← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

القصائد التي عارضوا بها السابقين من الشعراء، وقد لوحظ أن شوقي يستطيع إذا دخل في دائرة شعره أن يتخلص من قبضته وسيطرته، وسنرى عند ترجمتنا في هذا الجزء لصبري مقدار ما أخذه من سواهن وكيف أن الابتكار لديه قليل. والحق أن الابتكار في المعاني نادر، ولكن قد تهيأ لبعض شعرائنا شيء من هذا، ولا سيما مطران وشوقي، وسنرى عند الكلام عليهما إلى أي حد قلدوا، وإلى أي حد جددوا١. هذا ومن الأمور التي يجب النظر إليها عند تقدير الشعراء، ومعرفة منزلتهم الأدبية بالنسبة لمعاصريهم، ولشعراء لغتهم في القديم والحديث ولشعراء العالم أجمع: مقدار ما وصل إليه خيالهم الشعري. والخيال: هو وضع الأشياء في علاقات جديدة، وهو سمة من سمات بارزة من سمات الأسلوب الأدبي، لأنه يصور العاطفة أو ينقلها إلى السامع أو القارئ، ويبرز المعاني ويضفي عليها ثوبًا زاهيًا تخطر فيه فنتقبلها ونفهمها. ويلجأ إليه الأديب للإيضاح وحسن العرض وقوة الإبانة والتصوير؛ ويرى القارئ، والسامع الحقائق من ثنايا كل ذلك عن طريق خياله. والخيال موهبة تنفذ بروح الأديب إلى أسرار الوجود، واكتناء الحقائق المستكنة وراء مظاهر الأشياء وتجعله يحلق طليقًا في أجواء وعوالم جديدة مليئة بالرؤى الجذابة والصور الخلابة والموسيقى الساحرة، وهذه الموهبة تتباين قوة وضعفًا وضيقًا واتساعًا، وغنى وفقرًا لدى الأدباء بحسب قدرتهم على استيعاب أسرار الحياة وهتك حجب المادة، والوصول إلى ينابيع الإلهام، وقدرة نفوسهم على التوليد والتفاعل مع الحياة وانعكاس اشعاعاتها.

стр. 737

وهو نوعان: ابتكاري، وتصويري أو تفسيري، والأول يظهر في تأليف مجموعة من العناصر المختزنة في الذهن في صورة مبتكرة يتحقق معها كيان خاص لها. والثاني يظهر في تصوير الأشياء على أساس إضافتها إلى أشياء أخرى تقويها وتظهرها، ويستعين الأديب على الضرب الثاني بفنون البديع والبيان من تشبيه واستعارة وكناية، وتمثيل وما إلى ذلك. والخيال الابتكاري ضربان. خيال نافذ، يعين صاحبه على استحضار أطياف الماضي وتصوير حوادثها، وخيال خالق بجسم الإحساسات ويخلق الشخصيات، ومن الضرب الأول الشعر التاريخي كقول شوقي: كم مركب تتخايل الدنيا به ... يجلي كما تجليا لنجوم وتنسق "فرعون" فيه من الكتائب مقبل ... كالسحب قرن الشمس منها مفتق تعنو لعزته الوجوه ووجهه ... للشمس في الآفاق عان مطرق آبت من السفر البعيد جنوده ... وأتته بالفتح السعيد الفيلق ومشى الملوك مصفدين خدودهم ... نعل لفرعون العظيم ونمرق مملوكة أعناقهم ليمينه ... يأبى فيضرب أو يمن فيعتق أو كقوله في الهمزية التاريخية يصف ذل فرعون، وهزيمته أمام قمبيز: جيء بالممالك العزيز ذليلًا ... لم تزلزل فؤاده البأساء يبصر الآل إذا يراح بهم في ... موقف الذل عنوة ويجاء بنت فرعون في السلاسل تمشي ... أزعج الدهر عريها والحفاء وأبوها العظيم ينظر لما ... رديت مثلما تردي الإماء أعطيت جرة وقيل إليك النهر ... قومي كما تقوم النساء فقد نفذ الشاعر بعين خياله إلى الماضي واستحضر ذلك المشهد ثم وضعه وصوره، وأما الخيال الخالق فهو الذي يجسم الإحساسات ويخلق الشخصيات، ويبث الحياة في الجماد كقوله شوقي:

стр. 738

وقد صفى بردي للريح فابتردت ... لدى ستور حواشيهن أفنان ثم انثنت لم يزل عنها البلال لا ... جفت من الماء أذيال وأردان ومثل قطعة فنجان قهوة عند خليل مطران، فقد خلع شوقي على الريح الحياة ومثلها حية تبترد، كما خلع مطران على فنجان القهوة الحياة. ومن ذلك قول مطران في وردة ماتت وهي ملكة الزهور وقد غطتها الأعشاب فراحت الفراشات تحوم حولها فيدور بينها وبين الشاعر هذا الحوار: ما الذي تبغين من جوبك يا ... شبهات الطير؟ قالت وأبانت نحن آمال الصبا كانت لنا ... ها هنا محبوبة عاشت وعانت كانت الودرة في جنتنا ... ملكت بالحق والجنة دانت ما لبثنا أن رأيناها وقد ... هبطت عن ذلك العرش وبانت فترانا نتحرى أبدًا ... إثرها أو نتلاقى حيث كانت والخيال التصويري أو التفسيري يجيء من طريقتين: من القراءة في الأدب أو من التجارب الشخصية، ويتمثل في التشابيه والاستعارات والكنايات، والخيال بعامة قد يكون حسيًّا، وقد يكون معنويًّا، ومعظم الخيال التصويري خيال حسي، ومعظم الخيال الابتكاري خيال معنوي١. نظر النقاد الغربيون عند معرفة المنزلة التي يحتلها الشاعر من الشعراء إلى كل هذا: إلى الغرض، وإلى اللغة التي أدى بها، وإلى المعنى أو الفكرة ومقدار ما هي عليه من جدة أو تقليد أو ابتذال وما هي عليه من الصدق الأدبي، أو الكذب، ثم نظروا إلى الخيال وإلى العاطفة وصدقها. وهم على هذا الأساس قسموا الشعراء إلى ثلاثة أنواع: شاعر بسيط الشخصية يعكس الحياة في صورة بسيطة، وليس لشخصيته جوانب متعددة، وبذا تنعكس الحياة من مرآة نفسه على دائرة ضيقة من الفكر والخيال.

стр. 739

وشاعر مركب الشخصية، يمثلون شخصيته بمنشور ذي أضلاع وجوانب متعددة، تنعكس عليها أشعة الشمس في أشكال، وتدخل في وجهات مختلفة، وتأخذ صورًا متعددة. وشاعر معقد الشخصية له بجانب شخصيته الخارجية شخصيات، معقدة في ذاتها، تعكس الحياة في صور متنوعة وبذلك تستطيع نفسه أن تعكس المأساة الفنية للحياة في صور غنية قوية زاخرة. وقد قسموا الشعراء بناء على ذلك إلى ثلاثة أقسام: فعدوا ممن النوع الأول البسيط الشخصية الشعراء الوجدانيين، الذين يتغنون بالحياة أو الطبيعة بالنسبة إلى نفوسهم، وشعورهم إزاءها، فتجيء الحياة من نفوسهم نغمة واحدة من وتر واحد هو الذي تتألف منه نفسيتهم وهو عادة يشغلون بعواطفهم الداخلية عن النظر في أعماق الحياة التي تكتنفهم فلا يتكلمون إلا عن آلامهم وأفراحهم ومخاوفهم ومطامحهم. وعدوا من النوع الثاني الشعراء القاصي، والحياة تأخذ في نفوسهم نغمات متنوعة وإن كانت خارجة من وتر واحد، ولا تشغلهم عواطفهم الداخلية عن العطف على الحياة المحيطة بهم، وذلك يرجع إلى أنهم أصحاب خيال واسع عميق، ونظراتهم وإن كانت تعطف على الحياة إلا أنها لا تذهب إلى درجة الشمول والنظر إلى الكون جملة، وإلى مجموع البشرية مرة واحدة في جميع الحالات التي تلابسها؛ لأن الحياة والوجود متركزان في ذاتهم وذاتهم كمنشور يعكس عدة أشكال. ولكن مصدرها واحد، ويعجز عن عكس شخصية جديدة. وشعرهم عادة ذاتي لا يستطيعون التخلص من أثرتهم، ويدخل تحت الشعر الذاتي أحاسيس الإنسان وانفعالاته وطربه، وميوله، وأحكامه التي تقوم على اعتبارات ذاتية. وعدوا من النوع الثالث الشعراء الذين يستطيعون خلق شخصيات لم تكن، وتصوير الحياة في جميع الأوضاع والملابسات، وهم الذين برعوا في الشعرا لتمثيلي، وأتوا بنماذج خالدة، واستطاعوا أن يصلوا إلى أعماق أي نفس

стр. 740

إنسانية، وإن يترجموا، عنها، وشعرهم في الغالب موضوعي١، والموضوعي يدخل تحته صفات الشيء أو الموضوع الخارجي، والآراء التي تقوم على اعتبارات خارجية، والأحكام التي تبنى على المشاهد المحسوس، وعلى مقتضيات المنطق لا على الذوق والميل الشخصي٢. هذه بعض الأمور التي يراعيها مؤرخو الأدب والنقاد المحدثون عند تقسيمهم للشعراء ووضعهم في منازلهم من موكب الأدب. وسنراعي عند كلامنا على شعراء مصر بعد البارودي كل هذه الاعتبارات، وننظر إليهم بمنظار النقد الحديث، ونعرف إلى أي حد أضافوا إلى تراث العالم الأدبي جديدًا من فيض شاعريتهم. وسنبدأ بشعراء المدرسة التقليدية الحديثة التي نهجت منهج الشعر العربي القديم في أغراضه وأسلوبه وتشبيهاته واستعارته ونهجت نهج البارودي، ثم بشعراء المدرسة التي أخذت بحظ من الجديد، ثم شعراء المدرسة المجددة المعتدلة التي لم تخرج على قواعد اللغة، ثم الشعراء المجددين المتطرفين في التجديد الذين ثاروا على الشعر العربي في كل شيء.

