← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وما زال بي حتى عرّفته أني اشتريتها من بعض تجار قيسارية الفاضل، فاستدعاه في الحال ودفعها إليه وأمره بإحضار ثمنها. ثم قال لي: لا تعد إلى لبس الجوخ، استهجانا له. فلما كانت هذه الحوادث وغلت الملابس دعت الضرورة أهل مصر إلى ترك أشياء مما كانوا فيه من الترفه، وصار معظم الناس يلبسون الجوخ، فتجد الأمير والوزير والقاضي ومن دونهم ممن ذكرنا لباسهم الجوخ، ولقد كان الملك الناصر فرج ينزل أحيانا إلى الإصطبل وعليه قجون من جوخ، وهو ثوب قصير الكمين والبدن، يخاط من الجوخ بغير بطانة من تحته ولا غشاء من فوقه، فتداول الناس لبسه، واجتلب الفرنج منه شيئا كثيرا لا توصف كثرته ومحل بيعه بهذا السوق، ويلي سوق الجوخيين هذا: سوق الشرابشيين: وهذا السوق مما أحدث بعد الدولة الفاطمية، ويباع فيها الخلع التي يلبسها السلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم، وإنما قيل له سوق الشرابشيين لأنه كان من الرسم في الدولة التركية أنّ السلطان والأمراء وسائر العساكر إنما يلبسون على رؤوسهم كلوتة صفراء مضرّبة تضريبا عريضا، ولها كلاليب بغير عمامة فوقها، وتكون شعورهم مضفورة مدلاة بدبوقة، وهي في كيس حرير إمّا أحمر أو أصفر، وأوساطهم مشدودة ببنود من قطن بعلبكيّ مصبوغ، عوضا عن الحوائص، وعليهم أقبية إمّا بيض أو مشجرة أحمر وأزرق، وهي ضيقة الأكمام على هيئة ملابس الفرنج اليوم، وإخفافهم من جلد بلغاريّ أسود، وفي أرجلهم من فوق الخف سقمان، وهو خف ثان، ومن فوق القبا كمران بحلق وأبزيم وصوالق بلغاري كبار يسع الواحد منها أكثر من نصف ويبة غلة، مغروز فيه منديل طوله ثلاثة أذرع، فلم يزل هذا زيهم منذ استولوا بديار مصر على الملك، من سنة ثمان وأربعين وستمائة، إلى أن قام في المملكة الملك المنصور قلاوون، فغيّر هذا الزيّ بأحسن منه، ولبسوا الشاشات، وأبطلوا لبس الكم الضيق، واقترح كل أحد من المنصورية ملابس حسنة، فلما ملك ابنه الأشرف خليل، جمع خاصكيته ومماليكه وتخير لهم الملابس الحسنة، وبدّل الكلوتات الجوخ والصفر، ورسم لجميع الأمراء أن يركبوا بين مماليكهم بالكلوتات الزركش والطرازات الزركش والكنابيش الزركش والأقبية الأطلس المعدني، حتى يميز الأمير بلبسه عن غيره، وكذلك في الملبوس الأبيض أن يكون رفيعا، واتخذ السروج المرصعة والأكوار المرصعة، فعرفت بالأشرفية، وكانت قبل ذلك سروجهم بقرابيس كبار شنعة، وركب كبار بشعة، فلما ملك ديار مصر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، استجدّ العمائم الناصرية، وهي صغار. فلما قام الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ عمل الكلوتات اليلبغاوية، وكانت كبارا، واستجدّ الأمير سلار في أيام الملك الناصر محمد القباء الذي يعرف بالسلاري، وكان قبل ذلك يعرف ببغلو طاق، فلما تملك الملك الظاهر برقوق عمل هذه الكلوتات الجركسية، وهي أكبر من اليلبغاوية، وفيها عوج. وأما الخلع، فإن السلطان كان إذا أمّر أحدا من

стр. 1087

الأتراك ألبسه الشربوش، وهو شيء يشبه التاج، كأنه شكل مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة، ويلبس معه على قدر رتبته، إمّا ثوب بخ، أو طرد وحش، أو غيره، فعرف هذا السوق بالشرابشيين نسبة إلى الشرابيش المذكورة، وقد بطل الشربوش في الدولة الجركسية. وكان بهذا السوق عدّة تجار لشراء التشاريف والخلع وبيعها على السلطان في ديوان الخاص وعلى الأمراء، وينال الناس من ذلك فوائد جليلة، ويقتنون بالمتجر في هذا الصنف سعادات طائلة، فلما كانت هذه الحوادث منع الناس من بيع هذا الصنف إلاّ للسلطان، وصار يجلس به قوم من عمال ناظر الخاص لشراء سائر ما يحتاج إليه، ومن اشترى من ذلك شيئا سوى عمال السلطان فله من العقاب ما قدّر عليه، والأمر على هذا إلى يومنا الذي نحن فيه. وأوّل من عملته خلع عليه من أهل الدول جعفر بن يحيى البرمكيّ، وذلك أنّ أمير المؤمنين هارون الرشيد قال في اليوم الذي انعقد له فيه الملك: يا أخي يا جعفر، قد أمرت لك بمقصورة في داري، وما يصلح لها من الفراش، وعشر جوارتكن فيها ليلة مبيتك عندنا. فقال: يا أمير المؤمنين ما من نعمة متواترة، ولا فضل متظاهر إلاّ ورأي أمير المؤمنين أجمل وأتم، ثم انصرف وقد خلع عليه الرشيد، وحمل بين يديه مائة بدرة دراهم ودنانير، وأمر الناس فركبوا إليه حتى سلموا عليه، وأعطاه خاتم الملك ليختم به على ما يريد، فبلغ بذلك صيته أقطار الأرض، ووصل إلى ما لم يصل إليه كاتب بعده، فاقتدي بالرشيد من بعده، وخلعوا على أولياء دولتهم وولاة أعمالهم، واستمرّ ذلك إلى اليوم. وأوّل ما عرف شدّ السيوف في أوساط الجند: أنّ سيف الدين غازي بن عماد الدين أتابك زنكي بن أق سنقر صاحب الموصل، أمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبابيس تحت ركبهم، فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف، وهو أيضا أوّل من حمل على رأسه الصنجق في ركوبه، وغازي هذا هو أخو الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ومات في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وولي الموصل بعده أخوه قطب الدين مودود. سوق الحوائصيين: هذا السوق يتصل بوسق الشرابشيين، وتباع فيه الحوائص، وهي التي كانت تعرف بالمنطقة في القديم، فكانت حوائص الأجناد أوّلا أربعمائة درهم فضة ونحوها، ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلثمائة دينار، وأمراء الطبلخانات مائتي دينار، ومقدّمي الحلقة من مائة وسبعين إلى مائة وخمسين دينارا، ثم صار الأمراء والخاصكية في الأيام الناصرية وما بعدها يتخذون الحياصة من الذهب، ومنها ما هو مرصع بالجوهر، ويفرّق السلطان في كل سنة على المماليك من حوائص الذهب والفضة شيئا كثيرا، وما زال الأمر على ذلك إلى أن ولي الناصر فرج، فلما كان في أيام الملك المؤيد

стр. 1088

شيخ، قلّ ذلك، ووجد في تركة الوزير الصاحب علم الدين عبد اللّه بن زنبور لما قبض عليه ستة آلاف حياصة، وستة آلاف كلوتة جهاركس، وما برح تجار هذا السوق من بياض العامة، وقد قلّ تجار هذا السوق في زمننا وصار أكثر حوانيته يباع فيها الطواقي التي يلبسها الصبيان، وصارت الآن من ملابس الأجناد. سوق الحلاويين: هذا السوق معدّ لبيع ما يتخذ من السكر حلوى، وإنما يعرف اليوم بحلاوة منوّعة، وكان من أبهج الأسواق لما يشاهد في الحوانيت التي بها من الأواني وآلات النحاس الثقيلة الوزن البديعة الصنعة ذات القيم الكبيرة، ومن الحلاوات المصنعة عدّة ألوان، وتسمى المجمعة، وشاهدت بهذا السوق السكّر ينادي عليه كل قنطار بمائة وسبعين درهما، فلما حدثت المحن وغلا السكر لخراب الدواليب التي كانت بالوجه القبليّ، وخراب مطابخ السكر التي كانت بمدينة مصر، قلّ عمل الحلوى، ومات أكثر صناعها، ولقد رأيت مرّة طبقا فيه نقل وعدّة شقاف من خزف أحمر في بعضها لبن وفي بعضها أنواع الأجبان، وفيما بين الشقاف الخيار والموز وكل ذلك من السكر المعمول بالصناعة، وكانت أيضا لهم عدّة أعمال من هذا النوع يحير الناظر حسنها، وكان هذا السوق في موسم شهر رجب من أحسن الأشياء منظرا، فإنه كان يصنع فيه من السكر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها، تسمى العلاليق، واحدها علاقة ترفع بخيوط على الحوانيت، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل، تشترى للأطفال، فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلئ أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف، وكذلك يعمل في موسم نصف شعبان، وقد بقي من ذلك إلى اليوم بقية غير طائلة، وكذلك كانت تروق رؤية هذا السوق في موسم عيد الفطر لكثرة ما يوضع فيه من حب الخشكنانج. وقطع البسندود والمشاش، ويشرع في عمل ذلك من نصف شهر رمضان فتملأ منه أسواق القاهرة ومصر والأرياف، ولم ير في موسم سنة سبع عشرة وثمانمائة من ذلك شيء بالأسواق البتة، فسبحان محيل الأحوال لا إله إلا هو. سوق الشوّايين: هذا السوق أوّل سوق وضع بالقاهرة، وكان يعرف بسوق الشرايحيين، وهو من باب حارة الروم إلى سوق الحلاويين، وما زال يعرف بسوق الشرايحيين إلى أن سكن فيه عدّة من بياعي الشواء، في حدود السبعمائة من سني الهجرة، فزالت عنه النسبة إلى الشرايحيين وعرف بالشوّايين، وهو الآن سكن المتعيشين، وانتقل سوق الشرايحيين في زماننا إلى خارج باب زويلة وعرف بالبسطيين، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. قال ابن زولاق في كتاب سيرة المعز، وفي شهر صفر من سنة خمس وستين وثلاثمائة أنشئ سوق الشرايحيين بالقاهرة، وذكر ذلك ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة. وكان في القديم باب زويلة الذي وضعه القائد جوهر عند رأس حارة الروم، حيث العقد المجاور الآن للمسجد الذي عرف اليوم بسام بن نوح، وكان بجواره باب آخر موضعه

стр. 1089

الآن سوق الماطيين، فلما نقل أمير الجيوش باب زويلة إلى حيث هو الآن، اتسع ما بين سوق الشرايحيين المذكور وبين باب زويلة الكبير، وصار الآن فيه سوق الغرابليين، وفيه عدّة حوانيت تعمل مناخل الدقيق والغرابيل، ويقابلهم عدّة حوانيت يصنع فيها الأغلاق المعروفة بالضبب، وما بعد ذلك إلى باب زويلة، فيه كثير من الحوانيت يجلس ببعضها عدّة من الجبانين لبيع أنواع الجبن المجلوب من البلاد الشامية، وأدركنا هناك إلى أن حدثت المحن من ذلك شيئا كثيرا يتجاوز الحد في الكثرة، وفي بعض تلك الحوانيت قوم يجلسون لعلاج من عساه ينصدع له عظم أو ينكسر أو يصيبه جرح يعرفون بالمجبرين، وهناك منهم بقية إلى يومنا هذا، وبقية الحوانيت ما بين صيارفة وبياعي طرف ومتعيشين في المآكل وغيرها. فهذه قصبة القاهرة، وما في ظاهر باب زويلة فإنه خارج القاهرة واللّه تعالى أعلم. الشارع خارج باب زويلة هذا الشارع هو تجاه من خرج من باب زويلة، ويمتدّ فيما بين الطريق السالك ذات اليمين إلى الخليج (١)، وبين الطريق المسلوك فيه ذات اليسار إلى قلعة الجبل. ولم يكن هذا الشارع موجودا على ما هو عليه الآن عند وضع القاهرة، وإنما حدث بعد وضعها بعدّة أعوم على غير هذه الهيئة، فلما كثرت العمائر خارج باب زويلة بعد سنة سبعمائة من سني الهجرة صار على ما هو عليه الآن، فأما أوّل أمره: فإن الخليفة الحاكم بأمر اللّه أنشأ الباب الجديد على يسرة الخارج من باب زويلة، على شاطئ بركة الفيل، وهذا الباب أدركت عقده عند رأس المنجبية بجوار سوق الطيور، ثم لما اختطت حارة اليانسية وحارة الهلالية صار ساحل بركة الفيل قبالتها، واتصلت العمائر من الباب الجديد إلى الفضاء الذي هو الآن خارج المشهد النفيسيّ، فلما كانت الشدّة العظمى في خلافة المستنصر وخربت القطائع والعسكر، صارت مواضعها خرابا إلى خلافة الآمر بأحكام اللّه، فعمر الناس حتى صارت مصر والقاهرة لا يتخللهما خراب، وبنى الناس في الشارع من الباب الجديد إلى الجبل عرضا حيث قلعة الجبل الآن، وبنى حائط يستر خراب القطائع والعسكر، فعمر من الباب الجديد طولا إلى باب الصفا بمدينة مصر، حتى صار المتعيشون بالقاهرة والمستخدمون يصلون العشاء الآخرة بالقاهرة ويتوجهون إلى سكنهم في مصر ولا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود من الباب الجديد خارج باب زويلة إلى باب الصفا، حيث الآن كوم الجارح، والمعاش مستمرّ في الليل والنهار.

стр. 1090

ووقف القاضي الرئيس المختار العدل زكيّ الدين أبو العباس أحمد بن مرتضى بن سيد الأهل بن يوسف، حصة من البستان الكبير المعروف يومئذ بالمخاريق الكبرى، الكائن فيما بين القاهرة ومصر بعدوة الخليج على الفربات، وشرط أنّ الناظر يشتري في كل فصل من فصول الشتاء من قماش الكتان الخام أو القطن ما يراه، ويعمل ذلك جبابا وبغالطيقا محشوّة قطنا، وتفرّق على الأيتام الذكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشارع الأعظم، خارج باب زويلة، فيدفع لكل واحد جبة واحدة أو بغلطاقا، فإن تعذر ذلك كان على الأيتام المتصفين بالصفات المذكورة بالقاهرة ومصر وقرافتيهما، وكان هذا الوقف في سنة ستين وستمائة. فلما كثرت العمائر خارج باب زويلة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون بعد سنة سبعمائة، صار هذا الشارع أوّله تجاه باب زويلة وآخره في الطول الصليبة التي تنتهي إلى جامع ابن طولون وغيره، لكنهم لا يريدون بالشارع سوى إلى باب القوس الذي بسوق الطيوريين، وهو الباب الجديد، وبعد باب القوس سوق الطيوريين، ثم سوق جامع قوصون وسوق حوض ابن هنس وسوق ربع طفجي، وهذه أسواق بها عدّة حوانيت، لكنها لا تنتهي إلى عظم أسواق القاهرة، بل تكون أبدا دونها بكثير، فهذا حال القصبة والشارع خارج باب زويلة، وقد بقيت عدّة أسواق في جانبي القصبة، ولها أبواب شارعة وفيها أسواق أخر في نواحي القاهرة، ومسالكها سيأتي ذكرها بحسب القدرة إن شاء اللّه تعالى. سويقة أمير الجيوش: هذه السويقة الآن فيما بين حارة برجوان وحارة بهاء الدين، كانت تعرف بسوق الخروقيين فيما بعد زوال الدولة الفاطمية، وفي هذا السوق عمر الأمير مازكوج الأسدي مدرسته المعروفة الآن بالأكجية، وأدركت الناس إلى هذا الزمن الذي نحن فيه لا يعرفون هذا السوق إلاّ بسوق أمير الجيوش، ويعبّرون عنه بصيغة التصغير، ولا أعرف لهم مستندا في ذلك، والذي تشهد به الأخبار أن سوق أمير الجيوش هو السوق الذي برأس حارة برجوان، ويمتدّ إلى رأس سويقة أمير الجيوش الآن، وهذه السويقة من أكبر أسواق القاهرة، بها عدّة حوانيت، فيها الرفاءون والحباكون، وعدّة حوانيت للرسامين، وعدّة حوانيت للفرّايين، وعدّة حوانيت للخياطين، ومعظمها لسكن البزازين والخلعيين، وفيها عدّة من بياعي الأقباع، ويباع في هذا السوق سائر الثياب المخيطة والأمتعة من الفرش ونحوها. وهو شارع من شوارع القاهرة، يسلك فيه من باب الفتوح وبين القصرين وباب النصر إلى باب القنطرة وشاطيء النيل وغيره، وكان ما بعد هذا السوق إلى باب القنطرة معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الظرائف والمغازل والكتان والأنواع من المأكل والعطر وغيره، وقد خرب أكثر هذه الحوانيت في سني المحنة وما بعدها، ولسويقة أمير الجيوش عدّة قياسر وفنادق واللّه أعلم. سوق الجملون الصغير: هذا السوق يسلك فيه من رأس سويقة أمير الجيوش إلى باب

