ولن يتأتى لها هذا إلا بالعلم والمال والقوة، ولذلك نراه يحث الشباب في غير ما قصيدة على العمل يوازن بينهم وبين نظائرهم من شباب أوربا، ويتساءل: هل نساير ركب الحضارة والمدينة والثقافة أو أننا لا نزال نعيش عالة على غيرنا في هذه الميادين؟ هل شايع النشء ركب المعلم واكتنفوا ... للعبقرية أحمالًا وأظعانًا وساير المواكب المرموق متشحًا ... عز الحضارة أعلامًا وركبانًا ولم يك شوقي يائسًا بل كان يتطلع دائمًا إلى مستقبل زاهر لمصر بفضل شبابها المتواثب، ولذلك قال: تعلم ما استطعت لعل جيلا ... سيأتي يحدث العجب العجابا وقد صدقت فراسته، وتحققت نبوءته، وجاء الجيل الذي يحاول أن يغير مجرى الحياة في مصر ويحيلها إلى دولة عظمى معتمدة على علمائها، واقتصادها، ومصانعها، وجيشها ويا ليت شوقي كان اليوم بيننا حين قال:

стр. 617

أرى طيارهم أوفى علينا ... وحلق فوق أرؤسنا وحاما وأنظر جيشهم من نصف قرن ... على أبصارنا ضرب الخياما فلا أمناؤنا نقصوه رمحًا ... ولا خواننا زادوا حساما ملكنا ما رن الدنيا بوقت ... فلم نحس على الدنيا القياما طلعنا وهي مقبلة أسودًا ... ورحنا وهي مدبرة نعامًا إذا لرأي العجب العجاب، ورأى سماء مصر قد ملأها نسورنا وصارت حرة لهم لا ينازعهم فيها منازع، ولرأي كيف تقوضت خيام المحتل الغشوم، وكيف ذاق مذلة الهزيمة في بور سعيد ورأى أننا فعلًا قد انتقصنا عتادة بل استولينا عليه وهو الذي يقدر بالملايين في قاعدة القناة، وأننا صرنا أمة يجيشها وقادتها وسلاحها، وأننا نصنع اليوم السلاح الذي نحمي به هذه الديار الحبيبة كما تحمى الأسود عرينها١. كان شوقي وهو الذي تعلم في باريس، وهو الذي أحب مصر كل الحب حريصًا على تسجيل مظاهر نهضتها، مشجعًا العاملين من بنيها ويرى أن مهمة الشاعر أن ينبه الغافل ويثبت العامل، ويشجع الرائد؛ فنراه يقول في بنك مصر وتأسيس داره أكثر من قصيدة ويقول في أول طيار مصري، وهكذا يتتبع مظاهر النهضة، ويثني على من يقوم لبلاده بمكرمة. ومن يضع في صرح بنائها حجرًا، وليس الأمر كما يصوره الدكتور طه حسين بأن هذا الشعر كالكراسي المذهبة التي لا يخلو منها حفل، وإنما صدر هذا الشعر عن عاطفة صادقة تهتز طربًا وتنتشى فرحًا لكل خطوة تخطوها الأمة في درج الحضارة بعد أن ظلت قرونًا تعاني الحرمان والجهل والمرض وشتى الآفات الوبيلة. ويرى شوقي أن المرأة تستجيب لدعوة قاسم أمين، وتحاول جاهدة أن تمزق حجابها، وتحطم غل هذا الحجاب، ويقف أول الأمر مترددًا بين هواه في تشجيعها، وبين التقاليد الإسلامية التي يشجع عليها القصر فيقول قصيدته:

стр. 618

صداح يا ملك الكنا ... رويا أمير البلبل يحذر المرأة عن عاقبة الحجاب، خشية أن تقع على النسور الجهل، وأن حرصه عليها هوى، ومن يحرز ثمينًا يبخل، وإن لم يستطع كتم هواه وأساه لما تعانيه المرأة: بالبيت شعري يا أسـ ... ـير سج فودك أم خل وحليف سهد أم تنا ... م الليل حتى ينجلي بالرغم مني ما تعالـ ... ـج في النحاس المقفل ويخاطب أم المحسنين حين عودتها من تركيا بعد غيبة طويلة بقوله: ارفعي الستر وحيي بالجبين ... وأرينا فلق الصبح المبين وقفي الهودج فينا ساعة ... نقتبس من نور أم المحسنين ويقول في رثاء قاسم أمين مؤيدًا له في تردد: ماذا رأيت من الحجاب وعسره ... فدعوتنا لترفق ويسار رأيٌ بدا لك لم تجده مخالفًا ... ما في الكتاب وسنة المختار إن الحجاب سماحة ويسارة ... لولا وحوش من الرجال ضواري جهلوا حقيقته وحكمة حكمه ... فتجاوزوه إلى أذى وضِرار ولكن موقف شوقي يتضح في هذه القضية بعد أن يعود من المنفى، ولم يعد يخشى الجهر برأيه أو لأنه برأي الحركة النسوية قد فاقت ما قدر لها، وأنه لا فائدة من معارضة المرأة، إذ صار السفور حقيقة واقعة، بانتشار مدارس البنات، والمساواة بينهن وبين البنين في التعليم، واختلاطهم بهم في قاعات الدرس وبالجامعة، وصادف هذا هوى منه فقال قصيدته التي مطلعها: قم حي هذي النيراتِ ... حي الحسان الخيرات ويقول مؤيدًا السفور:

стр. 619

خذ بالكتاب والحديث ... وسيرة السلف الثقاة وارجع إلى سنن الخليـ ... ـفة واتبع نظم الحياة هذا رسول الله لم ... ينقص حقوق المؤمنات العلم كان شريعة ... لسائه المتفقهات رضن التجارة والسيـ ... ـاسة والشئون الأخريات ويقول شوقي في العمال يخضهم على أن يقتفوا أثر أسلافهم في تشييد مجد مصر، وإبداع الآيات الفنية الخالدة التي لا يزال العلم حتى اليوم ينظر إليها في دهشة وحيرة، وينصحهم بالتمسك بحسن الخلق، واجتناب الموبقات التي كثيرًا ما تنحدر إليها الطبقة العاملة فتودى بصحتها، وتفسد حياتها، إلى غير ذلك من القصائد التي تستحث طبقات الأمة المختلفة على النهوض وقليلًا ما عرج على الآفات الاجتماعية كالانتحار، والميسر، وفساد الشبان وغير ذلك، فمن هذا قوله في زواج الشيب بالبنات الصغيرات، وهذه في نظره جريمة. المال حلل كل غير محلل ... حتى زواج الشيب بالأبكار ويقول في انتحار الطلبة قصيدته التي مطلعها: ناشئ في الورد في أيامه ... حسبه الله أبا الورد عثر ويقول في حريق ميت غمر قصيدته التي مطلعها: الله يحكم في المدائن والقرى ... يا ميت غمر خذي القضاء كما جرى١ ويكثر من إسداء النصح بمكارم الأخلاق، ولهذا باب سنوفيه حقه فيما بعد، وهو يجاري النهضة الدينية، ويقول أكثر من قصيدة في مدح الرسول ﵊، وفي العيد الهجري، وهكذا نرى شوقي لا يقل في شعوره الاجتماعي إزاء ظواهر النهوض في مصر عن أي شاعر آخر، إن لم يفقهم، ولا سيما في دينياته وأخلاقياته.

стр. 620

أما حافظ فكان أحرص على العناية بالأدواء والمصائب من عنايته بمظاهر الرقي والنهوض، وهذا يرجع إلى أن حافظًا قد لاقى في مبدأ حياته، كثيرًا من الصعاب، وخالط أنماط شتى من طبقات الشعب، وكان رجلًا كثير الأصدقاء، يجلس في المقهى، ويلتف حوله المعجبون بأدبه. وكان حافظ في تلك الحقبة الذهبية في حياته، أي قبل أن يعين في دار الكتب. وطنيًّا جياش العاطفه، حريصًا على الإسهام فيما يعود على بلاده بالرقي، يفرح إن أصابها خير، ويأسى إن أصابها ضر، يشب حريق ميت غمر فيقول قصيدة عامرة مطلعها: سائلوا الليل عنهم والنهارا ... كيف باتت نساؤهم العذارى وتشتد الحملة على اللغة العربية، ويحاربها أعداء البلاد، ويفتن بدعوتهم بعض من رقت مبادئهم الوطنية والدينية، فيقول قصيدته التي أتينا عليها فيما سبق والتي مطلعها: رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي ... وناديت قومي فاحتسبت حياتي وينتهز فرصة زواج الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد ببنت السيد عبد الخالق السادات والطعن في هذا الزواج بأنه غير متكافئ ويقول قصيدة طويلة، ينعى فيها على الشباب نفاقهم، وتقاعسهم عن المعالي، وتفرقهم شيعًا وأحزابًا. وهذا يلوذ بقصر الأمير ... ويدعو إلى ظله الأرحب وهذا يلوذ بقصر السفير ... ويطنب في ورده الأعذب وهذا يصيح مع الصائحين ... على غير قصد ولا مأرب ويصور في هذه القصيدة نفاق الناس، فقد حملوا على الشيخ علي يوسف حملة شعواء، ولكنهم ما لبثوا أن هنئوه، وتزاحموا على بابه، وأسدى إليه الخليفة وسامًا، ولذلك قال: فيا أمة ضاق عين وصفها ... جنان المفوه والأخطب تضيع الحقيقة ما بيننا ... ويصلي البريء مع المذنب

стр. 621

ويشتد الخلف بين المسلمين والأقباط في سنة ١٩١١، وتكاد تكون فتنة عمياء، يغذيها المستعمر المحتل، فيناشد عباسًا أن يتدارك الأمر قبل أن تعم الفتنة، وتتصدع وحدة الأمة بقصيدته التي مطلعها. كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم ويقول على لسان متصوف فاسق، يتظاهر بالصلاح والتقوى، وهو مغرم بغلام١، وفي أضرحة الأولياء والتمسح بها٢، ولكن حافظًا لا ينسى بعض مظاهر النهضة، وإن لم يفض فيها أو يتتبعها كما تتبعها شوقي، فيقول في مشروع الجامعة قصيدتين، الأولى سنة ١٩٠٧، والثانية ١٩٠٨، ويقول في معاهد البنات المختلفة أكثر من قصيدة، ويرى النهضة الدينية تقوى في مصر ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى، ويفطن كثير من مصلحي هذه الأمة إلى أن الدين عصمة من المفاسد التي طغى طوفانها في خلال الحرب العالمية الأولى، وكثرة الواردين على مصر من مختلف الجيوش المحاربة، واستحكام الغلاء، وبيع الضمائر، والاستهتار بالتقاليد، وكانت ثورة عامة في العالم أجمع، عصفت بالقيم الخلقية، والفضائل السامية، واشتد طغيان المادة، والإقبال على لذاذات الحياة، وجرت مصر في هذا التيار، وخشي بعض المصلحين أن تنهار البقية الباقية من أخلاق الشباب، الذين ألفوا التسكع في الطرقات والتطرى كما يتطرى النساء، والتهجم على الحرمات، فأسست جمعية الشبان المسلمين في سنة ١٩٢٧، وهرع الشباب إليها من كل صوب وحدب بالمئات والألوف وظلت سنوات تعمل على إيقاظ الشعور الديني في الناشئة، ذلك الشعور الذي حاول المستعمر الغاصب أن يقضي عليه منذ وطئت أقدامه أرض مصر، بفرضه التعليم باللغة الإنجليزية ومحاولة إضعاف اللغة العربية، لغة القرآن، وباهتمامه في برامجه بالتافه من المعلومات التي لا تقوم خلقًا، ولا تهذب نفسًا، ولا تنمي فضيلة، ولا تخلق رجالًا، وزاد الأمر سوءًا إهماله التعليم الديني في المدارس المدنية، فلم يعد

