ولما شرعوا فيه ألزمهم المال من عندهم، فقسّط على جماعة، وفرغ من بنائه، فاتخذه الإخشيد منتزها له وصار يفاخر به أهل العراق، وكان نقل الصناعة من الجزيرة إلى ساحل النيل بمصر في شعبان خمس وعشرين وثلاثمائة، فلم يزل البستان المختار منتزها إلى أن زالت الدولة الإخشيدية والكافورية، وقدمت الدولة الفاطمية من بلاد المغرب إلى مصر، فكان يتنزه فيه المعز لدين اللّه معدّ، وابنه العزيز بالله نزار، وصارت الجزيرة مدينة عامرة بالناس، لها وال وقاض، وكان يقال القاهرة ومصر والجزيرة، فلما كانت أيام استيلاء الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدرا الجمالي، وحجره على الخلفاء، أنشأ في بحريّ الجزيرة مكانا نزها سماه الروضة، وتردّد إليها تردّدا كثيرا، فكان يسير في العشاريات الموكبيات من دار الملك التي كانت سكنه بمصر، إلى الروضة. ومن حينئذ صارت الجزيرة كلها تعرف بالروضة، فلما قتل الأفضل بن أمير الجيوش، واستبدّ الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي بالله، أنشأ بجوار البستان المختار من جزيرة الروضة مكانا لمحبوبته العالية البدوية، سماه الهودج.
الهودج: قال ابن سعيد في كتاب المحلّى بالأشعار عن تاريخ القرطبيّ: قد أكثر الناس في حديث البدوية وابن مياح من بني عمها وما يتعلق بذلك من ذكر الخليفة الآمر بأحكام اللّه، حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك، والاختصار منه أن يقال أنّ الخليفة الآمر كان قد ابتلى بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون في البوادي، فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم، شاعرة جميلة، فيقال أنه تزيا بزيّ بداة الأعراب وصار يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها، وبات هناك في ضائفة، وتحيل حتى عاينها، فما ملك صبره، ورجع إلى مقرّ ملكه وسرير خلافته، فأرسل إلى أهلها يخطبها فأجابوه إلى ذلك وزوّجوها منه، فلما صارت إلى القصور صعب عليها مفارقة ما اعتادت، وأحبت أن تسرّج طرفها في الفضاء ولا تقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان على شاطيء النيل في شكل غريب، وكان بالإسكندرية القاضي مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد، قد استولى على أمورها وصار قاضيها وناظرها، ولم يبق لأحد معه فيها كلام، وضمن أموالها بحملة يحملها، وكان ذا مروءة عظيمة يحتذي أفعال البرامكة، وللشعراء فيه مدائح كثيرة، وممن مدحه ظافر الحدّاد، وأمية بن أبي الصلت، وجماعة، وكان الأفضل بن أمير الجيوش إذا أراد الاعتناء بأحد كتب معه كتابا إلى ابن حديد هذا، فيغنيه بكثرة عطائه، وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام قطعة واحدة، ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من سعته، وكان يجد في نفسه برؤية هذا الجرن زيادة على أهل النعم، ويباهي به أهل عصره، فوشي به للبدوية محبوبة الخليفة، فطلبته من الخليفة، فأنفذ في الحال بإحضاره، فلم يسع ابن حديد إلاّ أن قلعه من مكانه
стр. 1227
وبعث به وفي نفسه حزازة من أخذه منه، وخدم البدوية وخدم جميع من يلوذ بها، حتى قالت: هذا الرجل أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا، فلما بلغه ذلك عنها قال: ما لي حاجة بعد الدعاء للّه تعالى بحفظ مكانها وطول حياتها، غير ردّ الجرن الذي أخذ من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمهم إلى مكانه، فلما سمعت هذا عنه تعجبت منه وأمرت بردّ الجرن إليه، فقيل له قد وصلت إلى حدّ أن خيرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همتك إلى قطعة حجر. فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الجرن من مكانه، وقد بلغها اللّه أملها، وبقيت البدوية متعلقة الخاطر بابن عمّ لها ربيت معه يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه وهي بقصر الخليفة الآمر:
يا ابن ميّاح إليك المشتكى … مالك من بعدكم قد ملك
كنت في حيى مرأ مطلقا … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر مؤصد … لا أرى إلاّ حبيسا ممسكا
كم تثنينا بأغصان اللوا … حيث لا نخشى علينا دركا
وتلاعبنا بر ملات الحمى … حيثما شاء طليق سلكا
فأجابها:
بنت عمي والتي غذيتها … بالهوى حتّى علا واحتنكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منها المشتكى
ما لك الأمر إليه يشتكى … هالك وهو الذي قد هلكا
شأن داود غدا في عصرنا … مبديا بالتيه ما قد ملكا
فبلغت الآمر فقال: لولا أنه أساء الأدب في البيت الرابع لرددتها إلى حيه وزوّجتها به.
قال القرطبيّ وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطور، وكان من عرب طيء في عصر الخليفة الآمر طراد بن مهلهل، فلما بلغه قضية الآمر مع العالية البدوية قال:
ألا أبلغوا الآمر المصطفى … مقال طراد ونعم المقال
قطعت الأليفين عن إلفة … بها سمر الحيّ بين الرجال
كذا كان آباؤك الأقدمون … سألت فقل لي جواب السؤال
فلما بلغ الآمر شعره قال: جواب السؤال قطع لسانه على فضوله، وأمر بطلبه في أحياء العرب ففرّ ولم يقدر علي، فقالت العرب: ما أخسر صفقة طراد، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات، ولم يزل الآمر يتردّد إلى الهودج بالروضة للنزهة فيه، إلى أن ركب من القصر بالقاهرة يريد الهودج في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، فلما
стр. 1228
كان برأس الجسر وثب عليه قوم من النزارية قد كمنوا له في فرن تجاه رأس الجسر بالروضة، وضربوه بالسكاكين حتى أثخنوه وجرحوا جماعة من خدّامه، فحمل إلى منظرة اللؤلؤة بشاطئ الخليج وقد مات.
ذكر قلعة الروضة
اعلم أنه ما برحت جزيرة الروضة منتزها ملوكيا ومسكنا للناس كما تقدّم ذكره، إلى أن ولي الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب سلطنة مصر، فأنشأ القلعة بالروضة، فعرفت بقلعة المقياس، وبقلعة الروضة، وبقلعة الجزيرة، وبالقلعة الصالحية، وشرع في حفر أساسها يوم الأربعاء خامس شعبان، وابتدأ بنيانها في آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة سادس عشرة، وفي عاشر ذي القعدة وقع الهدم في الدور والقصور والمساجد التي كانت بجزيرة الروضة، وتحوّل الناس من مساكنهم التي كانوا بها، وهدم كنيسة كانت لليعاقبة بجانب المقياس وأدخلها في القلعة، وأنفق في عمارتها أموالا جمة، وبنى فيها الدور والقصور، وعمل لها ستين برجا، وبنى بها جامعا، وغرس بها جميع الأشجار، ونقل إليها عمد الصوّان من البرابي وعمد الرخام، وشحنها بالأسلحة وآلات الحرب، وما يحتاج إليه من الغلال والأزواد والأقوات، خشية من محاصرة الفرنج، فإنهم كانوا حينئذ على عزم قصد بلاد مصر، وبالغ في إتقانها مبالغة عظيمة، حتى قيل أنه استقام كل حجر فيها بدينار، وكل طوبة بدرهم، وكان الملك الصالح يقف بنفسه ويرتب ما يعمل، فصارت تدهش من كثرة زخرفتها، وتحير الناظر إليها من حسن سقوفها المزينة، وبديع رخامها.
ويقال أنه قطع من الموضع الذي أنشأ فيه هذه القلعة ألف نخلة مثمرة، كان رطبها يهدي إلى ملوك مصر لحسن منظره وطيب طعمه، وخرّب الهودج والبستان المختار وهدّم ثلاثة وثلاثين مسجدا عمرها خلفاء مصر وسراة المصريين لذكر اللّه تعالى وإقامة الصلوات، واتفق له في عدم بعض هذه المسجد خبر غريب، قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد الأسدي، الشهير باليغموري: سمعت الأمير الكبير الجواد جمال الدين أبا الفتح موسى بن الأمير شرف الدين يغمور بن جلدك بن عبد اللّه قال: ومن عجيب ما شاهدته من الملك الصالح أبي الفتوح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل رحمه اللّه تعالى أنه أمرني أن أهدم مسجدا كان في جوار داره بجزيرة مصر، فأخرت ذلك وكرهت أن يكون هدمه على يديّ، فأعاد الأمر وأنا أكاسر عنه، وكأنه فهم مني ذلك، فاستدعى بعض خدمه من نوّابي وأنا غائب وأمره أن يهدم ذلك المسجد، وأنيبني في مكانه قاعة، وقدّر له صفتها، فهدم ذلك المسجد وعمر تلك القاعة مكانه، وكملت، وقدمت الفرنج إلى الديار المصرية، وخرج الملك الصالح مع عساكره إليهم، ولم يدخل تلك القاعة التي بنيت في
стр. 1229
المكان الذي كان مسجدا، فتوفي السلطان في المنصورة، وجعل في مركب وأتى به إلى الجزيرة، فجعل في تلك القاعة التي بنيت مكان المسجد مدّة إلى أن بنيت له التربة التي في جنب مدارسه بالقاهرة في جانب القصر، عفا اللّه عنه، وكان النيل عند ما عزم الملك الصالح على عمارة قلعة الروضة من الجانب الغربيّ، فيما بين الروضة وبرّ الجيزة، وقد انطرد عن برّ مصر ولا يحيط بالروضة إلا في أيام الزيادة، فلم يزل يغرّق السفن في البرّ الغربيّ، ويحفر فيما بين الروضة ومصر ما كان هناك من الرمال، حتى عاد ماء النيل إلى برّ مصر، واستمرّ هناك فأنشأ جسرا عظيما ممتدّا من برّ مصر إلى الروضة، وجعل عرضه ثلاث قصبات، وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة السلطانية بقلعة الروضة، وجعل عرضه ثلاث قصبات، وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة السلطانية بقلعة الروضة يترجلون عن خيولهم عند البرّ، ويمشون في طول هذا الجسر إلى القلعة، ولا يمكن أحد من العبور عليه راكبا سوى السلطان فقط، ولما كملت تحوّل إليها بأهله وحرمه، واتخذها دار ملك، وأسكن فيها معه مماليكه البحرية، وكانت عدّتهم نحو الألف مملوك.
