← Адаб

Адаб · id 11565

في الأدب الحديث

عمر الدسوقي

Полный текст (895 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يا قلب مالك والهوى من بعدما ... طاب السلو، وأقصرالعشاق أو ما بدا لك في الإفاقة والألى ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا ومعنى البيت الثالث من أبيات صبري قديم قدم الشمس يوم طلعت على شاعر عربي في الصحراء، وضحايا العشق كذلك معرقون في القدم منذ وجد الحب على ظهر البسيطة، وطالما ردده الشعراء، فلا داعي لتكراره، ولكن تعالى معي إلى البيت الرابع وأعجب كيف يأخذ المحب عدته لسلو الحبيب أو لغدره، اللهم إن هذا لا يكون إلا إذا رثت حبال المودة، وانتقض الحب، وفسدت الصلة، أما أن يفكر المحب وهو بعد محب ومحبوب في أن حبيبه سيغدر به، بعد العدة لسلوه فهذا أمر لا يفهم في عالم الحب، إلا إذا كان حبًّا من النوع الذي أغرم به صبري وهو الحب العابر، المتنقل، غير العميق الغور، أو الصادق العشق، ثم كيف يستطيع القلب أن يتخذ العدة والأشواق هي الغالبة عليه، ولم تتحول بعد إلى أشجان، وقديمًا قال الشاعر: لا يَعرِفُ الشَوقَ إِلّا مَن يُكابِدُه ... وَلا الصَبابَةَ إِلّا مَن يُعانيها فهلا تذكر قول قيس لبنى: فوا كبدي من شدة الشوق والجوى ... وواكبدي إني إلى الله راجع إن الشوق هو الذي يسعر النار في الأفئدة المدلهة، وهو الذي وصفه أبو تمام بقوله: هذا محبك أدمى الشوق مهجته ... فكيف تنكر أن تدمي ما فيه لست أدري، لعمر الحق كيف فرق صبري بين الأشواق والأشجان، ولا كيف يفكر المحب في السلو ويعد له عدته وهو في معمعان الشوق؟ إذا كان صادق العاطفة حقًّا فكيف يطلب من قبله أن يسلو، هلا تذكر قول المجنون: فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر وما لي أضرب الأمثلة بالغابرين، وقد ناقض صبري نفسه في غير هذه القصيدة وبرهن على أن الشوق نار ملتهبة حيث يقول: يا من أقام فؤادي إذا تملكه ما ... بين نارين من شوق ومن شجن

стр. 772

وحيث يقول من قطعة أخرى: يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها وإذا رحنا نبحث عن غزل صبري فإننا نجده يشبه حبيبته تارة بالروض والغصن يا فتاة الحي قد أذكرتنا ... نضرة الروض وميل الغصن وبالبدر كقوله: عارضني البدر إذا لم يعترف ... لك بالحسن بوجه حسن وكقوله: أتزودت من ضياء البدور ... لليال كثيفة الديجور ومرة هي ظبية وأين بمصر الظباء؟ يا ظبية من ظباء الإنس راتعة ... بين القصور تعالى الله باريك وكقوله: يا مقر الغزال قد صح عندي اليـ ... ـوم أني اقتحمت منك العرينا ومرة هي مهاة تمشي في سريها: وحيها بين المها إن بدت ... في سربها مقبلة مدبرة إلى غير ذلك من التشبيهات الأثرية التي لا تلائم ذوق العصر، وليس فيها رائحة من تجديد، زد على هذا أنه عنى كل العناية بوصف محاسن المرأة ومفاتنها الجسمية، وقلما التفت إلى الجمال المعنوي، أو تحليل العاطفة، أو تصوير الحب على حقيقته تصويرًا غنيًّا قويًّا. يعجبه من المرأة قوامها المياس المرهف. تمس تذكرنا الشباب وعهده ... حسناء مرهفة القوام فنذكر ويعجب بنحرها، وبثناياها ويشبه الثنايا بالدر:

стр. 773

وتبيت تكفر بالنحور قلائد ... فإذا دنت من نحرها تستغفر وتزيد في فمها الآلي قيمة ... حتى يسود كبيرهن الأصغر وثغرها مورد عدب غني به كل مورد آخر: يا موردا كنت أغنى ما أكون به ... عن كل صاف إذا ما بات يرويني عندي لمائك -والأقداح طوع يدي ... ملأى عن الماء- شوق كاد يرديني ويفتن بشعرها الأسود المعقوص: أرسلي الشعر خلف ظهرك ليلًا ... وأعقديه من فوق رأسك تاجًا أنت في الحالتين بدر تراه ... صادعًا آية الدجى وهاجا وقد يقال إن لصبري قطعًا أخرى غير هذه، فيما حرقة الجوى، ولهيب الشوق، وجمر الحب، وفيها التوجع والشكوى وفيها العاطفة مثل قوله: يا آسي الحي هل فتشت في كبدي ... وهل تبينت داء في زواياها أواه من حرق أودت بأكثرها ... ولم تزل تتمشى في بقاياها يا شوق رفقًا بأضلاع عصفت بها ... فالقلب يخفق ذعرًا في حناياها أجل؟ إن هنا حرقة، وداء يرعى في كبده، وشوقًا قد عصف بأضلاعه، وقلبًا يخفق ذعرًا، ولكن هنا أيضًا زوايا، وبقايا وحنايا، وآثارًا قديمة من مخلفات الماضي، ومن أثر محفوظة من الشعر العربي القديم، وقال البهاء زهير في "الزوايا" وما فيها: ويميل بي نحو الصبا ... قلب رقيق الحاشية فيه من الطرب القد ... يم بقية في الزاوية وله في المعنى الذي ذكره صبري في البيت الثاني: لك الحياة فإني ... أموت لا شك عشقًا

стр. 774

لم يبق مني إلا ... بقية ليس تبقى وإذا قال صبري في قطعة أخرى فيها شيء من وهج اللوعة. أبثُّك ما بي فإن ترحمي ... رحمت أخا لوعة ذاب حبًّا وأشكو النوى ما أمر النوى ... على هائم إن دعا الشوق لبى وأخشى عليك هبوب النسيم ... وإن هو من جانب الروض هبا وأستغفر الله من برهة ... من العمر لم تلقني فيك صبا تعالي نجدد زمان الهنا ... وننهب لياليه الغر نهبا تعالي أذق بك طعم السلام ... وحسبي وحسبك ما كان حربًا لم أجد خيرًا من تعليق الأستاذ العقاد عليها بقوله: "إن صبري لم يذب حبًّا هنا إلا كما ذاب كل قاهري ظريف يقول لصاحبته: "أنا أذوب" وأنه لم يخف على صاحبته هبوب النسيم من جانب الروض إلا كما يخشى كل قاهري ظريف من الهواء وما هو أرق من الهواء. وإنما هو إسماعيل صبري في صميمه، وحقيقة نجواه حين يقول لها: إنه تعب من اللوعة، وكَلَّ من الحرب، ولا أمل له في غير السكينة والسلام١. وهذه الأبيات محاكاة لما قيل من قبل في هذه المعاني، وليست منبعثة عن عاطفة قوية، وأغلب الظن أن صبري لم يكن يعبر عن خلجات فؤاده، وإنما كان إذا أراد القول في الحب ازدحمت على مخيلته تلك الصور القديمة التي وعتها ذاكرته فرددها، وأعادها إلى الحياة لا تنطق عن جوى كامن من فؤاده، أو تنقل قبسًا من روحه، وكيف تكون كذلك وهي رداء صنع لغيره، ورث من قبل أن يتناوله، ومرة يجيء وفق ما يريد من معنى، وما يجيش في قلبه من فكرة وعاطفة، وأحيانًا يضيق. وأخرى يتسع. ألا ترى معي أن الشكوى في قلبه من فكرة وعاطفة،

стр. 775

وأحيانًا يضيق، وأخرى يتسع، ألا ترى معي أن الشكوى من النوى وتلبية الشوق إذا دعا عبارات لاكتها ألسنة القدماء حتى ملها الأسماع أولا ترى أن مسألة الخشية من هبوب النسيم على المحبوبة ولو هب من جانب الروض فيها مبالغة سخيفة ثم هو معنى قديم وحسبي أن أذكر قول الشاعر: خطرات النسيم تجرح خديه ... ولمس الحرير يدمي بنانه وقد عارض صبري قصيدة الحصري القيرواني١ التي مطلعها: يا ليلُ الصبُّ متى غدُه ... أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ فقال في قصيدته المشهورة: أقريب من دنف غده ... فالليل تمرد أسوده والتفت تحت عجاجته ... بيض في الحي تؤيده وهي قصيدة في الغزل، ولكن فكرة المغارضة توحي بأنه لم يقلها استجابة لانفعال خاص، أو فيضًا لعاطفة ملتهبة، وإنما قالها ليدل على أنه يستطيع أن يجيد كما أجاد القيرواني ولكن هيهات! فنظرة عابرة إلى القصيدتين تريك أن صبري لم يستطع الفكاك من معاني قصيدة القيرواني وصورها، وأنها غلبته على أمره فرددها، لا! بل كان مضطربًا شأن من وقع في شباك متينة يحاول الخلاص منها فلا يتأتى له، بل تأتت صورة ممسوخة. انظر إلى هذا الاضطراب في قوله: كما صغت التبر له شركًا ... وقضيت الليل أنضده وأشاور شوقي بلأدبي ... هل أقصر أم أتصيده فهل تجد معنى للمشاورة بعد أن مد الشرك فعلًا، ونصب الحبائل لصيده، ثم ألا يذكرك هذا الشرك المصنوع من الذهب بشرك ابن الوردي حيث يقول:

стр. 776

ورب غزالة طلعت ... بقلبي وهو مرعاها نصبت لها شباكا من ... لجين ثم صدناها وإذا قلت: إن شرك صبري من ذهب وترك ابن الوردي من فضة وشتان ما بينهما فاستمع إلى شاعر آخر نصب شركا من ذهب هو الأمير "منجك" يقول على لسان من يحبه: لا تنقضى لك حاجة ... عندي بشعر أو طرب إن رمت صيدي في الهوى ... فانصب شراكا من ذهب ولست أريد أتتبع القصيدة فحسبي ما ذكرت منها، وهو دليل على سائرها ولا أدل على أن كثيرًا من غزل صبري محاكاة، من قوله: يا وامض البرق كم نبهت من شجن ... في أضلع ذهلت عن دائها حينا فالماء في مقل والنار في مهج ... قد حار بينهما أمر المحينا لولا تذكر أيام لنا سلفت ... ما بات يبكي دمًا في الحي باكينا يا نسمة ضمخت أذيالها سحرًا ... أزهار أندلس هبي بوادينا وهو يقولها ردًّا على قصيدة شوقي الأندلسية "يا نائح الطلح" وتعجب كيف أن صبري في آخريات حياته، وبعد ما سمع الشعر الحديث وقرأ منه لا يزال يردد البرق في شعره وأنه ينبه شجنه، مقتفيًا أثر العرب وهم في حصرائهم يوم كانوا يحتفلون بالبرق الذي يبشر بسحاب ممطر، فيه الحيا والحياة، فيهتزون طربًا لرؤياه، ويتذكرون الحبيبة الغائبة، التي يودون أن تشاركهم هذه المسرة، أما في القاهرة فلا محل لذكر البرق والمطر. ومما يدل على التكلف قوله: "فالماء في مقل، والنار في مهج" وحديث الماء والنار قديم جدًّا في الأدب العربي، وقد أبدع الشريف الرضي في هذا المعنى حين قال: الماء في ناظري والنار في كبدي ... إن شئت فاعترفي أو شئت فاقتبسي

стр. 777

أما تلك النسمة المضمخة الأذيال فقديمة كذلك، وهي تشبه أذيال الصبا عند ابن معتوق حين يقول: وتنفس النسرين من عبق ... منه بأديال الصبا عطر هذا ما كان من أمر الغزل، وقد تبين لك أن جله محاكاة، وندر أن تجد فيه شيئًا من صدق العاطفة، أما الوصف فهو مقل جدًّا بحيث لا تجد له في باب الوصف إلا قصيدة واحدة في البرق والسحاب، ومقطوعة في ثلاثة أبيات في وصف النيل ذكرناها في غير هذا الباب عند الكلام في مواقف الشعراء من الطبيعة المصرية وذكرنا أنها مسروقة من ابن خروف النحوي الأندلسي١. وقصيدة البرق والسحاب مما سبق أن أتى عليه الشعراء، ولا سيما والبرق في مصر نادر، وليس فيها ما يستحق الذكر إلا تذكره لعهده بالشباب، وفي هذه القصيدة يقول: أبرق يتوج هام الربا ... وإلا فهاتيك نار القرى كأن سناه عيون مارض ... يحاولن تحقيق شمس الضحى وإلا فتلك مصابيح قبل أن ... طفاء يَثَرن لصدع الدجى وهذا كما ترى خيال بدوى، سبق إليه امرئ القيس وغيره، وإن نار القرى بمصر توقد فوق رءوس الربى لجلب الضيفان، ولعلك تتذكر وصف امرئ القيس للبرق بقول له: يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أمال السليط بالذبال المفتل أما الأبيات التي يذكر فيها عهد الشباب فهي: سقى ريها العذب عهد الشباب ... فقد كان روضًا شهي الجنا إذ العيش كالغصن في لينه ... يميل بعبء ثمار المنى أقلبي كم ذا توالى الحنين ... وكم ذا يشوقك عصر الصبا رويدك إني رأيت القلوب ... تفطر من ذا ومن بعض ذا صحبت الأسى بعد ذاك الزمان ... كأنك مستعذب للأسى

стр. 778

وليس في هذه الأبيات أي صورة جديدة، فاستمطار السحب على العهود السعيدة الماضية جلبًا للرحمة خيال بدوي قديم، وتشبيه العيش بالغصن الرطب مما أكثر الشعراء من ذكره، وربما كان في هذه القصيدة بعض العاطفة الحزينة، ولكنها ليست عميقة، ولا قوية. وعجيب من صبري ألا يعني بالوصف، وهو أدل أبواب الشعر على قوة الشاعرية، وعلى تحرر الشاعر من قيود المجتمع ومجاملاته؛ لأن الصوف لا باعث له إلا انفعال الشاعر للجمال أو الخير، لكن صبري كان يرسف في أغلال التقليد فلم يستطع الفكاك من قيود المجتمع ومجاملاته، مادحًا، أو راثيًا، أو مقرظًا، أو متغزلًا في سيدة النادي الذي يغشاه وفي أمثالها. هذا وباب الاجتماع لدى صبري باب قصير، وكله شخصي، وينظر فيه الشاعر إلى نفسه قبل أن ينظر إلى من حوله، وكله نظرات حزينة وتبرم بالناس، واستجلاب للسخط على الحياة وساكنيها، واستمع إليه يقول في الشباب والشيب: لم يدر طعم العيش شبا ... ن ولم يدركه شيب جهل يضل قوى الفتى ... فتطيش والمرمى قريب وقوى تخور إذا شبـ ... ـث بالقوي الشيخ الأريب بينا يقال كبا المغفـ ... ـل إذ يقال خبا اللبيب أواه لو عقل الشبا ... ب وآه لو قدر المشيب وإذا لم يدر طعم العيش شبان، ولم يدركه شيب، فمن يدريه؟ هل تقصد أن طعم الحياة ولذتها لا يدركهما أحد أبدًا لا الشبان ولا الشيب؟ وما حد الشباب عنده، وما حد المشيب؟ إذ كان الأمر كما يصوره صبري فلا كانت الدنيا ولا كان السعي فيها، أليس بين عهد الشباب الجامح، وضعف الشيخوخة مرحلة طويلة من العمر، وفسحة من الأجل يتمتع فيها الإنسان بالحياة على هينة، ويدرك مغزاها تمام الإدراك؟ وهل العبرة بالسن أم العبرة بالشعور؟ كم من فتى في

стр. 779

ريعان العمر يشعر إزاء الحياة شعور الشيخ الذي هَذَّهُ المرض، وأثقلته تكاليف السنين، وكم من شيخ لا يزال في القلب، نضر الآمال. وإذا تركنا البيت الأول وجدنا الأبيات الأربعة التالية تدور كلها حول معنى واحد، وهو أن الشباب سن الطيش، كثيرًا ما يخطئ فيه الإنسان لحماقته وغروره واندفاعه، وعدم تحكم القوى العاقلة في أمور نفسه، وأن المشيب سن الضعف تخون الإنسان قوته، ويود، وما وده بنافع له؛ لأنه لا يملك الإرادة المنفذة، ولا العزيمة المبرمة. أما أن الشباب مظنة الخطأ والجهل فمعنى قديم، وفي ذلك يقول النابغة: وإن مطية الجهل الشباب"، ويقول العتبي: قالت عهدتك مجنونًا، فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر وأما أن المشيب زمن الضعف، وانطفاء الآمال فمعنى ردده غير واحد من الشعراء، ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي العلاء: سقيا لأيام الشبا ... ب وما حسرت مطيتيا أيام آمل أن أمس الـ ... ـفرقدين براحتيا فالآن تعجز همتي ... عما ينال بخطوتيا ومن خير قصائد الاجتماعية قصيدته التي قالها في مذنب "هالي" وقد سبقت الإشارة إليها، وفيها ينعي على الناس فساد أخلاقهم، ويستمطر شآبيب السخط والغضب على هذه الدنيا، وما فيها من وجوه كالحة كئيبة، ويصور في براعة بطش القوى بالضعيف شأن الدنيا في تنازع البقاء، وفي ذلك يقول: غاض ماء الحياة من كل وجه ... فغدا كالح الجوانب فقرا وتفشي العقوق في الناس حتى ... كاد رد السلام يحسب برا أوجه مثلما نثرت على الأجدا ... ث وردًا إن هُنَّ أبدين بشرًا

стр. 780

وشفاه يقلن: أهلا، ولو أديـ ... ـن ما في الحشا لما قلن خيرا عمرك الله هل سلام وداد ... ذاك أم حاول المسلم أمرا عميت عن طريقها أم تعامت ... أمم في مفاوز الجهل حيرى غرها سعدها ومن عادة السعـ ... ـد يؤاتي يومًا ويخذل دهرًا فتجنب على الشعوب وشنت ... عارة في البلاد من بعد أخرى نسيت في الصعود يوم التدلي ... والتدلي بصاعد الجد مغري تعب الفيلسوف في الناس عصرًا ... وتولى السرائل الدين عصرا والورى طارد إزاء طريد ... وعقاب ويمسي يطارد صقرًا عبر كلها الليالي، ولكن ... أين من يفتح الكتاب ويقرا أنت نعم النذير يا نجم هالي ... زلزل السهل والرواسي ذعرًا ظن قوم فيك الظنون وقالوا ... آية أرسلت إلى الأرض كبرى إن يكن في يمينك الموت فاقذفـ ... ـه شواظًا على الخلائق طرا أغًا تستوى الأنوف فلا ينـ ... ـظر قوم وما على الأرض شررًا أغدًا يصبح الصراع عناقا ... في الهيولي، ويصبح العبد حرًّا إن يكن كل ما يقولون فاصدع ... بالذي قد أمرت حييت عشرا هذا موضوع مغر بالشعر حقًّا، وهو المأساة الإنسانية، أو المهزلة الإنسانية إن شئت، وفي استطاعة الشاعر المركب الشخصية أو المعقد الشخصية أن يجعل من هذا الموضوع تحفة فنية رائعة، بتصوير آلام الإنسانية تصويرًا دقيقًا زاهيًا تتفطر منه القلوب وتدمى العيون ثم تصوير ذلك النزاع البشري الطويل من لدن آدم حتى اليوم، وما في الحياة كلها من مظاهر قانون تنازع البقاء.