стр. 622

ثمة ما يغري الطالب بالتمسك بدينه، لا قدوة حسنة يراها، ولا تعليمًا يغذي مشاعره، ولا ضرورة تحفزه على دراسته. إن أخوف ما كان يخافه المستعمرون هو قوة الشعور الديني الإسلامي في مصر؛ لأن الإسلام دين يدعو إلى العزة والكرامة، ويأبى على المسلم أن يخضع لسواه، وأن يذل، وفي يقظة الشعور الديني استرجاع لماضي هذه الأمة المجيدة، وتذكر لما كانت عليه من عظمة وعلم وقوة، وتحسر على ما آلت إليه من استعباد وخزي، ولذلك ترى هؤلاء المستعمرين الذين جابوا هذه البلاد مرات ومرات، وطمعوا فيها منذ القرن العاشر والحادي عشر إبان الحروب الصليبية، ولم يرد طوفانهم إلا قوة الإسلام وإخوته، يعملون جهودهم على إضعاف هذه الروح في نفوس شباب البلاد التي يحتلونها: لهذه الأسباب، ولأنهم يخشون كل الخشية أن يعم هذا الشعور بلدان الإسلام التي سعوا إلى احتلالها، وإضعاف قوتها، فتتحد فيما بينها، وتهب قوية فتية تطردهم من ديارهم شر طردة، وتستعيد مجدها السالف، وهي غنية بجيرانها، وتستطيع بما فيها من قوى مادية ومعنوية أن تغير مصير العالم إن أرادت. فظن المستعمرون لكل هذا، فأغرونا بزبرج الحضارة الأوربية، وأكثروا من مفسادها فيما بيننا، بل عملوا على استيراد هذه المفاسد حتى تخف وطأة الدين والأخلاق على نفوسنا، ونستمرئ اللهو والعبث، وننسى ذلك الماضي الرائع، والجهاد الشاق، والصراع الطويل المراد بيننا وبينهم. وقد ابتدأت هذه الحركة الدينية في الظهور منذ عهد جمال الدين الأفغاني على نحو ما فصلناه في الجزء الأول، وسار محمد عبده على نهجه، ودعا الشيخ رشيد رضا وحزبه إلى تنقية اليد من الخرافات والخزعبلات، والرجوع به إلى بساطته الأولى، وإلى تحبيبه للنفوس التي جهلته وجاء على أثره جماعة أرادوا أن يوفقوا بين الدين والحضارة الحديثة، وساروا في أول أمرهم برفق وحذر، وهم جماعة حزب الأمة وعلى رأسهم لطفي السيد، ولكنهم كانوا يخشون الطفرة فيما يرمون إليه من الأخذ بأسباب الحضارة الأوربية؛ لأن الأمة في ذلك الوقت لم تكن تتقبل هذا الأمر بيسر، ولهذا تجد لطفي السيد مع نزعته إلى الحضارة الأوربية

стр. 623

يحاول أن يظهر المحافظة على الدين، وقد أثنى على باحثة البادية في المقدمة التي صدر بها كتاب النسائيات؛ ولأن دعوتها إلى الإصلاح اتبعت سبيلا معتدلا في حدود الشرع١، وظهر كذلك مصطفى كامل يدعو إلى التمسك بالدين وتنمية شعوره في ذلك يقول: "قد يظن بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية توأمان، وأن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبًّا صادقًا ويفديه بروحه وما تملك يداه٢. ودعا رجال الحزب الوطني للاحتفال لأول مرة بالعام الهجري٣، وأقيم الاحتفال في غرة محرم سنة ١٣٢٨ هـ -يناير ١٩١٠، وأنشد فيه حافظ قصيدته التي مطلعها: لي فيك حين بدا سناك وأشرقا ... أمل سألت الله أن يتحققا وكان المؤيد وصاحبه بجانب الحزب الوطني يعمل على تغذية الشعور الديني، والرجوع بالإسلام إلى نقاوته الأولى، وإلى مجده العظيم٤، وثم تأتي الحرب العالمية الأولى، وما فيها من شدائد وأهوال، وما جلبته من جيوش عديدة أجنبية، مقيمة أو عابرة، وعملوا على إفساد الأخلاق، كما عمل الغلاء على إضعافها، وجاءت الثورة العاتية، وكان فيما أفادته يقظة المصريين إلى الدعوة الدينية بين شباب مصر كما ذكرت في أول هذا الموضوع لانتشار الانحلال الخلقي والاستهتار فيهم، نتيجة للتعليم العقيم الذي غذى به المصريون على يد الإنجليز، وكان من وراء هذا إنشاء عدة جمعيات دينية الشبان المسلمون والهداية الإسلامية برياسة السيد محمد الخضر، والتعارف الإسلامي، ثم الإخوان، وظهرت عدة جرائد ومجلات دينية، لا تهتم إلا بالدين، وتقوية العاطفة