قال العلامة عليّ بن سعيد في كتاب المغرب: وقد ذكر الروضة، هي أمام الفسطاط، فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النيل، وكانت منتزها لأهل مصر، فاختارها الصالح بن الكامل سرير السلطنة وبنى بها قلعة مسوّرة بسور ساطع اللون محكم البناء عالي السمك، لم ترعيني أحسن منه، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الآمر خليفة مصر لزوجته البدوية التي هام في حبها، والمختار بستان الإخشيد. وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره، ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار منها قول أبي الفتح بن قادوس الدمياطيّ:
أرى سرح الجزيرة من بعيد … كأحداق تغازل في المغازل
كانّ مجرّة الجوز أحاطت … وأثبتت المنازل في المنازل
وكنت أشق في بعض الليالي بالفسطاط على ساحلها فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل أمام سور هذه الجزيرة الدريّ اللون، ولم انفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همة بانيها، وهو من أعظم السلاطين همة في البناء، وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم ترعيني مثاله، ولا أقدّر ما أنفق عليه، وفيه من صفائح الذهب والرخام الأبنوسيّ والكافوريّ والمجزع ما يذهل الأفكار ويستوقف الأبصار ويفضل عما أحاط به السور، أرض طويلة، وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرّج عليها السلطان، وبعدها مروج ينقطع فيها مياه النيل فينظر بها أحسن منظر، وقد تفرّجت كثيرا في طرف هذه الجزيرة مما يلي برّ القاهرة، فقطعت فيه عشيات مذهبات لم تزل لأحزان الغربة مذهبات، وإذا زاد النيل فصل ما بينها وبين الفسطاط
стр. 1230
بالكلية، وفي أيام احتراق النيل يتصل برّها ببرّ الفسطاط من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر فيه مراكب، وركبت مرّة هذا النيل أيام الزيادة مع الصاحب المحسن محيي الدين بن ندا وزير الجزيرة، وصعدنا إلى جهة الصعيد، ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة، وأبراجها تتلالأ والنيل قد انقسم عنها فقلت:
تأمّل لحسن الصالحية إذ بدت … وأبراجها مثل النجوم تلالا
وللقلعة الغرّاء كالبدر طالعا … تفرّج صدر الماء عنه هلالا
ووافى إليها النيل من بعد غاية … كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق لحسنها … فمدّ يمينا نحوها وشمالا
جرى قادما بالسعد فاختط حولها … من السعد أعلاما فزاد دلالا
ولم تزل هذه القلعة عامرة حتى زالت دولة بني أيوب، فلما ملك السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني أوّل ملوك الترك بمصر أمر بهدمها، وعمر منها مدرسته المعروفة بالمعزية في رحبة الحناء بمدينة مصر، وطمع في القلعة من له جاه، فأخذ جماعة منها عدّة سقوف وشبابيك كثيرة وغير ذلك، وبيع من أخشابها ورخامها أشياء جليلة، فلما صارت مملكة مصر إلى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، اهتم بعمارة قلعة الروضة، ورسم للأمير جمال الدين موسى بن يغمور أن يتولى إعادتها كما كانت، فأصلح بعض ما تهدّم فيها، ورتب فيها الجاندارية، وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة، وأمر بأبراجها ففرّقت على الأمراء، وأعطى برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون الألفيّ، والبرج يليه للأمير عز الدين الحليّ، والبرج الثالث من بروج الزاوية للأمير عز الدين أرغان، وأعطى برج الزاوية الغربيّ للأمير بدر الدين الشمسي، وفرّقت بقية الأبراج على سائر الأمراء، ورسم أن تكن بيتوتات جميع الأمراء واصطبلاتهم فيها، وسلم المفاتيح لهم.
فلما تسلطن الملك المنصور قلاون الألفيّ وشرع في بناء المارستان والقبلة والمدرسة المنصورية، نقل من قلعة الروضة هذه ما يحتاج إليه من عمد الصوّان وعمد الرخام التي كانت قبل عمارة القلعة في البرابي، وأخذ منها رخاما كثيرا وأعتابا جليلة مما كان في البرابي وغير ذلك، ثم أخذ منها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون ما احتاج إليه من عمد الصوّان في بناء الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل، والجامع الجديد الناصري ظاهر مدينة مصر، وأخذ غير ذلك حتى ذهبت كأن لم تكن، وتأخر منها عقد جليل تسميه العامّة القوس، كان مما يلي جانبها الغربيّ، أدركناه باقيا إلى نحو سنة عشرين وثنمانمائة، وبقي من أبراجها عدّة قد انقلب أكثرها، وبنى الناس فوقها دورهم المطلة على النيل.
قال ابن المتوّج: ثم اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب جزيرة مصر المعروفة اليوم بالروضة في شعبان سنة ست وستين وخمسمائة، وإنما سميت بالروضة
стр. 1231
لأنه لم يكن بالديار المصرية مثلها، وبحر النيل حائز لها ودائر عليها، وكانت حصينة، وفيها من البساتير والعمائر والثمار ما لم يكن في غيرها، ولما فتح عمرو بن العاص مصر تحصن الروم بها مدّة، فلما طال حصارها وهرب الروم منها خرّب عمرو بن العاص بعض أبراجها وأسوارها، وكانت مستديرة عليها، واستمرّت إلى أن عمر حصنها أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين، ولم يزل هذا الحصن حتى خرّبه النيل، ثم اشتراها الملك المظفر تقيّ الدين عمر المذكور وبقيت على ملكه إلى أن سيّر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ولده الملك العزيز عثمان إلى مصر ومعه عمه الملك العادل، وكتب إلى الملك المظفر بأن يسلم لهما البلاد ويقدم عليه إلى الشأم، فلما ورد عليه الكتاب ووصل ابن عمه الملك العزيز وعمه الملك العادل شق عليه خروجه من الديار المصرية، وتحقق أنه لا عود له إليها أبدا، فوقف هذه المدرسة التي تعرف اليوم في مصر بالمدرسة التقوية، التي كانت تعرف بمنازل العزو، وقف عليها الجزيرة بكمالها، وسافر إلى عمه فملكه حماه، ولم يزل الحال كذلك إلى أن ولى الملك الصالح نجم الدين أيوب، فاستأجر الجزيرة من القاضي فخر الدين أبي محمد، عبد العزيز بن قاضي القضاة عماد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد العليّ بن عبد القادر السكريّ مدرّس المدرسة المذكورة لمدّة ستين سنة في دفعتين، كل دفعة قطعة، فالقطعة الأولى من جامع غين إلى المناظر طولا وعرضا، من البحر إلى البحر واستأجر القطعة الثانية وهي باقي أرض الجزيرة بما فيها من النخل والجميز والغروس، فإنه لما عمر الملك الصالح مناظر قلعة الجزيرة قطعت النخيل ودخلت في العمائر، وأمّا الجميز، فإنه كان بشاطئ بحر النيل صف جميز يزيد على أربعين شجرة، وكان أهل مصر فرجهم تحتها في زمن النيل والربيع، قطعت جميعها في الدولة الظاهرية، وعمر بها شواني عوض الشواني التي كان قد سيرها إلى جزيرة قبرس، ثم سلم المدرّس التقوية القطعة المستأجرة من الجزيرة أوّلا في سنة ثمان وتسعين وستمائة، وبقي بيد السلطان القطعة الثانية، وقد خربت قلعة الروضة ولم يبق منها سوى أبراج قد بنى الناس عليها، وبقي أيضا عقد باب من جهة الغرب يقال له باب الإصطبل، وعادت الروضة بعد هدم القلعة منها منتزها يشتمل على دور كثيرة وبساتين عدّة وجوامع تقام بها الجماعات والأعياد ومساجد، وقد خرب أكثر مساكن الروضة، وبقي فيها إلى اليوم بقايا. وبطرف الروضة المقياس الذي يقاس فيه ماء النيل اليوم، ويقال له المقياس الهاشميّ، وهو آخر مقياس بني بديار مصر.
قال أبو عمر الكنديّ: وورد كتاب المتوكل على اللّه بابتناء المقياس الهاشميّ للنيل، وبعزل النصارى عن قياسه، فجعل يزيد بن عبد اللّه بن دينار أمير مصر، أبا الردّاد المعلم، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب الخراج في كل شهر سبعة دنانير، وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين، وعلامة وفاء النيل ستة عشر ذراعا، أن يسبل أبو الردّاد قاضي البحر الستر الأسود الخليفيّ على شباك المقياس، فإذا شاهد الناس هذا الستر قد أسبل تباشروا بالوفاء
стр. 1232
واجتمعوا على العادة للفرجة من كل صوب، وما أحسن قول شهاب الدين بن العطار في تهتك الناس يوم تخليق المقياس:
تهتك الخلق بالتخليق قلت لهم … ما أحسن الستر قالوا العفو مأمول
ستر الإله علينا لا يزال فما … أحلى تهتكنا والستر مسبول
جزيرة الصابوني: هذه الجزيرة تجاه رباط الآثار، والرباط من جملتها، وقفها أبو الملوك نجم الدين أيوب بن شادي وقطعة من بركة الحبش، فجعل نصف ذلك على الشيخ الصابوني وأولاده، والنصف الآخر على صوفية بمكان بجوار قبة الإمام الشافعيّ رضي اللّه تعالى عنه، يعرف اليوم بالصابوني.
جزيرة الفيل: هذه الجزيرة هي الآن بلد كبير خارج باب البحر من القاهرة، وتتصل بمنية الشيرج من بحريها، ويمرّ النيل من غربيها، وبها جامع تقام به الجمعة، وسوق كبير وعدّة بساتين جليلة، وموضعها كله مما كان غامرا بالماء في الدولة الفاطمية. فلما كان بعد ذلك انكسر مركب كبير كان يعرف بالفيل، وترك في مكانه فربا عليه الرمل، وانطرد عنه الماء، فصارت جزيرة فيما بين المنية وأرض الطبالة سماها الناس جزيرة الفيل، وصار الماء يمرّ من جوانبها، فغربيها تجاه برّ مصر الغربيّ، وشرقيها تجاه البعل، والماء في بينها وبين البعل الذي هو الآن قبالة قناطر الأوز، فإنّ الماء كان يمرّ بالمقس من تحت زريبة جامع المقس الموجود الآن على الخليج الناصريّ، ومن جامع المقس على أرض الطبالة إلى غربيّ المصلى، حتى ينتهي من تجاه التاج إلى المنية، وصارت هذه الجزيرة في وسط النيل، وما برحت تتسع إلى أن زرعت في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فوقفها على المدرسة التي أنشأها بالقرافة بجوار قبر الشافعيّ ﵁، وكثرت أطيانها بانحسار النيل عنها في كل سنة.
فلما كان في أيام الملك المنصور قلاون الألفي تقرّب مجد الدين أبو الروح عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن بن الخشاب المتحدّث في الأحباس، إلى الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ، بأنّ في أطياب هذه الجزيرة زيادة على ما وقفه السلطان صلاح الدين، فأمر بقياس ما تجدّد بها من الرمال وجعلها لجهة الوقف الصلاحيّ، وأقطع الأطياب القديمة التي كانت في الوقف وجعلها هي التي زادت، فلما أمر الملك المنصور قلاون بعمل المارستان المنصوري وقف بقية الجزيرة عليه، فغرس الناس بها الغروس وصارت بساتين وسكن الناس من المزارعين هناك، فلما كانت أيام الملك الناصر محمد بن قلاون بعد عوده إلى قلعة الجبل من الكركل، وانحسر النيل عن جانب المقس الغربيّ وصار ما هنالك رمالا متصلة من بحريها بجزيرة الفيل المذكورة، ومن قبليها بأراضي اللوق، افتتح الناس باب العمارة بالقاهرة ومصر فعمروا في تلك الرمال المواضع التي تعرف اليوم ببولاق خارج
стр. 1233
المقس، وأنشأوا بجزيرة الفيل البساتين والقصور، واستجدّا ابن المغربيّ الطبيب بستانا اشتراه منه القاضي كريم الدين ناظر الخاص للأمير سيف الدين طشتمر الساقي، بنحو المائة ألف درهم فضة، عنها زهاء خمسة آلاف مثقال ذهبا، وتتابع الناس في إنشاء البساتين حتى لم يبق بها مكان بغير عمارة وحكر، ما كان منها وقفا على المدرسة المجاورة للشافعيّ ﵁، وما كان فيها من وقف المارستان، وغرس ذلك كله بساتين، فصارت تنيف على مائة وخمسين بستانا إلى سنة وفاة الملك الناصر محمد بن قلاون، ونصب فيها سوق كبير يباع فيه أكثر ما يطلب من المآكل، وابتنى الناس بها عدّة دور وجامعا فبقيت قرية كبيرة وما زالت في زيادة ونموّ، فأنشأ قاضي القضاة جلال الدين القزويني ﵀ الدار المجاورة لبستان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب على النيل، فجاءت في غاية من الحسن، فلما عزل عن قضاء القضاة وسار إلى دمشق اشتراها الأمير بشتاك بثلاثين ألف درهم، وخربها وأخذ منها رخاما وشبابيك وأبوابا، ثم باع باقي نقضها بمائة ألف درهم، فربح الباعة في ذلك شيئا كثيرا، ونودي على زر بيتها فحكرت وعمر عليها الناس عدّة أملاك، واتصلت العمارة بالأملاك من هذه الزريبة إلى منية الشيرج، ثم خربت شيئا بعد شيء، وبقي ما على هذه الزريبة من الأملاك، وهي تعرف اليوم بدار الطنبديّ التاجر. وأما بساتين الجزيرة فلم تزل عجبا من عجائب الدنيا من حسن المنظر وكثرة المتحصل، إلى أن حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، فتلاشت وخرب كثير منها لغلوّ العلوفات من الفول والتبن وشدّة ظلم الدولة وتعطل معظم سوقها، وفيها إلى الآن بقية صالحة.