стр. 781

ولكن كيف يتهيأ لصبري هذا، وهو شاعر مفرد الوتر، سطحي الشعور أن يبدع في هذا الموضوع أو شبهه. وليس معنى هذا أنه لم يقل شيئًا إنه قال على قدر استطاعته، وإذا علمنا أن صبري لا يستطيع نظم المطولات، ويعيا بها عرفنا السبب في تقصيره، إنه مس برفق آلام الإنسانية، وساق كثيرًا من أبيات الحكمة، ورجع في كثير من معاني القصيدة إلى الشعر القديم والاستعانة به على تأدية أغراضه، مثل ذلك قوله: "غاص ماء الحياة من كل وجه" وكثيرًا ما تكلم الشعراء في ماء الحياة هذا: كثير حياء الوجه يقطر ماؤه ... على أنه من بأسه النار تلفح وأما من ملق الناس ونفاقهم الذي عبر عنه بقوله: وشفاه يقلن أهلًا ولو أديـ ... ـن ما في الحشا لما قلن خيرًا فقد قال الله وهو أكرم القائلين: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ . وقديمًا قال الشاعر: يقولون لي أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني وأما غرور الأمم ونسيانها في حميا انتصارها أن سيأتي يوم تدال فيه إن لم تحط ملكها بالعدل والرحمة والاعتدال في كل شيء فمأخوذ من قول الشاعر: ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع والمغالبة في الحياة، والمزاحمة على مواردها، وانتصار القوى على الضعيف شريعة الوجود منذ نشأة الإنسانية، وقديمًا قال الشريف الرضي: والناس أسد تحامي عن فرائسها ... إما عقرت وإما كنت معقورًا وهكذا كل معاني القصيدة إلا النادر من مثل قوله: أوجه مثلما نثرت على الأجدا ... ث وردًا إن هن أبدين بشرًا أغدًا يصبح الصراع عناقا ... في الهيولي، ويصبح العبد حرًّا

стр. 782

فالصورة في البيت الثاني رائعة؛ لأن الإنسان قد يتصور هذا الصراع البشري العنيف وقد استحال بعد الموت وآثاره عناقًا وضمًّا والتزامًا بين بقايا البشرية وأنقاضها، أو بين موادها المنحلة المتناثرة، وقد جاور بعضها بعضًا، ولا فرق بين ملك وسوقة، ولا ظالم ولا مظلوم، وقديمًا قال المعري في المنايا، وأنها تفرق بين الرأس والرجل، والقدم والرأس: فكم قارن من رأس برجل ... وكم ألحقن من قدم برأس وكان إسماعيل صبري يرى الاقتصار على زوجة واحدة، وهو بهذا من أنصار قاسم أمين، وقد عبر عن رأيه شعرًا ونثرًا، وأما الشعر فقوله: يا من تزوج باثنتين ألا اتئد ... ألقيت نفسك ظالمًا في الهاوية ما العدل بني الضرتين بممكن ... لو كنت تعدل ما أخذت الثانية وأما النثر فقوله: "أحب التوحيد في ثلاث: "الله" و"المبدأ" و"المرأة". ولم يخض في مسألة السفور والحجاب كما ذكرنا آنفًا، ولعل رأيه يتضح من قوله أحب الحرية في ثلاثة: "حرية المرأة في ظل زوجها، وحرية الرجل تحت راية الوطن وحرية الوطن في ظل الله". ولا شك أن حرية المرأة في ظل زوجها هي ما شرعه الإسلام ولكن هذه جملة مبهمة لا تفيد كثيرًا في معرفة رأيه. هذا كل ما نستطيع أن نأخذه من باب الاجتماع عند صبري، ومنه نرى أنه شاعر لا فكرة له في المجتمع وإصلاحه، وإنما هي بعض الشكوى والتبرم، والشكوى والتبرم ليسا مذهبًا إصلاحيًا، ولا فلسفة يدين بها الشاعر؛ لأنها عمل سلبي، ومعظم شعرائنا، وللأسف -لا أخص صبري وحده- ليس لهم فلسفة يدور حولها شعرهم، ولا فكرة يدعون إليها، كما هو الحال عند شعراء الغرب البارعين، ولا أولئك الذين يخدعون الناس بعبارة "شعراء الفن للفن" ليهرفوا بما لم يعرفوا، وليقولوا ويأمنوا النقد. وما أظن صبري ولا سواه ممن اختفت لديهم الفكرة الجامعة، والمبدأ القويم الذي يدور حوله شعرهم كانوا يفكرون في مسألة

стр. 783

"الفن للفن"؛ لأن الشعر عندهم كان لمعًا، وخطرات ترد على الذهن، فينشأ منها انفعال عارض يدفعهم إلى قول بضعة أبيات أو قصيدة. هذه وسياسيات صبري من قبيل الفكاهة والنكتة، لا تعرف له مبدءا يدين به، أو حزبًا ينتمي إليه، وإن كانت فيها سخرية مرة أحيانًا وتهكم لاذع بهؤلاء الذين مالئوا الاحتلال، أو لم يخلصوا لأمتهم فيما أتأمنهم عليه من عمل أو وزارة، وهي أشبه بالصور الهزلية "الكاريكاتيرية" منها بالصور الحقيقية، خذ مثلًا قوله في مصطفى فهمي، وهو من عرفت فيما سبق: نصيرًا قويًّا للمحتل، وعدوًّا لرغبات الأمة، وأمانيها الوطنية، ولا أدل على ذلك من أنه مكث في الوزارة ثلاث عشرة سنة، وعميد الاحتلال راض عنه؛ لأنه كان أشد منه حماسة في توطيد أقدام الإنجليز بمصر، فلما سقطت وزارته بعد ذلك الأمد الطويل في تاريخ الوزارات سنة ١٩٠٨ قال إسماعيل صبري. عجب لهم قالوا سقطت ومن يكن ... مكانك يأمن من سقوط ويسلم فأنت امرؤ ألصقت نفسك بالثرى ... وحرمت خوف الذل ما لم يحرم وقال على لسان مصطفى فهمي هذا عند استقالته، مشيرًا إلى أنه لم يجد في مصر رجالًا ولو وجد فيها رجالًا ما تركوه في الوزارة طوال هذه المدة، يعين عدوهم عليهم، ويستتر وراء اسمه لتنفيذ أغراضه، وتوطيد سياسته، وأنه لم يستقل إلا بعدما أراد قومه أن يكلفوه ما لم يرض، وهو ألا ينصاع لما يريده المحتل الغاصب: إنني أستغفر الله لكم ... آل مصر ليس فيكم من رجال فَلَّ غربي ما أرى من نومكم ... ورضاكم بوجود الاحتلال بُحَّ صوتي داعيًا مستنهضًا ... صارخًا حتى تولاني الكلال لم أجد فيكم فتى ذا همة ... إن عدا الدهر عدا أوصال صال رحم الله وزيرًا سامه ... قومه ما ليس يرضى فاستقال

стр. 784

وليس بصحيح أن صوته قد بح من دعوتهم للنهوض، وأنه كان يرجو أن يبرز من يبرز من بينهم فتى ذو همة، إن عدا الدهر على قومه عدا وإن صال صال. فهذا من قبيل التهكم اللاذع؛ لأن مصطفى فهمي كان يريد مصر نائمة، راضية عن الاحتلال؛ إنما الذي فل غربه حقًّا تلك الثورة العنيفة التي أجج نارها مصطفى كامل وصحبه، حتى طوَّحت به وبأضرابه. ويصور بطرس باشا غالي. بأنه قلب، يلبس لكل زمان لبوسه، ويعرف من أين تهب الريح فينحني أمامها. أهلا ببطرس أهلا ... بالملتوي المستقيم قديم كل جديد ... جديد كل قديم ويقول في أحمد حشمت باشا حين تولى وزارة المالية؛ وكان صبري يرى أنه ليس بكفء لهذه الوزارة وأنه ظلم حين أسندت إليه، وأن لولا الإنجليز ما تولاها. أبعدوا "أحمدًا" وجاءوا بثان ... ظلموه كما أراد الغشوم فتسلت خزائن المال مظلوم ... تولى وجاءها "مظلوم"١ وهذا النوع من الشعر يؤيد رأينا في شعر صبري، وهو أنه شعر مناسبات، ينتمي إلى مدرسة الندماء، لا يصدر عن عاطفة، وإنما يقال لخطرة بدت، أو للتسلية في الندوة، يتفكه بها الصحب، ويعجبون للبراعة الفائقة التي مكنت صبري من أن يصور هذه الشخصيات السياسية في مثل ذلك الإيجاز الواضح. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع موقف صبري من الأتراك والخلافة العثمانية، ومن الاحتلال، والحركة القومية ورجالها، ومن الخديو ورجاله٢، وإن كانت قصيدته التي قالها حين اشتد الخلاف بين الأقباط وبين المسلمين٣ في سنة ١٩١١ تدل على بعد نظر، وحصانة رأي، لأن من مصلحة الأجنبي المستعمر

стр. 785

أن يشتد هذا الخلاف، ليمزق وحدة الأمة، وليدعي أن وجوده ضروري لحماية الأقليات، وطالما ادعى هذه الدعوى حتى أبطلها الواقع، ووقفت الأمة كلها صفًّا واحدًا ١٩١٩ تندد به وبأساليبه في التفرقة لأن مصر وطن الجميع؛ ولأن الأقباط ظلوا هذه القرون المديدة منذ الفتح حتى اليوم لا يجدون من إخوانهم المسلمين في الوطن إلا كل مودة، وحسن عشرة وفي تلك القصيدة يقول صبري: ويحكم ما كذا تكون النصارى ... راقبوا الله بارئ العذراء مصر أنتم ونحن إلا إذا قامت ... بتفريقنا دواعي الشقاء مصر ملك لنا إذا ما تمسكـ ... ـنا وإلا فمصر للغرباء لا تطيعوا منا ومنكم أناسًا ... بذروا بيننا بذور الجفاء فلا تولوا وجوهكم شطر من عكـ ... ـر ما في قلوبنا من صفاء وهو شعر سامي الغرض، سهل المعاني، قريب المأخذ ليفهمه الخاصة والعامة، ولذلك جاء الكلام العادي منه بالشعر الرفيع الذي يفتن فيه صاحبه. ومن القصائد التي أشرنا إليها فيما سبق، وتنبئ عن غرض من أغراض الوطنية، والحث على العمل والجد في سبيل رفعة الوطن عن طريق العلم والدأب في تأسيس الدعامات القوية التي يشاد عليها مجد البلاد، وإن لم تدع إلى الثورة الجامحة، أو العنف، وإنما دعت إلى الأخذ بأسباب الإصلاح قول صبري على لسان فرعون: لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني ... إذا وتى يوم تحصيل العلا واني ولست إن لم يؤيدني فراعنة منكم، ... بفرعون عالي العرش والشان ولست جبار ذا الوادي إذا سلمت ... جباله تلك من غارت أعواني لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا ... فماؤه العذب لم يخلق لكسلان ردوا المجرة كدًّا دون مورده ... أو فاطلبوا غيره ريًّا لظمآن وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم ... لا تتركوا بعدكم فخرًا لإنسان أمرتكم فأطيعوا أمر ربكم ... لا يثن مستمعًا عن طاعة ثان فالملك أمر وطاعات تسابقه ... جنبًا لجنب إلى غايات إحسان

