← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

يتبسم ويعجبه ذلك، وبعد هذا كان قتل ابن شاهنشاه على يده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ولم تكمل هذه الدار. دار التمر: هذه الدار بمدينة مصر من خارجها، فيما انحسر عنه ماء النيل بعد الخمسمائة من سني الهجرة، وتعرف اليوم بصناعة التمر، تجاه الصاغة بخط سوق المعاريج، ومن جملتها بيت برهان الدين إبراهيم الحليّ ومدرسته، وهذه الدار وقفها القاضي عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ على فكاك الأسرى من المسلمين ببلاد الفرنج. قال القاضي محي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر في كتاب الدر النظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرحيم: ومن جملة بنائه دار التمر بمصر المحروسة، ولها دخل عظيم، يجمع ويشترى به الأسرى من بلاد الفرنج، وذلك مستمرّ إلى هذا الوقت، وفي كل وقت يحضر بالأسارى فيلبسون ويطوفون ويدعون له، وسمعتهم مرارا يقولون: يا اللّه يا رحمن يا رحيم ارحم القاضي الفاضل عبد الرحيم. وقال القاضي جمال الدين بن شيث: كان للقاضي الفاضل ربع عظيم يؤجره بمبلغ كبير، فلما عزم على الحج ركب ومرّ به ووقف عليه وقال: اللهم إنك تعلم أن هذا الخان ليس شيء أحب إليّ منه، أو قال أعز عليّ منه، اللهم فاشهد أني وقفته على فكاك الأسرى من بلاد الفرنج. وقال ابن المتوّج: ومن جملة الأوقاف الوقف الفاضلي، وهو الدار المشهورة بصناعة التمر الوقف على فكاك الأسرى من يد العدوّ، المشتملة على مخازن وأخصاص وشون ومنازل علوية وحوانيت بمجازها وظاهرها، وهي اثنا عشر حانوتا، وخمسة مقاعد، وثمانية وخمسون مخزنا، وخمسة عشر خصا، وست قاعات وساحة، وست شون، وخمسة وسبعون منزلا، وخمسة مقاعد علوية، الأجرة عن ذلك جميعه إلى آخر شعبان سنة تسع وثمانين وستمائة في كل شهر ألف ومائة وست وثلاثون درهما نقرة، واستجدّ بها القاضي جمال الدين الوجيزي خليفة الحكم بمصر حين كان ينظر في الأوقاف دارا من ريع الوقف، فأكلها البحر، فأمر ببناء زربية أمامها من مال الوقف. عمارة أمّ السلطان: هذه العمارة من جملة المنحر كانت دارا تعرف بالأمير جمال الدين ايدغدي العزيزيّ ولها باب من الدرب الأصفر الذي هو الآن تجاه خانقاه (١) بيبرس، وباب من المحايريين تجاه الجامع الأقمر. عرفت هذه الدار بالأمير مظفر الدين موسى

стр. 1052

الصالح علي ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي، ثم خربت فأنسأتها خوند أم الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن فلاوون، وجعلت منها قيسارية (١) بخط الركن المخلق يباع بها الجلود ويعلوها ربع جليل لسكن العامّة يشتمل على عدّة طباق، ووقفت ذلك على مدرستها بخط التبانة خارج باب زويلة، فلم تزل جارية في وقفها إلى أن اغتصبها الوزير الأمير جمال الدين يوسف الأستادار فيما أخذ من الأوقاف، وجعلها وقفا على مدرسته بخط رحبة باب العيد من القاهرة، وجعلت خوند بركة من جملة هذه الدار قاعة لم يعمر فيها سوى بوابتها لا غير، وهي أهلّ بوّابات الدور، وقد دخلت أيضا فيما أخذه جمال الدين وصارت بيد مباشري مدرسته إلى أن أخذها السلطان الملك الأشرف أبو العزيز برسباي الدقماقي الظاهريّ، وابتدأ بعملها وكالة في شوّال سنة خمس وعشرين وثمانمائة، فكملت في رجب سنة ست وعشرين، وغيّر من الطراز المنقوش في الحجارة بجانبي باب الدخول، اسم شعبان بن حسين، وكتب برسباي، فجاءت من أحسن المباني ويعلوها طباق للسكنى، ولم يسخر في عمارتها أحد من الناس كما أحدثه ولاة السوء في عمائرهم، بل كان العمال من البنايين والفعلة ونحوهم يوفون أجورهم من غير عنف ولا عسف، فإنه كان القائم على عمارتها القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيش، وهذه عادته في أعماله أن لا يكلف فيها العمال غير طاقتهم، ويدفع إليهم أجورهم واللّه أعلم. ذكر الحمامات قال ابن سيده: الحمّام والحميم والحميمة جميعا الماء الحار، والحميمة أيضا المخض إذا سخن، وقد أحمّه وحمّه، وكلّما سخن فقد حمّ. قال ابن الأعرابي: والحمائم جمع الحميم الذي هو الماء الجار، وهذا خطأ، لأن فعيلا لا يجمع على فعائل، وإنما هو جمع الحميمة الذي هو الماء الحار لغة في الحميم مذكر، وهو أحد ما جاء من الأسماء على فعال، نحو القذاف والجبان والجمع حمّامات. قال سيبويه: جمعوه بالألف والتاء وإن كان مذكرا، حيث لم يكسر جعلوا ذلك عوضا من التكسير. والاستحمام الاغتسال بالماء الحار، وقيل هو الاغتسال بأيّ ماء كان، والحميم العرق، واستحمّ الرجل عرق. وأمّا قولهم لداخل الحمام إذا خرج طاب حميمك، فقد يعني به العرق، أي طاب عرقك، وإذا دعي له بطبيب العرق، فقد دعي له بالصحة، لأنّ الصحيح يطيب عرقه. وروي عن سفيان الثوري أنه قال: ما درهم ينفقه المؤمن هو فيه أعظم أجرا من درهم صاحب حمّام ليخليه له، وقال محمد بن إسحاق في كتاب المبتدئ: إنّ أوّل من اتخذ

стр. 1053

الحمامات والطلاء بالنورة سليمان بن داود ﵉، وأنه لما دخل ووجد حميمة قال: اوّاه من عذاب اللّه أوّاه. وذكر المسبحيّ في تاريخه: أنّ العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه، أوّل من بنى الحمامات بالقاهرة، وذكر الشريف أسعد الجوّاني عن القاضي القضاعي أنه كان في مصر الفسطاط ألف ومائة وسبعون حماما. وقال ابن المتوّج أن عدّة حمامات مصر في زمنه بضع وسبعون حماما. وذكر ابن عبد الظاهر أن عدّة حمامات القاهرة إلى آخر سنة خمس وثمانين وستمائة، تقرّب من ثمانين حماما، وأقل ما كانت الحمامات ببغداد في أيام الخليفة الناصر أحمد بن المستنصر نحو الألف حمام. حمّامي السيدة العمة: قال ابن عبد الظاهر: حمّامي الكافي يعرفان بحمامي السيدة العمة، وانتقلتا إلى الكامل بن شاور، ثم إلى ورثة الشريف ابن ثعلب، وهما الآن بأيديهم، ولا تدور إلاّ الواحدة، وهاتان الحمامان كانتا على يمنة من يدخل من أول حارة الروم تجاه ربع الحاجب لؤلؤ، المعروف الآن بربع الزياتين، علو الفندق الذي بابه بسوق الشوّايين، وكانت إحداهما برسم الرجال والأخرى برسم النساء، وقد خربتا ولم يبق لهما أثر البتة. حمام الساباط: قال ابن عبد الظاهر: كان في القصر الصغير باب يعرف بباب الساباط، كان الخليفة في العيد يخرج منه إلى الميدان، وهو الخرشتف الآن، إلى المنحر لينحر فيه الضحايا. قلت حمام الساباط هذا يعرّف في زمننا بحمّام المارستان المنصوري وهو برسم دخول النساء عند باب سرّ المارستان المنصوري، وهذا الحمّام هو حمّام القصر الصغير الغربي، ويعرف أيضا بحمّام الصنيمة، فلما زالت دولة الخلفاء الفاطميين من القاهرة، باعها القاضي مؤيد الدين أبو المنصور محمد بن المنذر بن محمد العدل الأنصاريّ الشافعيّ، وكيل بيت المال في أيام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، للأمير عز الدين أيبك العزيزيّ هي وساحات تحاذيها بألف ومائتي دينار، في ذي الحجة سنة تسعين وخمسمائة، ثم باعها الأمير عز الدين أيبك للشيخ أمين الدين قيمار بن عبد اللّه الحمويّ التاجر، بألف وستمائة دينار، فورثها من بعده من استحق إرثه، ثم اشترى من الورثة نصفها الأمير الفارس صارم الدين خطلبا الكاملي العادلي، في سنة سبع وثلاثين وستمائة، وانتقلت أيضا منها حصة إلى ملك الأمير علاء الدين ايدكين البندقداري الصالحي النجمي استادار الملك الظاهر بيبرس، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، فلما تملك الملك المنصور قلاوون الألفي وانشأ المارستان الكبير المنصوري، صارت فيما هو موقوف عليه، وهي الآن في أوقافه ولها شهرة في حمامات القاهرة. حمام لؤلؤ: هذه الحمام برأس رحبة الأيد مرى ملاصقة لدار السناني، أنشأها الأمير

стр. 1054

حسام الدين لؤلؤ الحاجب في أيام … (١). حمام الصنيمة: هذه الحمّام كانت بالقرب من خزانة البنود، على يسرة من سلك في رحبة باب العيد إلى قصر الشوك، وقد خربت، وعمل في موضعها مبيضة للغزل، بالقرب من الجمالية. حمام تتر: هذه الحمام كانت بخط دار الوزارة الكبرى، وقد خربت وصار مكانها دارا عرفت بالأمير الشيخ علي، وهي الدار المجاورة للمدرسة النابلسية في الزّقاق المقابل للخانقاه الصلاحية سعيد السعداء. وتتر هذا: بتاءين مفتوحتين كل منهما منقوط بنقطتين من فوق، أحد مماليك أسد الدين شير كوه، عمّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، استولى على هذه الحمّام وكانت معدّة لدار الوزارة في مدّة الدولة الفاطمية، فعرفت به وما حولها، وإلى الآن يعرف ذلك الخط بخط خرائب تتر، والعامّة تقول خرائب التتر بالتعريف، وهو خطأ. حمام كرجي: هذه الحمّام كانت بخط خرائب تتر أيضا في جوار المدرسة النابلسية، تجاه باب الخانقاه الصلاحية، عرفت بالأمير علم الدين كرجي الأسديّ، أحد الأمراء الأسدية في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وقد خربت هذه الحمّام وبني في مكانها هذا البناء الذي تجاه باب الخانقاه بأوّل الزّقاق. حمام كتيلة: هذه الحمّام كانت داخل باب الخوخة برأس سويقة الصاحب، عرفت أخيرا بالأمير صارم الدين ساروج شادّ الدواوين، ثم خربت في أيام … (٢) ومكانها الآن مسمط يذبح فيه الغنم وتسمط. حمّام ابن أبي الدم: هذه الحمام كانت فيما بين سويقة المسعودي وباب الخوجة، أنشأها ابن أبي الدم اليهودي، أحد كتاب الإنشاء في أيام الخليفة الحاكم، وتولى ابن خيران الديوان ونقل عنه أنه وسع بين السطور في كتاب كتبه إلى الخليفة (٣) وهذه مكاتبة الأعلى إلى الأدنى، فلما حضر وأنكر عليه، ألحق بين السطر والسطر سطرا مناسبا للفظ والمعنى، من غير أن يظهر ذلك، فعفا عنه. وقد خربت وصار مكانها دربا فيه دور يعرف بسكن القاضي بدر الدين حسن البردينيّ، أحد خلفاء الحاكم العزيزي الشافعيّ، وأدركت بعض آثار هذه الحمام. حمام الحصينية: هذه الحمام كانت في سويقة الصاحب من داخل درب الحصينية

стр. 1055

الذي يعرف اليوم بدرب ابن عرب وقد خربت. حمام الذهب: هذه الحمّام كانت بدار الذهب، أحد مناظر الخلفاء الفاطميين التي ذكرت في المناظر من هذا الكتاب، وقد خربت هذه الحمّام ولم يبق لها أثر. حمام ابن قرقة: هذه الحمّام كانت بخط سويقة المسعودي من حارة زويلة، أنشأها أبو سعيد بن قرقة الحكيم، متولي الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح في الدولة الفاطمية، بجوار داره التي تقدّمت في الدور من هذا الكتاب، ثم عرفت هذه الحمّام في الدولة الأيوبية بالأمير صارم الدين المسعودي وإلى القاهرة، المنسوب إليه سويقة المسعودي المذكورة في الأسواق من هذا الكتاب، ثم خربت هذه الحمّام وعمل في موضعها فندق عرف أخيرا بفندق عمار الحمّامي، بجوار جامع ابن المغربي من جانبه الغربيّ، وأخذت بئر هذه الحمّام، فعملت للحمام التي تعرف اليوم بحمّام السلطان. حمّام السلطان: هذه الحمّام يتوصل إليها الآن من سويقة المسعودي، ومن قنطرة الموسكي، وهي من الحمّامات القديمة عرفت في الدولة الفاطمية بحمّام الأوحد، ثم عرفت في الدولة الأيوبية بحمّام ابن يحيى، وهو القاضي المفضل هبة اللّه بن يحيى العدل، ثم عرفت بحمّام الطيبرسي، ثم هي الآن تعرف بحمّام السلطان. حمّام خوند: هذه الحمّام بجوار رحبة خوند، المذكورة في الرحاب من هذا الكتاب، وكانت برسم الدار التي تعرف الآن بدار خوندارد تكين، ثم أفردت وصارت إلى الآن حمّاما يدخله عامة الرجال في أوائل النهاء، ثم تعقبهم النساء من بعد، إلى أن هدمها الأمير صلاح الدين محمد استادار السلطان ابن الأمير الوزير الصاحب بدر الدين حسن بن نصر اللّه في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وعمل موضعها من جملة داره التي هناك. حمّام ابن عبود: هذه الحمّام موضعها فيما بين اصطبل الجميزة المذكورة في اصطبلات الخلفاء من هذا الكتاب، وبين رأس حارة زويلة، وهي من الحمامات القديمة، عرفت بحمّام الفلك، وهو القاضي فلك الملك العادل، ثم عرفت بالأمير عليّ بن أبي الفوارس، ثم عرفت بابن عبود، وهو الشيخ نجم الدين أبو عليّ الحسين بن محمد بن إسماعيل بن عبود القرشيّ الصوفيّ، مات في يوم الجمعة ثالث عشرى شوال سنة اثنين وعشرين وسبعمائة بعد ما عظم قدره ونفذ في أرباب الدولة نهيه وأمره، وهو صاحب الزاوية المعروفة بزاوية ابن عبود بلحف الحبل، قريبا من الدينوريّ من القرافة، فانظرها في الزوايا من هذا الكتاب، ولم تزل هذه الحمام جارية في أوقاف التربة المذكورة إلى أن تسلّط الأمير جمال الدين على أموال أهل مصر، فاغتصب ابن أخته الأمير شهاب الدين أحمد المعروف بسيدي أحمد ابن أخت جمال الدين هذه الحمام، واغتصب دار ابن فضل اللّه التي تجاه هذه الحمام، واغتصب آدرا أخر بجوارها، وعمر هناك دارا عظيمة كما قد ذكر في الدور من هذا الكتاب.