стр. 624

في نفوس المسلمين في مشارق الأرض وأكبر فضل في تقوية الشعور الديني بمصر، وإيجاد صحافة قوية ممتازة تدافع عنه، وعن أمجاد المسلمين، إذ أنشأ "الزهراء" ثم "الفتح". وغذاهما كثير من الشعراء بالقصائد المنبعثة عن عاطفة دينية قوية مثل أحمد محرم، وصادق عرنوس وغيرهما. وكان إيجاد هذه الجمعيات الدينية، والحصافة التي تدافع عن الدين رد فعل لموجة من الإلحاد سادت بعض المفكرين الذين تشبعوا بالعلم الغربي، وفتنوا به، ولم يعرفوا الإ سلام حق معرفته، أو عرفوا ورغبوا في الشهرة الزائفة بالخروج على إجماع الأمة، وأخذ هؤلاء ينشرون أبحاثًا وكتبًا ومقالات، تأثروا فيها بآراء المستشرقين، الذين لم يهتموا بدراسة اللغات الشرقية، والدين الإسلامي، إلا ليطعنوا فيها وليشككوا أهله في قيمته، وليكونوا عونًا لحكامهم المبالغين في الاستعمار، وقد خدع بعضهم، وظنوا أن هؤلاء المستشرقين يصدرون في أحكامهم عن نية خالصة ودراسة ممحصة وعقل سليم، فجاروهم في أفكارهم، وعملوا على نشرها بين مواطنيهم. ولكن العاطفة الدينية القوية المتمكنة من نفسية هذا الشعب والتي أيقظها المصلحون، ونبهوها إلى الخطر المحدق قد أحبطت مساعي هؤلاء المفتونين، وثارت في وجوههم وانبرى للرد عليهم كثير من الأعلام، وحملتهم على الصمت، ثم على الرجوع عن إلحادهم، بل إن منهم من اضطر إلى أن يتملق الجمهور، ويدرس هذا الدين دراسة جديدة، ويؤلف فيه وفي رجاله، وراج هذا النوع من الأدب، فأقبل على التأليف فيه من كان مجافيًا له، وصارت عندنا ثروة دينية في الأدب الحديث من مثل: على هامش السيرة للدكتور طه حسين والعبقريات للأستاذ العقاد، ومحمد، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب لهيكل ومحمد وأهل الكهف لتوفيق الحكيم. وقد اشتد الوعي الديني بين الطبقة المثقفة من الأمة وأقبلوا على ينابيعه الصافية ينهلون منها بشغف هربًا بنفوسهم من أدران الحضارة المادية التي اجتاحت مصر والشرق العربي وافدة من الغرب، وكثرت الكتب الدينية التي تقرب العقيدة وتبسطها من عامة الجمهور، كما صار للدين مجلات وصحافة

стр. 625

تدافع عنه وتتكلم باسمه، ومن ذلك مجلة "الأزهر"، "ونور الإسلام" التي يصدرها قسم الوعظ والإرشاد، ومجلة "الشبان المسلمين" وغيرها. ولقد كانت مجلة "الرسالة" ومجلة "الثقافة" ميدانًا تعالج فيه المشكلات الاجتماعية على ضوء التعاليم الدينية، وممن برز في هذه الناحية وكان له قراء عديدون المرحوم مصطفى صادق الرافعي في مقالاته الاجتماعية بمجلة الرسالة التي جمعت فيما بعد في "وحي القلم"، كما أن هاتين المجلتين عنيتا "قبل أن تحتجبا" بإصدار عدد ممتاز كل عام خاص بالهجرة تعرض فيه أمجاد الإسلام عرضًا جديدًا، وتحشد له الأقلام القوية، وتدبج فيه البحوث الممتازة ولقد راع كل هذا المستعمرين والأجانب فحاولوا جهدهم أن يصرفوا شباب الأمة ومفكريها عن شئون دينهم أو التمسك به لكن الشعور الديني الآن وقد تغلغل في البيئات المثقفة التي بيدها مقدرات الأمة لن يضعف مرة ثانية إن شاء الله. وقد عنيت حكومة الثورة بشئون الدين فأنشئ المؤتمر الإسلامي والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف ويصدر صحيفة "منبر الإسلام" تكتب فيها الصفوة الممتازة من رجال الأمة، كما أسند تحرير مجلة الأزهر إلى الأستاذ الزيات صاحب الرسالة فجدد شبابها وأقبل على الكتابة فيها عدد من خيرة الباحثين، كما صار التعليم الديني إجباريًّا في المدارس حتى المدارس الأجنبية التي كانت فيما تمضى مباءة للتبشير، ومسخ شخصية المواطنين، وقد صار ملزمة بتعليم المسلمين الدين الإسلامي. ولقد كان لهذه الحركة الدينية من بدء نشأتها حتى اليوم أثر قوي في الشعر الحديث، فمن قصائد تقال في مطلع العام الهجري، وتذكر المسلمين بماضيهم، وتراثهم، وتصور مآسيهم وتحثهم على المضي قدمًا في نهضتهم التي تغيظ أعداءهم، تجد مثل هذا الشعر عند حافظ إبراهيم، ومحمد عبد المطلب، وأحمد محرم، وحتى عند مطران الذي اضطر إلى مجاراة شعور الأمة في مستهل هذا القرن حين أخذت تحتفل بهذا العيد، وكانت عنه غافلة، واستمع إليه يقول في قصيدة في الهجرة وقد صار ذلك اليوم عيدًا رسميًّا من أعياد الدولة.