стр. 786

وموضوع القصيد من الموضوعات القوية، التي يستطيع الشاعر أن يستحضر فيها تلك المشاهد الرائعة التي وقفها فرعون، والتي رفع فيها مجد مصر، ثم يتخذها موعظة وتذكرة لأبنائها في الوقت الحاضر؛ إذ ليس هذا من الشعر الذاتي، وإنما هو من الشعر الموضوعي، والشعر الموضوعي ينطلق فيه الشاعر انطلاقًا قويًّا إذا تهيأت له الشاعرية المبتكرة المبتدعة. ويجب أن يكون الخيال في هذا النوع خيالًا معنويًّا مبتكرًا كما تقدم لك في غير هذا الموضع١، ولكن شاعرية صبري عجزت عن أن تنهض بمثل هذا الموضوع، وجاء شعره كثير التناقص، قريب المعاني، ضحل الغور، داني الخيال. فمن التناقض البين قوله في البيت: "ولست إن لم تؤيدني إلخ" فهو يظهر الاعتماد على قومه، وأنه ليس بفرعون العظيم إذا لم يكن كل فرد في شعبه فرعونًا آخر يؤيد عرشه ويدعمه، وفضلًا عن أن هذا المعنى من المعاني الظاهرة، وأنه ترديد لقول ذي القرنين في القرآن: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّة﴾ فإنه مخالف لطبيعة فرعون، وما أثر عنه، ولسنا هنا بصدد مناقشة الحقائق التاريخية، ولسنا من دعاة التمسك بها إذا كانت مخالفتها إلى خير، ولكن صبري نقض هذه الفكرة بقوله فيما بعد: أمرتكم فأطيعوا أمر ربكم ... لا يثن مستمعًا عن طاعة ثانٍ فهنا يظهر فرعون على حقيقته التي عرفت عنه في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ هنا يأمرهم فرعون أن يطيعوه، ويحذرهم بعنف، ويتوعدهم في صلف "لايثن مستمعًا عن طاعة ثان"، فأين هذا من فرعون الأول المتواضع الذي يدعي التماثل بينه وبين قومه بأن جعلهم فراعين مثله يؤيدون عرشه، وأنه ليس بشيء إذا لم يحدث هذا التأييد؟ ثم ألا تشعر بأن كلمة "يوم تحصيل" ليست من الكلمات الشعرية، وإنها مأخوذة من لغة رجال الدواوين وطلبة العلم، وأنها ذهبت بروعة البيت. وفي البيت الرابع يقول: "إن ماء النيل لم يخلق لكسلان" ولست أدري لم خصص ماء

стр. 787

النيل، وكل شيء في الكون صغيرًا كان أو كبيرًا لم يخلق إلا لذوي الهمة والمضاء، وخليق بالكسلان ألا يذوق جرعة من النيل أو غيره، وأن يحرم كسرة الخبز، وعلى كل فمعنى البيت ليس باهرًا قويًّا، وإنما هو من المعاني الدارجة. وفي البيت الخامس "ردوا المجرة كدًّا دون مورده" إدعاء بأن المجرة نهر يشرب منه. ومعنى البيت. إن كنتم من الكسالى العاجزين فدعوا النيل لا تقربوا ماءه، واصعدوا إلى السماء لتشربوا من نهر المجرة، أو اطلبوا موردًا آخر غيره. ولست أدري كيف يتأتى لهؤلاء العاجزين أن يردوا المجرة كدًّا، إلا على معنى أن يقول لهم. موتوا ظمأ، وذلك لاستحالة صعودهم إليه، وذلك مستحيل عليهم وعلى سواهم. فأنت ترى أن المعنى غير واضح، وفيه تناقض. وإذا نظرت إلى قوله: "وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم.... البيت" وجدته لم يقل شيئًا أكثر مما قيل من قبل: نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا ومن قول الشريف الرضي: من معشر أخذوا الفضلى فما تركوا ... منها لمن يطلب العلياء متركا ومن الأبيات القوية في قصيدة صبري هذه: مات لها الأرض من ذعر ودان لها ... ما في المقطم من صخر وصوان لو غير فرعون ألقاها على ملأ ... في غير مصر لعدت حلم يقظان لكن فرعون إن نادى بها جبلًا ... لبت حجارته في قبضة الباني ولست أوافق الشاعر أحمد محرم في انتقاده عبارة "حلم يقظان" وأنها من العبارات الجديدة في اللغة، وكيف يحلم اليقظان ... إلخ"١. وأحلام اليقظة من الموضوعات التي عنى بها علم النفس الحديث، وقد ظهر فيه كتاب ممتع في هذه الأيام٢، وحرمان اللغة هذه التعبيرات الجديدة التي لها مدلولات علمية خاصة تعسف مصر اللغة. والمعنى في البيت الثالث على روعته سبق إليه في قوله:

стр. 788

وأقسم لو غضبت على ثبير ... لأزمع عن محلته إرتحالا ويقول صبري في القصيدة: وآزرته جماهير تسيل بها ... بطاح واد بماضي القوم ملآن ويشبهون إذا طاروا إلى عمل ... جنًا تطير بأمر من سليمان برًّا بذي الأمر، لا خوفًا ولا طمعًا ... لكنهم خلقوا طلاب إتقان الصورة في البيت الأول تمت بصلة إلى قول الشاعر. "وسالت بأعناق المطي الأباطح" وتشبيه القوم المهرة بالجن تشبيه قديم تردد كثيرًا على ألسنة الشعراء من ذلك قول النابغة: سهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت السفور جنة البقار١ وقوله عنترة: لا أبعد الله عن عيني غطارفة ... إنسًا إذا نزلوا جنًا إذا ركبوا ويظهر إسماعيل صبري في أحسن حالاته الشعرية حين يقول: أين الألي سجلوا في الصخر سيرتهم ... وصغروا كل ذي ملك وسلطان بادوا وبادت على آثارهم دول ... وأدرجوا طي أخبار وأكفان وخلفوا بعدهم دبًا مخلدة ... في الكون ما بين أحجار وأزمان وزحزحوا عن بقايا مجدهم وسطا ... عليهم العلم ذاك الجاهلي الحاني ويل له، هتك الأستار مقتحمًا ... جلال أكرم آثار وأعيان للجهل أرجح منه في جهالته ... إذا هما وزنا يومًا بميزان وهذه الأبيات تدل على نزعة قومية في نفس صبري وإن جرى في بعض هذه الأبيات في أثر البارودي في قصيدته التي مطلعها٢: سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر ... لعلك تدري غيب ما لم تكن تدري وازدراؤه العلم الذي انتهك حرمات تلك الآثار الغالية واقتحم جلالها، وتفضيله الجهل البريء عليه معنى بديع جدًّا من صبري؛ لأن العلم لم يستطع

стр. 789

حتى اليوم على الرغم من تبجحه أن يكشف عن كل عظمتهم، وأن يصل إلى بعض أسرارهم، ورحم الله أبا العلاء المعري حين قال: إذا علمي الأشياء جر مضرة ... إلي فإن الجهل أن أطلب العلما فالجهل بأسرار المصريين القدماء قد أضفى على آثارهم هالة من المجد الغامض، ونظرة من التقديس، أما العلم فقد حاول أن يفسر هذه الأسرار ويدنيها من عقول المعاصرين، وهذا يذهب من روعتها وقدسيتها. وتعد هذه القصيدة على الرغم مما ذكرت لك من أحسن شعر صبري، بل من أحسن الشعر الحديث، في غرضها ومعانيها وديباجتها، وحسبه هذا فخرًا. ومن الأغراض التي عقد لها باب خاص في ديوان صبري "الشكوى من الحياة" وهي من باب الزهد، وذم الدنيا، وتدل على نظرة متشائمة وهكذا كان صبري متبرمًا بالحياة، راغبًا عنها يتعجل الموت، ويتمناه، كما كان غير راض عن الناس، شأنه في ذلك شأن بعض الزاهدين الحكماء أمثال أبي العلاء، وأبي العتاهية، وصالح بن عبد القدوس وغيرهم، وإن لم يبلغ مبلغهم في زهدهم وفلسفتهم الحكمية. ومن القصائد الطريفة التي وردت في هذا الباب قوله عن "الساعة" وقد دخل مرة كنيسة "رمس" المشهورة بفرنسان، فرأى مكتوبًا على عقرب إحدى ساعتها ما ترجمته: "كلهن جارحات، والأخيرة القاتلة" يريد ساعات العمر، والساعة الأخيرة، فأوحت إليه هذه العبارة بالمعاني التي أتى بها في قصيدة "الساعة". كم ساعة آلمني مسها ... أزعجتني يدها القاسية فتشت فيها جاهدًا لم أجد ... هنيهة واحدة صافية وكم سقتني المر أخت لها ... فرحت أشكوها إلى التالية فأسلمتني هذه عنوة ... لساعة أخرى وبي ما بيه ويحك يا مسكين هل تشتكي ... جارحة الظفر إلى ضارية

стр. 790

حاذر من الساعات ويل لمن ... يأمن تلك الفئة الطاغية وإن تجد من بينها ساعة ... جعبتها من غصص خالية قاله بها لهو الحكيم الذي ... لم ينسه حاضره ماضيه وأمرح كما يمرح ذو نشوة ... في قلة من تحتها الهاوية فهي وإن بشت وإن داعبت ... محتالة ختالة عادية عناقها خنق وتقبيلها ... كما تعض الحية الباغية هذا هو العيش فقل للذي ... تجرحه الساعة والثانية يا شاكي الساعات أسمع عسى ... تنجيك منها الساعة القاضية وهي قطعة طريفة، جسم فيها الساعة الزمنية، ووهبها شيئًا من الحياة، فصارت تسقيه المر، وتسلمه إلى أختها التي بثها شكواه، وهذه الساعات فئة باغية، وقد تكون فيها ساعة جعبتها خالية من الغصص، فيجب على الإنسان أن يستمتع بها، ويكون منها على حذر، فهي غدارة محتالة، متعدية على الرغم من بشاشتها، وعناقها حنق، وتقبيلها سم فهذا التشخيص الذي أضفاه صبري على الساعة، جعل هذه القطعة حية قوية على الرغم من قرب معانيها، وأن فيها كثيرًا من المعاني المتداولة في عالم الزهد، وعند الشعراء الذين أكثروا من ذم الزمن والدنيا، كأبي العلاء، وأبي العتاهية وأضرابهم. فمثلًا قوله: "هل تشتكي جارحة الظفر إلي ضارية" قريب من المثل المشهور "المستجير من الرمضاء بالنار" والفكرة التي تدور حولها الأبيات: "فهي وإن بشت وإن داعبت ... إلخ" مأخوذة من قول الشاعر: دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدًا ونصيحته هذه بأن ينتهز الإنسان الفرصة المواتية، وساعة الصفو فيغتنمها ويتمتع بها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا مذهب طرفه بن العبد ومن أتى بعده منذ قال:

стр. 791

ألا أيها الزاجري أحضر الوغي ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد وهذه الشكوى من الحياة وتمني الموت يرددها صبري في شعره، وله أبيات عنوانها: "راحة القبر" يقول فيها: إن سئمت الحياة فارجع إلى الأرض ... تنم آمنا من الأوصاب تلك أم أحنى عليك من الأم ... التي خلفتك للأتعاب لا تخف فالممات ليس بماح ... منك إلا ما تشتكي من عذاب وحياة المرء اغتراب فإن مات ... فقد عاد سالمًا للتراب وهذه نظرة سوداء للحياة، وفرار من ميدان النضال، لا تصدر إلا من نفس ضعيفة خوارة، وصبري كان يؤثر السلامة دائمًا في كل أموره، فأولى به أن يهرب من الحياة إن وجد فيها سأمًا ومللًا، وما أشبه البيت الأول بقول أبي العلاء: ضجعة الموت رقدة يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهاد ٠ومعنى البيت الثاني وهو أن الأرض أم أحنى علينا من أمنا التي خلفتنا للتعب فيه روح أبي العلاء ونفسه، وهو تارة يدعو التراب أبًا. والتراب نقليه ظلمًا وهو ولدنا ... وكم لنا فيه من قربى ومن رحم وتارة يدعوه أمًا: أتعلم الأرض وهي أم ... خف زمان فما ازدهاها بأي جرم وأي حكم ... سلط ليث على مهاها وفي معنى البيت الثالث قال الشريف الرضي: فإن لم يكن فرج في الحياة ... فكم فرج في انقضاء العمر وقال المتنبي "كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا" وكذلك ليس في البيت الأيخرة جدة وقد قال المعري من قبل:

стр. 792

قد طال سيري في الحياة ... ولي ببطن الأرض منزل ولصبري غير هذه القطعة في شكوى الحياة ما لا يخرج في معناه عنها فالقبور مواطن الراحة، والميت هو ميت الأحياء: مقابر من ماتوا مواطن راحة ... فلا تك إثر الهالكين جزوعًا وإن تبك ميتًا ضمه القبر فادخر ... لميت على قيد الحياة دموعًا ولصبري بعض المقطوعات يناجي بها الله ، ويسترحمه، ويطلب منه أن يعفو عن ذنوبه الكثيرة، وإن شط في بعضها شططًا كبيرًا كقوله: يا رب أين ترى تقام جهنم ... للظالمين غدًا وللأشرار؟ لم يبق عفوك في السموات العلا ... والأرض شبرًا خاليًا للنار أجل! إن رحمة الله وسعت كل شيء، ولكن هل اطلع صبري على جهنم فلم يجد في الأرض ولا في السماء شبرًا خاليًا من النار؟ إن هذا شطط، فقدرة الله أعظم من أن يحيط بها صبري، ولا شك أنها بلبلة استجار منها بقوله: يا رب أهلني لفضلك واكفني ... شطط العقول وفتنة الأفكار ويتهكم الأستاذ العقاد بصبري حين يقول: ومر الوجود يشف عنك لكي أرى ... غضب اللطيف ورحمة الجبار يا عالم الأسرار حسبي محنة ... علمي بأنك عالم الأسرار فيقول:"إنه يستكفي الله الشطط لأنه لا يطيق العناء، وهو يستطلع الغيب؛ لأنه يتعب من الحيرة، ويجفل مما وراء الفناء، وهو يحن إلى المجهول، ولكنه لا يسعى إليه، ولا يتجشم المشقة فيه، بل يسأل الله أن يأمر الوجود ليشف عنه، ثم يسأله أن يشف عن لطف إذا شف عن غضب، وعن رحمة إذا تكشف عن جبروت١.

стр. 793

ويقول أحمد محرم: "إنه يريد أن يرى الله، ولكن لغير ما يريدون هم: المتوصفة، فهم يطلبون المشاهدة لذاتها وأما شاعرنا فيريدها ليشهد نوعًا خاصًّا من الجمال، وحالة بعينها من العظمة والجلال، وهو يريد أن يرى الغضب قائمًا في اللطف والرحمة مائلة في الجبروت. والعقل والعلم الإلهي على اتفاق في هذا الوجود بنوعيه من كثيف أو لطيف لا يقوى أن يحجب الله جل شأنه بل هو كما قال العارفون مرآة قدرته، ومظهر صفاته"١. وأخيرًا ختم صبري هذه القطعة بقوله: أخلق برحمتك التي تسع الورى ... ألا تضيق بأعظم الأوزار وهذا رجوع إلى الثقة بالله بعدما فرط منه. وهو شبيه بقول أبي نواس: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم فهو يشك في رحمة الله طورًا: خشيتك. حتى قيل إني لم أثق ... بأنك تعفو عن كثير وترحم وطورًا يأمل في تلك الرحمة: عظمت آمالي وصغرت الورى ... من دالها إن لم تك المأمولا؟ وهو لا يدل بطاعته على الله: حاشا لمثلي أن يدل بطاعته ... فيها مسجلة على الغفار أو أن يعد وثيقة ينجو بها ... يوم القيامة من يد القهار لأنه يعتقد أن وجود الله أعظم من طاعته وما قدمت يداه: ما جئت أطلب أجر ما قدمته ... حاشا لجودك أن يكون قليلا ومن الأغراض التي احتلت صفحات عديدة في الديوان "الرثاء"، وقد رثى صبري بعض أصدقائه وأبناءهم، ورثى بعض أعضاء الأسرة الحاكمة، ورثاء صبري غاص بالحكم والواعظ من مثل قوله:

стр. 794

يا من يغد بدنياه وزخرفها ... تالله يوشك أن يودي بك الغرر وقوله في مطلع قصيدته التي يرثى بها توفيق باشا. نحن لله ما لحى بقاء ... وقصارى سوى الإله فناء ويكرر قوله أن الدنيا غرارة، وكل من فيها إلى فناء، من يعيش ألف عام ومن يعيش أيامًا معدودات سواء، وهو معنى بديهي لا قيمة له، ولكنه أعجب به فذكره أكثر من مرة في قوله: سواء من يعيش الألف فيها ... ومن أيامه فيها قليلة وفي قوله: نحن لله راجعون فمن مات ... ومن عاش ألف عام سواء ولا تشعر في رثائه بلوعة الأسى وحرقه العاطفة، والتفجع والجزع، شأن الشعراء المرهفي الإحساس، الجياشي العواطف إلا نادرًا، من مثل التي قالها في الإمام الشيخ محمد عبده. تدفق دموعًا، أو دمًا، أو قوافيا ... مآتم أولي الناس بالحزن هاهيا أيجمل أن تنعى الفضائل للوردي ... ولم تك في الباكين ويحك باكيا وإن كان البيت الثاني قد جاء ضعيفًا متخاذلًا؛ لأنه لا يبكي إلا لأن ذلك لا يجمل به وهو يبكي مشاركة للباكين لا لباعث خاص سواء بكى الناس أم لم يبكوا، شأن المحزون الصادق الحزن: وقد بينا لك فيما سبق موقفه من رثاء مصطفى كامل، وكيف بكى فيه الصديق، ولم يبك فيه الزعيم الوطني، وأن رثاءه هين فاترن ومعظم معانيه في الرثاء مأخوذة من مراثي السابقين؛ لا سيما شعر الفحول أمثال أبي تمام وابن الرومي، فمن ذلك هذه الأبيات المشهورة التي يرثى بها "عمر" ولد الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد. يا مالئ العين نورًا والفؤاد هوى ... والبيت أنسًا، تمهل أيها القمر

стр. 795

لا تخل أفقك يخلفك الظلام به ... والزم مكانك لايحل به الكدر في الحي قلبان باتا يا نعيمهما ... وفيهما إذا قصيت النار تستعر وأعين أربع تبكي عليك أسى ... ومن بكاء الثكالى السيل والمطر قد كنت ريحانة في البيت واحدة ... يروح فيها ويغدو نفحها العطر ما كان عيشك في الأحياء مختصرًا ... إلا كما عاش في أكمامه الزهر فأرحل تشيعك الأرواح جازعة ... في ذمة القبر بعد الله يا عمر وقد تأثر في هذه الأبيات برثاء أبي تمام لولدي عبد الله بن طاهر وقد ماتا صغيرين. نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا إن الفجيعة بالرياض نواضرًا ... لأجل منها بالرياض ذوابلا لهفي على تلك الشمائل فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرًا كاملًا وإن كان صبري قد تصرف في هذه المعاني، وزاد عليها، وألبستها ثوبًا رقيقًا جميلًا ومن مراثيه المشهورة قوله في رثاء صديقه أمين فكري وفيها يقول: وهبتك يا دهر من تطلب ... أبعد أمين أخ يصحب طويت المودة في شخصه ... فأي وداد امرئ أخطب وأي بديل له ارتضى ... وأي شمائله أندب أمين اتئد في النوى وارعني ... فبيني وبينك ما يوجب أتذكر إذا أنت مني النياط ... من القلب أو أنت لي أقرب وإذ نحن هذا لهذا أخ ... وهذا لذا ابن، وهذا أب حسبت بأنك لي خالد ... فكان الذي لم أكن أحسب ومطلع القصيدة فيه خلل فني واضح، رذ كيف يهب صبري للموت من يطلب -وهو من يحبه- في هدوء شامل وسخاء عميم؟ وهل يدل هذا على أنه