стр. 1056

حمّام الصاحب: هذه الحمام بسويقة الصاحب، عرفت بالصاحب الوزير صفيّ الدين عبد اللّه بن شكر الدمري صاحب المدرسة الصاحبية التي بسويقة الصاحب، ثم تعطلت مدّة سنين، فلما ولي الأمير تاج الدين الشوبكي ولاية القاهرة في أيام الملك المؤيد شيخ، جدّدها وأدار بها الماء في سنة سبع عشرة وثمانمائة. حمّام السلطان: هذه الحمّام كان موضعها قديما من جملة دار الديباج، وهي الآن بخط بين العواميد من البندقانيين بجوار خوخة سوق الجوار، ومدرسة سيف الإسلام، أنشأها الأمير فخر الدين عثمان ابن قزل استادار السلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وتنقلت إلى أن صارت في أوقاف الملك الناصر محمد بن قلاوون. حمّاما طغريك: هاتان الحمامان بجوار فندق فخر الدين بالقرب من سويقة حارة الوزيرية، أنشأهما الأمير حسام الدين طغريك المهرانيّ، أحد الأمراء الأيوبية. حمام السوباشي: هذه الحمّام كانت بدرب طلائع بخط الخروقيين الذي يعرف اليوم بسوق الفرّايين، عرفت بالأمير الفارس همام الدين أبو سعيد برغش السوباشي، واسمه عمرو بن كحت بن شيرك العزيزي والي القاهرة. حمام عجينة: هذه الحمام كانت بخط الأكفانيين، انشأها الأمير فخر الدين أخو الأمير عز الدين موسك في الدولة الأيوبية، وتنقلت حتى صارت بيد أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ، مما أوقف عليهم، وعرفت أخيرا بحمام عجينة، ثم خربت بعد سنة أربعين وسبعمائة، وموضعها الآن خربة بجوار الفندق الكبير المعدّ لديوان المواريث. حمّام دري: هذه الحمّام كانت بخط الأكفانيين الآن، عرفت بشهاب الدولة دري الصغير غلام المظفر ابن أمير الجيوش. قال الشريف محمد بن أسعد الجواني في كتاب النقط لمعجم ما أشكل من الخطط. شهاب الدولة دري المعروف بالصغير المظفري غلام المظفر أمير الجيوش، كان أرمنيا وأسلم، وكان من المشددين في مذهب الإمامية، وقرأ الجمل في النحو للزجاجيّ، وكتاب اللمع لابن جني، وكانت له خرائط من القطن الأبيض في يديه ورجليه، وكان يتولى خزائن الكسوة، ولا يدخل على بسط السلطان ولا بسط الخليفة الحافظ لدين اللّه، ولا يدخل مجلسه إلا بتلك الخرائط في رجليه، ولا يأخذ من أحد شيئا إلاّ وفي يديه خريطة، يظنّ أنّ كل من لمسه نجّسه، وسوسة منه، فإذا اتفق أنه صافح أحد المومس رقعة بيده من غير خريطة، لا يمس ثوبه بها أبدا حتى يغسلها، فإن لمس ثوبه بها غسل الثوب، وكان الاستاذون المحنكون يرمون له في بساط الخليفة الحافظ العنب، فإذا مشى عليه وانفجر ووصل ماؤه إلى رجليه سبهم وحرد، فيعجب الخليفة من ذلك ويضحك ولا يؤاخذه بما صدر منه، ومات بعد سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وقد خربت

стр. 1057

هذه الحمام ولم يبق لها أثر يعرف. حمّام الرصاصي: هذه الحمّام كانت بحارة الديلم، أنشأها الأمير سيف الدين حسن بن أبي الهيجاء المروانيّ، حامل السيف المنصور، وأوقفها هي وجميع الآدر المجاورة لها على أولاده وذريته، فلما زالت الدولة الفاطمية عرفت بالأمير عز الدين أيبك الرصاصي، ولم تزل باقية إلى بعد سنة أربعين وسبعمائة، ثم خربت. حمام الجيوشي: هذه الحمام كانت بحارة برجوان، على يمنة من دخل من رأي الحارة، وكانت من حقوق دار المظفر المظفر ابن أمير الجيوش، ثم صارت بعد زوال الدولة الفاطمية من جملة ما أوقفه الملك العادل أبو بكر ابن أيوب على رباطه الذي كان بخط النخالين من فسطاط مصر، ثم وضع بنو الكويك أصهار قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة أيديهم عليها في جملة ما وضعوا أيديهم عليه من الأوقاف بحارة ابن جماعة، وانتفعوا بريعها مدّة سنين، ثم خربوها بعد سنة أربعين وسبعمائة، وموضعها الآن بجوار دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسي، وبعضها داخل في الدار المذكورة، وبئرها بجوار القبو الذي يسلك من تحته إلى حمّام الرومي داخل حارة برجوان، ويعلو هذا العقد حاصل الماء الذي للحمام، ويمرّ على مجراه من حجرة مركّبة على جدار بجوار القبر إلى الحمام المذكورة، وآثار هذا الجدار باقية إلى اليوم، وكان قد استأجر هذه البئر والقبور بعد تعطل الحمّام القاضي أبو الفداء تاج الدين إسماعيل بن أحمد بن الخطباء المخزوميّ، من مباشري أوقاف رباط العادل، وبني على البئر وبجوارها دارا سكنها مدّة أعوام، وأنشأ بابا على حاصل الماء المركب على القبور مشرفا عاليا، تأنّق في ترخيمه ودهانه وكتب بدائره: مشترف كم شبهوه الأدبا … لحسنه إذ جاء شيئا عجبا فقال قوم قلعة مبنية … وآخرون شبهوه مرقبا وشاعر أعجبه ترخيمه … فقال تلك روضة فوق الربا وقائل ما ذا ترى تشبيهه … فقلت هذا منبر ابن الخطبا ثم خربت هذه الدار بعد موت ابن الخطباء واحترقت في سنة تسع وثمانمائة، وآثارها باقية وما زال ابن الخطباء يدفع حكر هذه البئر وهذا القبو لجهة الرباط العادلي حتى خرب، وعفى أثره وجهل مكانه، وقد رأيته في سنة أربع وتسعين وسبعمائة عامرا. حمّام الرومي: هذه الحمّام بجوار حارة برجوان، عرفت بالأمير سنقر الرومي الصالحيّ أحد الأمراء في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، أنشأها بجوار اسطبله الذي يعرف اليوم باسطبل ابن الكويك، وذلك تجاه رحبة داره التي عرفت بدار مازان، ووقف هذه الدار والإسطبل والحمّام المذكورة في سنة اثنين وستين وستمائة، فأما الدار فإنها صارت أخيرا بيد رجل من عامة الناس يعرف بعيسى البناء، فباعها انقاضا بعد ما

стр. 1058

خرّبها في سنة سبع وثمانمائة لرجل من المباشرين، فهدمها ليعمرها عمارة جليلة، فلم يمهل وعاجله القضاء فمات، وصارت خربة فابتاعها بعض الناس من ورثة المذكور وشرع في عمارة شيء منها، وأما الإصطبل والحمّام فوضع بنو الكويك أيديهم عليهما مدّة أعوام، حتى صارا ملكا لهم يورثان، وهما الآن بيد شرف الدين محمد بن محمد بن الكويك، وقد جعل ما يخصه من الحمّام وقفا على نفسه، ثم على اناس من بعده، وفي هذه الحمام حصة أيضا وقفها شيخنا برهان الدين إبراهيم الشامي الضرير على أمته وهي بيدها. سنقر الرومي: الصالحيّ النجميّ، أحد مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب البحرية، ترقى عنده في الخدم حتى صار جامدار، وكان من خوشداشية بيبرس البندقداريّ وأصدقائه، فلما قتل الفارس أقطاي في أيام الملك المعز أيبك التركماني، وخرج البحرية من القاهرة إلى بلاد الشام، كان سنقر ممن خرج ورافق بيبرس وارتفق بصحبته، ونال منه مالا وثيابا وغير ذلك، وتنقل معهم في الكرك إلى أن كان من أمره في الصيد مع صاحب الكرك، فطلب سنقر من بيبرس شيئا فلم يجبه وامتنع من إعطائه، فحنق وفارقه إلى مصر فأقام بها، ثم أن بيبرس قدم إلى مصر بعد ذلك وقد صار أميرا فلم يعبأ سنقر به ولا قدّم إليه شيئا كعادة الخواشداشية، فلما صار الأمر إلى بيبرس، وملك بعد قطز، قدّم سنقر وأعطاه الإقطاعات الجليلة، ونوّه بقدره، فلم يرض، فصار إذا ورد عليه الإنعام السلطانيّ لا يأخذه بقبول، ويخلو كل وقت بجماعة بعد جماعة ويفرّق فيهم المال، فيبلغ ذلك السلطان ويغضي عنه، وربما بعث إليه وحذره مع الأمير قلاوون وغيره فلم ينته، ثم أنه قتل مملوكين من مماليكه بغير ذنب، فعزّ قتلهما على السلطان فطلبه في رابع عشرى ذي الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة واعتقله، فقال أريد أعرف ذنبي، فبعث إليه السلطان يعدّ ذنوبه. فتحسر وقال: أوّاه لو كنت حاضرا قتل الملك المظفر قطز، حتى أعاند في الذي جرى، وكان كثيرا ما يقول ذلك، وبلغ هذا القول هذه السلطان في حال أمرته فقال: أنت أخي، وتتحسر كونك ما قدرت أن تعين عليّ. حمّاما سويد: هاتان الحمامان بآخر سويقة أمير الجيوس، عرفتا بالأمير عز الدين معالي بن سويد، وقد خربت إحداهما، ويقال أنها غارت في الأرض وهلك فيها جماعة، وبقيت الأخرى وهي الآن بيد الخليفة أبي الفضل العباسيّ بن محمد المتوكل. حمام طغلق: هذه الحمام بجوار درب المنصوري من خط حارة الصالحية، صارت أخيرا بيد ورثة الأمير قطلوبغا المنصوريّ حاجب الحجاب في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين، وكانت معدّة لدخول الرجال، ثم تعطلت بعد سنة تسعين وسبعمائة، وأخذ حاصلها، وعهدي بها بعد سنة ثمانمائة أطلالا واهية. حمّام ابن علكان: هذه الحمّام كانت بحارة الجودرية، أنشأها الأمير شجاع الدين

стр. 1059

عثمان بن علكان، صهر الأمير الكبير فخر الدين عثمان بن قزل، ثم انتقلت إلى الأمير علم الدين سنجر الصيرفيّ الصالحيّ النجميّ، وما زالت إلى أن خربت بعد سنة أربعين وسبعمائة، فعمر مكانها الأمير ازدمر الكاشف إسطبلا بعد سنة خمسين وسبعمائة. حمّام الصاحب: هذه الحمام بخط طواحين الملحيين. حمّام كتبغا الأسدي: هذه الحمام موضعها الآن المدرسة الناصرية بخط بين القصرين. حمّام ألتطمش خان: هذه الحمّام كانت بجوار ميضاة الملك ركن الدين الظاهر بيبرس، المجاورة للمدرسة الظاهرية بخط بين القصرين، أنشأتها الخاتون التطمش خان زوجة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، ثم خربت وصار موضعها زقاقا، فلما ولي كمال الدين عمر بن العديم قضاء القضاة الحنفية بالديار المصرية، في سلطنة الملك الناصر فرج، شرع في عمارة هذا الزقاق، فمات ولم يكمله، فوضع الأمير جمال الدين يده في العمارة وأنشأها فندقا جعله وقفا فيما وقف على مدرسته التي أنشأها برحبة باب العيد، فلما قتله الملك الناصر فرج واستولى على جميع ما تركه، جعل هذا الفندق من جملة ما أرصده للتربة التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر. حمّام القاضي: هذه الحمام من جملة خط درب الأسواني، وهي من الحمامات القديمة، كانت تعرف بإنشاء شهاب الدولة بدر الخاص، أحد رجال الدولة الفاطمية، ثم انتقلت إلى ملك القاضي السعيد أبي المعالي هبة اللّه بن فارس، وصارت بعده إلى ملك القاضي كمال الدين أبي حامد محمد ابن قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني، فعرفت بحمّام القاضي إلى اليوم، ثم باع ورثة أبي حامد منها حصة للأمير عز الدين أيدمر الحليّ نائب السلطنة في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وصارت منها حصة إلى الأمير علاء الدين طيبرس الخازنداري، فجعلها وقفا على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر. حمّام الخرّاطين: هذه الحمّام أنشأها الأمير نور الدين أبو الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع، فعرفت بحمام ابن طلائع وكان بجوارها، ثم حمّام أخرى تعرف بحمّام السوباشي فخربت، ومستوقد حمام ابن طلائع هذه إلى الآن من درب ابن طلائع، الشارع بسوق الفرّايين الآن، ولها منه أيضا باب، وصارت أخيرا في وقف الأمير علم الدين سنجر السروري المعروف بالخياط والي القاهرة، وتوفي في سنة ثمان وتسعين وستمائة، فاغتصبها الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في جملة ما اغتصب من الأوقاف والأملاك وغيرها، وجعلها وقفا على مدرسته برحبة باب العيد وهي الآن موقوفة عليها.

стр. 1060

حمّام الخشيبة: هذه الحمام بجوار درب السلسلة، كانت تعرف بحمام قوّام الدولة خير، ثم صارت حماما لدار الوزير المأمون ابن البطائحي، فلما قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه وعملت خشيبة تمنع الراكب أن يمرّ من تجاه المشهد الذي بني هناك، عرفت هذه الحمّام بخشيبة، تصغير خشبة، وقد تقدّم ذلك مسبوطا عند ذكر الأخطاط من هذه الكتاب. قال ابن عبد الظاهر: مدرسة السيوفيين وقفها الأمير عز الدين فرج شاه على الحنفية، وكانت هذه الدار قديما تعرف بدار المأمون بن البطائحي، وحمام الخشيبة كانت لها، فبيعت، وهذه الحمّام هي الآن في أوقاف خوند طغاي أم أنوك ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على تربتها التي في الصحراء خارج باب البرقية. حمام الكويك: هذه الحمّام فيما بين حارة زويلة ودرس شمس الدولة، أنشأها الوزير عباس أحد وزراء الدولة الفاطمية، لداره التي موضعها الآن درب شمس الدولة، ثم جدّدها شخص من التجار يعرف بنور الدين عليّ بن محمد بن أحمد بن محمود بن الكويك الربعي التكريتي، في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فعرفت به إلى اليوم. حمّام الجويني: هذه الحمّام بجوار حمام ابن الكويك، فيما بينها وبين البندقانيين، عرفت بالأمير عز الدين إبراهيم بن محمد بن الجويني والي القاهرة في أيام الملك العادل أبي بكر بن أيوب، توفي سلخ جمادى الأولى سنة إحدى وستمائة، فإنه أنشأها بجوار داره، والعامّة تقول حمام الجهينيّ بهاء، وهو خطأ، وتنقلت إلى أن اشتراها القاضي أوحد الدين عبد الواحد بن ياسين كاتب السرّ الشريف في أيام الملك الظاهر برقوق بطريق الوكالة عن الملك الظاهر، وجعلها وقفا على مدرسته العظمى بخط بين القصرين، وهي الآن في جملة الموقوف عليها. حمام القفاصين: هذه الحمام بالقرب من رأس حارة الديلم، أنشأها نجم الدين يوسف ابن المجاور وزير الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. حمّام الصغيرة: هذه الحمّام علي يمنة من سلك من رأس حارة بهاء الدين، وهي تجاه دار قراسنقر، أنشأها الأمير فخر الدين بن رسول التركمانيّ. ورسول هذا جدّ ملوك اليمن الآن، وقد تعطلت هذه الحمام منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة. حمّام الأعسر: هذه الحمّام موضعها من جملة دار الوزارة، وهي الآن بجوار باب الجوانية، أنشأها الأمير شمس الدين سنقر المعزي الظاهري المنصوري. سنقر الأعسر: كان أحد مماليك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نائب الشام، وجعله دواداره، فباشر الدوادارية لأستاذه بدمشق ونفسه تكبر عنها، فلما عزل أيدمر من نيابة الشام في أيام الملك المنصور قلاوون وحضر إلى قلعة الجبل، اختار السلطان عدّة من مماليكه