стр. 741

الفصل الخامس: المدرسة التقليدية مدخل ... الفصل الخامس: المدرسة التقليدية عرف البارودي كيف يعيد للشعر العربي الحديث ديباجته القوية، وينهض به نهضة قارعة تخطت عدة قرون إلى الخلف حتى رجعت إلى عهود القوة والنضارة، ومتجنبة الزخرف والطلاء الغث، والركاكة، وضحالة المعاني، والتقليد لعصور الضعف والعجمة. ثم نهضت البلاد نهضات قوية في التعليم وإحياء التراث العربي القديم، وأخذت المطبعة تزود المتأدبين بنفائس الأدب العربي في أبهى عصوره كما عرفت آنفًا. وكان من الطبيعي أن يحذوا الشعراء الذين جاءوا بعد البارودي حذوه في أول الأمر، ولا سيما هؤلاء الذين لم يتزودوا بثقافة غربية، أو عرفوها وثقفوها ولم يكن لهم تلك الطبيعة الثائرة، أو القوة على ابتداع مذهب جديد في الأدب، ولم يروا نموذجًا إبداعيًّا يحاكونه، فحافظوا على المذهب الذي عرفوه، وأجادوه. لقد قلدوا الشعر العربي القديم في أوج عزته كما فعل البارودي، ولم يلتفتوا إلا نادرًا لما تخلف عن عصور الضعف من حلى وزخارف ومحسنات، وتاريخ شعري. وأهم خصائص تلك المدرسة التقليدية الحديثة متانة الأسلوب، والعناية به عناية فائقة فقلما تجد خروجًا على قواعد اللغة، أو خطأ، أو ركاكة وإنما تجد شعرًا مصقولًا متينًا، مشرق الديباجة. تجد هذا عند صبري، وعند حافظ، وعند عبد المطلب، وعند البكري، والجارم، ومحرم، والكاشف، ونسيم ومن على شاكلتهم، على اختلاف بينهم في تقليدهم الشعراء الأقدمين الذين تأثروا بهم، فمنهم من راقه شعراء العصرالعباسي والشعر في ازدهاره، فقلدوا أبا نواس والبحتري وأبا العلاء، وابن الرومي، وعارضوهم في قصائدهم ونسجوا على منوال أسلوبهم: جزالة في رقة الحضارة وعذوبة المدينة القديمة، وولع بالتشبيهات والاستعارات وأنواع المجاز، ومنهم من رجع إلى الخلف أكثر من هذا فتوعر قليلًا وحاكى شعراء العصر الأموي، أو الجاهلي، وجاء شعره بدوي النسج، متين التركيب، عليه سيما الفتوة العربية قبل أن ترققها الحضارة، مثل عبد المطلب.

стр. 742

ومن خصائص تلك المدرسة كذلك استخدام القصيدة بمظهرها المعروف ذات الروى الواجد والقافية الواحدة، والوزن الواحد، وكثيرًا ما ابتدءوا تلك القصيدة بالنسيب كما كان يفعل شعراء العرب الأقدمون، أو تركوا النسيب كما فعل ذلك من قبلهم بعض شعراء العصر العباسي حيث بدءوا بالغرض من غير تلك المقدمة الموروثة عن الجاهلية. على أن القصيدة الحديثة لا تختلف عن القديمة في تعدد عناصرها، فلم ينظروا إليها نظرتهم إلى بناء متماسك الأجزاء أو كائن حي، إلا قليلًا حين وضعوها في الأسلوب القصصي كما ترى ذلك عند حافظ وعبد المطلب أحيانًا، ولكن الغلب على شعر هذه المدرسة هو جعل البيت -كما كان من قبل- وحدة القصيدة، ويجوز فيها التغيير والتبديل من غير إخلال بالمعنى. وقليل منهم من جرؤ على استخدام الموشحات أو ما يشابهها. ومن خصائص تلك المدرسة كذلك أن موضوعات شعرهم قلما طرأ عليها تجديد، اللهم إلا ما تقتضيه خصائص العصر العامة فأغلبهم كان مداحًا، يمدح الخليفة. وإن لم يعرفه أو تكن بينه وبينه صلة، أو ثمة أمل في أن يعرفه، ويمدح الأمير وحاشيته، ويغير ولاءه كلما تغيرت الوجوه الحاكمة من غير تحرج أو تردد؛ لأنه لم يكن ينظر إلى المدح نظرتنا له اليوم؛ لأن الاهتمام بالشعب لم يكن قد بلغ غايته، فكان الأمير هو المحور الذي يدورون حوله. مثهلم في ذلك الأدباء الإنجليزي والفرنسيين قبل أن تظهر الحركة "الرومانتيكية"١. وقد صرفهم المديح كما صرف أسلافهم العرب من قبل عن الاهتمام بالطبيعة، وبالحياة الإنسانية، وإن التفتوا في أخريات زمانهم، نظرًا لتطور الحياة في مصر إلى بعض ذلك وإلى الشعب وآماله، ولكنهم على كل حال كانوا ينظرون من خلال ذاتهم ومقدار تأثرهم بالأحداث المحيطة بهم، فلم يكن شعرهم في الشعب موضوعيًّا.

стр. 743

وكانوا يهتمون بالطبقة الراقية من الأمة، فيمدخون أعلامها، ويرثون عظماءها، ويتبادلون وإياهم الرسائل الإخوانية. وقد وصفوا بعض الأشياء، ولكنهم قلما أفردوا للوصف قصائد بذاتها، وأهمل أكثرهم الطبيعة المصرية، أو قال فيها الشيء القليل، ونظرة عابرة من غير أن يقف طويلًا، على الرغم من تنبه الشعور الوطني والإحساس القومي في أخريات عهودهم. وتراهم يحاولون التجديد في الموضوعات، وكأن لديهم عقدة نقص يحاولون إخفاءها، فيكثرون من الكلام على البخار، والطيارة وغيرهما، ليثبتوا أنهم يجارون عصرهم، والحضارة التي يتمتعون بها. وقد تخلف عند بعضهم شيء من الأغراض التي قضت عليها حركة التجديد، فترى الهجاء الشخصي والاجتماعي كما عند صبري، وترى الفخر كما عند عبد المطلب، وعلى العموم فدائرة الشعر لديهم ضيقة، وموضوعاتهم محدودة، وإن أفاضوا في الشعر السياسي والاجتماعي متأثرين بالحركات القومية التي لم يجدوا بدًّا من أن يتأثروا بها. أما معانيهم فليس فيها جديد إلا النادر كما ترى ذلك عند توفيق البكري، ومعظمها مأخوذة من الأدب العربي القديم، أو من المعاني المتداولة، وخيالهم تصويري مبني على الاستعارة والتشبيه والمجاز، بل كثيرًا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين، متأثرين بالقوالب المحفوظة، والعبارات المتداولة. كان أغلبهم متزمتًا، جادًّا في حياته، وإذا تغزل عف ولم يفحش، وفي أدبهم تكثر الحكمة والموعظة والإرشاد، فهم يجعلون للشعر غاية يهدف إليها، ولم يعرفوا معنى "الفن للفن". وبعد، فهذه أهم خصائص تلك المدرسة، على أن هذه الخصائص المشتركة بين شعرائها تختلف قوة وضعفًا أو وجودًا وعدمًا في بعض الشعراء عن بعض،

стр. 744

مع ميل في بعضهم إلى التجديد بحذر، أو نفور منه البتة، وستتضح تلك الميزات حينما ندرس شعراء تلك المدرسة. ولا أستطيع أن أحصي كل شعراء المدرسة التقليدية، أو أترجم لهم جميعًا، فإن ذلك يحتاج إلى موسوعة أدبية كبيرة، وإنما سأترجم لنماذج منهم؛ لأن مجال هذا الجزء أضيق من أن يتسع لهم جميعًا. على أن أترجم للبقية الباقية منهم في الجزء الثالث إن شاء الله.

стр. 745

إسماعيل صبري ١٨٥٤- ١٩٢٣: ولا تعجب إذا عددنا إسماعيل صبري في شعراء المدرسة، فعلى الرغم من أنه درس في فرنسا بعض الزمن، واحتك بالثقافة الغربية احتكاكًا مباشرًا سواء في دراسته بمدينة "إكس"، أو باطلاعه على القوانين الفرنسية، وشغله مناصب قضائية كثيرة فإنه لم يفد من تلك الدراسة الفرنسية، وشغله مناصب قضائية كثيرة فإنه لم يفد من تلك الدراسة القانونية، وما عساه قرأ في الفرنسية إبان مقامه في فرنسا من أدب واجتماع، كما لم يفد من اتصاله بالحياة الغربية، وقضائه ردحًا من الزمن بين الغربيين إلا قشورًا وصفات عامة في شعره وجهته نحو نوع خاص منه. ثم صقلًا في الذوق، وقد يكون هذا طبيعة فيه لا مكتسبًا من إقامته بفرنسا، وقد يكون من أثر الوظيفة، وكثرة اختلاطه بالأجانب المقيمين بمصر١. فكم من شاعر عربي قبل صبري، وبعد صبري اشتهر بالرقة، وإرهاف الحس، وجمال الذوق، ولا سيما إذا كان من أهل القاهرة، والقاهرة قد عرفت من قديم الزمان بأنها مدينة الظرف والدماثة، والنكتة، والمرح. نشأ إسماعيل صبري بالقاهرة، والتحق بمدرسة "المبتديان" وهو في الثانية عشرة من عمره وأتم دراسته في مدرسة الإدراة والألسن في سنة ١٨٧٤، وكان وهو في المدرسة يجيد الخط، ويعني به حتى بلغ في ذلك حدًّا جعل أولى الأمر يفكرون في تعيينه مدرسًا للخط، وكاد إسماعيل يستجيب لهم لولا على مبارك وزير المعارف حينذاك الذي أقنعه بالعدول عن هذا: ضنًّا بمواهبه أن تقبر في مثل هذه المهنة؛ ولأنه كان يعده لما هو أسمى رتبة وأجدى عليه وعلى الأمة٢. وما زال يتعهده حيث أتم دراسته بمصر. ونبوغه في الخطب وهو فن جميل يؤيد ما ذكرناه آنفًا من أن دقه حسه، وكمال ذوقه، وحبه للجمال لم يكن مكتسبًا من إقامته بفرنسا. وإنما كان طبيعة وميلًا فطريًّا فيه.