стр. 626

هل الهلال فحيوا طالع العيد ... حيوا البشير بتحقيق المواعيد يأيها الرمز تستجلي العقول به ... لحكمة الله معنى غير محدود أي مسلمي مصر إن الجد دينكم ... وبئيس ما قبل: شعب غير مجدود طال التقاعس والأعوام عاجلة ... والعام ليس إذا ولى بمردود ونرى شوقي يعارض نهج البردة والهمزية للبوصيري؛ ويكثر من ذكر الدين ومكارم الأخلاق في شعره، بل يؤلف ملحمة طويلة في جزء خاص هو "دول العرب وعظماء الإسلام" ويؤلف حافظ العمرية المشهورة، وعبد المطلب العلوية المشهورة، ويهيم بعض الشعراء بنظم الأناشيد الدينية فيؤلف حافظ نشيد الشبان المسلمين: أعيدو مجدنا دنيا ودينا ... وذودوا عن تراث المسلمينا فمن يعنو لغير الله فينا ... ونحن بنو الغزاة الفاتحينا ويؤلف الرافعي نشيدًا قويًّا للشبان المسلمين يقول فيه: يا شباب العالم المحمدي ... ينقص الكون شباب مهتدى فأروه دينكم ليقتدي ... دين عقل وضمير ويد ويعكف أحمد محرم على نظم "الإلياذة" الإسلامية، يصور فيها كفاح الرسول ﵇ في سبيل الدين ونشره، ويتتبعه منذ الدعوة إلى وفاته ويقف أمام غزواته وسراياه وقفات طويلة يصور بطولته ﵇، وبطولة أصحابه الذين أبلوا في الدفاع عنه كل بلاء. ويقول محرم في النشيد الأول من الإلياذة الإسلامية: املأ الأرض يا محمد نورا ... واغمر الناس حكمة والدهورا حجبتك الغيوب سرًّا تجلى ... يكشف الحجب كلها والستورا عب سيل الفساد في كل ودا ... فتدفق عليه حتى يفورا

стр. 627

جئت ترمى عبابه بعباب ... راح يطوي سيوله والبحورا ينقذ العالم الغريق ويحمي ... أمم الأرض أن تذوق الثبورا ويقول في الإلياذة شهداء بدر: طف بالمصارع واستمع نجواها ... والثم بأفياء الجنان ثراها ضاع الشذا القدسي في جنباتها ... فانشق وصف للمؤمنين شذاها حلل يروع جلالها ومنازل ... من نور رب العالمين سناها ضمت حماة الحق ما عرف امرؤ ... عزا لهم من دونه أوجاها ويقول عن نزول الملائكة في غزوة بدر يقاتلون الكفار دون أن يروهم: الله أرسل في السماء كتيبة ... تهفو كما هفت البروق اللمح تهى مجلجلة، تلهب أعين ... منها، وتقذف بالعواصف أجنح للخيل حمحمة يراع لهولها ... صيد الفوارس والعتاق القرّح حيزوم أقدم إنما هي كرة ... عجلى تجاذبك العتاق فتمرح جبريل يضرب والملائك حوله ... صف ترض به الصفوف وترضح وتبع خطى محرم في نظم الملاحم الإسلامية طائفة من الشعراء على تباين من منهجهم واختلاف في قدراتهم وخيالهم. ومن هؤلاء عامر بحيري في ملحمته "أمير الأنبياء" التي أنشأها عام ١٩٥٢ وهي تتألف من ألف ومائتي بين تتضمن حياة النبي ﷺ من لدن مولده إلى انتقاله للرفيق الأعلى. وفيها يقول واصفًا نزول الملائكة للقتال في صفوف المسلمين في غزوة بدر: ولاحت في الفضا خيل تحمحم ... وصاح كبيرهم حيزوم أقدم فيالله من مدد رهيب ... أضاء شعاعه والنقع مظلم ملائكة السماء على جياد ... من الأنوار نازلة تدمدم

стр. 628

ترى المتقاتلين ولا يراها ... من الكفار من أجد فيحجم تقدمت الصفوف بلا توان ... تقتل أو تمثل أو تحطم إذا الإسلام أقبل ناصروه ... إلى الأعداء بالعزم المصمم رأوهم ميتين بلا سيوف ... كذلك الخوف إن الخوف يلجم فلم يرموهم والله رام ... ولا هزموا وجند الله يهزم وقد طرق الشعر الملحمى غير هذين الشاعرين: كامل أمين، واليعربي محمد توفيق. واهتم شعراء الجيل الماضي بالمفاسد الاجتماعية التي تناقض تعاليم الدين الإسلامي، وحاولوا الإصلاح والإرشاد ما استطاعوا، كما حاولوا تصوير هذه المفاسد وبشاعتها وضررها البليغ على الأمة. وهكذا نرى عندنا شعرًا يصح أن نسميه شعرًا دينيًّا، منبعثًا عن شعور وعاطفة. ولم تكن مشكلة الفقر، أو النهضة الدينية، أو حجاب المرأة وسفورها هي وحدها المشكلات الاجتماعية التي أثارت شعراءنا، ولكننا نجد بجانب هذا نهضة اقتصادية في البلاد فإن المستعمر لم يدخل مصر إلا لأنها مدينة للأجانب، وكانت مصر حتى ثورة سنة ١٩١٩ بقرة حلوبًا لها؛ لا تدري من أمر اقتصادياتها شيئًا، يفد عليها كل أفاق لفظه وطنه، وضاق به، فيثري في بضع سنوات، ويصير من أصحاب الحول والطول في البلاد، ونحن نعيش كالسائمة لا نعرف كيف نستغل خيرات بلادنا، بل نبيعها بثمن بخس دراهم معدودات، ولا كيف نتعامل مع أوربا إلا عن طريق هؤلاء الأجانب، وعمت شركاتهم البلاد، واحتكرت منابع الخير فيها، وما علينا إلا أن ندفع لهم بسخاء ثمن النور والماء، والركوب وغيرها، وممن تنبه لذلك الخطر السيد عبد الله نديم، وقد عرفت في الجزء الأول كيف صور جشع هؤلاء الأجانب، وغبنهم الفاحش للفلاح الساذج، ثم جاء مصطفى كامل وحاول أن ينبه المصريون إلى أن الواجب يقتضي منهم أن ينهضوا باستقلال البلاد اقتصاديًّا، ولكن التعليم الذي فرضه علينا المستعمر لم يكن يهيئ لنا رجالًا صالحين للنهوض بهذا الأمر، حتى شبت الثورة ونهض فريق من رجال