стр. 1091

الجوانية وباب النصر ورحبة باب العيد، وهو مجاور لدرب الفرحية، وفيه المدرسة الصيرمية، وباب زيادة الجامع الحاكمي، وكان أوّلا يعرف بالأمراء القرشيين بني النوري، ثم عرف بالجملون الصغير، وبجملون ابن صيرم، وهو الأمير جمال الدين شويخ بن صيرم، أحد الأمراء في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وإليه تنسب المدرسة الصيرمية، والخط المعروف خارج باب الفتوح ببستان ابن صيرم، وأدركت هذا الجملون معمور الجانبين من أوّله إلى آخره بالحوانيت، ففي أوّله كثير من البزازين الذين يبيعون ثياب الكتان من الخام والأزرق وأنواع الطرح وأصناف ثياب القطن، وينادي فيه على الثياب بحراج حراج، وفيه عدّة من الخياطين، وعدّة من البابية المعدّين لغسل الثياب وصقالها، وبآخره كثير من الضبيين بحيث لو أراد أحد أن يشتري منه ألف ضبة في يوم لما عسر عليه ذلك، فلما حدثت المحن خرب هذا السوق بخلوّ حوانيته، وصار مقفرا من ساكنيه، ثم إنه عمر بعد سنة عشر وثمانمائة، وفيه الآن نفر من البزازين وقليل ممن سواهم. سوق المحايريين: هذا السوق فيما بين الجامع الأقمر وبين جملون ابن صيرم، يسلك فيه من سوق حارة برجوان ومن سوق الشماعين إلى الركن المخلق ورحبة باب العيد، وهو من شوارع القاهرة المسلوكة، وفيه عدّة حوانيت لعمل المحاير التي يسافر فيها إلى الحجاز وغيره، وكان فيه تاجران قد تراضيا على ما يشتريانه من المحاير المعرّضة للبيع، ولهذا السوق موسم عظيم عند سفر الحاج وعند سفر الناس إلى القدس. وبلغني عن شيخ كان بهذا السوق أنه أوصى بعض صبيانه فقال له: يا بنيّ لا تراع أحدا في بيع، فإنه لا يحتاج إليك إلاّ مرّة في عمره، فخذ عدلك في ثمن المحارة، فإنك لا تخشى من عوده مرّة أخرى إليك، وسوف إذا عاد من سفره إما إلى الحجاز أو القدس فإنه يحتاج إلى بيعها، فتراقد عليه في ثمنها واشترها بالرخيص. وكذلك يفعل أهل هذا السوق إلى اليوم، فإنهم لا يراعون بائعا ولا مشتريا، إلا أن سوقهم لم يبق كما أدركناه، فإنه حدث سوق آخر يباع فيه المحاير بسوق الجامع الطولوني، وصار بسوق الخيميين أيضا صناع للمحاير، وبلغني أنّ بالمحايريين هذا أوقف أهل مصر امرأة من جريد مؤتزرة، بيدها ورقة فيها سب الخليفة الحاكم بأمر اللّه ولعنه، عندما منع النساء من الخروج في الطرقات، فعندما مرّ من هناك حسبها امرأة تسأله حاجة. فأمر بأخذ الورقة منها، فإذا فيها من السب ما أغضبه، فأمر بها أن تؤخذ، فإذا هي من جريد قد ألبس ثيابا وعمل كهيئة امرأة، فاشتدّ عند ذلك غضبه وأمر العبيد بإحراق مدينة مصر فأضرموا فيها النار. ولم أقف على هذا الخبر مسطورا، وقد ذكر المسبحيّ حريق الحاكم بأمر اللّه لمصر ولم يذكر قصة المرأة. الصاغة: هذا المكان تجاه المدارس الصالحية بخط بين القصرين. قال ابن عبد

стр. 1092

الظاهر: الصاغة بالقاهرة كانت مطبخا للقصر، يخرج إليه من باب الزهومة، وهو الباب الذي هدم وبني مكانه قاعة شيخ الحنابلة من المدارس الصالحية، وكان يخرج من المطبخ المذكور مدّة شهر رمضان ألف ومائتا قدر من جميع الألوان في كل يوم، تفرّق على أرباب الرسوم والضعفاء، وسمّي باب الزهومة، أي باب الزفر، لأنه لا يدخل باللحم وغيره إلا منه، فاختص بذلك. انتهى. والصاغة الآن وقف على المدارس الصالحية، وقفها الملك السعيد بركة خان المسمى بناصر الدين محمد ولد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على الفقهاء المقرّرين بالمدارس الصالحية. سوق الكتبيين: هذا السوق فيما بين الصاغة والمدرسة الصالحية، أحدث فيما أظن بعد سنة سبعمائة، وهو جار في أوقاف المارستان المنصوري، وكان سوق الكتب قبل ذلك بمدينة مصر تجاه الجانب الشرقي من جامع عمرو بن العاص في أوّل زقاق القناديل، بجوار دار عمرو، وأدركته وفيه بقية بعد سنة ثمانين وسبعمائة، وقد دثر الآن فلا يعرف موضعه، وكان قد نقل سوق الكتبيين من موضعه الآن بالقاهرة إلى قيسارية كانت فيما بين سوق الدجاجين المجاور للجامع الأقمر، وبين سوق الحصريين المجاور للركن المخلق، وكان يعلو هذه القيسارية ربع فيه عدّة مساكن، فتضرّرت الكتب من نداوة أقبية البيوت وفسد بعضها، فعادوا إلى سوق الكتب الأوّل حيث هو الآن، وما برح هذا السوق مجمعا لأهل العلم يتردّدون إليه. وقد أنشدت قديما لبعضهم: مجالسة السوق مذمومة … ومنها مجالس قد تحتسب فلا تقربنّ غير سوق الجياد … وسوق السلاح وسوق الكتب فهاتيك آلة أهل الوغى … وهاتيك آلة أهل الأدب سوق الصنادقيين: هذا السوق تجاه المدرسة السيوفية، كان موضعه في القديم من جملة المارستان، ثم عرف بفندق الدبابليين، وقيل له الآن سوق الصنادقيين، وفيه تباع الصناديق والخزائن والأسرّة مما يعمل من الخشب، وكان ما بظاهرها قديما يعرف بسكن الدجاجين، وأدركناه يعرف بسوق السيوفيين، وكان فيه عدّة طباخين لا يزال دخان كوانينهم منعقدا لكثرته. حتى قال لي شيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي: أن قاضي القضاة جلال الدين جاد اللّه قال له: هذا السوق قطب دائرة الدخان، وفي سوق الصنادقيين إلى الآن بقية. سوق الحريريين: هذا السوق من باب قيسارية العنبر إلى خط البندقانيين، كان يعرف قديما بسقيفة العداس، ثم عمل صاغة القاهرة، ثم سكن هناك الأساكفة.

стр. 1093

قال ابن عبد الظاهر: وكانت الصاغة قديما فيما تقدّم مكان الأساكفة الآن، وهو إلى الآن معروف بالصاغة القديمة، وكان يعرف بسقيفة العداس، كذا رأيت في كتب الأملاك، وعرف هذا السوق في زماننا بالحريريين الشراربيين، وعرف بعضه بسوق الزجاجين، وكان يسكن فيه أيضا الأساكفة، فلما أنشأ الأمير يونس الدوادار القيسارية على بئر زويلة بخط البندقانيين في أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، نقل الأساكفة من هذا الخط، ونقل منه أيضا بياعي أخفاف النساء إلى قيساريته وحوانيته المذكورة. سوق العنبريين: هذا السوق فيما بين سوق الحريريين الشراربيين وبين قيسارية العصفر، وهو تجاه الخرّاطين، كان في الدولة الفاطمية مكانه سجنا لأرباب الجرائم يعرف بحبس المعونة، وكان شنيع المنظر ضيقا لا يزال من يجتاز عليه يجد منه رائحة منكرة، فلما كان في الدولة التركية وصار قلاوون من جملة الأمراء الظاهرية بيبرس، صار يمرّ من داره إلى قلعة الجبل على حبس المعونة هذا فيشمّ منه رائحة رديئة ويسمع منه صراخ المسجونين وشكواهم الجوع والعري والقمل، فجعل على نفسه أنّ اللّه تعالى جعل له من الأمر شيئا أن يبني هذا الحبس مكانا حسنا، فلما صار إليه ملك ديار مصر والشام هدم حبس المعونة وبناه سوقا ليسكنه بياعي العنبر، وكان للعنبر إذ ذاك بديار مصر نفاق، وللناس فيه رغبة زائدة، لا يكاد يوجد بأرض مصر امرأة وإن سفلت إلاّ ولها قلادة من عنبر، وكان يتّخذ منه المخادّ والكلل والستور وغيرها، وتجار العنبر يعدّون من بياض الناس، ولهم أموال جزيلة، وفيه رؤساء وأجلاّء، فلما صار الملك إلى الملك الناصر محمد بن قلاون جعل هذا السوق وما فوقه من المساكن وقفا على الجامع الذي أنشأه بظاهر مصر جوار موردة الخلفاء المعروف بالجامع الجديد الناصري، وهو جار في أوقافه إلى يومنا هذا، إلاّ أن العنبر من بعد سنة سبعين وسبعمائة كثر فيه الغش حتى صار اسما لا معنى له، وقلّت رغبة الناس في استعماله، فتلاشى أمر هذا السوق بالسنة لما كان، ثم لما حدثت المحن بعد سنة ست وثمانمائة قلّ ترفّه أهل مصر عن استعمال الكثير من العنبر، فطرق هذا السوق ما طرق غيره من أسواق البلد، وبقيت فيه بقية يسيرة إلى أن خلع الخليفة المستعين بالله العباسي بن محمد في سنة خمس عشرة وثمانمائة، وكان نظر الجامع الجديد بيده وبيد أبيه الخليفة المتوكل على اللّه محمد، فقصد بعض سفهاء العامّة يكاتبه بتعطيل هذا السوق، فاستأجر قيسارية العصفر ونقل سوق العنبر إليها، وصار معطلا نحو سنتين، ثم عاد أهل العنبر إلى هذا السوق على عادتهم في سنة ثمان عشرة وثمانمائة. سوق الخرّاطين: هذا السوق يسلك فيه من سوق المهامزيين إلى الجامع الأزهر وغيره، وكان قديما يعرف بعقبة الصباغين، ثم عرف بسوق القشاشين، وكان فيما بين دار الضرب والوكالة الآمرية وبين المارستان، ثم عرف الآن بسوق الخرّاطين، وكان سوقا كبيرا

стр. 1094

معمورا لجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع المهد الذي يربى فيه الأطفال، وحوانيت الخرّاطين، وحوانيت صناع السكاكين، وصناع الدوى، يشتمل على نحو الخمسين حانوتا، فلما حدثت المحن تلاشى هذا السوق، واغتصب الأمير جمال الدين يوسف الاستادار منه عدّة حوانيت، من أوّله إلى الحمام التي تعرف بحمام الخرّاطين، وشرع في عمارتها، فعوجل بالقتل قبل إتمامها، وقبض عليها الملك الناصر فرج فيما أحاط به من أمواله وأدخلها في الديوان. فقام بعمارة الحوانيت التي تجاه قيسارية العصفر من درب الشمسي إلى أوّل الخرّاطين القاضي الرئيس تقيّ الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر، فلما كملت جعلها الملك الناصر فيما هو موقوف على ترتبته التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر، وأفرد الحمّام وبعض الحوانيت القديمة للمدرسة التي أنشأها الأمير جمال الدين يوسف الأستادار برحبة باب العيد، وما يقابل هذه الحوانيت هو وما فوقه وقف على المدرسة القراسنقرية وغيرها، وهو متخرّب متهدّم. سوق الجملون الكبير: هذا السوق بوسط سوق الشرابشيين، يتوصل منه إلى البندقانيين وإلى حارة الجودرية وغيرها، أنشئ فيه حوانيت سكنها البزازون، وقفه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون على تربة مملوكه بلبغا التركمانيّ عند ما مات في سنة سبع وسبعمائة، ثم عمل عليه بابان بطرفيه بعد سنة تسعين وسبعمائة، فصارت تغلق في الليل، وكان فيما أدركناه شارعا مسلوكا طول الليل، يجلس تجاه صاحب العسس، الذي عرفته العامة في زماننا بوالي الطوف، من بعد صلاة العشاء في كل ليلة، وينصب قدّامه مشعل يشعل بالنار طول الليل، وحوله عدّة من الأعوان وكثير من السقائين والنجارين والقصارين والهدّادين بنوب مقرّرة لهم، خوفا من أن يحدث بالقاهرة في الليل حريق فيتداركون إطفاءه، ومن حدث منه في الليل خصومة، أو وجد سكران، أو قبض عليه من السرّاق، تولى أمره والي الطوف وحكم فيه بما يقتضيه الحال. فلما كانت الحوادث بطل هذا الرسم في جملة ما بطل، وهذا السوق الآن جار في وقف … (١). سوق الفرّايين: هذا السوق يسلك فيه من سوق الشرابشيين إلى الأكفانيين والجامع الأزهر وغير ذلك. كان قديما يعرف بسوق الخروقيين، ثم سكن فيه صناع الفراء وتجّاره، فعرف بهم، وصار بهذا السوق في أيام الملك الظاهر برقوق من أنواع الفراء ما يجلّ أثمانها وتتضاعف قيمها، لكثرة استعمال رجال الدولة من الأمراء والمماليك لبس السمور والوشق والقماقم والسنجاب، بعد ما كان ذلك في الدولة التركية من أعز الأشياء التي لا يستطيع أحد أن يلبسها، ولقد أخبرني الطواشي الفقيه الكاتب الحاسب الصوفيّ زين الدين مقبل الروميّ الجنس المعروف بالشامي، عتيق السلطان الملك الناصر الحسين بن محمد بن قلاون: أنه

стр. 1095

وجب في تركة بعض أمراء السلطان حسن قباء بفرو قاقم، فاستكثر ذلك عليه وتعجب منه، وصار يحكى ذلك مدّة لعزّة هذا الصنف واحترامه، لكونه من ملابس السلطان وملابس نسائه، ثم تبذلت الأصناف المذكورة حتى صار يلبس السمور آحاد الأجناد وآحاد الكتاب، وكثير من العوام، ولا تكاد امرأة من نساء بياض الناس تخلو من لبس السمور ونحوه، وإلى الآن عند الناس من هذا الصنف وغيره من الفرو شيء كثير. سوق البخانقيين: هذا السوق فيما بين سوق الجملون الكبير وبين قيسارية الشرب الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى عند ذكر القياسر. وباب هذا السوق شارع من القصبة، ويعرف بسوق الخشيبة تصغير خشبة، فإنه عمل على بابه المذكور خشبة تمنع الراكب من التوصل إليه، ويسلك من هذا السوك إلى قيسارية الشرب وغيرها. وهو معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الكوافي والطواقي التي تلبسها الصبيان والبنات، وبظاهر هذا السوق أيضا في القصة عدّة حوانيت لبيع الطواقي وعملها، وقد كثر لبس رجال الدولة من الأمراء والمماليك والأجناد ومن يتشبه بهم للطواقي في الدولة الجركسية، وصاروا يلبسون الطاقية على رؤوسهم بغير عمامة، ويمرّون كذلك في الشوارع والأسواق والجوامع والمواكب لا يرون بذلك بأسا بعد ما كان نزع العمامة عن الرأس عارا وفضيحة، ونوّعوا هذه الطواقي ما بين أخضر وأحمر وأزرق وغيره من الألفوان، وكانت أوّلا ترتفع نحو سدس ذراع، ويعمل أعلاها مدوّرا مسطحا، فحدث في أيام الملك الناصر فرج منها شيء عرف بالطواقي الجركسية، يكون ارتفاع عصابة الطاقية منها نحو ثلثي ذراع، وأعلاها مدوّر مقبب، وبالغوا في تبطين الطاقية بالورق والكتيرة، فيما بين البطانة المباشرة للرأس والوجه الظاهر للناس، وجعلوا من أسفل العصابة المذكورة زيقا من فرو القرض الأسود يقال له القندس، في عرض نحو ثمن ذراع، يصير دائرا بجبهة الرجل وأعلى عنقه، وهم على استعمال هذا الزيّ إلى اليوم، وهو من أسمج ما عانوه، ويشبه الرجال في لبس ذلك بالنساب لمعنيين، أحدهما أنه فشا في أهل الدولة محبة الذكران، ليستملن قلوب رجالهنّ، فاقتدى بفعلهنّ في ذلك عامة نساء البلد. وثانيهما ما حدث بالناس من الفقر ونزل بهم من الفاقة، فاضطرّ حال نساء أهل مصر إلى ترك ما أدركنا فيه النساء من لبس الذهب والفضة والجواهر ولبس الحرير، حتى لبسن هذه الطواقي وبالغن في عملها من الذهب والحرير وغيره، وتواصين على لبسها، ومن تأمل أحوال الوجود عرف كيف تنشأ أمور الناس في عاداتهم وأخلاقهم ومذاهبهم. سوق الخلعيين: هذا السوق فيما بين قيسارية الفاضل الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى، وبين باب زويلة الكبير، وكان يعرف قديما بالخشابين، وعرف اليوم بالزقيق تصغير زقاق، وعرف أيضا بسوق الخلعيين، كأنه جمع خلعيّ، والخلعيّ في زماننا هو الذي يتعاطى بيع الثياب الخليع، وهي التي قد لبست، وهذا السوق اليوم من أعمر أسواق القاهرة لكثرة ما يباع فيه من ملابس أهل الدولة وغيرهم، وأكثر ما يباع فيه الثياب المخيطة، وهو معمور