стр. 746

ثم أرسل إسماعيل صبري لدراسة القانون بمدينة "إكس" سنة ١٨٧٤، وتقلب في مناصب القضاء المختلفة، وترقى في سلمة حتى عين "نائبًا عموميًّا" وكان أول مصري يشغل هذه الوظيفة، وذلك في عام ١٨٩٥. ثم عين محافظًا للإسكندرية سنة ١٨٩٦، ووكيلًا لوزارة العدل "الحقانية" إلى أن اعتزل الخدمة في سنة ١٩٠٨، وقد أنعم عليه بعدة رتب وأوسمة، وانتقل إلى رحمة الله في مارس ١٩٢٣. لم يذكر أحد ممن تكلم عن صبري سواء من أصدقائه أو معاصريه شيئًا عن طفولته وأسرته، وعوامل الوراثية فيه، وهذا حقًّا شيء يؤسف له، فإن كثيرًا من هؤلاء الذين كتبوا عنه قد خالطوه وصادقوه، وعرفوا من أمره ما لا يعرفه جمهرة الناس؛ ولأن ذكر دراسته وتقلبه في مناصب عدة لا يفيد مؤرخ الأدب بقدر ما يخدمه معرفة البيئة التي ترعرع فيها الشاعر ونما. ومهما يكن من أمر فقد جمع الذين كتبوا عنه أنه كان مرهف الحس، أنيق المظهر والمخبر، دمث الخلق، لين العريكة، خفيف الروح، حاد المزاج١، كما أنه كان أبي النفس حييًّا، مترفعًا عن الدنايا، لم يغش دار "كرومر" أو يتصل به على الرغم مما بذله من محاولة لاجتذابه إليه٢. ولعلك تلمس في شعره شيئًا من صفاته، فقد كان حريصًا على أصدقائه الذين يتخيرهم بعد طول نظر، وهم قلة فإذا صادق ضن بصديقه عن سماع أي وشاية، بل يقابل الوشاية بالثناء وكان كثيرًا ما يردد قول الأحنف: "ما أقبح القطيعة بعد الصلة" وفي هذا يقول مخاطبًا أصدقاءه الذين كرموه، وهو يودع الإسكندرية: وأحفظوا عهدي القديم فإني ... حافظ عهدكم برغم البعاد فإذا قرب النفوس ائتلاف ... هان عندي تفرق الأجساد وهو القائل:

стр. 747

وما المرء إلا بخلق كريم ... وليس بما قد حوى من نَشَبْ وله في أخلاق الناس، والتبرم بهم قصيدة طويلة حين ظهر "مذنب هالي"١ وتمنى صبري لو أنه صدم الأرض وأراحها من أهل النفاق والعقوق وأهل البغي والظلم إلى غير ذلك مما كان يؤلم حسه الرقيق، وأخلاقه الدمثة، فقال: غاص ماء الحياة من كل وجه ... فغدا كالح الجوانب قفرا وتفَشَّى العقوق في الناس حتى ... كاد رد السلام يحسب برًّا وفيها يقول: أغدًا تستوي الأنوف فلا يناظر ... قومًا على الأرض شزرًا أغدًا كلنا تراب ولا ملك ... خلاف التراب برًّا وبحرًا؟ أغدًا يصبح الصراع عنافًا ... في الهيولي ويصبح العبد حرًّا ومن قوله في الاعتداد بكرامته: ضنًّا بها عن أن تهانه: لكسرة من رغيف خبز ... تؤدم بالملح والكرامة أشهى إلى الحر من طعام ... يختم بالشهد والملامة ومن شدة إبائه أنه لم يكن يتورع عن رد الإهانة على طريقته، ولو كان من أهانه عظيمًا، استمع إليه يقول: أيها التائة المدل علينا ... ويك قل لي من أنت إني نسيت" وفي قوله: "إني نسيت" تهكم مر؛ لأن هذا الشخص لو كان عظيمًا حقًّا ما نسيه صبري، ولكنه لا يستحق أن يذكره صبري، وهو بهذا يخبره أنه أرفع منه شأنًا: وإذا خانه صديقه، وعقه وحاول إيذاءه تذكر عهد الوداد، فلم يرد على اعتدائه، وحافظ عليه. إذا خانني خل قديم وعقني ... وفوقت يومًا في مقاتله سهمي

стр. 748

تعرض طيف الود بيني وبينه ... فكسرت سهمي فانثنيت ولم أرم وكان يؤثر الحلم على الغضب فإذا ما دعت دواعي الغضب، وأثارته الحادثات تذرع بالحلم، ورجع إلى نداء العقل. إذا ما دعا إلى الشر مرة ... وهزت رياح الحادثات قناتي ركبت إليه الحلم خير مطية ... وسرت إليه من طريق أناتي وسترى تلك الدماثة والرقة، ولين العريكة واضحة في شعره، حتى في الموقف الذي يتطلب نضالًا وقسوة، ولقد ذكرنا شيئًا عن وطنية إسماعيل صبري فيما سبق١ وعن أثر الحالة الاجتماعية فيه٢، وأنه لم يكن ذلك الوطني المتحمس، بل كان حذرًا في كل ما يقوله كما أنه لم يقل شيئًا في مآسي الشعب ومشكلاته؛ لأنه كان في عزلة عنه إلا من خاصة أصدقائه الذين يتخيرهم بدقة. ولقد كان إسماعيل صبري برما بالحياة على الرغم مما أوتيه من منصب وجاه ولقب وسعة في العيش، ولعل هذا راجع إلى أنه كان يأمل أن يصل بكرم خلقه وشاعريته إلى ما وصل إليه من هم أدنى منه موهبة، وممن وسموا بالتملق والنفاق وسيء الأخلاق، وقد أشار في شعره إلى أنه قد أصبح نسيًا منسيًا لا يذكر اسمه عند توزيع المناصب، لاعتزاله، وعدم طمعه في شيء منها، فكأنه في جوف الحيتان: أين صبري؟ من يذكر اليوم صبري ... بعد أعوام عزلة وشهور أسألوا الشعر فهو أعلم هلَّا ... أكلته الأسماك طي البحور ومن دلائل برمه بالحياة، ذكره الكثير للموت، وتراه تارة ينظر للموت قلقًا: أتزودت من ضياء البدور ... لليالي كثيفة الديجور

стр. 749

وتارة ينظر إليه مرحبًا مطمئنًا. يا موت هأنذا فخذ ... ما أبقت الأيام مني بيني وبينك خطوة ... إن تخطها فرَّجت عني وأحيانًا يعزي نفسه بأنها إن سئمت الحياة، ففي التراب والموت الراحة، فالأرض هي الأم الرءوم: إن سئمت الحياة فأرتجع إلى ... الأرض تنم آمنًا من الأوصاب تلك أم أحنى عليك من الأم ... التي خلفتك للأتعاب لا تخف فالممات ليس بماح ... منك إلا ما تشتكي من عذاب وحياء المرء اغتراب فإن ما ... ت فقد عاد سالمًا للتراب أما خفة روحه، وحلو دعابته، وبراعته في النكتة في أشعاره التي قالها على لسان الوزراء والحكام، وفي المقطوعات التي نظمها في محمد المويلحي مشيرًا إلى "الكف" الذي ضربه ما ينبئ عن روح قاهرية محبة للنكتة التي تدور على التلاعب بالألفاظ، وتداعي المعاني والتورية، استمع إليه يقول في يوسف سابا باشا وقد تولى رئاسة شركة مياه القاهرة: أين سابا؟ أين سابايا ترى ... أين سابا ذو المزايا الباهرة قال لي قوم ثقات إنهم ... لمحوه في مياه القاهرة وإلى ما قاله في إسكندر فهمي باشا مدير السكة الحديدية حين اعتزل منصبه. اصلب أنت؟ قل لي، حار أمري ... إذا فكرت فيك وضاع حدسي خرجت من الشريط ولم تهشم ... كأنك خارج من بيت عرس ففي قوله "صلب" إشارة إلى المعدن الذي تصنع منه القضبان والقاطرات، وفي قوله "خرجت من الشريط، تلميح إلى الشريط الحديدي المعروف. وأسمع إليه كذلك يقول على لسام محمد المويلحي مشيرًا إلى ذلك الكف الذي ضربه على صدغه ولم يثأر لكرامته: أنا فرع الألى رفعوا بناء ... يرى للنسر فوق ذراه بيت أريش يراعتي بمداد خبث ... وأني لا لي هدف رميت وإن أحد تعرض لي بسوء ... وقف وراء صدعي واختفيت

стр. 750

وقد أفاض الأستاذ أحمد الزين الذي صاحبه ثلاثة عشر عامًا في ذكر خلاله ومزاياه في المقدمة، وإن كان شعره لا ينم على الكثر مما ذكر؛ لأنه كان مقلًّا، وحسبنا هنا ما أوردناه ففيه الكفاية التي تلقي ضوءًا على وجه الشاعرية وعلى مذهبه في الكلام، وفي الحياة. أما ثقافة إسماعيل صبري، فنعلم من تاريخ حياته أنه درس التركية والعربية في المدارس المصرية، ثم درس الفرنسية في فرنسا، ويدلنا شعره المبكر على أنه وعي من العربية قدرًا مكنه من نظم الشعر وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد ذكر الأستاذ أحمد الزين أنه كان يحفظ ديوان عمر بن الفارض وكان شديد الإعجاب بشعر البحتري١ مدمنًا لقراءته، مفضلًا له على غيره من الشعراء، وقد أخذ عن البحتري الكثير من حلاوة التنسيق، وعذوبة الألفاظ ووضوح المعنى، على أن في شعره كما سنرى فيما بعد ما يدل على أنه قرأ لشعراء كثيرين، وأفاد منهم لفظًا ومعنى، أما الأدب الفرنسي فقد حاول الدكتور لشعراء كثيرين، وأفاد منهم لفظًا ومعنى، أما الأدب الفرنسي فقد حاول الدكتور محمد صبري أن يتلمس آثاره في أدبه، وساق غير مثل على ذلك٢. ولكنا نرى أن ما أورده له شبيه في الأدب العربي القديم، وأكاد أعتقد أن صبري حين فكر فيه لم يرد على ذهنه الأدب الفرنسي، وإنما أسعفته ذاكرته الواعية، بما استظهره سابقًا حين كان يروض القول ويحاكي الأقدمين، ليتمرس على قول الشعر، بهذا المعنى أو ذاك، والعربية بهذا كانت أقرب إليه من الفرنسية، ولا سيما والألفاظ تكاد تكون متحدة مع ألفاظ الأبيات العربية القديمة. وعلى الرغم من أن النقاد أجمعوا على أنه معنيًا بشعره "شديد النقد له، كثير التبديل والتحويل فيه٣" وهو "يتخير اللفظ الشريف للمعنى الشريف، واللفظ القوي للمعنى القوي، واللفظ الرقيق للمعنى الرقيق٤" وعلى الرغم من قوله: شعر الفتى عرضه الثاني فأخر به ... ألا يشوه بالأقذار والوضر فانقد كلامك قبل الناقدين تحط ... ثاني النفيسين من لغو ومن هذر واقرأ فديتك تأمن ما تحاذره ... من قارئ هادئ أو قارئ ضجر

