← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

فيها، فإنها كانت تشرف على قصره، واعتنى بها الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وجعل لها الستور الجليلة والفرش العظيمة، في كلّ فصل ما يناسبه. فلما زالت دولة بني طولون وخرب القصر والميدان، كانت قبة الهواء مما خرب، كما تقدّم ذكره عند ذكر القطائع من هذا الكتاب، ثم عمل موضع قبة الهواء مقبرة وبني فيها عدّة مساجد. قال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة في كتاب النقطة في الخطط: والمساجد المبنية على الجبل، المتصلة باليحاميم المطلة على القاهرة المعزية التي فيها المسجد المعروف بسعد الدولة، والترب التي هناك، تحتوي القلعة التي بناها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب علي الجميع، وهي التي نعتها بالقاهرة، وبنيت هذه القلعة في مدّة يسيرة، وهذه المساجد هي مسجد سعد الدولة، ومسجد معز الدولة. والي مصر، ومسجد مقدّم بن عليان من بني بويه الديلميّ، ومسجد العدّة بناه أحد الأستاذين الكبار المستنصرية، وهو عدّة الدولة، وكان بعد مسجد معز الدولة، ومسجد عبد الجبار بن عبد الرحمن بن شبل بن عليّ رئيس الرؤساء. وكافي الكفاة أبي يعقوب بن يوسف، الوزير بهمدان، ابن عليّ. بناه وانتقل بالإرث إلى ابن عمه القاضي الفقيه أبي الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل، وكان من أعيان السادة، ومسجد قسطة، وكان غلاما أرمنيا من غلمان المظفر بن أمير الجيوش، مات مسموما من أكلة هريسة. وقال الحافظ أبو الطاهر السلفيّ: سمعت أبا منصور قسطة الأرمنيّ والي الاسكندرية يقول: كان عبد الرحمن خطيب ثغر عسقلان يخطب بظاهر البلد في عيد من الأعياد، فقيل له: قد قرب منا العدو. فنزل عن المنبر وقطع الخطبة، فبلغه أن قوما من العسكرية عابوا عليه فعله، فخطب في الجمعة الأخرى داخل البلد في الجامع خطبة بليغة قال فيها: قد زعم قوم أن الخطيب فزع، وعن المنبر نزع، وليس ذلك عارا على الخطيب، فإنما ترسه الطيلسان وحسامه اللسان، وفرسه خشب لا تجري من الفرسان، وإنما العار على من تقلد الحسام وسنّ السنان، وركب الجياد الحسان، وعند اللقاء يصيح إلى عسقلان. وكان قسطة هذا من عقلاء الأمراء المائلين إلى العدل، المثابرين على مطالعة الكتب، وأكثر ميله إلى التواريخ وسير المتقدّمين، وكان مسجده بعد مسجد شقيق الملك، ومسجد الديلميّ، وكان على قرنة الجبل المقابل للقلعة من شرقيها إلى البحريّ، وقبره قدّام الباب. وتربة ولخشى الأمير والد السلطان رضوان بن ولخشى، المنعوت بالأفضل، كان من الأعيان الفضاء الأدباء، ضرب على طريقة ابن البوّاب، وأبي عليّ بن مقلة، وكتب عدّة ختمات، وكان كريما شجاعا يلقّب فحل الأمراء، وكانت هذه التربة آخر الصف، ومسجد شقيق الملك الأستاذ خسروان صاحب بيت المال أضيف إلى سور القلعة البحري إلى المغرب قليلا، ومسجد أمين الملك صارم الدولة مفلح صاحب الملجس الحافظيّ كان بعد مسجد

стр. 1262

القاضي أبي الحجاج، المعروف بمسجد عبد الجبار، وهو في وسط القلعة، بعده تربة لاون أخي يانس، ومسجد القاضي النبيه، كان لمام الدولة غنّام، ومات رسولا ببلاد الشام، وشراه منه وأنشأه القاضي النبيه، وقبره به، وكان القاضي من الأعيان. وقال ابن عبد الظاهر: أخبرني والدي قال: كنا نطلع إليها، يعني إلى المساجد التي كانت موضع قلعة الجبل، قبل أن تسكن في ليالي الجمع، نبيت متفرّجين كما نبيت في جواسق الجبل والقرافة. قال مؤلفه ﵀: وبالقلعة الآن مسجد الردينيّ، وهو أبو الحسن علي بن مرزوق بن عبد اللّه الردينيّ الفقيه المحدّث المفسر، كان معاصرا لأبي عمر وعثمان بن مرزوق الحوفيّ، وكان ينكر على أصحابه، وكانت كلمته مقبولة عند الملوك، وكان يأوي بمسجد سعد الدولة، ثم تحوّل منه إلى مسجد عرف بالردينيّ، وهو الموجود الآن بداخل قلعة الجبل، وعليه وقف بالإسكندرية، وفي هذا المسجد قبر يزعمون أنه قبره، وفي كتب المزارات بالقرافة، أنّه توفي ودفن بها في سنة أربعين وخمسمائة، بخط سارية شرقيّ تربة الكيروانيّ، واشتهر قبره بإجابة الدعاء عنده. ذكر بناء قلعة الجبل وكان سبب بنائها أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، لما أزال الدولة الفاطمية من مصر واستبدّ بالأمر، لم يتحوّل من دار الوزارة بالقاهرة، ولم يزل يخاف على نفسه من شيعة الخلفاء الفاطميين بمصر، ومن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سلطان الشام، رحمة اللّه عليه، فامتنع أوّلا من نور الدين بأن سير أخاه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب في سنة تسع وستين وخمسمائة، إلى بلاد اليمن لتصير له مملكة تعصمه من نور الدين، فاستولى شمس الدولة على ممالك اليمن، وكفى اللّه تعالى صلاح الدين أمر نور الدين ومات في تلك السنة، فحلاله الجوّ وأمن جانبه، وأحبّ أن يجعل لنفسه معقلا بمصر، فإنه كان قد قسم القصرين بين أمرائه وأنزلهم فيهما، فيقال أنّ السبب الذي دعاه إلى اختيار مكان قلعة الجبل، أنه علق اللحم بالقاهرة فتغير بعد يوم وليلة، فعلق لحم حيوان آخر في موضع القلعة فلم يتغير إلا بعد يومين وليلتين، فأمر حينئذ بإنشاء قلعة هناك، وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ، فشرع في بنائها وبنى سور القاهرة الذي زاده في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وهدم ما هنالك من المساجد وأزال القبور وهدم الأهرام الصغار التي كانت بالجيزة تجاه مصر، وكانت كثيرة العدد، ونقل ما وجد بها من الحجارة وبنى به السور والقلعة وقناطر الجيزة، وقصد أن يجعل السور يحيط بالقاهرة والقلعة ومصر، فمات السلطان قبل أن يتم الغرض من السور والقلعة، فأهمل العمل إلى أن كانت سلطنة الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في قلعة الجبل

стр. 1263

واستنابته في مملكة مصر وجعله وليّ عهد، فأتم بناء القلعة وأنشأ بها الآدر السلطانية، وذلك في سنة أربع وستمائة، وما برح يسكنها حتي مات، فاستمرّت من بعده دار مملكة مصر إلى يومنا هذا، وقد كان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يقيم بها أياما، وسكنها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين في أيام أبيه مدّة، ثم انتقل منها إلى دار الوزارة. قال ابن عبد الظاهر: وسمعت حكاية تحكى عن صلاح الدين أنه طلعها ومعه أخوه الملك العادل، فلما رآها التفت إلى أخيه وقال: يا سيف الدين، قد بنيت هذه القلعة لأولادك. فقال: يا خوند منّ اللّه عليك أنت وأولادك وأولاد أولادك بالدنيا. فقال: ما فهمت ما قلت لك، أنا نجيب ما يأتي لي أولاد نجباء، وأنت غير نجيب فأولادك يكونون نجباء، فسكت. قال مؤلفه ﵀: وهذا الذي ذكره صلاح الدين يوسف من انتقال الملك عنه إلى أخيه وأولاد أخيه ليس هو خاصا بدولته، بل اعتبر ذلك في الدول تجد الأمر ينتقل عن أولاد القائم بالدولة إلى بعض أقاربه، هذا رسول اللّه ﷺ هو القائم بالملة الإسلامية، ولما توفي ﷺ انتقل أمر القيام بالملة الإسلامية بعده إلى أبي بكر الصدّيق ﵁، واسمه عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ، فهو ﵁ يجتمع من النبي ﷺ ، في مرّة بن كعب، ثم انتقل الأمر بعد الخلفاء الراشدين ﵃ إلى بني أمية كان القائم بالدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، فلم تفلح أولاده وصارت الخلافة إلى مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، فتوارثها بنو مروان حتى انقضت دولتهم بقيام بني العباس ﵁، فكان أول من قام من بني العباس عبد اللّه بن محمد السفاح، ولما مات انتقلت الخلافة من بعده إلى أخيه أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، واستقرّت في بنيه إلى أن انقرضت الدولة العباسية من بغداد. وكذا وقع في دول العجم أيضا، فأول ملوك بني بوبه، عماد الدين أبو عليّ الحسن بن بويه، والقائم من بعده في السلطنة أخوه حسن بن بويه، وأوّل ملوك بني سلجوق، طغريل، والقائم من بعده في السلطنة ابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق، وأوّل قائم بدولة بني أيوب، السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولما مات اختلف أولاده فانتقل ملك مصر والشام وديار بكر والحجاز واليمن إلى أخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، واستمرّ فيهم إلى أن انقرضت الدولة الأيوبية، فقام بمملكة مصر المماليك الأتراك، وأوّل من قام منهم بمصر الملك المعز أيبك، فلما مات لم يفلح ابنه عليّ فصارت المملكة إلى قطز، وأوّل من قام بالدولة الجركسية الملك الظاهر برقوق، وانتقلت المملكة من بعد ابنه الملك الناصر فرج إلى الملك المؤيد شيخ المحموديّ الظاهريّ، وقد جمعت في هذا

стр. 1264

فصلا كبيرا، وقلما تجد الأمر بخلاف ما قلته لك وللّه عاقبة الأمور. قال ابن عبد الظاهر: والملك الكامل هو الذي اهتم بعمارتها وعمارة أبراجها، البرج الأحمر وغيره، فكملت في سنة أربع وستمائة، وتحوّل إليها من دار الوزارة ونقل إليها أولاد العاضد وأقاربه وسجنهم في بيت فيها، فلم يزالوا فيه إلى أن حوّلوا منه في سنة إحدى وسبعين وستمائة. قال: وفي آخر سنة اثنتين وثمانين وسنمائة شرع السلطان الملك المنصور قلاون في عمارة برج عظيم على جانب باب السرّ الكبير، وبنى علوه مشترفات وقاعات مرخمة لم ير مثلها، وسكنها في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، ويقال أن قراقوش كان يستعمل في بناء القلعة والسور خمسين ألف أسير. البئر التي بالقلعة: هذه البئر من العجائب، استنبطها قراقوش. قال ابن عبد الظاهر: وهذه البئر من عجائب الأبنية، تدور البقر من أعلاها فتنقل الماء من نقالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من أسفلها، ولها طريق إلى الماء ينزل البقر إلى معينها في مجاز، وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء، وقيل أن أرضها مسامّة أرض بركة الفيل وماؤها عذب. سمعت من يحكي من المشايخ أنها لما نقرت جاء ماؤها حلوا، فأراد قراقوش أو نوّا به الزيادة في مائها، فوسع نقر الجبل فخرجت منه عين مالحة غيرت حلاوتها. وذكر القاضي ناصر الدين شافع بن عليّ في كتاب عجائب البنيان، أنه ينزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلاثمائة درجة. ذكر صفة القلعة وصفة قلعة الجبل أنها بناء على نشزعال، يدور بها سور من حجر بأبراج وبدنات حتى تنتهي إلى القصر الأبلق، ثم من هناك تتصل بالدور السلطانية على غير أوضاع أبراج الغلال، ويدخل إلى القلعة من بابين، أحدهما بابها الأعظم المواجه للقاهرة، ويقال له الباب المدرّج، وبداخله يجلس والي القلعة، ومن خارجه تدق الخليلية قبل المغرب. والباب الثاني باب القرافة، وبين البابين ساحة فسيحة في جانبها بيوت، وبجانبها القبليّ سوق للمآكل، ويتوصل من هذه الساحة إلى دركاه جليلة كان يجلس بها الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول، وفي وسط الدركاه باب القلعة، ويدخل منه في دهليز فسيح إلى ديار وبيوت وإلى الجامع الذي تقام به الجمعة، ويمشي من دهليز باب القلعة في مداخل أبواب إلى رحبة فسيحة في صدرها الإيوان الكبير المعدّ لجلوس السلطان في يوم المواكب، وإقامة دار العدل. وبجانب هذه الرحبة ديار جليلة، ويمرّ منها إلى باب القصر الأبلق، وبين يدي باب القصر رحبة دون الأولى يجلس بها خواص الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة بالقصر، وكان بجانب هذه الرحبة محاذيا لباب القصر خزانة القصر، ويدخل من باب القصر في دهاليز خمسة إلى قصر عظيم، ويتوصل منه إلى الإيوان الكبير بباب خاص، ويدخل منه

стр. 1265

أيضا إلى قصور ثلاثة، ثم إلى دور الحرم السلطانية، وإلى البستان والحمّام والحوش، وباقي القلعة فيه دور ومساكن للماليك السلطانية وخواص الأمراء بنسائهم وأولادهم ومماليكهم ودواوينهم وطشتخاناتهم (١) وفرشخاناتهم (٢) وشربخاناتهم (٣) ومطابخهم وسائر وظائفهم، وكانت أكابر أمراء الألوف وأعيان أمراء الطبلخاناه والعشراوات تسكن بالقلعة إلى آخر أيام الناصر محمد بن قلاون، وكان بها أيضا طباق المماليك السلطانية ودار الوزارة، وتعرف بقاعة الصاحب، وبها قاعة الإنشاء وديوان الجيش وبيت المال وخزانة الخاص، وبها الدور السلطانية من الطشتخاناه والركابخاناه والحوائجخاناه والزردخاناه، وكان بها الجب الشنيع لسجن الأمراء، وبها دار النيابة، وبها عدّة أبراج يحبس بها الأمراء والمماليك، وبها المساجد والحوانيت والأسواق، وبها مساكن تعرف بخرائب التتر، كانت قدر حارة خرّبها الملك الأشرف برسباي في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، ومن حقوق القلعة الإصطبل السلطانيّ، وكان ينزل إليه السلطان من جانب إيوان القصر، ومن حقوقها أيضا الميدان، وهو فاصل بين الإصطبلات وسوق الخيل من غربيه، وهو فسيح المدى وفيه يصلي السلطان صلاة العيدين، وفيه يلعب بالأكرة مع خواصه، وفيه تعمل المدّات أوقات المهمات أحيانا، ومن رأى القصور والإيوان الكبير والميدان الأخضر والجامع يقرّ لملوك مصر بعلوّ الهمم وسعة الإنفاق والكرم. باب الدرفيل: هذا الباب بجانب خندق القلعة، ويعرف أيضا بباب المدرج، وكان يعرف قديما بباب سارية، ويتوصل إليه من تحت دار الضيافة وينتهي منه إلى القرافة، وهو فيما بين سور القلعة والجبل. والدرفيل هو الأمير حسام الدين لاجين الأيدمريّ، المعروف بالدرفيل، دوادار الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، مات في سنة اثنتين وسبعين وستمائة. دار العدل القديمة: هذه الدار موضعها الآن تحت القلعة، يعرف بالطبلخاناه، والذي بنى دار العدل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، في سنة إحدى وستين وستمائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر في كلّ اثنين وخميس، وابتدأ بالحضور في أوّل سنة اثنتين وستين وستمائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر في كلّ اثنين وخميس، وابتدأ بالحضور في أوّل سنة اثنتين وستين وستمائة، فوقف إليه ناصر الدين محمد بن أبي نصر وشكا أنه أخذ له بستان في أيام المعز أيبك، وهو بأيدي المقطعين، وأخرج كتابا مثبتا وأخرج من