стр. 1096

الجوانب بالحوانيت، ويسلك فيه من القصبة ليلا ونهارا إلى حارة الباطلية. وخوخة أيدغمش وغير ذلك، وفي داخل القاهرة أيضا عدّة أسواق وقد خرب الآن أكثرها. سويقة الصاحب: هذه السويقة يسلك إليها من خط البندقانيين ومن باب الخوخة وغير ذلك، وهي من الأسواق القديمة كانت في الدولة الفاطمية تعرف بسويقة الوزير، يعني أبا الفرج يعقوب بن كلس وزير الخليفة العزيز بالله نزار بن المعز الذي تنسب إليه حارة الوزيرية، فإنها كانت على باب داره التي عرفت بعده في الدولة الفاطمية بدار الديباج، وصار موضعها الآن المدرسة الصاحبية، ثم صارت تعرف بسويقة دار الديباج يعني دار الطراز، ينسج فيها الديباج الذي هو الحرير، وقيل لذلك الموضع كله خط دار الديباج، ثم عرف هذا السوق بالسوق الكبير في أخريات الدولة الفاطمية، فلما ولي صفيّ الدين عبد اللّه بن شكر الدميري وزارة الملك العادل أبي بكر بن أيوب سكن في هذا الخط، وأنشأ به مدرسته التي تعرف إلى اليوم بالمدرسة الصاحبية، وأنشأ به أيضا رباطه وحمامه المجاورين للمدرسة المذكورة، عرفت من حينئذ هذه السويقة بسويقة الصاحب المذكور، واستمرّت تعرف بذلك إلى يومنا هذا، ولم تزل من الأسواق المعتبرة، يوجد فيها أكثر ما يحتاج إليه من المآكل، لوفور نعم من يسكن هنالك من الوزراء وأعيان الكتاب، فلما حدثت المحن طرقها ما طرق غيرها من أسواق القاهرة فاختلت عما كانت وفيها بقية. سوق البندقانيين: هذا السوق يسلك إليه من سوق الزجاجين ومن سويقة الصاحب ومن سوق الأبزاريين وغيره، وكان يعرف قديما بسوق بئر زويلة، وكان هناك بئر قديمة تعرف ببئر زويلة برسم اصطبل الجميزة الذي كان فيه خيول الخلفاء الفاطميين، وصار موضعه خط البندقانيين بعد ذلك كما ذكر عند اصطبلات الخلفاء الفاطميين من هذا الكتاب، وموضع هذه البئر اليوم قيسارية يونس والربع الذي يعلوها، وبقي منها موضع ركب عليه حجر وأعدّت لملء السقائين منها، فلما زالت الدولة واختط موضع اصطبل الجميزة الدور وغيرها، وعرف موضع الاصطبل بالبندقانيين، قيل لهذا السوق سوق البندقانيين، وأدركته سوقا كبيرا معمور الجانبين بالحوانيت التي قد تهدّم أعلاها منذ كان الحريق بالبندقانيين في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، كما ذكر في خط البندقانيين عند ذكر الأخطاط من هذا الكتاب، وفي هذا السوق كثير من أرباب المعاش المعدّين لبيع المأكولات من الشواء والطعام المطبوخ وأنواع الأجبان والألبان والبوارد والخبز والفواكه، وعدّة كثيرة من صناع قسيّ البندق، وكثير من الرسامين، وكثير من بياعي الفقاع. فلما حدثت المحن بعد سنة ست وثمانمائة اختلّ هذا السوق خللا كبيرا وتلاشى أمره. سوق الأخفافيين: هذا السوق بجوار سوق البندقانيين، يباع فيه الآن خفاف النسوان ونعالهنّ، وهو سوق مستجدّ أنشأه الأمير يونس النوروزيّ دوادار الملك الظاهر برقوق في

стр. 1097

سنة بضع وثمانين وسبعمائة، ونقل إليه الأخفافيين بياعي أخفاف النساء من خط الحريريين والزجاجين، وكان مكانه مما خرب في حريق البندقانيين، فركب بعض القيسارية على بئر زويلة وجعل بابها تجاه درب الأنجب، وبنى بأعلاها ربعا كبيرا فيه عدّة مساكن، وجعل الحوانيت بظاهرها وبظاهر درب الأنجب، وبنى فوقها أيضا عدّة مساكن، فعمر ذلك الخط بعمارة هذه الأماكن، وبه إلى الآن سكن بياعي أخفاف النساء ونعالهنّ، التي يقال للنعل منها سر موزه، وهو لفظ فارسيّ معناه رأس الخف، فإن سر رأس وموزه خف. سوق الكفتيين: هذا السوق يسلك إليه من البندقانيين ومن حارة الجودرية ومن الجملون الكبير وغيره، ويشتمل على عدّة حوانيت لعمل الكفت، وهو ما تطعّم به أواني النحاس من الذهب والفضة، وكان لهذا الصنف من الأعمال بديار مصر رواج عظيم، وللناس في النحاس المكفت رغبة عظيمة، أدركنا من ذلك شيئا لا يبلغ وصفه واصف لكثرته، فلا تكاد دار تخلو بالقاهرة ومصر من عدّة قطع نحاس مكفت، ولا بدّ أن يكون في شورة العروس دكة نحاس مكفت. والدكة: عبارة عن شيء شبه السرير يعمل من خشب مطعم بالعاج والأبنوس، أو من خشب مدهون، وفوق الدكة دست طاسات من نحاس أصفر مكفت بالفضة، وعدّة الدست سبع قطع بعضها أصغر من بعض، تبلغ كبراها ما يسع نحو الأردب من القمح، وطول الأكفات التي نقشت بظاهرها من الفضة نحو الثلث ذراع في عرض إصبعين، ومثل ذلك دست أطباق عدّتها سبعة بعضها في جوف بعض، ويفتح أكبرها نحو الذراعين وأكثر، وغير ذلك من المناير والسرج وأحقاق الأشنان والطشت والإبريق والمبخرة، فتبلغ قيمة الدكة من النحاس المكفت زيادة على مائتي دينار ذهبا، وكانت العروس من بنات الأمراء أو الوزراء أو أعيان الكتاب أو أماثل التجار تجهز في شورتها عند بناء الزوج عليها سبع دكك، دكة من فضة، ودكة من كفت، ودكة من نحاس أبيض، ودكة من خشب مدهون، ودكة من صيني، ودكة من بلور، ودكة كداهي: وهي آلات من ورق مدهون تحمل من الصين، أدركنا منها في الدور شيئا كثيرا، وقد عدم هذا الصنف من مصر إلاّ شيئا يسيرا. حدثني القاضي الفاضل الرئيس تاج الدين أبو الفداء إسماعيل أحمد بن عبد الوهاب ابن الخطباء المخزوميّ ﵀ قال: تزوّج القاضي علاء الدين بن عرب محتسب القاهرة بامرأة من بنات التجار، تعرف بست العمائم، فلما قارب البناء عليها والدخول بها، حضر إليه في يوم وكيلها وأنا عنده، فبلّغه سلامها عليه وأخبره أنها بعثت إليه بمائة ألف درهم فضة خالصة ليصلح بها لها ما عساه اختلّ من الدكة الفضة، فأجابه إلى ما سأل وأمره باحضار الفضة، فاستدعى الخدم من الباب فدخلوا بالفضة في الحال، وبالوقت أمر المحتسب بصناع الفضة وطلائها، فاحضروا وشرعوا في إصلاح ما أرسلته ست العمائم من أواني الفضة وإعادة طلائها بالذهب، فشاهدنا من ذلك منظرا بديعا.

стр. 1098

وأخبرني من شاهد جهاز بعض بنات السلطان حسن بن محمد بن قلاوون وقد حمل في القاهرة عند ما زفت على بعض الأمراء في دولة الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، فكان شيئا عظيما، من جملته دكة من بلور تشتمل على عجائب، منها زير من بلور قد نقش بظاهره صور ثابتة على شبه الوحوش والطيور، وقدر هذا الزير ما يسع قربة ماء، وقد قلّ استعمال الناس في زمننا هذا للنحاس المكفت، وعزّ وجوده، فإن قوما لهم عدّة سنين قد تصدّوا لشراء ما يباع منه وتنحية الكفت عنه طلبا للفائدة، وبقي بهذا السوق إلى يومنا هذا بقية من صناع الكفت قليلة. سوق الأقباعيين: بخط تحت الربع خارج باب زويلة، مما يلي الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة الخرق، ما كان منه على يمنة السالك إلى قنطرة الخرق، فإنه جار في وقف الملك الظاهر بيبرس، هو وما فوقه على المدرسة الظاهرية بخط بين القصرين، وعلى أولاده. ولم يزل إلى يوم السبت خامس شهر رمضان سنة عشرين وثمانمائة، فوقع الهدم فيه ليضاف إلى عمارة الملك المؤيد شيخ المجاورة لباب زويلة، وما كان من هذا السوق على يسرة من سلك إلى القنطرة، فإنه جار في وقف اقبغا عبد الواحد على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر، وبعضه وقف امرأة تعرف بدنيا. سويقة السقطيين: هذا السوق خارج باب زويلة بجوار دار التفاح، أنشأه الأمير اقبغا عبد الواحد وهو جار في وقفه. سويق خزانة البنود: هذه السويقة على باب درب راشد، وتمتدّ إلى خزانة البنود، وكانت تعرف أوّلا بسويقة ريدان الصقلبي المنسوب إليه الريدانية خارج باب النصر. سويقة المسعودي: هذه السويقة من حقوق حارة زويلة بالقاهرة، تنسب إلى الأمير صارم الدين قايماز المسعوديّ، مملوك الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل. وولي المسعودي هذا ولاية القاهرة، وكان ظالما غاشما جبارا، من أجل أنه كان في دار ابن فرقة التي من جملتها جامع ابن المغربي، وبيت الوزير ابن أبي شاكر، ثم إن فتح الدين بن معتصم الداودي التبريزي كاتب السر جدّدها في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، لأنه كان يسكن هناك. ومات المسعوديّ في يوم الاثنين النصف من ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة، ضربه شخص في دار العدل بسكين، كان يريد أن يقتل بها الأمير عز الدين الحلي نائب السلطنة، فوقعت في فؤاد المسعوديّ فمات لوقته. سويقة طغلق: هذه السويقة على رأس الحارة الصالحية مما يلي الجامع الأزهر، عرفت بالأمير سيف الدين طغلق السلاح دار، صاحب حمام طغلق التي بالقرب من الجامع

стр. 1099

الأزهر على باب درب المنصوري، وصاحب دار طغلق التي عرفت اليوم بدار المنصوري في الدرب المذكور، وأوّل ما عمرت هذه السويقة لم يكن فيها غير أربع حوانيت، ثم عمرت عمارة كبيرة لمّا خربت سويقة الصالحية التي كانت مما يلي باب البرقية في حدود سنة ثمانين وسبعمائة، ثم تلاشت من سنة ست وثمانمائة كما تلاشى غيرها من الأسواق، وبقي فيها يسير جدّا. سويقة الصوّاني: هذه السويقة خارج باب النصر وباب الفتوح، بخط بستان ابن صيرم، عرفت بالأمير علاء الدين أبي الحسن عليّ بن مسعود الصوّانيّ، مشدّ الدواوين في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، وقيل بل قراجا الصوّاني، أحد مقدّمي الحلقة في أيام الملك المنصور قلاوون، وكان في حدود سنة إحدى وثمانين وستمائة موجودا، وكانت داره هناك، وكان أيضا في أيام الملك المنصور قلاون، الأمير زين الدين أبو المعالي أحمد بن شرف الدين أبي المفاخر محمد الصوّاني شادّ الدواوين، وكان يسكن بمدينة مصر، والأمير علم الدين سنجر الصوّاني أحد الأمراء المقدّمين الألوف في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، والملك المظفر بيبرس، وهو صاحب البئر التي بالباطلية المعروفة ببئر الدرابزين، وعز الدين أيبك الصوّاني. سويقة البلشون: هذه السويقة خارج باب الفتوح، عرفت بسابق الدين سنقر البلشون، أحد مماليك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وسلاح درايته، وكان له أيضا بستان بالمقس خارج القاهرة من جوار الدكة يعرف ببستان البلشون. سويقة اللفت: هذه السويقة كانت خارج باب النصر من ظاهر القاهرة، حيث البئر التي في شمال مصلى الأموات، المعروف ببئر اللفت. تجاه دار ابن الحاجب، كانت تشتمل على عدّة حوانيت يباع فيها اللفت والكرنب، ويحمل منها إلى سائر أسواق القاهرة، ويباع اليوم في بعض هذه الحوانيت الدريس لعلف الدواب. سويقة زاوية الخدّام: هذه السويقة خارج باب النصر بحريّ سويقة اللفت، كان فيها عدّة حوانيت يباع فيها أنواع المآكل، فلما كانت سن ست وثمانمائة خربت، ولم يبق فيها سوى حوانيت لا طائل بها. سويقة الرملة: هذه السويقة كانت فيما بين سويقة زاوية الخدّام وجامع آل ملك حيث مصلى الأموات، التي هناك كان فيها عدّة حوانيت مملوءة بأصناف المآكل، قد خرب سائرها ولم يبق لها أثر البتة. سويقة جامع آل ملك: أدركتها إلى سنة ست وثمانمائة، وهي من الأسواق الكبار، فيها غالب ما يحتاج إليه من الإدام، وقد خربت لخراب ما يجاورها.

стр. 1100

سويقة أبي ظهير: كانت تلي سويقة جامع آل ملك أدركتها عامرة. سويقة السنابطة: كانت هناك، عرفت بقوم من أهل سنباط سكنوا بها، أدركتها أيضا عامرة. سويقة العرب: هذه السويقة كانت تتصل بالريدانية، خربت في الغلاء الكائن في سنة ست وسبعين وسبعمائة، وأدركت حوانيت هذه السويقة، وهي خالية من السكان إلاّ يسيرا، وعقودها من اللبن، ويقال له وما وراءه خراب الحسينية، وكانت في غاية العمارة، وكان بأوّلها مما يلي الحسينية فرن، أدركته عامر إلى ما بعد سنة تسعين وسبعمائة، بلغني أنه كان قبل ذلك في أعوام ستين وسبعمائة يخبز فيه كل يوم نحو سبعة آلاف رغيف، لكثرة من حوله من السكان، وتلك الأماكن اليوم لا ساكن فيها إلاّ اليوم، ولا يسمع بها إلاّ الصدى. سويقة العزي: هذه السويقة خارج باب زويلة قريبا من قلعة الجبل، كانت من جملة المقابر التي خارج القاهرة، فيما بين الباب الحديد والحارات وبركة الفيل، وبين الجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل، فلما اختطت هذه الجهة كما تقدّم ذكره عند ذكر ظواهر القاهرة، عرفت هذه السويقة بالأمير عز الدين أيبك العزي نقيب الجيوش، واستشهد على عكا عند ما فتحها الأشرف خليل بن قلاوون في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة تسعين وستمائة، وهذه السويقة عامرة بعمارة ما حولها. سويقة العياطين: هذه السويقة بخط المقس بالقرب من باب البحر، عرفت بالفقير المعتقد مسعود بن محمد بن سالم العياط لسكنه بالقرب منها، وله هناك مسجد بناه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وأخبرني الشيخ المعمر حسام الدين حسن بن عمر الشهرزوريّ وكيل أبي ﵀: أن النشو ناظر الخاص في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، طرح على أهل هذه السويقة عدّة أمطار عسل قصب، وألزمهم في ثمن كل قنطار بعشرين درهما، فوقفوا إلى السلطان وعيطوا حتى أعفاهم من ذلك، فقيل لها من حينئذ سويقة العياطين، ولفظة عياط عند أهل مصر بمعنى صيّاح، والعياط الصيّاح، وأصل ذلك في اللغة أن العطعطة تتابع الأصوات واختلافها في الحرب، وهي أيضا حكاية أصوات المجان إذا قالوا عيط محيط، وذلك إذا غلبوا قوما، وقد عطعطوا أو عطعط بالذئب إذا قال له عاط عاط، فحرّف عامّة مصر ذلك وجعلوا العياط الصيّاح، واشتقوا منه الفعل فأعرف ذلك. سويقة العراقيين: هذه السويقة بمدينة مصر الفسطاط، وإنما عرفت بذلك لأن قريبا الأزديّ وزحافا الطائيّ، وكانا من الخوارج، خرجا على زياد ابن أمية بالبصرة، فاتهم زياد بهما جماعة من الأزد، وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان يستأذنه في قتلهم، فأمر بتغربهم عن أوطانهم، فسيّرهم إلى مصر وأميرها مسلمة بن مخلد، وذلك في سنة ثلاث وخمسين،