стр. 796

يحبه؟ إن المرء يتشبث بمن يحب، وينازع الموت عليه، ولو استطاع أن يستخلصه منه لفعل، وهذا هو الشريف الرضي ينبئنا عن شعوره إزاء الموت بقوله: لو كان يدفع ذا الحمام بقوة ... لتدكدست عصب وراء لوائي بمدربين على القراع تفيئوا ... ظل الرماح لكل يوم لقاء ولعل صبري يريد أن من مات "وهو أمين فكري" كان أعز إنسان لديه وليس بعده من الإخوان والأهل من يحرص عليه صبري، فإذا طلب الموت أحدًا بعده هان عليه أن يجود به؛ لأن الذي يحرص على حياته قد مات وهو معنى قديم جدًّا قاله امرؤ القيس حين بلغه أن بني أسد قتلوا والده: بنو أسد قتلوا ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل ويقول صبري بعد هذه الأبيات شعرًا فيه محاكاة غير مرغوبة في عصرنا الحاضر للشعر العربي القديم، ذلك الذي يستمطر السماء على أجداث الموتى، وقد كان مقبولًا في الصحراء التي يشح فيها المطر، والذي يعد فيها الغيث رحمة. استمع لصبري يقول: ويا تربة حل فيها الأمين ... لأنت الفراديس أو أخصب حبست على رحمات الرحيم ... وجاءك رضوانه الصيب ولا زالت السحب منهملة ... وأنت لأذيالها مسحب وتشبيه القبر بالروضة ليس بالجديد، وقد قال تمام: مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غتداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر وقد بلغ المتنبي الغاية في هذا حيث يقول: وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الأرض طيبًا وأما الدعوة لهذا القبر بأن يجوده الحيا، فالأدب العربي القديم غاص به، ولا يحتاج منا إلى دليل فهو من التقاليد الموروثة منذ أن رثى شاعر جاهلي عزيزًا عليه. ولا تشعر في رثاء صبري بتلك اللوعة التي تحس بها في رثاء المفجوعين، وإنما يسير في رثائه على هينة كأنه يقص خبرًا من الأخبار ولقد صدق الأستاذ

стр. 797

العقاد حين قال في شعر صبري: "إن شعره لطيف لا تعمل فيه، ولكنه كذلك لا قوة فيه ولا حرارة. وإن شئت فقل: إن أدب الرجل كان أدب الذوق، ولم يكن أدب النزعات والخوالج، وأدب السكون، ولم يكن أدب الحركة والنهوض، وأدب الاصطلاح الحسن، ولم يكن أدب الابتكار الجسور" وضرب مثلًا على أن صبري ناعم يمثل الترف في حزنه، وحماسته، وعاطفته، وأنه تنقصه الحرارة والانفعال والعاطفة بقول: "إذا قال شاعر إن عزيمة البطل الممدوح تصدم الصخر الأشم فتهده وتمهده، قال صبري: إن عزيمة بطله "تلامس" الصخر فتنبت فيه الأزهار: وعزيمة ميمونة لو لامست ... صخرًا لعاد الصخر روضًا أزهرًا ولعلك ترى مما ذكرت لك من أغراض صبري الشعرية، ومن غرض بعض ما قاله، ودراسته أن صبري شاعر مقلد، ولم يوهب تلك الشاعرية المبدعة المبتكرة، وأنه كان قصير النفس، لا يستطيع نظم القصائد الطويلة، وأنه لم يكن شاعرًا محترفًا، وإنما كان يقول الشعر لخطرات ترد على ذهنه. هذا وقد كان صبري في مطلع حياته الشعرية مغرمًا بفنون البديع يتصنع التورية والجناس كقوله: وألبس على طول المدى حلل "الرضا ... بشعار مأمون ورشد رشيد وقوله: فيا "مالكي نعمان خدك شافعي ... لدى حنبلي العذل إذ قام بالعذر وقوله: عن رفده حدث فكم في رفده ... إنعام بحر وافر ومديد وقوله: يا عاذلي أقصر وكن عاذري ... ولا تطل لومي على سهدي وقوله: قد قلبي وانثنى معجبًا ... قال لي كيف ترى قدي إلى غير ذلك من الحلى اللفظية والمعنوية، وظل مغرمًا بهذا النوع حتى

стр. 798

أواخر حياته وإن خفت وطأته كثيرًا في شعره الأخير كما اختفى التاريخ الشعري، وقد ضربت لك منه أمثلة في أول هذا الفصل. لقد اشتهر صبري بحسن الديباجة، ورقة الشعر، والعناية باللفظ والأسلوب ومع ذلك وجدت له عدة أخطاء، وجل أخطائه في استعمال الكلمات والحروف من مثل قوله: حسبت بأنك لي خالد ... فكان الذي لم أكن أحسب يقال حسبته وحسبت أنه، فلا محل للباء في بأنك، ومن مثل قوله: غرها سعدها، ومن عادة السعد ... يؤاتى يومًا ويخذل دهرًا يقال من عادته أن يفعل كذا، فلا وجه لإسقاط أن، ومن مثل قوله: يا آسي الحي هل فتشت عنه في كبدي ... وهل تبيت داء في زواياها يقال: فتشت الشيء وفتشت عنه، لا فتشت في، ومثل قوله: إذا خانني خل قديم وعقني ... وفوقت يومًا في مقاتله سهمي ففوق السهم جعل له فوقًا، وهو موضع الوتر منه، وقد أتى الشاعر بهذه الكلمة مضمنًا إياها معنى سددت أو صوبت، والصحيح أن يقال: إلى مقاتله لا فيها، ومثل قوله: لك الإمارة والأقوام ما برحت ... بكل عاري الذرى في الكون تأتمر يقال ائتمر الأمر امتثله، وبه أمر نفسه. وائتمر فلانًا شاوره. وبفلان هم به "إن الملأ يأتمرون بك"، ولم يرد ائتمر به بمعنى اقتدى أو اتبع أمره. ومثل قوله: فأقمنا عليه في كل ناد ... مأتمًا داويًا بصوت البكاء والمعروف في كتب اللغة "مدويًا" بتشديد الواو. ومثل هذه الهنات غير قليلة في شعر صبري، وقد أتت له من الاستعمال الشائع في الصحف، وعدم التمكن في الدراسة؛ ولكنها لا تقدح في رقة ديباجته، وصقل شعره وعنايته الفائقة بأسلوبه، وهذه أظهر ميزاته الشعرية وهو بهذا يمثل أهم خصائص المدرسة التقليدية الحديثة.

стр. 799

محمد عبد المطلب: وهاك شاعر آخر من شعراء المدرسة المحافظة على منهج العرب الأقدمين في شعرهم، يتميز عن إسماعيل صبري بعراقته في الدراسة العربية والدينية، وبأنه لم يتصل بالثقافة الغربية إلا عن طريق ما ترجم من الكتب، وقد كان قليلًا في الوقت الذي نضجت فيه شاعريته، وبأنه كان مبتديًا في خياله ومعانيه، وألفاظه، وطريقة حياته؛ وتسمع شعره فيخيل إليك أنك تسمع شاعرًا عربيًّا قديمًا عاش في العصر الأموي أو العباسي، بل يذكرك أحيانًا بشعراء العصر الجاهلي في متانة نسجه وإحكام قوافيه، وتشبيهاته واستعاراته المستمدة من حياة البادية. كان عبد المطلب على الرغم من كل هذا شاعرًا مطبوعًا، وأصيل الشاعرية، لا يفتعل هذه المحاكاة، ولا يملك أن يكون كما صوره شعره، وذلك بحكم نشأته وثقافته. ولد محمد بن عبد المطلب بن واصل بن بكر بن بخيت بن حارس بن قراع بن علي بن أبي خير حوالي سنة ١٨٧١ ببلدة "باصونه" إحدى قرى مديرية جرجا من أبوين عربيين ينتميان إلى أسرة أبي الخير، وأبو الخير هذا أبو عشيرة من عشائر جهينة تربو على خمسة آلاف عدًّا ويشاركها في الانتماء إلى جهينة عدة عشائر تناهز الخمسين ألفًا ينزل أكثرهم مديرة جرجا. وكان والده رجلًا صالحًا متفقهًا، متصوفًا، معتقدًا في بلدته، محبوبًا عند جميع عشائر جهينة، أخذ طريق الصوفية عن الخلوتية عن شيخ الطرق الشهير إسماعيل أبي ضيف ثم كان خليفة له بناحية جهينة. في هذه البيئة العربية الدينية المتزمتة نشأ محمد عبد المطلب، وحفظ القرآن -كما يقال- وهو دون العاشرة، وجاء إلى القاهرة للدراسة في الأزهر، ونزل وهو في هذه السن المبكرة ببيت الشيخ إسماعيل أبي ضيف بين أولاده وأسرته، ومكث بالأزهر سبع سنين، ثم التحق بدار العلوم، وتخرج فيها سنة ١٨٩٦ بعد أن تتلمذ لكبار علماء عصره أمثال الشيخ حسن الطويل، والشيخ محمود العالم، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ سليمان العبد وغيرهم.

стр. 800

واشتغل بالتدريس في المدارس الابتدائية سنين عديدة قضاها في مدينة سوهاج، وتنقل بعد ذلك في عدة مدارس ابتدائية وثانوية حتى اختير مدرسًا بالقضاء الشرعي قبيل الحرب العالمية الأولى، ثم مدرسًا بمدارس الأوقاف الخصوصية إلى أن انتقل مدرسًا بدار العلوم في سنة ١٩٢١ وظل بها إلى أن أدركته المنية في أواخر سنة ١٩٣١. كان يحفظ القرآن الكريم، ويقرؤه ببعض الروايات. ويقول عنه زميله في التدريس بدار العلوم الأستاذ الشيخ أحمد الإسكندري. "كان حجة في الأدب واللغة، محيطًا بأكثر جزلها وغريبها، وكان شاعرًا منقطع النظير في شعره، لا يكاد سامعه يفرق بينه، وبين شعراء أهل القرن الثالث والرابع، فجدد ما كان يدرس من أساليب الشعر القديمة، وأحيا كثيرًا من غريب اللغة، ونظم من أكثر بحور الشعر وقوافيه. وكانت ﵀ شديد الحفاظ على شعائر الإسلام، وآثاره، عاملًا على نشر آدابه، فهو من أكبر أعضاء جمعية المحافظة على القرآن الكريم، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية وله في كل منها آثار محمودة. وكان شديد العصبية لسلف هذه الأمة وقوادها وعلمائها وشعرائها ومؤلفاتها، فلا يكاد يسمح بحديث مُزْزٍ عليها أو غاض من كرامتها حتى يغضب لها غضبة الليث الهصور، فينبري له تزييفًا وتهجينًا، خطابة أو شعرًا أو كتابة"١. كان عبد المطلب كما رأيت عربي النشأة والمولد والبيئة معتزًّا بنسبه هذا كل الاعتزاز، يعرف للعرب فضلهم على الدنيا بكرم طباعهم، وشريف خصالهم، وأنهم أهل السماحة والنجدة، والإباء والكرم، وحسن العفو، وزادهم الإسلام فضلًا وأريحية، فكانوا النور الذي هدى العالم في حندس الجهالة والبغي، وأسسوا حضارة اقتبس منها وهو بعد يضرب في مجاهل الضلال، استمع إليه يفتخر بهذه العروبة: وأنا ابن الصيد من أنكرني ... ينكر الليث إذا ما انتسبا من أبيين كرام ضربوا ... فوق هامات المعالي قببا