стр. 1266

ديوان الجيش ما يشهد بأن البستان ليس من حقوق الديوان، فأمر بردّه عليه فتسلمه. وأحضرت مرافعة في ورقة مختومة رفعها خادم أسود في مولاه القاضي شمس الدين شيخ الحنابلة، تضمنت أنه يبغض السلطان ويتمنى زوال دولته، فإنه لم يجعل للحنابلة مدرّسا في المدرسة التي أنشأها بخط بين القصرين، ولم يولّ قاضيا حنبليا، وذكر عنه أمورا قادحة، فبعث السلطان الورقة إلى الشيخ، فحضر إليه وحلف أنه ما جرى منه شيء، وأن هذا الخادم طردته فاختلق عليّ ما قال. فقبل السلطان عذره وقال: ولو شتمتني أنت في حلّ، وأمر بضرب الخادم مائة عصا. وغلت الأسعار بمصر حتى بلغ أردب القمح نحو مائة درهم، وعدم الخبز، فنادى السلطان في الفقراء أن يجتمعوا تحت القلعة، ونزل في يوم الخميس سابع ربيع الآخر منها وجلس بدار العدل هذه ونظر في أمر السعر وأبطل التسعير، وكتب مرسوما إلى الأمراء ببيع خمسمائة أردب، في كلّ يوم ما بين مائتين إلى ما دونهما، حتى لا يشتري الخزان شيئا، وأن يكون البيع للضعفاء والأرامل فقط دون من عداهم، وأمر الحجاب فنزلوا تحت القلعة وكتبوا أسماء الفقراء الذين تجمعوا بالرميلة، وبعث إلى كلّ جهة من جهات القاهرة ومصر وضواحيهما حاجبا لكتابة أسماء الفقراء، وقال: واللّه لو كان عندي غلة تكفي هؤلاء لفرّقتها، ولما انتهى إحضار الفقراء أخذ منهم لنفسه ألوفا، وجعل باسم ابنه الملك السعيد ألوفا، وأمر ديوان الجيش فوزع باقيهم، على كلّ أمير من الفقراء بعدّة رجاله، ثم فرّق ما بقي على الأجناد، ومفاردة الحلقة، والمقدّمين، والبحرية، وجعل طائفة التركمان ناحية وطائفة الأكراد ناحية، وقرّر لكلّ واحد من الفقراء كفايته لمدّة ثلاثة أشهر، فلما تسلم الأمراء والأجناد ما خصهم من الفقراء فرّق من بقي منهم على الأكابر والتجار والشهود، وعين لأرباب الزوايا مائة أردب قمح في كلّ يوم، تخرج من الشون السلطانية إلى جامع أحمد بن طولون وتفرّق على من هناك، ثم قال: هؤلاء المساكين الذين جمعناهم اليوم ومضى النهار لا بدّ لهم من شيء، وأمر ففرّق في كلّ منهم نصف درهم ليتقوّت به في يومه، ويستمرّ له من الغد ما تقرّر، فأنفق فيهم جملة مال، وأعطى للصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن حنا طائفة كبيرة من العميان، وأخذ الأتابك سيف الدين أقطاي طائفة التركمان، ولم يبق أحد من الخواص والأمراء الحواشي ولا من الحجاب والولاة وأرباب المناصب وذوي المراتب وأصحاب الأموال حتى أخذ جماعة من الفقراء على قدر حاله. وقال السلطان للأمير صارم الدين المسعوديّ والي القاهرة: خذ مائة فقير وأطعمهم للّه تعالى. فقال: نعم قد أخذتهم دائما. فقال له السلطان هذا شيء فعلته ابتداء من نفسك، وهذه المائة خذها لأجلي. فقال للسلطان: السمع والطاعة، وأخذ مائة فقير زيادة على المائة التي عينت له، وانقضى النهار في هذا العمل وشرع الناس في فتح الشون والمخازن وتفرقة الصدقات على الفقراء، فنزل سعر القمح ونقص الأردب عشرين درهما، وقلّ وجود

стр. 1267

الفقراء إلى أن جاء شهر رمضان، وجاء المغلّ الجديد، فأوّل يوم من بيع الجديد نقص سعر أردب القمح أربعين درهما ورقا، وفي اليوم الذي جلس فيه السلطان بدار العدل للنظر في أمور الأسعار قرئت عليه قصة ضمان دار الضرب، وفيها أنه قد توقفت الدراهم وسألوا إبطال الناصرية، فإن ضمانهم بمبلغ مائتي ألف وخمسين ألف درهم، فوقع عليها يحط عنهم منها مبلغ خمسين ألف درهم وقال: نحط هذا ولا نؤذي الناس في أموالهم. وفي مستهل شهر رجب منها جلس أيضا بدار العدل، فوقف له بعض الأجناد بصغير يتيم ذكر أنه وصيه، وشكا من قضيته. فقال السلطان لقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، أنّ الأجناد إذا مات أحد منهم استولى خجداشه على موجوده، فيموت الوصيّ، ويكبر اليتيم فلا يجد له مالا، وتقدّم إليه أن لا يمكّن وصيا من الانفراد بتركة ميت، ولكن يكون نظر القاضي شاملا له، وتصير أموال الأيتام مضبوطة بأمناء الحكم. ثم أنه استدعى نقباء العساكر وأمرهم بذلك، فاستمرّ الحال فيه على ما ذكر. وفي خامس عشري شعبان سنة ثلاث وستين وستمائة، جلس بدار العدل واستدعى تاج الدين ابن القرطبيّ وقال له: قد أضجرتني مما تقول عندي مصالح لبيت المال، فتحدّث الآن بما عندك، فتكلّم في حق قاضي القضاة تاج الدين، وفي حق متولي جزيرة سواكن، وفي حق الأمراء، وأنهم إذا مات منهم أحد أخذ ورثته أكثر من استحقاقهم، فأنكر عليه وأمر بحبسه، وتحدّث السلطان في أمر الأجناد وأنه إذا مات أحدهم في مواطن الجهاد لا يصل إليه شاهد حتى يشهد عليه بوصيته، وأنه يشهد بعض أصحابه، فإذا حضر إلى القاهرة لا تقبل شهادته، وكان الجنديّ في ذلك الوقت لا تقبل شهادته، فرأى السلطان أن كلّ أمير يعين من جماعته عدّة ممن يعرف خيره ودينه ليسمع قولهم، وألزم مقدّمي الأجناد بذلك، فشرع قاضي القضاة في اختيار رجال جياد من الأجناد وعينهم لقبول شهادتهم، ففرحت العساكر بذلك. وجلس أيضا في تاسع عشرية بدار العدل فوقف له شخص وشكا أن الأملاك الديوانية لا يمكن أحد من سكانها أن ينتقل منها، فأنكر السلطان ذلك وأمر أن من انقضت مدّة إجارته وأراد الخلوّ فلا يمنع من ذلك، وله في ذلك عدّة أخبار كلها صالحة، رحمه اللّه تعالى. وما برحت دار العدل هذه باقية إلى أن استجدّ السلطان الملك المنصور قلاون الإيوان فهجرت دار العدل هذه إلى أن كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فهدمها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وعمل موضعها الطبلخاناه، فاستمرّت طبلخاناه إلى يومنا، إلاّ أنه كان في أيام عمارتها إنما يجلس بها دائما في أيام الجلوس نائب دار العدل ومعه القضاة، وموقع دار العدل والأمراء، فينظر نائب دار العدل. في أمور المتظلمين، وتقرأ عليه

стр. 1268

القصص، وكان الأمر على ذلك في أيام الظاهر بيبرس وأيام ابنه الملك السعيد بركة، ثم أيام الملك المنصور قلاون. الإيوان: المعروف بدار العدل، هذا الإيوان أنشأه السلطان الملك المنصور قلاون الألفيّ الصالحيّ النجميّ، ثم جدّده ابنه السلطان الملك الأشرف خليل، واستمرّ جلوس نائب دار العدل به، فلما عمل الملك الناصر محمد بن قلاون الروك أمر بهدم هذا الإيوان، فهدم وأعاد بناءه على ما هو عليه الآن، وزاد فيه، وأنشأ به قبة جليلة، وأقام به عمدا عظيمة نقلها إليه من بلاد الصعيد ورخمه، ونصب في صدره سرير الملك، وعمله من العاج والأبنوس، ورفع سمك هذا الإيوان وعمل أمامه رحبة فسيحة مستطيلة، وجعل بالإيوان باب سرّ من داخل القصر، وعمل باب الإيوان مسبوكا من حديد بصناعة بديعة تمنع الداخل إليه، وله منه باب يغلق، فإذا أراد أن يجلس فتح حتى ينظر منه ومن تخاريم الحديد بقية العسكر الواقفين بساحة الإيوان، وقرّر للجلوس فيه بنفسه يوم الاثنين ويوم الخميس، فاستمرّ الأمر على ذلك، وكان أوّلا دون ما هو اليوم، فوسع في قبته وزاد في ارتفاعه وجعل قدّامه دركاة كبيرة، فجاء من أعظم المباني الملوكية، وأوّل ما جلس فيه عند انتهاء عمل الروك بعد ما رسم لنقيب الجيش أن يستدعي سائر الأجناد، فلما تكامل حضورهم جلس وعين أن يحضر في كلّ يوم مقدّما ألوف بمضافيهما، فكان المقدّم يقف بمضافيه ويستدعي بمضافيه من تقدمته على قدر منازلهم، فيتقدّم الجنديّ إلى السلطان فيسأله أنت ابن من ومملوك من، ثم يعطيه مثالا، واستمرّ على ذلك من مستهل المحرّم سنة خمس عشرة وسبعمائة إلى مستهل صفر منها، وما برح بعد ذلك يواظب على الجلوس به في يومي الاثنين والخميس، وعنده أمراء الدولة والقضاة والوزير وكاتب السرّ وناظر الجيش وناظر الخاص وكتاب الدست، وتقف الأجناد بين يديه على قدر أقدارهم، فلما مات الملك الناصر اقتدى به في ذلك أولاده من بعده، واستمرّوا على الجلوس بالإيوان إلى أن استبدّ بمملكة مصر الملك الظاهر برقوق، فالتزم ذلك أيضا، إلاّ أنه صار يجلس فيه إذا طلعت الشمس جلوسا يسيرا يقرأ عليه فيه بعض قصص لا لمعنى سوى إقامة رسوم المملكة فقط، وكان من قبله من ملوك بني قلاون إنما يجلسون بالإيوان سحرا على الشمع، وكان موضع جلوس السلطان في الإيوان للنظر في المظالم، فأعرض الملك الظاهر عن ذلك وجعل لنفسه يومين يجلس فيهما بالإصطبل السلطانيّ للحكم بين الناس، كما سيأتي ذكره عن قريب إن شاء اللّه تعالى، وصار الإيوان في أيام الظاهر برقوق وأيام ابنه الملك الناصر فرج، وأيام الملك المؤيد شيخ، إنما هو شيء من بقايا الرسوم الملوكية لا غير. ذكر النظر في المظالم اعلم أنّ النظر في المظالم عبارة عن قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة، وزجر

стр. 1269

المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، وكان من شروط الناظر في المظالم أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وتثبت القضاة، فيحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين، وهي خطة حدثت لفساد الناس، وهي كلّ حكم يعجز عنه القاضي، فينظر فيه من هو أقوى منه يدا. وأوّل من نظر في المظالم من الخلفاء، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه. وأوّل من أفرد للظلامات يوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة النظر، عبد الملك بن مروان، فكان إذا وقف منها على مشكل، واحتاج فيها إلى حكم ينفذ، ردّه إلى قاضيه ابن إدريس الأزديّ، فينفذ فيه أحكامه. وكان ابن إدريس هو المباشر، وعبد الملك الآمر، ثم زاد الجور، فكان عمر بن عبد العزيز ﵀ أوّل من ندب نفسه للنظر في المظالم فردّها، ثم جلس لها خلفاء بني العباس، وأوّل من جلس منهم المهديّ محمد، ثم الهادي موسى، ثم الرشيد هارون، ثم المأمون عبد اللّه، وآخر من جلس منهم المهتديّ بالله محمد بن الواثق، وأوّل من أعلم أنه جلس بمصر من الأمراء للنظر في المظالم، الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، فكان يجلس لذلك يومين في الأسبوع، فلما مات وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه، جعل على المظالم بمصر محمد بن عبيدة بن حرب، في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ثم جلس لذلك الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيديّ، وابتدأ ذلك في سنة أربعين وثلاثمائة وهو يومئذ خليفة الأمير أبي القاسم أونوجور بن الإخشيد، فعقد مجلسا صار يجلس فيه كلّ يوم سبت، ويحضر عنده الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، وسائر القضاة والفقهاء والشهود، ووجوه البلد، وما برح على ذلك مدّة أيامه بمصر إلى أن مات، فلم ينتظم أمر مصر بعده إلى أن قدم القائد أبو الحسين جوهر بجيوش المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، فكان يجلس للنظر في المظالم ويوقع على رقاع المتظلمين، فمن توقيعاته بخطه على قصة رفعت إليه، سوء الاجترام أوقع بكم طول الانتقام، وكفر الأنعام أخركم من حفظ الذمام، فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاجتناب، لأنكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعدّيتم، فابتداؤكم ملوم وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة تقتضي إلاّ الذم لكم والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين رأيه فيكم. ولما قدم المعز لدين اللّه، إلى مصر وصارت دار خلافة، استقرّ النظر في المظالم، مدّة يضاف إلى قاضي القضاة، وتارة ينفرد بالنظر فيه أحد عظماء الدولة، فلما ضعف جانب المستنصر بالله أبي تميم معدّ بن الظاهر، وكانت الشدّة العظمى بمصر، قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القاهرة وولي الوزارة، فصار أمر الدولة كله راجعا إليه، واقتدى به من بعده من الوزراء، وكان الرسم في ذلك أن الوزير صاحب السيف يجلس للمظالم بنفسه، ويجلس

стр. 1270

قبالته قاضي القضاة، وبجانبه شاهدان معتبران، ويجلس بجانب الوزير الموقع بالقلم الدقيق، ويليه صاحب ديوان المال، ويقف بين يدي الوزير صاحب البلاد واسفهسلار العساكر، وبين أيديهما الحجاب والنوّاب على طبقاتهم، ويكون هذا الجلوس يومين في الأسبوع، وآخر من تقلد المظالم في الدولة الفاطمية، رزيك بن الوزير الأجلّ، الملك الصالح طلائع بن رزيك، في وزارة أبيه، وكتب له سجل عن الخليفة منه، وقد قلدك أمير المؤمنين النظر في المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم، وكانت الدولة إذا خلت من وزير صاحب سيف، جلس للنظر في المظالم صاحب الباب في باب الذهب من القصر، وبين يديه الحجاب والنقباء، وينادي مناد بحضرته يا أرباب الظلامات، فيحضرون إليه، فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة أو القضاة رسالة بكشفها، ومن تظلم من أهل النواحي التي خارج القاهرة ومصر. فإنه يحضر قصة فيها شرح ظلامته، فيتسلمها الحاجب منه حتى تجتمع القصص فيدفعها إلى الموقّع بالقلم الدقيق، فيوقع عليها، ثم تحمل بعد توقيعه عليها إلى الموقّع بالقلم الجليل، فيبسط ما أشار إليه الموقع بالقلم الدقيق، ثم تحمل التواقيع في خريطة إلى ما بين يدي الخليفة فيوقع عليها، ثم تخرج في خريطتها إلى الحاجب فيقف على باب القصر ويسلم كلّ توقيع إلى صاحبه. وأوّل من بنى دار العدل من الملوك، السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمة اللّه تعالى عليه بدمشق، عند ما بلغه تعدّي ظلم نوّاب أسد الدين شير كوه بن شادي إلى الرعية، وظلمهم الناس، وكثرة شكواهم إلى القاضي كمال الدين الشهرزوريّ، وعجزه عن مقاومتهم، فلما بنيت دار العدل أحضر شير كوه نوّابه وقال: إن نور الدين ما أمر ببناء هذه الدار إلاّ بسببي، واللّه لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحد منكم لأصلبنه، فامضوا إلى كلّ من كان بينكم وبينه منازعة في ملك أو غيره فافصلوا الحال معه وأرضوه بكلّ طريق أمكن ولو أتى على جميع ما بيدي. فقالوا إن الناس إذا علموا بذلك اشتطوا في الطلب. فقال: لخروج أملاكي عن يدي أسهل عليّ من أن يراني نور الدين بعين أني ظالم، أو يساوي بيني وبين أحد من العامّة في الحكومة. فخرج أصحابه وعملوا ما أمرهم به من إرضاء أخصامهم، وأشهدوا عليهم. فلما جلس نور الدين بدار العدل في يومين من الأسبوع، وحضر عنده القاضي والفقهاء، أقام مدّة لم يحضر أحد يشكو شير كوه، فسأل عن ذلك فعرّف بما جرى منه ومن نوّابه، فقال الحمد للّه الذي جعل أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا. وجلس أيضا السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في يومي الاثنين والخميس لإظهار العدل، ولما تسلطن الملك المعز أيبك التركمانيّ أقام الأمير علاء الدين أيدكين البندقداريّ في نيابة السلطنة بديار مصر، فواظب الجلوس في المدارس الصالحية بين القصرين ومعه نوّاب دار العدل ليرتب الأمور وينظر في المظالم، فنادى بإراقة الخمور وإبطال ما عليها من المقرّر، وكان قد كثر الإرجاف بمسير الملك