стр. 1101

وكان عددهم نحوا من مائتين وثلاثين، فأنزلوا بالظاهر أحد خطط مصر، وكان إذ ذاك طرقا، أراد أن يسدّ بهم ذلك الموضع، فنزلوا في الموضع المعروف بكوم سراج، وكان فضاء، فبنوا لهم مسجدا واتخذوا سوقا لأنفسهم، فسمى سويقة العراقيين. ذكر العوائد التي كانت بقصبة القاهرة إعلم أن قصبة القاهرة ما برحت محترمة، بحيث أنه كان في الدولة الفاطمية إذا قدم رسول متملّك الروم، ينزل من باب الفتوح ويقبل الأرض وهو ماش إلى أن يصل إلى القصر، وكذلك كان يفعل كل من غضب عليه الخليفة، فإنه يخرج إلى باب الفتوح ويكشف رأسه ويستغيث بعفو أمير المؤمنين حتى يؤذن له بالمصير إلى القصر، وكان لها عوايد منها: أن السلطان من ملوك بني أيوب ومن قام بعدهم من ملوك الترك، لا بدّ إذا استقرّ في سلطنة ديار مصر أن يلبس خلعة السلطان بظاهر القاهرة، ويدخل إليها راكبا والوزير بين يديه على فرس، وهو حامل عهد السلطان الذي كتبه له الخليفة بسلطنة مصر على رأسهم، وقد أمسكه بيديه، وجميع الأمراء ورجال العساكر مشاة بين يديه منذ يدخل إلى القاهرة من باب الفتوح، أو من باب النصر، إلى أن يخرج من باب زويلة. فإذا خرج السلطان من باب زويلة ركب حينئذ الأمراء وبقية العسكر. ومنها أنه لا يمرّ بقصبة القاهرة حمل تبن، ولا حمل حطب، ولا يسوق أحد فرسا بها، ولا يمرّ بها سقّاء إلاّ وراويته (١) مغطاة. ومن رسم أرباب الحوانيت أن يعدّوا عند كل حانوت زيرا مملوءا بالماء مخافة أن يحدث الحريق في مكان فيطفأ بسرعة، ويلزم صاحب كل حانوت أن يعلق على حانوته قنديلا طول الليل يسرج إلى الصباح، ويقام في القصبة قوم يكنسون الأزبال والأتربة ونحوها، ويرشون كل يوم، ويجعل في القصبة طول الليل عدّة من الخفراء يطوفون بها لحراسة الحوانيت وغيرها، ويتعاهد كل قليل بقطع ما عساه تربى من الأوساخ في الطرقات حتى لا تعلو الشوارع. وأوّل من ركب بخلع الخليفة في القاهرة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة، تاسع شهر رجب وصلت الخلع التي كانت نفذت إلى السلطان الملك العادل نور الدين محمد بن زنكي من الخليفة ببغداد، وهي جبة سوداء وطوق ذهب، فلبسها نور الدين بدمشق إظهارا لشعارها، وسيّرها إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ليلبسها، وكانت أنفذت

стр. 1102

له خلعة ذكر أنه استقصرها واستزراها واستصغرها دون قدره، واستقرّ السلطان صلاح الدين بداره، وباتت الخلع مع الواصل بها شاه ملك برأس الطابية، فلما كان العاشر منه خرج قاضي القضاة والشهود والمقرئون والخطباء إلى خيمته، واستقرّ المسير بالخلعة، وهو من الأصحاب النجمية، وزينت البلد ابتهاجا بها، وفيه ضربت النوب الثلاث بالباب الناصري على الرسم النوري في كل يوم، فأما دمشق فالنوب المضروبة بها خمس على رسم قديم، لأن الأتابكية لها قواعد ورسوم مستقرّة بينهم في بلادهم. وفي حادي عشرة ركب السلطان بالخلع وشق بين القصرين والقاهرة، ولما بلغ باب زويلة نزع الخلع وأعادها إلى داره، ثم شمّر للعب الأكرة، ولم يزل الرسم كذلك في ملوك بني أيوب حتى انقضت أيامهم وقام من بعدهم مماليكهم الأتراك، فجروا في ذلك على عادة ملوك بني أيوب إلى أن قام في مملكة مصر السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ وقتل هولاكو الخليفة المستعصم بالله، وهو آخر خلفاء بني العباس ببغداد، وقدم على الملك الظاهر أبو العباس، أحمد بن الخليفة الظاهر بالله بن الخليفة الناصر، في شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة، فتلقاه وأكرمه وبايعه ولقبه بالخليفة المستنصر بالله، وخطب باسمه على المنابر، ونقش السكة باسمه، فلما كان في يوم الاثنين الرابع من شعبان، ركب السلطان إلى خيمة ضربت له بالبستان الكبير من ظاهر القاهرة، ولبس خلعة الخليفة، وهي جبة سوداء وعمامة بنفسجية وطوق من ذهب وسيف بدّاويّ، وجلس مجلسا عاما حضر فيه الخليفة والوزير القضاة والأمراء والشهود، وصعد القاضي فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب السرّ منبرا نصب له وقرأ تقليد السلطان الذي عهد به إليه الخليفة، وكان بخط ابن لقمان ومن إنشائه، ثم ركب السلطان بالخلعة والطوق ودخل من باب النصر وشق القاهرة، وقد زينت له، وحمل الوزير الصاحب بهاء الدين محمد بن عليّ بن حنا التقليد على رأسه قدّام السلطان، والأمراء ومن دونهم مشاة بين يديه حتى خرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل، فكان يوما مشهودا. وفي ثالث شوّال سنة اثنتين وستين وستمائة، سلطن الملك الظاهر بيبرس ابنه الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة خان، وأركبه بشعار السلطنة ومشى قدّامه وشق القاهرة كما تقدّم وسائر الأمراء مشاة من باب النصر إلى قلعة الجبل، وقد زينت القاهرة، وآخر من ركب بشعار السلطنة وخلعة الخلافة والتقليد، السلطان الناصر محمد بن قلاوون، عند دخوله إلى القاهرة من البلاد الشامية بعد قتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، واستيلائه على المملكة، في ثامن جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة. وقال المسبّحي في حوادث سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة نودي في السقائين أن يغطوا روايا الجمال والبغال لئلا تصيب ثياب الناس. وقال: في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة أمر العزيز بالله أمير المؤمنين بنصب أزيار الماء مملوءة ماء على الحوانيت، ووقود المصابيح على الدور وفي الأسواق. وفي ثالث ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة أمر أمير

стр. 1103

المؤمنين الحاكم بأمر اللّه الناس بأن يقدوا القناديل في سائر البلد على جميع الحوانيت، وأبواب الدور، والمحال والسكك الشارعة. وغير الشارعة، ففعل ذلك، ولازم الحاكم بأمر اللّه الركوب في الليل، وكان ينزل كل ليلة إلى موضع موضع، وإلى شارع شارع، وإلى زقاق زقاق، وكان قد ألزم الناس بالوقيد، فتناظر وافية واستكثروا منه في الشوارع والأزقة وزينت القياسر والأسواق بأنواع الزينة، وصار الناس في القاهرة ومصر طول الليل في بيع وشراء، وأكثروا أيضا من وقود الشموع العظيمة، وأنفقوا في ذلك أموالا عظيمة جللة لأجل التلاهي، وتبسطوا في المآكل والمشارب وسماع الأغاني، ومنع الحاكم الرجال المشاة بين يديه من المشي بقربة، وزجرهم وانتهرهم وقال: لا تمنعوا أحدا مني، فأحدق الناس به وأكثروا من الدعاء له، وزينت الصاغة وخرج سائر الناس بالليل للتفرّج، وغلب النساء الرجال على الخروج بالليل، وعظم الازدحام في الشوارع والطرقات، وأظهر الناس اللهو والغناء وشرب المسكرات في الحوانيت وبالشوارع من أوّل المحرّم سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وكان معظم ذلك من ليلة الأربعاء تاسع عشرة إلى ليلة الاثنين رابع عشرية، فلما تزايد الأمر وشنع أمر الحاكم بأمر اللّه أن لا تخرج امرأة من العشاء، ومتى ظهرت امرأة بعد العشاء نكّل بها، ثم منع الناس من الجلوس في الحوانيت فامتنعوا، ولم يزل الحاكم على الركوب في الليل إلى آخر شهر رجب، ثم نودي في شهر رجب سنة خمس وتسعين وثلاثمائة أن لا يخرج أحد بعد عشاء الآخرة، ولا يظهر لبيع ولا شراء، فامتنع الناس. وفي سنة خمس وأربعمائة تزايد في المحرّم منها وقوع النار في البلد وكثر الحريق في عدّة أماكن، فأمر الحاكم بأمر اللّه الناس باتخاذ القناديل على الحوانيت وأزيار الماء مملوءة ماء، وبطرح السقائف التي على أبواب الحوانيت، والرواشن التي تظلّ الباعة، فأزيل جميع ذلك من مصر والقاهرة. ذكر ظواهر القاهرة المعزية اعلم أن القاهرة المعزية يحصرها أربع جهات وهي: الجهة الشرقية، والجهة الغربية، والجهة الشمالية التي تسميها أهل مصر البحرية، والجهة الجنوبية التي تعرف في أرض مصر بالقبلية. فأما الجهة الشرقية فإنها من سور القاهرة الذي فيه الآن باب البرقية والباب الجديد والباب المحروق، وتنتهي هذه الجهة إلى الجبل المقطم. وأما الجهة الغربية فإنها من سور القاهرة الذي فيه باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة، وتنتهي هذه الجهة إلى شاطيء النيل. وأما الجهة القبلية فإنها من سور القاهرة الذي فيه باب زويلة، وتنتهي هذه الجهة إلى حدّ مدينة مصر. وأما الجهة البحرية فإنها من سور القاهرة الذي فيه باب النصر وباب الفتوح، وتنتهي هذه الجهة إلى بركة الجب التي تعرف اليوم ببركة الحاج، وقد كانت هذه

стр. 1104

الجهة الشرقية عند ما وضعت القاهرة فضاء فيما بين السوروبين الجبل لا بنيان فيه البتة، وما زال على هذا إلى أن كانت الدولة التركية، فقيل لهذا الفضاء الميدان الأسود، وميدان القبق، وسيرد ذكر هذا الميدان إن شاء اللّه تعالى. فلما كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، عمل هذا الميدان مقبرة لأموات المسلمين، وبنيت فيه الترب الموجودة الآن كما ذكر عند ذكر المقابر من هذا الكتاب، وكانت الجهة الغربية تنقسم قسمين، أحدهما برّ الخليج الشرقيّ، والآخر برّ الخليج الغربيّ، فأما برّ الخليج الشرقي، فكان عليه بستان الأمير أبي بكر محمد بن طفج الإخشيد وميدانه، وعرف هذا البستان بالكافوري، فلما اختط القائد جوهر القاهرة أدخل هذا البستان في سور القاهرة، وجعل بجانبه الميدان الذي يعرف اليوم بالخرشتف، فصارت القاهرة تشرف من غربيها على الخليج، وبنيت على هذا الخليج مناظر وهي: منظرة اللؤلؤة، ومنظرة دار الذهب، ومنظرة غزالة، كما ذكر عند ذكر المناظر من هذا الكتاب. وكان فيما بين البستان الكافوري والمناظر المذكورة وبين الخليج، شارع تجلس فيه عامة الناس للتفرّج على الخليج وما وراءه من البساتين والبرك، ويقال لهذا الشارع اليوم بين السورين، ويتصل بالبستان الكافوري وميدان الإخشيد بركة الفيل، وبركة قارون، ويشرف على بركة قارون الدور التي كانت متصلة بالعسكر ظاهر مدينة فسطاط مصر، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، عند ذكر البرك وعند ذكر العسكر. وأما برّ الخليج الغربيّ، فإن أوّله الآن من موردة الخلفاء فيما بين خط الجامع الجديد خارج مصر وبين منشأة المهرانيّ، وآخره أرض التاج والخمس وجوه وما بعدها من بحريّ القاهرة، وكان أوّل هذا الخليج عند وضع القاهرة بجانب خط السبع سقايات، وكان ما بين خط السبع سقايات وبين المعاريج بمدينة مصر غامرا بماء النيل، كما ذكر في ساحل مصر من هذا الكتاب، وكانت القنطرة التي يفتح سدّها عند وفاء النيل ست عشرة ذراعا خلف السبع سقايات، كما ذكر عند ذكر القناطر من هذا الكتاب، وكان هناك منظرة السكرة التي يجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج، ولها بستان عظيم، ويعرف موضعه اليوم بالمريس، ويتصل ببستان منظرة السكرة جنان الزهري، وهي من خط قناطر السباع الموجودة الآن بحذاء خط السبع سقايات إلى أراضي اللوق، ويتصل بالزهري عدّة بساتين إلى المقس، وقد صار موضع الزهري وما كان بجواره على برّ الخليج من البساتين يعرف بالحكورة، من أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى وقتنا هذا، كما ذكر عند ذكر الأحكار من هذا الكتاب. وكان الزهريّ وما بجواره من البساتين التي على برّ الخليج الغربي والمقس، كل ذلك مطلّ على النيل، وليس لبرّ الخليج الغربيّ كبير عرض، وإنما يمرّ النيل في غربيّ البساتين على الموضع الذي يعرف اليوم باللوق إلى المقس، فيصير المقس هو ساحل القاهرة، وتنتهي المراكب إلى موضع جامع المقس الذي يعرف اليوم بجامع المقسي، فكان ما بين

стр. 1105

الجامع المذكور ومنية عقبة التي ببرّ الجيزة بحر النيل، ولم يزل الأمر على ذلك إلى ما بعد سنة سبعمائة. إلاّ أنه كان قد انحسر ماء النيل بعد الخمسمائة من سني الهجرة عن أرض بالقرب من الزهريّ، وانحسر أيضا عن أرض تجاه البعل الذي في بحري القاهرة، عرفت هذه الأرض بجزيرة الفيل، وما برح ماء النيل ينحسر عن شيء بعد شيء إلى ما بعد سنة سبعمائة، فبقيت عدّة رمال فيما بين منشأة المهرانيّ وبين جزيرة الفيل، وفيما بين المقس وساحل النيل، عمر الناس فيها الأملاك والمناظر والبساتين من بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وحفر الملك الناصر محمد بن قلاوون فيها الخليج المعروف اليوم بالخليج الناصريّ، فصار برّ الخليج الغربيّ بعد ذلك أضعاف ما كان أوّلا من أجل انطراد ماء النيل عن برّ مصر الشرقيّ، وعرف هذا البرّ اليوم بعدّة مواضع، وهي في الجملة خط منشأة المهرانيّ، وخط المريس، وخط منشأة الكتبة، وخط قناطر السباع، وخط ميدان السلطان، وخط البركة الناصرية، وخط الحكورة، وخط الجامع الطبرسي، وربع بكتمر، وزريبة السلطان، وخط باب اللوق، وقنطرة الخرق، وخط بستان العدّة، وخط زريبة قوصون، وخط حكر ابن الأثير، وفم الخور، وخط الخليج الناصري، وخط بولاق، وخط جزيرة الفيل، وخط الدكة، وخط المقس، وخط بركة قرموط، وخط أرض الطبالة، وخط الجرف، وأرض البعل، وكوم الريش، وميدان القمح، وخط باب القنطرة، وخط باب الشعرية، وخط باب البحر، وغير ذلك. وسيأتي من ذكر هذه المواضع ما يكفي ويشفي إن شاء اللّه تعالى. وكانت جهة القاهرة القبلية من ظاهرها ليس فيها سوى بركة الفيل وبركة قارون، وهي فضاء يرى من خرج من باب زويلة عن يمينه الخليج وموردة السقائين، وكانت تجاه باب الفتوح، ويرى عن يساره الجبل، ويرى تجاهه قطائع ابن طولون التي تتصل بالعسكر، ويرى جامع ابن طولون وساحل الحمراء الذي يشرف عليه جنان الزهريّ، ويرى بركة الفيل التي كان يشرف عليها الشرف الذي فوقه قبة الهواء، ويعرف اليوم هذا الشرف بقلعة الجبل، وكان من خرج من مصلى العيد بظاهر مصر يرى بركتي الفيل وقارون والنيل. فلما كانت أيام الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبي علي منصور بن العزيز بالله أبي منصور نزار بن الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، عمل خارج باب زويلة بابا عرف بالباب الجديد، واختط خارج باب زويلة عدّة من أصحاب السلطان، فاختطت المصامدة حارة المصامدة، واختطت اليانسية والمنجبية وغيرهما كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، فلما كانت الشدّة العظمى في خلافة المستنصر بالله، اختلت أحوال مصر وخربت خرابا شنيعا، ثم عمر خارج باب زويلة في أيام الخليفة الآمر بأحكام اللّه، ووزارة المأمون محمد بن فاتك بن البطائحيّ بعد سنة خمسمائة، فلما زالت الدولة الفاطمية، هدم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب حارة المنصورة التي كانت سكن العبيد خارج باب زويلة، وعملها بستانا،