стр. 1061

منهم سنقر الأعسر هذا، فاشتراه وولاّه نيابة الاستادارية، ثم سيره في سنة ثلاث وثمانين وستمائة إلى دمشق، وأعطاه أمرة وولاه شدّ الدواوين بها، واستادارا، فصارت له بالشام سمعة زائدة إلى أن مات قلاوون، وقام من بعده الأشرف خليل، واستوزر الوزير شمس الدين السلعوس، طلب سنقر إلى القاهرة وعاقبه وصادره، فتوصل حتى تزوّج بابنة الوزير على صداق مبلغه ألف وخمسمائة دينار، فأعاده إلى حالته ولم يزل إلى أن تسلطن الملك العادل كتبغا واستوزر الصاحب فخر الدين بن خليل، وقبض على سنقر وعلى سيف الدين استدمر وصادرهما، وأخذ من سنقر خمسمائة ألف درهم، وعزله عن شدّ الدواوين، وأحضره إلى القاهرة. فلما وثب الأمير حسام الدين لاجين على كتبغا وتسلطن، ولي سنقر الوزارة عوضا عن ابن خليل في جمادى الأولى سنة ست وتسعين وسبعمائة، ثم قبض عليه في ذي الحجة منها، وذلك أنه تعاظم في وزارته وقام بحق المنصب، يريد أن يتشبه بالشجاعى، وصار لا يقبل شفاعة أحد من الأمراء، ويخرق بنوابهم، وكان في نفسه متعاظما وعنده شمم إلى الغاية مع سكون في كلامه، بحيث أنه إذا فاوض السلطان في مهمات الدولة كما هي عادة الوزراء لا يجيب السلطان بجواب شاف، وصار يتبين منه للسلطان قلة الاكتراث به، فأخذ في ذمه وعيبه بما عنده من الكبر، وصادفه الغرض من الأمراء وشرعوا في الحط عليه حتى صرف وقيد، فأرسل يسأل السلطان عن الذنب الذي أوجب هذه العقوبة، فقال: ماله عندي ذنب غير كبره، فإني كنت إذا دخل إليّ أحسب أنه هو السلطان وأنا الأعسر، فصدره منقام وحديثي معه كأني أحدّث أستاذي، وقرّر من بعده في الوزارة ابن الخليلي، فلما قتل لاجين وأعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك ثانيا أفرج عن سنقر الأعسر وعن جماعة من الأمراء، وأعاد الأعسر إلى الوزارة في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، وفي وزارته هذه كانت هزيمة الملك الناصر بعساكره من غازان، فتولى ناصر الدين الشيخي والي القاهرة جباية الأموال من التجار وأرباب الأموال، لأجل النفقة على العساكر، وقرّر في وزارته على كل أردب غلة خروبة إذا طلع إلى الطحان، وقرّر أيضا نصف الشمسرة، ومعناها أنه كان للمنادي على الثياب أجرة دلالته على كل ما مبلغه مائة درهم، درهمين، فيؤخذ منه درهم منهما ويفضل له درهم، واستخدم على هاتين الجهتين نحو مائتين من الأجناد البطالين، وتحصل في بيت المال من أموال المصادرات مبلغ عظيم، ثم خرج الوزير بمائة من مماليك السلطان وتوجه إلى بلاد الصعيد وقد وقعت له في النفوس مهابة عظيمة، فكبس البلاد وأتلف كثيرا من المفسدين من أجل أنه لما حصلت وقعة غازان كثر طمع العربان في المغل، ومنعوا كثيرا من الخراج، وعصوا الولاة وقطعوا الطريق، وما زال يسير إلى الأعمال القوصية، فلم يدع فرسا لفلاح، ولا قاض، ولا متعمم، حتى أخذه، وتتبع السلاح، ثم حضر بألف وستين فرسا، وثمانمائة وسبعين جملا، وألف وستمائة رمح، وألف ومائتي سيف، وتسعمائة درقة، وستة آلاف رأس غنم، وقتل عدّة من

стр. 1062

الناس، فتمهدت البلاد وقبض الناس مغلهم بتمامه، واتفقت واقعة النصارى التي ذكرت عند ذكر كنائس النصارى من هذا الكتاب في أيامه، فأمر بالتاج ابن سعيد الدولة أحد مستوفي الدولة، وكان فيه زهو وحمق عظيم، وله اختصاص بالأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري، فعرّي وضرب بالمقارع ضربا مبرحا، فأظهر الإسلام وهو في العقوبة، فأمسك عنه. وألزمه بحمل مال، فالتجأ إلى زاوية الشيخ نصر المنيحي وترامى على الشيخ فقام في أمره حتى عفي عنه، فكره الأمراء الأعسر لكثرة شممه وتعاظمه، فكلّموا الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري، وإليه أمر الدولة في ولاية الأمير عز الدين أيبك البغداديّ الوزارة، وساعدهم على ذلك الأمير سلار، فولي الأعسر كشف القلاع الشامية، وإصلاح أمورها، وترتيب رجالها، وسائر ما يحتاج إليه. وخلع على الأمير أيبك خلع الوزارة في آخر سنة سبعمائة، فلما عاد استقرّ أحد أمراء الألوف، وحج في صحبة الأمير سلار ومات بالقاهرة بعد أمراض، في سنة تسع وسبعمائة، وكان عارفا خيّرا مهابا، له سعادات طائلة، ومكارم مشهورة، ولحاشيته ثروة متسعة، وغالب مماليكه تأمرّوا بعده، وممن مدحه الوداعيّ وابن الوكيل. حمّام الحسام: هذه الحمّام بداخل باب الجوانية. حمّام الصوفية: هذه الحمّام بجوار الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، أنشأها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب لصوفية الخانقاه، وهي إلى الآن جارية في أوقافهم ولا يدخلها يهوديّ ولا نصراني. حمّام بهادر: هذه الحمّام موضعها من حملة القصر، وهي بجوار دار جرجي، أنشأها الأمير بهادر استادار الملك الظاهر برقوق، وقد تعطلت. حماد الدود: هذه الحمّام خارج باب زويلة في الشارع تجاه زقاق خان حلب، بجوار حوض سعد الدين مسعود بن هنس، عرفت بالأمير سيف الدين الدود الجاشنكيريّ، أحد أمراء الملك المعز أيبك التركمانيّ، وخال ولده الملك المنصور نور الدين عليّ بن الملك المعز أيبك، فلما وثب الأمير سيف الدين قطز نائب السلطنة بديار مصر على الملك المنصور عليّ بن الملك المعز أيبك واعتقله وجلس على سرير المملكة قبض على الأمير الدود في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة واعتقله، وهذه الحمّام إلى اليوم بيد ذرية الدود من قبل بناته موقوفة عليهم. حمام ابن أبي الحوافر: هذه الحمّام خارج مدينة مصر بجوار الجامع الجديد الناصريّ، كان موضعها وما حولها عامرا بماء النيل، ثم انحصر عنه الماء وصار جزيرة، فبنى الناس عليها بعد الخمسمائة من سني الهجرة، كما ذكر عند ذكر ساحل مصر من هذا الكتاب، وعرفت هذه الحمّام بالقاضي فتح الدين أبي العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين

стр. 1063

أبي عمرو وعثمان بن هبة اللّه بن أحمد بن عقيل بن محمد بن أبي الحوافر رئيس الأطباء بديار مصر، ومات ليلة الخميس الرابع عشر من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وستمائة ودفن بالقرافة. حمّام قتّال السبع: هذه الحمّام خارج باب القوس من ظاهر القاهرة في الشارع المسلوك فيه من باب زويلة إلى صليبة جامع ابن طولون، وموضعها اليوم بجوار جامع قوصون، عمّرها الأمير جمال الدين أقوش المنصوريّ، المعروف بقتّال السبع الموصلي، بجانب داره التي هي اليوم جامع قوصون، فلما أخذ قوصون الدار المذكورة وهدمها وعمر مكانها هذا الجامع، أراد أخذ الحمّام، وكانت وقفا، فبعث إلى قاضي القضاة شرف الدين الحنبليّ الحرّانيّ يلتمس منه حل وقفها، فأخرب منها جانبا وأحضر شهود القيمة فكتبوا محضرا يتضمن أنّ الحمام المذكورة خراب، وكان فيهم شاهد امتنع من الكتابة في المحضر وقال: ما يسعني من اللّه أن أدخل بكرة النهار في هذا الحمام وأطهّر فيها، ثم أخرج منها وهي عامرة وأشهد بعد ضحوة نهار من ذلك اليوم أنها خراب، فشهد غيره، وأثبت قاضي القضاة الحنبليّ المحضر المذكور وحكم ببيعها، فاشتراها الأمير قوصون من ورثة قتال السبع، وهي اليوم عامرة بعمارة ما حولها. حمّام لؤلؤ: هذه الحمام برأس رحبة الأيدمريّ، ملاصقة لدار السنانيّ من القاهرة، أنشأها الأمير حسام الدين لؤلؤ الحاجب. لؤلؤ الحاجب: كان أرمنيّ الأصل، ومن جملة أجناد مصر في أيام الخلفاء الفاطميين، فلما استولى صلاح الدين يوسف بن أيوب على مملكة مصر، خدم تقدمة الأسطول، وكان حيثما توجه فتح وانتصر وغنم، ثم ترك الجندية وزوّج بناته وكنّ أربعا بجهاز كاف، وأعطى ابنيه ما يكفيهما، ثم شرع يتصدّق بما بقي معه على الفقراء بترتيب لا خلل فيه، ودواما لا سآمة معه، وكان يفرّق في كل يوم اثني عشر ألف رغيف مع قدور الطعام، وإذا دخل شهر رمضان أضعف ذلك، وتبتل للتفرقة من الظهر في كل يوم إلى نحو صلاة العشاء الآخرة، ويضع ثلاثة مراكب طول كل مركب أحد وعشرون ذراعا مملوءة طعاما، ويدخل الفقراء أفواجا وهو قائم مشدود الوسط كأنه راعي غنم، وفي يده مغرفة وفي الأخرى جرّة سمن، وهو يصلح صفوف الفقراء ويقرّب إليهم الطعام والودك، ويبدأ بالرجال ثم النساء ثم الصبيان، وكان الفقراء مع كثرتهم لا يزدحمون، لعلمهم أنّ المعروف يعمهم، فإذا انتهت حاجة الفقراء بسط سماطا للأغنياء تعجز الملوك عن مثله، وكان له مع ذلك على الإسلام منة توجب أن يترحم عليه المسلمون كلهم، وهي أنّ فرنج الشوبك والكرك توجهوا نحو مدينة رسول اللّه ﷺ لينبشوا قبره ﷺ ، وينقلوه جسده الشريف المقدّس إلى بلادهم ويدفنوه عندهم، ولا يمكنوا المسلمين من زيارته إلاّ بجعل، فأنشأ البرنس أرباط صاحب الكرك سفنا

стр. 1064

حملها على البرّ إلى بحر القلزم، وأركب فيها الرجال، وأوقف مركبين على جزيرة قلعة القلزم تمنع أهلها من استقاء الماء، فاسرت الفرنج نحو عيذاب (١) فقتلوا وأسروا ومضوا يريدون المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، وذلك في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وكان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على حران، فلما بلغه ذلك بعث إلى سيف الدولة ابن منقذ نائبه على مصر يأمره بتجهيز الحاجب لؤلؤ خلف العدوّ، فاستعدّ لذلك وأخذ معه قيودا وسار في طلبهم إلى القلزم، وعمّر هناك مراكب وسار إلى أيلة، فوجد مراكب للفرنج فحرقها وأسر من فيها، وسار إلى عيذاب وتبع الفرنج حتى أدركهم، ولم يبق بينهم وبين المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم إلا مسافة يوم، وكانوا ثلاثمائة ونيفا، وقد انضم إليهم عدّة من العربان المرتدّة، فعندما لحقهم لؤلؤ فرّت العربان فرقا من سطوته ورغبة في عطيته، فإنه كان قد بذل الأموال حتى أنه علّق أكياس الفضة على رؤس الرماح، فلما فرّت العربان التجأ الفرنج إلى رأس جبل صعب المرتقى، فصعد إليهم في عشرة أنفس وضايقهم فيه، فخارت قواهم بعد ما كانوا معدودين من الشجعان واستسلموا، فقبض عليهم وقيّدهم وحملهم إلى القاهرة، فكان لدخولهم يوم مشهود، وتولى قتلهم الصوفية والفقهاء وأرباب الديانة بعد ما ساق رجلين من أعيان الفرنج إلى منى ونحرهما هناك كما تنحر البدن التي تساق هديا إلى الكعبة، ولم يزل على فعل المعروف إلى أن مات ﵀ في صميم الفلا، وقد قرب منتهاه في اليوم التاسع من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وخمسمائة، ودفن بتربته من القرافة، وهي التي حفر فيها البئر ووجد في قعرها عند الماء اسطام مركب، وهذه الحمّام تفتح تارة وتغلق كثيرا، وهي باقية إلى يومنا هذا من جملة أوقاف الملك، واللّه تعالى أعلم بالصواب. ذكر القياسر ذكر ابن المتوّج قياسر مصر وهي: قيسارية المحلى، وقيسارية الضيافة، وقف المارستان المنصوري، وقيسارية شبل الدولة، وقيسارية ابن الأرسوفي، وقيسارية ورثة الملك الظاهر بيبرس، وقيساريتا ابن ميسر، وقد خربت كلها. قيسارية ابن قريش: هذه القيسارية في صدر سوق الجملون الكبير بجوار باب سوق الورّاقين، ويسلك إليها من الجملون ومن سوق الأخفافيين، المسلوك إليه من البندقانيين، وبعضها الآن سكن الأرمنيين وبعضها سكن البزازين. قال ابن عبد الظاهر: استجدّها القاضي المرتضى ابن قريش في الأيام الناصرية الصلاحية، وكان مكانها اسطبلا انتهى.

стр. 1065

وهو القاضي المرتضى صفيّ الدين أبو المجد عبد الرحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن علي بن قريش المخزومي، أحد كتاب الإنشاء في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، قتل شهيدا على عكا في يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن بالقدس، ومولده في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وسمع السلفيّ وغيره. قيسارية الشرب: هذه القيسارية بشارع القاهرة تجاه قيسارية جهاركس. قال ابن عبد الظاهر: وقفها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على الجماعة الصوفية، يعني بخانقاه سعيد السعداء، وكانت إسطبلا. انتهى. وما برحت هذه القيسارية مرعية الجانب إكراما للصوفية إلى أن كانت أيام الملك الناصر فرج، وحدثت الفتن وكثرت مصادرات التجار، انخرق ذاك السياج وعومل سكانها بأنواع من العسف، وهي اليوم من أعمر أسواق القاهرة. قيسارية ابن أبي أسامة: هذه القيسارية بجوار الجملون الكبير على يسرة من سلك إلى بين القصرين، يسكنها الآن الخرد فوشية، وقفها الشيخ الأجل أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الحسن بن أبي أسامة، لصاحب ديوان الإنشاء في أيام الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وكانت له رتبة خطيرة ومنزلة رفيعة، وينعت بالشيخ الأجل كاتب الدست الشريف، ولم يكن أحد شاركه في هذا النعت بديار مصر في زمانه، وكان وقف هذه القيسارية في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وتوفي في شوال سنة اثنين وعشرين وخمسمائة. قيسارية سنقر الأشقر: هذه القيسارية على يسرة من يدخل من باب زويلة، فيما بين خزانة شمائل ودرب الصغيرة، تجاه قيسارية الفاضل. أنشأها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الصالحيّ النحميّ، أحد المماليك البحرية، ولم تزل إلى أن هدمت وأدخلت في الجامع المؤيدي، لأيام من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمانمائة. قيسارية أمير علي: هذه القيسارية بشارع القاهرة تجاه الجملون الكبير، بجوار قيسارية جهاركس، يفصل بينهما درب قيطون، عرفت بالأمير عليّ بن الملك المنصور قلاون الذي عهد له بالملك، ولقبه بالملك الصالح، ومات في حياة أبيه، كما قد ذكر في فندق الملك الصالح. قيسارية رسلان: هذه القيسارية فيما بين درب الصغيرة والحجارين، أنشأها الأمير بهاء الدين رسلان الدوادار، وجعلها وقفا على خانقاه له بمنشأة المهرّانيّ، وكانت من أحسن القياسر، فلما عزم الملك المؤيد شيخ على بناء مدرسته هدمها في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وعوّض أهل الخانقاه عنها خمسمائة دينار.