جزيرة أروى: هذه الجزيرة تعرف بالجزيرة الوسطى، لأنها فيما بين الروضة وبولاق، وفيما بين برّ القاهرة وبرّ الجيزة، لم ينحسر عنها الماء إلا بعد سنة سبعمائة، وأخبرني القاضي الرئيس تاج الدين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهاب بن الخطباء المخزوميّ، عن الطبيب الفاضل شمس الدين محمد بن الأكفاني، أنه كان يمرّ بهذه الجزيرة أوّل ما انكشفت، ويقول هذه الجزيرة تصير مدينة، أو قال تصير بلدة، على الشك مني، فاتفق ذلك وبنى الناس فيها الدور الجليلة، والأسواق والجامع والطاحون والفرن، وغرسوا فيها البساتين وحفروا الآبار، وصارت من أحسن منتزهات مصر، يحف بها الماء، ثم صار ينكشف ما بينها وبين برّ القاهرة، فإذا كانت أيام زيادة ماء النيل أحاط الماء بها، وفي بعض السنين يركبها الماء فتمرّ المراكب بين دورها وفي أزقتها. ثم لما كثر الرمل فيما بينها وبين البرّ الشرقيّ، حيث كان خط الزريبة. وفم الخور، قلّ الماء هناك وتلاشت مساكن هذه الجزيرة، منذ كانت الحوادث في سنة ست وثمانمائة، وفيها إلى اليوم بقايا حسنة.
الجزيرة التي عرفت بحليمة: هذه الجزيرة خرجت في ستة سبع وأربعين وسبعمائة، ما بين بولاق والجزيرة الوسطى، سمتها العامّة بحليمة، ونصبوا فيها عدّة أخصاص، بلغ مصروف الخص الواحد منها ثلاثة آلاف درهم نقرة، في ثمن رخام ودهان، فكان فيها من
стр. 1234
هذه الأخصاص عدّة وافرة، وزرع حول كل خص من المقائي وغيرها ما يستحسن، وأقام أهل الخلاعة والمجون هناك، وتهتكوا بأنواع المحرّمات، وتردّد إلى هذه الجزيرة أكثر الناس حتى كادت القاهرة أن لا يثبت بها أحد، وبلغ أجرة كل قصبة بالقياس في هذه الجزيرة، وفي الجزيرة التي عرفت بالطمية فيما بين مصر والجيزة، مبلغ عشرين درهما نقرة، فوقف الفدّان هناك بمبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة، ونصبت في هذه الأفدنة الأخصاص المذكورة، وكان الانتفاع بها فيما ذكر نحو ستة أشهر من السنة، فعلى ذلك يكون الفدّان فيها بمبلغ ستة عشر ألف درهم نقرة، وأتلف الناس هناك من الأموال ما يجل وصفه، فلما كثر تجاهرهم بالقبيح، قام الأمير أرغون العلائيّ مع الملك الكامل شعبان بن محمد بن قلاون في هدم هذه الأخصاص التي بهذه الجزيرة قياما زائدا، حتى أذن له في ذلك، فأمر والي مصر والقاهرة فنزلا على حين غفلة، وكبسا الناس وأراقا الخمور وحرّقا الأخصاص، فتلف للناس في النهب والحريق، وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية والنهاية. وفي هذه الجزيرة يقول الأديب إبراهيم المعمار:
جزيرة البحر جنّت … بها عقول سليمة
لما حوت حسن مغنى … ببسطة مستقيمة
وكم يخوضون فيها … وكم مشوا بنميمة
ولم تزل ذا احتمال … ما تلك إلاّ حليمة
ذكر السجون
قال ابن سيده: السجن، الحبس، والسجان صاحب السجن، ورجل سجين مسجون.
قال: وحبسه يحبسه حبسا فهو محبوس وحبيس، واحتبسه وحبسه أمسكه عن وجهه. وقال سيبويه: حبسه، ضبطه، واحتبسه، اتخذه حبسا، والمحبس والمحبسة والمحتبس، اسم الموضع. وقال بعضهم: المحبس يكون مصدرا كالحبس، ونظيره إلى اللّه مرجعكم، أي رجوعكم. ويسألونك عن المحيض أي الحيض. وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه ﵃ قال: إنّ رسول اللّه ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة» فالحبس الشرعيّ ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويض الشخص ومنعه من التصرّف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ولهذا سماه النبيّ ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه ﵄. قال: «أتيت النبيّ ﷺ بغريم لي فقال لي:
الزمه، ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك» وفي رواية ابن ماجه ثمّ مرّ رسول اللّه ﷺ بي آخر النهار فقال: «ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم» وهذا كان هو الحبس على عهد النبيّ ﷺ ، وأبي بكر الصدّيق ﵁، ولم يكن له محبس معدّ لحبس
стр. 1235
الخصوم، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ابتاع من صفوان بن أمية ﵁ دارا بمكة بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنا يحبس فيها.
ولهذا تنازع العلماء، هل يتخذ الإمام حبسا على قولين؟ فمن قال لا يتخذ حبسا، احتج بأنه لم يكن لرسول اللّه ﷺ ولا لخليفته من بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقيم عليه حافظا، وهو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته. ومن قال له أن يتخذ حبسا، احتج بفعل عمر بن الخطاب ﵁، ومضت السنة في عهد رسول اللّه ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، ﵃، أنه لا يحبس على الديون، ولكن يتلازم الخصمان.
وأوّل من حبس على الدين، شريح القاضي، وأمّا الحبس الذي هو الآن، فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، غير متمكنين من الوضوء والصلاة، وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحرّ في الصيف، والبرد في الشتاء، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جدة له، وأنّ أصل حبسه على ضمان، وأمّا سجون الولاة فلا يوصف ما يحلّ بأهلها من البلاء، واشتهر أمرهم أنهم يخرجون مع الأعوان في الحديد حتى يشحذوا وهم يصرخون في الطرقات الجوع، فما تصدّق به عليهم لا ينالهم منه إلاّ ما يدخل بطونهم، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات الناس يأخذه السجان وأعوان الوالي، ومن لم يرضهم بالغوا في عقوبته، وهم مع ذلك يستعملون في الحفر وفي العمائر ونحو ذلك من الأعمال الشاقة، والأعوان تستحثهم، فإذا انقضى عملهم ردّوا إلى السجن في حديدهم من غير أن يطعموا شيئا. إلى غير ذلك مما لا يسع حكايته هنا. وقد قيل أن أوّل من وضع السجن والحرس معاوية. وقد كان في مدينة مصر وفي القاهرة عدّة سجون، وهي حبس المعونة بمصر، وحبس الصيار بمصر، وخزانة البنود بالقاهرة، وحبس المعونة بالقاهرة، وخزانة شمائل، وحبس الديلم، وحبس الرحبة، والجب بقلعة الجبل.
حبس المعونة بمصر: ويقال أيضا: دار المعونة، كانت أوّلا تعرف بالشرطة، وكانت قبليّ جامع عمرو بن العاص، وأصله خطّه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ ﵃، اختطها في أول الإسلام، وقد كان موضعها فضاء. وأوصى فقال: إن كنت بنيت بمصر دارا واستعنت فيها بمعونة المسلمين فهي للمسلمين، ينزلها ولاتهم. وقيل بل كانت هي ودار إلى جانبها لنافع بن عبد قيس الفهريّ، وأخذها منه قيس بن سعد وعوّضه دارا بزقاق القناديل. ثم عرفت بدار الفلفل لأنّ أسامة بن زيد التنوخيّ صاحب خراج مصر، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار، كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الروم، فخزّنه فيها، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ حين تولى الخلافة، فكتب أن تدفع إليه. ثم صارت شرطة ودار الصرف، فلما فرغ عيسى بن يزيد الجلوديّ من زيادة عبد اللّه بن طاهر في الجامع بنى شرطة في سنة ثلاث عشرة ومائتين، في
стр. 1236
خلافة المأمون، ونقش في لوح كبير نصبه على باب الجامع الذي يدخل منه إلى الشرطة ما نصه: بركة من اللّه لعبده عبد اللّه الإمام المأمون أمير المؤمنين، أمر بإقامة هذه الدار الهاشمية المباركة على يد عيسى بن يزيد الجلوديّ، مولى أمير المؤمنين، سنة ثلاث عشرة ومائتين، ولم يزل هذا اللوح على باب الشرطة إلى صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، فقلعه يانس العزيزي وصارت حبسا يعرف بالمعونة، إلى أن ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فجعله مدرسة، وهي التي تعرف اليوم بالشريفية.
حبس الصيّار: هذا الحبس كان بمصر يحبس فيه الولاة بعد ما عمل حبس المعونة مدرسة، وكان بأوّل الزقاق الذي فيه هذا الحبس حانوت يسكنه شخص يقال له منصور الطويل، ويبيع فيه أصناف السوقة، ويعرف هذا الرجل بالصيار من أجل أنه كانت له في هذا الزقاق قاعة يخزن فيها أنواع الصير المعروف بالملوحة، فقيل لهذا الحبس حبس الصيار، ونشأ لمنصور الصيار هذا ولد عرف بين الشهود بمصر بشرف الدين بن منصور الطويل، فلما أحدث الوزير شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ المظالم في سلطنة الملك المعز أيبك التركمانيّ، خدم شرف الدين هذا على المظالم في جباية التسقيع والتقويم، ثم خدم بعد إبطال ذلك في مكس القصب والرمّان، فلما تولى قضاء القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، تأذى عنده بما باشره من هذه المظالم، وما زال هذا الحبس موجودا إلى أن خربت مصر في الزمان الذي ذكرناه، فخرب وبقي موضعه وما حوله كيمانا.