стр. 801

وكفاني من فخاري نسبة ... جمعت في طرفيها العربا نحن رأس الناس في الناس ومن ... ذا يسوي بالرءوس الدنيا تركب الجلي ولا نرهبها ... يوم يلوي الناس عنها هربًا ويقول مفتخرًا بأسرته: نمت صعدًا في دوحة عربية ... هوت دونها الأفلاك منحدرات ويذكر فضل العرب على الشرق والغرب: فإن تبغنا في مشرق الأرض تلقنا ... بآثارنا معروفة في سماتها وإن تلتمسنا في بني الغرب تلقهم ... على ضوئنا يعشون في فلواتها فلله منا والعلا فقديمنا ... أحاديث حار الدهر في معجزاتها ولله ما يزها الورى من حديثنا ... إذا حدثت عنا ثقات رواتها فلم لا يفخر بنسبته إلى العرب: والدهر شاهد عدل أن لي نسبًا ... قد حل منه محل العقد في الجيد إنه من قوم سنوا للورى سنن العلاء فأحرى به أن يفتخر بانتسابه إليهم، وأن يستمسك بسننهم، ويتحلى بشيمهم. لقد سن قومي للورى العلا ... وما أنا عما سن قومي بحائد إذا افتخر الناس بمجدهم التليد فللعرب قصب السبق، وبما أنه منهم ويسير على سنتهم، فهو كذلك من السابقين يوم يباهي الناس بمجدهم: لنا قصب السبق يوم الفخار ... كما كان آباؤنا والجدود تراث لنا منذ عليا معد ... يدل به كهلنا والوليد ولا يكتفي بذكر مجد العرب هكذا مجملًا، ولكنه يحاول أن يذكر في شيء من التفصيل بعض فضائلهم الفطرية، ويتطرق من ذلك إلى ذكر نسبه وأن جهينة أصيلة في العروبة، وذلك حين يقول: ما البيض إلا لقوم بالفخار لهم ... على الزمان خلاعات وإدلال

стр. 802

في المطعمين على الحالين عافيهم ... إذا أصاب كرام الناس إمحال والمرحبين إذا ضاق الزمان بهم ... والمكثرين وفي الأيام إقلال والناقضين على الأيام ما عقدت ... وما لما عقدوه الدهر حلال من الذين إذا قالوا مقالتهم ... فالدهر ماض بما قالوه فعال من كل أروع في أعراقه كرم ... وفي شمائله لطف وإجمال ومن أهم صفات العرب الفصاحة، ولما كان شاعرًا فصيح البيان كان من الطبيعي أن يهتم بذكر فصاحة العرب وقوة حجتهم في الكلام: وشهرتهم في البيان. وإن تذكري أيامنا في قديمها ... سموت إلى ماض أغر نبيل سلي الشعر عنا إذا يسير قصيده ... مسير الحياة في قفرة ومحول ملأنا به الدنيا بيانًا وحكمة ... بها جاء في التنزيل خير رسول وشدنا به في كل دهر مكانة ... رست في قرار عزة وأثول ولا ينفك عبد المطلب يحدثك في كل قصيدة عن أمجاد قومه، وعن عظمة الأمة العربية التي ينتمي إليها، وهذا الشعور المتأصل في نفسه تأصل العقيدة هو الذي جعله يتشبث بمحاكاة الفحول المعرقين من شعراء العربية، ويود أن يصل إلى مرتبتهم متجاهلًا كل ما يتطلبه عصره وحضارته. زد على هذا أن محمد عبد المطلب نشأ نشأة دينية في بيت يفد عليه طلاب الهداية، ويحيطونه بالتجلة والاحترام، لاعتقادهم في والده. وهذه النشأة مع ما صاحبها من دراسة دينية في الأزهر ودار العلوم كفيلة بأن تجعل محمد عبد المطلب شديد الحفاظ على القديم، لا يفرط فيه أبدًا مهما كانت المغريات، نافرًا من كل جديد. مازوا الجديد من القديم وما دَرَوْا ... أن الجديد من القديم سليل حلبات إفك في مهالك فتنة ... هو جاء كيد غواتها تضليل دعوى وما ضربوا لنا مثلًا بها ... يجري عليه القياس مثيل وإذا الدعاوى لم تقم بدليلها ... في العقل فهي على السفاه دليل

стр. 803

وقد عكف عبد المطلب في دار العلوم على دراسة الأدب العربي القديم بشغف ولذة، تغذيهما محبة قوية للعرب وتراثهم، وملكة شعرية فطرية، وإذا كان عند طالب دار العلوم أي موهبة أدبية، ولو بقدر يسير، سرعان ما تنمو وتترعرع وتزدهر في هذه البيئة العربية الخالصة، لكثرة ما يسمع الطالب في حجرات الدراسة من الكلم الفصاح، وروائع الشعر والأمثال، التي خلفها أدباء العربية في عصورها الذهبية، ولكثرة ما يحفظ من هذه الأمثال والحكم، والنوادر، والقصائد الخالدة، والحفظ هو سبيله إلى التزود من معين العربية ألفاظًا ومعاني. ولهذا تعجب كل العجب لدار العلوم، فهي في كل عهد تغص بمن يقرضون الشعر في أثناء الطلب، ويثبت منهم في الميدان، ويجلي في حلبة السباق من تعهد هذه الموهبة بالصقل والدراسة، وربما كانت دار العلوم متميزة عن سواها في هذه الناحية؛ لأن الدروس تلقي فيها بلغة فصيحة سليمة أدبية؛ ولأنها كلها تدور حول العربية، وإتقانها: نحوًا، وبلاغة، ونقدًا، وأدبًا، ولأن الطلب يأتي إليها وعنده ذخيرة سابقة من القرآن الكريم وعلوم الدين، وقدر لا بأس به من العلوم العربية، هذا فضلًا عن الرعاية والعناية والتوجيه والتشجيع من جانب الأساتذة الذين يوجهون الطالب الوجهة القومية التي تنمي من مواهبه وتدافعه قدمًا إلى الأمام فلا يلبث إلا قليلا في هذه البيئة الجديدة حتى تتفتح ملكاته اللسانية الكاملة، ويلهج بقول الشعر، ولقد صورها عبد المطلب أبدع تصوير، وبين فضائلها على اللغة العربية، وعلى الأدب والشعر بقوله يخاطبها: يا أم كم من شرعةٍ لك في الهدى ... لا وردها رنق ولا مملول وهديتنا سبل العلوم قواصدًا ... فالغور نجد والحزون سهول دان القريض لنا فأما روضه ... فجنى وأما صعبه فذلول ولنا إذا شئنا جزالة جرول ... وإذا نرق فتوبة وجميل ولربما ملك الندى خطيبنا ... والجمع بهر والمقام يقول أحييت أحياء الجزيرة من نما ... قحطان من ولد وإسماعيل

стр. 804

فبكل فصل منك مظهر أمة ... من أهلها وبكل يوم جيل ولو استدار به الزمان لأصبحت ... لك في عكاظ من البيان فصول هذه هي المدرسة العريقة التي درس فيها عبد المطلب اللغة والأدب على أعلامها في عصره ولهج لسانه وهو بعد طالب بالشعر القوي الفصيح، وهي بيئة عربية خالصة، لا تعرف من الثقافة الغربية إلا القدر اليسير الذي يمت إلى العلوم العربية بصلة أو يزود الطالب بحظ من الثقافة العامة، أما اللغات الأجنبية، فكانت على هامش الدراسة أحيانًا لا يعني بها الطلبة كثيرًا، وقد ألغيت في عهود مختلفة، ولم تحتل في نفوسهم مكانة ممتازة؛ لأنهم يتعملونها في الكبر، ولا ريب أنهم لم يعرفوا عن الأدب الغربي ومذاهبه وأنواعه إلا القليل عن طريق الترجمة، وقد كان هذا المترجم ضئيلًا في عهد عبد المطلب، وأشك في أنه كان يتذوق مثل هذا الأدب أو يعجب به. وقد أثرت هذه النشأة العربية الخالصة في أخلاق محمد عبد المطلب، فقد ورث عن العرب كثيرًا من صفاتهم، وأعجب بمثلهم الخلقية العليا، ومكن الدين الإسلامي الذي شب بين تعاليمه وتقاليده، ودرسه في الأزهر ودار العلوم هذه الصفات في نفسه، يتمثل هذا الخلق العربي الإسلامي في عبد المطلب حينما تقرأ شعره. إذ يطالعك في كل قصيدة بنفسه سافرة مجلوة، لا تضمر نفاقًا أو رياء. وللخلق والطبع أثر عظيم في اتجاه الشاعر؛ لأنه هو الذي يوجهه نحو الأغراض المختلفة، فإن كان كريم النفس أبيًّا، مترفعًا عن السفاسف ربأ بنفسه عن شعر المداهنة والرياء، والمدح الكاذب، والوصول عن طريق القول المزوق والخداع المنمق إلى ما تصبو إليه نفسه التي تستهين بالمثل العليا في سبيل غايتها، واتجه نحو الوطنية الصادقة، والحماسة للحق، والغرام بالخير إلى غير ذلك من الأغراض الشريفة. تراه لا يرثي إلا صديقًا: ولا يمدح إلا شكرًا على مكرمة أسديت إليه، أو لأن الممدوح حقق هدفًا جميلًا من الأهداف التي ترمقها نفسه وترعاه، وهكذا كان عبد المطلب.