стр. 1271

الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب الشام لأخذ مصر، فلما انهزم الملك الناصر واستبدّ الملك المعز أيبك، أحدث وزيره من المكوس شيئا كثيرا، ثم إنّ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ بنى دار العدل وجلس بها للنظر في المظالم. كما تقدّم، فلما بنى الإيوان الملك الناصر محمد بن قلاون واظب الجلوس يوم الاثنين والخميس فيه، وصار يفصل فيه الحكومات في الأحايين إذا أعيي من دونه فصلها، فلما استبدّ الملك الظاهر برقوق بالسلطنة عقد لنفسه مجلسا بالإصطبل السلطانيّ من قلعة الجبل، وجلس فيه يوم الأحد ثامن عشري شهر رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وواظب ذلك في يومي الأحد والأربعاء، ونظر في الجليل والحقير، ثم حوّل ذلك إلى يومي الثلاثاء والسبت، وأضاف إليهما يوم الجمعة بعد العصر، وما زال على ذلك حتى مات، فلما ولى ابنه الملك الناصر فرج بعده واستبدّ بأمره، جلس للنظر في المظالم بالإصطبل اقتداء بأبيه، وصار كاتب السرّ فتح الدين فتح اللّه يقرأ القصص عليه، كما كان يقرؤها على أبيه، فانتفع أناس وتضرّر آخرون بذلك، وكان الضرر أضعاف النفع، ثم لما استبدّ الملك المؤيد شيخ بالمملكة جلس أيضا للنظر في المظالم كما جلسا، والأمر على ذلك مستمرّ إلى وقتنا هذا، وهو سنة تسع عشرة وثمانمائة. وقد عرف النظر في المظالم منذ عهد الدولة التركية بديار مصر والشام بحكم السياسة، وهو يرجع إلى نائب السلطنة وحاجب الحجاب، ووالي البلد ومتولى الحرب بالأعمال، وسيرد إن شاء اللّه تعالى الكلام في حكم السياسة عن قريب. ذكر خدمة الإيوان المعروف بدار العدل كانت العادة أنّ السلطان يجلس بهذا الإيوان بكرة الاثنين والخميس طول السنة خلا شهر رمضان، فإنه لا يجلس فيه هذا المجلس، وجلوسه هذا إنما هو للمظالم، وفيه تكون الخدمة العامّة واستحضار رسل الملوك غالبا، فإذا جلس للمظالم كان جلوسه على كرسيّ إذا قعد عليه يكاد تلحق الأرض رجله، وهو منصوب إلى جانب المنبر الذي هو تخت الملك وسرير السلطنة، وكانت العادة أوّلا أن يجلس قضاة القضاة من المذاهب الأربعة عن يمينه، وأكبرهم الشافعيّ، وهو الذي يلي السلطان، ثم إلى جانب الشافعيّ الحنفيّ، ثم المالكيّ، ثم الحنبليّ، وإلى جانب الحنبليّ الوكيل عن بيت المال، ثم الناظر في الحسبة بالقاهرة، ويجلس على يسار السلطان كاتب السرّ، وإن كان الوزير من أرباب السيوف، كان واقفا على بعد مع بقية أرباب الوظائف، وإن كان نائب السلطنة، فإنه يقف مع أرباب الوظائف، ويقف من وراء السلطان صفان عن يمينه ويساره من السلاحدارية والجمدارية والخاصكية، ويجلس على بعد بقدر خمسة عشر ذراعا عن يمنته ويسرته ذو والسنّ والقدر من أكابر أمراء المئين، ويقال لهم أمراء المشورة، ويليهم من أسفل منهم أكابر الأمراء وأرباب الوظائف، وهم

стр. 1272

وقوف، وبقية الأمراء وقوف من وراء أمراء المشورة، ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسلطان الحجاب والدوادارية، لإعطاء قصص الناس وإحضار الرسل وغيرهم من الشكاة وأصحاب الحوائج والضرورات، فيقرأ كاتب السرّ وموقعو الدست القصص على السلطان، فإن احتاج إلى مراجعة القضاة راجعهم فيما يتعلق بالأمور الشرعية والقضايا الدينية، وما كان متعلقا بالعسكر فإن كانت القصص في أمراء الإقطاعات قرأها ناظر الجيش، فإن احتاج إلى مراجعة في أمر العسكر تحدّث مع الحاجب وكاتب الجيش فيه، وما عدا ذلك يأمر فيه السلطان بما يراه، وكانت العادة الناصرية أن تكون الخدمة في هذا الإيوان على ما تقدّم ذكره في بكرة يوم الاثنين، وأما بكرة يوم الخميس فإن الخدمة على مثل ذلك، إلاّ أنّه لا يتصدّى السلطان فيه لسماع القصص، ولا يحضره أحد من القضاة ولا الموقعين ولا كاتب الجيش، إلا إن عرضت حاجة إلى طلب أحد منهم، وهذا القعود عادته طول السنة ما عدا رمضان. وقد تغير بعد الأيام الناصرية هذا الترتيب، فصارت قضاة القضاة تجلس عن يمنة السلطان ويسرته، فيجلس الشافعيّ عن يمينه ويليه المالكيّ ويليه قاضي العسكر، ثم محتسب القاهرة، ثم مفتي دار العدل الشافعيّ. ويجلس الحنفيّ عن يسرة السلطان، ويليه الحنبليّ، وصارت القصص تقرأ والقضاة وناظر الجيش يحضرون في يوم الخميس أيضا، وكانت العادة أيضا أنه إذا ولي أحد المملكة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، فإنه عند ولايته يحضر الأمراء إلى داره بالقلعة وتفاض عليه الخلعة الخليفية السوداء، ومن تحتها فرجية خضراء وعمامة سوداء مدوّرة، ويقلد بالسيف العربيّ المذهب، ويركب فرس النوبة ويسير والأمراء بين يديه، والغاشية قدّامه، والجاويشية تصيح، والشبابة السلطانية ينفخ بها، والطبردارية حواليه إلى أن يعبر من باب النحاس إلى درج هذا الإيوان، فينزل عن الفرس ويصعد إلى التخت فيجلس عليه، ويقبّل الأمراء الأرض بين يديه، ثم يتقدّمون إليه ويقبلون يده على قدر رتبهم، ثم مقدمو الحلقة، فإذا فرغوا حضر القضاة والخليفة، فتفاض التشاريف على الخليفة، ويجلس مع السلطان على التخت، ويقلد السلطان المملكة بحضور القضاة والأمراء، ويشهد عليه بذلك، ثم ينصرف ومعه القضاة، فيمدّ السماط للأمراء، فإذا انقضى أكلهم قام السلطان ودخل المقصورة وانصرف الأمراء. ومما قيل في هذا الإيوان لمّا بناه السلطان الملك الناصر: شرّفت إيوانا جلست بصدره … فشرحت بالإحسان منه صدورا قد كاد يستعلي الفراقد رفعة … إذ حاز منك الناصر المنصورا ملك الزمان ومن رعية ملكه … من عدله لا يظلمون نقيرا لا زال منصور اللواء مؤيدا … أبد الزمان وضدّه مقهورا وقيل أيضا:

стр. 1273

يا ملكا أطلع من وجهه … إيوانه لما بدا بدرا أنسيتنا بالعدل كسرى ولن … نرضى لنا جبرا به كسرا القصر الأبلق: هذا القصر يشرف على الإصطبل، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في شعبان سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وانتهت عمارته في سنة أربع عشرة، وأنشأ بجواره جنينة، ولما كمل عمل فيه سماطا حضره الأمراء وأهل الدولة، ثم أفيضت عليهم الخلع وحمل إلى كلّ أمير من أمراء المئين ومقدّمي الألوف ألف دينار، ولكلّ من مقدّمي الحلقة خمسمائة درهم، ولكلّ من أمراء الطبلخاناه عشرة آلاف درهم فضة، عنها خمسمائة دينار، فبلغت النفقة على هذا المهم خمسمائة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم. وكانت العادة أن يجلس السلطان بهذا القصر كلّ يوم للخدمة ما عدا يومي الاثنين والخميس، فإنه يجلس للخدمة بدار العدل، كما تقدّم ذكره، وكان يخرج إلى هذا القصر المطلّ على الإصطبل، وتارة يقعد دونه على الأرض والأمراء وقوف على ما تقدّم، خلا أمراء المشورة والقرباء من السلطان فإنه ليس لهم عادة بحضور هذا المجلس، ولا يحضر هذا المجلس من الأمراء الكبار إلاّ من دعت الحاجة إلى حضوره، ولا يزال السلطان جالسا إلى الثالثة من النهار، فيقوم ويدخل إلى قصوره الجوّانيية، ثم إلى دار حريمه ونسائه، ثم يخرج في أخريات النهار إلى قصوره الجوّانية فينظر في مصالح ملكه، ويعبر إليه إلى قصوره الجوّانية خاصته من أرباب الوظائف في الأشغال المتعلقة به، على ما تدعو الحاجة إليه، ويقال لها خدمة القصر، وهذا القصر تجاه بابه رحبة يسلك إليها من الرحبة التي تجاه الإيوان، فيجلس بالرحبة التي على باب القصر خواص الأمراء قبل دخولهم إلى خدمة القصر، ويمشي من باب القصر في دهاليز مفروشة بالرخام، قد فرش فوقه أنواع البسط إلى قصر عظيم البناء شاهق في الهواء، بإيوانين أعظمهما الشماليّ، يطلّ منه على الإصطبلات السلطانية، ويمتدّ النظر إلى سوق الخيل والقاهرة وظواهرها إلى نحو النيل وما يليه من بلاد الجيزة وقراها، وفي الإيوان الثاني القبليّ باب خاص لخروج السلطان وخواصه منه إلى الإيوان الكبير أيام الموكب، ويدخل من هذا القصر إلى ثلاثة قصور جوّانية، منها واحد مسامت لأرض هذا القصر، واثنان يصعد إليهما بدرج، في جميعها شبابيك حديد تشرف على مثل منظرة القصر الكبير، وفي هذه القصور كلها مجاري الماء مرفوعا من النيل بدواليب تديرها الأبقار من مقرّه إلى موضع ثم إلى آخر حتى ينتهي الماء إلى القلعة ويدخل إلى القصور السلطانية وإلى دور الأمراء الخواص المجاورين للسلطان، فيجري الماء في دورهم، وتدور به حماماتهم، وهو من عجائب الأعمال لرفعته من الأرض إلى السماء قريبا من خمسمائة ذراع من مكان إلى مكان، ويدخل من هذه القصور إلى دور الحريم، وهذه القصور جميعها من ظاهرها مبنية بالحجر الأسود والحجر الأسفر، موزرة من داخلها

стр. 1274

بالرخام والفصوص المذهبة المشجرة بالصدف والمعجون وأنواع الملوّنات، وسقوفها كلها مذهبة قد موّهت باللازورد، والنور يخرق في جدرانها بطاقات من الزجاج القبرسيّ الملوّن كقطع الجوهر المؤلفة في العقود، وجميع الأراضي قد فرشت بالرخام المنقول إليها من أقطار الأرض مما لا يوجد مثله، وتشرف الدور السلطانية من بعضها على بساتين وأشجار وساحات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور الدواجن، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر هذه القصور والبساتين والأحواش مفصلا. وكان بهذا القصر الأبلق رسوم وعوايد تغير كثير منها وبطل معظمها، وبقيت إلى الآن بقايا من شعار المملكة ورسوم السلطنة، وسأقص من أنباء ذلك إن شاء اللّه تعالى ما لا تراه بغير هذا الكتاب مجموعا، واللّه يؤتي فضله من يشاء. الأسمطة السلطانية: وكانت العادة أن يمدّ بالقصر في طرفي النهار من كلّ يوم أسمطة جليلة لعامّة الأمراء خلا البرّانيين، وقليل ما هم. فبكرة يمدّ سماط أوّل لا يأكل منه السلطان، ثم ثان بعده يسمى الخاص، قد يأكل منه السلطان وقد لا يأكل، ثم ثالث بعده ويسمى الطارئ ومنه مأكول السلطان. وأما في آخر النهار فيمتدّ سماطان، الأوّل والثاني المسمى بالخاص، ثم إن استدعي بطارئ حضّر، وإلاّ فلا، ما عدا المشويّ فإنه ليس له عادة محفوظة النظام، بل هو على حسب ما يرسم به، وفي كلّ هذه الأسمطة يؤكل ما عليها ويفرّق نوالات، ثم يسقى بعدها الأقسماء المعمولة من السكر والأفاويه المطيبة بماء الورد المبرّدة، وكانت العادة أن يبيت في كلّ ليلة بالقرب من السلطان أطباق فيها أنواع من المطجنات والبوارد والقطر والقشطة والجبن المقليّ والموز والسكباج، وأطباق فيها من الأقسماء والماء البارد برسم أرباب النوبة في السهر حول السلطان، ليتشاغلوا بالمأكول والمشروب عن النوم، ويكون الليل مقسوما بينهم بساعات الرمل، فإذا انتهت نوبة نبهت التي تليها، ثم ذهبت هي فنامت إلى الصباح، هكذا أبدا سفرا أو حضرا، وكانت العادة أيضا أن يبيت في المبيت السلطانيّ من القصر أو المخيم إن كان في السرحة المصاحف الكريمة لقراءة من يقرأ من أرباب النوبة، ويبيت أيضا الشطرنج ليتشاغل به عن النوم. وبلغ مصروف السماط في كلّ يوم عيد الفطر من كلّ سنة، خمسين ألف درهم، عنها نحو ألفين وخمسمائة دينار، تنهبه الغلمان والعامّة، وكان يعمل في سماط الملك الظاهر برقوق في كل يوم خمسة آلاف رطل من اللحم، سوى الأوز والدجاج، وكان راتب المؤيد شيخ في كلّ يوم لسماطه وداره ثمانمائة رطل من اللحم، فلما كان في المحرّم سنة ست وعشرين وثمانمائة، سأل الملك الأشرف برسباي عن مقدار ما يطبخ له في كلّ يوم بكرة وعشيا فقيل له: ستمائة رطل في الوجبتين، فأمر أن يطبخ بين يديه، لأنه بلغه أنه يوخذ مما ذكر لشادّ الشرابخاناه، ونحوه مائة وعشرون رطلا، فجعل راتب اللحم في كل يوم بزيادة أيام الخدمة، ونقصان أيام عدة الخدمة، خمسمائة رطل وستة أرطال عن وجبتي الغداء والعشاء، ومن الدجاج ستة وعشرين

стр. 1275

طائرا ولعمل المأمونية رطلين ونصفا من السكر، وما يعمل برسم الجمدارية فإنه بعسل النحل. ذكر العلامة السلطانية قد جرت العادة أن السلطان يكتب خطه على كل ما يأمر به، فأمّا مناشير الأمراء والجند وكلّ من له إقطاع فإنه يكتب عليه علامته، وكتبها الملك الناصر محمد بن قلاون، اللّه أملي، وعمل ذلك الملوك بعده إلى اليوم، وأما تقاليد النوّاب، وتواقيع أرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتاب، وبقية أرباب الوظائف، وتواقيع أرباب الرواتب والإطلاقات، فإنه يكتب عليها اسمه واسم أبيه إن كان أبوه ملكا، فيكتب مثلا محمد بن قلاون، أو شعبان بن حسين، أو فرج بن برقوق، وإن لم يكن أبوه ممن تسلطن كبرقوق أو شيخ، فإنه يكتب اسمه فقط، ومثاله برقوق، أو شيخ. وأما كتب البريد وخلاص الحقوق والظلامات، فإنه يكتب أيضا عليها اسمه، وربما كرّم المكتوب إليه فكتب إليه أخوه فلان، أو والده فلان، وأخوه يكتب للأكابر من أرباب الرتب والذي يعلم عليه السلطان، أما إقطاع فالرسم فيه أن يقال خرج الأمر الشريف، وأما وظائف ورواتب وإطلاقات، فالرسم في ذلك أن يقال رسم بالأمر الشريف، وأعلى ما يعلم عليه ما افتتح بخطبة أولها الحمد للّه، ثم ما افتتح بخطبة أوّلها أما بعد حمد اللّه، حتى يأتي على خرج الأمر في المناشير، أو رسم بالأمر في التواقيع، ثم بعد هذا أنزل الرتب، وهو أن يفتتح في المناشير، خرج الأمر وفي التواقيع رسم بالأمر، وتمتاز المناشير المفتتح فيها بالحمد للّه. أوّل الخطبة، أن تطغر بالسواد وتتضمن اسم السلطان وألقابه، وقد بطلت الطغرافي وقتنا هذا، وكانت العادة أن يطالع نوّاب المملكة السلطان بما يتجدّد عندهم تارة على أيدي البريدية، وتارة على أجنحة الحمام، فتعود إليهم الأجوبة السلطانية وعليها العلامة، فإذا ورد البريديّ أحضره أمير جاندار، وهو من أمراء الألوف، والدوادار وكاتب السرّ بين يدي السلطان، فيقبّل البريديّ الأرض، ويأخذ الدوادار الكتاب فيمسحه بوجه البريدي، ثم يناول للسلطان فيفتحه، ويجلس حينئذ كاتب السرّ ويقرأ على السلطان سرّا، فإن كان أحد من الأمراء حاضرا تنحى حتى يفرغ من القراءة، ويأمر السلطان فيه بأمر، وإن كان الخبر على أجنحة الحمام، فإنه يكتب في ورق صغير خفيف ويحمل على الحمام الأزرق، وكان لحمام الرسائل مراكز كما كان للبريد مراكز، وكان بين كلّ مركزين من البريد أميال، وفي كلّ مركز عدّة خيول كما بيناه في ذكر الطريق فيما بين مصر والشام، وكانت مراكز الحمام كلّ مركز منها ثلاثة مراكز من مراكز البريد، فلا يتعدّى الحمام ذلك المركز، وينقل عند نزوله المركز على ما على جناحه إلى طائر حتى يسقط بقلعة الجبل، فيحضره البرّاج، ويقرأ كاتب السرّ البطاقة، وكلّ هذا مما يعلم عليه بالقصر، ومما كان يحضر إلى القصر بالقلعة في كلّ يوم ورقة الصباح، يرفعها والى القاهرة ووالي مصر، وتشتمل على إنهاء ما تجدّد في كل يوم وليلة بحارات البلدين وأخطاطهما من حريق أو قتل قتيل أو سرقة سارق ونحو ذلك، ليأمر السلطان فيه بأمره.