стр. 1066

قيسارية جهاركس: قال ابن عبد الظاهر: بناها الأمير فخر الدين جهاركس في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وكانت قبل ذلك يعرف مكانها بفندق الفراخ، ولم تزل في يد ورثته، وانتقل إلى الأمير علم الدين أيتمش منها جزء بالميراث عن زوجته، وإلى بنت شومان من أهل دمشق، ثم اشتريت لوالدة خليل المسماة بشجر الدرّ الصالحية، في سنة خمس وخمسين وستمائة، وهي مع حسنها واتقان بنائها كلها، تجرّد من الغضب جميع ما فيها، وذكر بعض المؤرخين أن صاحبها جهاركس نادى عليها حين فرغت، فبلغت خمسة وتسعين ألف دينار على الشريف فخر الدين إسماعيل بن ثعلب، وقال لصاحبها: أنا انقدك ثمنها، أي نقد شئت، إن شئت ذهبا وإن شئت فضة، وإن شئت عروض تجارة، وقيسارية جهاركس تجرى الآن في وقف الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بعد سلار على ورثته. وقال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان: جهاركس: بن عبد اللّه فخر الدين أبو المنصور الناصريّ الصلاحيّ، كان من أكبر أمراء الدولة الصلاحية، وكان كريما نبيل القدر عليّ الهمة، بنى بالقاهرة القيسارية الكبرى المنسوبة إليه، رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون: لم نر في شيء من البلاد مثلها في حسنها وعظمها وأحكام بنائها، وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلقا، وتوفي في بعض شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق، ودفن في جبل الصالحية وتربته مشهورة هناك، ﵀، وجهاركس بفتح الجيم والهاء وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة. ومعناه بالعربيّ أربعة أنفس، وهو لفظ عجميّ. وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود اليغوريّ: سمعت الأمير الكبير الفاضل شرف الدين أبا الفتح عيسى بن الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أحمد الهكاريّ البحتريّ الطائيّ المقدسيّ بالقاهرة، ومولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدّس شرّفه اللّه تعالى، وتوفي بدمشق في ليلة الأحد تاسع عشري ربيع الآخر سنة تسع وستمائة، ودفن بسفح جبل قاسيون، ﵀. قال: حدّثني الأمير صارم الدين خطلبا التبنينيّ صاحب الأمير فخر الدين أبي المنصور جهاركس بن عبد اللّه الناصريّ الصلاحيّ ﵀. قال: بلغ الأمير فخر الدين، أن بعض الأجناد عنده فرس قد دفع له فيه ألف دينار ولم يسمح ببيعه، وهو في غاية الحسن، فقال لي الأمير باخطلبا: إذا ركبنا ورأيت في الموكب هذا الفرس نبهني عليه حتى أبصره. فقلت: السمع والطاعة. فلما ركبنا في الموكب مع الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر ﵀، رأيت الجنديّ على فرسه، فتقدّمت إلى الأمير فخر الدين وقلت له: هذا الجنديّ، وهذا الفرس راكبه، فنظر إليه وقال: إذا خرجنا من سماط السلطان فانظر أين الفرس وعرّفني به. فلما دخلنا إلى سماط الملك العزيز، عجّل الأمير فخر الدين وخرج قبل الناس، فلما بلغ إلى

стр. 1067

الباب قال لي أين الفرس؟ قلت: ها هو مع الركاب. دار فقال لي: أدعه. فدعوته إليه، فلما وقف بين يديه والفرس معه، أمره الأمير بأخذ الغاشية، ووضع الأمير رجله في ركابه وركبه ومضى به إلى داره وأخذ الفرس، فلما خرج صاحبه عرفه الركاب دار بما فعله الأمير فخر الدين، فسكت ومضى إلى بيته وبقي أياما ولم يطلب الفرس. فقال لي الأمير فخر الدين: يا خطلبا ما جاء صاحب الفرس ولا طلبه، اطلب لي صاحبه. قال: فاجتمعت به وأخبرته بأنّ الأمير يطلب الاجتماع به، فسارع إلى الحضور. فلما دخل عليه أكرمه الأمير ورفع مكانه وحدّثه وآنسه وبسطه وحضر سماطه فقرّبه وخصصه من طعامه، فلما فرغ من الأكل قال له الأمير: يا فلان، ما بالك ما طلبت فرسك وله عندنا مدّة؟ فقال: يا خوند، وما عسى أن يكون من هذا الفرس وما ركبه الأمير إلاّ وهو قد صلح له، وكلما صلح للمولى فهو على العبد حرام، ولقد شرّفني مولانا بأن جعلني أهلا أن يتصرّف في عبده، والمملوك يحسب أن هذا الفرس قد أصابه مرض فمات، وأما الآن فقد وقع في محله، وعند أهله، ومولانا أحق به، وما أسعد المملوك إذا صلح لمولانا عنده شيء. فقال له الأمير: بلغني أنك أعطيت فيه ألف دينار. قال كذلك كان، قال: فلم لم تبعه؟ فقال: يا مولانا هذا الفرس جعلته للجهاد، وأحسن ما جاهد الإنسان على فرس يعرفه ويثق به، وما مقدار هذا الفرس له أسوة. فاستحسن الأمير همته وشكره، ثم أشار إليّ فتقدّمت إليه فقال لي في أذني: إذا خرج هذا الرجل فاخلع عليه الخلعة الفلانية من أفخر ملبوس الأمير، وأعطه ألف دينار وفرسه، فلما نهض الرجل أخذته إلى الفرش خاناه وخلعت عليه الخلعة ودفعت إليه الكيس وفيه ألف دينار، فخدم وشكر وخرج، فقدّم إليه فرسه وعليه سرج خاص من سروج الأمير، وعدّة في غاية الجودة. فقيل: اركب فرسك. فقال: كيف أركبه وقد أخذت ثمنه، وهذه الخلعة زيادة على ثمنه. ثم رجع إلى الأمير فقبّل الأرض وقال: يا خوند، تشريف مولانا لا يردّ، وهذا ثمن الفرس قد أحضره المملوك. فقال له الأمير فخر الدين: يا هذا نحن جرّبناك فوجدناك رجلا جيدا ولك همة، وأنت أحق بفرسك، خذ هذا ثمنه ولا تبعه لأحد، فخدمه وشكره ودعا له وأخذ الفرس والخلعة والألف دينار وانصرف. وأخبرني أيضا الأمير شرف الدين ابن أبي القاسم قال: أخبرني صارم الدين التبنيني أيضا: أنّ الأمير فخر الدين خدم عنده بعض الأجناد، فعرض عليه فأعجبه شكله، وقال لديوانه: استخدموا هذا الرجل. فتكلموا معه وقدّروا له في السنة اثني عشر ألف درهم، فرضي الرجل وانتقل إلى حلقة الأمير قوصون وضرب خيمته وأحضر بركه، فلما كان بعض الأيام رجع الأمير من الخدمة فعبر في جنب خيمة هذا الرجل، فرأى خيمة حسنة وخيلا جيادا وجمالا وبغالا وبركا في غاية الجودة. فقال: هذا البرك لمن؟ فقيل هذا برك فلان الذي خدم عند الأمير في هذه الأيام. فقال: قولوا له ما لك عندنا شغل، تمضي في حال سبيلك، فلما قيل للرجل ذلك أمر بأن تحط خيمته وأتى إليّ وقال: يا مولانا، أنا رائح، وها

стр. 1068

أنا قد حملت بركي، ولكن أشتهي منك أن تسأل الأمير ما ذنبي. قال: فدخلت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرجل. فقال: واللّه ما له عندي ذنب إلا أنّ هذا البرك وهذه الهمة يستحق بها أضعاف ما أعطي، فأنكرت عليه كيف رضي بهذا القدر اليسير وهو يستحق أن تكون أربعين ألف درهم، وتكون قليلة في حقه، فإذا خدم بثلاثين ألف درهم يكون قد ترك لنا عشرة آلاف درهم، فهذا ذنبه عندي. فرجعت إلى الرجل فأعلمته بما قال الأمير فقال: إنما خدمت عند الأمير ورضيت بهذا القدر لعلمي أن الأمير إذا عرف حالي فيما بعد لا يقنع لي بهذا الجاري، فكنت على ثقة من إحسان الأمير أبقاه اللّه، وأما الآن فلا أرضى أن أخدم إلا بثلاثين ألف درهم كما قال الأمير. فرجعت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرجل فقال: يجري له ما طلب، وخلع عليه وأحسن إليه. وكان الأمير فخر الدين جهاركس مقدّم الناصرية والحاكم بديار مصر في أيام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن مات العزيز، فمال الأمير فخر الدين جهاركس إلى ولاية ابن الملك العزيز، وفاوض في ذلك الأمير سيف الدين يازكوج الأسديّ، وهو يومئذ مقدّم الطائفة الأسدية، وكان الملك العزيز قد أوصى بالملك لولده محمد، وأن يكون الأمير الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسديّ مدبر أمره، فأشار يازكوج بإقامة الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين في تدبير أمير ابن العزيز، فكره جهاركس ذلك، ثم أنهم أقاموا ابن العزيز ولقبوه بالملك المنصور وعمره نحو تسع سنين، ونصبوا قراقوش اتابكا، وهم في الباطن يختلفون عليه، وما زالوا يسعون عليه في إبطال أمر قراقوش حتى اتفقوا على مكاتبة الأفضل المتقدّم ذكره، وحضوره إلى مصر ويعمل اتابكية المنصور مدّة سبع سنين حتى يتأهل بالاستبداد بالملك، بشرط أن لا يرفع فوق رأسه سنجق الملك، ولا يذكر اسمه في خطبة، ولا سكة، فلما سار القاصد إلى الأفضل بكتب الأمراء، بعث جهاركس في الباطن قصدا على لسانه ولسان الطائفة الصلاحية بكتبهم إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكتب إلى الأمير ميمون القصريّ صاحب نابلس يأمره بأن لا يطيع الملك الأفضل، ولا يحلف له، فاتفق خروج الملك الأفضل من صرخد (١)، ولقاه قاصد فخر الدين جهاركس فأخذ منه الكتب وقال: له ارجع فقد قضيت الحاجة، وسار إلى القاهرة ومعه القاصد، فلما خرج الأمراء من القاهرة إلى لقائه ببلبيس، فعمل له فخر الدين سماطا احتفل فيه احتفالا زائدا لينزل عنده، فنزل عند أخيه الملك المؤيد نجم الدين مسعود، فشق ذلك على جهاركس، وجاء إلى خدمته، فلما فرغ من طعام أخيه صار إلى خيمة جهاركس

стр. 1069

وقعد ليأكل، فرأى جهاركس قاصده الذي سيره في خدمة الأفضل، فدهش وأيقن بالشر، فللحال استأذن الأفضل أن يتوجه إلى العرب المختلفين بأرض مصر ليصلح بينهم، فأذن له وقام من فوره واجتمع بالأمير زين الدين قراجا، والأمير أسد الدين قراسنقر، وحسّن لهما مفارقة الأفضل، فسارا معه إلى القدس وغلبوا عليه، ووافقهم الأمير عز الدين أسامة، والأمير ميمون القصري، فقدم عليهم في سبعمائة فارس، ولما صاروا كلمة واحدة كتبوا إلى الملك العادل يستدعونه للقيام باتابكية الملك المنصور محمد بن العزيز بمصر. وأما الأفضل فإنه لما دخل من بلبيس إلى القهرة، قام بتدبير الدولة، وأمر الملك بحيث لم يبق للمنصور معه سوى مجرّد الاسم فقط، وشرع في القبض على الطائفة الصلاحية أصحاب جهاركس، ففرّوا منه إلى جهاركس بالقدس، فقبض على من قدر عليه منهم ونهب أموالهم، فلما زالت دولة الأفضل من مصر بقدوم الملك العادل أبي بكر بن أيوب، استولى فخر الدين جهاركس على بانياس (١) بأمر العادل، ثم انحرف عنه وكانت له أنباء إلى أن مات، فانقضى أمر الطائفة الصلاحية بموته وموت الأمير قارجا وموت الأمير أسامة، كما انقضى أمر غيرهم. قيسارية الفاضل: هذه القيسارية على يمنة من يدخل من باب زويلة، عرفت بالقاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ، وهي الآن في أوقاف المارستان المنصوريّ، أخبرني شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد العزيز العذريّ البشبيشيّ ﵀ قال: أخبرني القاضي بدر الدين أبو إسحاق إبراهيم بن القاضي صدر الدين أبي البركات أحمد بن فخر الدين أبي الروح عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن المعروف بابن الخشاب: أن قيسارية الفاضل وقفت بضع عشرة مرّة، منها مرّتين أو أكثر زف كتاب وقفها بالأغاني في شارع القاهرة، وهي الآن تشتمل على قيسارية ذات بحرة ماء للوضوء بوسطها، وأخرى بجانبها، يباع فيها جهاز النساء وشوارهنّ، ويعلوها ربع فيه عّدة مساكن. قيسارية بيبرس: هذه القيسارية على رأس باب الجودرية من القاهرة، كان موضعها دارا تعرف بدار الأنماط، اشتراها وما حولها الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيريّ قبل ولايته السلطنة، وهدمها وعمر موضعها هذه القيسارية والربع فوقها، وتولى عمارة ذلك مجد الدين بن سالم الموقع، فلما كملت طلب سائر تجارة قيسارية جهاركس، وقيسارية الفاضل، وألزمهم بإخلاء حوانيتهم من القيساريتين، وسكناهم بهذه القيسارية، وأكرههم على ذلك وجعل أجرة كل حانوت منها مائة وعشرين درهما نقرة، فلم يسع التجار إلا استئجار حوانيتها، وصار كثير منهم يقوم بأجرة الحانوت الذي ألزم به في هذه القيسارية من غير أن يترك حانوته الذي هو معه بإحدى القيساريتين المذكورتين، ونقل أيضا صناع

стр. 1070

الأخفاف وأسكنهم في الحوانيت التي خارجها، فعمرت من داخلها وخارجها بالناس في يومين، وجاء إلى مخدومه الأمير بيبرس وكان قد ولي السلطنة وتقلب بالملك المظفر وقال: بسعادة السلطان أسكنت القيسارية في يوم واحد، فنظر إليه طويلا وقال: يا قاضي إن كنت أسكنتها في يوم واحد فهي تخلو في ساعة واحدة. فجاء الأمر كما قال، وذلك أنه لما فرّ بيبرس من قلعة الجبل لم يبت في هذه القيسارية لأحد من سكانها قطعة قماش، بل نقلوا كل ما كان لهم فيها وخلت حوانيتها مدّة طويلة، ثم سكنها صنّاع الأخفاف، كل حانوت بعشرة دراهم، وفي حوانيتها ما أجرته ثمانية دراهم، وهي الآن جارية في أوقاف الخانقاه الركنية بيبرس، ويسكنها صناع الأخفاف، وأكثر حوانيتها غير مسكون لخرابها ولقلة الاخفافيين، ويعرف الخط الذي هي فيه اليوم بالأخفافيين رأس الجودرية. القيسارية الطويلة: هذه القيسارية في شارع القاهرة بسوق الخردفوشيين، فيما بين سوق المهامزيين وسوق الجوخيين، ولها باب آخر عند باب سر حمّام الخرّاطين، كانت تعرف قديما بقيسارية السروج بناها … (١). قيسارية … (٢): هذه القيسارية تجاه قيسارية السروج المعروفة الآن بالقيسارية الطويلة، بعضها وقفه القاضي الأشرف بن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ، على ملء الصهريج بدرب ملوخيا، وبعضها وقف الصالح طلائع بن رزيك الوزير، وقد هدمت هذه القيسارية وبناها الأمير جاني بك دوادار السلطان الملك الأشرف برسباي الدقاقيّ الظاهريّ، في سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، تربيعة تتصل بالوراقين، ولها باب من الشارع، وجعل علوها طباقا، وعلى بابها حوانيت، فجاءت من أحسن المباني. قيسارية العصفر: هذه القيسارية بشارع القاهرة، لها باب من سوق المهامزيين، وباب من سوق الورّاقين، عرفت بذلك من أجل أن العصفر كان يدق بها. أنشأها الأمير علم الدين سنجر المسروريّ المعروف بالخياط والي القاهرة، ووقفها في سنة اثنتين وتسعين وستمائة، ولم تزل باقية بيد ورثته إلى أن ولي القاضي ناصر الدين محمد بن البارزيّ الحمويّ كتابة السرّ في أيام المؤيد شيخ، فاستأجرها مدّة أعوام من مستحقيها، ونقل إليها العنبريين، فصارت قيسارية عنبر، وذلك في سنة ست عشرة وثمانمائة، ثم انتقل منها أهل العنبر إلى سوقهم في سنة ثماني عشرة وثمانمائة. قيسارية العنبر: قد تقدّم في ذكر الأسواق أنها كانت سجنا، وأن الملك المنصور قلاون عمّرها في سنة ثمانين وستمائة، وجعلها سوق عنبر.