стр. 751

على الرغم من كل هذه العناية، وهذا التحذير، فإن إسماعيل صبري وقع في أخطاء كثيرة في اللغة والأسلوب وفي المعاني، ولكنها أخطاء لا تذهب بمنزلته الأدبية، وإن دلت على أنه لم يكن متمكنًا كل التمكن في قواعد اللغة ومتنها، وعلى أن لغة الصحافة قد جنت عليه، وسنرى نماذج من الأخطاء فيما بعد. وسترى من دراستنا لشعره أنه لم يفد من معرفته بالفرنسية إلا قليلًا جدًّا يتمثل في الروح العامة لبعض المقطوعات، فلا هو من الذين جددوا في الغالب الشعري فأتى بقصص أو ملاحم أو مسرحيات، ولا هو بالذي جدد في المعاني أو الصور أو الخيالات على نحو ما نرى عند مطران الذي تأثر كثيرًا بالأدب الفرنسي. شعره: قال مطران: "أكثر ما ينظمه إسماعيل صبري فلخطرة تخطر بباله من مثل حادثة يشهدها، أو خبر ذي بال يسمعه، أو كتاب يطالعه ... ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلى حيث يقصد قصيدة وهو نادر١". ويقول أحمد محرم. "صبري منذ القديم شاعر مقل، فهو لا يستطيع المطولات، ولا يكاد يجيدها، وقد نضجت شاعريته فأبدع في مواضع كثيرة، ولكنه بقى الشاعر المحدود والفنان الذي يأخذ من الفن ما يعجبه، ويأبى أن يعطيه ما يحبه هو ويرضاه٢. فصبري شاعر مقل، لا يكاد يجيد المطولات؛ وذلك لأنه لم يحترف الشعر، وإن أراد أن يكون شاعرًا معروفًا "فأقرأ الديوان من أوله فسترى ففتى يحاول قرض الشعر على النحو الذي تعلم الناس من قبله عليه قرض الشعر، يقول في الموضوعات التي كان الناس يقولون فيها، في مدح الخديو إسماعيل، وفي مدح

стр. 752

بعض الأشخاص الذين كان يراهم في حينئذ أهلًا للمدح، ولا يريد بذلك إلى الفن، وإلا أن ينظم الشعر، ويرفعه إلى الممدوحين، وينشره في الصحف، ويتحدث الناس عنه بأنه شاعر١". ولم يكن شعر صبري أول عهده بالأدب يبشر بشاعر مقتدر يحدث أثرًا يذكر في عالم الشعر٢، وأرى أن صبري على الرغم مما أسبغ عليه معاصروه من ثناء ومديح، وما أطروا به شعره، ولا سيما ذلك الذي قاله بعد عودته من فرنسا، وعلى الرغم من أنهم كانوا يلقبونه تارة بالرئيس، وتارة بشيخ الشعراء، ومن أنهم أثنوا على صدق عاطفته ودقة معانيه ورقتها لم يأت بجديد يذكر في عالم الشعر، وأنه فهم الشعر كما كان يفهمه الشيخ على الليثي، وإن كان أجود منه لفظًا، وأحسن معنى، وأمتن ديباجة. وإن شعر إسماعيل صبري امتداد لمدرسة القدماء، ولا أستطيع أن أقول: إنه امتداد لشعر البارودي. فشتان ما بينهما. ولعل الذي جنى على صبري هو أنه ابتدأ حياته الشعرية مداحًا، ولم يجد النموذج المعاصر القوي في فن المديح؛ لأن البارودي لم يكن من فرسان هذا الفن وما ورد له قليل جدًّا بالنسبة لشعره، وفن المديح قد استنفدت معانيه في الأدب العربي منذ زمن بعيد، ولذلك أخذ يقلد القدماء من شعراء العربية ولكن لم تواته ذخيرة من محفوظ الروائع الخالدة على إجادة التقليد واكتفى بترديد المعاني المطروقة من قبل بأسلوب يناسب بيئته وثقافته. ولم يستطع فيما بعد التخلص من ربقة الأدب العربي القديم، ويفيد من دراسته للأدب الأجنبي أو من تقليد البارودي، أستاذ المدرسة التقليدية الحديثة. ولم أجد شاعرًا صدق فيه القول: "بأن المعاصرة حجاب" خيرًا من إسماعيل صبري فلا شك أن الرجل لدماثة خلقه، وبعده عن المنافسات والحزازات، ورقته ولطف معاملته للناس قد أجمعت القلوب على محبته. وهم إذا نظروا إلى شعره

стр. 753

نظروا إليه بعين الصديق، وتمثل لهم إسماعيل صبري الرقيق الحس، المهذب الخلق، الكريم الخصال، صاحب الندوة العامرة التي كان يغشاها الشعراء، يلقبونه لكبر سنه، ولمقامه الأدبي بالرئيس أو شيخ الشعراء، وأنساهم كمال إسماعيل ما في شعره من مساوئ. ولا أريد أن أتجنى على إسماعيل صبري، وهأنذا أعرض عليك لترى صدق ما أقول: فصبري لم يجدد في موضوعات شعره، وإنما سار على نهج العرب الأقدمين، وكان عالة عليهم في معانيهم وألفاظهم وأغراضهم: مَدَحَ، وَرَثَى، وهَجَا، وهنأ، وتغزل، كما كانوا يفعلون، حتى الشعر السياسي الذي طرقه البارودي من قبل، والذي أفاض فيه حافظ وشوقي، وعبد المطلب، ومحرم، والكاشف، لم يكن له فيه نصيب ضئيل كما أنه لم يهتم بالناحية الاجتماعية في مصر، فيصور حال الشعب وآماله، ويشاركه أفراحه وأحزانه. وحتى شعره الذي كان يقوله لنفسه، والذي لا يدفعه إليه إلا شعوره ترى فيه أثر التقليد، وإن بدا مصوغًا صياغة ظريفة، فقد نظر فيه معاني من سبقه من الشعراء وحاكاهم، وقصر عنهم في الأداء. وأهم غرض قال فيه صبري، وأكثر هذه الأغراض تداولًا في شعره هو المديح والتهاني وما يتصل بهما. وقد بدأ حياته الشعرية بمدح الخديو إسماعيل، وهو بعد طلب في مدرسة الإدارة والألسن لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره فمن ذلك قوله من قصيدة، وقد نشرت بمجلة روضة المدارس تشجيعًا له: سفرت فلاح لنا هلال سعود ... ونما الغرام بقلبي المعمود وجلت على العشاق روض محاسن ... فسقى الحياء شقائق التوريد ورنت بأحور طرفها وتبسمت ... فبدا ضياء اللؤلؤ المنضود إلى غير ذلك من الغزل المتصنع، والمعاني القديمة التي عفى عليها، الزمن، وابتذلت من طول ما رددها الشعر العربي القديم، حتى وصل إلى مدح الخديو

стр. 754

إسماعيل، هكذا ابتدأ إسماعي صبري، ولقى تشجيعًا من أولي الأمر ومن رئاسة تحرير الوقائع المصرية، فقد ورد في الوقائع المصرية تقدمه لبعض قصائده في ذياك العهد، والتي من هذا الطراز: "ومن أبدع ما ورد من كلام الأفندية التلامذة المنتظم -ولا جرم. في سلك كلام الأساتذة ما جادت به قريحة الذكي، النجيب، الذي تحسن رواية كلامه وتطيب، إسماعيل أفندي صبري وهي هذه الذاهبة محسناتها البديعية مذهب الانسجام المفيد، في التهنئة بقدوم الجناب الخديو الأفخم السعيد". ومن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها الخديو: أغرتك الغراء أم طلعة البدر ... وقامتك الهيفاء أم عادل السمر وشعرك أم ليل تراخت سدوله ... وثغرك أم عقد تنظم من در إلى أن يقول في مدحه: سريٌّ سما فوق السماك مقامه ... وفاق على الشمس المنيرة والبدر وما الغيث إلا من بحار نواله ... ألم ترها تروي الوفود بلا نهر ونحن في غنى عن التعليق على هذا الشعر الذي قال فيه أحمد محرم: "إن أي شاعر في زمان إسماعيل صبري حينذاك كان خيرًا منه"١، وساق على ذلك عدة أمثلة، وليس حاله بعد أن رجع من البعثة، وتزود من علوم الغرب في باب المديح -بل وفي غيره- بأحسن منه قبل أن يذهب، استمع إليه في عام ١٨٧٨ وهو العام الذي انتهى فيه من دراسته بأوربا، كيف ينهئ توفيقًا، ويؤرخ في شعره على عادة شعراء الضعف، على أن السنة التي شرعها البارودي في الشعر، وما وضعه له من منهج قويم، وما ضربه للشعراء من نماذج غاية في الفحولة كانت حرية أن تجعل الشعراء يتقدمون بالشعر خطوة إلى الأمام، ولا يرجعون خطوات إلى الوراء وهذا هو يقول:

стр. 755

مولاي وافاك عام مشرق بهيج ... فيه لآمال هذا القطر تحقيق أبشر به فلسان السعد أرخه ... صافاك عام العلا والخير توفيق ويقول من قصيدة أخرى عام ١٨٨٦، فيبتدئ الشطر الأول بتأريخ: ويختم القصيدة بتأريخ: مولاي هذا السعد قال مؤرخًا ... بشرى أبا العباس عام بشائر وتجد له في كل قصيدة أبياتًا من هذا النوع، حتى لقد برع في التأريخ الشعري براعة فاقت عصر المماليك والعثمانيين. لقد مدح من قبل إسماعيل صبري كثير من شعراء العربية الفحول، ولكنك تقرأ شعر المتنبي أو البحتري أو أبي تمام في المدح فتهتز طربًا، وتجد جديدًا، وتجد فحولة وقوة، واستطرادًا إلى الوصف الرائع، والحكمة البالغة، ولكن صبري للأسف لم يأت بأي جديد في مدائحه. والأنكى من ذلك أن في نسيبه كان يقف على الأطلال والدمن، وأين في مصر الأطلال والدمن؟! وهب أنه جعل منازل الحبيبة الغائبة في قصور القاهرة ومعالمها بمنزلة الطلل البالي فهلًا جدد فيالصورة، وافتن في التعبير، بدلًا من ترديد ما لاكته ألسنة الشعراء منذ قال امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول وحومل ويقول صبري في قصيدة يهنئ بها توفيق في عام ١٨٩٠: قف بالديار وحي ركبا دراسًا ... لو يستطيع إجابة حياكا وانثر دموعك في ثراه صبابة ... على البكاء يزيل بعض جواكا ويقول من قصيدة أخرى يمدح عباسًا في عام ١٩٠٨ بعد أن شاعت ضروب الشعر الحديث على مطران وشوقي وشكري: لو أن أطلال المنازل تنطق ... ما ارتد حران الجوانح شيق فأين هذه الصورة القديمة التي لا تتعدى ذكر القدم ووصف البلى، وذلك الوصف الجاف الذي لا يفيد من الوجهة الفنية ولا يغني، فضلًا عن انحراف