стр. 1276

الأشرفية: هذا القصر المعروف بالأشرفية أنشأ الملك الأشرف خليل بن قلاون في سنة اثنتين وتسعين وستمائة، ولما فرغ صنع به مهما عظيما لم يعمل مثله في الدولة التركية، وختن أخاه الملك الناصر محمد بن قلاون، وابن أخيه الأمير موسى بن الصالح عليّ بن قلاون، وجمع سائر أرباب الملاهي، وجميع الأمراء، ووقف الخزاندارية بأكياس الذهب، فلما قام الأمراء من الخاصكية للرقص، نثر الخزاندارية على كلّ من قام للرقص حتى فرغ الختان، فأنعم على كلّ أمير من الأمراء بفرس كامل القماش، وألبس خلعة عظيمة، وأنعم على عدّة منهم كلّ واحد بألف دينار وفرس، وأنعم على ثلاثين من الأمراء الخاصكية لكل واحد مبلغ خمسة آلاف دينار، وأنعم على البليبل المغني بألف دينار، وكان الذي عمل في هذا المهم من الغنم ثلاثة آلاف رأس، ومن البقر ستمائة رأس، ومن الخيل خمسمائة أكديس، ومن السكر برسم المشروب ألف قنطار وثمانمائة قنطار، وبرسم الحلوى مائة وستون قنطارا، وبلغت النفقة على هذا المهمّ في عمل السماط والمشروب والأقبية والطراز والسروج وثياب النساء مبلغ ثلاثمائة ألف دينار عينا. البيسرية: ومن جملة دور القلعة قاعة البيسرية، أنشأها السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون، وكان ابتداء بنائها في أوّل يوم من شعبان سنة إحدى وستين وسبعمائة، ونهاية عمارتها في ثامن عشري ذي الحجة من السنة المذكورة، فجاءت من الحسن في غاية لم ير مثلها، وعمل لهذه القاعة من الفرش والبسط ما لا تدخل قيمته تحت حصر، فمن ذلك تسعة وأربعون ثريا برسم وقود القناديل، جملة ما دخل فيها من الفضة البيضاء الخالصة المضروبة مائتا ألف وعشرون ألف درهم، وكلها مطلية بالطهب، وجاء ارتفاع بناء هذه القاعة طولا في السماء ثمانية وثمانين ذراعا، وعمل السلطان بها برجا يبيت فيه، من العاج والأبنوس، مطعّم يجلس بين يديه، وأكناف وباب يدخل منه إلى أرض كذلك، وفيه مقرنص قطعة واحدة يكاد يذهل الناظر إليه، بشبابيك ذهب خالص، وطرازات ذهب مصوغ، وشرافات ذهب مصوغ، وقبة مصوغة من ذهب صرف، فيه ثمانية وثلاثون ألف مثقال من الذهب، وصرف في مؤنه وأجره تتمة ألف درهم فضة، عنها خمسون ألف دينار، ذهبا، وبصدر إيوان هذه القاعة شباك حديد يقارب باب زويلة يطل على جنينة بديعة الشكل. الدهيشة: عمّرها السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاون، في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وذلك أنه بلغه عن الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه أنه عمر بحماه دهيشة لم يبن مثلها، فقصد مضاهاته، وبعث الأمير أقجبا وابجيج المهندس لكشف دهيشة حماه، وكتب لنائب حلب ونائب دمشق بحمل ألفي حجر بيض، وألفي حجر حمر من حلب ودمشق، وحشرت الجمال لحملها حتى وصلت إلى قلعة

стр. 1277

الجبل، وصرف في حمولة كلّ حجر من حلب اثنا عشر درهما، ومن دمشق ثمانية دراهم، واستدعى الرخام من سائر الأمراء وجميع الكتاب، ورسم بإحضار الصناع للعمل، ووقع الشروع فيها حتى تمت في شهر رمضان منها، وقد بلغ مصروفها خمسمائة ألف درهم، سوى ما قدم من دمشق وحلب وغير هما، وعمل لها من الفرش والبسط والآلات ما يجلّ وصفه، وحضر بها سائر الأغاني، وكان مهما عظيما. السبع قاعات: هذه القاعات تشرف على الميدان وباب القرافة، عمّرها الملك الناصر محمد بن قلاون، وأسكنها سراريه، ومات عن ألف ومائتي وصيفة مولدة، سوى من عداهنّ من بقية الأجناس. الجامع بالقلعة: هذا الجامع أنشأه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وكان قبل ذلك هناك جامع دون هذا، فهدمه السلطان وهدم المطبخ والحوائجخاناه والفراشخاناه، وعمله جامعا، ثم أخربه في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وبناه هذا البناء، فلما تم بناؤه جلس فيه واستدعى جميع مؤذني القاهرة ومصر، وجميع القرّاء والخطباء، وعرضوا بين يديه، وسمع تأذينهم وخطابتهم وقراءتهم، فاختار منهم عشرين مؤذنا رتبهم فيه، وقرّر فيه درس فقه، وقارئا يقرأ في المصحف، وجعل عليه أوقافا تكفيه وتفيض، وصار من بعده من الملوك يخرجون أيام الجمع إلى هذا الجامع ويحضر خاصة الأمراء معه من القصر، ويجيء باقيهم من باب الجامع، فيصلي السلطان عن يمين المحراب في مقصورة خاصة به، ويجلس عنده أكابر خاصته، ويصلي معه الأمراء خصتهم وعامّتهم خارج المقصورة عن يمنتها ويسرتها على مراتبهم، فإذا انقضت الصلاة دخل إلى قصوره ودور حرمه، وتفرّق كلّ أحد إلى مكانه. وهذا الجامع متسع الأرجاء مرتفع البناء، مفروش الأرض بالرخام، مبطن السقوف بالذهب، وبصدره قبة عالية يليها مقصورة مستورة، هي والرواقات بشبابيك الحديد المحكمة الصنعة، ويحف صحنه رواقات من جهاته. الدار الجديدة: هذه الدار عند باب سرّ القلعة المطل على سوق الخيل، عمّرها الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ في سنة أربع وستين وستمائة، وعمل بها في جمادى الأولى منها دعوة للأمراء عند فراغها. خزانة الكتب: وقع بها الحريق يوم الجمعة رابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة، فتلف بها من الكتب في الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم شيء كثير جدا، كان من ذخائر الملوك، فانتهبها الغلمان وبيعت أوراقا محرّقة، ظفر الناس منها بنفائس غريبة ما بين ملاحم وغيرها، وأخذوها بأبخس الأثمان.

стр. 1278

القاعة الصالحية: عمّرها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكانت سكن الملوك إلى أن أحترقت في سادس ذي الحجة سنة أربع وثمانين وستمائة، واحترق معها الخزانة السلطانية. باب النحاس: هذا الباب من داخل الستارة، وهو أجل أبواب الدور السلطانية، عمّره الناصر محمد بن قلاون، وزاد في سعة دهليزه. باب القلة: عرف بذلك من أجل أنه كان هناك قلة بناها الملك الظاهر بيبرس، وهدمها الملك المنصور قلاون في يوم الأحد عاشر شهر رجب سنة خمس وثمانين وستمائة، وبنى مكانها قبة، فرغت عمارتها في شوّال منها، ثم هدمها الملك الناصر محمد بن قلاون وجدّد باب القلة على ما هو عليه الآن، وعمل له بابا ثانيا. الرفرف: عمّره الملك الأشرف خليل بن قلاون، وجعله عاليا يشرف على الجيزة كلها، وبيّضه وصوّر فيه أمراء الدولة وخواصها، وعقد عليه قبة على عمد، وزخرفها، وكان مجلسا يجلس فيه السلطان، واستمرّ جلوس الملوك به حتى هدمه الملك الناصر حمد بن قلاون في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وعمل بجواره برجا بجوار الإصطبل، نقل إليه المماليك. الجب: كان بالقلعة جب يحبس فيه الأمراء، وكان مهولا مظلما كثير الوطاويط كريه الرائحة، يقاسي المسجون فيه ما هو كالموت أو أشدّ منه، عمره الملك المنصور قلاون في سنة إحدى وثمانين وستمائة، فلم يزل إلى أن قام الأمير بكتمر الساقي في أمره مع الملك الناصر محمد بن قلاون، حتى أخرج من كان فيه من المحابيس ونقلهم إلى الأبراج وردمه، وعمّر فوق الردم طباقا، في سنة تسع وعشرين وسبعمائة. الطبلخاناه تحت القلعة: ذكر هشام بن الكلبيّ: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم الشام، تلقاه المقلسون من أهل الأديان بالسيوف والريحان، فكره عمر ﵁ النظر إليهم وقال: ردّوهم. فقال له أبو عبيدة بن الجرّاح ﵁، إنها سنة الأعاجم، فإن منعتهم ظنوا أنه نقض لعهدهم. فقال عمر ﵁: دعوهم والتقليس: الضرب بالطبل أو الدف. وهذه الطبلخاناه الموجودة الآن تحت القلعة فيما بين باب السلسلة وباب المدرج، كانت دار العدل القديمة التي عمرها الملك الظاهر بيبرس، وتقدّم خبرها. فلما كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، هدمها الناصر محمد بن قلاون وبناها هذه الطبلخاناه الموجودة الآن تحت قلعة الجبل، فيما بين باب السلسلة وباب المدرج، وصار ينزل إلى عمارتها كلّ قليل، وتولى شدّ العمارة بها آق سنقر شادّ العمائر، ووجد في أساسها أربعة قبور كبار،

стр. 1279

المقدار عليها قطع رخام منقوش عليها أسماء المقبورين وتاريخ وفاتهم، فنبشوا ونقلوا قريبا من القلعة، فكانوا خلقا كبيرا عظيما في الطول والعرش، على بعضهم ملاءة ديبقية ملوّنة، ساعة مستها الأيدي تمزقت وتطايرت هباء، وفيهم اثنان عليهما آلة الحرب وعدّة الجهاد، وبهما آثار الدماء والجراحات، وفي وجه أحد هما ضربة سيف بين عينيه، والجرح مسدود بقطنة، فلما أمسكت القطنة ورفعت عن الجرح فوق الحاجب، نبع من تحتها دم يظنّ أنه جرح طريّ، فكان في ذلك موعظة وذكرى، وكانت الطبلخاناه ساحة بغير سقف، فلما ولي الأمير سودون داز أمير أخور، وسكن الإصطبل السلطانيّ، عمّر هذه الطباق فوق الطباق، وكان الغرض من عمارتها صحيحا، فإن المدرسة الأشرفية كانت حينئذ قائمة تجاه الطبلخاناه، ولما كان زمان الفتن بين أمراء الدولة، تحصن فوقها طائفة ليرموا على الإصطبل والقلعة، فأراد بناء هذه الطباق فوق الطباق أن يجعل بها رماة، حتى لا يقدر أحد يقيم فوق المدرسة الأشرفية، وقد بطل ذلك، فإن الملك الناصر فرج بن برقوق هدم المدرسة الأشرفية، كما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر المدارس. الطباق بساحة الإيوان: عمّرها الملك الناصر محمد بن قلاون، وأسكنها المماليك السلطانية، وعمر حارة تختص بهم، وكانت الملوك تعني بها غاية العناية، حتى أن الملك المنصور قلاون كان يخرج في غالب أوقاته إلى الرحبة عند استحقاق حضور الطعام للمماليك، ويأمر بعرضه عليه ويتفقد لحمهم ويختبر طعامهم في جودته ورداءته، فمتى رأى فيه عيبا اشتدّ على المشرف والاستادار ونهر هما وحلّ بهما منه أيّ مكروه، وكان يقول: كلّ الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمّرت أسوارا وعملت حصونا مانعة لي ولأولادي وللمسلمين، وهم المماليك، وكانت المماليك أبدا تقيم بهذه الطبقات لا تبرح فيها، فلما تسلطن الملك الأشرف خليل بن قلاون سمح للمماليك أن ينزلوا من القلعة في النهار ولا يبتوا إلا بها، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها، ثم أنّ الملك الناصر محمد بن قلاون سمح لهم بالنزول إلى الحمام يوما في الأسبوع، فكانوا ينزلون بالنوبة مع الخدّام، ثم يعودون آخر نهارهم، ولم يزل هذا حالهم إلى أن انقرضت أيام بني قلاون، وكانت للمماليك بهذه الطباق عادات جميلة، أوّلها أنه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السلطان ونزله في طبقات جنسه وسلمه لطواشيّ برسم الكتابة، فأوّل ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم، وكانت كلّ طائفة لها فقيه يحضر إليها كلّ يوم ويأخذ في تعليمها كتاب اللّه تعالى ومعرفة الخط والتمرّن بآداب الشريعة، وملازمة الصلوات والأذكار، وكان الرسم إذ ذاك أن لا تجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا شبّ الواحد من المماليك علّمه الفقيه شيئا من الفقه، وأقرأه فيه مقدّمة، فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ في تعليمه أنواع الحرب من رمى السهام ولعب الرمح ونحو ذلك، فيتسلم كلّ طائفة معلم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه، وإذا ركبوا إلى لعب الرمح أو رمي النشاب لا يجسر جندي ولا

стр. 1280

أمير أن يحدّثهم أو يدنو منهم، فينقل إذن إلى الخدمة ويتنقل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرتبة إلا وقد تهذبت أخلاقه وكثرت آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتدّ ساعده في رماية النشاب، وحسن لعبه بالرمح، ومرن على ركوب الخيل، ومنهم من يصير في رتبة فقيه عارف، أو أديب شاعر، أو حاسب ماهر، هذا ولهم أزمّة من الخدّام، وأكابر من رؤوس النوب يفحصون عن حال الواحد منهم الفحص الشافي، ويؤاخذونه أشدّ المؤاخذة، ويناقشونه على حركاته وسكناته، فإن عثر أحد من مؤدّبيه الذي يعلّمه القرآن، أو الطواشيّ الذي هو مسلّم إليه، أو رأس النوبة الذي هو حاكم عليه، على أنه اقترف ذنبا، أو أخلّ برسم، أو ترك أدبا من آداب الدين أو الدنيا، قابله على ذلك بعقوبة مؤلمة شديدة بقدر جرمه، وبلغ من تأديبهم أن مقدّم المماليك كان إذا أتاه بعض مقدّمي الطباق في السحر، يشاور على مملوك أنه يغتسل من جنابة، فيبعث من يكشف عن سبب جنابته، إن كان من احتلام فينظر في سراويله، هل فيه جنابة أم لا، فإن لم يجد به جنابة جاءه الموت من كلّ مكان، فلذلك كانوا سادة يدبرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل اللّه، وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل، ويردعون من جارة أو تعدّى، وكانت لهم الإدرارات الكثيرة من اللحوم والأطعمة والحلاوات والفواكه والكسوات الفاخرة والمعاليم من الذهب والفضة، بحيث تتسع أحوال غلمانهم، ويفيض عطاؤهم على من قصدهم. ثم لما كانت أيام الظاهر برقوق، راعى الحال في ذلك بعض الشيء إلى أن زالت دولته في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فلما عاد إلى المملكة رخص للمماليك في سكنى القاهرة، وفي التزوّج، فنزلوا من الطباق من القلعة ونكحوا نساء أهل المدينة، واخلدوا إلى البطالة، ونسوا تلك العوائد، ثم تلاشت الأحوال في أيام الناصر فرج بن برقوق، وانقطعت الرواتب من اللحوم وغيرها حتى عن مماليك الطباق مع قلة عددهم، ورتب لكلّ واحد منهم في اليوم مبلغ عشرة دراهم من الفلوس، فصار غذاؤهم في الغالب الفول المصلوق، عجزا عن شراء اللحم وغيره، وهذا وبقي الجلب من المماليك إنما هم الرجال الذين كانوا في بلادهم ما بين ملاح سفينة ووقاد في تنور خباز، ومحوّل ماء في غيط أشجار ونحو ذلك، واستقرّ رأي الناصر على أن تسليم المماليك للفقيه يتلفهم، بل يتركون وشؤونهم، فبدّلت الأرض غير الأرض، وصارت المماليك السلطانية أرذل الناس وأدناهم وأخسهم قدرا، وأشحهم نفسا، وأجهلهم بأمر الدنيا، وأكثرهم إعراضا عن الدين، ما فيهم إلاّ من هو أزنى من قرد، وألص من فأرة، وأفسد من ذئب، لا جرم أن خربت أرض مصر والشام، من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات، بسوء إبالة الحكام، وشدّة عبث الولاة، وسوء تصرّف أولي الأمر، حتى أنه ما من شهر إلاّ ويظهر من الخلل العام ما لا يتدارك فرطه، وبلغت عدّة المماليك السلطانية في أيام الملك المنصور قلاون ستة آلاف وسبعمائة، فأراد ابنه الأشرف

стр. 1281

خليل تكميل عدّتها عشرة آلاف مملوك، وجعلهم طوائف، فأفرد طائفتي الأرمن والجركس وسماها البرجية لأنه أسكنها في أبراج بالقلعة، فبلغت عدّتهم ثلاثة آلاف وسبعمائة، وأفرد جنس الخطا والقبجاق وأنزلهم بقاعة عرفت بالذهبية والزمرذية، وجعل منهم جمدارية وسقاة، وسماهم خاصكية، وعمل البرجية سلاحدارية وجمقدارية وجاشنكيرية وأوشاقية، ثم شغف الملك الناصر محمد بن قلاون بجلب المماليك من بلاد أزبك وبلاد توريز وبلاد الروم وبغداد، وبعث في طلبهم وبذل الرغائب للتجار في حملم إليه، ودفع فيهم الأموال العظيمة، ثم أفاض على من يشتريه منهم أنواع العطاء من عامّة الأصناف دفعة واحدة في يوم واحد، ولم يراع عادة أبيه ومن كان قبله من الملوك في تنقل المماليك في أطوار الخدم حتى يتدرب ويتمرّن، كما تقدّم، وفي تدريجه من ثلاثة دنانير في الشهر إلى عشرة دنانير، ثم نقله من الجامكية إلى وظيفة من وظائف الخدمة، بل اقتضى رأيه أن يملأ أعينهم بالعطاء الكثير دفعة واحدة، فأتاه من المماليك شيء كثير رغبة فيما لديه، حتى كان الأب يبيع ابنه للتاجر الذي يجلبه إلى مصر، وبلغ ثمن المملوك في أيامه إلى مائة ألف درهم فما دونها، وبلغت نفقات المماليك في كلّ شهر إلى سبعين ألف درهم، ثم تزايدت حتى صارت في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة مائتين وعشرين ألف درهم. دار النيابة: كان بقلعة الجبل دار نيابة بناها الملك المنصور قلاون في سنة سبع وثمانين وستمائة، سكنها الأمير حسام الدين طرنطاي، ومن بعده من نوّاب السلطنة، وكانت النوّاب تجلس بشباكها حتى هدمها الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وأبطل النيابة وأبطل الوزارة أيضا، فصار موضع دار النيابة ساحة، فلما مات الملك الناصر أعاد الأمير قوصون دار النيابة عند استقراره في نيابة السلطنة، فلم تكمل حتى قبض عليه، فولي نيابة السلطنة الأمير طشتمر حمص أخضر وقبض عليه، فتولى بعد نيابة السلطنة الأمير شمس الدين آق سنقر في أيام الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فجلس بها في يوم السبت أوّل صفر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة في شباك دار النيابة، وهو أوّل من جلس بها من النوّاب بعد تجديدها، وتوارثها النوّاب بعده، وكانت العادة أن يركب جيوش مصر يومي الاثنين والخميس في الموكب تحت القلعة، فيسيرون هناك من رأس الصوة إلى باب القرافة، ثم تقف العسكر مع نائب السلطنة وينادى على الخيل بينهم، وربما نودي على كثير من آلات الجند والخيم والجركاوات والأسلحة، وربما نودي على كثير من العقار، ثم يطلعون إلى الخدمة السلطانية بالإيوان بالقلعة على ما تقدّم ذكره، فإذا مثل النائب في حضرة السلطان، وقف في ركن الإيوان إلى أن تنقضي الخدمة، فيخرج إلى دار النيابة والأمراء معه، ويمدّ السماط بين يديه كما يمدّ سماط السلطان، ويجلس جلوسا عاما للناس، ويحضره أرباب الوظائف، وتقف قدّامه الحجاب، وتقرأ القصص، وتقدّم إليه الشكاة، ويفصل أمورهم.