خزانة البنود: هذه الخزانة بالقاهرة هي الآن زقاق يعرف بخط خزانة البنود، على يمنة من سلك من رحبة باب العيد يريد درب ملوخيا وغيره، وكانت أوّلا في الدولة الفاطمية خزانة من جملة خزائن القصر يعمل فيها السلاح، يقال أن الخليفة الظاهر بن الحاكم أمر بها، ثم أنها احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة، فعملت بعد حريقها سجنا يسجن فيه الأمراء والأعيان، إلى أن انقرضت الدولة فأقرّها ملوك بني أيوب سجنا، ثم عملت منزلا للأمراء من الفرنج يسكنون فيها بأهاليهم وأولادهم في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون بعد حضوره من الكرك، فلم يزالوا بها إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك الجوكندار نائب السلطنة بديار مصر، في سنة أربع وأربعين وسبعمائة، فاختط الناس موضعها دورا، وقد ذكرت في هذا الكتاب عند ذكر خزائن القصر.
حبس المعونة من القاهرة: هذا المكان بالقاهرة، موضعه الآن قيسارية العنبر برأس الحريريين، كان يسجن فيه أرباب الجرائم من السرّاق وقطاع الطريق ونحوهم في الدولة الفاطمية، وكان حبسا حرجا ضيقا شنيعا يشم من قربه رائحة كريهة، فلما ولي الملك الناصر محمد بن قلاون مملكة مصر هدمه وبناه قيسارية للعنبر، وقد ذكر عند ذكر الأسواق من هذا الكتاب.
стр. 1237
خزانة شمائل: هذه الخزانة كانت بجوار باب زويلة، على يسرة من دخل منه بجوار السور، عرفت بالأمير علم الدين شمائل والي القاهرة في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وكانت من أشنع السجون وأقبحها منظرا، يحبس فيها من وجب عليه القتل أو القطع من السرّاق وقطاع الطريق، ومن يريد السلطان إهلاكه من المماليك وأصحاب الجرائم العظيمة، وكان السجان بها يوظف عليه والي القاهرة شيئا يحمله من المال له في كل يوم، وبلغ ذلك في أيام الناصر فرج مبلغا كبيرا، وما زالت هذه الخزانة على ذلك إلى أن هدمها الملك المؤيد شيخ المحموديّ في يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الأول، سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وأدخلها في جملة ما هدمه من الدور التي عزم على عمارة أماكنها مدرسة.
وشمائل هذا: هو الأمير علم الدين، قدم إلى القاهرة وهو من فلاحي بعض قرى مدينة حماه في أيام الملك الكامل محمد بن العادل، فخدم جاندار في الركاب السلطاني إلى أن نزل الفرنج على مدينة دمياط في سنة خمس عشرة وستمائة، وملكوا البرّ وحصروا أهلها وحالوا بينهم وبين من يصل إليهم، فكان شمائل هذا يخاطر بنفسه ويسبح في الماء بين المراكب ويردّ على السلطان الخبر، فتقدّم عند السلطان وحظي لديه حتى أقامه أمير جاندار، وجعله من أكبر أمرائه، ونصه سيف نقمته، وولاه ولاية القاهرة، فباشر ذلك إلى أن مات السلطان وقام من بعده ابنه الملك العادل أبو بكر، فلما خلع بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب نقم على شمائل.
المقشرة: هذا السجن بجوار باب الفتوح، فيما بينه وبين الجامع الحاكمي، كان يقشر فيه القمح، ومن جملته برج من أبراج السور على يمنة الخارج من باب الفتوح، استجدّ بأعلاه دور لم تزل إلى أن هدمت خزانة شمائل، فعين هذا البرج والمقشرة لسجن أرباب الجرائم، وهدمت الدور التي كانت هناك في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وعمل البرج والمقشرة سجنا ونقل إليه أرباب الجرائم، وهو من أشنع السجون وأضيقها، يقاسي فيه المسجونون من الغمّ والكرب ما لا يوصف، عافانا اللّه من جميع بلائه.
الجب بقلعة الجبل: هذا الجب كان بقلعة الجبل يسجن فيه الأمراء، وابتدئ عمله في سنة إحدى وثمانين وستمائة، والسلطان حينئذ الملك المنصور قلاون، ولم يزل إلى أن هدمه الملك الناصر محمد بن قلاون في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى، سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وذلك أنّ شادّ العمائر نزل إليه ليصلح عمارته فشاهد أمرا مهولا من الظلام وكثرة الوطاويط والروائح الكريهة، واتفق مع ذلك أن الأمير بكتمر الساقي كان عنده شخص يسخر به ويمازحه، فبعث به إلى الجب ودلي فيه، ثم أطلعه من بعد ما بات به ليلة، فلما حضر إلى بكتمر أخبره بما عاينه من شناعة الجب، وذكر ما فيه من القبائح المهولة،
стр. 1238
وكان شادّ العمائر في المجلس فوصف ما فيه الأمراء الذين بالجب من الشدائد، فتحدّث بكتمر مع السلطان في ذلك فأمر بإخراج الأمراء منه، وردم وعمّر فوقه أطباق المماليك، وكان الذي ردم به هذا الجب، النقض الذي هدم من الإيوان الكبير المجاور للخزانة الكبرى، واللّه أعلم بالصواب.
ذكر المواضع المعروفة بالصناعة
لفظ الصناعة بكسر الصاد مأخوذ من قولك صنعه يصنعه صنعا، فهو مصنوع، وصنيع عمله واصطنعه اتخذه. والصناعة ما يستصنع من أمر، هذا أصل الكلمة من حيث اللغة، وأمّا في العرف فالصناعة اسم لمكان قد أعدّ لإنشاء المراكب البحرية التي يقال لها السفن، واحدتها سفينة، وهي بمصر على قسمين: نيلية وحربية.
فالحربية هي التي تنشأ لغزو العدوّ وتشحن بالسلاح وآلات الحرب والمقاتلة، فتمرّ من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنيس والفرما إلى جهاد أعداء اللّه من الروم والفرنج، وكانت هذه المراكب الحربية يقال لها الأسطول، ولا أحسب هذا اللفظ عربيا.
وأمّا المراكب النيلية فإنها تنشأ لتمرّ في النيل، صاعدة إلى أعلى الصعيد ومنحدرة إلى أسفل الأرض، لحمل الغلال وغيرها، ولما جاء اللّه تعالى بالإسلام لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول اللّه ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر ﵄، وأوّل من ركب البحر في الإسلام للغزو، العلاء بن الحضرميّ ﵁، وكان على البحرين من قبل أبي بكر وعمر ﵄، فأحب أن يؤثر في الأعاجم أثرا يعز اللّه به الإسلام على يديه، فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادا، على أحدها الجارود بن المعلي ﵁، وعلى الثاني سوار بن همام ﵁، وعلى الثالث خليد بن المنذر بن ساوي ﵁، وجعل خليدا على عامة الناس، فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر بن الخطاب ﵁، وكان عمر ﵁ لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازيا، كراهة للتغرير بجنده، اقتداء برسول اللّه ﷺ وخليفته أبي بكر ﵁، فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في اصطخر وبإزائهم أهل فارس عليهم الهربذ، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم، فقام خليد في الناس فقال: أما بعد، فإنّ اللّه تعالى إذا قضى أمرا جرت المقادير على مطيته، وأنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم لمحاربتهم، والسفن والأرض بعد الآن لمن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين. فأجابوه إلى القتال وصلوا الظهر، ثم ناهزوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع يدعى طاوس، فقتل من أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قبلها، وخرج المسلمون يريدون البصرة إذ غرقت سفنهم ولم يجدوا في الرجوع إلى البحر سبيلا، فإذا بهم وقد أخذت عليهم الطرق، فعسكروا وامتنعوا، وبلغ ذلك
стр. 1239
عمر بن الخطاب ﵁ فاشتدّ غضبه على العلاء ﵁، وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه، بتأمير سعد بن أبي وقاص عليه وقال: الحق بسعد بن أبي وقاص بمن معك، فخرج ﵁ من البحرين بمن معه نحو سعد ﵁، وهو يومئذ على الكوفة، وكان بينهما تباين وتباعد، وكتب عمر ﵁ إلى عتبة بن غزوان بأنّ العلاء بن الحضرميّ حمل جندا من المسلمين في البحر فأقطعهم إلى فارس وعصاني، وأظنه لم يرد اللّه بذلك، فخشيت عليهم أن لا ينصروا وأن يغلبوا، فاندب لهم الناس وضمهم إليك من قبل أن يجتاحوا، فندب عتبة ﵁ الناس وأخبرهم بكتاب عمر ﵁، فانتدب عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، ومجراة بن ثور، ونهار بن الحارث، والترجمان بن فلان، والحصين بن أبي الحرّ، والأحنف بن قيس، وسعد بن أبي العرجاء، وعبد الرحمن بن سهل، وصعصعة بن معاوية رضي اللّه تعالى عنهم. فساروا من البصرة في اثني عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم ﵃، فساحل بهم حتى التقى أبو سبرة وخليد حيث أخذت عليهم الطرق، وقد استصرخ أهل اصطخر أهل فارس كلهم فأتوهم من كل وجه وكورة، فالتقوا هم وأبو سبرة فاقتتلوا، ففتح اللّه على المسلمين وقتل المشركون، وعاد المسلمون بالغنائم إلى البصرة، ورجع أهل البحرين إلى منازلهم.
فلما فتح اللّه تعالى الشأم ألح معاوية بن أبي سفيان وهو يومئذ على جند دمشق والأردن، على عمر ﵁ في غزو البحر وقرب الروم من حمص. وقال: إنّ قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم، حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر ﵁ اتهم معاوية لأنه المشير، وأحب عمر ﵁ أن يردعه فكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر، أن صف لي البحر وراكبه، فإنّ نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها. فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إني رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلاّ السماء والماء، إن ركد حزّن القلوب، وإن زلّ أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق وإن نجا برق.
فلما جاءه كتاب عمرو، كتب ﵁ إلى معاوية: لا والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا، إنّا قد سمعنا أنّ بحر الشأم يشرف على أطول شيء في الأرض، يستأذن اللّه تعالى في كل يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها، فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب، وتاللّه لمسلم واحد أحب إليّ مما حوته الروم، فإياك أن تعرض لي وقد تقدّمت إليك، وقد علمت ما لقي العلاء مني ولم أتقدّم إليه في مثل ذلك.
وعن عمر ﵁ أنه قال: لا يسألني اللّه عن ركوب المسلمين البحر أبدا.
وروي عنه ابنه عبد اللّه ﵄ أنه قال: لولا آية في كتاب اللّه تعالى لعلوت راكب البحر بالدرة.
стр. 1240
ثم لما كانت خلافة عثمان بن عفان ﵁، غزا المسلمون في البحر، وكان أوّل من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان، وذلك أنه لم يزل بعثمان ﵁ حتى عزم على ذلك، فأخره وقال: تنتخب الناس ولا تقرع بينهم، خيّرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه. ففعل واستعمل على البحر عبد اللّه بن قيس الحاسي خليفة بني فزارة، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية وصائفة في البرّ والبحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو اللّه تعالى أن يرزقه العافية في جنده ولا يبتليه بمصاب أحد منهم، حتى إذا أراد اللّه أن يصيبه في جنده خرج في قارب طليعته فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم، فثار به الروم وهجموا عليه فقاتلهم فأصيب وحده، ثم قاتل الروم أصحابه فأصيبوا.
وغزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في البحر لما أتاه قسطنطين بن هرقل سنة أربع وثلاثين في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار عبد اللّه في مائتي مركب أو تزيد شيئا وحاربه، فكانت وقعة ذات الصواري التي نصر اللّه تعالى فيها جنده وهزم قسطنطين وقتل جنده، وأغزى معاوية أيضا عقبة بن عامر الجهنيّ ﵁ في البحر، وأمره أن يتوجه إلى رودس، فسار إليها.
ونزل الروم على البرلس في سنة ثلاث وخمسين في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاريّ ﵁ على مصر، فخرج إليهم المسلمون في البرّ والبحر، فاستشهد وردان مولى عمرو بن العاص في جمع كثير من المسلمين، وبعث عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة إلى عامله على إفريقية حسان بن النعمان يأمره باتخاذ صناعة بتونس لإنشاء الآلات البحرية.
ومنها كانت غزوة صقلية في أيام زيادة اللّه الأوّل بن إبراهيم بن الأغلب على شيخ الفتيا أسد بن الفرات، ونزل الروم تنيس في سنة إحدى ومائة في إمارة بشر بن صفوان الكلبيّ على مصر من قبل يزيد بن عبد الملك، فاستشهد جماعة من المسلمين، وقد ذكر في أخبار الإسكندرية ودمياط وتنيس والفرما من هذا الكتاب جملة من نزلات الروم والفرنج عليها، وما كان في زمن الإنشاء، فانظره تجده إن شاء اللّه تعالى. وقد ذكر شيخنا العالم العلامة الأستاذ قاضي القضاة وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرميّ الإشبيلي، تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أوّل الأمر فقال:
والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا أوّل الأمر مهرة في ثقافته وركوبه، والروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على أعواده مرنوا عليه، وأحكموا الدربة بثقافته، فلما استقرّ الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم العجم خولا لهم وتحت أيديهم، وتقرّب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته، واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما، وتكرّرت ممارستهم البحر وثقافته، استحدثوا بصرا بها، فتاقت أنفسهم إلى
стр. 1241
الجهاد فيه، وأنشأوا السفن والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفته، مثل الشام وإفريقية والمغرب والأندلس.
وأوّل ما أنشئ الأسطول بمصر في خلافة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه أبي الفضل جعفر بن المعتصم، عند ما نزل الروم دمياط في يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، فملكوها وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال، ومضوا إلى تنيس فأقاموا باشتومها. فوقع الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول وصار من أهمّ ما يعمل بمصر، وأنشئت الشواني برسم الأسطول، وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البرّ، وانتدب الأمراء له الرماة، فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية وجميع أنواع المحاربة، وانتخب له القوّاد العارفون بمحاربة العدوّ، وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب، هذا وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء اللّه وإقامة دينه، لا جرم أنه كان لخدّام الأسطول حرمة ومكانة، ولكل أحد من الناس رغبة في أنه يعدّ من جملتهم فيسعى بالوسائل حتى يستقرّ فيه، وكان من غزو الأسطول بلاد العدوّ ما قد شحنت به كتب التواريخ.
فكانت الحرب بين المسلمين والروم سجالا، ينال المسلمون من العدوّ وينال العدوّ منهم، ويأسر بعضهم بعضا لكثرة هجوم أساطيل الإسلام بلاد العدوّ، فإنها كانت تسير من مصر ومن الشام ومن أفريقية، فلذلك احتاج خلفاء الإسلام إلى الفداء، وكان أوّل فداء وقع بمال في الإسلام أيام بني العباس، ولم يقع في أيام بني أمية فداء مشهور، وإنما كان يفادي بالنفر بعد النفر في سواحل الشأم ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وبقية الثغور الخزرية، إلى أن كانت خلافة أمير المؤمنين هارون الرشيد.
الفداء الأوّل: باللامش من سواحل البحر الروميّ قريبا من طرسوس في سنة تسع وثمانين ومائة، وملك الروم يومئذ تقفور بن اشبراق، وكان ذلك على يد القاسم بن الرشيد وهو معسكر بمرج دابق من بلاد قنسرين في أعمال حلب، ففودي بكل أسير كان ببلاد الروم من ذكر أو أنثى، وحضر هذا الفداء من أهل الثغور وغيرهم من أهل الأمصار نحو من خمسمائة ألف إنسان، بأحسن ما يكون من العدد والخيل والسلاح والقوّة، قد أخذوا السهل والجبل وضاق بهم الفضاء، وحضرت مراكب الروم الحربية بأحسن ما يكون من الزيّ، معهم أسارى المسلمين، فكان عدّة من فودي به من المسلمين في اثني عشر يوما ثلاثة آلاف وسبعمائة أسير، وأقام ابن الرشيد باللامش أربعين يوما قبل الأيام التي وقع فيها الفداء وبعدها، وقال مروان بن أبي حفصة في هذا الفداء يخاطب الرشيد من أبيات:
وفكّت بك الأسرى التي شيدت بها … محابس ما فيها حميم يزورها
стр. 1242
على حين أعيى المسلمين فكاكها … وقالوا سجون المشركين قبورها
الفداء الثاني: كان في خلافة الرشيد أيضا باللامش في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وملك الروم تقفور، وكان القائم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعيّ أمير الثغور الشامية، حضره ألوف من الناس، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفين وخمسمائة من ذكر وأنثى.
الفداء الثالث: وقع في خلافة الواثق باللامش، في المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وملك الروم ميخائيل بن نوفيل، وكان القائم به خاقان التركي، وعدّة من فودي به من المسلمين في عشرة أيام أربعة آلاف وثلاثمائة واثنان وستون من ذكر وأنثى، وحضر مع خاقان أبو رملة، من قبل قاضي القضاة أحمد بن أبي داود يمتحن الأسرى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق القرآن فودي به وأحسن إليه، ومن أبى ترك بأرض الروم، فاختار جماعة من الأسرى الرجوع إلى أرض النصرانية على القول بذلك، وخرج من الأسرى مسلم بن أبي مسلم الحرمي، وكان له محل في الثغور، وكتب مصنفه في أخبار الروم وملوكهم وبلادهم، فنالته محن على القول بخلق القرآن ثم تخلص.
الفداء الرابع: في خلافة المتوكل على اللّه باللامش أيضا، في شوّال سنة إحدى وأربعين ومائتين، والملك ميخائيل، وكان القائم به سيف خادم المتوكل، وحضر معه جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ القاضي، وعليّ بن يحيى الأرمنيّ أمير الثغور الشامية، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفي رجل ومائة امرأة، وكان مع الروم من النصارى المأسورين من أرض الإسلام مائة رجل ونيف، فعوّضوا مكانهم عدّة أعلاج، إذ كان الفداء لا يقع على نصرانيّ ولا ينعقد.
الفداء الخامس: في خلافة المتوكل، وملك الروم ميخائيل أيضا باللامش، مستهل صفر سنة ست وأربعين ومائتين، وكان القائم به عليّ بن يحيى الأرمنيّ أمير الثغور، ومعه نصر بن الأزهر الشيعيّ من شيعة بني العباس، المرسل إلى الملك في أمر الفداء من قبل المتوكل، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفين وثلاثمائة وسبعة وستين من ذكر وأنثى.
الفداء السادس: كان في أيام المعتز، والملك على الروم بسيل، على يد شفيع الخادم في سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
الفداء السابع: في خلافة المعتضد باللامش، في شوّال سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وملك الروم اليون بن بسيل، وكان القائم به أحمد بن طغان أمير الثغور الشامية وانطاكية، من قبل الأمير أبي الجيش خماوريه بن أحمد بن طولون، وكانت الهدنة لهذا الفداء وقعت
стр. 1243
في سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فقتل أبو الجيش بدمشق في ذي القعدة من هذه السنة، وتم الفداء في إمارة ولده جيش بن خمارويه، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في عشرة أيام ألفين وأربعمائة وخمسة وتسعين من ذكر وأنثى، وقيل ثلاثة آلاف.
الفداء الثامن: في خلافة المكتفي باللامش، في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وملك الروم اليون أيضا، وكان القائم به رستم بن نزدوي أمير الثغور الشامية، وكانت عدة من فودي به من المسلمين في أربعة أيام ألفا ومائة وخمسة وخمسين من ذكر وأنثى، وعرف بفداء الغدر، وذلك أن الروم غدروا وانصرفوا ببقية الأساري.
الفداء التاسع: في خلافة المكتفي، وملك الروم أليون باللامش أيضا، في شوّال سنة خمس وتسعين ومائتين، والقائم به رستم، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين ألفين وثمانمائة واثنين وأربعين من ذكر وأنثى.
الفداء العاشر: في خلافة المقتدر باللامش، في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثمائة، وملك الروم قسطنطين بن اليون بن بسيل، وهو صغير في حجر أرمانوس، وكان القائم بهذا الفداء مونس الخادم، وبشير الخادم الأفشيني أمير الثغور الشامية وانطاكية والمتوسط له، والمعاون عليه أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي التميميّ الأدنيّ من أهل أدنة، وعدّة من فودي به من المسلمين في ثمانية أيام ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثون من ذكر وأنثى.
الفداء الحادي عشر: في خلافة المقتدر، وملك أرمانوس وقسنطيطين على الروم، وكان باللامش في شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، والقائم به مفلح الخادم الأسود المقتدري، وبشير خليفة شمل الخادم على الثغور الشامية، وعدّة من فودي به من المسلمين في تسعة عشر يوما، ثلاثة آلاف وتسعمائة وثلاثة وثلاثون من ذكر وأنثى.
الفداء الثاني عشر: في خلافة الراضي باللامش، في سلخ ذي القعدة، وأيام من ذي الحجة، سنة ست وعشرين وثلاثمائة والملكان على الروم قسطنطين وأرمانوس، والقائم به ابن ورقاء الشيبانيّ، من قبل الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وبشير الشمليّ أمير الثغور الشامية، وعدّة من فودي به من المسلمين في ستة عشر يوما، ستة آلاف وثلاثمائة ونيف من ذكر وأنثى، وبقي في أيدي الروم من المسلمين الأسرى ثمانمائة رجل ردّوا، ففودي بهم في عدّة مرار، وزيدوا في الهدنة بعد انقضاء الفداء مدّة ستة أشهر لأجل من تخلف في أيدي الروم من المسلمين، حتى جمع الأسارى منهم.
الفداء الثالث عشر: في خلافة المطيع باللامش، في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة والملك على الروم قسطنطين، والقائم به نصر الشملي من قبل سيف
стр. 1244
الدولة أبي الحسن عليّ بن حمدان، صاحب جند حمس وجند قنسرين وديار بكر وديار مصر والثغور الشامية والخزرية، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين ألفين وأربعمائة واثنين وثمانين من ذكر وأنثى، وفضل للروم على المسلمين قرضا مائتان وثلاثون لكثرة من كان في أيديهم، فوفاهم سيف الدولة ذلك وحمله إليهم، وكان الذي شرع في هذا الفداء الأمير أبو بكر محمد بن طفج الإخشيد أمير مصر والشام والثغور الشامية، وكان أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي الأدنيّ شيخ الثغور، قدم إليه وهو بدمشق في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ومعه رسول ملك الروم في إتمام هذا الفداء، والإخشيد شديد العلة، فتوفي يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجة منها، وسار أبو المسك كافور الإخشيديّ بالجيش راجعا إلى مصر، وحمل معه أبا عمير ورسول ملك الروم إلى فلسطين، فدفع إليهما ثلاثين ألف دينار من مال الفداء، فسارا إلى مدينة صور وركبا البحر إلى طرسوس، فلما وصلا كاتب نصر الشملي أمير الثغور سيف الدولة بن حمدان، ودعا له على منابر الثغور، فجدّ في إتمام هذا الفداء، فنسب إليه. ووقعت أفدية أخرى ليس لها شهرة.