стр. 756

الذوق، فإن صبري يريد التهنئة -وليس من المناسب في مقام التهنئة إيراد مثل هذه الصورة الحزينة، ولا ذلك اللون القائم، أين هذه الصورة من قول أبي نواس الثائر على وصف الأطلال والدمن حين يقول: ألا لا أرى مثلي امترى اليوم في رسم تغص به عيني ويلفظه وهمي أتت صور الأشياء بيني وبينه فظني كلا ظن وعلمي كلا علم وقول أبي تمام: على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصوغات الدموع السواكب أو قوله: أدار البؤس حببك التصابي ... إلى فصرت جنات النعيم لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أصبحت ميدان الهموم أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسومًا من بكائي في الرسوم وإذا تتبعنا أبياته في المدح من تلك القصيدة القافية التي اشتهرت؛ لأنه أثنى فيها على عباس ثناء عاطرًا لعفوه عن سجناء حادثة دنشواي؛ ولأنه استطرد إلى وصف تلك الحادثة وجدناه مقلدًا في كل بيت من أبياتها، وناظرًا إلى بيت من الشعر القديم، تارة يأخذ اللفظ والمعنى وتارة يكتفي بالمعنى وحده، من غير توليد أو إضافة جديدة على الصورة، ولنضرب على ذلك مثلًا بقوله: أحرزت يا عباس كل فضيلة ... وبلغت شأوًا في العلى لا يلحق من ذا يجاري أخمصيك إلى مدى ... وهواك سباق وعزمك أسبق فالثناء على الممدوح بأنه حاز كل الفضائل، وبأنه بلغ في العلا شأوًا لا يلحق، كلام قديم جدًّا، وطالما ردده الشعراء، هذا هو مهيار الديلمي يقول: لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه وما أشبه الشطر الثاني من البيت الأول بقول أبي تمام: هيهات تطلب شأو من لا يلحق

стр. 757

وفي السبق إلى الغايات يقول البحتري: طلوب لأقصى غاية بعد غاية ... إذا قيل قد تناهى تزيدا ويقول أحمد محرم في نقد البيت الثاني: ومن الخطأ قول صبري: "من ذا يجاري أخمصيك" فإن الملوك لا تمدح بمثل هذا، وأولى بهذه المجاراة أن تكون بين العدائيين، كالسليك والشنفرى وأمثالهما، فليس المجد مما ينال بالعدو على الأقدام فيكون للأخمصين عملهما فيه، قال البحتري: إذا سؤدد داني له مد همه ... إلى سؤدد نائي المحل يزاوله فلم يقل مد قدمه، أو طار بأخمصيه، وإنما قال مد همه. وقد قال المتنبي أروع من هذا في نفس المعنى: وحق له أن يسبق الناس جالسًا ... ويدرك ما لم يدركوا غير طالب ويحذي عرانين الملوك وإنها ... لمن قدميه في أجل المراتب وقد عد بعضهم من مبتكرات صبري في هذه القصيدة قوله: إن يرتجل عرف فأنت إلى الذي ... لم يرتجله المالكون موفر وهذا المعنى قديم طرقه غير واحد من الشعراء، قال طريح الثقفي: قد كنت تعطيني الجزيل بديهة ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر فأرجع مغبوطًا وترجع بالتي ... لها أول في المكرمات وآخر وقال الأبيوردي: جاء الندى والبأس منك بديهة ... لما كرهت الوعد والإيعادا ومن قبل هذين قال زهيد بن عروة المازني: مباذيل عفوًا جزيل العطاء ... إذا فضلة الزاد لم تبذل هم سبقوا يوم جرى الكرام ... ذوى السبق في الزمن الأول

стр. 758

ولا تجد بيتًا من أبيات هذه القصيدة، بل من قصائد المدح كلها عند صبري ليس له نظير في معناه، أو معناه ومبناه عند شعراء العربية الأقدمين؛ وذلك لأن باب المديح من أقدم أبواب المدح منذ اخترعه النابغة الذبياني، وجرى الشعراء على سنته، وافتنوا فيه، وأهم صفة كان يتحلى بها الممدوح في نظرهم: الشجاعة والكرم. هل من الجديد قول صبري في هذه القصيدة؟: عوذت مجدك أن تنام وفي الحمى ... أمل عقيم أو رجاء مخفق لقد قال المعري في هذا المجد المعوذ: أعاذ مجدك عبد الله خالقه من ... أعين الشهب لا من أعين البشر وفي معنى بيت صبري قول الشريف الرضي: نعمى أمير المؤمنين حرية ... ألا تنام عن الرجاء المهمل ويا ليت صبري صاغ القصيدة كلها صياغة قوية جيدة، فإنه لم يكن يقوى على المضي في القصائد الطويلة من غير أن يبهر نفسه، ويحل به الأين واللغوب، ويتردى في حمأة الكلام السوقي المسترذل. فمن ذلك قوله: وأخذت رأي أولى النهي مستوثقًا ... مستوزرًا وكذا الحكيم يدقق فهل هذا شعر؟ ويقول بعد هذا البيت: حتى اهتديت إلى الصواب ولم يزل ... بين الصواب وبين رأيك موثق وفي هذا اتهام لرأي الممدوح وطعن عليهن وإن حاول ستره بالشطر الثاني. وقال بعد هذا البيت: وأهبت فابتكر النضار سحائبًا ... تهمي وتفتقد المحيل وتغدق والمحيل: ما أتى عليه الحول، أو ما صار من حال إلى حال. وقد أراد بالمحيل المحال فأخطأ. وبعد فهل هذا الأمر مشكل؟ وهل معرفة جهل الأمة وسوء حالها كان خافيًا على عباس، حتى أخذ رأي أولي النهي، واستوثق، واستوزر، ثم اهتدى بعد تخبط وضلال، فأين هذا من قول مهيار الديلمي:

стр. 759

ودبر الدنيا برأي واحد ... يأنف أن يشركه فيه أحد إذا استشار لم يزد بصيرة ... ولا يلوم رأيه إذا استبد أو قول الشريف الرضى: يستمع الرأي وعنه غني ... قد يصقل السيف ولم يطبع وقول البحتري: إذا ما جرى في حلبة الرأي برزت ... تجارب معروف له السبق قارح أو قوله: تشف أقاصى الرأي في بدأته ... لعيني وستر الغيب غير رقيق أو قول المتنبي: كفتك التجارب الفكر حتى ... قد كفاك التجارب الإلهام أو قول سلم الخاسر: بديهته وفكرته سواء ... إذا ما ذابه الخطب الكبير وأحزم ما يكون الدهر رأيًا ... إذا عي المشاور والمشير وماذا عساي أقول في شعر صبري في المديح، وهو تقليد في موضوعه، وتقليد في طريقته وافتتاحه بالنسيب، ووقوفه على الأطلال، وتقليد معانيه، وصوره وألفاظه؟ فهل بعد هذا يقال إن صبري من الشعراء المجددين؟ ومما يتصل بالمديح والتهاني ذلك الفيض من التقاريظ، والقصائد التي تتخذ للزينة، ومثل القصيدة التي قالها لتوضع في غرفة المائدة بقصر عابدين، ومطلعها: شمس المعالي كعقود الجمان ... قد نظمت في صدر هذا المكان ومثل البيتين اللذين قالهما ليكتبا على مسقى "سبيل" أم عباس:

стр. 760

أسست هذا على أس التقى ... أم عباس ملاذ المعوزين أيها الظامئ قف نلت المنى ... فيح مي جدة أم المحسنين١ إن هذا الكلام لا يسمى شعرًا، بل هو نظم، وصاحبه كما رأيت "نديم" لا شاعر، يحاول أن يرضى البيت المالك، والحاشية، وتتمثل فيه الرقة والوداعة، وسرعة البديهة، والقدرة على القول في كل شيء كما هو شأن الندمان غالبًا. إذا كان الأدب الفرنسي قد ترك أثرًا في إسماعيل صبري، فذلك الأثر يتمثل في أنه شاعر "صالون" وشاعر "الصالون" كما علمت آنفًا يراعي دائمًا غيره، قبل أن يراعي نفسه وقلما يفرغ إلى شعوره ووجدانه، وفي "الصالون" يسود الذكاء، والنكتة وحسن التعبير. والمجاملة٢. ويذكر لنا الدكتور محمد صبري أن دار إسماعيل صبري كانت "تذكرنا بالأندية التي يرجع إليها الفضل في تهذيب اللغة الفرنسية وتجنب الكلمات الحوشية النافرة،؛ لأن السيدات كن فيها الآمرات الناهيات يحاسبن على كل لفظة ويتلطفن في الخطاب"٣، وقد أيد هذا حافظ إبراهيم في رثائه. لقد كنت أغشاه في داره ... وناديه فيها زهى وازدهر وأعرض شعري على مسمع ... لطيف يحس نبو الوتر ولكني لا أوافقه على أن إسماعيل صبري قد انطبع في ذهنه كثير من الأدب الفرنسي٤، اللهم إلا ذلك النوع من الأدب الذي ذكره الأستاذ العقاد بقوله: "ولما تهيأ لإسماعيل صبري أن يتلقى العلم في فرنسا، ويطلع على آدابها وآداب الأوربيين في غلتها كان من الاتفاق العجيب أنه اطلع على الآداب الفرنسية، وهي في حالة الذوق القاهري من بعض الوجوه؛ لأنها كانت تدين على الأكثر الأغلب بتلك الرافهية الباكية التي كان يمثلها "لامرتين" وإخوانه الأرقاء الناعمون"٥.