стр. 805

وحري بنا قبل أن نتعرف إلى الأغراض التي اتجه إليها شعره، أن نلقي نظرة عابرة على خلقه. كان عبد المطلب كما ذكرت بدوي الطباع، ومن شأن الطبع البدوي الجد والصرامة في الحق ومقاومة العسف. والقوة الهوجاء يمحقها ... حق قضى في أهله الغلبا وهو في هذه المقاومة، وهذا الجد لا يعرف اللين، أو الهزيمة أو النكوص عن غايته: أفتطمعون بأن تلين قناتنا ... لين الأبي على الشدائد عاب ومن شيمة الأبي الكريم ألا يتضجر أو يشكو إذا آده الحمل، وآذاه الجهاد: ليس من بشيمة مثلي أنه ... يشتكي البؤس ويخشى النوبا ويقول: أأشمت حسادي فأشكو وإنني ... أراه على الأحرار غير حلال بل يتجمل بالصبر، قوى العزم، مبرم الإدار، لا يفل له غرب، أو تهن له نفس سأصبر للأيام حتى أردها ... بصبري لما أرجوه منها حبائلا وأهمل فيها عزمة عربية تقوت ... العوالي إن مضت والعواملا ورجل من هذا شأنه في خلقه لا شك يتخلف في الحياة عن كثير من نظرائه الذين لا يثبتون في سبيل الحق وإعلاء كلمته مثلما يثبت، ولا يتمسكون بإبائهم وكرامتهم، وعزة نفوسهم ويضعونها في المنزلة الأولى مثلما يضع نفسه، وقد قال في هذا معبرًا عن ذلك النقص الاجتماعي: وإني سلبت قدري حقوقًا من العلا ... تحلى بها غير وأصبحت عاطلا فمن قبل كم عادت كريمًا وأنكرت ... حقوقًا له في أهلها وفواضلا

стр. 806

ولقد تغنى في شعره كثيرًا بأنه كريم النفس، والقلب واليد: ولي همامة نفس بالعلا كلفت ... قدمًا وقلب بأهل الفضل محلال يهوى الكرام وما غير الكرام له ... من البرية أخذان وأمثال أما كرم اليد فقد أفصح عنه بقوله: حبب الفاقة لي أني فتى ... يجمع الحمد ويفنى النشبا أما كرم القلب والحلم وامتلاك أزمة النفس حين يجتاحها الغضب فقد قال عن نفسه: إن الكريم إذا ما اهتاجه غضب ... لم يلوه عن طريق الحكمة الغضب ومن شأن هذه البدوي العربي، ولو كان في بيئة متحضرة يكثر فيها النفاق، وحب المنفعة الخالصة؟ وإيثارها على المثل العليا، أن يتمسك بالأصول الخلقية العربية النبيلة، إذا قواها في نفسه دين متين وعلم غزير، ونشأة في أحضان البادية منذ الصغر، وتطلب لفضائلها في كتب الأدب عند الكبر، من شأن هذا البدوي أن يكون وفيًّا لأصدقائه، عفيفًا في هواه، لا يعرف الصغائر والدنايا. أما وفاؤه فقد تمثل في ديوانه أتم تمثيل، استمع إليه يقول لصديق له: وكلما اشتد بي حال ذكرتك في ... سر فيفرج عن ذلك الحال يا روح روحي وريحاني إذا صرمت ... حبلى من الناس والأيام آمال خفض عليك فودى ليس يخلقه ... كر الجديدين أو في الناس أو مالوا إن الوفاء شيمة العربي، وقد زاده قوة في نفسه دينه الكريم: الله في الود والقربى فإن لها ... حقًّا على الناس جاءتنا به الكتب وترى هذا الوفاء في توديعه لأصدقائه وخلصائه الذين اصطفاهم لنفسه، ووافقت طباعهم طبعه، في مواساتهم إن ألم بهم خطب، وفي تهنئتهم إن ابتسمت لهم الحياة ببعض زخارفها وفي رثائهم إن أودوا واختارهم الله لجواره.

стр. 807

ألا ترى عبد المطلب في هذا الوفاء، وفي تلك السجايا الغر التي ذكرت لك طرفًا منها يمثل فتى من فتيان البادية الأقدمين وكأنك تتمثله عنترة الفوارس، أو عروة بن الورد أو حاتم طيئ، أو ربيعة بن مكدم في شهامته، وقوته، وكرمه، ووفائه، وذرابة لسانه، وبعده عن الدنايا: ومن كان مثلي في ذرا الأدب اعتلى ... يعاف الدنايا شيمة والرذائلا ورثت أبا بكر خفارًا وعزة ... ومن بعده أورثت في المد واصلا بها ليل في عليا جهينة أصعدوا ... على خير ما يحذو الأخير الأوائلا فذرني أسر حيث المكارم واحدلي ... على نغمات المجد إن كنت فاعلا وهو يتغزل على طريقة العرب ويبتدئ قصائده بالنسيب، وهذا لا شك تكلف منه لا يصدر عن عاطفة ولكن عبد المطلب يحب الجمال في عفة، وهو يتغزل في هذا الجمال، والعربي مرهف الحس، جياش العاطفة، ذواقة للجمال، وإذا أضيف إلى هذا الميل نحو الجمال، دين وخلق، شاعرية، رأينا عبد المطلب لا ينحدر في غزله إلى فحش اللفظ، والتغني بمفاتن النساء في مباذلهن ولا يصبوا إلى دنس الهوى. وما أنا من يصبو إلى دنس الهوى ... ولا ضل في نهج العفاف دليلي إنه يعشق الجمال، ويغري به؛ لأن له نفس شاعر، وذوق فنان، ولكنه لا يتبع النفس اللجوج هواها، ولا ينزلق في تيار الغرام وحسبه من ذلك الجمال هذه المتع المعنوية التي تنتشى لها نفسه، ولا يذهب في حميا هذه المتعة رشدها، إنه ينام ملء جفونه شأن من لم يعلق قلبه بشباك الغرام. وما شغلت عيني عن النوم صبوة ... بها شاقني طرف من العين أبرج١ ولم ينسنى حظى من الحلم والنهى ... جبين يروع الشمس بالحسن أبلج

стр. 808

ولا باب يغريني بمعسوله اللمى ... إذا ابتسمت ذاك الجمان المفلج ولكن هل يستطيع عبد المطلب أن يتصرف في فؤاده دائمًا، والحب إذا أتى فلا راد له لأن المرء لا يعرف متى يأتي، ولا كيف يأتي، ولا شك أن عبد المطلب قد غلب على أمره أحيانًا، ولكن دينه وخلقه صان هذا الحب عن الرجس. بتنا وكان العفاف سترًا ... بين الضميرين ليس يبلى وللتقى بيننا عهود ... تقدست في القلوب قبلا وما على الحب من مليم ... إذا الهوى بالتقى تحلى ومن أهم صفات العرب المتميزة الغيرة، وقد تجلت غيرة عبد المطلب وحماسته، وإباؤه الضيم في وطنيته الملتهبة الصادقة. لقد ملك حب مصر عليه شفاف قلبه. دع جانبًا تلك القصائد السياسية المتأججة التي أسلفنا القول عليها، بل تأمل عشقه لمصر، ولصعيد مصر، وترداده لذكرها بقلب مليء بحبها، مدله بها، يراها منبت المجد منذ نشأة الحياة على الأرض بل قبل ذلك: ولربما شهد الزمان وجوده ... والأرض ماء، والسماء ضباب النيل آيته، وسطر حديثه ... في العالمين، ولا بتاه كتاب١ حتى إذا برز الورى من غيبهم ... وتميزت ببنيهم الأنساب فإن عروس الأرض مصر يزينها ... أطام عز تعتلى وثياب وهو لا يتردد أن يفدي مصر بحياته، ويدعو الله أن تسلم من الأذى، وينزلها منزلة الأم: مصر أمي فداء أمي حياتي ... سلمت أمنا من العاديات

стр. 809

ومن فرط حبه لمصر نسي أنه عربي بدوي، وراح يشيد بمناقب مينا وخوفو، ورمسيس، والحق ألا تعارض بين نسبه العربي، وفخره بمصر، وبمن شادوا مجدها القديم فهو اليوم مصر الموطن والمولد، ينعم بخيرات مصر، ويتمتع بجناتها وأجوائها، وقد دافع عن رأيه هذا بقوله: رويدك إنا في العلا يوم ننتمي ... كلانا أبوه النيل أو أمه مصر لنا آية الأهرام يتلو قديمها ... حديث الليالي فهي في فمها ذكر ملأنا بها لوح الوجود مناقبًا ... إذا ما خلا عصر تلاها به عصر وللعلم من آثارنا في جبالنا ... على الدهر آيات بها ينطق الصخر إذا جهلوا مينا وخوفوا وخفرعا ... فليس "برمسيس على ملكه نكر لنا كل ما في الأرض من مدينة ... بها تعمر الأمصار والبلد القفره لنا في الورى حق المعلم لو رعوا ... لنا ذمة وادهر شيمته الغدر ويقول في هذه القصيدة مضمنًا المثل الأوربي المشهور "الدين لله والوطن للجميع". كلاهنا على دين به هو مؤمن ... ولكن خذلان البلاد وهو الكفر إذا ما دعت مصر ابنها نهض ابنها ... لنجدتها سيان مرقس أو عمرو وهو في وطنيته هذه يأنف من الاحتلال وذل العبودية والاستعمار؛ شأن العربي الذي ألف الحرية المطلقة: حرام علينا أن نعيش أذلة ... وذو الذل أولى ما يكون به القبر ولما رأى الخلف دبب بين المصريين بعد ثورتهم العظيمة، وانقسموا شيعًا وأحزابًا وهنت بها قوى مصر، وخفت صوتها في المطالبة بحقوقها قال: فيا مصر إن عز الوفاء فإننا ... على العهد لا نلوي ولا نتغير

стр. 810

إذا صاع قوم بالخلاف رأيتنا ... لبرك أيقاظًا لضرك تحذر١ أتخذل مصرًا في بنيها وهذه ... ذئاب الليالي حولها تتنمر وقد ندد بهذا الخلاف في قوة وصرامة، وأنذر قومه عاقبة أمرهم، وأنها خسران مبين وضايع للوطن: عبثت بوحدتنا الخطوب وأعملت ... في غرس أيدينا يد الإتلاف والخصم يحجل بيننا للشر في ... ثوبين ثوب موافق ومنافي متنمر يغري العداوة بيننا ... بالكيد والتفريق والإرجاف أو ليس فيما قد مضى من عبرة ... لبني أبي والأسر ليس بخافٍ أو لم يروا أو يسمعوا نذر الورى ... تطوى إلينا لجة الرجاف٢ ولعلك تذكر قول مطران في صعيد مصر، وتعليقنا عليه بأنه لم يكن محبًّا له، ولو كان محبًّا حقًّا لرأى مساوئه مفاخر، وشينه زينًا٣ على حد٤ قول الشاعر القديم: فتضاحكنَ وقد قلنَ لها ... حسنٌ في كلّ عين من تود وعبد المطلب كان عاشقًا لمصر ولصعيدها، يرى الجمال حيث لا يراه سواه والمحب مفتون. سر الجمال جمال مصر إذا سرت ... ريح الشمال بها وعب النيل بلد جريت إلى المنى في ظله ... سبحًا على اللذات وهي شكول أرد المرابع والمصايف سادرًا ... أختال بين ظلالها وأجول لي في الصعيد إذا شتوت منازل ... فيها سراة العالمين نزول بهرت مصانعها الزمان ولم تزل ... للعقل فيها حيرة وذهول
следующие страницы →