فمنها: فداء في خلافة المهدي محمد، على يد النقاش الأنطاكي، وفداء في أيام الرشيد في شوّال سنة إحدى وثمانين ومائة، على يد عياض بن سنان أمير الثغور الشامية، وفداء في أيام الأمين، على يد ثابت بن نصر، في ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائة، وفداء في أيام الأمين، على يد ثابت بن نصر أيضا، في ذي القعدة سنة إحدى ومائتين، وفداء في أيام المتوكل سنة سبع وأربعين ومائتين، على يد محمد بن علي، وفداء في أيام المعتمد، على يد شفيع، في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين، وفداء كان في الإسكندرية في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، خرج فيه أبو بكر محمد بن عليّ الماردانيّ من مصر، ومعه الشريف أبو القاسم الرئيس، والقاضي أبو حفص عمر بن الحسين العباسي، وحمزة بن محمد الكتاني في جمع كبير، وكانت عدّة من فودي به من المسلمين ستين نفسا بين ذكر وأنثى.
فلما سار الروم إلى البلاد الشامية بعد سنة خمسين وثلاثمائة، اشتدّ أمرهم بأخذهم البلاد، وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعزل لدين اللّه، وأنشأ المراكب الحربية، واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول، وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر واسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات، وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت جريدة قوّاد الأسطول في آخر أمرهم تزيد على خمسة آلاف مدوّنة، منهم عشرة أعيان يقال لهم القوّاد، واحدهم قائد، وتصل جامكية كلّ واحد منهم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر دينارا، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دنارين، وهي أقلها. ولهم إقطاعات تعرف بأبواب الغزاة بما فيها من النطرون، فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار، وكان يعين من القوّاد العشرة
стр. 1245
واحد فيصير رئيس الأسطول، ويكون معه المقدم والقاوش، فإذا ساروا إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم، وبه يقتضي الجميع، فيرسون بإرسائه ويقلعون بإقلاعه، ولا بدّ أن يقدم على الأسطول أمير كبير من أعيان أمراء الدولة وأقواهم نفسا، ويتولى النفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير، فإذا أراد أراد النفقة فيما تعين من عدّة المراكب السائرة، وكانت في أيام المعز لدين اللّه تزيد على ستمائة قطعة، وآخر ما صارت إليه في آخر الدولة نحو الثمانين شونة، وعشر مسطحات، وعشر حمالة، فما تقصر عن مائة قطعة، فيتقدّم إلى النقباء بإحضار الرجال، وفيهم من كان يتمعش بمصر والقاهرة، وفيهم من هو خارج عنهما، فيجتمعون. وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدّة أيام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفا يقال لهم النقباء، واحدهم نقيب، ولا يكره أحد على السفر، فإذا اجتمعوا أعلم النقباء المقدّم، فأعلم بذلك الوزير، فطالع الوزير الخليفة بالحال، فقرّر يوما للنفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء من ديوان الإنشاء على العادة، فيجلس الخليفة على هيئته في مجلسه، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش، وهما المستوفي والكاتب، والمستوفي هو أمير هما، فيجلس من داخل عتبة المجلس، وهذه رتبة له يتميز بها، ويجلس بجانبه من وراء العتبة كاتب الجيش في قاعة الدار على حصر مفروشة، وشرط هذا المستوفي أن يكون عدلا ومن أعيان الكتّاب، ويسمى اليوم في زمننا ناظر الجيش، وأما كاتب الجيش فإنه كان في غالب الأمر يهوديا، وللمجلس الذي فيه الخليفة والوزير انطاع (١) تصب عليها الدراهم، ويحضر الوزانون ببيت المال لذلك، فإذا تهيأ الإنفاق أدخل الغزاة مائة مائة، فيقفون في أخريات من هو واقف في الخدمة من جانب واحد، نقابة نقابة، وتكون أسماؤهم قد رتبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة، فيستدعي مستوفي الجيش من تلك الأوراق المنفق عليهم واحدا واحدا، فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الآخر، فإذا تكملت عشرة، وزن الوزانون لهم النفقة، وكانت مقرّرة لكلّ واحد خمسة دنانير صرف ستة وثلاثين درهما بدينار، فيسلمها لهم النقيب وتكتب باسمه وبيده، وتمضي النفقة هكذا إلى آخرها.
فإذا تم ذلك ركب الوزير من بين يدي الخليفة وانفضّ ذلك الجمع، فيحمل إلى الوزير من القصر مائدة يقال لها غداء الوزير، وهي سبع مجنقات أوساط، إحداها بلحم الدجاج وفستق، معمولة بصناعة محكمة، والبقية شواء، وهي مكمورة بالأزهار. فتكون النفقة على ذلك مدّة أيام متوالية مرّة ومتفرّقة مرّة، فإذا تكاملت النفقة وتجهزت المراكب وتهيأت للسفر، ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النيل بالمقس خارج القاهرة، وكان هناك على شاطيء النيل بالجامع منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداع الأسطول ولقائه إذا عاد، فإذا
стр. 1246
جلس للوداع جاءت القوّاد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات في البحر بين يديه، وهي مزينة بأسلحتها ولبودها وما فيها من المنجنيقات، فيرمى بها وتنحدر المراكب وتقلع، وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدوّ، ثم يحضر المقدّم والرئيس إلى بين يدي الخليفة فيودّعهما ويدعو للجماعة بالنصرة والسلامة، ويعطى للمقدم مائة دينار، وللرئيس عشرين دينارا، وينحدر الأسطول إلى دمياط ومن هناك يخرج إلى بحر الملح، فيكون له ببلاد العدوّ صيت عظيم ومهابة قوية، والعادة أنه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم، لا يتعرّض السلطان منه إلى شيء البتة إلاّ ما كان من الأسرى والسلاح، فإنه للسلطان، وما عداهما من المال والثياب ونحو هما فإنه لغزاة الأسطول، لا يشاركهم فيه أحد، فإذا قدم الأسطول خرج الخليفة أيضا إلى منظرة المقس وجلس فيها للقائه، وقدم الأسطول مرّة بألف وخمسمائة أسير، وكانت العادة أن الأسرى ينزل بهم في المناخ، وتضاف الرجال إلى من فيه من الأسرى، ويمضى بالنساء والأطفال إلى القصر بعد ما يعطى منهم الوزير طائفة، ويفرّق ما بقي من النساء على الجهات والأقارب، فيستخدمونهنّ ويربونهنّ حتى يتقنّ الصنائع، ويدفع الصغار من الأسرى إلى الاستادين فيربونهم ويتعلمون الكتابة والرماية، ويقال لهم الترابي، وفيهم من صار أميرا من صبيان خاص الخليفة، من الأسرى من كان يستراب به فيقتل، ومن كان منهم شيخا لا ينتفع به ضربت عنقه وألقي في بئر كانت في خرائب مصر، تعرف ببئر المنامة، ولم يعرف قط عن الدولة الفاطمية أنها فادت أسيرا من الفرنج بمال ولا بأسير مثله، وكان المنفق في الأسطول كلّ سنة خارجا عن العدد والآلات.
ولم يزل الأسطول على ذلك إلى أن كانت وزارة شاور، ونزل مري ملك الفرنج على بركة الحبش، فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول، فحرّقت ونهبها العبيد فيما نهبوا، فلما كان زوال الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، اعتنى أيضا بأمر الأسطول وأفرد له ديوانا عرف بديوان الأسطول، وعين لهذا الديوان الفيوم بأعمالها، والحبس الجيوشي في البرّين الشرقيّ والغربيّ، وهو من البرّ الشرقيّ بهتين والأميريّة والمنية، ومن البرّ الغربيّ ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة، وعين له أيضا الخراج، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة، في البهنساوية وسفط ريشين والأشمونين والأسيوطية والأخميمية والقوصية، لم تزل بهذه النواحي لا يقطع منها إلا ما تدعو الحاجة إليه، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار، وقد ذكر خبر هذا الخراج في ذكر أقسام مال مصر من هذا الكتاب، وعين له أيضا النطرون، وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار، ثم أفرد لديوان الأسطول مع ما ذكر الزكاة التي كانت تجبى بمصر، وبلغت في سنة زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الديوانية وناحية أشناي وطنبدي، وسلّم هذا الديوان لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فأقام في مباشرته وعمالته صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكر، وتقرّر ديوان الأسطول الذي ينفق في
стр. 1247
رجاله نصف وربع دينار، بعد ما كان نصف وثمن دينار.
فلما مات السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، استمرّ الحال في الأسطول قليلا ثم قلّ الاهتمام به، وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه، فإذا دعت الضرورة إلى تجهيزه طلب له الرجا لو قبض عليهم من الطرقات وقيدوا في السلاسل نهارا وسجنوا في الليل حتى لا يهربوا، ولا يصرف لهم إلاّ شيء قليل من الخبز ونحوه، وربما أقاموا الأيام بغير شيء كما يفعل بالأسرى من العدوّ فصارت خدمة الأسطول عارا يسبّ به الرجال، وإذا قيل لرجل في مصر يا أسطوليّ، غضب غضبا شديدا، بعد ما كان خدّام الأسطول يقال لهم المجاهدون في سبيل اللّه، والغزاة في أعداء اللّه، ويتبرّك بدعائهم الناس.
ثم لما انقرضت دولة بني أيوب وتملك الأتراك المماليك مصر، أهملوا أمر الأسطول إلى أن كانت أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، فنظر في أمر الشواني الحربية، واستدعى برجال الأسطول، وكان الأمراء قد استعملوهم في الحراريق وغيرها، وندبهم للسفر وأمر بمدّ الشواني وقطع الأخشاب لعمارتها وإقامتها على ما كانت عليه في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، واحترز على الخراج ومنع الناس من التصرّف في أعواد العمل، وتقدّم بعمارة الشواني في ثغري الإسكندرية ودمياط، وصار ينزل بنفسه إلى الصناعة بمصر ويرتب ما يجب ترتيبه من عمل الشواني ومصالحها، واستدعى بشواني الثغور إلى مصر فبلغت زيادة على أربعين قطعة سوى الحراريق والطرائد، فإنها كانت عدّة كثيرة، وذلك في شوال سنة تسع وستين وستمائة، ثم سارت تريد قبرس، وقد عمل ابن حسون رئيس الشواني في أعلامها الصلبان، يريد بذلك أنها تفى إذا عبرت البحر على الفرنج حتى تطرقهم على غفلة، فكره الناس منه ذلك، فلما قاربت قبرس تقدّم ابن حسون في الليل ليهجهم المينا فصدم الشونة المقدّمة شعبا فانكسرت، وتبعتها بقية الشواني فتكسرت الشواني كلها، وعلم بذلك متملك قبرس فأسر كلّ من فيها، وأحاط بما معهم وكتب إلى السلطان يقرّعه ويوبخه، وأن شوانيه قد تكسرت، وأخذ ما فيها وعدّتها إحدى عشرة شونة، وأسر رجالها.