стр. 1071

قيسارية الفائزي: هذه القيسارية كانت بأوّل الخرّاطين مما يلي المهامزيين، لها باب من المهامزيين، وباب من الخرّاطين. أنشأها الوزير الأسعد شرف الدين أبو القاسم هبة اللّه بن صاعد بن وهيب الفارسيّ، كان من جملة نصارى صعيد مصر، وكتب على مبايض ناحية سيوط بدرهم وثلث في كل يوم، ثم قدم إلى القاهرة وأسلم في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وخدم عند الملك الفائز إبراهيم بن الملك العادل، فنسب إليه وتولى نظر الديوان في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب مدّة يسيرة، ثم ولى بعض أعمال ديار مصر، فنقل عنه ما أوجب الكشف عليه، فندب موفق الدين الأمديّ لذلك، فاستقرّ عوضه وسجنه مدّة، ثم أفرج عنه وسافر إلى دمشق وخدم بها الأمير جمال الدين يغمور نائب السلطنة بدمشق، فلما قدم الملك المعظم توران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب من حصن كتبغا إلى دمشق بعد موت أبيه ليأخذ مملكة مصر، سار معه إلى مصر في شوال سنة سبع وأربعين وستمائة، فلما قامت شجرة بتدبير المملكة بعد قتل المعظم، تعلق بخدمة الأمير عز الدين آيبك التركمانيّ مقدّم العساكر إلى أن تسلطن، وتلقب بالملك المعز، فولاه الوزارة في سنة ثمان وأربعين وستمائة، فأحدث مظالم كثيرة وقرّر على التجار وذوي اليسار أموالا تجبى منهم، وأحدث التقويم والتصقيع على سائر الأملاك، وجبى منها مالا جزيلا، ورتّب مكوسا على الدواب من الخيل والجمال والحمير وغيرها، وعلى الرقيق من العبيد والجواري، وعلى سائر المبيعات، وضمن المنكرات من الخمر والمزر والحشيش وبيوت الزواني بأموال، وسمى هذه الجهات بالحقوق السلطانية والمعاملات الديوانية، وتمكن من الدولة تمكنا زائدا إلى الغاية، بحيث أنه سار إلى بلاد الصعيد بعساكر لمحاربة بعض الأمراء، وكان الملك المعز أيبك يكاتبه بالمملوك، وكثر ماله وعقاره حتى أنه لم يبلغ صاحب قلم في هذه الدول ما بلغه من ذلك، واقتنى عدّة مماليك، منهم من بلغ ثمنه ألف دينار مصرية، وكان يركب في سبعين مملوكا من مماليكه، سوى أرباب الأقلام والأتباع، وخرج بنفسه إلى أعمال مصر واستخرج أموالها، وكان ينوب عنه في الوزارة زين الدين يعقوب بن الزبير، وكان فاضلا يعرف اللسان التركيّ، فصار يضبط له مجالس الأمراء ويعرّفه ما يدور بينهم من الكلام، فلم يزل على تمكنه وبسط يده وعظم شأنه إلى أن قتل الملك المعز وقام من بعده ابنه الملك المنصور نور الدين عليّ، وهو صغير، فاستقرّ على عادته حتى شهد عليه الأمير سابق الدين بوزبا الصيرفيّ، والأمير ناصر الدين محمد بن الأطروش الكرديّ أمير جاندار، أنه قال المملكة لا تقوم بالصبيان الصغار، والرأي أن يكون الملك الناصر صاحب الشام ملك مصر، وأنه قد عزم على أن يسير إليه يستدعيه إلى مصر ويساعده على أخذ المملكة، فخافت أمّ السلطان منه وقبضت عليه وحبسته عندها بقلعة الجبل، ووكلت بعذابه الصارم أحمر عينه العماديّ الصالحي، فعاقبه عقوبة عظيمة، ووقعت الحوطة على سائر أمواله وأسبابه وحواشيه، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، ثم خنق لليال مضت من

стр. 1072

جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وستمائة، ولفّ في نخ ودفن بالقرافة. واستقرّ من بعده في الوزارة قاضي القضاة بدر الدين السنجاريّ مع ما بيده من قضاء القضاة، ولم تزل هذه القيسارية باقية، وكانت تعرف بقيسارية النشاب إلى أن أخذها الأمير جمال الدين يوسف الاستادار، هي والحوانيت على يمنة من سلك من الخرّاطين يريد الجامع الأزهر، وفيما بينهما كان باب هذه القيسارية، وكانت هذه الحوانيت تعرف بوقف تمرتاش، وهدم الجميع وشرع في بنائه، فقتل قبل أن يكمل، وأخذه الملك الناصر فرح، فبنيت الحوانيت التي هي على الشارع بسوق المهامزيين، وصار ما بقي ساحة عمرها القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الجيش قيسارية يعلوها ربع، وبنى أيضا على حوانيت جمال الدين ربعا، وذلك في سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وقال الإمام عفيف الدين أبو الحسن عليّ بن عدلان يمدح الأسعد الفائزيّ ﵀ ابن صاعد، وابنه المرتضى: مذ تولى أمورنا … لم أزل منه ذاهبه وهو إن دام أمره … شدّة العيش ذاهبه قيسارية بكتمر: هذه القيسارية بسوق الحريريين بالقرب من سوق الوراقين، كانت تعرف قديما بالصاغة، ثم صارت فندقا يقال له فندق حكم، وأصلها من جملة الدار العظمى التي تعرف بدار المأمون بن البطائحي، وبعضها المدرسة السيوفية. أنشأ هذه القيسارية الأمير بكتمر الساقي في أيام الناصر محمد بن قلاوون. قيسارية ابن يحيى: هذه القيسارية كانت تجاه باب قيسارية جهاركس، حيث سوق الطيور، وقاعات الحلوى، أنشأها القاضي المفضل هبة اللّه بن يحيى التميميّ المعدّل، كان موثقا كاتبا في الشروط الحكمية في حدود سنة أربعين وخمسمائة في الدولة الفاطمية، ثم صار من جملة العدول، وبقي إلى سنة ثمانين، وله ابن يقال له كمال الدين عبد المجيد القاضي المفضل، ولكمال الدين ابن يقال له جلال الدين محمد بن كمال الدين عبد المجيد بن القاضي المفضل هبة اللّه بن يحيى، مات في آخر سنة ستين وسبعمائة، وقد خربت هذه القيسارية ولم يبق لها أثر. قيسارية طاشتمر: هذه القيسارية بجوار الوراقين، لها باب كبير من سوق الحريريين، على يسرة من سلك إلى الزجاجين وباب من الوراقين. أنشأها الأمير طاشتمر في أعوام بضع وثلاثين وسبعمائة، وسكنها عقادوا الأزرار حتى غصت بهم مع كبرها وكثرة حوانيتها، وكان لهم منظر بهيج، فإنّ أكثرهم من بياض الناس، وتحت يد كل معلم منهم عدّة صبيان من أولاد الأتراك وغيرهم فطالما مررت منها إلى سوق الوراقين، وداخلني حياء من كثرة من أمرّ به هناك، ثم لما حدثت المحن في سنة ست وثمانمائة تلاشى أمرها وخرب الربع الذي كان

стр. 1073

علوها، وبيعت أنقاضه، وبقيت فيها اليوم بقية يسيرة. قيسارية الفقراء: هذه القيسارية خارج باب زويلة بخط تحت الربع أنشأها (١). قيسارية بشتاك: خارج باب زويلة بخط تحت الربع، أنشأها الأمير بشتاك الناصريّ وهي الآن (٢). قيسارية المحسني: خارج باب زويلة تحت الربع، أنشأها الأمير بدر الدين بيلبك المحسني، والي الإسكندرية، ثم والي القاهرة، كان شجاعا مقداما، فأخرجه الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الشام وبها مات في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، فأخذ ابنه الأمير ناصر الدين محمد بن بيلبك المحسني إمرته، فلما مات الملك الناصر قدم إلى القاهرة وولاه الأمير قوصون ولاية القاهرة في سابع عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما قبض على قوصون في يوم الثلاثاء آخر شهر رجب منها، أمسك ابن المحسني وأعيد نجم الدين إلى ولاية القاهرة، ثم عزل من يومه وولي الأمير جمال الدين يوسف والي الجيزة، فأقام أربعة أيام وعزل بطلب العامّة عزله ورجمه، فأعيد نجم الدين. قيسارية الجامع الطولوني: هذه القيسارية كان موضعها في القديم من جملة قصر الإمارة الذي بناه الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، وكان يخرج منه إلى الجامع من باب في جداره القبليّ، فلما خرب صار ساحة أرض، فعمر فيها القاضي تاج الدين المناوي خليفة الحكم عن قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة قيسارية في سنة خمسين وسبعمائة من فائض مال الجامع الطولوني، فكمل فيها ثلاثون حانوتا، فلما كانت ليلة النصف من شهر رمضان من هذه السنة، رأى شخص من أهل الخير رسول اللّه ﷺ في منامه وقد وقف على باب هذه القيسارية وهو يقول: بارك اللّه لمن يسكن هذه القيسارية، وكرّر هذا القول ثلاث مرّات. فلما قص هذه الرؤيا رغب الناس في سكناها، وصارت إلى اليوم هي وجميع ذلك السوق في غاية العمارة، وفي سنة ثماني عشرة وثمانمائة أنشأها قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن نصير بن رسلان البلقينيّ من مال الجامع المذكور قيسارية أخرى، فرغب الناس في سكناها لوفور العمارة بذلك الخط. قيسارية ابن ميسر الكبرى: هذه القيسارية أدركتها بمدينة مصر في خط سويقة وردان، وهي عامرة يباع بها القماش الجديد من الكتان الأبيض والأزرق والطرح، وتمضي تجار القاهرة إليها في يومي الأحد والأربعاء لشراء الأصناف المذكورة، وذكر ابن المتوّج أن لها

стр. 1074

خمسة أبواب، وأنها وقف، ثم وقعت الحوطة عليها فجرت في الديوان السلطانيّ، وقصدوا بيعها مرارا فلم يقدر أحد على شرائها، وكان بها عمد رخام، فأخذها الديوان وعوّضت بعمد كدان، وأنه شاهدها مسكونة جميعها، عامرة. انتهى. وقد خرب ما حولها بعد سنة ستين وسبعمائة، وتزايد الخراب حتى لم يبق حولها سوى كيمان، فعمل لها باب واحد، وتردّد الناس إليها في اليومين المذكورين لا غير، فلما كانت الحوادث منذ سنة ست وثمانمائة واستولى الخراب على أقليم مصر تعطلت هذه القيسارية ثم هدمت في سنة ست عشرة وثمانمائة. قيسارية عبد الباسط: هذه القيسارية برأس الخرّاطين من القاهرة، كان موضعها يعرف قديما بعقبة الصباغين، ثم عرف بالقشاشين، ثم عرف بالخرّاطين، وكان هناك مارستان ووكالة في الدولة الفاطمية، وأدركنا بها حوانيت تعرف بوقف تمرتاش المعظميّ، فأخذها الأمير جمال الدين الأستادار فيما أخذ من الأوقاف، فلما قتل أخذ الناصر فرج جانبا منها وجدّد عمارتها ووقفها على تربة أبيه الظاهر برقوق، ثم أخذها زين الدين عبد الباسط بن خليل في أيام المؤيد شيخ، وعمل في بعضها هذه القيسارية وعلوها، ووقفها على مدرسته وجامعه، ثم أخذ السلطان الملك الأشرف برسباي بقية الحوانيت من وقف جمال الدين وجدّد عمارتها في سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ذكر الخانات والفنادق خان مسرور: خان مسرور مكانان، أحدهما كبير والآخر صغير، فالكبير على يسرة من سلك من سوق باب الزهومة إلى الحريريين، كان موضعه خزانة الدرق التي تقدّم ذكرها في خزائن القصر، والصغير على يمنة من سلك من سوق باب الزهومة إلى الجامع الأزهر، كان ساحة يباع فيها الرقيق، بعد ما كان موضع المدرسة الكاملية هو سوق الرقيق. قال ابن الطوير: خزانة الدرق كانت في المكان الذي هو خان مسرور، وهي برسم استعمالات الأساطيل من الكبورة الخرجية والخود الجلودية وغير ذلك. وقال ابن عبد الظاهر فندق مسرور؛ مسرور هذا من خدّام القصر، خدم الدولة المصرية واختص بالسلطان صلاح الدين ﵀، وقدّمه على حلقته، ولم يزل مقدّما في كل وقت، وله برّ وإحسان ومعروف، ويقصد في كل حسنة وأجر وبرّ، وبطل الخدمة في الأيام الكاملية، وانقطع إلى اللّه تعالى ولزم داره، ثم بنى الفندق الصغير إلى جانبه، وكان قبل بنائه ساحة يباع فيها الرقيق، اشترى ثلثها من والدي ﵀، والثلثين من ورثة ابن عنتر، وكان قد ملك الفندق الكبير لغلامه ريحان وحبسه عليه، ثم من بعده على الأسرى والفقراء بالحرمين، وهو مائة بيت إلاّ بيتا، وبه مسجد تقام فيه الجماعة والجمع، ولمسرور

стр. 1075

المذكور برّ كثير بالشام وبمصر، وكان قد وصى أن تعمل داره وهي بخط حارة الأمراء مدرسة، ويوقف الفندق الصغير عليها، وكانت له ضعية بالشام بيعت للأمير سيف الدين أبي الحسن القيمريّ بجملة كبيرة، وعمرت المدرسة المذكورة بعد وفاته. انتهى. وقد أدركت فندق مسرور الكبير في غاية العمارة، تنزله أعيان التجار الشاميين بتجاراتهم، وكان فيه أيضا مودع الحكم الذي فيه أموال اليتامى والغياب، وكان من أجلّ الخانات وأعظمها، فلما كثرت المحن بخراب بلاد الشام منذ سنة تيمورلنك، وتلاشت أحوال إقليم مصر، قلّ التجار وبطل مودع الحكم، فقلّت مهابة هذا الخان وزالت حرمته وتهدّمت عدّة أماكن منه، وهو الآن بيد القضاة. فندق بلال المغيثي: هذا الفندق فيما بين خط حمّام خشيبة وحارة العدوية، أنشأه الأمير الطواشي أبو المناقب حسام الدين بلال المغيثي، أحد خدّام الملك المغيث صاحب الكرك، كان حبشيّ الجنس، حالك السواد، خدم عدّة من الملوك، واستقرّ لالا الملك الصالح عليّ بن الملك المنصور قلاوون، وكان معظما إلى الغاية، يجلس فوق جميع أمراء الدولة، وكان الملك المنصور قلاوون إذا رآه يقول: رحم اللّه أستاذنا الملك الصالح نجم الدين أيوب، أنا كنت أحمل شارموزة هذا الطواشي حسام الدين كلما دخل إلى السلطان الملك الصالح حتى يخرج من عنده، فأقدّمها له، وكان كثير البرّ والصدقات وله أموال جزيلة، ومدحه عدّة من الشعراء، وأجاز على المديح، وتجاوز عمره ثمانين سنة، فلما خرج الملك الناصر محمد بن قلاون لقتال التتر في سنة تسع وتسعين وستمائة سافر معه، فمات بالسوادة ودفن بها، ثم نقل منها بعد وقعة شقحب إلى تربته بالقرافة فدفن هناك، وما برح هذا الفندق يودع فيه التجار وأرباب الأموال صناديق المال، ولقد كنت أدخل فيه فإذا بدائرة صناديق مصطفة ما بين صغير وكبير، لا يفضل عنها من الفندق غير ساحة صغيرة بوسطه، وتشتمل هذه الصناديق من الذهب والفضة على ما يجلّ وصفه، فلما أنشأ الأمير الطواشي زين الدين مقبل الزمام الفندق بالقرب منه، وأنشأ الأمير قلمطاي الفندق بالزجاجين، وأخذ الأمير يلبغا السالميّ أموال الناس في واقعة تيمورلنك في سنة ثلاث وثمانمائة، تلاشى أمر هذا الفندق وفيه إلى الآن بقية. فندق الصالح: هذا الفندق بجوار باب القوس الذي كان أحد بابي زويلة، فمن سلك اليوم من المسجد المعروف بسام بن نوح يريد باب زويلة، صار هذا الفندق على يساره، وأنشأه هو وما يعلوه من الربع، الملك الصالح علاء الدين عليّ بن السلطان الملك المنصور قلاون، وكان أبوه لما عزم على المسير إلى محاربة التتر ببلاد الشام، سلطنه وأركبه بشعار السلطنة من قلعة الجبل في شهر رجب سنة تسع وسبعين وستمائة، وشق به شارع القاهرة من باب النصر إلى أن عاد إلى قلعة الجبل، وأجلسه على مرتبته، وجلس إلى جانبه،

стр. 1076

فمرض عقيب ذلك ومات ليلة الجمعة الرابع من شعبان، فأظهر السلطان لموته جزعا مفرطا وحزنا زائدا، وصرخ بأعلى صوته واولداه، ورمى كلوتته عن رأسه إلى الأرض وبقي مكشوف الرأس إلى أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرأس يصرخ واولداه، فعندما عاينوه كذلك ألقوا كلوتاتهم عن رؤوسهم وبكوا ساعة، ثم أخذ الأمير طرنطاي النائب شاش السلطان من الأرض وناوله للأمير سنقر الأشقر، فأخذه ومشى وهو مكشوف الرأس، وباس الأرض وناول الشاش للسلطان، فدفعه وقال: ايش أعمل بالملك بعد ولدي، وامتنع من لبسه، فقبّل الأمراء الأرض يسألون السلطان في لبس شاشه، ويخضعون له في السؤال ساعة حتى أجابهم وغطى رأسه، فلما أصبح خرجت جنازته من القلعة ومعها الأمراء من غير حضور السلطان، وصاروا بها إلى تربة أمه المعروفة (١) خاتون، قريبا من المشهد النفيسيّ، فواروه وانصرفوا، فلما كان يوم السبت ثانية، نزل السلطان من القلعة وعليه البياض تحزنا على ولده، وسار ومعه الأمراء بثياب الحزن إلى قبر ابنه وأقيم العزاء لموته عدّة أيام. خان السبيل: هذا الخان خارج باب الفتوح، قال ابن عبد الظاهر: خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين أبو سعيد قراقوش بن عبد اللّه الأسديّ خادم أسد الدين شيركوه، وعتيقه لأبناء السبيل والمسافرين بغير أجرة، وبه بئر ساقية وحوض. وقراقوش هذا: هو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، وعمر بالمقس رباطا، وأسره الفرنج في عكا وهو واليها، فافتكه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعشرة آلاف دينار، وتوفي مستهل رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ودفن بسفح الجبل المقطم من القرافة. خان منكورش: هذا الخان بخط سوق الخيميين بالقرب من الجامع الأزهر. قال ابن عبد الظاهر: خان منكورش بناه الأمير ركن الدين منكورش زوج أمّ الأوحد بن العادل، ثم انتقل إلى ورثته، ثم انتقل إلى الأمير صلاح الدين أحمد بن شعبان الأبلي. فوقفه، ثم تحيل ولده في إبطال وقفه، فاشتراه منه الملك الصالح بعشرة آلاف دينار مصرية، وجعله مرصدا لوالدة خليل، ثم انتقل عنها. انتهى. قال مؤلفه: ومنكورش هذا كان أحد مماليك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتقدّم حتى صار أحد الأمراء الصالحية، وعرف بالشجاعة والنجدة، وإصابة الرأي وجودة الرمي وثبات الجأش، فلما مات في شوّال سنة سبع وسبعين وخمسمائة، أخذ إقطاعه الأمير ياركوج الأسديّ، وهذا الخان الآن يعرف بخان النشارين، على يسرة من سلك من الخراطين إلى الخيميين، وهو وقف على جهات برّ.