стр. 761

ولكننا نعلم أن مدرسة "لامرتين" هي المدرسة الإبداعية التي عنيت بالأدب الذاتي عناية فائقة فانطلق شعراؤها يتغنون بكل ما يحسون به، كما أنها عنيت بالطبيعة واكتناه أسراراها، والتملي من محاسنها ومفاتنها، وعنيت كذلك بالإنسانية والمجتمع عناية بالغة تصور مشكلاته بحاسة، وكانت الحياة كلها موضوعًا لشعرهم، وبرعوا في تصوير العواطف براعة فائقة، وعنوا بالجمال والأناقة، ولم يأخذ صبري من هذا كله إلا الجمال والأناقة وترك الهيام بالطبيعة والإنسانية والمجتمع. وإن مدرسة الندمان هذه تشبه إلى حد كبير عشراء الأندية و"الصالون". "وإذا أتيح لك أن تحضر مجلسًا من مجالس الظرفاء القاهريين في الجيل الماضي خيل إليك أنك في حجرة رجل نائم مريض. فالكلام همس، والخطوة لمس، والإشارة في رفق، وسياق الحديث لا إمعان فيه ... في هذه البيئة نشأ إسماعيل صبري الشاعر الناقد البصير بلطائف الكلام، فنشأ على ذوق قاهري صادق يعرف الرقه بسليقته وفكره، وليس يتكلفها بشفتيه ولسانه"١. هكذا يقرر الأستاذ العقاد، فإذا كان للأدب الفرنسي من تأثير عليه، فإنه زاده إمعانًا في رقته، وحبًّا في طريقته، وجعله شاعرًا عريقًا من شعراء المنادمة، لا شعراء الوجدان الذين يناجون نفوسهم، ويستوحونها الإلهام، ولا يفكرون في سواهم. لقد برهن إسماعيل صبري بالقسم الأكبر من ديوانه الذي تضمن المديح والتهاني، والتقاريظ؛ وشعر الزينة، والمناسبات، وبتلك المقطوعات القصيرة التي تقال ليفهمها الناس والتي تعبر عن خاطرة عابرة، ولا فكرة متأصلة في نفس الشاعر، على أنه من مدرسة علي الليثي التي لا تختلف كثيرًا عن وجهة النظر الفرنسية في الشعر. ولعله يقال إن عبقرية إسماعيل صبري قد تجلت في غير هذا الشعر الرسمي، تجلت في "مقطوعاته القصيرة يجري فيها ذوب قلبه، ويمزح فيها دم نفسه، بمعناه ولفظه، ويغني فيها لنفسه، ويقصد بها إلى بث لوعته وتخفيف كربته وتلطيف صبابته٢.

стр. 762

وهأنذا أعرض هذا النوع من الشعر لنتبين ما فيه من صدق العاطفة، وهل كان صبري فيه مجددًا، مخلصًا للفتن أو أنه تأثر بمدرسة الندماء، وبحياة "الصالون" قال صبري من قصيدته المشهورة "لواء الحسن": يا لواء الحسن أحزاب الهوى ... أيقظوا الفتنة في ظل اللواء فرقتهم في الهوى ثاراتهم ... فاجمعي الأمر، وصوني الأبرياء إن هذا الحسن كالماء الذي ... في للأنفس ري وشداء لا تذودي بعضنا عن ورده ... دون بع واعدلي بين الظماء أنت يم السحن فيه ازدحمت ... سفن الآمال، ويزجيها الرجاء يقذف الشوق بها في مائج ... بين لجين عناء وشفاء ألا تشعر وأنت تقرأ هذه الأبيات أن صبري ليس محبًّا عاشقًا متيمًا؟ إن المحب ذا أثرة، وغيرة، ولا يرضى إلا بأن يكون المحبوب له وحده، ولكن صبري يحب سيدة "الصالون" يريد منها العدل في القسمة، وتوزيع النظرات، وقد جعل الحسن مشاعًا للجميع والواجب عليها ألا ترد بعضهم عن ورده، وأن تعدل بين الظماء، وهل هذه هي العاطفة الملتهبة؟ إنه شعر أنيق ظريف، واضح، ولكن ليس فيه حرارة الحب، ولا لوعة العشق، ولا إخلاص المحب وأثرته. هذا فضلًا عن أن المعاني التي طرقها صبري، قد رددها من قبل غيره من شعراء العربية فأما أن المرأة فتنة فقضية مشهورة وهذا هو أبو نواس يقول: ما براها الله إلا ... فتنة حين يراها وأما أنها لواء الحسن وأن الفتنة استيقظت في ظل اللواء فقديمًا قيل: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وأما قوله: "فرقتهم في الهوى ثاراتهم"، فقد قيل قبل هذا: "قامت حروب الهوى على ساق". وأما قوله: "فأجمعي الأمر وصوني الأبرياء" فقد قال عمر بن الفارض أستاذ صبري: تجمعت الأهواء فيها فما ترى ... بها غير صب لا يرى غير صبوتي

стр. 763

وقال صفي الدين الحلي: لعل الحب يرفق بالرعايا ... فيأخذ للبريء من المليم وتشبيه الحسن بالماء قديم قال أبو القاسم العطار: رقت محاسنها وراق نعيمها ... فكأنما ماء الحياة أديمها وقال أبو تمام: صب الشباب عليها وهو مقتبل ... ماء من الحسن ما في صفوه كدر وأما قوله: "أنت يم الحسن إلخ" فقد نظر في هذا المعنى إلى قول السراج الوراق: يا بني الآمال قد خاب الرجاء ... إنها اشتدت وقد عز العزاء سفن الآمال في بحر المنى ... وحلت منا فأين الرؤساء وقال صبري بعد هذه الأبيات من نفس القصيدة: سأعفي آمال أنضاء الهوى ... بقبول من سجاياك رحاء وتجلي واجعلي قوم الهوى ... تحت عرش الشمس في الحكم سواء وعاد صبري في هذين البيتين إلى طلب المساواة في الحب، وطلب النصفة والعدل، وهذا طلب غير مقبول في الحب، فلا الحبيب يستطيع أن ينصف؛ لأنه يتبع ميل فؤاده، ولا المحب يريد هذه النصفة، إلا أمثال صبري الذين يمزحون ولايحبون، فالحب ذو أثرة، وهيهات أن يرضى محب بالشركة، وإذا نظرت إلى الصورة التي أتى بها في هذين البيتين وجدتها قديمة، مرقعة من أبياتها عدة نظر إليها الشاعر، فأنضاء الحب، صيغة قديمة جدًّا، ومن قبل قال الطغرائي. "يقتلن أنضاء حب لا حراك بها" وأما تشبيه السجايا بالريح الهنية اللينة الرخاء، فكذلك تشبيه قديم قدم البحتري حيث قال: خلق طيع إذا ريض للجو ... د انثنى عطفه وطاع عنانه

стр. 764

وإذا قلت. إن صبري أراد أن يقيم للحب دولة، ويشرع نظامًا، وتسود فيه النصفة والمساواة، فلعل هذا من الجديد، وإن كانت شريعته لا يرضى بها الحاكم ولا المحكوم، فأقول. إن هذا معنى قديم، ومن ألطف ما قيل في هذا المعنى قول محمد بن سارة. كم قد رأت عيناي مثلك واليا ... للحسن، وتنتهب النفوس جنوده الدهر طوع يديه والدنيا له ... أمة وأحرار الأنام عبيدة وقول ابن النبيه. أيا ملك القلوب فتكت فيها ... وفتكك في الرعية لا يحل وقال صبري بعد ذلك. أقبلي نستقبل الدنيا وما ... ضمنته من معدات الهناء وأسفري تلك حلى ما خلقت ... لتوارى بلثام أو خباء واخطري بين الندامى يحلفوا ... إن روضا راح في النادي وجاء وانطقي ينثر إذا حدثتنا ... ناثر الدر علينا ما نشاء وابسمي من كان هذا ثغره ... يملأ الدنيا ابتسامًا وازدهاء وفي أول هذه الأبيات كلمة "معدات الهناء"، والمعتدات لعمري ثقيلة جدًّا في هذا البيت فضلًا عن أن الهناء بمعنى هناءة لم تسمع في الفصيح، وطلبه في البيت الثاني من المحبوبة أن تسفر؛ لأن هذا الجمال لم يخلق ليتوارى وراء الحجاب، معنى ردده من قبل أكثر من شاعر عربي ومن أحسن ما قيل في هذا قول الحسن التهامي: حطي النقاب لعل سرب عيوننا ... فيروض حسنك يرتعين قليلا وفي البيت الثالث يظهر محبوبته على عادته، بأنها امرأة "صالون" أو ناد كما أراد، وهذا ابتذال لها إذا كان حقًّا يحبها، ولكنه متأثر كما ذكرت بالطريقة الفرنسية، وقيل: إن هذه الأبيات نظمت في الآنسة "مي زيادة"؛ إذا كان يغشى

стр. 765

ناديها مع من يغشاه وكانت تستقبل زوارها كل "ثلاثاء" ولم يكن صبري ينقطع عن ندوتها إلا لضرورة ملحة، وقد اعتذر لها مرة عن تأخره بقوله: روحى على دور بعض الحي حائمة ... كظامئ الطير تواقًا إلى الماء إن لم أمتع بمي ناظري غدًا ... أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء ومع هذا فالبيت ليس فيه جديد، فتشبيه المرأة بالروضة قديم، وفي ذلك يقول أبو تمام: خرجن في نضرة كالروض ليس لها ... إلا الحلى على أعناقها زهر ولعل بيت صبري ... أقرب إلى بيت كشاجم رزئته روضة تروق ولم ... أسمع بروض يمشي على قدم وأما تشبيه حديثها بالدر في البيت الرابع فكذلك من الصور المتداولة، التي كثرت جدًّا لدى الأقدمين، ومن أشهر ذلك قول البحتري: ولما التقينا واللِّوى موعد لنا ... تعجّب رائي الدر منا ولا قطعة فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه وقال صبري بعد ذلك: لا تخافي شططًا من أنفس ... تعثر الصبوة فيها بالحياء فهو يريد أن نفوس الجلساء مهذبة يحول الحياء بينها وبين ما لا ينبغي، ومقصده أنها نفوس عفيفة تستطيع أن تكبح جماحها على الرغم من الفتنة، وقديمًا قال المتنبي في العفة: يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد وقال الشريف الرضي: وإذا هممت بمن أحب أمالني ... حصر يعوق وعفة تنهاني