فحمد السلطان اللّه تعالى وقال: الحمد للّه، منذ ملكني اللّه تعالى ما خذل لي عكسر، ولا ذلّت لي راية، وما زلت أخشى العين، فالحمد للّه تعالى، بهذا ولا بغيره، وأمر بإنشاء عشرين شونة، وأحضر خمس شواني كانت على مدينة قوص من صعيد مصر، ولازم الركوب إلى صناعة العمارة بمصر كلّ يوم في مدّة شهر المحرّم سنة سبعين وستمائة إلى أن تنجزت، فلما كان في نصف المحرّم سنة إحدى وسبعين وستمائة، زاد النيل حتى لعبت الشواني بين يديه، فكان يوما مشهودا، في سنة اثنتين وتسعين وستمائة تقدّم السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاون إلى الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس
стр. 1248
بتجهيز أمير الشواني، فنزل إلى الصناعة واستدعى الرئيس وهيأ جميع ما تحتاج إليه الشواني حتى كملت عدّتها، نحو ستين شونة، وشحنها بالعدد وآلات الحرب، ورتب بها عدّة من المماليك السلطانية، وألبسهم السلاح، فأقبل الناس لمشاهدتهم من كلّ أوب قبل ركوب السلطان بثلاثة أيام، وصنعوا لهم قصورا من خشب وأخصاص القش على شاطئ النيل خارج مدينة مصر وبالروضة، واكتروا الساحات التي قدّام الدور والزرابي بالمائتي درهم، كلّ زريبة ما دونها، بحيث لم يبق بيت بالقاهرة ومصر إلا وخرج أهله أو بعضهم لرؤية ذلك، فصار جمعا عظيما، وركب السلطان من قلعة الجبل بكرة، والناس قد ملأ وأما بين المقياس إلى بستان الخشاب إلى بلاق، وونف السلطان ونائبه الأمير بيدر وبقية الأمراء قدّام دار النحاس، ومنع الحجاب من التعرّض لطرد العامّة، فبرزت الشواني واحدة بعد واحدة، وقد عمل في كل شونة برج وقلعة تحاصر، والقتال عليها ملح، والنفط يرمى عليها، وعدّة من النقابين في أعمال الحيلة، في النقب، وما منهم إلاّ من أظهر في شونته عملا معجبا وصناعة غريبة يفوق بها على صاحبه، وتقدّم ابن موسى الراعي وهو في مركب نيلية فقرأ قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اَللّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود/ ٤١] ثم تلاها بقراءة قوله تعالى: ﴿قُلِ اَللّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران/ ٢٦] إلى آخر الآية، هذا والشواني تتواصل بمحاربة بعضها بعضا إلى أن أذن لصلاة الظهر، فمضى السلطان بعسكره عائد إلى القلعة، فأقام الناس بقية يومهم وتلك الليلة على ما هم عليه من اللهو في اجتماعهم، وكان شيئا يجلّ وصفه، وأنفق فيه مال لا يعدّ، بحيث بلغت أجرة المركب في هذا اليوم ستمائة درهم فما دونها، وكان الرجل الواحد يؤخذ منه أجرة ركوبه في المركب خمسة دراهم، وحصل لعدّة من النواتية أجرة مراكبهم عن سنة في هذا اليوم، وكان الخبز يباع اثنا عشر رطلا بدرهم، فلكثرة اجتماع الناس بمصر بيع سبعة أرطال بدرهم، فبلغ خبر الشواني إلى بلاد الفرنج فبعثوا رسلهم بالهدايا يطلبون الصلح.
فلما كان المحرّم سنة اثنتين وسبعمائة في سلطنة الناصر محمد بن قلاون، جهزت الشواني بالعدد والسلاح والنفطية والأزودة، وعين لها جماعة من أجناد الحلقة، وألزم كلّ أمير بإرسال رجلين من عدّته، وألزم أمراء الطبلخاناه والعشروات بإخراج كلّ أمير من عدّته رجلا، وندب الأمير سيف الدين كهرداش المنصوريّ الزراق إلى السفر بهم ومعه جماعة من مماليك السلطان الزراقين، وزينت الشواني أحسن زينة، فخرج معظم الناس لرؤيتها وأقاموا يومين بلياليهما على الساحل بالبرّين، وكان جمعا عظيما إلى الغاية، وبلغت أجرة المركب الصغير مائة درهم لأجل الفرجة، ثم ركب السلطان بكرة يوم السبت ثاني عشر المحرّم ومعه الأمير سلار النائب، والأمير بيبرس الجاشنكير، وسائر الأمراء، والعسكر، فوقفت المماليك
стр. 1249
على البرّ نحو بستان الخشاب، وعدّى الأمراء في الحراريق إلى الروضة، وخرجت الشواني واحدة بعد واحدة، فلعبت منها ثلاثة وخرجت الرابعة وفيها الأمير أقوش القاري من مينا الصناعة حتى توسط البحر، فلعب بها الريح إلى أن مالت وانقلبت، فصار أعلاها أسفلها فتداركها الناس ورفعوا ما قدروا عليه من العدد والسلاح، وسلمت الرجال فلم يعدم منهم سوى أقوش وحده، فتنكد الناس وعاد الأمراء إلى القلعة بالسلطان، وجهز شونة عوضا عن التي غرقت وساروا إلى مينا طرابلس، ثم ساروا ومعهم عدّة من طرابلس فأشرقوا من الغد على جزيرة أرواد من أعمال قبرس، وقاتلوا أهلها وقتلوا أكثرهم وملكوها في يوم الجمعة ثامن عشري صفر، واستولوا على ما فيها وهدموا أسوارها وعادوا إلى طرابلس، وأخرجوا من الغنائم الخمس للسلطان، واقتسموا ما بقي منها، وكان معهم مائتان وثمانون أسيرا، فسرّ السلطان بذلك سرورا كثيرا.
صناعة المقس: قال ابن أبي طيّ في تاريخه عند ذكر وفاة المعز لدين اللّه، أنه أنشأ دار الصناعة التي بالمقس، وأنشأ بها ستمائة مركب لم ير مثلها في البحر على ميناء. وقال المسبحي: أن العزيز بالله بن المعز هو الذي بنى دار الصناعة التي بالمقس، وعمل المراكب التي لم ير مثلها فيما تقدم كبرا ووثاقة وحسنا. وقال في حوادث سنة ست وثمانين وثلاثمائة: ووقعت نار في الأسطول وقت صلاة الجمعة، لست بقين من شهر ربيع الآخر، فأحرقت خمس عشاريات وأتت على جميع ما في الأسطول من العدّة والسلاح واتهموا الروم النصارى، وكانوا مقيمين بدار ماتك بجوار الصناعة التي بالمقس، وحملوا على الروم هم وجموع من العامّة معهم، فنهبوا أمتعة الروم وقتلوا منهم مائة رجل وسبعة رجال، وطرحوا جثثهم في الطرقات، وأخذ من بقي فحبس بصناعة المقس، ثم حضر عيسى بن نسطورس خليفة أمير المؤمنين العزيز بالله في الأموال ووجوهها بديار مصر والشام والحجاز، ومعه يانس الصقلبيّ، وهو يومئذ خليفة العزيز بالله على القاهرة عند مسيره إلى الشام، ومعهما مسعود الصقلبيّ متولي الشرطة، وأحضروا الروم من الصناعة فاعترفوا بأنهم الذين أحرقوا الأسطول، فكتب بذلك إلى العزيز بالله وهو مبرّز يريد السفر إلى الشام، وذكر له في الكتاب خبر من قتل من الروم وما نهب، وأنه ذهب في النهب ما يبلغ تسعين ألف دينار، فطاف أصحاب الشرط في الأسواق بسجل فيه الأمر برد ما نهب من دار ماتك وغيرها، والتوعد لمن ظهر عنده منه شيء، وحفظ أبو الحسن يانس البلد وضبط الناس، وأمر عيسى بن نسطورس أن يمدّ للوقت عشرون مركبا، وطرح الخشب وطلب الصناع وبات في الصناعة، وجدّ الصناع في العمل، وأغلب أحداث الناس وعامّتهم يلعبون برءوس القتلى ويجرّون بأرجلهم في الأسواق والشوارع، ثم قرنوا بعضهم إلى بعض على ساحل النيل بالمقس وأحرقوا يوم السبت، وضرب بالحرس على البلد، أن لا يتخلف أحد ممن نهب شيئا حتى يحضر ما نهبه ويردّه، ومن علم عليه بشيء أو كتم شيئا أو جحده أو أخره، حلت به العقوبة
стр. 1250
الشديدة، وتتبع من نهب فقبض على عدّة قتل منهم عشرون رجلا ضربت أعناقهم، وضرب ثلاثة وعشرون رجلا بالسياط، وطيف بهم وفي عنق كلّ واحد رأس رجل ممن قتل من الروم، وحبس عدّة أناس، وأمر بمن ضربت أعناقهم فصلبوا عند كوم دينار، وردّ المصريون إلى المطبق، وكان ضرب من ضرب من النهابة وقتل من قتل منهم برقاع كتبت لهم، تناول كلّ واحد منهم رقعة فيها مكتوب إما بقتل أو ضرب، فأمضى فيهم بحسب ما كان في رقاعهم من قتل أو ضرب، واشتدّ الطلب على النهاية فكان الناس يدل بعضهم على بعض، فإذا أخذ أحد ممن اتهم بالنهب حلف بالأيمان المغلظة أنه ما بقى عنده شيء.
وجدّ عيسى بن نسطورس في عمل الأسطول وطلب الخشب، فلم يدع عند أحد خشبا علم به إلاّ أخذه منه، وتزايد إخراج النهابة لما نهبوه، فكانوا يطرحونه في الأزقة والشوارع خوفا من أن يعرفوا به، وحبس كثير ممن أحضر شيئا أو عرف عليه من النهب، فلما كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى ضربت أعناقهم كلهم على يد أبي أحمد جعفر صاحب يانس، فإنه قدم في عسكر كثير من اليانسية حتى ضربت أعناق الجماعة، وأغلقت الأسواق يومئذ وطاف متولى الشرطة وبين يديه أرباب النفط بعددهم والنار مشتعلة، واليانسية ركاب بالسلاح، وقد ضرب جماعة وشهرهم بين يديه وهم ينادي عليهم هذا جزاء من أثار الفتن ونهب حريم أمير المؤمنين، فمن نظر فليعتبر فما تقال لهم عثرة ولا ترحم لهم عبرة في كلام كثير من هذا الجنس، فاشتدّ خوف الناس وعظم فزعهم، فلما كان من الغد نودي: معاشر الناس قد آمن اللّه من أخذ شيئا أو نهب شيئا على نفسه وما له، فليردّ من بقي عنده شيء من النهب، وقد أجلناكم من اليوم إلى مثله، وفي سابع جمادى الآخرة نزل ابن نسطورس إلى الصناعة وطرح مركبين في غاية الكبر من التي استعملها بعد حريق الأسطول، وفي غرّة شعبان نزل أيضا وطرح بين يديه أربعة مراكب كبارا من المنشأة بعد الحريق، واتفق موت العزيز بالله وهو سائر إلى الشام في مدينة بلبيس.