стр. 1077

فندق ابن قريش: هذا الفندق، قال ابن عبد الظاهر: فندق ابن قريش استجدّه القاضي شرف الدين إبراهيم بن قريش، كاتب الإنشاء، وانتقل إلى ورثته. انتهى. إبراهيم بن عبد الرحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن عليّ بن قريش: أبو إسحاق القرشيّ المخزوميّ المصريّ الكاتب شرف الدين، أحد الكتاب المجيدين خطا وإنشاء، خدم في دولة الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وفي دولة ابنه الملك الكامل محمد بديوان الإنشاء، وسمع الحديث بمكة ومصر، وحدّث، وكانت ولادته بالقاهرة في أوّل يوم من ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وقرأ القرآن وحفظ كثيرا من كتاب المهذب في الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ، وبرع في الأدب، وكتب بخطه ما يزيد على أربعمائة مجلد، ومات في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وكالة قوصون: هذه الوكالة في معنى الفنادق والخانات، ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب والرب ونحو ذلك، وموضعها فيما بين الجامع الحاكميّ ودار سعيد السعداء، كانت أخيرا دارا تعرف بدار تعويل البوعاني، فأخربها وما جاورها الأمير قوصون، وجعلها فندقا كبيرا إلى الغاية، وبدائره عدة مخازن، وشرط أن لا يؤجر كل مخزن إلا بخمسة دراهم من غير زيادة على ذلك، ولا يخرج أحد من مخزنه، فصارت هذه المخازن تتوارث لقلة أجرتها وكثرة فوائدها، وقد أدركنا هذه الوكالة، وأن رؤيتها من داخلها وخارجها لتدهش لكثرة ما هنالك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدّة أصوات العتالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها، ثم تلاشى أمرها منذ خربت الشام في سنة ثلاث وثمانمائة على يد تيمورلنك، وفيها إلى الآن بقية، ويعلو هذه الوكالة رباع تشتمل على ثلثمائة وستين بيتا، أدركناها عامرة كلها، ويحزر أنها تحوي نحو أربعة آلاف نفس ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير، فلما كانت هذه المحن في سنة ست وثمانمائة، خرب كثير من هذه البيوت وكثير منها عامر آهل. فندق دار التفاح: هذه الدار هي فندق تجاه باب زويلة، يرد إليه الفواكه على اختلاف أصنافها مما ينبت في بساتين ضواحي القاهرة، ومن التفاح والكمثرى والسفرجل الواصل من البلاد الشامية، إنما يباع في وكالة قوصون إذا قدم، ومنها ينقل إلى سائر أسواق القاهرة ومصر ونواحيهما، وكان موضع دار التفاح هذه في القديم من جملة حارة السودان التي عملت بستانا في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وأنشأ هذه الدار الأمير طقوزدمر بعد سنة أربعين وسبعمائة، ووقفها على خانقاه بالقرافة، وبظاهر هذه الدار عدّة حوانيت تباع فيها الفاكهة تذكر رؤيتها وشمّ عرفها الجنة لطيبها وحسن منظرها، وتأنق الباعة في تنضيدها، واحتفافها بالرياحين والأزهار، وما بين الحوانيت مسقوف حتى لا يصل إلى الفواكه حرّ الشمس، ولا يزال ذلك الموضع غضا طريا إلاّ أنه قد اختل منذ سنة ست

стр. 1078

وثمانمائة، وفيه بقية ليست بذاك، ولم تزل إلى أن هدم علو الفندق وما بظاهره من الحوانيت في يوم السبت سادس عشر شعبان، سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وذلك أن الجامع المؤيديّ جاءت شبابيكه الغربية من جهة دار التفاح، فعمل فيها كما صار يعمل في الأوقاف، وحكم باستبدالها ودفع في ثمن نقضها ألف دينار إفريقية، عنها مبلغ ثلاثين ألف مؤيديّ فضة، ويتحصل من أجرتها إلى أن ابتدئ بهدمها في كل شهر سبعة آلاف درهم فلوسا، عنها ألف مؤيدي، فاستشنع هذا الفعل ومات الملك المؤيد ولم تكمل عمارة الفندق. وكالة باب الجوّانية: هذه الوكالة تجاه باب الجوّانية من القاهرة، فيما بين درب الرشيدي ووكالة قوصون، كان موضعها عدّة مساكن، فابتدأ الأمير جمال الدين محمود بن عليّ الأستادار بهدمها في يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وبناها فندقا وربعا بأعلاه، فلما كملت رسم الملك الظاهر برقوق أن تكون دار وكالة يرد إليها ما يصل إلى القاهرة وما يرد من صنف متجر الشام في البحر، كالزيت والرب والدبس، ويصير ما يرد في البرّ يدخل به على عادته إلى وكالة قوصون، وجعلها وقفا على المدرسة الخانقاه التي أنشأها بخط بين القصرين، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم. خان الخليلي: هذا الخان بخط الزراكشة العتيق، كان موضعه تربة القصر التي فيها قبور الخلفاء الفاطميين المعروفة بتربة الزعفران، وقد تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب. أنشأه الأمير جهاركس الخليليّ أميراخور الملك الظاهر برقوق، وأخرج منها عظام الأموات في المزابل على الحمير وألقاها بكيمان البرقية، هوانا بها، فإنه كان يلوذ به شمس الدين محمد بن أحمد القليجي الذي تقدّم ذكره في ذكر الدور من هذا الكتاب وقال له: إن هذه عظام الفاطميين، وكانوا كفارا رفضة، فاتفق للخليليّ في موته أمر فيه عبرة لأولي الألباب، وهو أنه لما ورد الخبر بخروج الأمير بلبغا الناصريّ نائب حلب، ومجيء الأمير منطاش نائب ملطية إليه، ومسيرهما بالعساكر إلى دمشق، أخرج الملك الظاهر برقوق خمسمائة من المماليك، وتقدّم لعدّة من الأمراء بالمسير بهم، فخرج الأمير الكبير ايتمش الناصريّ والأمير جهاركس الخليل هذا، والأمير يونس الدوادار، والأمير أحمد بن بلبغا الخاصكيّ، والأمير ندكار الحاجب، وساروا إلى دمشق، فلقيهم الناصري ظاهر دمشق، فانكسر عسكر السلطان لمخامرة ابن بلبغا وندكار، وفرّ أيتمش إلى قلعة دمشق، وقتل الخليليّ في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وترك على الأرض عاريا وسوءته مكشوفة، وقد انتفخ وكان طويلا عريضا إلى أن تمزق وبلي عقوبة من اللّه تعالى بما هتك من رمم الأئمة وأبنائهم، ولقد كان عفا اللّه عنه عارفا خبيرا بأمر دنياه، كثير الصدقة، ووقف هذا الخان وغيره على عمل خبز يفرّق بمكة على كل فقير، منه في اليوم رغيفان، فعمل ذلك مدّة سنين، ثم لما عظمت الأسعار بمصر وتغيرت نقودها، من سنة ست وثمانمائة، صار يحمل إلى مكة مال ويفرّق بها على الفقراء.

стр. 1079

فندق طرنطاي: هذا الفندق كان بخارج باب البحر ظاهر المقس، وكان ينزل فيه تجار الزيت الواردون من الشام، وكان فيه ستة عشر عمودا من رخام طول، كل عمود ستة أذرع بذراع العمل، في دور ذراعين، ويعلوه ربع كبير، فلما كان في واقعة هدم الكنائس وحريق القاهرة ومصر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، قدم تاجر بعد العصر بزيت، وزن في مكسه عشرين ألف درهم نقرة، سوى أصناف أخر قيمتها مبلغ تسعين ألف درهم نقرة، فلم يتهيأ له الفراغ من نقل الزيت إلى داخل هذا الفندق إلاّ بعد العشاء الآخرة، فلما كان نصف الليل، وقع الحريق بهذا الفندق في ليلة من شهر ربيع الآخر منها، كما كان يقع في غير موضع من فعل النصارى، فأصبح وقد احترق جميعه حتى الحجارة التي كان مبنيا بها، وحتى الأعمدة المذكورة، وصارت كلها جيرا واحترق علوه، وأصبح التاجر يستعطي الناس وموضع هذا الفندق. ذكر الأسواق قال ابن سيدة: والسوق التي يتعامل فيها تذكر وتؤنث، والجمع أسواق، وفي التنزيل: ﴿إِلّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اَلطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي اَلْأَسْواقِ﴾ والسوقة لغة فيها، والسوقة من الناس من لم يكن ذا سلطان، الذكر والأنثى في ذلك سواء. وقد كان بمدينة مصر والقاهرة وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدّا، قد باد أكثرها، وكفاك دليلا على كثرة عددها أن الذي خرب من الأسواق فيما بين أراضي اللوق إلى باب البحر بالمقص، اثنان وخمسون سوقا، أدركناها عامرة، فيها ما يبلغ حوانيته نحو الستين حانوتا، وهذه الخطة من جملة ظاهر القاهرة الغربيّ، فكيف ببقية الجهات الثلاث مع القاهرة ومصر، وسأذكر من أخبار الأسواق ما أجد سبيلا إلى ذكره إن شاء اللّه تعالى. القصبة: قال ابن سيدة: قصبة البلد، مدينته، وقيل معظمه. والقصبة هي أعظم أسواق مصر، وسمعت غير واحد ممن أدركته من المعمرين يقول: أنّ القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت، كأنهم يعنون ما بين أوّل الحسينية مما يلي الرمل إلى المشهد النفيسيّ، ومن اعتبر هذه المسافة اعتبارا جيدا لا يكاد أن ينكر هذا الخبر. وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة الحوانيت غاصة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة، تبهج رؤيتها ويعجب الناظر هيئتها، ويعجز العادّ عن إحصاء ما فيها من الأنواع، فضلا عن إحصاء ما فيها من الأشخاص، وسمعت الكافة ممن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد ويقولون: يرمى بمصر في كل يوم ألف دينار ذهبا على الكيمان والمزابل، يعنون بذلك ما يستعمله اللبانون والجبانون والطباخون من الشقاف الحمر التي يوضع فيها اللبن، والتي يوضع فيها الجبن، والتي تأكل فيها الفقراء الطغام بحوانيت الطباخين، وما يستعمله بياعوا الجبن من الخيط والحصر التي تعمل تحت الجبن في الشقاف، وما يستعمله العطارون من القراطيس والورق

стр. 1080

الفويّ، والخيوط التي تشدّ بها القراطيس الموضوع فيها حوائج الطعام من الحبوب والأفاوية وغيرها، فإن هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق وأخذ ما فيها ألقيت إلى المزابل، ومن أدرك الناس قبل هذه المحن وأمعن النظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والترف لم يستكثر ما ذكرناه. وقد اختلّ حال القصبة وخرب وتعطل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة، فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش. ويقال لهم أصحاب المقاعد، وكل قليل يتعرّض الحكام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق لما يحصل بهم من تضييق الشوارع وقلة بيع أرباب الحوانيت، وقد ذهب واللّه ما هناك ولم يبق إلا القليل، وفي القصبة عدّة أسواق، منها ما خرب، ومنها ما هو باق، وسأذكر منها ما يتيسر إن شاء اللّه تعالى. سوق باب الفتوح: هذا السوق في داخل باب الفتوح، من حدّ باب الفتوح الآن إلى رأس حارة بهاء الدين. معمور الجانبين بحوانيت اللحامين والخضريين والفاميين والشرايحية وغيرهم، وهو من أجلّ أسواق القاهرة وأعمرها، يقصده الناس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللحمان الضأن والبقر والمعز، ولشراء أصناف الخضراوات، وليس هو من الأسواق القديمة، وإنما حدث بعد زوال الدولة الفاطمية عند ما سكن قراقوش في موضعه المعروف بحارة بهاء الدين، وقد تناقص عما كان فيه منذ عهد الحوادث، وفيه إلى الآن بقية صالحة. سوق المرحلين: هذا السوق أدركته من رأس حارة بهاء الدين إلى بحري المدرسة الصيرمية معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة بر حالات الجمال وأقتابها، وسائر ما تحتاج إليه، يقصد من سائر إقليم مصر، خصوصا في مواسم الحج. فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر في يوم لما شق عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرة ذلك عند التجار في الحوانيت بهذا السوق وفي المخازن. فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة وكثر سفر الملك الناصر فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشامية، صار الوزراء يستدعون ما يحتاج إليه الجمال من الرحال والأقتاب وغيرها، فإما لا يدفع ثمنها أو يدفع فيها الشيء اليسير من الثمن، فاختلّ من ذلك حال المرحلين وقلت أموالهم بعد ما كانوا مشتهرين بالغناء الوافر والسعادة الطائلة، وخرب معظم حوانيت هذا السوق، وتعطل أكثر ما بقي منها، ولم يتأخر فيه سوى القليل. سوق خان الروّاسين: هذا السوق على رأس سويقة أمير الجيوش، قيل له ذلك من أجل أن هناك خانا تعمل فيه الرءوس المغمومة، وكان من أحسن أسواق القاهرة فيه عدّة من البياعين، ويشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل، وقد اختلّ وتلاشى أمره.