стр. 1282

فكان السلطان يكتفي بالنائب ولا يتصدّى لقراءة القصص عليه وسماع الشكوى، تعويلا منه على قيام النائب بهذا الأمر، وإذا قرئت القصص على النائب نظر، فإن كان مرسومه يكفي فيها أصدره عنه، وما لا يكفي فيه إلاّ مرسوم السلطان أمر بكتابته عن السلطان وأصدره، فيكتب ذلك وينبه فيه على أنه بإشارة النائب، ويميز عن نوّاب السلطان بالممالك الشامية بأن يعبر عنه بكافل المملكة الشريفة الإسلامية، وما كان من الأمور التي لا بدّ له من إحاطة علم السلطان بها، فإنه إما أن يعلمه بذلك منه إليه وقت الاجتماع به، أو يرسل إلى السلطان من يعلمه به، ويأخذ رأيه فيه وكان ديوان الإقطاع، وهو الجيش في زمان النيابة ليس لهم خدمة إلا عند النائب، ولا اجتماع إلاّ به، ولا يجتمع ناظر الجيش بالسلطان في أمر من الأمور، فلما أبطل الملك الناصر محمد بن قلاون النيابة، صار ناظر الجيش يجتمع بالسلطان، واستمرّ ذلك بعد إعادة النيابة، وكان الوزير وكاتب السرّ يراجعان النائب في بعض الأمور دون بعض، ثم اضمحلت نيابة السلطنة في أيام الناصر محمد بن قلاون، وتلاشت أوضاعها، فلما مات أعيدت بعده ولم تزل إلى أثناء أيام الظاهر برقوق، وآخر من وليها على أكثر قوانينها الأمير سودون الشيخيّ، وبعده لم يل النيابة أحد في الأيام الظاهرية، ثم إن الناصر فرج بن برقوق أقام الأمير تمراز في نيابة السلطنة، فلم يسكن دار النيابة في القلعة، ولا خرج عما يعرفه من حال حاجب الحجاب، ولم يل النيابة بعد تمراز أحد إلى يومنا هذا، وكانت حقيقة النائب أنه السلطان الثاني، وكانت سائر نوّاب الممالك الشامية وغيرها تكاتبه في غالب ما تكاتب فيه السلطان، ويراجعونه فيه، كما يراجع السلطان، وكان يستخدم الجند ويخرج الإقطاعات من غير مشاورة، ويعين الأمر لكن بمشاورة السلطان، وكان النائب هو المتصرّف المطلق التصرّف في كلّ أمر، فيراجع في الجيش والمال والخبر، وهو البريد، وكلّ ذي وظيفة لا يتصرّف إلاّ بأمره، ولا يفصل أمرا معضلا إلاّ مراجعته، وهو الذي يستخدم الجند ويرتب في الوظائف إلاّ ما كان منها جليلا كالوزارة والقضاء وكتابة السرّ والجيش، فإنه يعرض على السلطان من يصلح، وكان قل أن لا يجاب في شيء يعينه، وكان من عدا نائب السلطنة بديار مصر يليه في رتبة النيابة، وكلّ نوّاب الممالك تخاطب بملك الأمراء إلاّ نائب السلطنة بمصر فإنه يسمى كافل الممالك، تمييزا له وإبانة عن عظيم محله، وبالحقيقة ما كان يستحق اسم نيابة السلطنة بعد النائب بمصر سوى نائب الشام بدمشق فقط، وإنما كانت النيابة تطلق أيضا على أكابر نوّاب الشام، وليس لأحد منهم من التصرّف ما كان لنائب دمشق، إلاّ أن نيابة السلطنة بحلب تلي رتبة نيابة السلطنة بدمشق، وقد اختلت الآن الرسوم، واتضعت الرتب، وتلاشت الأحوال، وعادت أسماء لا معنى لها، وخيالات حاصلها عدم. واللّه يفعل ما يشاء.

стр. 1283

ذكر جيوش الدولة التركية وزيّها وعوايدها اعلم أنه قد كان بقلعة الجبل مكان معدّ لديوان الجيش، وأدركت منه بقية إلى أثناء دولة الظاهر برقوق، وكان ناظر الجيش، وسائر كتاب الجيش لا يبرحون في أيام الخدمة نهارهم مقيمين بديوان الجيش، وكانت لهذا الديوان عوايد قد تغير أكثرها ونسي غالب رسومه، وكانت جيوش الدولة التركية بديار مصر على قسمين، منهم من هو بحضرة السلطان، ومنهم من هو في أقطار المملكة وبلادها وسكان بادية كالعرب والتركمان. وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات، أكابرهم من له إمرة مائة فارس، وتقدمة ألف فارس، ومن هذا القبيل تكون أكابر النوّاب، وربما زاد بعضهم بالعشرة فوارس والعشرين. ثم أمراء الطبلخاناه، ومعظمهم من تكون له إمرة أربعين فارسا، وقد يوجد فيهم من له أزيد من ذلك إلى السبعين، ولا تكون الطبلخاناه لأقل من أربعين. ثم أمراء العشراوات، ممن تكون له إمرة عشرة، وربما كان فيهم من له عشرون فارسا ولا يعدّون في أمراء العشراوات. ثم جند الحلقة، وهؤلاء تكون مناشيرهم من السلطان، كما أنّ مناشير الأمراء من السلطان، وأما أجناد الأمراء فمناشيرهم من أمرائهم، وكان منشور الأمير يعين فيه للأمير ثلث الإقطاع ولأجناده الثلثان، فلا يمكن الأمير ولا مباشروه أن يشاركوا أحدا من الأجناد فيما يخصهم إلاّ برضاهم، وكان الأمير لا يخرج أحدا من أجناده حتى يتبين للنائب موجب يقتضي إخراجه، فحينئذ يخرجه نائب السلطان ويقيم عند الأمير عوضه، وكان لكل أربعين جنديا من جند الحلقة مقدّم عليهم، ليس له عليهم حكم إلاّ إذا خرج العسكر لقتال، فكانت مواقف اوربعين مع مقدّمهم وترتيبهم في موقفهم إليه ويبلغ بمصر إقطاع بعض أكابر أمراء المئني المقدّمين من السلطان مائتي ألف دينار جيشية، وربما زاد على ذلك، وأما غيرهم فدون ذلك، يعبر أقلها إلى ثمانين ألف دينار وما حولها. وأمّا الطبلخاناه فمن ثلاثين ألف دينار إلى ثلاثة وعشرين ألف دينار، وأما العشراوات فأعلاها سبعة آلاف دينار إلى ما دونها، وأما إقطاعات أجناد الحلقة فأعلاها ألف وخمسمائة دينار، وهذا القدر وما حوله إقطاعات أعيان مقدّمي الحلقة، ثم بعد ذلك الأجناد بابات، حتى يكون أدناهم مائتين وخمسين دينارا، وسيرد تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى وأما إقطاعات جند الأمراء فإنها على ما يراه الأمير من زيادة بينهم ونقص. وأما إقطاعات الشام فإنها لا تقارب هذا، بل تكون على الثلثين مما ذكرنا، ما خلا نائب السلطنة بدمشق فإنه يقارب إقطاعه أعلى إقطاعات أكابر أمراء مصر المقرّبين. وجميع جند الأمراء تعرض بديوان الجيش ويتبت اسم الجندي وحليته، ولا يستبدل أميره به غير إلاّ بتنزيل من عوّض به وعرضه. وكانت للأمراء على السلطان في كلّ سنة ملابس ينعم بها عليهم، ولهم في ذلك حظ

стр. 1284

وافر، وينعم على أمراء المئين بخيول مسرجة ملجمة، ومن عداهم بخيول عري، ويميز خاصتهم على عامتهم، وكان لجميع الأمراء من المئين والطبلخاناه والعشراوات على السلطان الرواتب الجارية في كلّ يوم، من اللحم وتوابله كلها والخبز، والشعير لعليق الخيل، والزيت. ولبععضهم الشمع والسكّر والكسوة في كلّ سنة. وكذلك لجميع ممليك السلطان وذوي الوظائف من الجند، وكانت العادة إذا نشأ لأحد الأمراء ولد، أطلق له دنانير ولحم وخبز وعليق، حتى يتأهل للإقطاع في جملة الحلقة، ثم منهم من ينتقل إلى إمرة عشرة أو إلى إمرة طبلخاناه، بحسب الحظ، واتفق للأميرين طرنطاي وكتبغا أنّ كلا منهما زوّج ولده بابنة الآخر، وعمل لذلك المهم العظيم، ثم سأل الأمير طرنطاي، وهو إذ ذاك نائب السلطان، الأمير بيلبك الأيدمريّ والأمير طيبرس أن يسألا السلطان الملك المنصور قلاون في الإنعام على ولده وولد الأمير كتبغابا قطاعين في الحلقة، فقال لهما: واللّه لو رأيتهما في مصاف القتال يضربان بالسيف، أو كانا في زحف قدّامي، أستقبح أن أعطي لهما أخبازا في الحلقة، خشية أن يقال أعطى الصبيان الأخباز، ولم يجب سؤالهما هذا. وهم من قد عرفت. لكن كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀، إذا مات الجنديّ أعطى إقطاعه لولده، فإن كان صغيرا رتب معه من يلى أمره حتى يكبر، فكان أجناده يقولون: الإقطاعات أملاكنا يرثها أولادنا الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها. وبه اقتدى كثير من ملوك مصر في ذلك. وللأمراء المقدّمين حوائص ذهب في وقت الركوب إلى الميدان، ولكلّ أمير من الخواص على السلطان مرتب من السكر والحلوى في شهر رمضان، ولسائرهم الأضحية في عيد الأضحى على مقادير رتبهم، ولهم البرسيم لتربيع دوابهم، ويكون في تلك المدجة بدل العليق المرتب لهم، وكانت الخيول السلطانية تفرّق على الأمراء مرّتين في كلّ سنة، مرّة عند ما يخرج السلطان إلى مرابط خيوله في الربيع عند اكتمال تربيعها، ومرّة عند لعبه بالأكرة في الميدان. ولخاصة السلطان المقرّبين زيادة كثيرة من ذلك، بحيث يصل إلى بعضهم في السنة مائة فرس، ويفرّق السلطان أيضا الخيول على المماليك السلطانية في أوقات أخر، وربما يعطى بعض مقدّمي الحلقة، ومن نفق له فرس من المماليك، يحضر من لحمه والشهادة بأنه نفق، فيعطى بدله. ولخاصة السلطان المقرّبين أنعام من الإنعامات، كالعقارات والأبنية الضخمة التي ربما أنفق على بعضها زيادة على مائة ألف دينار، ووقع هذا في الأيام الناصرية مرارا، كما ذكر عند ذكر الدول من هذا الكتاب، ولهم أيضا كساوى القماش المنوّع، ولهم عند سفرهم إلى الصيد وغيره العلوفات والأنزال، وكانت لهم آداب لا يخلّون بها، منها أنهم إذا أدخلوا إلى الخدمة بالإيوان أو القصر، وقف كلّ أمير في مكانه المعروف به، ولا يجسر أحد منهم ولا من المماليك أن يحدّث رفيقه في الخدمة ولا بكلمة واحدة، ولا يلتفت إلى نحوه أيضا، ولا يجسر أحد منهم ولا من المماليك أن يجتمع بصاحبه في نزهة ولا في رمي النشاب ولا غير ذلك، ومن بلغ السلطان

стр. 1285

عنه أنه اجتمع بآخر نفاه أو قبض عليه. واختلف زي الأمراء والعساكر في الدولة التركية، وقد بينا ما كان عليه زيّهم حتى غيره الملك المنصور قلاون عند ذكر سوق الشرابشيين، وصار زيهم إذا دخلوا إلى الخدمة، بالأقبية التترية والكلاوات فوقها، ثم القباء الإسلاميّ فوقها، وعليه تشدّ المنطقة والسيف. ويتميز الأمراء والمقدّمون وأعيان الجند بلبس أقبية قصيرة الأكمام فوق ذلك، وتكون أكمامها أقصر من القباء التحتانيّ، بلا تفاوت كبير في قصر الكمّ والطول، وعلى رؤوسهم كلهم كلوتات صغار غالبها من الصوف الملطيّ الأحمر، وتضرب ويلف فوقها عمائم صغار، ثم زادوا في قدر الكلوتات وما يلفّ فوقها في أيام الأمير بلبغا الخاصكيّ، القائم بدولة الأشرف شعبان بن حسين، وعرفت بالكلوتات الطرخانية، وصاروا يسمون تلك الصغيرة ناصرية، فلما كانت أيام الظاهر برقوق بالغوا في كبر الكلوتات، وعملوا في شدّتها عوجا، وقيل لها كلوتات جركسية، وهم على ذلك إلى اليوم. ومن زيهم لبس المهماز على الإخفاف، ويعمل المنديل في الحياصة (١) على الصولق من الجانب الأيمن، ومعظم حوائص المماليك فضة، وفيهم من كان يعملها من الذهب، وربما عملت باليشم وكانت حوائص أمراء المئين الأكابر، التي تخرج إليهم مع الخلع السلطانية من خزانة الخاص، يرصّع ذهبها بالجواهر. وكان معظم العسكر يلبس الطراز، ولا يكفت مهمازه بالذهب، ولا يلبس الطراز إلاّ من له إقطاع في الحلقة، وأما من هو بالحامكية أو من أجناد الأمراء، فلا يكفت مهمازه بالذهب ولا يلبس طرازا، وكانت العساكر من الأمراء وغيرهم تلبس المنوّع من الكمخا والخطاي والكبخي والمخمل والإسكندرانيّ والشرب ومن النصافي والأصواف الملوّنة. ثم بطل لبس الحرير في أيام الظاهر برقوق، واقتصروا إلى اليوم على لبس الصوف الملوّن في الشتاء، ولبس النصافي المصقول في الصيف. وكانت العادة أن السلطان يتولى بنفسه استخدام الجند، فإذا وقف قدّامه من يطلب الإقطاع المحلول، ووقع اختياره على أحد، أمر ناظر الجيش بالكتابة له، فيكتب ورقة مختصرة تسمى المثال، مضمونها حيز فلان كذا، ثم يكتب فوقه اسم المستقرّ له، ويناولها السلطان فيكتب عليها بخطه، يكتب ويعطيها الحاجب لمن رسم له، فيقبّل الأرض، ثم يعاد المثال إلى ديوان الجيش فيحفظ شاهدا عندهم، ثم تكتب مربعة مكملة بخطوط جميع مباشري ديوان الإقطاع، وهم كتاب ديوان الجيش، فيرسمون علاماتهم عليها، ثم تحمل إلى ديوان الإنشاء والمكاتبات، فيكتب المنشور ويعلّم عليه السلطان كما تقدّم ذكره، ثم يكمل المنشور بخطوط كتاب ديوان الجيش بعد المقابلة على حجة أصله. واستجدّ السلطان الملك المنصور قلاون طائفة سمّاها البحرية، وهي أن البحرية