стр. 629

الاقتصاد وعلى رأسهم طلعت حرب، وأبطلوا ذلك السحر الذي نفثه الإنجليز في عقولنا بأننا لا نصلح للأعمال المالية، ولا تصلح بلادنا لنسج القطن، ولا الصوف ولا الحرير، وبأنه لا يوثق بمصري، فهو كسلان، مرتش، مهمل، حتى فقدنا الثقة بأنفسنا، وتحطمت آمالنا. جاء هؤلاء الرجال وبرهنوا على أن إنجلترا كاذبة، وتود أن نظل في ظلام دامس، تستنزف دماءنا، وتهيئ لأبنائها حياة رغيدة في وطنهم، ولو قتلنا الجوع، وأثقل ظهورنا الدين، فأسسنا "بنك مصر" وشركاته العديدة، التي شملت مختلف النواحي الاقتصادية، وكان نجاح هذه المؤسسة وبمؤسسيها. ومن يرجع إلى خطاب سعد زغلول في الجمعية التشريعية١ في مارس ١٩٠٧، وكيف بين قوة تلك القبضة الأجنبية على مقدرات البلاد الاقتصادية، وأن التعليم في مصر لا بد أن يكون بلغة أجنبية، حتى يستطيع أبناء مصر أن يجدوا عملًا في بلادهم، أدرك مدى ما وصلت إليه مصر وحالتها الاقتصادية من احتلال شنيع واستغلال بشع، وأدرك عظم المسرة التي خامرت نفوس بنيها حين تقدم بعضهم ليشق طريقه، وطريق بلاده في عالم المال، وقد ظل وطننا يعاني عنتَ الشركات الاقتصادية العظيمة التي وثبناها في الربع الثاني من هذا القرن، وبعد ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، وليس الضرر في وجود الشركات الأجنبية ورءوس الأموال الغربية، فإن بلادنا ما زالت في حاجة شديدة إلى هذه الأموال لكثرة ما بها من مشروعات ضخمة تحتاج إلى أموال طائلة وتهدف من ورائها إلى تصنيع البلاد وتقويتها، وزيادة دخل أفرادها، ورفع مستوى معيشتهم، وإنما كان الضرر كامنًا في كثرة الامتيازات التي تمتعت بها هذه الشركات الأجنبية وإعفائها من الضرائب، وعدم عنايتها بتدريب المصريين، وحرصها على إرسال أرباحها إلى خارج مصر. وقد نظم كل هذا الآن كما نهضت شركات مصرية كثيرة يسهم فيها الأجانب بأموالهم.

стр. 630

وقد تبين لرجال الثورة المباركة أن رءوس الأموال الأجنبية بمصر تحارب الإصلاح والسير بالوطن قدمًا إلى الأمام، وتتعاون مع الاستعمار وتتخذ مؤسساتها أوكارًا للجاسوسية والخيانة والغدر. فعمدت حكومة الثورة بعد الاعتداء الثلاثي على قناة السويس إلى تأميم كثير من المؤسسات والمصارف الأجنبية، واشترتها الحكومة حتى تتخلص من نير الاقتصاد الأجنبي. واهتمت حكومة الثورة بتصنيع مصر حتى تستقل بشئونها الاقتصادية ولا تظل عالة على سواها، ورأت أن الاستقلال أكبر دعامة للاقتصاد السياسي، وأن الصناعة بمصر في أشد الحاجة إلى توجيه نحو ما نحتاج إليه الأمة في نهضتها، فلا تترك مرتجلة أو خاضعة لنزوات رءوس الأموال، ولذلك أنشأت الجمهورية العربية المتحدة "القطاع العام" في الصناعة، وأممت كثيرًا من المنشآت الصناعية الكبرى، وأسهمت بالنصف في بعضها حتى تضمن التوجيه والإشراف. ومن أهم المشروعات الصناعية الكبرى التي تمت فعلًا توليد الكهرباء من "خزان أسوان" الذي ظل معطلًا أمدًا طويلًا تقف دون تحقيقه أهواء مغرضة، ومن ذلك مصنع "الحديد والصلب" ليمد مصر بالصناعات الثقيلة، والتوسع في استنباط النفط "البترول" وتصنيعه. ويقف على رأس هذه المشروعات "السد العالي" الذي نرجو أن يغير مجرى الحياة في الجمهورية العربية وفي الشرق العربي كله. كما قامت حكومة الثورة بعدة إجراءات ثورية قوية تحاول بها أن تحقق الرخاء للمجموع، وأن يعيش المواطنون حياة ليس فيها هذا التفاوت المزري بين الطبقات، فسنت القوانين الاشتراكية في يوليو ١٩٦١؛ لتقريب هذه الفوارق، وإنعاش أكبر عدد من الأمة، وفي ديسمبر ١٩٦١ حرمت ملكية الأرض بالجمهورية العربية على غير المصريين ووزعت الأرض التي كان يملكها الأجانب على صغار الفلاحين؛ وبذلك أنقذت الثروة الوطنية في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة من أيدي المحتكرين والمرتزقة من الأجانب والمستغلين من المصريين وهو إجراء حاسم كان عرب مصر يحلمون به من زمن طويل حتى يستطيعوا أن