стр. 1081

سوق حارة برجوان: هذا السوق من الأسواق القديمة، وكان يعرف في القديم أيام الخلفاء الفاطميين بسوق أمير الجيوش، وذلك أنّ أمير الجيوش بدر الجمالي لما قدم إلى مصر في زمن الخليفة المستنصر، وقد كانت الشدّة العظمى، بنى بحارة برجوان الدار التي عرفت بدار المظفر، وأقام هذا السوق برأس حارة برجوان. قال ابن عبد الظاهر: والسويقة المعروفة بأمير الجيوش معروفة بأمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة المستنصر، وهي من باب حارة برجوان إلى قريب الجامع الحاكمي، وهكذا تشهد مكاتيب دور حارة برجوان القديمة، فإنّ فيها والحدّ القبليّ ينتهي إلى سويقة أمير الجيوش، وسوق حارة برجوان هو في الحدّ القبليّ من حارة برجوان، وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة، ما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكان جميع حارات القاهرة فنقول: بحارة برجوان حمّامات، يعني حمامي الرومي وحمام سويد فإنه كان يدخل إليها من داخل الحارة، وبها فرنان، ولها السوق الذي لا يحتاج ساكنها إلى غيره، وكان هذا السوق من سوق خان الروّاسين إلى سوق الشماعين، معمور الجانبين بالعدّة الوافرة من بياعي لحم الضأن السليخ، وبياعي اللحم السميط، وبياعي اللحم البقري، وبه عدّة كثيرة من الزياتين، وكثير من الجبانين والخبازين واللبانين والطباخين والشوّايين والبواردية والعطارين والخضريين، وكثير من بياعي الأمتعة، حتى أنه كان به حانوت لا يباع فيه إلاّ حوائج المائدة وهي: البقل والكرّاث والشمار والنعناع، وحانوت لا يباع فيه إلا الشيرج والقطن فقط برسم تعمير القناديل التي تسرج في الليل. وسمعت من أدركت أنه كان يشتري من هذا الحانوت في كل ليلة شيرج مما يوضع في القناديل بثلاثين درهما فضة، عنها يومئذ دينار ونصف. وكان يوجد بهذا السوق لحم الضأن النيء والمطبوخ إلى ثلث الليل الأوّل، ومن قبل طلوع الفجر بساعة، وقد خرب أكثر حوانيت هذا السوق، ولم يبق لها أثر، وتعطل بأسره بعد سنة ست وثمانمائة، وصار أوحش من وتد في قاع بعد أن كان الإنسان لا يستطيع أن يمرّ فيه من ازدحام الناس ليلا ونهارا إلاّ بمشقة، وكان فيه قبانيّ برسم وزن الأمتعة والمال والبضائع، لا يتفرّغ من الوزن ولا يزال مشغولا به، ومعه من يستحثه ليزن له. فلما كان بعد سنة عشر وثمانمائة أنشأ الأمير طوغان الدوادار بهذا السوق مدرسة وعمّر ربعا وحوانيت، فتحابي بعض الشيء وقبض على طوغان في سنة ست عشرة وثمانمائة، ولم تكمل عمارة السوق وفيه الآن بقية يسيرة. سوق الشماعين: هذا السوق من الجامع الأقمر إلى سوق الدجاجين، كان يعرف في الدولة الفاطمية بسوق القماحين، وعنده بنى المأمون بن البطائحي الجامع الأقمر باسم الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح،

стр. 1082

وأدركت سوق الشماعين من الجانبين معمور الحوانيت بالشموع الموكبية والفانوسية والطوافات، لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصف الليل، وكان يجلس به في الليل بغايا يقال لهنّ زعيرات الشماعين، لهنّ سيما يعرفن بها، وزيّ يتميزن به، وهو لبس الملاءات الطرح وفي أرجلهنّ سراويل من أديم أحمر، وكنّ يعانين الزعارة ويقفن مع الرجال المشالقين في وقت لعبهم، وفيهنّ من تحمل الحديد معها. وكان يباع في هذا السوق في كل ليلة من الشمع بمال جزيل، وقد خرب ولم يبق به إلاّ نحو الخمس حوانيت بعد ما أدركتها تزيد على عشرين حانوتا، وذلك لقلة ترف الناس وتركهم استعمال الشمع، وكان يعلق بهذا السوق الفوانيس في موسم الغطاس، فتصير رؤيته في الليل من أنزه الأشياء، وكان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يشترى ويكتى من الشموع الموكبية التي تزن الواحدة منهنّ عشرة أرطال فما دونها، ومن المزهرات العجيبة الزيّ المليحة الصنعة، ومن الشمع الذي يحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه، كل ذلك برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح، فيمرّ في ليالي شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه، وقد تلاشى الحال في جميع ما قلنا لفقر الناس وعجزهم. سوق الدجاجين: هذا السوق كان مما يلي سوق الشماعين إلى سوق قبو الخرشتف، كان يباع فيه من الدجاج والأوز شيء كثير جليل إلى الغاية، وفيه حانوت فيه العصافير التي يبتاعها ولدان الناس ليعتقوها، فيباع منها في كل يوم عدد كثير جدّا، ويباع العصفور منها بفلس، ويخدع الصبيّ بأنه يسبح، فمن أعتقه دخل الجنة، ولكل واحد حينئذ رغبة في فعل الخير، وكان يوجد في كل وقت بهذه الحوانيت من الأقفاص التي بها هذه العصافير آلاف، ويباع بهذا السوق عدّة أنواع من الطير، وفي كل يوم جمعة يباع فيه بكرة أصناف القماري والهزارات والشحارير واللبغاء والسّمّان، وكنا نسمع أن من السّمّان ما يبلغ ثمنه المئات من الدراهم، وكذلك بقية طيور المسموع يبلغ الواحد منها نحو الألف، لتنافس الناس فيها وتوفر عدد المعتنين بها، وكان يقال لهم غواة طيور المسموع سيما الطواشية، فإنه كان يبلغ بهم الترف أن يقتنوا السّمّان ويتأنقوا في أقفاصه ويتغالوا في أثمانه حتى بلغنا أنه بيع طائر من السمان بألف درهم فضة، عنها يومئذ نحو الخمسين دينارا من الذهب، كل ذلك لإعجابهم بصوته، وكان صوته على وزن قول القائل: «طقطلق وعوع» وكلما كثر صياحه كانت المغالاة في ثمنه، فاعتبر بما قصصته عليك حال الترف الذي كان فيه أهل مصر، ولا تتخذ حكاية ذلك هزؤا تسخر به، فتكون ممن لا تنفعه المواعظ بل يمرّ بالآيات معرضا غافلا فتحرم الخير. وكان بهذا السوق قيسارية عملت مرّة سوقا للكتبيين، ولها باب من وسط سوق

стр. 1083

الدجاجين، وباب من الشارع الذي يسلك فيه من بين القصرين إلى الركن المخلق، فاتفق أن ولي نيابة النظر في المارستان المنصوري عن الأمير الكبير ايتمش النحاسي الظاهريّ أمير يعرف بالأمير خضر ابن التنكزية، فهدم هذا السوق والقيسارية وما يعلوها، وأنشأ هذه الحوانيت والرباع التي فوقها تجاه ربع الكامل الذي يعلو ما بين درب الخضيري وقبو الخرشتف، فلما كمل أسكن في الحوانيت عدّة من الزياتين وغيرهم، وبقي من الدجاجين بهذا السوق بقية قليلة. سوق بين القصرين: هذا السوق أعظم أسواق الدنيا فيما بلغنا، وكان في الدولة الفاطمية براحا واسعا يقف فيه عشرة آلاف ما بين فارس وراجل، ثم لما زالت الدولة ابتذل وصار سوقا يعجز الواصف عن حكاية ما كان فيه، وقد تقدّم ذكره في الخطط من هذا الكتاب، وفيه إلى الآن بقية تحزنني رؤيتها إذ صارت إلى هذه القلة. سوق السلاح: هذا السوق فيما بين المدرسة الظاهرية بيبرس وبين باب قصر بشتاك، استجدّ فيما بعد الدولة الفاطمية في خط بين القصرين. وجعل لبيع القسيّ والنشاب والزرديات وغير ذلك من آلات السلاح، وكان تجاهه خان يقابل الخان الذي هو الآن بوسط سوق السلاح، وعلى بابه من الجانبين حوانيت تجلس فيها الصيارف طول النهار، فإذا كان عصريات كل يوم جلس أرباب المقاعد تجاه حوانيت الصيارف لبيع أنواع من المآكل، ويقابلهم تجاه حوانيت سوق السلاح أرباب المقاعد أيضا، فإذا أقبل الليل أشعلت السرج من الجانبين وأخذ الناس في التمشي بينهما على سبيل الاسترواح والتنزه، فيمرّ هنالك من الخلاعات والمجون ما لا يعبر عنه بوصف، فلما أنشأ الملك الظاهر برقوق المدرسة الظاهرية المستجدّة صارت في موضع الخان وحوانيت الصرف تجاه سوق السلاح، وقلّ ما كان هناك من المقاعد وبقي منها شيء يسير. سوق القفيصات: بصيغة الجمع، والتصغير هكذا يعرف كأنه جمع قفيص، فإنه كله معدّ لجلوس أناس على تخوت تجاه شبابيك القبة المنصورية، وفوق تلك التخوت أقفاص صغار من حديد مشبك فيها الطرائف من الخواتيم والفصوص وأساور النسوان وخلاخيلهنّ وغير ذلك، وهذه الأقفاص يأخذ أجرة الأرض التي هي عليها مباشر المارستان المنصوري، وأصل هذه الأرض كانت من حقوق أرض موقوفة على جامع المقس، فدخل بعضها في القبة المنصورية، وصار بعضها كما ذكرنا وإلى اليوم يدفع من وقف المارستان حكر هذه الأرض لجامع المقس، ولما ولي نظر المارستان الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك في سنة ست وعشرين وسبعمائة، عمل فيه أشياء من ماله، منها خيمة ذرعها مائة ذراع، نشرها من أوّل جدار القبة المنصورية بحذاء المدرسة الناصرية إلى آخر حدّ المدرسة المنصورية بجوار الصاغة، فصارت فوق مقاعد الأقفاص تظلهم من حرّ الشمس، وعمل لها

стр. 1084

حبالا تمدّ بها عند الحرّ وتجمع بها إذا امتدّ الظل، وجعلها مرتفعة في الجوّ حتى ينحرف الهواء، ثم لما كان شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة نقلت الأقفاص منه إلى القيسارية التي استجدّت تجاه الصاغة. سوق باب الزهومة: هذا السوق عرف بذلك من أجل أنه كان هناك في الأيام الفاطمية باب من أبواب القصر يقال له باب الزهومة، تقدّم ذكره في ذكر أبواب القصر من هذا الكتاب. وكان موضع هذا السوق في الدولة الفاطمية سوق الصيارف، ويقابله سوق السيوفيين، من حيث الخشيبة إلى نحو رأس سوق الحريريين اليوم، وسوق العنبر الذي كان إذ ذاك سجنا يعرف بالمعونة، ويقابل السيوفيين إذ ذاك سوق الزجاجين، وينتهي إلى سوق القشاشين الذي يعرف اليوم بالخرّاطين، فلما زالت الدولة الفاطمية تغير ذلك كله، فصار سوق السيوفيين من جوار الصاغة إلى درب السلسلة، وبني فيما بين المدرسة الصالحية وبين الصاغة سوق فيه حوانيت مما يلي المدرسة الصالحية، يباع فيها الأمشاط بسوق الأمشاطيين، وفيه حوانيت فيما بين الحوانيت التي يباع فيها الأمشاط وبين الصاغة، بعضها سكن الصيارف، وبعضها سكن النقليين، وهم الذين يبيعون الفستق واللوز والزبيب ونحوه، وفي وسط هذا البناء سوق الكتبيين، يحيط به سوق الأمشاطيين وسوق النقليين، وجميع ذلك جار في أوقاف المارستان المنصوري. وكان سوق باب الزهومة من أجلّ أسواق القاهرة أفخرها، موصوفا بحسن المآكل وطيبها، واتفق في هذا السوق أمر يستحسن ذكره لغرابته في زمننا، وهو أنه عبر متولي الحسبة بالقاهرة في يوم السبت سادس عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة على رجل بوارديّ بهذا السوق، يقال له محمد بن خلف، عنده مخزن فيه حمام وزرازير متغيرة الرائحة، لها نحو خمسين يوما، فكشف عنها فبلغت عدّتها أربعة وثلاثين ألفا ومائة وستة وتسعين طائرا، من ذلك حمام ألف ومائة وستة وتسعون، وزرازير ثلاثة وثلاثون ألفا كلها متغيرة اللون والريح، فأدبه وشهره وفيه إلى الآن بقايا. سوق المهامزيين: هذا السوق مما استجدّ بعد زوال الدولة الفاطمية، وكان بأوّله حبس المعونة، الذي عمله الملك المنصور قلاوون سوق العنبر، ويقابله المارستان والوكالة ودار الضرب، في الموضع الذي يعرف اليوم بدرب الشمسيّ، وما بحذائه من الحوانيت إلى حمّام الخرّاطين، وما تجاه ذلك. وهذا السوق معدّ لبيع المهاميز، وأدركت الناس وهم يتخذون المهماز كله قالبه وسقطه من الذهب الخالص، ومن الفضة الخالصة، ولا يترك ذلك إلا من يتورع ويتدين فيتخذ القالب من الحديد ويطليه بالذهب أو الفضة، ويتخذ السقط من الفضة، وقد اضطرّ الناس إلى ترك هذا، فقلّ من بقي سقط مهمازه فضة، ولا يكاد يوجد اليوم مهماز من ذهب، وكان يباع بهذا السوق البدلات الفضة التي كانت برسم

стр. 1085

لجم الخيل، وتعمل تارة من الفضة المجراة بالمينا، وتارة بالفضة المطلية بالذهب، فيبلغ زنة ما في البدلة من خمسمائة درهم فضة إلى ما دونها، وقد بطل ذلك. وكان يباع به أيضا سلاسل الفضة ومخاطم الفضة المطلية، تجعل تحت لجم الحجور من الخيل خاصة، فيركب بها أعيان الموقعين وأكابر الكتاب من القبط ورؤساء التجار، وقد بطل ذلك أيضا. ويباع فيه أيضا الدوي والطرف التي فيها الفضة والذهب كسكاكين الأقلام ونحوها، وكانت تجار هذا السوق تعدّ من بياض العامّة، ويتصل بسوق المهامزيين هذا. سوق اللجميين: ويباع فيه آلات اللجم ونحوها مما يتخذ من الجلد، وفي هذا السوق أيضا عدّة وافرة من الطلائين وصناع الكفت برسم اللجم والركب والمهاميز ونحو ذلك. وعدّة من صناع مياتر السروج وقرابسها، وأدركت السروج تعمل ملوّنة ما بين أصفر وأزرق، ومنها ما يعمل من الدبل، ومنها ما يعمل سيورا من الجلد البلغاري الأسود، ويركب بهذه السروج السود القضاة ومشايخ العلم اقتداء بعادة بني العباس في استعمال السواد، على ما جدّده بديار مصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد زوال الدولة الفاطمية. وأدركت السروج التي تركب بها الأجناد والكتاب، يعمل للسرج في قربوسه ستة أطواق من فضة مقبلة مطلية بالذهب، ومعقربات من فضة، ولا يكاد أحد يركب فرسا بسرج سادج إلا أن يكون من القضاة ومشايخ العلم وأهل الورع، فلما تسلطن الملك الظاهر برقوق اتخذ سائر الأجناد السروج المغرقة، وهي التي جميع قرابسها من ذهب أو فضة، إما مطلية أو سادجة، وكثر عمل ذلك حتى لم يبق من العسكر فارس إلا وسرجه كما ذكرنا. وبطل السرج المسقط، فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة غلب على الناس الفقر، وكثرت الفتن، فقلّت سروج الذهب والفضة، وبقي منها إلى اليوم بقايا يركب بها أعيان الأمراء وأماثل المماليك. سوق الجوخيين: هذا السوق يلي سوق اللجميين، وهو معدّ لبيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والستائر وثياب السروج وغواشيها، وأدركت الناس وقلما تجد فيهم من يلبس الجوخ، وإنما يكون من جملة ثياب الأكابر، جوخ لا يلبس إلا في يوم المطر، وإنما يلبس الجوخ من يرد من بلاد المغرب والفرنج وأهل الإسكندرية وبعض عوام مصر، فأما الرؤساء والأكابر والأعيان فلا يكاد يوجد فيهم من يلبسه إلاّ في وقت المطر، فإذا ارتفع المطر نزع الجوخ. وأخبرني القاضي الرئيس تاج الدين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهاب بن الخطبا المخزومي، خال أبي ﵀، قال: كنت أنوب في حسبة القاهرة عن القاضي ضياء الدين المحتسب، فدخلت عليه يوما وأنا لابس جوخة لها وجه صوف مربع فقال لي: وكيف ترضى أن تلبس الجوخ، وهل الجوخ إلاّ لأجل البغلة؟! ثم أقسم عليّ أن أخلعها،