стр. 1286

الصالحية لما تشتتوا عند قتل الفارس أقطاي في أيام المعز أيبك، بقيت أولادهم بمصر في حالة رذيلة، فعندما أفضت السلطنة إلى قلاون جمعهم ورتب لهم الجوامك والعليق واللحم والكسوة، ورسم أن يكونوا جالسين على باب القلعة، وسمّاهم البحرية، وإلى اليوم طائفة من الأجناد تعرف بالبحرية. وأما البلاد الشامية، فليس للنائب بالمملكة مدخل في تأمير أمير عوض أمير مات، بل إذا مات أمير سواء كان كبيرا أو صغيرا طولع السلطان بموته فأمّر عوضه، إما ممن في حضرته ويخرجه إلى مكان الخدمة، أو ممن هو في مكان الخدمة، أو ينقل من بلد آخر، من يقع اختياره عليه. وأما جند الحلقة فإنهم إذا مات أحدهم استخدم النائب عوضه، وكتب المثال على نحو من ترتيب السلطان، ثم كتب المربعة وجهزها مع البريد إلى حضرة السلطان فيقابل عليها في ديوان الإقطاع، ثم إن أمضاها السلطان كتب عليها يكتب، فتكتب المربعة من ديوان الإقطاع، ثم يكتب عليها المنشور كما تقدّم في الجند الذين بالحضرة، وإن لم يمضها السلطان أخرج الإقطاع لمن يريد. ومن مات من الأمراء والجند قبل استكمال مدّة الخدمة حوسب ورثته على حكم الاستحقاق، ثم إمّا يرتجع منهم أو يطلق لهم على قدر حصول العناية بهم، وإقطاعات الأمراء والجند منها ما هو بلاد يستغلها مقطعها كيف شاء، ومنها ما هو نقد على جهات يتناولها منها، ولم يزل الحال على ذلك حتى راك الملك الناصر محمد بن قلاون البلاد كما تقدّم في أوّل هذا الكتاب، عند الكلام على الخراج ومبلغه، فأبطل عدّة جهات من المكوس وصارت الإقطاعات كلها بلادا، والذي استقرّ عليه الحال في إقطاعات الديار المصرية مما رتبه الملك الناصر محمد بن قلاون في الروك الناصريّ، وهو عدة الجيوش المنصورة بالديار المصرية أربعة وعشرون ألف فارس، تفصيل ذلك: أمراء الألوف ومماليكهم ألفان وأربعمائة وأربعة وعشرون فارسا، تفصيل ذلك: نائب ووزير وألوف خاصكية ثمانية أمراء، وألوف خرجية أربعة عشر أميرا، ومماليكهم ألفان وأربعمائة فارس. أمراء طبلخاناه ومماليكهم ثمانية آلاف ومائتا فارس، تفصيل ذلك: خاصكية أربعة وخمسون أميرا، وخرجية مائة وستة وأربعون أميرا، ومماليكهم ثمانية آلاف فارس. كشاف وولاة بالأقاليم خمسمائة وأربعة وسبعون، تفصيل ذلك: ثغر الإسكندرية واحد، والبحيرة واحد، والغربية واحد، والشرقية واحد، والمنوفيه واحد وقطيا واحد، وكاشف الجيزة واحد، والفيوم واحد، والبهنسا واحد، والأشمونين واحد، وقوص واحد، واسوان واحد، وكاسف الوجه البحريّ واحد، وكاشف الوجه القبليّ واحد. ومماليكهم خمسمائة وستون. أمراء العشراوات ومماليكهم ألفان ومائتا فارس، تفصيل ذلك: خاصكية ثلاثون، وخرجية مائة وسبعون أميرا، ومماليكهم ألفان. ولاة الأقاليم سبعة وسبعون أميرا، تفصيلهم: أشمون الرّمان واحد، وقليوب واحد،

стр. 1287

والجيزة واحد، وتروجا واحد، وحاجب الإسكندرية واحد، واطفيح واحد، ومنفلوط واحد، ومماليكهم سبعون فارسا. مقدّموا الحلقة والأجناد أحد عشر ألفا ومائة وستة وسبعون فارسا، تفصيل ذلك: مقدّموا المماليك السلطانية أربعون، مقدّموا الحلقة مائة وثمانون، نقباء الألوف أربعة وعشرون نقيبا، مماليك السلطان وأجناد الحلقة عشرة آلاف وتسعمائة واثنان وثلاثون فارسا، تفصيل ذلك: مماليك السلطان ألفا مملوك، أجناد الخلقة ثمانية آلاف وتسعمائة واثنان وثلاثون فارسا. عبرة ذلك الخاصكية، الألوف والنائب والوزير، كلّ منهم مائة ألف دينار، وكلّ دينار عشرة دراهم، الارتفاع ألف ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال، كلّ أردب واحد من القمح بعشرين درهما، والحبوب كلّ أردب منها بعشرة دراهم، من ذلك الكلف مائة ألف درهم، والخالص تسعمائة ألف درهم. الألوف الخرجية، كلّ منهم خمسة وثمانون ألف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، الارتفاع ثمانمائة ألف وخمسون ألفا، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح فيه، من ذلك الكلف سبعون ألف درهم، والخالص لكلّ منهم سبعمائة وثمانون ألف درهم. الطبلخاناه الخاصكية، كلّ منهم أربعون ألف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، الارتفاع أربعمائة ألف درهم بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح فيه، من ذلك الكلف خمسة وثلاثون ألف درهم، والخالص لكلّ منهم ثلاثمائة وخمسة وستون ألف درهم. الطبلخاناه الخرجية ثلاثون ألف دينار، كلّ دينار ثمانية دراهم، الارتفاع مائتا ألف وأربعون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح، من ذلك الكلف أربعة وعشرون ألف درهم، والخالص مائتا ألف وستة عشر ألف درهم. العشراوات الخاصكية كل منهم عشرة آلاف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، الارتفاع مائة ألف درهم بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح، من ذلك الكلف سبعة آلاف درهم، والخالص لكلّ منهم ثلاثة وتسعون ألف درهم. العشراوات الخرجية كلّ منهم سبعة آلاف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، الارتفاع سبعون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال، على ما شرح. من ذلك الكلف خمسة آلاف درهم، والخالص لكلّ منهم خمسة وستون ألف درهم. الكشّاف لكلّ منهم عشرون ألف دينار، كلّ دينار ثمانية دراهم، الارتفاع مائة ألف وستون ألف درهم بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح، من ذلك الكلفة خمسة عشر ألف درهم، والخالص مائة ألف وخمسة وأربعون ألف درهم.

стр. 1288

الولاة الاصطبلخاناه، كلّ منهم خمسة عشر ألف دينار، كلّ دينار ثمانية دراهم، الارتفاع مائة وعشرون ألف درهم بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح، من ذلك الكلف عشرة آلاف درهم، والخالص لكلّ منهم مائة ألف وعشرة آلاف درهم. الولاة العشراوات، لكلّ منهم خمسة آلاف دينار، كلّ دينار سبعة دراهم، الارتفاع خمسة وثلاثون ألف درهم، بما فيه من ثمن المغل على ما شرح، من ذلك الكلف ثلاثة آلاف درهم، والخالص لكلّ منهم اثنان وثلاثون ألف درهم. مقدّمو مماليك السلطان، كلّ منهم ألف ومائتا دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، الارتفاع اثنا عشر ألف درهم بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح، من ذلك الكلف ألف درهم، والخالص لكلّ منهم أحد عشر ألف درهم. مقدّموا الحلقة، كلّ منهم ألف دينار، كلّ دينار تسعة دراهم، الارتفاع تسعة آلاف درهم بما فيه من ثمن الغلال، من ذلك الكلف تسعمائة درهم، والخالص لكلّ منهم ثمانية آلاف درهم ومائة درهم. نقباء الألوف لكل منهم أربعمائة دينار، كلّ دينار تسعة دراهم، الارتفاع ثلاثة آلاف وستمائة درهم، بما فيه من ثمن الغلال، من ذلك الكلف أربعمائة درهم، والخالص لكلّ منهم ثلاثة آلاف ومائتا درهم. مماليك السلطان ألفان، بابة أربعمائة مملوك، لكلّ منهم ألف وخمسمائة دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، عنها لأخمسة عشر ألف درهم، بابة خمسمائة مملوك، كل واحد ألف وثلثمائة دينار، سعره عشرة دراهم، عنها ثلاثة عشر ألف درهم، بابة خمسمائة مملوك، لكل منهم ألف دينار ومائتا دينار، عنها اثنا عشر ألف درهم. بابة ستمائة مملوك، لكل واحد ألف دينار، عنها عشرة آلاف درهم. اجناد الحلقة ثمانئة آلاف وتسعمائة واثنان وثلاثون فارسا، بابه ألف وخمسمائة فارس لكلّ منهم تسعمائة دينة بتسعة آلاف درهم، بابة ألف وثلاثمائة وخمسين جنديا لكلّ منهم ثمانمائة دينار بثمانية آلاف درهم، بابة ألف وثلاثمائة وخمسين جنديا كل منهم سبعمائة دينار عنها سبعة آلاف درهم. بابة ألف وثلاثمائة جنديّ لكلّ منهم ستمائة دينار بستة آلاف درهم، بابة ألف وثلاثمائة كلّ منهم بخمسمائة دينار بخمسة آلاف درهم. بابة ألف ومائة جنديّ لكلّ منهم أربعمائة دينار بأربعة آلاف درهم، بابة ألف واثنين وثلاثين جنديا لكل منهم ثلاثمائة دينار سعر عشرة دراهم عنها ثلاثة آلاف درهم. وأرباب الوظائف من الأمراء بعد النيابة والوزارة، أمير سلاح والدوادار، والحجبة، وأمير جاندار، والاستادار، والمهندار، ونقيب الجيوش، والولاة.

стр. 1289

فلما مات الملك الناصر محمد بن قلاون، حدث بين أجناد الحلقة نزول الواحد منهم عن إقطاعه لآخر بمال، أو مقايضة الإقطاعات بغيرها فكثر الدخيل في الأجناد بذلك، واشترت السوقة والأراذل الإقطاعات، حتى صار في زمننا أجناد الحلقة أكثرهم أصحاب حرف وصناعات، وخربت منهم أراضي إقطاعاتهم. وأوّل ما حدث ذلك أن السلطان الملك الكامل شعبان بن محمد بن قلاون، لما تسلطن في شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة، تمكن منه الأمير شجاع الدين أغرلوشادّ الدواوين، واستجدّ أشياء منها المقايضة بالإقطاعات في الحلقة، والنزول عنها. فكان من أراد مقايضة أحد بإقطاعه، حمل كلّ منهما مالا لبيت المال يقرّر عليهما، ومن اختار حيزا بالحلقة، يزن على قدر عبرته في عبرته في السنة دنانير يحملها لبيت المال، فإن كانت عبرة الحيز الذي يريده خمسمائة دينار في السنة، حمل خمسمائة دينار، ومن أراد النزول عن إقطاعه حمل مالا لبيت المال بحسب ما يقرّر عليه اغرلو، وأفرد لذلك ولما يؤخذ من طالبي الوظائف والولايات ديوانا سمّاه ديوان البدل، وكان يعين في المنشور الذي يخرج بالمقايضة، المبلغ الذي يقوم به كلّ من الجنديين، وكان ابتداء هذا في جمادى الأولى من السنة المذكورة، فقام الأمراء في ذلك مع السلطان حتى رسم بإبطاله، فلما ولي الأمير منجك اليوسفيّ الوزارة وسيره في المال، فتح في سنة تسع وأربعين باب النزول والمقايضات، فكان الجنديّ يبيع إقطاعه لكلّ من بذل له فيه مالا، فأخذ كثير من العامّة الإقطاعات، فكان يبذل في الإقطاع مبلغ عشرين ألف درهم، وأقل منه على قدر متحصله، وللوزير رسم معلوم، ثم منع من ذلك، فلما كانت نيابة الأمير سيف الدين قيلاي في سنة ثلاث وخمسين، مشى أحوال الأجناد في المقايضات والنزولات، فاشترى الإقطاعات الباعة وأصحاب الصنائع، وبيعت تقادم الحلقة، وانتدب لذلك جماعة عرفت بالمهيسين بلغت عدّتهم نحو الثلاثمائة مهيس، وصاروا يطوفون على الأجناد ويرغبونهم في النزول عن إقطاعاتهم أو المقايضة بها، وجعلوا لهم على كلّ ألف درهم مائة درهم، فلما فحش الأمر أبطل الأمير شيخون العمري النزولات والمقايضات عندما استقرّ رأس نوبة، واستقل بتدبير أمور الدولة، وتقدّم لمباشري ديوان الجيش أن لا يأخذوا رسم المنشور والمحاسبة سوى ثلاثة دراهم، بعد ما كانوا يأخذون عشرين درهما. ذكر الحجبة وكانت رتبة الحجبة في الدولة التركية جليلة، وكانت تلي رتبة نيابة السلطنة، ويقال لأكبر الحجبة حاجب الحجاب. وموضوع الحجبة أن متوليها بنصف من الأمراء والجند، تارة بنفسه وتارة بمشاورة السلطان وتارة بمشاورة النائب، وكان إليه تقديم من يعرض ومن يردّ، وعرض الجند، فإن لم يكن نائب السلطنة فإنه هو المشار إليه في الباب، والقائم مقام النوّاب في كثير من الأمور، وكان حكم الحاجب لا يتعدّى النظر في مخاصمات الأجناد

стр. 1290

واختلافهم في أمور الإقطاعات ونحو ذلك، ولم يكن أحد من الحجاب فيما سلف يتعرّض للحكم في شيء من الأمور الشرعية، كتداعي الزوجين وأرباب الديون، وإنما يرجع ذلك إلى قضاة الشرع، ولقد عهدنا دائما أن الواحد من الكتاب أو الضمان ونحوهم، يفرّ من باب الحاجب ويصير إلى باب أحد القضاة ويستجير بحكم الشرع فلا يطمع أحد بعد ذلك في أخذه من باب القاضي، وكان فيهم من يقيم الأشهر والأعوام في ترسيم القاضي حماية له من أيدي الحجاب، ثم تغير ما هنالك وصار الحاجب اليوم اسما لعدّة جماعة من الأمراء، ينتصبون للحكم بين الناس لا لغرض إلاّ لتضمين أبوابهم بمال مقرّر في كلّ يوم على رأس نوبة النقباء، وفيهم غيروا حد ليس لهم على الأمرة إقطاع، وإنما يرتزقون من مظالم العباد، وصار الحاجب اليوم يحكم في كلّ جليل وحقير من الناس، سواء كان الحكم شرعيا أو سياسيا بزعمهم، وإن تعرّض قاض من قضاة الشرع لأخذ غريم من باب الحاجب، لم يمكّن من ذلك، ونقيب الحاجب اليوم مع رذالة الحاجب وسفالته، وتظاهره من المنكر بما لم يكن يعهد مثله، يتظاهر به أطراف السوقة، فإنه يأخذ الغريم من باب القاضي ويتحكم فيه من الضرب وأخذ المال بما يختار، فلا ينكر ذلك أحد البتة، وكانت أحكام الحجاب أوّلا يقال لها حكم السياسة، وهي لفظة شيطانية لا يعرف أكثر أهل زمننا اليوم أصلها، ويتماهلون في التلفظ بها ويقولون: هذا الأمر مما لا يمشي في الأحكام الشرعية، وإنما هو من حكم السياسة، ويحسبونه هينا، وهو عند اللّه عظيم، وسأبين معنى ذلك، وهو فصل عزيز. ذكر أحكام السياسة اعلم أن الناس في زمنا، بل ومنذ عهد الدولة التركية بديار مصر والشام، يرون أن الأحكام على قسمين: حكم الشرع، وحكم السياسة. ولهذه الجملة شرح، فالشريعة هي ما شرّع اللّه تعالى من الدين وأمر به، كالصلاة والصيام والحج وسائر أعمال البرّ، واشتقّ الشرع من شاطئ البحر، وذلك أن الموضع الذي على شاطئ البحر تشرع فيه الدواب، وتسميه العرب الشريعة، فيقولون للإبل إذا وردت شريعة الماء وشربت: قد شرع فلان إبله، وشرّعها، بتشديد الراء إذا أوردها شريعة لماء، والشريعة والشراع والشرعة، المواضع التي ينحدر الماء فيها. ويقال: شرّع الدين يشرّعه شرعا بمعنى سنّه. قال اللّه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ [الشورى/ ١٣] ويقال: ساس الأمر سياسة، بمعنى قام به. وهو سائس من قوم ساسة وسوس، وسوّسه القوم. جعلوه يسوسهم، والسوس الطبع والخلق، فيقال: الفصاحة من سوسه والكرم من سوسه، أي من طبعه. فهذا أصل وضع السياسة في اللغة. ثم رسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال.