стр. 766

وقد أجاد صبري في قوله: "تعثر الصبوة فيها بالحياء" وإن ورد مثل هذا في غير موضع الحب. وقال صبري بعد ذلك: أنت روحانية لا تدعي ... أن هذا الحسن من طين وماء وقد قال شوقي في هذا المعنى، ولسنا ندري أيهما أسبق: صوني جمالك عنا إننا بشر ... من التراب وهذا الحسن روحاني وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وأخيرًا قال صبري في هذه القصيدة: وانزعي عن جسمك الثوب يبنْ ... للملأ تكوين سكان السماء وعجيب من صبري المهذب الرقيق الحاشية رجل النادي، الذي اشتهر بأنه لا يفحش أن يطلب من محبوبته أن تنزع الثوب عن جسمها أمام الندامى، لا بل أمام الملأ أجمعين ليروا تكوين سكان السماء، ولا شك أن هذه فلتة من فلتات صبري، ما فطن إليها. وبغض النظر عن هذا كله، وعن أنه مقلد، فإن صبري شغل بهذه القطعة -مقتفيًا أثر المدرسة الفرنسية- بمحاسن المحبوب الظاهرة، وعن الكشف عن لواعج نفسه، ومكنون قلبه، وبث لوعته، وحرقة فؤاده، فهو ينظر إليها نظرة مادية رخيصة، يريدها أن تسفر لأن الحسن لا يصح أن يتوارى، ويريدها أن تخطر بين الندامى ليتمتعوا بهذا الجمال كأنهم في سوق الرقيق، ويريدها أن تتحدث وتبتسم، ويعني كل العناية بحسنها ومفاتنها حتى لم يستطع إلا أن يطلب منها أن تخلع ثيابها، ولا يبرئه ما وصف به نفسه وندماه من العفة، ومن أنها ملك. إنه تقليد مزدوج للعرب القدماء، وللمدرسة الفرنسية على السواء. ثم هو شعر ليس فيه عمق ولا تحليل للعواطف، ولا تصوير رائع، وهذه القطعة من أحسن قطعة في الغزل، وأطراها غير واحد من النقاد، وإن وافقنا الأستاذ العقاد في نقدها حيث يقول: "هنا ذوق وكياسة، وليس هذا عشق

стр. 767

وحرارة، ولن تذكرنا هذه الأبيات بعاشق يهو معشوقًا يقف على نفسه ويطلب إليه أن يقف نفسه عليه وإنما تذكرنا بنديم قاهري في سهرة من سهرات الطرب يلتف مع صحبه بغانية أو مغنية، يتلطف في الزلفى إليها، والثناء عليها، ولا يشعر من وراء ذلك بلوعة ولا غيره من المنافسين قناعة منه بالراحة بين الأحزاب، والعدل بين الظماء"١. وعلق الدكتور مندور في الكتيب الصغير الذي أصدره عن إسماعيل صبري على رأينا في هذه القصيدة بأن كلامنا هذا ليس تعسفًا فحسب ولكنه خطأ في الفهم. "فالبيت الخاص بنزع الثوب لا يمكن فصله عن البيت السابق له وهو: أنت روحانية لا تدعي ... أن هذا الحسن من طين وماء ولا يمكن فصله عن البيت الذي يليه وهو: وأرى الدنيا جناحي ملك ... خلف تمثال مصوغ من ضياء فالأبيات الثلاثة تكون رؤية شعرية واحدة يزعم الشاعر أن الفتاة "روحانية" ليس حسنها من طين وماء وإنما هي تمثال مصنوع من ضياء وبه "جناحا ملك": وهو يريد منها أن تنزع الثوب لكي تثبت صحة رؤيته الشعرية، فلن يظهر عندئذ جسم بشري بل تمثال مصنوع من "ضياء" هو "تكوين سكان السماء" وبذلك لا تكون "فلتة" من إسماعيل صبري، ولا يكون هناك "سوق رقيق" ولا "عرض لجسم عار بين الندامى وإنما هناك رؤية شعرية روحية"٢. ويعود فيقول: "الواقع أن لواء الحسن أو المرأة الجميلة التي يتحدث عنها إسماعيل صبري في هذه القصيدة ليست امرأة مبتذلة ولا نهبًا للأطماع، وإنما هي امرأة روحانية تقصر عن التطلع إليها شهوات النفوس، وليس في القصيدة نعمة حسية أو مستهترة أو مبتذلة، وهي أبعد ما تكون عن روح الندماء ومجالس الظرف أو الخلاعة"٣.

стр. 768

والدكتور مندور يرد على نفسه في كتاب آخر من كتبه وهو "الشعر المصري بعد شوقي"١ حين وازن بين علي الجارم وإسماعيل صبري، وقد قال في هذه الموازنة: "ولا يعقل أن يكون إحساسه بمعاني الحب مطابقًا الإحساس رجل كإسماعيل صبري القاهري المترف الذي كان يقنع من الحب بمجالس الطرب وصالونات المؤانسة دون أن يستشعر شيئًا من ذلك الحب العنيف الأثر الذي يثير الغيرة، فتراه لا يطلب من الحسناء التي يغازلها إلا أن تسوي بين عاشقيها حيث يقول: "يا لواء الحسن............ الأبيات" فالدكتور مندور يعترف معنا بأنها كانت في مجلس طرب وصالون مؤانسة، وأن إسماعيل صبري لم يكن لديه ذلك الحب العنيف الأثر الذي يثير الغيرة، وأنه كان يغازلها، ولم يطلب منها إلا أن تسوي بين عاشقيها". فأي امرأة هذه ذات العشاق الكثيرين الذين يغازلونها في صالونات المؤانسة ومجالس الطرب؟! لقد نسي الدكتور مندور أول القصيدة وأخذ أبياتها الثلاثة الأخيرة نسي أنه طلب منها أن تعدل في توزيع الحب. لا تذودي بعضنا عن ورده ... دون بعض واعدلي بين الظماء ونسي أنها تخطر في النادي بين الندامى، وأنه يطلب منها أن تتكلم لتنثر الدر، وأن تبتسم ليملأ ثغرها الدنيا ابتسامًا فهو هنا يؤكد بشريتها، ولو كانت روحانية حقًّا ما قال لها: "لا تخافي شططًا من أنفس.... البيت" إذ إن الملائكة لا تخاف شطط النفس البشرية، بينما صبري يؤكد في هذا البيت بشريتها بأن نفوسهم عفيفة تستطيع أن تكبح جماحها على الرغم من الفتنة التي تخطر أمامهم وهم "ندامى" وهذه الكلمة توحي بكثير، كما أن كلمة "صبوة" وهي جهالة الشباب تنبئ عن الشهوة التي تعمل في نفوسهم وإن منع الحياء ظهورها وأكد هذا في البيت الذي يليه:

стр. 769

راضت النخوة من أخلاقنا................ البيت أما الأبيات الثلاثة الأخيرة التي ثار الدكتور مندور علينا من أجلها حين تعجبنا من صبري القاهري المهذب أن يطلب إليها أن تنزع الثوب بين الندامى، وراح ينبئنا بأنها صورة ملائكية وأنها روحانية، ولسنا نعلم أن الملائكة تلبس ثيابًا وإنما هي أجسام نورانية شفافة، كل الذي أراده صبري أنها تشبه الملائكة في جمالها. كما قال النسوة في سيدنا يوسف: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ولم يمنع ذلك امرأة العزيز من الهيام ومراودته عن نفسه. ولقد نظرنا إلى القصيدة في عمومها وإلى أنها قيلت في مجلس طرب وصالون مؤانسة وأنه كان يغازلها كما يغازلها سواه، وكل الذي طلبه المساواة في البسمات والنظرات والعطف وأن تسمح لهم جميعًا أن يردوا من منهل حبها فلا تذود بعضهم عن ورده دون بعض، ونظر الدكتور مندور إلى الأبيات الثلاثة الأخيرة، وشتان بين النظرتين، ومع هذا فلا تقول إنه خطأ في الفهم كما قال، وإنما هو اجتهاد منه في التأويل: ومن القطع الغزلية التي اشتهر بها صبري قوله: أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة ... ولا بشافعة في رد ما كانا حمل سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا ... الصبابة فاخفق وحدك الآنالو ما كان ضرك إذ علقت شمس ضحى ... أدركت ضحايا العشق أحيانًا هلا أخذت لهذا اليوم أهبته ... من قبل أنت تصبح الأشواق أشجانا لهفي عليك قضيت العمر مقتحمًا ... في الوصل نارًا وفي الهجران نيرانا لقد أثنى الدكتور طه حسين ثناء لم نعهده منه في أي شاعر آخر على هذه القطعة وهو الخبير بفنون القول، والذي يتطلب من الشعراء الشيء الكثير، وذلك حيث يقول في مقدمة ديوان صبري: "فهل تعرف روحًا أعذب من هذا الروح؟ وعاطفة أصدق من هذه العاطفة؟ ولهجة أرق من هذه اللهجة؟ وموسيقى أجل وأظرف وأحسن تمثيلًا للروح المصري الشعبي من هذه الموسيقى التي يلائم بها بين "نافعة وشافعة" وفي البيت الأول، يأخذ هاتين الكلمتين من حديث الشعب

стр. 770

في حياته اليومية العادية، فيرتفع بها إلى أشد الشعر روعة، وأعظمه حظًّا من سذاجة، وهل تجد شيئًا من الغرابة في أن يغني الشعر بعض المغنين١". حقًّا إن صبري في هذه القطعة عذب الروح، رقيق اللهجة، حلو الموسيقى، يمثل الروح المصري الشعبي، ولكنه ليس بصادق العاطفة، ولعل الدكتور طه حَمِدَ من صبري هذه الصفات؛ لأنه جرى في شعره هذا على نسق المدرسة الفرنسية في الوضوح، وحسن الديباجة في الشعر، والرقة المتناهية، وإذا نظرنا إلى هذا الشعر نظرة أخرى وجدنا صبري مقلدًا في معانيه وأخيلته، وإن حسنت ديباجته وصياغته. فقد قال البهاء زهير في نافعة وشافعة: فما تنفع في الدنيا ... ولا تشفع في الأخرى وقد جمع المتنبي في شطر ما أراد صبري أن يقوله في بيت بأكمله وذلك حيث يقول: فَما يَدومُ سُرورُ ما سُرِرتَ بِهِ ... وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ أما البيت الثاني فقد نقده نقدًا بديعًا الشاعر أحمد محرم حيث قال: الصورة في هذا البيت معكوسة، والمعنى غير مستقيم، فقد أراد الشاعر أن يقول لقلبه: إن القلب الذي كان يشاطرك حمل الصبابة قد سلا، فأجرى فعل المشاطرة على قلبه هو، وأنت ترى أن وقوع الفعل من قبله هو يعفيه من عناء هذا السلو، ويريحه من ذلك العبء الذي كان يحمله وإذا فلا معنى لأن يخفق وحده٢. وموضع النقد هو أن صبري قال لقلبه: لقد شاطرت قلب الحبيب حمل الصبابة فما معنى أن يخفق وحده إذا سلا قلب الحبيب؟ إذ سلا قلب الحبيب فقد أعفى قلب صبري من المشاطرة ومن حمل الصبابة ولكنه كان يريد غير ذلك فأخطأ في التعبير. على أن معنى البيت على وجهه الصحيح مما سبق إليه الشعراء وفي ذلك يقول الطغرائ:

стр. 771

يا قلب مالك والهوى من بعدما ... طاب السلو، وأقصرالعشاق أو ما بدا لك في الإفاقة والألى ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا ومعنى البيت الثالث من أبيات صبري قديم قدم الشمس يوم طلعت على شاعر عربي في الصحراء، وضحايا العشق كذلك معرقون في القدم منذ وجد الحب على ظهر البسيطة، وطالما ردده الشعراء، فلا داعي لتكراره، ولكن تعالى معي إلى البيت الرابع وأعجب كيف يأخذ المحب عدته لسلو الحبيب أو لغدره، اللهم إن هذا لا يكون إلا إذا رثت حبال المودة، وانتقض الحب، وفسدت الصلة، أما أن يفكر المحب وهو بعد محب ومحبوب في أن حبيبه سيغدر به، بعد العدة لسلوه فهذا أمر لا يفهم في عالم الحب، إلا إذا كان حبًّا من النوع الذي أغرم به صبري وهو الحب العابر، المتنقل، غير العميق الغور، أو الصادق العشق، ثم كيف يستطيع القلب أن يتخذ العدة والأشواق هي الغالبة عليه، ولم تتحول بعد إلى أشجان، وقديمًا قال الشاعر: لا يَعرِفُ الشَوقَ إِلّا مَن يُكابِدُه ... وَلا الصَبابَةَ إِلّا مَن يُعانيها فهلا تذكر قول قيس لبنى: فوا كبدي من شدة الشوق والجوى ... وواكبدي إني إلى الله راجع إن الشوق هو الذي يسعر النار في الأفئدة المدلهة، وهو الذي وصفه أبو تمام بقوله: هذا محبك أدمى الشوق مهجته ... فكيف تنكر أن تدمي ما فيه لست أدري، لعمر الحق كيف فرق صبري بين الأشواق والأشجان، ولا كيف يفكر المحب في السلو ويعد له عدته وهو في معمعان الشوق؟ إذا كان صادق العاطفة حقًّا فكيف يطلب من قبله أن يسلو، هلا تذكر قول المجنون: فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر وما لي أضرب الأمثلة بالغابرين، وقد ناقض صبري نفسه في غير هذه القصيدة وبرهن على أن الشوق نار ملتهبة حيث يقول: يا من أقام فؤادي إذا تملكه ما ... بين نارين من شوق ومن شجن

стр. 772

وحيث يقول من قطعة أخرى: يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها وإذا رحنا نبحث عن غزل صبري فإننا نجده يشبه حبيبته تارة بالروض والغصن يا فتاة الحي قد أذكرتنا ... نضرة الروض وميل الغصن وبالبدر كقوله: عارضني البدر إذا لم يعترف ... لك بالحسن بوجه حسن وكقوله: أتزودت من ضياء البدور ... لليال كثيفة الديجور ومرة هي ظبية وأين بمصر الظباء؟ يا ظبية من ظباء الإنس راتعة ... بين القصور تعالى الله باريك وكقوله: يا مقر الغزال قد صح عندي اليـ ... ـوم أني اقتحمت منك العرينا ومرة هي مهاة تمشي في سريها: وحيها بين المها إن بدت ... في سربها مقبلة مدبرة إلى غير ذلك من التشبيهات الأثرية التي لا تلائم ذوق العصر، وليس فيها رائحة من تجديد، زد على هذا أنه عنى كل العناية بوصف محاسن المرأة ومفاتنها الجسمية، وقلما التفت إلى الجمال المعنوي، أو تحليل العاطفة، أو تصوير الحب على حقيقته تصويرًا غنيًّا قويًّا. يعجبه من المرأة قوامها المياس المرهف. تمس تذكرنا الشباب وعهده ... حسناء مرهفة القوام فنذكر ويعجب بنحرها، وبثناياها ويشبه الثنايا بالدر:

стр. 773

وتبيت تكفر بالنحور قلائد ... فإذا دنت من نحرها تستغفر وتزيد في فمها الآلي قيمة ... حتى يسود كبيرهن الأصغر وثغرها مورد عدب غني به كل مورد آخر: يا موردا كنت أغنى ما أكون به ... عن كل صاف إذا ما بات يرويني عندي لمائك -والأقداح طوع يدي ... ملأى عن الماء- شوق كاد يرديني ويفتن بشعرها الأسود المعقوص: أرسلي الشعر خلف ظهرك ليلًا ... وأعقديه من فوق رأسك تاجًا أنت في الحالتين بدر تراه ... صادعًا آية الدجى وهاجا وقد يقال إن لصبري قطعًا أخرى غير هذه، فيما حرقة الجوى، ولهيب الشوق، وجمر الحب، وفيها التوجع والشكوى وفيها العاطفة مثل قوله: يا آسي الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها أواه من حرق أودت بأكثرها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها أجل؟ إن هنا حرقة، وداء يرعى في كبده، وشوقًا قد عصف بأضلاعه، وقلبًا يخفق ذعرًا، ولكن هنا أيضًا زوايا، وبقايا وحنايا، وآثارًا قديمة من مخلفات الماضي، ومن أثر محفوظة من الشعر العربي القديم، وقال البهاء زهير في "الزوايا" وما فيها: ويميل بي نحو الصبا ... قلب رقيق الحاشية فيه من الطرب القد ... يم بقية في الزاوية وله في المعنى الذي ذكره صبري في البيت الثاني: لك الحياة فإني ... أموت لا شك عشقًا

стр. 774

لم يبق مني إلا ... بقية ليس تبقى وإذا قال صبري في قطعة أخرى فيها شيء من وهج اللوعة. أبثُّك ما بي فإن ترحمي ... رحمت أخا لوعة ذاب حبًّا وأشكو النوى ما أمر النوى ... على هائم إن دعا الشوق لبى وأخشى عليك هبوب النسيم ... وإن هو من جانب الروض هبا وأستغفر الله من برهة ... من العمر لم تلقني فيك صبا تعالي نجدد زمان الهنا ... وننهب لياليه الغر نهبا تعالي أذق بك طعم السلام ... وحسبي وحسبك ما كان حربًا لم أجد خيرًا من تعليق الأستاذ العقاد عليها بقوله: "إن صبري لم يذب حبًّا هنا إلا كما ذاب كل قاهري ظريف يقول لصاحبته: "أنا أذوب" وأنه لم يخف على صاحبته هبوب النسيم من جانب الروض إلا كما يخشى كل قاهري ظريف من الهواء وما هو أرق من الهواء. وإنما هو إسماعيل صبري في صميمه، وحقيقة نجواه حين يقول لها: إنه تعب من اللوعة، وكَلَّ من الحرب، ولا أمل له في غير السكينة والسلام١. وهذه الأبيات محاكاة لما قيل من قبل في هذه المعاني، وليست منبعثة عن عاطفة قوية، وأغلب الظن أن صبري لم يكن يعبر عن خلجات فؤاده، وإنما كان إذا أراد القول في الحب ازدحمت على مخيلته تلك الصور القديمة التي وعتها ذاكرته فرددها، وأعادها إلى الحياة لا تنطق عن جوى كامن من فؤاده، أو تنقل قبسًا من روحه، وكيف تكون كذلك وهي رداء صنع لغيره، ورث من قبل أن يتناوله، ومرة يجيء وفق ما يريد من معنى، وما يجيش في قلبه من فكرة وعاطفة، وأحيانًا يضيق. وأخرى يتسع. ألا ترى معي أن الشكوى في قلبه من فكرة وعاطفة،

стр. 775

وأحيانًا يضيق، وأخرى يتسع، ألا ترى معي أن الشكوى من النوى وتلبية الشوق إذا دعا عبارات لاكتها ألسنة القدماء حتى ملها الأسماع أولا ترى أن مسألة الخشية من هبوب النسيم على المحبوبة ولو هب من جانب الروض فيها مبالغة سخيفة ثم هو معنى قديم وحسبي أن أذكر قول الشاعر: خطرات النسيم تجرح خديه ... ولمس الحرير يدمي بنانه وقد عارض صبري قصيدة الحصري القيرواني١ التي مطلعها: يا ليلُ الصبُّ متى غدُه ... أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ فقال في قصيدته المشهورة: أقريب من دنف غده ... فالليل تمرد أسوده والتفت تحت عجاجته ... بيض في الحي تؤيده وهي قصيدة في الغزل، ولكن فكرة المغارضة توحي بأنه لم يقلها استجابة لانفعال خاص، أو فيضًا لعاطفة ملتهبة، وإنما قالها ليدل على أنه يستطيع أن يجيد كما أجاد القيرواني ولكن هيهات! فنظرة عابرة إلى القصيدتين تريك أن صبري لم يستطع الفكاك من معاني قصيدة القيرواني وصورها، وأنها غلبته على أمره فرددها، لا! بل كان مضطربًا شأن من وقع في شباك متينة يحاول الخلاص منها فلا يتأتى له، بل تأتت صورة ممسوخة. انظر إلى هذا الاضطراب في قوله: كما صغت التبر له شركًا ... وقضيت الليل أنضده وأشاور شوقي بلأدبي ... هل أقصر أم أتصيده فهل تجد معنى للمشاورة بعد أن مد الشرك فعلًا، ونصب الحبائل لصيده، ثم ألا يذكرك هذا الشرك المصنوع من الذهب بشرك ابن الوردي حيث يقول:
следующие страницы →