стр. 1086

وما زال بي حتى عرّفته أني اشتريتها من بعض تجار قيسارية الفاضل، فاستدعاه في الحال ودفعها إليه وأمره بإحضار ثمنها. ثم قال لي: لا تعد إلى لبس الجوخ، استهجانا له. فلما كانت هذه الحوادث وغلت الملابس دعت الضرورة أهل مصر إلى ترك أشياء مما كانوا فيه من الترفه، وصار معظم الناس يلبسون الجوخ، فتجد الأمير والوزير والقاضي ومن دونهم ممن ذكرنا لباسهم الجوخ، ولقد كان الملك الناصر فرج ينزل أحيانا إلى الإصطبل وعليه قجون من جوخ، وهو ثوب قصير الكمين والبدن، يخاط من الجوخ بغير بطانة من تحته ولا غشاء من فوقه، فتداول الناس لبسه، واجتلب الفرنج منه شيئا كثيرا لا توصف كثرته ومحل بيعه بهذا السوق، ويلي سوق الجوخيين هذا: سوق الشرابشيين: وهذا السوق مما أحدث بعد الدولة الفاطمية، ويباع فيها الخلع التي يلبسها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم، وإنما قيل له سوق الشرابشيين لأنه كان من الرسم في الدولة التركية أنّ السلطان والأمراء وسائر العساكر إنما يلبسون على رؤوسهم كلوتة صفراء مضرّبة تضريبا عريضا، ولها كلاليب بغير عمامة فوقها، وتكون شعورهم مضفورة مدلاة بدبوقة، وهي في كيس حرير إمّا أحمر أو أصفر، وأوساطهم مشدودة ببنود من قطن بعلبكيّ مصبوغ، عوضا عن الحوائص، وعليهم أقبية إمّا بيض أو مشجرة أحمر وأزرق، وهي ضيقة الأكمام على هيئة ملابس الفرنج اليوم، وإخفافهم من جلد بلغاريّ أسود، وفي أرجلهم من فوق الخف سقمان، وهو خف ثان، ومن فوق القبا كمران بحلق وأبزيم وصوالق بلغاري كبار يسع الواحد منها أكثر من نصف ويبة غلة، مغروز فيه منديل طوله ثلاثة أذرع، فلم يزل هذا زيهم منذ استولوا بديار مصر على الملك، من سنة ثمان وأربعين وستمائة، إلى أن قام في المملكة الملك المنصور قلاوون، فغيّر هذا الزيّ بأحسن منه، ولبسوا الشاشات، وأبطلوا لبس الكم الضيق، واقترح كل أحد من المنصورية ملابس حسنة، فلما ملك ابنه الأشرف خليل، جمع خاصكيته ومماليكه وتخير لهم الملابس الحسنة، وبدّل الكلوتات الجوخ والصفر، ورسم لجميع الأمراء أن يركبوا بين مماليكهم بالكلوتات الزركش والطرازات الزركش والكنابيش الزركش والأقبية الأطلس المعدني، حتى يميز الأمير بلبسه عن غيره، وكذلك في الملبوس الأبيض أن يكون رفيعا، واتخذ السروج المرصعة والأكوار المرصعة، فعرفت بالأشرفية، وكانت قبل ذلك سروجهم بقرابيس كبار شنعة، وركب كبار بشعة، فلما ملك ديار مصر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، استجدّ العمائم الناصرية، وهي صغار. فلما قام الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ عمل الكلوتات اليلبغاوية، وكانت كبارا، واستجدّ الأمير سلار في أيام الملك الناصر محمد القباء الذي يعرف بالسلاري، وكان قبل ذلك يعرف ببغلو طاق، فلما تملك الملك الظاهر برقوق عمل هذه الكلوتات الجركسية، وهي أكبر من اليلبغاوية، وفيها عوج. وأما الخلع، فإن السلطان كان إذا أمّر أحدا من

стр. 1087

الأتراك ألبسه الشربوش، وهو شيء يشبه التاج، كأنه شكل مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة، ويلبس معه على قدر رتبته، إمّا ثوب بخ، أو طرد وحش، أو غيره، فعرف هذا السوق بالشرابشيين نسبة إلى الشرابيش المذكورة، وقد بطل الشربوش في الدولة الجركسية. وكان بهذا السوق عدّة تجار لشراء التشاريف والخلع وبيعها على السلطان في ديوان الخاص وعلى الأمراء، وينال الناس من ذلك فوائد جليلة، ويقتنون بالمتجر في هذا الصنف سعادات طائلة، فلما كانت هذه الحوادث منع الناس من بيع هذا الصنف إلاّ للسلطان، وصار يجلس به قوم من عمال ناظر الخاص لشراء سائر ما يحتاج إليه، ومن اشترى من ذلك شيئا سوى عمال السلطان فله من العقاب ما قدّر عليه، والأمر على هذا إلى يومنا الذي نحن فيه. وأوّل من عملته خلع عليه من أهل الدول جعفر بن يحيى البرمكيّ، وذلك أنّ أمير المؤمنين هارون الرشيد قال في اليوم الذي انعقد له فيه الملك: يا أخي يا جعفر، قد أمرت لك بمقصورة في داري، وما يصلح لها من الفراش، وعشر جوارتكن فيها ليلة مبيتك عندنا. فقال: يا أمير المؤمنين ما من نعمة متواترة، ولا فضل متظاهر إلاّ ورأي أمير المؤمنين أجمل وأتم، ثم انصرف وقد خلع عليه الرشيد، وحمل بين يديه مائة بدرة دراهم ودنانير، وأمر الناس فركبوا إليه حتى سلموا عليه، وأعطاه خاتم الملك ليختم به على ما يريد، فبلغ بذلك صيته أقطار الأرض، ووصل إلى ما لم يصل إليه كاتب بعده، فاقتدي بالرشيد من بعده، وخلعوا على أولياء دولتهم وولاة أعمالهم، واستمرّ ذلك إلى اليوم. وأوّل ما عرف شدّ السيوف في أوساط الجند: أنّ سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك زنكي بن أق سنقر صاحب الموصل، أمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبابيس تحت ركبهم، فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف، وهو أيضا أوّل من حمل على رأسه الصنجق في ركوبه، وغازي هذا هو أخو الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ومات في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وولي الموصل بعده أخوه قطب الدين مودود. سوق الحوائصيين: هذا السوق يتصل بوسق الشرابشيين، وتباع فيه الحوائص، وهي التي كانت تعرف بالمنطقة في القديم، فكانت حوائص الأجناد أوّلا أربعمائة درهم فضة ونحوها، ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلثمائة دينار، وأمراء الطبلخانات مائتي دينار، ومقدّمي الحلقة من مائة وسبعين إلى مائة وخمسين دينارا، ثم صار الأمراء والخاصكية في الأيام الناصرية وما بعدها يتخذون الحياصة من الذهب، ومنها ما هو مرصع بالجوهر، ويفرّق السلطان في كل سنة على المماليك من حوائص الذهب والفضة شيئا كثيرا، وما زال الأمر على ذلك إلى أن ولي الناصر فرج، فلما كان في أيام الملك المؤيد

стр. 1088

شيخ، قلّ ذلك، ووجد في تركة الوزير الصاحب علم الدين عبد اللّه بن زنبور لما قبض عليه ستة آلاف حياصة، وستة آلاف كلوتة جهاركس، وما برح تجار هذا السوق من بياض العامة، وقد قلّ تجار هذا السوق في زمننا وصار أكثر حوانيته يباع فيها الطواقي التي يلبسها الصبيان، وصارت الآن من ملابس الأجناد. سوق الحلاويين: هذا السوق معدّ لبيع ما يتخذ من السكر حلوى، وإنما يعرف اليوم بحلاوة منوّعة، وكان من أبهج الأسواق لما يشاهد في الحوانيت التي بها من الأواني وآلات النحاس الثقيلة الوزن البديعة الصنعة ذات القيم الكبيرة، ومن الحلاوات المصنعة عدّة ألوان، وتسمى المجمعة، وشاهدت بهذا السوق السكّر ينادي عليه كل قنطار بمائة وسبعين درهما، فلما حدثت المحن وغلا السكر لخراب الدواليب التي كانت بالوجه القبليّ، وخراب مطابخ السكر التي كانت بمدينة مصر، قلّ عمل الحلوى، ومات أكثر صناعها، ولقد رأيت مرّة طبقا فيه نقل وعدّة شقاف من خزف أحمر في بعضها لبن وفي بعضها أنواع الأجبان، وفيما بين الشقاف الخيار والموز وكل ذلك من السكر المعمول بالصناعة، وكانت أيضا لهم عدّة أعمال من هذا النوع يحير الناظر حسنها، وكان هذا السوق في موسم شهر رجب من أحسن الأشياء منظرا، فإنه كان يصنع فيه من السكر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها، تسمى العلاليق، واحدها علاقة ترفع بخيوط على الحوانيت، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل، تشترى للأطفال، فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلئ أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف، وكذلك يعمل في موسم نصف شعبان، وقد بقي من ذلك إلى اليوم بقية غير طائلة، وكذلك كانت تروق رؤية هذا السوق في موسم عيد الفطر لكثرة ما يوضع فيه من حب الخشكنانج. وقطع البسندود والمشاش، ويشرع في عمل ذلك من نصف شهر رمضان فتملأ منه أسواق القاهرة ومصر والأرياف، ولم ير في موسم سنة سبع عشرة وثمانمائة من ذلك شيء بالأسواق البتة، فسبحان محيل الأحوال لا إله إلا هو. سوق الشوّايين: هذا السوق أوّل سوق وضع بالقاهرة، وكان يعرف بسوق الشرايحيين، وهو من باب حارة الروم إلى سوق الحلاويين، وما زال يعرف بسوق الشرايحيين إلى أن سكن فيه عدّة من بياعي الشواء، في حدود السبعمائة من سني الهجرة، فزالت عنه النسبة إلى الشرايحيين وعرف بالشوّايين، وهو الآن سكن المتعيشين، وانتقل سوق الشرايحيين في زماننا إلى خارج باب زويلة وعرف بالبسطيين، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. قال ابن زولاق في كتاب سيرة المعز، وفي شهر صفر من سنة خمس وستين وثلاثمائة أنشئ سوق الشرايحيين بالقاهرة، وذكر ذلك ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة. وكان في القديم باب زويلة الذي وضعه القائد جوهر عند رأس حارة الروم، حيث العقد المجاور الآن للمسجد الذي عرف اليوم بسام بن نوح، وكان بجواره باب آخر موضعه

стр. 1089

الآن سوق الماطيين، فلما نقل أمير الجيوش باب زويلة إلى حيث هو الآن، اتسع ما بين سوق الشرايحيين المذكور وبين باب زويلة الكبير، وصار الآن فيه سوق الغرابليين، وفيه عدّة حوانيت تعمل مناخل الدقيق والغرابيل، ويقابلهم عدّة حوانيت يصنع فيها الأغلاق المعروفة بالضبب، وما بعد ذلك إلى باب زويلة، فيه كثير من الحوانيت يجلس ببعضها عدّة من الجبانين لبيع أنواع الجبن المجلوب من البلاد الشامية، وأدركنا هناك إلى أن حدثت المحن من ذلك شيئا كثيرا يتجاوز الحد في الكثرة، وفي بعض تلك الحوانيت قوم يجلسون لعلاج من عساه ينصدع له عظم أو ينكسر أو يصيبه جرح يعرفون بالمجبرين، وهناك منهم بقية إلى يومنا هذا، وبقية الحوانيت ما بين صيارفة وبياعي طرف ومتعيشين في المآكل وغيرها. فهذه قصبة القاهرة، وما في ظاهر باب زويلة فإنه خارج القاهرة واللّه تعالى أعلم. الشارع خارج باب زويلة هذا الشارع هو تجاه من خرج من باب زويلة، ويمتدّ فيما بين الطريق السالك ذات اليمين إلى الخليج (١)، وبين الطريق المسلوك فيه ذات اليسار إلى قلعة الجبل. ولم يكن هذا الشارع موجودا على ما هو عليه الآن عند وضع القاهرة، وإنما حدث بعد وضعها بعدّة أعوم على غير هذه الهيئة، فلما كثرت العمائر خارج باب زويلة بعد سنة سبعمائة من سني الهجرة صار على ما هو عليه الآن، فأما أوّل أمره: فإن الخليفة الحاكم بأمر اللّه أنشأ الباب الجديد على يسرة الخارج من باب زويلة، على شاطئ بركة الفيل، وهذا الباب أدركت عقده عند رأس المنجبية بجوار سوق الطيور، ثم لما اختطت حارة اليانسية وحارة الهلالية صار ساحل بركة الفيل قبالتها، واتصلت العمائر من الباب الجديد إلى الفضاء الذي هو الآن خارج المشهد النفيسيّ، فلما كانت الشدّة العظمى في خلافة المستنصر وخربت القطائع والعسكر، صارت مواضعها خرابا إلى خلافة الآمر بأحكام اللّه، فعمر الناس حتى صارت مصر والقاهرة لا يتخللهما خراب، وبنى الناس في الشارع من الباب الجديد إلى الجبل عرضا حيث قلعة الجبل الآن، وبنى حائط يستر خراب القطائع والعسكر، فعمر من الباب الجديد طولا إلى باب الصفا بمدينة مصر، حتى صار المتعيشون بالقاهرة والمستخدمون يصلون العشاء الآخرة بالقاهرة ويتوجهون إلى سكنهم في مصر ولا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود من الباب الجديد خارج باب زويلة إلى باب الصفا، حيث الآن كوم الجارح، والمعاش مستمرّ في الليل والنهار.

стр. 1090

ووقف القاضي الرئيس المختار العدل زكيّ الدين أبو العباس أحمد بن مرتضى بن سيد الأهل بن يوسف، حصة من البستان الكبير المعروف يومئذ بالمخاريق الكبرى، الكائن فيما بين القاهرة ومصر بعدوة الخليج على الفربات، وشرط أنّ الناظر يشتري في كل فصل من فصول الشتاء من قماش الكتان الخام أو القطن ما يراه، ويعمل ذلك جبابا وبغالطيقا محشوّة قطنا، وتفرّق على الأيتام الذكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشارع الأعظم، خارج باب زويلة، فيدفع لكل واحد جبة واحدة أو بغلطاقا، فإن تعذر ذلك كان على الأيتام المتصفين بالصفات المذكورة بالقاهرة ومصر وقرافتيهما، وكان هذا الوقف في سنة ستين وستمائة. فلما كثرت العمائر خارج باب زويلة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون بعد سنة سبعمائة، صار هذا الشارع أوّله تجاه باب زويلة وآخره في الطول الصليبة التي تنتهي إلى جامع ابن طولون وغيره، لكنهم لا يريدون بالشارع سوى إلى باب القوس الذي بسوق الطيوريين، وهو الباب الجديد، وبعد باب القوس سوق الطيوريين، ثم سوق جامع قوصون وسوق حوض ابن هنس وسوق ربع طفجي، وهذه أسواق بها عدّة حوانيت، لكنها لا تنتهي إلى عظم أسواق القاهرة، بل تكون أبدا دونها بكثير، فهذا حال القصبة والشارع خارج باب زويلة، وقد بقيت عدّة أسواق في جانبي القصبة، ولها أبواب شارعة وفيها أسواق أخر في نواحي القاهرة، ومسالكها سيأتي ذكرها بحسب القدرة إن شاء اللّه تعالى. سويقة أمير الجيوش: هذه السويقة الآن فيما بين حارة برجوان وحارة بهاء الدين، كانت تعرف بسوق الخروقيين فيما بعد زوال الدولة الفاطمية، وفي هذا السوق عمر الأمير مازكوج الأسدي مدرسته المعروفة الآن بالأكجية، وأدركت الناس إلى هذا الزمن الذي نحن فيه لا يعرفون هذا السوق إلاّ بسوق أمير الجيوش، ويعبّرون عنه بصيغة التصغير، ولا أعرف لهم مستندا في ذلك، والذي تشهد به الأخبار أن سوق أمير الجيوش هو السوق الذي برأس حارة برجوان، ويمتدّ إلى رأس سويقة أمير الجيوش الآن، وهذه السويقة من أكبر أسواق القاهرة، بها عدّة حوانيت، فيها الرفاءون والحباكون، وعدّة حوانيت للرسامين، وعدّة حوانيت للفرّايين، وعدّة حوانيت للخياطين، ومعظمها لسكن البزازين والخلعيين، وفيها عدّة من بياعي الأقباع، ويباع في هذا السوق سائر الثياب المخيطة والأمتعة من الفرش ونحوها. وهو شارع من شوارع القاهرة، يسلك فيه من باب الفتوح وبين القصرين وباب النصر إلى باب القنطرة وشاطيء النيل وغيره، وكان ما بعد هذا السوق إلى باب القنطرة معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الظرائف والمغازل والكتان والأنواع من المأكل والعطر وغيره، وقد خرب أكثر هذه الحوانيت في سني المحنة وما بعدها، ولسويقة أمير الجيوش عدّة قياسر وفنادق واللّه أعلم. سوق الجملون الصغير: هذا السوق يسلك فيه من رأس سويقة أمير الجيوش إلى باب
следующие страницы →