стр. 1106

فصار ما خرج عن باب زويلة بساتين إلى المشهد النفيسيّ، وبجانب البساتين طريق يسلك منها إلى قلعة الجبل التي أنشأها السلطان صلاح الدين المذكور على يد الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ، وصار من يقف على باب جامع ابن طولون يرى باب زويلة، ثم حدثت العمائر التي هي الآن خارج باب زويلة بعد سنة سبعمائة، وصار خارج باب زويلة الآن ثلاثة شوارع، أحدها ذات اليمين، والآخر ذات الشمال، والشارع الثالث تجاه من خرج من باب زويلة، وهذه الشوارع الثلاثة تشتمل على عدّة أخطاط. فأما ذات اليمين فإن من خرج من باب زويلة الآن يجد عن يمينه شارعا سالكا ينتهي به في العرض إلى الخليج، حيث القنطرة التي تعرف بقنطرة الخرق، وينتهي به في الطول من باب زويلة إلى خط الجامع الطولوني، وجميع ما في هذا الطول والعرض من الأماكن كان بساتين إلى ما بعد السبعمائة. وفي هذه الجهة اليمنى، خط دار التفاح، وسوق السقطيين، وخط تحت الربع، وخط القشاشين، وخط قنطرة الخرق، وخط شق الثعبان، وخط قنطرة آقسنقر، وخط الحبانية، وبركة الفيل، وخط قبو الكرمانيّ، وخط قنطرة طقزدمر، والمسجد المعلق، وخط قنطرة عمر شاه، وخط قناطر السباع، وخط الجسر الأعظم، وخط الكبش، والجامع الطولوني، وخط الصليبة، وخط الشارع، وما هناك من الحارات التي ذكرت عند ذكر الحارات من هذا الكتاب. وأما ذات اليسار، فإن من خرج من باب زويلة الآن يجد عن يساره شارعا ينتهي به في العرض إلى الجبل، وينتهي به في الطول إلى القرافة، وجميع ما في هذه الجهة اليسرى كان فضاء لا عمارة فيه البتة، إلى ما بعد سنة خمسمائة من الهجرة، فلما عمر الوزير الصالح طلائع بن رزيك جامع الصالح الموجود الآن خارج باب زويلة، صار ما وراءه إلى نحو قطائع ابن طولون مقبرة لأهل القاهرة، إلى أن زالت دولة الخلفاء الفاطميين، وأنشأ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قلعة الجبل على رأس الشرف المطلّ على القطائع، وصار يسلك إلى القلعة من هذه الجهة اليسرى فيما بين المقابر والجبل، ثم حدثت بعد المحن هذه العمائر الموجودة هناك شيئا بعد شيء، من سنة سبعمائة، وصار في هذه الشقة خط سوق البسطيين، وخط الدرب الأحمر، وخط جامع المارديني، وخط سوق الغنم، وخط التبانة، وخط باب الوزير، وقلعة الجبل، والرميلة، وخط القبيبات، وخط باب القرافة. وأما ما هو تجاه من خرج من باب زويلة فيعرف بالشارع، وقد تقدّم ذكره عند ذكر الأسواق من هذا الكتاب، وهو ينتهي بالسالك إلى خط الصليبة المذكورة آنفا، وإلى خط الجامع الطولونيّ، وخط المشهد النفيسي، وإلى العسكر، وكوم الجارح، وغير ذلك من بقية خطط ظواهر القاهرة ومصر، وكانت جهة القاهرة البحرية من ظاهرها فضاء ينتهي إلى بركة الجب، وإلى منية الاصبغ التي عرفت بالخندق، وإلى منية مطر التي تعرف بالمطرية،

стр. 1107

وإلى عين شمس، وما وراء ذلك، إلاّ أنه كان تجاه القاهرة بستان ريدان، ويعرف اليوم بالريدانية، وعند مصلّى العيد خارج باب النصر حيث يصلي الآن على الأموات، كان ينزل هناك من يسافر إلى الشام. فلما كان قبل سنة خمسمائة، ومات أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، بني خارج باب النصر له تربة دفن فيها وبني أيضا خارج باب الفتوح منظرة قد ذكر خبرها عند ذكر المناظر من هذا الكتاب، وصار أيضا فيما بين باب الفتوح والمطرية بساتين قد تقدّم خبرها، ثم عمرت الطائفة الحسينية بعد سنة خمسمائة خارج باب الفتوح عدّة منازل، اتصلت بالخندق، وصار خارج باب النصر مقبرة إلى ما بعد سنة سبعمائة، فعمر الناس به حتى اتصلت العمائر من باب النصر إلى الريدانية، وبلغت الغاية من العمارة، ثم تناقصت من بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة إلى أن فحش خرابها من حين حدثت المحن في سنة ست وثمانمائة، فهذا حال ظواهر القاهرة منذ اختطت وإلى يومنا هذا، ويحتاج ما ذكر هنا إلى مزيد بيان واللّه أعلم. ذكر ميدان القبق هذا الموضع خارج القاهرة من شرقيها، فيما بين النقرة التي ينزل من قلعة الجبل إليها، وبين قبة النصر التي تحت الجبل الأحمر، ويقال له أيضا الميدان الأسود، وميدان العيد، والميدان الأخضر، وميدان السباق، وهو ميدان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ الصالحيّ النجميّ، بنى به مصطبة في المحرّم من سنة ست وستين وستمائة، عند ما احتفل برمي النشاب وأمور الحرب، وحثّ الناس على لعب الرمح ورمي النشاب ونحو ذلك، وصار ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة من الظهر، فلا يركب منها إلى العشاء الآخرة، وهو يرمي ويحرّض الناس على الرمي والنضال والرهان، فما بقي أمير ولا مملوك إلاّ وهذا شغله، وتوفر الناس على لعب الرمح ورمي النشاب، وما برح من بعده من أولاده والملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفيّ الصالحيّ النجميّ، والملك الأشرف خليل بن قلاوون يركبون في الموكب لهذا الميدان، وتقف الأمراء والمماليك السلطانية تسابق بالخيل فيه قدّامهم، وتنزل العساكر فيه لرمي القبق. والقبق عبارة عن خشبة عالية جدّا، تنصب في براح من الأرض، ويعمل بأعلاها دائرة من خشب، وتقف الرماة بقسيّها وترمي بالسهام جوف الدائرة لكي تمرّ من داخلها إلى غرض هناك، تمرينا لهم على إحكام الرمي. ويعبّر عن هذا بالقبق، في لغة الترك. قال جامع السيرة الظاهرية: وفي سابع عشر المحرّم من سنة سبع وستين وستمائة، حثّ السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ جميع الناس على رمي النشاب ولعب الرمح، خصوصا خواصه ومماليكه، ونزل إلى الفضاء بباب النصر ظاهر القاهرة،

стр. 1108

ويعرف بميدان العيد، وبنى مصطبة هناك، وأقام ينزل في كل يوم من الظهر، ويركب منها عشاء الآخرة، وهو واقف في الشمس يرمي ويحرّض الناس على الرمي والرهان، فما بقي أمير ولا مملوك إلا وهذا شغله، واستمرّ الحال في كل يوم على ذلك حتى صارت تلك الأمكنة لا تسع الناس، وما بقي لأحد شغل إلاّ لعب الرمح ورمي النشاب. وفي شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، تقدّم السلطان الملك الظاهر إلى عساكره بالتأهب للركوب واللعب بالقبق ورمي النشاب، واتفقت نادرة غريبة، وهو أنه أمر برش الميدان الأسود تحت القلعة لأجل الملعب، فشرع الناس في ذلك، وكان يوما شديد الحرّ، فأمر السلطان بتبطيل الرش رحمة للناس، وقال: الناس صيام وهذا يوم شديد الحرّ، فبطل الرش، وأرسل اللّه تعالى مطرا جودا استمرّ ليلتين ويوما حتى كثر الوحل وتلبدت الأرض وسكن العجاج وبرد الجوّ ولطف الهواء، فوكل السلطان من يحفظه من السوق فيه يوم اللعب، وهو يوم الخميس السادس والعشرون من شهر رمضان، وأمر بركوب جماعة لطيفة من كل عشرة اثنان، وكذلك من كل أمير، ومن كل مقدّم لئلا تضيق الدنيا بهم. فركبوا في أحسن زيّ، وأجمل لباس، وأكمل شكل، وأبهى منظر، وركب السلطان ومعه من خواصه ومماليكه ألوف، ودخلوا في الطعان بالرماح، فكل من أصاب خلع عليه السلطان، ثم ساق في مماليكه الخواص خاصة، ورتبهم أجمل ترتيب، واندفق بهم اندفاق البحر، فشاهد الناس أبهة عظيمة، ثم أقيم القبق ودخل الناس لرمي النشاب، وجعل لمن أصاب من المفاردة رجال الحلقة والبحرية الصالحية وغيرهم بغلطاقا بسنجاب، وللأمراء فرسا من خيله الخاص بتشاهيره ومراواته الفضية والذهبية ومزاخمه، وما زال في هذه الأيام على هذه الصورة يتنوّع في دخوله وخروجه، تارة بالرماح، وتارة بالنشاب، وتارة بالدبابيس، وتارة بالسيوف مسلولة، وذلك أنه ساق على عادته في اللعب وسلّ سيفه، وسلّ مماليكه سيوفهم، وحمل هو ومماليكه حملة رجل واحد، فرأى الناس منظرا عجيبا، وأقام على ذلك كل يوم من بكرة النهار إلى قريب المغرب، وقد ضربت الخيام للنزول للوضوء والصلاة، وتنوّع الناس في تبديل العدد والآلات، وتفاخروا وتكاثروا، فكانت هذه الأيام من الأيام المشهودة، ولم يبق أحد من أبناء الملوك، ولا وزير، ولا أمير كبير ولا صغير، ولا مفردي، ولا مقدّم من مقدّمي الحلقة، ومقدّمي البحرية الصالحية، ومقدّمي المماليك الظاهرية البحرية، ولا صاحب شغل، ولا حامل عصا في خدمة السلطان على بابه، ولا حامل طير في ركاب السلطان، ولا أحد من خواص كتاب السلطان، إلاّ وشرّف بما يليق به على قدر منصبه، ثم تعدّى إحسان السلطان لقضاة الإسلام والأئمة وشهود خزانة السلطان، فشرّفهم جميعهم، ثم الولاة كلهم، وأصبحوا بكرة يوم الأحد ثامن عشري شهر رمضان لابسين الخلع جميعهم في أحسن صورة وأبهج زي وأبهى شكل وأجمل زينة، بالكلوتات الزركش بالذهب، والملابس التي ما سمع بأن أحدا جاد بمثلها، وهي ألوف، وخدم الناس جميعهم

стр. 1109

وقبلوا الأرض وعليهم الخلع، وركبوا ولعبوا نهارهم على العادة، والأموال تفرّق والأسمطة تصف، والصدقات تنفق، والرقاب تعتق. وما زال إلى أن أهلّ هلال شوّال، فقام الناس وطلعوا للهناء، فجلس لهم، وعليهم خلعه، ثم ركب يوم العيد إلى مصلاه في خيمة بشعار السلطنة وأبّهة الملك، فصلى ثم طلع قلعة الجبل وجلس على الأسمطة، وكان الاحتفال بها كبيرا، وأكل الناس، ثم انتهبه الفقراء، وقام إلى مقرّ سلطانه بالقبة السعيدة، وقد غلقت وفرشت بأنواع الستور والكلل والفرش، وكان قد تقدّم إلى الأمراء بإحضار أولادهم، فأحضروا، وخلع عليهم الخلع المفصلة على قدرهم، فلما كان هذا اليوم أحضروا وختنوا بأجمعهم بين يدي السلطان، وأخرجوا فحملوا في المحفات إلى بيوتهم، وعمّ الهناء كل دار، ثم أحضر الأمير نجم الدين خضر ولد السلطان، فختن ورمى للناس جملة من الأموال اجتمع منها خزانة ملك كبير، فرّقت على من باشر الختان من الحكماء والمزينين وغيرهم. وانقضت هذه الأيام، وجرى السلطان فيها على عادته كما كان، من كونه لم يكلّف أحدا من خلق اللّه تعالى بهدية يهديها، ولا تحفة يتحفه بها في مثل هذه المسرّة، كما جرت عادة من تقدّمه من الملوك، ولم يبق من لا شمله إحسانه غير أرباب الملاهي والأغاني، فإنه كان في أيامه لم ينفق لهم مبلغ البتة. وممن لعب بهذا الميدان القبق، السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وعمل فيه المهمّ الذي لم يعمل في دولة ملوك الترك بمصر مثله، وذلك أن خوندار دوتكين ابنة نوكيه، ويقال نوغية السلحدارية، اشتملت من السلطان الملك الأشرف على حمل، فظنّ أنها تلد ابنا ذكرا يرث الملك من بعده، فأخذ عند ما قاربت الوضع في الاحتفال، ورسم لوزيره الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس أن يكتب إلى دمشق بعمل مائة شمعدان نحاس مكفت بألقاب السلطان، ومائة شمعدان أخر، منها خمسون من ذهب، وخمسون من فضة، وخمسين سرجا من سروج الزركش، ومائة وخمسين سرجا من المخيش، وألف شمعة وأشياء كثيرة غير ذلك، فقدّر اللّه تعالى أنها ولدت بنتا، فانقبض لذلك وكره إبطال ما قد اشتهر عنه عمله، فأظهر أنه يريد ختان أخيه محمد، وابن أخيه مظفر الدين موسى بن الملك الصالح عليّ بن قلاوون، فرسم لنقيب الجيش والحجاب بإعلام الأمراء والعسكر أن يلبسوا كلهم آلة الحرب من السلاح الكامل، هم وخيولهم، ويصيروا بأجمعهم كذلك في الميدان الأسود خارج باب النصر، فاهتم الأمراء والعسكر اهتماما كبيرا لذلك، وأخذوا في تحسين العدد وبالغوا في التأنق، وتنافسوا في إظهار التجمل الزائد، وخرج في اليوم الرابع من إعلام الأمراء السوقة، ونصبوا عدّة صواوين فيها سائر البقول والمآكل، فصار بالميدان سوق عظيم، ونزل السلطان من قلعة الجبل بعساكره وعليهم لامة الحرب، وقد خرج سائر من في القاهرة ومصر من الرجال والنساء إلاّ من خلفه العذر لرؤية السلطان، فأقام السلطان يومه، وحصل في ذلك اليوم للناس بهذا الاجتماع من السرور ما يعزّ وجود مثله، وأصبح السلطان