стр. 631

يعيشوا أحرارًا في بلادهم غير خاضعين لهذه الأغلال الاقتصادية، وغير مقيدين في تصرفاتهم الوطنية. فلا عجب إذن حين نرى شعراءنا نقيض بهم العاطفة فيقولون في "بنك مصر"، وفي مشروع القرش، وفي أول سرب من طياري مصر، وفي طليعة الملاحة المصرية، وفي مصنع النسيج بالمحلة، وغير ذلك من مظاهر النهضة الاقتصادية، والتي هي من أكبر دعائم الاستقلال، فقد كانت هذه الحقبة مليئة بعوامل اليقظة والرقي في كل ميدان من ميادين الحياة في السياسة، والاجتماع، والقومية بمظاهرها العديدة، وقد سجل الشعراء كل هذه المظاهر في شعرهم يترجمون به عما يختلج في صدور الأمة، ويطلبون المزيد منها لأنهم نصبوا أنفسهم في مقام الهداة والمرشدين، وقادة الفكر المصلحين، ويصدرون فيه عاطفة غالبًا، وعن تكلف أحيانًا، وقد تعدوا الكلام في هذه المظاهر إلى رثاء عظماء الأمة في كل نواحي نشاطها، سواء كانوا رجال سياسة، أو دين، أو صحافة، أو إصلاح، أو اقتصاد، حتى صار شعرهم وثيقة تاريخية، وصورة لعصرهم الذين عاشوا فيه. وقد لا يرضى عن ذلك أصحاب المدرسة الجديدة، ولكنهم على الرغم منهم اضطروا إلى مشاركة الأمة في عواطفها، وإلى تغذية هذه العاطفة، وقد لا يكون هذا النوع من الشعر جاريًا على نمط الشعر الغربي الحديث، ولكنا أمة لها ظروفها الخاصة، وفي يده نهضة عامة شاملة، وفي أمس الحاجة إلى من يشجع المكافحين في سبيل مجدها أحياء، ويجعلهم مثلًا طيبًا لمن بعدهم أمواتًا. كنت أود أن أسوق نماذج على كل لون من ألوان الحياة الاجتماعية، وأن أتعقب الشعراء واحدًا واحدًا كما فعلت في الشعر السياسي، بيد أنني أوثر هنا أن أكتفي بهذا التعميم، مرجئًا الأمثلة إلى حين الكلام عن الشعراء، وحسبنا أن نعرف الخطوط العريضة للعوامل الاجتماعية المؤثرة في الشعر الحديث، وهي لا تقل في قوة تأثيرها عن العامل السياسي بل ربما فاقته؛ لأن الأمة كانت حقًّا في مسيس الحاجة إلى الإصلاح الاجتماعي بعد أن طالبت هجعتها، وعمل المستعمر على أن تظل في تلك الهجعة.

стр. 632

٣- الفصل الثالث: النقد الأدبي لقد خطا البارودي بالشعر خطوة قوية عظيمة كما عرفت، أعاد للشعر ديباجته المشرقة، ومتانته الرائقة، ورجع به إلى عصر ازدهاره أيام العباسيين، وسار على نمطهم في موضوعه، وقالبه، ومعانيه، وحذا حذو البارودي الشعراء الذين أتوا بعده، وكان تأثيره فيهم جليلًا قويًّا؛ لأنه شاعر معاصر، ضرب لهم مثلًا صادقًا فيكيف يكونون شعراء بحفظهم من جيد الأدب القديم، ثم معارضته وتقليده، ثم الاستقلال عنه وظهور شخصيتهم؛ ولم يعد أحد منهم تساوره نفسه لتقليد شعراء الضعف أيام المماليك والعثمانيين، والاهتمام بالمحسنات والحلى والزخارف، إلا من باب رياضة القريحة، أو العجز عن التخلص من تقاليد الشعر البالي كما فعل إسماعيل صبري لأول عهده بقرض الشعر، فكان يجيد التاريخ الشعري، ويهتم بعض الاهتمام بالمحسنات، إلى أن استطاع الوقوف وحده، فهجر ذلك كله١. وقد ظهرت طائفة من الأدباء والملمين بأصول اللغة العربية، وعلومها في أخريات القرن الماضي حاولوا تجديد النقد الأدبي كما عرفه القدماء، وتطبيق النظريات العربية في النقد كما عرفها نقاد العصر العباسي على الشعر الحديث. وأول من خطا خطوة جدية في هذا الباب هو الشيخ حسين المرصفي صاحب "الوسيلة الأدبية"، وقد عرض علوم العربية عرضًا جديدًا بأسلوب جديد وبخاصة علوم البلاغة مبينًا منزلة كل منها في نقد الكلام. ولم يكتف بهذا بل حاول التطبيق النقدي، وصح كثيرًا مما أخطأ فيه القدماء، وكان له ذوق مرهف لمعرفة مواطن الحسن في الكلام، ويبدأ نقده بتفسير الكلمات اللغوية حتى يتضح المعنى ولا يجعل من النحو والبلاغة غاية في النقد وإنما هي عنده وسيلة لمعرفة الصور وجلائها وإيضاح مكامن البلاغة في

стр. 633

القول، ولذلك نراه ينتقد معاصريه، والسابقين عليه في طريقة دراستهم للبلاغة وفهمهم لمقصدها، فلا ينبغي لهم الاقتصار على قولهم: "كذا يشبه كذا كذا أو استعار كذا ولكذا"، وإنما يجب على الناقد. أن يقف القارئ على مواطن الحسن في العبارة. ومن أمثلة نقده كلامه على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ ، الختم: الطبع، ويدل على تشبيه القلوب بصناديق مثلًا، ففي الكلام استعارة مكنية وقرينتها لفظ ختم، فيفيد الكلام أنه بمنزلة الجمادات بحيث أنها لو كان فيها شيء لم تكن منتفعة به، وقد جعلت بحيث لا يمكن أن يدخل فيها شيء، فلا يطمع طامع في إيمانهم. وعنده أنه ليس كل كلام تحققت فيه أركان قسم من أقسام فنون البلاغة يعد بليغًا فيقول: ليس كل ما فيه الكاف أو كأن يعد في نظر أهل صناعة الكلام العارفين بها، الواقفين على أسرارها، والملتفتين إلى دقائقها -تشبيهًا، وإنما التشبيه ما جلت فائدته وحسن موقعه من عرضه. وإن أحسن التشبيه والاستعارة ما وقع موقعه من غرض تصوير حال المشبه أو المستعار له، والإبانة عنها بجزيل العبارة ولطف السياق بحيث لا يكون قصد المتكلم إلى مجرد التشبيه والاستعارة كما هو كثير من كلام المولدين١. ويورد المرصفي نماذج عدة من الكلام البليغ، ويبين مواطن البلاغة فيها، ولم يقتصر في أمثلته على عصر، وإنما أورد نماذج تبين مختلف العصور والتطور البلاغي محللًا بعضها تحليلًا دقيقًا. وهو يعتمد في كثير من الأحيان على ذوقه، وتمرسه بأساليب العرب الأقدمين. وحفظه للجيد من كلامهم؛ ولذلك كان معجبًا بالبارودي لأنه لم يتلق علوم العربية على مدرس، وإنما اكتسب الملكة البيانية من حفظه للجيد من النثر والشعر في عصورهما الذهبية، ولكن اعتماد المرصفي على ذوقه لم ينسه القواعد والأصول لعلوم العربية، وإذا خرج الأديب