стр. 1291

والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. وقد صنف الناس في السياسة الشرعية كتبا متعدّدة. والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرّمها وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا، وإنما هي كلمة مغليّة، أصلها ياسه، فحرّفها أهل مصر وزادوا بأوّلها سينا فقالوا سياسة، وأدخلوا عليها الألف واللام فظنّ من لا علم عنده أنها كلمة عربية، وما الأمر فيها إلاّ ما قلت لك. واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت بمصر والشام. وذلك أن جنكز خان القائم بدولة التتر في بلاد الشرق، لما غلب الملك أونك خان وصارت له دولة، قرّر قواعد وعقوبات أثبتها في كاتب، سمّاه ياسه، ومن الناس من يسميه يسق، والأصل في اسمه ياسه، ولما تمم وضعه كتب ذلك نقشا في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه فالتموه بعده حتى قطع اللّه دابرهم. وكان جنكز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض، كما تعرف هذا إن كنت أشرفت على أخباره، فصار الياسه حكما بتّا بقي في أعقابه لا يخرجون عن شيء من حكمه. وأخبرني العبد الصالح الداعي إلى اللّه تعالى، أبو هاشم أحمد بن البرهان، ﵀: أنه رأى نسخة من الياسة بخزانة المدرسة المستنصرية ببغداد، ومن جملة ما شرعه جنكزخان في الياسه أن: من زنى قتل، ولم يفرق بين المحصن وغير المحصن. ومن لاط قتل، ومن تعمّد الكذب أو سحر أو تجسس على أحد، أو دخل بين اثنين وهما يتخاصمان وأعان أحد هما على الآخر قتل. ومن بال في الماء أو على الرماد قتل. ومن أعطي بضاعة فخسر فيها فإنه يقتل بعد الثالثة. ومن أطعم أسير قوم أو كساه بغير إذنهم قتل ومن وجد عبدا هاربا أو أسيرا قد هرب ولم يردّه على من كان في يده قتل. وأنّ الحيوان تكتّف قوائمه ويشقّ بطنه ويمرس قلبه إلى أن يموت ثم يؤكل لحمه. وأنّ من ذبح حيوانا كذبيحة المسلمين ذبح. ومن وقع حمله أو قوسه أو شيء من متاعه وهو يكرّ أو يفرّ في حالة القتال وكان وراءه أحد، فإنه ينزل ويناول صاحبه ما سقط منه، فإن لم ينزل ولم يناوله قتل. وشرط أن لا يكون على أحد من ولد عليّ بن أبي طالب ﵁ مؤنة ولا كلفة، وأن لا يكون على أحد من الفقراء ولا القرّاء ولا الفقهاء ولا الأطباء ولا من عداهم من أرباب العلوم وأصحاب العبادة والزهد والمؤذنين ومغسلي الأموات كلفة ولا مؤنة، وشرط تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة على أخرى، وجعل ذلك كله قربة إلى اللّه تعالى، وألزم قومه أن لا يأكل أحد من يد أحد حتى يأكل المناول منه أوّلا، ولو أنه أمير، ومن يناوله أسير. وألزمهم أن لا يتخصص أحد بأكل شيء وغيره يراه، بل يشركه معه في أكله. وألزمهم أن لا يتميز أحد منهم بالشبع على أصحابه، ولا يتخطى أحد نارا ولا مائدة ولا الطبق الذي يؤكل عليه، وأنّ

стр. 1292

من مرّ بقوم وهم يأكلون فله أن ينزل ويأكل معهم من غير إذنهم، وليس لأحد منعه. وألزمهم أن لا يدخل أحد منهم يده في الماء، ولكنه يتناول الماء بشيء يغترفه به، ومنعهم من غسل ثيابهم بل يلبسونها حتى تبلى، ومنه أن يقال لشيء أنه نجس، وقال: جميع الأشياء طاهرة، ولم يفرق بين طاهر ونجس. وألزمهم أن لا يتعصبوا لشيء من المذاهب، ومنعهم من تفخيم الألفاظ ووضع الألقاب، وإنما يخاطب السلطان ومن دونه ويدعى باسمه فقط، وألزم القائم بعده بعرض العساكر وأسلحتها إذا أرادوا الخروج إلى القتال. وأنّه يعرض كلّ ما سافر به عسكره، وينظر حتى الإبرة والخيط، فمن وجده قد قصر في شيء مما يحتاج إليه عند عرضه أياه عاقبه. وألزم نساء العساكر بالقيام بما على الرجال من السخر والكلف في مدّة غيبتهم في القتال، وجعل على العساكر إذا قدمت من القتال كلفة يقومون بها للسلطان ويؤدّونها إليه. وألزمهم عند رأس كلّ سنة بعرض سائر بناتهم الأبكار على السلطان ليختار منهنّ لنفسه وأولاده. ورتب لعساكره أمراء وجعلهم أمراء ألوف وأمراء مئين وأمراء عشراوات، وشرّع أن أكبر الأمراء إذا أذنب وبعث إليه الملك أخس من عنده حتى يعاقبه فإنه يلقي نفسه إلى الأرض بين يدي الرسول وهو ذليل خاضع، حتى يمضي فيه ما أمر به الملك من العقوبة، ولو كانت بذهاب نفسه. وألزمهم أن لا يتردّد الأمراء لغير الملك، فمن تردّد منهم لغير الملك قتل، ومن تغير عن موضعه الذي يرسم له بغير إذن قتل. وألزم السلطان بإقامة البريد حتى يعرف أخبار مملكته بسرعة، وجعل حكم الياسه لولده جقتاي بن جنكز خان، فلما مات التزم من بعده من أولاده وأتباعهم حكم الياسه، كالتزام أوّل المسلمين حكم القرآن، وجعلوا ذلك دينا لم يعرف عن أحد منهم خالفته بوجه. فلما كثرت وقائع التتر في بلاد المشرق والشمال وبلاد القبجاق، وأسروا كثيرا منهم وباعوهم، تنقلوا في الأقطار، واشترى الملك الصالح نجم الدين أيوب جماعة منهم سماهم البحرية، ومنهم من ملك ديار مصر، وأوّلهم المعز أيبك. ثم كانت لقطز معهم الواقعة المشهورة على عين جالوت، وهزم التتار وأسر منهم خلقا كثيرا صاروا بمصر والشام، ثم كثرت الوافدية في أيام الملك الظاهر بيبرس وملؤوا مصر والشام، وخطب للملك بركة بن يوشي بن جنكز خان على منابر مصر والشام والحرمين، فغصت أرض مصر والشام بطوائف المغل، وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم، هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعبا من جنكز خان وبنيه، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم، وكانوا إنما ربّوا بدار الإسلام ولقّنوا القرآن وعرفوا أحكام الملة المحمدية، فجمعوا بين الحق والباطل، وضموا الجيد إلى الرديء، وفوّضوا القاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج، وناطوبه أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية، كتداعي الزوجين وأرباب الديون ونحو ذلك، واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى

стр. 1293

الرجوع لعادة جنكز خان والاقتداء بحكم الياسة، فلذلك نصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عوايدهم، والأخذ على يد قويهم، وانصاف الضعيف منه على مقتضى ما في الياسة، وجعلوا إليه مع ذلك النظر في قضايا الدواوين السلطانية عند الاختلاف في أمور الإقطاعات، لينفذ ما استقرّت عليه أوضاع الديوان وقواعد الحساب، وكانت من أجلّ القواعد وأفضلها حتى تحكم القبط في الأموال وخراج الأراضي، فشرّعوا في الديوان ما لم يأذن به اللّه تعالى، ليصير لهم ذلك سبيلا إلى أكل مال اللّه تعالى بغير حقه، وكان مع ذلك يحتاج الحاجب إلى مراجعة النائب أو السلطان في معظم الأمور. هذا وستر الحياء يومئذ مسدول، وظلّ العدل صاف، وجناب الشريعة محترم، وناموس الحشمة مهاب، فلا يكاد أحد أن يزيغ عن الحق، ولا يخرج عن قضية الحياء، إن لم يكن له وازع من دين، كان له ناه من عقل. ثم تقلص ظلّ العدل، وسفرت أوجه الفجور، وكشّر الجور أنيابه، وقلت المبالاة، وذهب الحياء والحشمة من الناس، حتى فعل من شاء ما شاء، وتعدّت منذ عهد المحن التي كانت في سنة ست وثمانمائة الحجاب، وهتكوا الحرمة، وتحكموا بالجور تحكما خفي معه نور الهدى، وتسلطوا على الناس مقتا من اللّه لأهل مصر وعقوبة لهم بما كسبت أيديهم، ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. وكان أوّل ما حكم الحجاب في الدولة التركية بين الناس بمصر، أن السلطان الملك الكامل شعبان بن الناصر محمد بن قلاون، استدعى الأمير شمس الدين آق سنقر الناصريّ، نائب طرابلس، ليوليه نيابة السلطنة بديار مصر عوضا عن الأمير سيف الدين بيغوا، أميرا حاجبا كبيرا، يحكم بين الناس، فخلع عليه في جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبعمائة، فحكم بين الناس كما كان نائب السلطنة يحكم، وجلس بين يديه موقعان من موقعي السلطان لمكاتبة الولاة بالأعمال ونحوهم، فاستمرّ ذلك. ثم رسم في جمادى الآخرة منها أن يكون الأمير رسلان يصل حاجبا مع بيغوا يحكم بالقاهرة على عادة الحجاب، فلما انقضت دولة الكامل بأخيه الملك المظفر حاجي بن محمد، استقرّ الأمير سيف الدين أرقطاي نائب السلطنة، فعاد أمر الحجاب إلى العادة القديمة، إلى أن كانت ولاية الأمير سيف الدين جرجي الحجابة في أيام السلطان الملك الصالح صالح بن محمد بن قلاون، فرسم له أن يتحدّث في أرباب الديون ويفصلهم من غرمائهم بأحكام السياسة، ولم تكن عادة الحجاب فيما تقدّم أن يحكموا في الأمور الشرعية، وكان سبب ذلك ووقوف تجار العجم للسلطان بدار العدل في أثناء سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وذكروا أنهم ما خرجوا من بلادهم إلاّ لكثرة ما ظلمهم التتار وجاروا عليهم، وأن التجار بالقاهرة اشتروا منهم عدّة بضائع وأكلوا أثمانها، ثم هم يثبتون على يد القاضي الحنفيّ أعسارهم، وهم في سجنه، وقد أفلس بعضهم فرسم للأمير جرجي بإخراج غرمائهم من السجن وخلاص ما في قبلهم للتجار،

стр. 1294

وأنكر على قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه التركمانيّ الحنفيّ ما عمله، ومنع من التحدث في أمر التجار والمدينين، فأخرج جرجي غرماء التجار من السجن وعاقبهم، حتى أخذ للتجار أموالهم منهم شيئا بعد شيء، وتمكن الحجاب من حينئذ من التحكم على الناس بما شاؤوا. أمير جاندار: موضوع أمير جاندار، التسلم لباب السلطان، ولرتبة البرد دارية، وطوائف الركابية، والحرامانية، والجندارية. وهو الذي يقدم البريد إذا قدم مع الدوادار وكاتب السرّ، وإذا أراد السلطان تقرير أحد من الأمراء على شيء أو قتله بذنب، كان ذلك على يد أمير جاندار، وهو أيضا المتسلم للزردخاناه، وكانت أرفع السجون قدرا، ومن اعتقل بها لا تطول مدّته بها، بل يقتل أو يخلى سبيله، وهو الذي يدور بالزفة حول السلطان في سفره مساء وصباحا. الأستادار: إليه أمر البيوت السلطانية كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان، وهو الذي كان يمشي بطلب السلطان في السرحات والأسفار، وله الحكم في غلمان السلطان وباب داره، وإليه أمور الجاشنكيرية. وإن كان كبيرهم نظيره في الأمرة من ذوي المئين، وله أيضا الحديث المطلق والتصرّف التام في استدعاء ما يحتاجه كلّ من في بيت من بيوت السلطان من النفقات والكساوى، وما يجري مجرى ذلك. ولم تزل رتبة الأستادار على ذلك حتى كانت أيام الظاهر برقوق، فأقام الأمير جمال الدين محمود بن عليّ بن اصفر عيّنه استادارا وناط به تدبير أموال المملكة، فتصرّف في جميع ما يرجع إلى أمر الوزير وناظر الخاص، وصارا يتردّدان إلى بابه ويمضيان الأمور برأيه، فجلت من حينئذ رتبة الأستادار، بحيث أنه صار في معنى ما كان فيه الوزير في أيام الخلفاء، سيما إذا اعتبرت حال الأمير جمال الدين يوسف الاستادار في أيام الناصر فرج بن برقوق، كما ذكرناه عند ذكر المدارس من هذا الكتاب، فإنك تجده إنما كان كالوزير العظيم، لعموم تصرّفه ونفوذ أمره في سائر أحوال المملكة، واستقرّ ذلك لمن ولي الاستادارية من بعده، والأمر على هذا إلى اليوم. أمير سلاح: هذا الأمير هو مقدّم السلاحدارية، والمتولي لحمل سلاح السلطان فى المجامع الجامعة، وهو المتحدّث في السلاح خاناه وما يستعمل بها وما يقدم إليها ويطلق منها، وهو أبدا من أمراء المئين. الدوادار: ومن عادة الدولة أن يكون بها من أمرائها من يقال له الدوادار، وموضوعه لتبليغ الرسائل عن السلطان، وابلاغ عامّة الأمور، وتقديم القصص إلى السلطان، والمشاورة على من يحضر إلى الباب، وتقديم البريد هو أمير جاندار وكاتب السرّ، وهو الذي يقدم إلى السلطان كل ما تؤخذ عليه العلامة السلطانية من المناشير والتواقيع والكتب، وكان يخرج عن

стр. 1295

السلطان بمرسوم مما يكتب، فيعين رسالته في المرسوم، واختلفت آراء ملوك الترك في الدوادار، فتارة كان من أمراء العشراوات والطبلخاناه، وتارة كان من أمراء الألوف. فلما كانت أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون، ولي الأمير اقتمر الحنليّ وظيفة الدوادارية، وكان عظيما في الدولة، فصار يخرج المراسيم السلطانية بغير مشاورة، كما يخرج نائب السلطنة، ويعين في المرسوم إذ ذاك انه كتب برسالته، ثم نقل إلى نيابة السلطنة وأقام الأشرف عوضة الأمير طاش تمر الدوادار، وجعله من أكبر أمراء الألوف، فاقتدى به الملك الظاهر برقوق وجعل الأمير يونس الدوادار من أكبر أمراء الألوف، فعظمت منزلته وقويت مهابته، ثم لما عادت الدولة الظاهرية بعد زوالها، ولي الدوادارية الأمير بوطا، فتحكم تحكما زائدا عن المعهود في الدوادارية، وتصرّف كتصرّف النوّاب، وولّى وعزل وحكم في القضايا المعضلة، فصار ذلك من بعده عادة لمن ولي الدوادارية، سيما لما ولي الأمير يشبك والأمير حكم الدوادارية في أيام الناصر فرج، فإنهما تحكمت في جليل أمور الدولة وحقيرها، من المال والبريد والأحكام والعزل والولاية، وما برح الحال على هذا في الأيام الناصرية، وكذلك الحال في الأيام المؤيدية يقارب ذلك. نقابة الجيوش: هذه الرتبة كانت في الدولة التركية من الرتب الجليلة، ويكون متوليها كأحد الحجاب الصغار، وله تحلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النقباء، فإذا طلب السلطان أو النائب أو حاجب الحجاب أميرا أو جنديا، كان هو المخاطب في الإرسال إليه، وهو الملزوم بإحضاره، وإذا أمر أحد منهم بالترسيم على أمير أو جنديّ، كان نقيب الجيش هو الذي يرسم عليه، وكان من رسمه أنه هو الذي يمشي بالحراسة السلطانية في الموكب حالة السرحة، وفي مدّة السفر، ثم انحطت اليوم هذه الرتبة، وصار نقيب الجيش عبارة عن كبير من النقباء المعدّين لترويع خلق اللّه تعالى، وأخذ أموالهم بالباطل على سبيل القهر، عند طلب أحد إلى باب الحاجب، ويضيفون إلى أكلهم أموال الناس بالباطل افتراءهم على اللّه تعالى بالكذب، فيقولون على المال الذي يأخذونه باطلا هذا حق الطريق، والويل لمن نازعهم في ذلك، وهم أحد أسباب خراب الإقليم كما بين في موضعه من هذا الكتاب، عند ذكر الأسباب التي أوجبت خراب الإقليم. الولاية: وهي التي يسميها السلف الشرطة، وبعضهم يقول صاحب العسس، والعسس الطواف بالليل لتتبع أهل الريب يقال: عس يعس عسا وعسسا. وأوّل من عس بالليل عبد اللّه بن مسعود ﵁، أمره أبو بكر الصدّيق ﵁ بعس المدينة. خرّج أبو داود عن الأعمش عن زيد قال: أتى عبد اللّه بن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد اللّه ﵁: إنّا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. وذكر الثعلبيّ عن زيد بن وهب أنه قال: قيل لابن مسعود ﵁، هل لك في

стр. 1296

الوليد بن عتبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء نأخذ به، وكان عمر ﵁ يتولى في خلافته العسس بنفسه، ومعه مولاه أسلم ﵁، وكان ربما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف ﵁. قاعة الصاحب: وكانت وظيفة الوزارة أجلّ رتب أرباب الأقلام، لأنّ متوليها ثاني السلطان إذ أنصف وعرف حقه، إلاّ أن ملوك الدولة التركية قدّموا رتبة النيابة على الوزارة، فتأخرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، ووليها في الدولة التركية أناس من أرباب السيوف وأناس من أرباب الأقلام، فصار الوزير إذا كان من أرباب الأقلام يطلق عليه اسم الصاحب، بخلاف ما إذا كان من أرباب السيوف فإنه لا يقال له الصاحب، وأصل هذه الكلمة في إطلاقها على الوزير، أنّ الوزير إسماعيل بن عباد كان يصحب مؤيد الدولة أبا منصور بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلميّ، صاحب بلاد الرّيّ، وكان مؤيد الدولة شديد الميل إليه والمحبة له، فسماه الصاحب، وكان الوزير حينئذ أبو الفتح عليّ بن العميد يعاديه لشدّة تمكنه من مؤيد الدولة، فتلقب الوزراء بعد ابن عباد بالصاحب، ولا أعلم أحدا من وزراء خلفاء بني العباس، ولا وزراء الخلفاء الفاطميين قيل له الصاحب، وقد جمعت في وزراء الإسلام كتابا جليل القدر، وأفردت وزراء مصر في تصنيف بديع، والذي أعرف، أنّ الوزير صفيّ الدين عبد اللّه بن شكر وزير العادل والكامل من ملوك مصر من بني أيوب، كان يقال له الصاحب، وكذلك من بعده من وزراء مصر إلى اليوم. وكان وضع الوزير أنّه أقيم لنفاذ كلمة السلطان وتمام تصرّفه، غير أنها انحطت عن ذلك بنيابة السلطنة، ثم انقسم ما كان للوزير إلى ثلاثة هم: الناظر في المال، وناظر الخاص، وكاتب السرّ، فإنه يوقع في دار العدل ما كان يوقع فيه الوزير بمشاورة واستقلال. ثم تلاشت الوزارة في أيام الظاهر برقوق بما أحدثه من الديوان المفرد، وذلك أنه لما ولي السلطنة أفرد إقطاعه لما كان أميرا قبل سلطنته، وجعل له ديوانا سمّاه الديوان المفرد، وأقام فيه ناظرا وشاهدين وكتابا، وجعل مرجع هذا الديوان إلى الأستادار، وصرف ما يتحصل منه في جوامك مماليك استجدّها شيئا بعد شيء حتى بلغت خمسة آلاف مملوك، وأضاف إلى هذا الديوان كثيرا من أعمال الديار المصرية، وبذلك قوي جانب الاستادار، وضعفت الوزارة حتى صار الوزير قصار نظره التحدّث في أمر المكوس، فيستخرجها من جهاتها ويصرفها في ثمن اللحم وحوايج المطبخ وغير ذلك، ولقد كان الوزير الصاحب سعد الدين نصر اللّه بن البقريّ يقول: الوزارة اليوم عبارة عن حوايج كاش عفش، يشتري اللحم والحطب وحوايج الطعام، وناظر الخاص غلام صلف يشتري الحرير والصوف والنصافي والسنجاب، وأمّا ما كان للوزراء ونظار الخاص في القديم فقد بطل، ولقد صدق فيما قال، فإنّ الأمر على هذا. وما رأينا الوزارة من بعد انحطاط رتبتها يرتفع قدر متوليها إلاّ إذا أضيفت إلى الأستادارية، كما وقع للأمير جمال الدين يوسف الأستادار، والأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن أبي الفرج.