стр. 1110

وقد استعدّ العسكر بأجمعه لرمي القبق، ورسم للحجاب بأن لا يمنعوا أحدا من الجند، ولا من المماليك، ولا من غيرهم من الرمي، ورسم للأمير بيسري والأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح، أن يتقدّما الناس في الرمي، فاستقبل الأمير بيسري القبق وتحته سرج قد صنع قربوسه الذي من خلفه وطيئا، فصار مستلقيا على قفاه، وهو يرمي ويصيب يمنة ويسرة، والناس بأسرهم قد اجتمعوا للنظر حتى ضاق بهم الفضاء، فلما فرغ دخل أمير سلاح من بعده، وتلاه الأمراء على قدر منازلهم واحدا واحدا، فرموا. ثم دخل بعد الأمراء مقدّموا الحلقة، ثم الأجناد والسلطان يعجب برميهم، وتزايد سروره حتى فرغ الرمي، فعاد إلى مخيّمه ودار السقاة على الأمراء بأواني الذهب والفضة والبلور يسقون السكّر المذاب، وشرب الأجناد من أحواض قد ملئت من ذلك، وكانت عدّتها مائة حوض، فشربوا ولهوا واستمرّوا على ذلك يومين، وفي اليوم الثالث ركب السلطان واستدعى الأمير بيسري وأمره بالرمي، فسأل السلطان أن يعفيه من الرمي، ويمنّ عليه بالتفرّج في رمي النشاب من الأمراء وغيرهم، فأعفاه ووقف مع السلطان في منزلته، وتقدّم طفج، وعين الغزال، وأمير عمر، وكيلكدي، وقشتمر العجمي، وبرلغي، وأعناق الحسامي، وبكتوت، ونحو الخمسين من أمراء السلطان الشبان الذين أنشأهم من خاصكيته، وعليهم تتريات حرير أطلس بطرازات زركش وكلوتات زركش وحوائص ذهب، وكانوا من الجمال البارع بحيث يذهب حسنهم الناظر، ويدهش جمالهم الخاطر، فتعاظمت مسرّة السلطان برؤيتهم، وكثر إعجابه، وداخله العجب واستخفه الطرب، وارتجب الدنيا بكثرة من حضر هناك من أرباب الملاهي والأغاني وأصحاب الملعوب. فلما انقضى اللعب، عاد السلطان إلى دهليزه في زينته، ومرح في مشيته تيها وصلفا، فما هو إلاّ أنّ عبر الدهليز والناس من الطرب والسرور في أحسن شيء يقع في العالم، وإذا بالجوّ قد أظلم، وثار ريح عاصف أسود إلى أن طبق الأرض والسماء، وقلع سائر تلك الخيم، وألقى الدهليز السلطانيّ، وتزايد حتى أن الرجل لا يرى من بجانبه، فاختلط الناس وماجوا ولم يعرف الأمير من الحقير، وأقبلت السوقة والعامّة تنهب، وركب السلطان يريد النجاة بنفسه إلى القلعة، وتلاحق العسكر به واختلفوا في الطرق لشدّة الهول، فلم يعبر إلى القلعة حتى أشرف على التلف، وحصل في هذا اليوم من نهب الأموال وانتهاك الحرم والنساء ما لا يمكن وصفه، وما ظنّ كل أحد إلاّ أنّ الساعة قد قامت، فتنغص سرور الناس وذهب ما كان هناك، وما استقرّ السلطان بالقلعة حتى سكن الريح وظهرت الشمس وكأن ما كان لم يكن، فأصبح السلطان وطلب أرباب الملاهي بأجمعهم، وحضر الأمراء الختان أخيه وابن أخيه، وعمل مهمّ عظيم في القاعة التي أنشأها بالقلعة، وعرفت بالأشرفية، وقد ذكر خبر هذا المهمّ عند ذكر القلعة من هذا الكتاب. وما برح هذا الميدان فضاء من قلعة الجبل إلى قبة النصر ليس فيه بنيان، وللملوك فيه

стр. 1111

من الأعمال ما تقدّم ذكره إلى أن كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فترك النزول إليه وبنى مسطبة برسم طعم طيور الصيد بالقرب من بركة الحبش، وصار ينزل هنالك، ثم ترك تلك المسطبة في سنة عشرين وسبعمائة، وعاد إلى ميدان القبق هذا وركب إليه على عادة من تقدّمه من الملوك، إلى أن بنيت فيه الترب شيئا بعد شيء حتى انسدّت طريقه، واتصلت المباني من ميدان القبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية، وبطل السباق منه، ورمي القبق فيه، من آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، كما ذكر عند ذكر المقابر من هذا الكتاب، وأنا أدركت عواميد من رخام قائمة بهذا الفضاء تعرف بين الناس بعواميد السباق، بين كل عمودين مسافة بعيدة، وما برحت قائمة هنالك إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة، فهدمت عند ما عمّر الأمير يونس الدوادار الظاهريّ تربته تجاه قبة النصر، ثم عمّر أيضا الأمير قجماس ابن عمّ الملك الظاهر برقوق تربة هنالك، وتتابع الناس في البنيان إلى أن صار كما هو الآن واللّه أعلم. ذكر برّ الخليج الغربي قد تقدّم أنّ هذا الخليج حفر قبل الإسلام بدهر، وأن عمرو بن العاص ﵁ جدّد حفره في عام الرمادة، بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حتى صبّ ماء النيل في بحر القلزم (١)، وجرت فيه السفن بالغلال وغيرها حتى عبرت منه إلى البحر الملح، وأنه ما برح على ذلك إلى سنة خمسين ومائة، فطمّ ولم يبق منه إلا ما هو موجود الآن، إلاّ أنّ فم هذا الخليج الذي يصبّ فيه الماء من بحر النيل، لم يكن عند حفره هذا الفم الموجود الآن، ولست أدري أين كان فمه عند ابتداء حفره في الجاهلية، فإن مصر فتحت وماء النيل عند الموضع الذي فيه الآن جامع عمرو بن العاص بمصر، وجميع ما بين الجامع وساحل النيل الآن انحسر عنه الماء بعد الفتح، وآخر ما كان ساحل مصر من عند سوق المعاريج الذي هو الآن بمصر إلى تجاه الكبش من غربيه، وجميع ما هو الآن موجود من الأرض التي فيما بين خط السبع سقايات إلى سوق المعاريج انحسر عنه الماء شيئا بعد شيء، وغرس بساتين، فعمل عبد العزيز بن مروان أمير مصر قنطرة على فم هذا الخليج في سنة تسع وستين من الهجرة بأوّله، عند ساحل الحمراء، ليتوصل من فوق هذه القنطرة إلى جنان الزهريّ الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى. وموضع هذه القنطرة بداخل حكر أقبغا المجاور لخط السبع سقايات، وما برحت هذه القنطرة عندها السدّ الذي يفتح عند الوفاء إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة، فانحسر ماء النيل عن الأرض، وغرست بساتين، فعمل الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي هذه القنطرة التي تعرف اليوم بقنطرة السدّ، خارج مصر، ليتوصل من فوقها إلى بستان

стр. 1112

الخشاب، وزيد في طول الخليج ما بين قنطرة السباع الآن وبين قنطرة السدّ المذكورة، وصار ما في شرقيه مما انحصر عنه الماء بستانا عرف ببستان الحارة، وما في غربيه يعرف ببستان المحليّ، وكان بطرف خط السبع سقايات كنيسة الحمراء، وعدّة كنائس أخر، بعضها الآن بحكر أقبغا، تعرف بزاوية الشيخ يوسف العجميّ، لسكناه بها عند ما هدمت بعد سنة عشرين وسبعمائة، وما برحت هذه البساتين موجودة إلى أن استولى عليها الأمير أقبغا عبد الواحد استدار الملك الناصر محمد بن قلاون، وقلع أخشابها وأذن للناس في عمارتها، فحكرها الناس وبنوا فيها الآدر وغيرها، فعرفت بحكر أقبغا. وبأوّل هذا الخليج الآن من غربيه منشأة المهرانيّ، وقد تقدّم خبرها في هذا الكتاب عند ذكر مدينة مصر، ويجاور منشأة المهرانيّ بستان الخشاب، وبعضه الآن يعرف بالمريس، وبعضه عمله الملك الناصر محمد بن قلاون ميدانا يشرف على النيل من غربيه، ويعرف ساحل النيل هناك بموردة الجبس، كما ذكر عند ذكر الميادين من هذا الكتاب، ويجاور بستان الخشاب جنان الزهريّ، وهذه المواضع التي ذكرت كلها مما انحسر عنه النيل، ما خلا جنان الزهريّ، فإنها من قبل ذلك، وستقف على خبرها وخبر ما يجاورها من الأحكار إن شاء اللّه تعالى. ذكر الأحكار التي في غربيّ الخليج قال ابن سيده: الاحتكار، جمع الطعام ونحوه مما يؤكل واحتباسه انتظار وقت الغلاء به. والحكرة والحكر جميعا: ما احتكر وحكره يحكره حكرا ظلمه وتنقضه وأساء معاشرته. انتهى. فالتحكير على هذا: المنع. فقول أهل مصر: حكر فلان أرض فلان، يعنون منع غيره من البناء عليها. حكر الزهريّ: هذا الحكر يدخل فيه جميع برّ ابن التبان الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، وشق الثعبان، وبطن البقرة، وسويقة القيمريّ، وسويقة صفية، وبركة الشقاف، وبركة السباعين، وقنطرة الخرق، وحدرة المرادنيين، وحكر الحلبيّ، وحكر البواشقيّ، وحكر كرجي وما بجانبه إلى قناطر السباع، وميدان المهاري إلى الميدان الكبير السلطانيّ بموردة الجبس. وكان هذا قديما يعرف بجنان الزهريّ، ثم عرف ببستان الزهري. قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ الغرباء: عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، يكنى أبا العباس، وأمّه أم عثمان بنت عثمان بن العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، مدنيّ قدم مصر، وولي الشرط بفسطاط مصر، وحدّث يروي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، روى عنه من أهل

стр. 1113

مصر أصبغ بن الفرج، وسعيد بن أبي مريم، وعثمان بن صالح، وسعيد بن عفير، وغيرهم. وهو صاحب الجنان التي بالقنطرة، قنطرة عبد العزيز بن مروان، تعرف بجنان الزهريّ، وهو حبس على ولده إلى اليوم. وكان كتاب حبس الجنان عند جدّي يونس بن عبد الأعلى وديعة عليه، مكتوب وديعة لولد ابن العباس الزهريّ لا يدفع لأحد إلاّ أن يغري به سلطان، والكتاب عندي إلى الآن. توفي عبد الوهاب بن موسى بمصر في رمضان سنة عشرة ومائتين. وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعيّ في كتاب معرفة الخطط والآثار: حبس الزهريّ هو الجنان التي عند القنطرة بالحمراء، وهو عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز الزهريّ، قدم مصر وولي الشرط بها، والجنان حبس على ولده. وقال القاضي تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج في كتاب إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمّل: حبس الزهريّ فذكره ثم قال: وهذا الحبس أكثر الآن أحكار، ما بين بركة الشقاف وخليج شق الثعبان وقد استولى وكيل بيت المال على بعضه، وباع من أرضه وآجرّ منها، واجتمع هو ومحبسه بين يدي اللّه . انتهى. ولما طال الأمد صار للزهريّ عدّة بساتين، منها بستان أبي اليمان، وبستان السراج، وبستان الحبانية، وبستان عزاز، وبستان تاج الدولة قيماز، وبستان الفرغانيّ، وبستان أرض الطيلسان، وبستان البطرك، وغيط الكرديّ، وغيط الصفار، ثم عرف ببرّ ابن التبان بعد ذلك. قال القاضي محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر في كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة: شاطئ الخليج المعروف ببرّ التبان. ابن التبان المذكور: هو رئيس المراكب في الدولة المصرية، وكان له قدر وأبهة في الأيام الآمرية وغيرها، ولما كان في الأيام الآمرية، تقدّم إلى الناس بالعمارة قبالة الخرق غربيّ الخليج، فأوّل من ابتدأ وعمر الرئيس ابن التبان، فإنه أنشأ مسجدا وبستانا ودارا، فعرفت تلك الخطة به إلى الآن، ثم بنى سعد الدولة والي القاهرة، وناهض الدولة عليّ، وعديّ الدولة أبو البركات محمد بن عثمان، وجماعة من فراشي الخاص. واتصلت العمارة بالآجرّ والسقوف النقية والأبواب المنظومة من باب البستان، المعروف بالعدّة على شاطئ الخليج الغربيّ، إلى البستان المعروف بأبي اليمن. ثم ابتنى جماعة غيرهم ممن يرغب في الأجرة والفرجة على التراع التي تتصرّف من الخليج إلى الزهريّ والبساتين من المنازل والدكاكين شيئا كثيرا، وهي الناحية المعروفة الآن بشق الثعبان وسويقة القيمريّ، إلى أن وصل البناء إلى قبالة البستان المعروف بنور الدولة الربعيّ، وهذا البستان معروف في هذا الوقت بالخطة المذكورة، وهو متلاشي الحال بسبب ملوحة بئره، وبستان نور الدولة هو

стр. 1114

الآن الميدان الظاهريّ والمناظر به، وتفرّقت الشوارع والطرق، وسكنت الدكاكين والدور، وكثر المترّددون إليه والمعاش فيه، إلى أن استناب والي القاهرة بها نائبا عنه، ثم تلاشت تلك الأحوال وتغيرت إلى أن صارت أطلالا، وعفت تلك الآثار. ثم بعد ذلك حكر آدر أو بساتين، وبني على غير تلك الصفة المقدّم ذكرها، وبني على ما هو عليه، ثم حكر بستان الزهريّ آدرا، ولم يبق منه إلاّ قطعة كبيرة بستانا، وهو الآن أحكار تعرف بالزهريّ، ويعرف البرّ جميعه ببرّ ابن التبان إلى هذا الوقت، وولايته تعرف بولاية الحكمر، وبني به حمام الشيخ نجم الدين بن الرفعة، وحمام تعرف بالقيمري، وحمام تعرف بحمّام الداية انتهى. وبستان أبي اليمان يعرف اليوم مكانه بحكر أقبغا، وفيه جامع الست مسكة، وسويقة السباعين. وبستان السراج في أرض باب اللوق، يعرف موضعه الآن بحكر الخليليّ، ويأتي ذكرهما إن شاء اللّه تعالى. وقيماز هو تاج الدولة، صهر الأمير بهرام الأرمنيّ، وزير الخليفة الحافظ لدين اللّه، وقتل عند دخول الصالح طلائع بن رزيك إلى القاهرة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعزاز هو غلام الوزير شاور بن مجير السعديّ، وزير الخليفة العاضد لدين اللّه. حكر الخليلي: هذا الحكر هو الخط الذي بقرب سويقة السباعين وجامع الست مسكة، وهو بجوار حكر الزهريّ، وكان بستانا يعرف ببستان أبي اليمان، ومنهم من يكتب بستان أبي اليمن بغير ألف بعد الميم، ثم عرف ببستان ابن جن حلوان، وهو الجمال محمد بن الزكي يحيى بن عبد المنعم بن منصور التاجر. في ثمرة البساتين عرف بابن جن حلوان، في سنة إحدى وتسعين وستمائة، وحدّ هذا البستان القبليّ إلى الخليج، وكان فيه بابه والهماليا والحدّ البحريّ ينتهي إلى غيظ قيماز، والشرقيّ إلى الآدر المحتكرة، والغربيّ ينتهي إلى قطعة تعرف قديما بابن أبي التاج. ثم عرف ببستان ابن السراج، واستأجره ابن جن حلوان من الشيخ نجم الدين بن الرفعة الفقيه المشهور في سنة ثمان وثمانين وستمائة، فعرف به. ثم إن هذا البستان حكر بعد ذلك فعرف بحكر الخليليّ وهو … (١). حكر قوصون: هذا الحكر مجاور لقناطر السباع، كان بساتين، أحدهما يعرف بالمخاريق الكبرى، والآخر يعرف بالمخاريق الصغرى، فأمّا المخاريق الكبرى: فإن القاضي الرئيس الأجل المختار العدل الأمين زكيّ الدين أبا العباس أحمد بن مرتضى بن سيد الأهل بن يوسف، وقف حصة من جميع البستان المذكور الكبير، المعروف بالمخاريق الكبرى، الذي بين القاهرة ومصر بعدوة الخليج، فيما بين البستانين المعروف أحدهما بالمخاريق الصغرى، ويعرف قديما بالشيخ الأجل ابن أبي أسامة، ثم عرف بغيره، والبستان الذي يعرف بدويرة دينار، يفصل بينهما الطريق بخط بستان الزهريّ، وبستان أبي اليمن،

стр. 1115

وكنائس النصارى قبالة جماميز السعدية والسبع سقايات، ولهذا البستان حدود أربعة: القبليّ ينتهي إلى الخليج الفاصل بينه وبين المواضع المعروفة بجماميز السعدية والسبع سقايات، والحدّ الشرقيّ ينتهي إلى البستان المعروف بالمخاريق الصغرى المقابل للمجنونة، والبحريّ ينتهي إلى البستان المعروف قديما بابن أبي أسامة، الفاصل بينه وبين بستان أبي اليمن المجاور للزهريّ، والحدّ الغربيّ ينتهي إلى الطريق. وجعل هذا البستان على القربات بعد عمارته، وشرط أن الناظر يشتري في كل فصل من فصول الشتاء ما يراه من قماش الكتان الخام أو القطن، ويصنع ذلك جبابا وبغالطيق محشوّة قطنا، ويفرّقها على الأيتام الذكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشارع الأعظم، خارج باب زويلة، لكل واحد جبة أو بغلطاق، فإن تعذر ذلك كان على الأيتام المتصفين بالصفة المذكورة بالقاهرة ومصر وقرافتيهما، فإن تعذر ذلك كان للفقراء والمساكين أينما وجدوا. وتاريخ كتاب هذا الوقف في ذي الحجة سنة ستين وستمائة، وأما المخاريق الصغرى فإنه بعدوة الخليج قبالة المجنونة بالقرب من بستان أبي اليمن، ثم عرف أخيرا ببستان بهادر رأس نوبة، ومساحته خمسة عشر فدّانا، فاشتراه الأمير قوصون وقلع غروسه، وأذن للناس في البناء عليه، فحكروه وبنوا فيه الآدر وغيرها، وعرف بحكر قوصون. حكر الحلبيّ: هذا الحكر الآن يعرف بحكر بيبرس الحاجب، وهو مجاور للزهري، ولبركة الشقاف من غربيها، وأصله من جملة أراضي الزهري، اقتطع منه وباعه القاضي مجد الدين ابن الخشاب وكيل بيت المال لابنتي السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاون، في سنة أربع وتسعين وستمائة، وكان يعرف حين هذا البيع ببستان الجمال بن جن حلوان، وبغيط الكرديّ، وببستان الطيلسان، وببستان الفرغانيّ، وحدّ هذه القطعة القبليّ إلى بركة الطوّابين، وإلى الهدير الصغير. والحدّ البحريّ ينتهي إلى بستان الفرغانيّ وإلى بستان البواشقيّ. والحدّ الشرقيّ إلى بركة الشقاف وإلى الطريق الموصلة إلى الهدير الصغير. والحدّ الغربيّ إلى بستان الفرغانيّ. ثم انتقل هذا البستان إلى الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون وحكره فعرف به. حكر البواشقيّ: عرف بالأمير أزدمر البواشقيّ مملوك الرشيديّ الكبير، أحد المماليك البحرية الصالحية، وممن قام على الملك المعز أيبك عند ما قتل الأمير فارس الدين أقطاي في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمائة، وخرج إلى بلاد الروم، ثم عرف الآن بحكر كرجي، وهو بجوار حكر الحلبيّ المعروف بحكر بيبرس. حكر أقبغا: هذا الحكر بجوار السبع سقايات، بعضه بجانب الخليج الغربيّ، وبعضه بجانب الخليج الشرقيّ، كان بستانا يعرف قديما بجنان الحارة، ويسلك إليه من خط قناطر السباع على يمنة السالك طالبا السبع سقايات، بالقرب من كنيسة الحمراء، وكان بعضه