стр. 634

على الأصول خرج من ميدان اللغة العربية أصلًا؛ لأن الوقوف على ما تعارف عليه العرب شرط أساسي لا يمكن الاستغناء عنه ما دام المراد هو التكلم بلغتهم. ولم يكتف المرصفي بالتجديد في النظرة إلى علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وبيان الغاية منها، ولكنه تكلم عن "كتابة الإنشاء أو صناعة الترسل"، وكذلك ما سماه "صناعة الشعر" واتبع في معالجتها ما أتبعه في معالجة البلاغة من الاعتماد على الذوق والمعرفة معًا. ومقياس الجودة عنده: "صحة المعنى وشرفه، وتخير الألفاظ في أنفسها، ومن جهة تجاورها، وموافقتها للمقام، وإجادة التركيب على ما شرح في علم المعاني وغيره، بحيث تكون الألفاظ سلسلة في النطق خالية من التنافر وشدة الغرابة، يألف بعضها بعضًا: حتى تكون الكلمات المتوالية بمنزلة كلمة واحدة، وتكون الألفاظ التي توردها في مقام الحماسة ليست كالألفاظ التي توردها في مقام الغزل والتشبيب، فلكل فن من تلك الفنون ألفاظ توافقه من جهة شدتها ولينها تسمعهم يقولون: الجزل الرقيق١". وجاء بعد المرصفي جماعة ساروا على نهجه في الإفادة من العلوم في فهم النص وشرحه ونقده على طريقة القدماء، منهم الشيخ حمزة فتح الله في "المواهب الفتحية" مع زيادة اهتمام بالنحو واللغة، ومنهم الشيخ المهدي وحفني ناصف في دروسهما بالجامعة المصرية القديمة مع اهتمام أولهما بتاريخ الأدب وثانيهما بدراسة النصوص الأدبية على الطريقة القديمة. وقد اشتهر من النقاد الذين سلكوا مسلك السلف في النظرة إلى الشعر وطبقوا قواعد البلاغة القديمة في النقد: إبراهيم المويلحي، ولم يروجوا في نقدم لمذاهب جديدة في الأدب، أو ينموا على تأثر بتيارات الأدب الغربي وإنما ينظرون إلى اللفظ من حيث جودته وصحته وعدم تعاضل حروفه وانسجامه مع غيره وأدائه للمعنى، وينظرون إلى المعنى من حيث الإحالة والتعسف والخطأ والوهم

стр. 635

وما شاكل ذلك مما كان مألوفًا في النقد والمقاييس البلاغية المعروفة عند العرب. ومن أمثلة هذا نقد محمد المويلحي لديوان شوقي ومنه نقده المشهور: خدعوها بقولهم حسناء ... والغواني يغرهن النثاء "فقوله: خدعوها يفهم منه أن المشبب بها غير حسناء؛ لأن الخداع لا يكون بالحقيقة، وإذا أردت أن تخدع الشوهاء فقل لها حسناء وهو ينافي قوله في البيت الثاني: ما تراها تناسب اسمي لما ... كثر في غرامها الأسماء وخدعوها بمعنى حتلوها وأرادوا بها المكروه من حيث لا تعلمه". وقد جرى على هذا النهج كل النقاد حتى أولئك الذين نادوا بالتجديد في الأدب، ودعوا إلى بعض المذاهب الغربية، كانوا في النقد التطبيقي ينظرون إلى البيت الشعري في كثير من الأحيان بمقاييس البلاغة القديمة ترى ذلك عند الرافعي في نقده لشوقي، والعقاد وطه حسين في نقدهما لحافظ وشوقي، والعقاد في نقده للرافعي، والمازني في نقده لشكري، وإن كان للمجددين نظرات أخرى في القصيدة كلها من حيث بنائها ووحدتها وموضوعها وما بها من عاطفة وخيال كما سيأتي. وكأني بهذه المدرسة المحافظة التقليدية الجديدة كانت تشعر بزحمة التيار الغربي وقوته، وأنه يحاول أن يعطي للشعر مفهومًا جديدًا ويحول مجراه القديم إلى مجرى آخر، فراح كل شاعر يقدم ديوانه بمقدمة يعرف فيها الشعر ويضع أسسه وأركانه وشروطه التي يصح بها، وهي تعاريف فيها شيء من الجدة والطرافة والخروج عن مفهوم الشعر في عصور الضعف والانحلال، ومحاولة الأخذ من الآراء الجديدة في الشعر كما عرفه الغربيون بالقدر الذي يتفق مع حقيقة الشعر ورسالته كما عرفه العرب وهم في عنفوان مجدهم. وكأن أول من سن هذه السنة في العصر الحديث "البارودي"، وقد أتينا في الجزء الأول من هذا الكتاب على تعريفه للشعر وظهر لنا من مناقشته أنه لم يخرج به عن مفهوم العرب له.
следующие страницы →