стр. 1297

وأما من ولي الوزارة بمفردها، سيما من أرباب الأقلام، فإنما هو كاتب كبير يتردّد ليلا ونهارا إلى باب الأستادار، ويتصرّف بأمره ونهيه، وحقيقة الوزارة اليوم أنها انقسمت بين أربعة وهم: كاتب السرّ، والأستادار، وناظر الخاص، والوزير. فأخذ كاتب السرّ من الوزارة التوقيع على القصص بالولايات والعزل ونحو ذلك في دار العدل وفي داره. وأخذ الأستادار التصرّف في نواحي أرض مصر، والتحدّث في الدواوين السلطانية، وفي كشف الأقاليم، وولاة النواحي، وفي كثير من أمور أرباب الوظائف، وأخذ ناظر الخاص جانبا كبيرا من الأموال الديوانية السلطانية، ليصرفها في تعلقات الخزانة السلطانية، وبقي للوزير شيء يسير جدّا من النواحي، والتحدّث في المكوس، وبعض الدواوين، ومصارف المطبخ السلطاني والسواقي، وأشياء أخر، وإليه مرجع ناظر الدولة، وشادّ الدواوين، وناظر بيت المال، وناظر الأهراء ومستوفي الدولة، وناظر الجهات، وأمّا ناظر البيوت وناظر الإصطبلات، فإنه أمرهما يرجع إلى غيره. واللّه أعلم. نظر الدولة: هذه الوظيفة يقال لمتوليها ناظر النظار، ويقال له ناظر المال، وهو يعرف اليوم بناظر الدولة، وتلي رتبته رتبة الوزارة، فإذا غاب الوزير وتعطلت الوزارة من وزير، قام ناظر الدولة بتدبير الدولة، وتقدّم إلى شادّ الدواوين بتحصيل الأموال وصرفها في النفقات والكلف، واقتصر الملك الناصر محمد بن قلاون على ناظر الدولة مدّة أعوام من غير تولية وزير، ومشّى أمور الدولة على ذلك حتى مات، ولا بدّ أن يكون مع ناظر الدولة مستوفون يضبطون كلّيّات المملكة وجزئياتها، ورأس المستوفين مستوفي الصحبة، وهو يتحدّث في سائر المملكة مصرا وشاما، ويكتب مراسيم يعلّم عليها السلطان، فتكون تارة بما يعمل في البلاد، وتارة بالإطلاقات، وتارة باستخدام كتّاب في صغار الأعمال، ومن هذا النحو وما يجري مجراه. ديوان النظر: وهي وظيفة جليلة تلي نظر الدولة، وبقية المستوفين كلّ منهم حديثه مقيد، لا يتعدّى حديثه قطرا من أقطار المملكة، وهذا الديوان، أعني ديوان النظر، هو أرفع دواوين المال، وفيه تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية، وكلّ ديوان من دواوين المال إنما هو فرع هذا الديوان، وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه، وإليه يرجع أمر الاستيمار الذي يشتمل على أرزاق ذوي الأقلام وغيرهم. مياومة ومشاهرة ومسانهة من الرواتب، وكانت أرزاق ذوي الأقلام مشاهرة من مبلغ عين وغلة، وكان لأعيانهم الرواتب الجارية في اليوم من اللحم بتوابله أو غير توابله، والخبز والعليق لدوابهم، وكان لأكابرهم السكر والشمع والزيت والكسوة في كلّ سنة والأضحية، وفي شهر رمضان السكر والحلوى، وأكثرهم نصيبا الوزير، وكان معلومه في الشهر مائتين وخمسين دينارا جيشية، مع الأصناف المذكورة والغلة، وتبلغ نظير المعلوم. ثم ما دون ذلك من المعلوم لمن عدا الوزير وما دون دونه، وكان معلوم القضاة والعلماء أكثره خمسون دينارا في كلّ شهر، مضافا لما بيدهم من

стр. 1298

المدارس التي يستدرون من أوقافها، وكان أيضا يصرف على سبيل الصدقات الجارية والرواتب الدارة على جهات، ما بين مبلغ وغلة وخبز ولحم وزيت وكسوة وشعير، هذا سوى الأرض من النواحي التي يعرف المرتب عليها بالرزق الإحباسية، وكانوا يتوارثون هذه المرتبات ابنا عن أب، ويرثها الأخ عن أخيه، وابن العم عن ابن العمّ، بحيث أنّ كثيرا ممن مات وخرج ادراره من مرتبة لأجنبيّ، لما جاء قريبه وقدّم قصته يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه، أعيد إليه ذلك المرتب ممن كان خرج باسمه. نظر البيوت: كان من الوظائف الجليلة، وهي وظيفة متوليها منوط بالأستادار، فكلّ ما يتحدّث فيه أستادار السلطان فإنه يشاركه في التحدّث، وهذا كان أيام كون الأستادار ونظره لا يتعدّى بيوت السلطان، وما تقدّم ذكره، فأما منذ عظم قدر الأستادار ونفذت كلمته في جمهور أموال الدولة، فإن نظر البيوت اليوم شيء لا معنى له. نظر بيت المال: كان وظيفة جليلة معتبرة، وموضوع متوليها التحدّث في حمول المملكة مصرا وشاما إلى بيت المال بقلعة الجبل، وفي صرف ما ينصرف منه، تارة بالوزن، وتارة بالتسبيب بالأقلام، وكان أبدا يصعد ناظر بيت المال ومعه شهود بيت المال وصيرفيّ بيت المال وكاتب المال إلى قلعة الجبل، ويجلس في بيت المال، فيكون له هناك أمر ونهي وحال جليلة لكثرة الحمول الواردة، وخروج الأموال المصروفة في الرواتب لأهل الدولة، وكانت أمرا عظيما، بحيث أنها بلغت في السنة نحو أربعمائة ألف دينار، وكان لا يلي نظر بيت المال إلا من هو من ذوي العدالات المبرزة، ثم تلاشى المال وبيت المال، وذهب الاسم والمسمّى، ولا يعرف اليوم بيت المال من القلعة، ولا يدرى ناظر بيت المال من هو. نظر الإصطبلات: هذه الوظيفة جليلة القدر إلى اليوم، وموضوعها الحديث في أموال الإصطبلات والمناخات وعليقها وأرزاق من فيها من المستخدمين، وما بها من الاستعمالات والإطلاق، وكل ما يبتاع لها أو يبتاع بها، وأوّل من استجدّها الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو أوّل من زاد في رتبة أمير اخور واعتنى بالأوجاقية والعرب الركابة، وكان أبوه المنصور قلاون يرغب في خيل برقة أكثر من خيل العرب، ولا يعرف عنه أنه اشترى فرسا بأكثر من خمسة آلاف درهم، وكان يقول خيل برقة نافعة، وخيل العرب زينة، بخلاف الناصر محمد، فإنه شغف باستدعاء الخيول من عرب آل مهنا وآل فضل وغيرهم، وبسببها كان يبالغ في إكرام العرب ويرغبهم في أثمان خيولهم حتى خرج عن الحدّ في ذلك، فكثرت رغبة آل مهنا وغيرهم في طلب خيول من عداهم من العربان، وتتبعوا عتاق الخيل من مظانها، وسمحوا بدفع الأثمان الزائدة على قيمتها حتى أتتهم طوائف العرب بكرائم خيولهم، فتمكنت آل مهنا من السلطان وبلغوا في أيامه الرتب العلية، وكان لا يحب خيول برقة، وإذا أخذ منها شيئا أعدّه للتفرقة على الأمراء البرّانيين، ولا يسمح بخيول آل مهنا إلاّ

стр. 1299

لأعز الأمراء وأقرب الخاصكية منه، وكان جيد المعرفة بالخيل، شياتها وأنسابها، لا يزال يذكر أسماء من أحضرها إليه ومبلغ ثمنها، فلما اشتهر عنه ذلك جلب إليه أهل البحرين والحساء والقطيف وأهل الحجاز والعراق كرائم خيولهم، فدفع لهم في الفرس من عشرة آلاف درهم إلى عشرين إلى ثلاثين ألف درهم، عنها ألف وخمسمائة مثقال من الذهب، سوى ما ينعم به على مالكه من الثياب الفاخرة له ولنسائه، ومن السكر ونحوه، فلم تبق طائفة من العرب حتى قادت إليه عتاق خيلها، وبلغ من رغبة السلطان فيها أنه صرف في أثمانها دفعة واحدة من جهة كريم الدين ناظر الخاص ألف ألف درهم في يوم واحد، وتكرّر هذا منه غير مرّة، وبلغ ثمن الفرس الواحد من خيول آل مهنا السنتين ألف درهم والسبعين ألف درهم، واشترى كثيرا من الحجور بالثمانين ألفا والتسعين ألفا، واشترى بنت الكرشاء بمائة ألف درهم، عنها خمسة آلاف مثقال من الذهب، هذا سوى الإنعامات بالضياع من بلاد الشام، وكان من عنايته بالخيل لا يزال يتفقدها بنفسه، فإذا أصيب منها فرس أو كبر سنه بعث به إلى الجشار (١)، وتنزى (٢) الفحول المعروفة عنده على الحجور (٣) بين يديه، وكتّاب الإصطبل تؤرّخ تاريخ نزوها، واسم الحصان، والحجرة، فتوالدت عنده خيول كثيرة اغتنى بها عن الجلب، ومع ذلك فلم تكن عنده في منزلة ما يجلب منها، وبهذا ضخمت سعادة آل مهنا وكثرت أموالهم وضياعهم، فعزّ جانبهم وكثر عددهم وهابهم من سواهم من العرب، وبلغت عدّة خيول الجشارات في أيامه نحو ثلاثة آلاف فرس، وكان يعرضها في كلّ سنة ويدوّغ أولادها بين يديه ويسلمها للعربان الركابة، وينعم على الأمراء الخاصكية بأكثرها، ويتبجح بها ويقول: هذه فلانة بنت فلان، وهذا فلان بن فلانة، وعمره كذا، وشراء أم هذا كذا وكذا، كان لا يزال يؤكد على الأمراء في تضمير الخيول، ويلزم كلّ أمير أن يضمر أربعة أفراس، ويتقدّم لأمير اخور أن يضمر للسلطان عدّة منها ويوصيه بكتمان خبرها، ثم يشيع أنها لأيدغمش أمير اخور، ويرسلها مع الخيل في حلبة السباق خشية أن يسبقها فرس أحد من الأمراء فلا يحتمل ذلك، فإنه ممن لا يطيق شيئا ينقص ملكه، وكان السباق في كلّ سنة بميدان القبق، ينزل بنفسه وتحضر الأمراء بخيولها المضمرة، فيجريها وهو على فرسه حتى تنقضي نوبها، وكانت عدّتها مائة وخمسين فرسا فما فوقها، فاتفق أنه كان عند الأمير قطلو بغا الفخريّ حصان أدهم سبق خيل مصر كلها في ثلاث سنين متوالية أيام السباق، وبعث إليه الأمير مهنا فرسا شهباء على أنها إن سبقت خيل مصر فهي للسلطان، وإن سبقها فرس ردّت إليه ولا يركبها عند السابق إلاّ بدويّ قادها، فركب السلطان للسباق في أمرائه على عادته ووقف معه سليمان وموسى ابنا مهنا، وأرسلت الخيول من بركة الحاج على عادتها وفيها

стр. 1300

فرس مهنا، وقد ركبها البدويّ عريا بغير سرج، فأقبلت سائر الخيول تتبعها حتى وصلت المدى وهي عري بغير سرج، والبدويّ عليها بقميص وطاقية، فلما وقفت بين يدي السلطان صاح البدويّ: السعادة لك اليوم يا مهنا، لا شقيت. فشق على السلطان أن خيله سبقت، وأبطل التضمير من خيله، وصارت الأمراء تضمر على عادتها، ومات الناصر محمد عن أربعة آلاف وثمانمائة فرس، وترك زيادة على خمسة آلاف من الهجن الأصائل والنوق المهريات والقرشيات، سوى أتباعها. وبطل بعده السباق، فلما كانت أيام الظاهر برقوق عني بالخيل أيضا ومات عن سبعة آلاف فرس وخمسة عشر ألف جمل. ديوان الإنشاء: وكان بجوار قاعة الصاحب بقلعة الجبل ديوان الإنشاء، يجلس فيه كاتب السرّ، وعنده موقعو الدرج وموقعو الدست في أيام المواكب طول النهار، ويحمل إليهم من المطبخ السلطانيّ المطاعم، وكانت الكتب الواردة وتعليق ما يكتب من الباب السلطانيّ موضوعة بهذه القاعة، وأنا جلست بها عند القاضي بدر الدين محمد بن فضل اللّه العمريّ أيام مباشرتي التوقيع السلطانيّ، إلى نحو السبعين والسبعمائة، فلما زالت دولة الظاهر برقوق ثم عادت اختلت أمور كثيرة منها أمر قاعة الإنشاء بالقلعة، وهجرت وأخذ ما كان فيها من الأوراق، وبيعت بالقنطار، ونسي رسمها، وكتابة السرّ رتبة قديمة، ولها أصل في السنّة، فقد خرّج أبو بكر عبد اللّه بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستانيّ في كتاب المصاحف من حديث الأعمش، عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : «إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كلّ أحد، فهل تستطيع أن تعلّم كتاب العبرانية أو قال السريانية» فقلت نعم. قال: فتعلمتها في سبع عشرة ليلة، ولم يزل خلفاء الإسلام يختارون لكتابة سرّهم الواحد بعد الواحد، وكان موضوع كتابة السرّ في الدولة التركية على ما استقرّ عليه الأمر في أيام الناصر محمد بن قلاون، أنّ لمتوليها المسمى بكاتب السرّ وبصاحب ديوان الإنشاء، ومن الناس من يقول ناظر ديوان الإنشاء، قراءة الكتب الواردة على السلطان وكتابة أجوبتها، إما بخطه أو بخط كتاب الدست أو كتاب الدرج بحسب الحال، وله تفسير الأجوبة بعد أخذ علامة السلطان عليها، وله تصريف المراسيم ورودا وصدورا، وله الجلوس بين يدي السلطان بدار العدل لقراءة القصص والتوقيع عليها بخطه في المجلس. فصار يوقع فيما كان يوقع عليه بقلم الوزارة، وصار إليه التحدّث في مجلس السلطان عند عقد المشورة وعند اجتماع الحكام لفصل أمر مهم، وله التوسط بين الأمراء والسلطان فيما يندب إليه عند الاختلاف أو التدبير، وإليه ترجع أمور القضاة ومشايخ العلم ونحوهم في سائر المملكة مصرا وشاما، فيمضي من أمورهم ما أحب ويشاور السلطان فيما لا بدّ من مشاورته فيه، وكانت العادة أن يجلس تحت الوزير، فلما عظم، تمكن القاضي فتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ من الدولة، جلس فوق الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم البشيري، فاستمرّ ذلك لمن بعده ورتبة كاتب السرّ
следующие страницы →