стр. 1116

بستانا يعرف ببستان المحلي، وهو الذي في غربيّ الخليج، وكان بستان جنان الحارة بجوار بركة قارون، وينتهي إلى حوض الدمياطيّ الموجود الآن على يمنة من سلك من خط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، فاستولى عليه الأمير أقبغا عبد الواحد استادار الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأذن للناس في تحكيره، فحكر وبني فيه عدّة مساكن. وإلى يومنا هذا يجبى حكره ويصرف في مصارف المدرسة الأقبغاوية المجاورة للجامع الأزهر بالقاهرة، وأوّل من عمر في حكر أقبغا هذا أستادار الأمير جنكل بن البابا، فتبعه الناس. وفي موضع هذا الحكر كانت كنيسة الحمراء التي هدمها العامّة في أيام الملك الناصر، محمد بن قلاون كما ذكر عند ذكر الكنائس من هذا الكتاب. وهي اليوم زاوية تعرف بزاوية الشيخ يوسف العجمي، وقد ذكرت في الزوايا أيضا، وهذا الحكر لما بنى الناس فيه عرف بالآدر لكثرة من سكن فيه من التتر والوافدية من أصحاب الأمير جنكل بن البابا، وعمر تجاه هذا الحكر الأمير جنكل حمامين هما هنالك إلى اليوم، وانتشأ بعمارة هذا الحكر بظاهره سوق وجامع، وعمر ما على البركة أيضا، واتصلت العمارة منه في الجانبين إلى مدينة مصر، واتصلت به عمائر أيضا ظاهر القاهرة بعد ما كان موضع هذا الحكر مخوفا، يقطع فيه الزعار الطريق على المارّة من القاهرة إلى مصر، وكان والي مصر يحتاج إلى أن يركز جماعة من أعوانه بهذا المكان لحفظ من يمرّ من المفسدين، فصار لما حكر كأنه مدينة كبيرة، وهو إلى الآن عامر وأكثر من يسكنه الأمراء والأجناد، وهذا الحكر كان يعرف قديما بالحمراء الدنيا، وقد ذكر خبر الحمراوات الثلاث عند ذكر خطط مدينة فسطاط مصر من هذا الكتاب، وفي هذا الحكر أيضا كانت قنطرة عبد العزيز بن مروان التي بناها على الخليج ليتوصل منها إلى جنان الزهريّ، وبعض هذا الحكر مما انحسر عنه النيل، وهي القطعة التي تلي قنطرة السدّ. حكر الست حدق: هذا الحكر يعرف اليوم بالمريس، وكان بساتين، من بعضها بستان الخشاب، فعرف بالست حدق من أجل أنها أنشأت هناك جامعا كان موضعه منظرة السكرة، فبنى الناس حوله، وأكثر من كان يسكن هناك السودان، وبه يتخذ المزور مأوى أهل الفواحش والقاذورات، وصار به عدّة مساكن وسوق كبير، يحتاج محتسب القاهرة أن يقيم به نائبا عنه للكشف عما يباع فيه من المعايش، وقد أدركنا المريس على غاية من العمارة، إلاّ أنه قد اختلّ منذ حدثت الحوادث من سنة ست وثمانمائة، وبه إلى الآن بقية من فساد كبير. حكر الست مسكة: هذا الحكر بسويقة السباعين بقرب جوار حكر الست، حدق، عرف بالست مسكة لأنها أنشأت به جامعا، وهذا الحكر كان من جملة الزهريّ، ثم أفرد وصار بستانا تنقل إلى جماعة كثيرية، فلما عمرت الست مسكة في هذا الحكر الجامع بنى

стр. 1117

الناس حوله حتى صار متصلا بالعمارة من سائر جهاته، وسكنه الأمراء والأعيان وأنشأوا به الحمّامات والأسواق وغير ذلك. وكانت حدق ومسكة من جواري السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، نشأتا في داره وصارتا قهرمانتين لبيت السلطان يقتدى برأيهما في عمل الأعراس السلطانية والمهمات الجليلة التي تعمل في الأعياد والمواسم، وترتيب شؤون الحريم السلطانيّ، وتربية أولاد السلطان، وطال عمرهما وصار لهما من الأموال الكثيرة، والسعادات العظيمة ما يجلّ وصفه، وصنعا برّا ومعروفا كبيرا، واشتهرتا وبعد صيتهما وانتشر ذكر هما. حكر طقزدمر: هذا الحكر كان بستانا مساحته نحو الثلاثين فدّانا، فاشتراه الأمير طقزدمر الحمويّ نائب السلطنة بديار مصر ودمشق، وقلع أخشابه وأذن للناس في البناء عليه، فحركوه وأنشأوا به الدور الجليلة، واتصلت عمارة الناس فيه بسائر العمائر من جهاته، وأنشأ الأمير طقزدمر فيه أيضا على الخليج قنطرة ليمرّ عليها من خط المسجد المعلق إلى هذا الحكر، وصار هذا الحكر مسكن الأمراء والأجناد، وبه السوق والحمّامات والمساجد وغيرها، وهو مما عمر في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، ومات طقز دمر في ليلة الخميس مستهلّ جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وسبعمائة. اللوق: يقال لاق الشيء يلوقه لوقا ولوّقه، ليّنه. وفي الحديث الشريف لا آكل إلاّ ما لوّق لي، ولواق أرض معروفة. قاله ابن سيده: فكأن هذه الأرض لما انحسر عنها ماء النيل كانت أرضا لينة، وإلى الآن في أراضي مصر ما إذا نزل عنها ماء النيل لا تحتاج إلى الحرث للينها، بل تلاق لوقا، فصواب هذا المكان أن يقال فيه أراضي اللوق بفتح اللام، إلاّ أن الناس إنما عهدناهم يقولون قديما باب اللوق وأراضي باب اللوق بضم اللام، ويجوز أن يكون من اللق بضم اللام وتشديد القاف. قال ابن سيده: واللق كل أرض ضيقة مستطيلة، واللق الأرض المرتفعة، ومنه كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج لا تدع خقا ولا لقا إلا زرعته، حكاه الهوريّ، في الغريبين. انتهى. والخقّ بضم الخاء المعجمة وتشديد القاف، الغدير إذا جفّ. وقيل الخق ما اطمأنّ من الأرض، واللق ما ارتفع منها، وأراضي اللوق هذه كانت بساتين ومزروعات، ولم يكن بها في القديم بناء البتة، ثم لما انحسر الماء عن منشأة الفاضل عمر فيها كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، ويطلق اللوق في زمننا على المكان الذي يعرف اليوم بباب اللوق، المجاور لجامع الطباخ المطلّ على بركة الشقاف، وما يسامته إلى الخليج الذي يعرف اليوم بخليج فم الخور، وينتهي اللوق من الجانب الغربيّ إلى منشأة المهرانيّ، ومن الجانب الشرقيّ إلى الدكة بجوار المقس، وكان القاضي الفاضل قد اشترى قطعة كبيرة من أراضي اللوق هذه من بيت المال وغيره بجمل كبيرة من المال، ووقفها على العين الزرقاء بالمدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة

стр. 1118

والتسليم، وعرفت هذه الأرض ببستان ابن قريش، وبعضها دخل في الميدان الظاهريّ، وعوّض عنها أراض بأكثر من قيمتها، وكان متحصل هذا الوقف يحمل في كل سنة إلى المدينة لتنظيف العين وتنظيف مجاريها، وأما الجانب الغربيّ من خليج فم الخور المعروف اليوم بحكر ابن الأثير، وبسويقة الموفق، وموردة الملح، وساحل بولاق، كله فإنه محدث، عمّر بعد سنة سبعمائة كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى قريبا. فإنّ النيل كان يمرّ من ساحر الحمراء بغربيّ الزهري على الأراضي التي لما انحسر عنها عرفت بأراضي اللوق، إلى أن ينتهي إلى ساحل المقس، وكانت طاقات المناظر التي بالدكة تشرف على النيل الأعظم، ولا يحول بنيها وبين رؤية برّ الجيزة شيء، ويمرّ النيل من الكدة إلى المقس، ويمتدّ إلى زريبة جامع المقس الذي هو الآن على الخليج الناصريّ. فلما انحسر ماء النيل عن أراضي اللوق، اتصلت بالمقس وصارت عدّة أماكن تعرف بظاهر اللوق، وهي بستان ابن ثعلب، ومنشأة ابن ثعلب، وباب اللوق، وحكر قردمية، وحكر كريم الدين، ورحبة التبن، وبستان السعيديّ، وبركة قرموط، وخور الصعبيّ، وصار بين اللوق وبين منشأة المهرانيّ التي هي بأوّل برّ الخليج الغربيّ منشأة الفاضل، والمنشأة المستجدّة، وحكر الخليليّ، وحكر الساباط، ويعرف بحكر بستان القاصد، وحكر كريم الدين الصغير، وحكر المطوع، وحكر العين الزرقاء. وفي غربيّ هذه المواضع على شاطئ النيل زريبة قوصون، وموردة البلاط، وموردة الجبس، وخط الجامع الطيبرسيّ، وزريبة السلطان، وربع بكتمر. وأوّل ما بنيت الدور للسكن في اللوق أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، وذلك أنه جهز كشافه من خواصه مع الأمير جمال الدين الرومي السلاح دار، والأمير علاء الدين أق سنقر الناصريّ، ليعرف أخبار هولاكو، ومعهم عدّة من العربان، فوجدوا طائفة من التتر مستأمنين وقد عزموا على قصد السلطان بمصر، وذلك أن الملك بركة خان ملك التتر كان قد بعثهم نجدة لهولاكو، فلما وقع بينهما، كتب إليهم بركة يأمرهم بمفارقة هولاكو والمصير إليه، فإن تعذر عليهم ذلك صاروا إلى عسكر مصر، فإنه كان قد ركن إلى الملك الظاهر، وتردّدت القصّاد بينهم بعد واقعة بغداد ورحيل هولاكو عن حلب، فاختلف هولاكو مع ابن عمه بركة خان وتواقعا، فقتل ولد هولاكو في المصاف، وانهزم عسكره وفرّ إلى قلعة في بحيرة أذربيجان، فلما وردت الأخبار بذلك إلى مصر، كتب السلطان إلى نوّاب الشام بإكرامهم وتجهيز الإقامات لهم، وبعث إليهم بالخلع والإنعامات، فوصلوا إلى ظاهر القاهرة وهم نيف على مائتي فارس بنسائهم وأولادهم في يوم الخميس رابع عشرى ذي الحجة سنة ستين وستمائة، فخرج السلطان يوم السبت سادس عشرية إلى لقائهم بنفسه ومعه العساكر، فلم يبق أحد حتى خرج لمشاهدتهم، فاجتمع عالم عظيم تبهر رؤيتهم العقول، وكان يوما مشهودا. فأنزلهم السلطان في دور كان قد أمر بعمارتها من

стр. 1119

أجلهم في أراضي اللوق، وعمل لهم دعوة عظيمة هناك، وحمل إليهم الخلع والخيول والأموال، وركب السلطان إلى الميدان وأركبهم معه للعب الأكرة، وأعطى كبراءهم أمريات، فمنهم من عمله أمير مائة، ومنهم دون ذلك، ونزل بقيتهم من جملة البحرية، وصار كل منهم من سعة الحال كالأمير، في خدمته الأجناد والغلمان، وأفرد لهم عدّة جهات برسم مرتبهم، وكثرت نعمهم، وتظاهروا بدين الإسلام، فلما بلغ التتار ما فعله السلطان مع هؤلاء، وفد عليه منهم جماعة بعد جماعة، وهو يقابلهم بمزيد الأحسان، فتكاثروا بديار مصر، وتزايدت العمائر في اللوق وما حوله، وصار هناك عدّة أحكار عامرة آهلة إلى أن خربت شيئا بعد شيء، وصارت كيمانا، وفيها ما هو عامر إلى يومنا هذا، ولما قدمت رسل القان بركة في سنة إحدى وستين وسبعمائة، أنزلهم السلطان الملك الظاهر باللوق، وعمل لهم فيه مهما، وصار يركب في كل سبت وثلاثاء للعب الأكرة باللوق في الميدان. وفي سادس ذي الحجة من سنة إحدى وستين قدم من المغل والبهادرية زيادة على ألف وثلثمائة فارس، فأنزلوا في مساكن عمرت لهم باللوق بأهاليهم وأولادهم، وفي شهر رجب سنة إحدى وستين وسبعمائة قدمت رسل الملك بركة، ورسل الأشكري، فعملت لهم دعوة عظيمة باللوق. فأما بستان ابن ثعلب فإنه كان بستانا عظيم القدر، مساحته خمسة وسبعون فدانا، فيه سائر الفواكه بأسرها، وجميع ما يزدرع من الأشجار والنخل والكروم، والنرجس والهليون والورد، والنسرين والياسمين والخوخ، والكمثرى والنارنج والليمون التفاحيّ، والليمون الراكب، والمختن والجميز والقراصيا، والرمان والزيتون والتوت الشاميّ والمصريّ، والمرسين والتامر حنا وألبان تعرف اليوم ببركة قرموط، والأرض التي تعرف اليوم بالخور، قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السراج، وبستان الزهريّ، وبستان البورجي، فيما بين هذه البساتين وبين خليج الدكة والمقس، وكان على بستان ابن ثعلب سور مبنيّ، وله باب جليل. وحدّه القبليّ إلى منشأة ابن ثعلب، وحدّه البحريّ إلى الأرض المجاورة للميدان السلطانيّ الصالحيّ، وإلى أرض الجزائر، وفي هذا الحدّ أرض الخور، وهي من حقوقه. وحدّه الشرقيّ إلى بستان الدكة، وبستان الأمير قراقوش، وحدّه الغربيّ إلى الطريق المسلوك فيها إلى موردة السقائين قبالة بستان السراج، وموردة السقائين هذه موضع قنطرة الخرق الآن. وابن ثعلب هذا هو الشريف الأمير الكبير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب الجعفريّ الزينبيّ، أحد أمراء مصر في أيام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب وغيره، وصاحب المدرسة الشريفية بجوار درب كركامة، على رأس حارة الجودرية من القاهرة، وانتقل من بعده إلى ابنه الأمير حصن الدين ثعلب، فاشتراه منه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي بثلاثة آلاف دينار

стр. 1120

مصرية، في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكان باب هذا البستان في الموضع الذي يقال له اليوم باب اللوق، وكان هذا البستان ينتهي إلى خليج الخور، وآخره من المشرق ينتهي إلى الدكة بجوار المقس، ثم انقسم بعد ذلك قطعا وحكرت أكثر أرضه، وبنى الناس عليها الدور وغيرها، وبقيت منه إلى الآن قطعة عرفت ببستان الأمير أرغون، النائب بديار مصر أيام الملك الناصر، ثم عرف بعد ذلك ببستان ابن غراب، وهو الآن على شاطيء الخليج الناصريّ، على يمنة من سلك من قنطرة قدادار بشاطئ الخليج من جانبه الشرقي، إلى بركة قرموط، وبقيت من بستان ابن ثعلب قطعة تعرف ببستان بنت الأمير بيبرس إلى الآن، وهو وقف، ومن جملة بستان ابن ثعلب أيضا الموضع الذي يعرف ببركة قرموط، والموضع المعروف بفم الخور. وأما منشأة ابن ثعلب: فإنها بالقرب من باب اللوق، وحكرت في أيام الشريف فخر الدين بن ثعلب المذكور، فعرفت به، وهي تعرف اليوم بمنشأة الجوّانية، لأنّ جوّانية الفم. كانوا يسكنون فيها، فعرفت بهم، وأدركتها في غاية العمارة بالناس والمساكن والحوانيت وغيرها، وقد اختلت بعد سنة ست وثمانمائة، وأكثرها الآن زرائب للبقر. وأما باب اللوق: فإنه كان هناك إلى ما بعد سنة أربعين وسبعمائة بمدّة، باب كبير عليه طوارق حربية مدهونة، على ما كانت العادة في أبواب القاهرة وأبواب القلعة وأبواب بيوت الأمراء، وكان يقال له باب اللوق، فلما أنشأ القاضي صلاح الدين بن المغربيّ قيساريته التي بباب اللوق، وجعلها البيع غزل الكتان، هدم هذا الباب وجعله في الركن من جدار القيسارية القبليّ، مما يلي الغربيّ، وهذا هو باب الميدان الذي أنشأه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل لما اشترى بستان ابن ثعلب، وقد ذكر خبر هذا الميدان عند ذكر الميادين من هذا الكتاب. وأما حكر قردمية: فإنه على يمنة من سلك من باب اللوق المذكور إلى قنطرة قدادار، وكان من جملة بستان ابن ثعلبة، فحكر وصار أخيرا بيد ورثة الأمير قوصون، وكان حكرا عامرا إلى ما بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فخرب عند وقوع الوباء الكبير بمصر، وحفرت أراضيه وأخذ طينها، فصارت بركة ماء عليها كيمان، خلف الدور التي على الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة قدادار. وأما حكر كريم الدين: فإنه على يسرة من سلك من باب اللوق إلى رحبة التبن، وإلى الدكة، وكان يعرف قبل كريم الدين بحكر الصهيونيّ، وهذا الحكر الآن آيل إلى الدثور. وأما رحبة التبن: فإنها في بحري منشأة الجوانية، شارعة في الطريق العظمى التي يسلك فيها إلى قنطرة الدكة من رحبة باب اللوق، عرفت بذلك لأنه كانت أحمال التبن تقف بها لتباع هناك، فإن القاهرة كانت توقر من مرور أحمال التبن والحطب ونحو هما بها، ثم

стр. 1121

اختطت من جملة ما اختط في غربيّ الخليج، وصار بها عدّة مساكن وسوق كبير، وقد أدركته غاصا بالعمارة، وإنما اختلّ هذا الخط من سنة ست وثمانمائة. وأما بستان السعيديّ: فإنه يشرف على الخليج الناصريّ في هذا الوقت، وأدركنا ما حوله عامرا، وقد خربت الدور التي كانت هناك من جهة الطريق الشارع من باب اللوق إلى الدكة، وبها بقية آئلة إلى الدثور. وأما بركة قرموط: فإنها من حقوق بستان ابن ثعلب، ولما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ، رمى فيها ما خرج عند حفره من الطين، وأدركناها من أعمر بقعة في أرض مصر، وهي الآن خراب، كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب. وأما الخور: فإن الخور في اللغة مصبّ الماء، وهو هنا اسم للأرض التي ما بين الخليج الناصريّ والخليج الذي يعرف بفم الخور، وجميع هذه الأرض من جملة بستان ابن ثعلبة، وكان يعرف بالخور الصعبيّ، لأنه كانت به مناظر تعرف بمناظر الصعبيّ، تشرف على النيل، وكان على شاطئ الخليج الكبير في هذا الجانب الغربيّ الذي نحن في ذكره، بجوار بستان الخشاب الذي كان يتوصل إليه من قنطرة السدّ، وبعضه الآن الميدان السلطانيّ، بستان يعرف بالجزيرة، يعني بستان الجزيرة المعروف بالصعبيّ، وكان من البساتين الجليلة. وهذا الصعبيّ: هو الشيخ كريم الدولة، عبد الواحد بن محمد بن عليّ الصعبيّ، مات في شهر رمضان سنة ثلاث وستمائة بمصر، وكان له أخ يعرف بعبد العظيم بن محمد الصعبيّ. ولما انحسر ماء النيل عن الرملة التي قيل لها منية بولاق، تجاه المقس، وعمرت هناك الدور، اتصلت من قبليها بالخور، وأنشئ بشاطئ النيل الذي بالخور دور تجلّ عن الوصف، وانتظمت صفا واحدا من بولاق إلى منشأة المهرانيّ وموردة الحلفاء، ومن موردة الحلفاء على ساحل مصر الجديد إلى دير الطين غربيّ بركة الحبش، لو أحصي ما أنفق على بناء هذه الدور لقام بخراج مصر أيام كانت عامرة، وقد خرب معظمها من سنة ست وثمانمائة، وقد تقدّم ذكر منشأة الفاضل. وأما حكر الساباط، وحكر كريم الدين الصغير، وحكر المطوع، وحكر المطوع، وحكر العين الزرقاء، فإنها بالقرب من الميدان الكبير السلطانيّ، وقد خربت بعد ما كانت عامرة بالدور والمنتزهات. بستان العدّة: هذا المكان من جملة الأحكار التي في غربيّ الخليج، وهو بجوار قنطرة الخرق، وبجوار حكر النوبيّ، قريب من باب اللوق تجاه الدور المطلة على الخليج

стр. 1122

من شرقيه، المقابلة، لباب سعادة وحارة الوزيرية. كان بستانا جليلا، وقفه الأمير فارس المسلمين بدر بن رزيك، أخو الصالح طلائع بن رزيك، صاحب جامع الصالح، خارج باب زويلة، ثم أنه خرب فحكر وبني عليه عدّة مساكن، وحكره يتعاطاه ورثة فارس المسلمين. حكر جوهر النوبي: هذا الحكر تجاه الحارة الوزيرية من برّ الخليج الغربيّ، في شرقيّ بستان العدّة، ويسلك منه إلى قنطرة أمير حسين من طريق تجاه باب جامع أمير حسين، الذي تعلوه المئذنة، وما زال بستانا إلى نحو سنة ستين وستمائة، فحكر وبني فيه الدور في أيام الظاهر بيبرس، وعرف بجوهر النوبيّ أحد الأمراء في الأيام الكاملية، وقد تقدّم بديار مصر تقدّما زائدا. وكان خصيا، وهو ممن ثار على الملك العادل أبي بكر بن الكامل وخلعه، فلما كان ملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بعد أخيه العادل، قبض على جوهر في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. حكر خزائن السلاح: هذا الحكر كان يعرف قديما بحكر الأوسية، وهو فيما بين الدكة وقنطرة الموسكي، وقفه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب على مصالح خزائن السلاح، وهو وعدّة أماكن بمدينة مصر مع مدينة قليوب وأراضيها، في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وستمائة، وظهر كتاب الوقف المذكور من الخزائن السلطانية في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، وقد خرب أكثر هذا الحكر وصار كيمانا. حكر تكان: هذا الحكر بجوار سويقة العجميّ الفاصلة بينه وبين حكر خزائن السلاح، وكان يعرف قديما بحكر كوبيج. وحدّه القبليّ ينتهي إلى حكر ابن الأسد جفريل، والحدّ البحري ينتهي إلى حكر العلائيّ، والحدّ الشرقيّ ينتهي إلى حكر البغدادية، والحدّ الغربيّ ينتهي إلى حكر خزائن السلاح وسويقة العجميّ. وتكان هو الأمير سيف الدين تكان، ويقال تكام بالميم عوضا عن النون، وهذا الحكر استقرّ أخيرا في أوقاف خوندارد وتكين ابنه نوكيه السلاح دار، زوجة الملك الأشرف خليل بن قلاون، على تربتها التي أنشأتها خارج باب القرافة، التي تعرف اليوم بتربة الست، وقد خرب هذا الحكر وبيعت أنقاضه في أعوام بضع وتسعين وسبعمائة، وجعل بعضه بستانا في سنة ست وتسعين وسبعمائة. حكر ابن الأسد جفريل: هذا الحكر في قبليّ حكر تكان، كان بستانا فحكر وعرف بالأمير شمس الدين موسى بن الأمير أسد الدين جفريل، أحد أمراء الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بمصر. حكر البغدادية: هذا الحكر بجوار خليج الذكر، كان من أعظم البساتين في الدولة

стр. 1123

الفاطمية، فأزال الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب أشجاره ونخله، وجعله ميدانا. ثم حكر وصارت فيه عدّة مساكن، وهو الآن خراب يباب، لا يأويه إلاّ البوم والرخم. حكر خطلبا: هذا الحكر حدّه القبليّ إلى الخليج، وحدّه البحريّ إلى الكوم الفاصل بينه وبين حكر الأوسية، المعروف بالجاوليّ، وحدّه الشرقيّ إلى بستان الجليس الذي عرف بابن منقذ، والحدّ الغربيّ إلى زقاق هناك. وكان هذا الحكر بستانا اشتراه جمال الدين الطواشيّ (١)، من جمال الدين عمر بن ناصح الدين داود بن إسماعيل الملكيّ الكامليّ، في سنة ست عشرة وستمائة. ثم ابتاعه منه الطواشيّ محي الدين صندل الكامليّ في سنة عشرين وستمائة، وباعه الأمير الفارس صارم الدين خطلبا الكامليّ في سنة إحدى وعشرين وستمائة فعرف به. وهو خطلبا بن موسى الأمير صارم الدين الفارسيّ التبتي الموصليّ الكامليّ، استقرّ في ولاية القاهرة سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم أضيفت له ولاية الفيوم في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ثم صرف عنها وسار متسلمة إلى اليمن ليتسلمها، فتسلمها في جمادى الأولى، وسار هو في سادس شوال منها واليا على مدينة زبيد باليمن، ومعه خمسمائة رجل، ورفيقه الأمير باخل، فبلغت النفقة عليه عشرين ألف دينار، وكتب للطواشية بنفقة عشرة دنانير لكل منهم على اليمن، فأقام باليمن مدّة، ثم قدم إلى القاهرة وصار من أصحاب الأمير فخر الدين جهاركس، وتأخر إلى أيام الملك الكامل، وصار من أمرائه بالقاهرة إلى أن مات في ثالث شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة. حكر ابن منقذ: هذا الحكر خارج باب القنطرة بعدوة خليج الذكر، وكان بستانا يعرف ببستان الشريف الجليس، ويعرف أيضا بالبطائحيّ، ثم عرف بالأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، نائب الملك المعز سيف الإسلام ظهير الدين طفتكين بن نجم الدين أيوب بن شادي على مملكة اليمن، وانتقل بعد ابن منقذ إلى الشيخ عبد المحسن بن عبد العزيز بن عليّ المخزوميّ، المعروف بابن الصيرفيّ، فوقفه على جهات تؤول أخيرا إلى الفقراء والمساكين المقيمين بمشهد السيدة نفيسة، والفقراء والمساكين المعتقلين في حبوس القاهرة، في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ثم أزيلت أنشاب هذا البستان وحكرت أرضه وبنيت الدور والمساكن عليها، وهو الآن خراب. حكر فارس المسلمين بدر بن رزيك: هذا الحكر تجاه منظرة اللؤلؤة، كان من جملة

стр. 1124

البركة المعروفة ببطن البقرة، ثم حكر وبني فيه وأكثره الآن خراب. حكر شمس الخواص مسرور: هذا الحكر فيما بين خليج الذكر وحكر ابن منقذ، كان بستانا لشمس الخواص مسرور الطواشي، أحد الخدّام الصالحية، مات في نصف شوال سنة سبع وأربعين وستمائة بالقاهرة، ثم حكر وبني فيه الدور، وموضعه الآن كيمان. حكر العلائي: هذا الحكر يجاور حكر تكان من بحريه، وكان بستانا جليل القدر، ثم حكر وصار بعضه وقف تذكاريي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس، وقفته في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة على نفسها، ثم من بعدها على الرباط الذي أنشأته داخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وهو الرباط المعروف برواق البغدادية، وعلى المسجد الذي بحكر سيف الإسلام خارج باب زويلة، وعلى تربتها التي بجوار جامع ابن عبد الظاهر بالقرافة، وصار بعض هذا الحكر في وقف الأمير سيف الدين بهادر العلائيّ متولى البهنساء، وكان وقفه في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فعرف بالحكر العلائي المذكور، وأدركت هذا الحكر وهو من أعمر الأحكار، وفيه درب الأمير عز الدين أيدمر الزرّاق، أمير جاندار ووالي القاهرة، وداره العظيمة ومساكنه الكثيرة، فلما حدثت المحن منذ سنة ست وثمانمائة خرب هذا الحكر وأخذت أنقاضه، وبقيت دار الزرّاق إلى سنة سبع عشرة وثمانمائة، فشرع في الهدم فيها لأجل أنقاضها الجليلة. حكر الحريري: هذا الحكر بجوار حكر العلائيّ المذكور من حدّه البحريّ، وهو من جملة الأرض المعروفة بالأرض البيضاء، وكان بستانا، ثم حكر وصار في وقف خزائن السلاح، وأدركناه عامرا وفيه سوق يعرف بالسويقة البيضاء، كانت بها عدّة حوانيت، وقد خرب هذا الحكر، وهذا الحريريّ هو الصاحب محيي الدين. حكر المساح: عرف بالأمير شمس الدين سنقر المساح، أحد أمراء الظاهر بيبرس، قبض عليه في عدّة من الأمراء في ذي الحجة سنة تسع وستين وستمائة. الدكة: هذا المكان كان بستانا من أعظم بساتين القاهرة، فيما بين أراضي اللوق والمقس، وبه منظرة للخلفاء الفاطميين تشرف طاقاتها على بحر النيل العظيم، ولا يحول بينها وبني برّ الجيزة شيء، فلما زالت الدولة الفاطمية تلاشى أمر هذا البستان وخرب، فحكر موضعه وبنى الناس فيه، فصار خطة كبيرة كأنه بلد جليل، وصار به سوق عظيم، وسكنه الكتاب وغيرهم من الناس، وأدركته عامرا، ثم إنه خرب منذ سنة ست وثمانمائة، وبه الآن بقية عما قليل تدثر كما دثر ما هنالك وصار كيمانا.

стр. 1125

ذكر المقس وفيه الكلام على المكس وكيف كان أصله في أوّل الإسلام اعلم أن المقس قديم، وكان في الجاهلية قرية تعرف بأمّ دنين، وهي الآن محلة بظاهر القاهرة في برّ الخليج الغربيّ، وكان عند وضع القاهرة هو ساحل النيل، وبه أنشأ الإمام المعز لدين اللّه أبو معدّ الصناعة التي ذكرت عند ذكر الصناعات من هذا الكتاب، وبه أيضا أنشأ الإمام الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور جامع المقس الذي تسميه عامّة أهل مصر في زمننا بجامع المقسيّ، وهو الآن يطلّ على الخليج الناصريّ. قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر، وقد ذكر مسير عمرو بن العاص ﵁ إلى فتح مصر: فتقدّم عمرو بن العاص ﵁ لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف، حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر، حتى فتح اللّه عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى أمّ دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف، تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم، وذكر تمام الخبر. وقال القاضي أبو عبد اللّه القضاعيّ: المقس كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين، وإنما سمّيت المقس لأنّ العاشر كان يقعد بها، وصاحب المكس، فقيل المكس، فقلب فقيل المقس. قال المؤلف ﵀: الماكس هو العشار، وأصل المكس في اللغة الجباية. قال ابن سيدة في كتاب المحكم: المكس الجباية، مكسه يمكسه مكسا، والمكس دراهم كانت تؤخذ من بائع السلع في الأسواق في الجاهلية، ويقال للعشار صاحب مكس، والمكس انتقاص الثمن في البياعة. قال الشاعر: أفي كلّ أسواق العراق أتاوة … وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم ألا ينتهي عنا رجال وتتّقى … محارمنا لا يدرأ الدّم بالدّمّ الأتاوة الخراج ومكس درهم أي نقص درهم في بيع ونحوه. قال: وعشر القوم يعشرهم عشرا وعشورا، وعشرهم أخذ عشر أموالهم، وعشر المال نفسه، وعشره كذلك، والعشّار قابض العشر. ومنه قول عيسى بن عمرو لابن هبيرة وهو يضرب بين يديه بالسياط: تاللّه إن كانت إلاّ ثيابا في أسفاط قبضها عشّاروك. وقال الجاحظ: ترك الناس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للأتاوة بالخراج، وتسميتهم لما يأخذه السلطان من الحلوان والمكس بالرشوة، وقال الخارجيّ: أفي كلّ أسواق العراق أتاوة. البيت وكما قال العبديّ في الجارود: اكابن المعلي خلتنا أما حسبتنا … صواريّ نعطي الماكسين مكوسا الصواريّ: الملاحون، والمكس: ما يأخذ العشار انتهى. ويقال أن قوم شعيب ﵇، كانوا مكاسين، لا يدعون شيئا إلا مكّسوه. ومنه
следующие страницы →