فلما قام من بعده ابنه الحاكم بأمر اللّه في الخلافة أمر في خامس شوال بحط الذين صلبهم ابن نسطورس، فتسلمهم أهلهم وأعطى لأهل كلّ مصلوب عشرة دنانير برسم كفنه ودفنه، وخلع على عيسى بن نسطورس وأقرّه في ديوان الخاص، ثم قبض عليه في ليلة الأربعاء سابع المحرّم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة واعتقله إلى ليلة الاثنين سابع عشريه، فأخرجه الأستاذ برجوان وهو يومئذ يتولى تدبير الدولة إلى المقس، وضرب عنقه، فقال وهو ماض إلى المقس: كلّ شيء قد كنت أحسبه إلاّ موت العزيز بالله، ولكن اللّه لا يظلم أحدا، واللّه إني لأذكر وقد ألقيت السهام للقوم المأخوذين في نهب دار ماتك، وفي بعضها مكتوب يقتل وفي أخرى يضرب، فأخذ شاب ممن قبض عليه رقعة منها منها فجاء فيها يقتل، فأمرت به إلى القتل، فصاحت أمّه ولطمت وجهها وحلفت أنها وهو ما كانا ليلة النهب في شيء من أعمال مصر، وإنما ورد أمصر بعد النهب بثلاثة أيام، وناشدتني اللّه تعالى
стр. 1251
أن أجعله من جملة من يضرب بالسوط، وأن يعفى من القتل، فلم ألتفت إليها وأمرت بضرب عنقه، فقالت أمّه: إن كنت لا بدّ قاتله فاجعله آخر من يقتل لأتمتع به ساعة، فأمرت به فجعل أوّل من ضرب عنقه، فلطخت بدمه وجمهها وسبقتني وهي منبوشة الشعر ذاهلة العقل إلى القصر، فلما وافيت قالت لي أقتلته؟ كذلك. يقتلك اللّه، فأمرت بها فضربت حتى سقطت إلى الأرض، ثم كان من الأمر ما ترون مما أنا صائر إليه، وكان خبره عبرة لمن اعتبر، وفي نصف شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ركب الحاكم بأمر اللّه إلى صناعة المقس لتطرح المراكب بين يديه.
صناعة الجزيرة: هذه الصناعة كانت بجزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة، وهي أوّل صناعة عملت بفسطاط مصر، بنيت في سنة أربع وخمسين من الهجرة، وكان قبل بنائها هناك خمسمائة فاعل تكون مقيمة أبدا معدّة لحريق يكون في البلاد أو هدم، ثم اعتنى الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بإنشاء المراكب الحربية في هذه الصناعة وأطافها بالجزيرة، ولم تزل هذه الصناعة إلى أيام الملك الأمير أبي بكر محمد بن طفج الإخشيد، فأنشأ صناعة بساحل فسطاط مصر، وجعل موضع هذه الصناعة البستان المختار كما قد ذكر في موضعه من هذا الكتاب، صناعة مصر: هذه الصناعة كانت بساحل مصر القديم، يعرف موضعها بدار خديجة بنت الفتح بن خاقان، امرأة الأمير أحمد بن طولون، إلى أن قدم الأمير أبو بكر محمد بن طفج الإخشيد أميرا على مصر من قبل الخليفة الراضي، عوضا عن أحمد بن كيغلغ في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وقد كثرت الفتن، فلم يدخل عيسى بن أحمد السلميّ أبو مالك كبير المغاربة في طاعته، ومضى ومعه بحكم وعليّ بن بدر ونظيف النوشريّ وعليّ المغربيّ إلى الفيوم، فبعث إليهم الإخشيد صاعدين الكلكم بمراكبه، فقاتلوه وقتلوه وأخذوا مراكبه، وركب فيها عليّ بن بدر وبحكم وقدموا مدينة مصر أوّل يوم من ذي القعدة، فأرسوا بجزيرة الصناعة، وركب الإخشيد في جيشه ووقف حيالهم، والنيل بينهم وبينه، فكره ذلك وقال:
صناعة يحول بينها وبين صاحبها الماء ليست بشيء، فأقام بحكم وعليّ بن بدر إلى آخر النهار ومضوا إلى جهة الإسكندرية وعاد الإخشيد إلى داره فأخذ في تحويل الصناعة من موضعها بالجزيرة إلى دار خديجة بنت الفتح، في شعبان سة خمس وعشرين وثلاثمائة وكان إذ ذاك عندها سلّم ينزل منه إلى الماء، وعند ما ابتدأ في إنشاء المراكب بها صاحت به امرأة فأمر بأخذها إليه، فسألته أن يبعث معها من يحمل المال، فسيّر معها طائفة، فأتت بهم إلى دار خديجة هذه ودلتهم على موضع منها فأخرجوا منه عينا وورقا وحليا وغيره، وطلبت المرأة فلم توجد ولا عرف لها خبر، وكانت مراكب الأسطول مع ذلك تنشأ في الجزيرة وفي صناعتها إلى أيام الخليفة الآمر بأحكام اللّه تعالى، فلما ولي المأمون بن البطائحيّ أنكر ذلك وأمر أن يكون إنشاء الشواني والمراكب النيلية الديوانية بصناعة مصر هذه، وأضاف إليها دار
стр. 1252
الزبيب، وأنشأ بها منظرة لجلوس الخليفة يوم تقدمة الأسطول ورميه، فأقرّ إنشاء الحربيات والشلنديات بصناعة الجزيرة، وكان لهذه الصناعة دهليز ماد بمساطب مفروشة بالحصر العبدانية بسطا وتازيرا، وفيها محل ديوان الجهاد، وكان يعرف في الدولة الفاطمية أن لا يدخل من باب هذه الصناعة أحد راكبا إلاّ الخليفة والوزير إذا ركبا في يوم فتح الخليج عند وفاء النيل، فإن الخليفة كان يدخل من بابها ويشقّها راكبا والوزير معه حتى يركب النيل إلى المقياس، كما قد ذكر في موضعه من ذا الكتاب، ولم تزل هذه الصناعة عامرة إلى ما قبل سنة سبعمائة، ثم صارت بستانا عرف ببستان ابن كيسان، ثم عرف في زمننا ببستان الطواشيّ، وكان فيما بين هذه الصناعة والروضة بحر، ثم تربى جرف عرف موضعه بالجرف، وأنشئ هناك بستان عرف ببستان الجرف، وصار في جملة أوقاف خانقاه المواصلة، وقيل لهذا الجرف بين الزقاقين، وكان فيه عدّة دور وحمّام وطواحين وغير ذلك، ثم خرّب من بعد سنة ست وثمانمائة، وخرب بستان الجرف أيضا، وإلى اليوم بستان الطواشي فيه بقية، وهو على يسرة من يريد مصر من طريق المراغة، وبظاهره حوض ماء ترده الدواب، ومن وراء البستان كيمان فيها كنيسة للنصارى. قال ابن المتوّج: وكان مكان بستان ابن كيسان صناعة العمارة، وأدركت فيه بابها، وبستان الجرف المقابل لبستان ابن كيسان كان مكانه بحر النيل، وإن الجرف تربى به.
ذكر الميادين
ميدان ابن طولون: كان قد بناه وتأنق فيه تأنقا زائدا، وعمل فيه المناخ وبركة الزئبق والقبة الذهبية، وقد ذكر خبر هذا الميدان عند ذكر القطائع من هذا الكتاب.
ميدان الإخشيد: هذا الميدان أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طفج الإخشيد أمير مصر، بجوار بستانه الذي يعرف اليوم في القاهرة بالكافوريّ، ويشبه أن يكون موضع هذا الميدان اليوم حيث المكان المعروف بالبندقانيين وحامة الوزيرية، وما جاور ذلك. وكان لهذا البستان بابان من حديد قلعهما القائد جوهر عند ما قدم القرمطيّ إلى مصر يريد أخذها، وجعلهما على باب الخندق الذي حفره بظاهر القاهرة قريبا من مدينة عين شمس، وذلك في سنة ستين وثلاثمائة وكان هذا الميدان من أعظم أماكن مصر، وكانت فيه الخيول السلطانية في الدولة الإخشيدية.
ميدان القصر: هذا الميدان موضعه الآن في القاهرة، يعرف بالخرنشف، عمل عند بناء القاهرة بجوار البستان الكافوريّ، ولم يزل ميدانا للخلفاء الفاطميين، يدخل إليه من باب التبانين الذي موضعه الآن يعرف بقبو الخرنشف، فلما زالت الدولة الفاطمية تعطل وبقي إلى أن بنى به الغز اصطبلات بالخرنشف، ثم حكر وبني فيه، فصار من أخطاط القاهرة.
ميدان قراقوش: هذا الميدان خارج باب الفتوح.
стр. 1253
ميدان الملك العزيز: هذا الميدان كان بجوار خليج الدكر، وكان موضعه بستانا. قال القاضي الفاضل في متجددات ثالث عشري شهر رمضان، سنة أربع وتسعين وخمسمائة:
خرج أمر الملك العزيز عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، بقطع النخل المثمر المستغل تحت اللؤلؤة بالبستان المعروف بالبغدادية، وهذا البستان كان من بساتين القاهرة الموصوفة، وكان منظره من المناظر المستحسنة، وكان له مستغل، وكان قد عنى الأوّلون به لمجاورته اللؤلؤة، وأطلال جميع مناظرها عليه، وجعل هذا البستان ميدانا وحرث أرضه وقطع ما فيه من الأصول. انتهى.
ثم حكر الناس أرض هذا البستان وبنوا عليها، وهو الآن داثر فيه كيمان وأتربة انتهى.
الميدان الصالحيّ: هذا الميدان كان بأراضي اللوق من برّ الخليج الغربيّ، وموضعه الآن من جامع المطباخ بباب اللوق إلى قنطرة قدادار التي على الخليج الناصريّ، ومن جملته الطريق المملوكة الآن من باب اللوق إلى القنطرة المذكورة، وكان أوّلا بستانا يعرف ببستان الشريف ابن ثعلب، فاشتراه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، بثلاثة آلاف دينار مصرية، من الأمير حصن الدين ثعلب بن الأمير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب الجعفريّ، في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وجعله ميدانا وأنشأ فيه مناظر جليلة تشرف على النيل الأعظم، وصار يركب إليه ويلعب فيه بالكرة، وكان عمل هذا الميدان سببا لبناء القنطرة التي يقال لها اليوم قنطرة الخرق على الخليج الكبير لجوازه عليها، وكان قبل بنائها موضعها موردة سقائي القاهرة، وما برح هذا الميدان تلعب فيه الملوك بالكرة من بعد الملك الصالح إلى أن انحسر ماء النيل من تجاهه، وبعد عنه، فأنشأ الملك الظاهر ميدانا على النيل.
وفي سلطنة الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ الصالحيّ النجميّ، قال له منجمه أنّ امرأة تكون سببا في قتله، فأمر أن تخرب الدور والحوانيت التي من قلعة الجبل بالتبانة إلى باب زويلة، وإلى باب الخرق وإلى باب اللوق إلى الميدان الصالحيّ، وأمر أن لا يترك باب مفتوح بالأماكن التي يمرّ عليها يوم ركوبه إلى الميدان، ولا تفتح أيضا طاقة، وما زال باب هذا الميدان باقيا وعليه طوارق مدهونة إلى ما بعد سنة أربعين وسبعمائة، فأدخله صلاح الدين بن المغربيّ في قيسارية الغزل التي أنشأ هناك، ولأجل هذا الباب قيل لذلك الخط باب اللوق، ولما خرب هذا الميدان حكر وبني موضعه ما هنالك من المساكن، ومن جملته حكر مرادي، وهو على يمنة من سلك من جامع الطباخ إلى قنطرة قدادار، وهو في أوقاف خانقاه قوصون وجامع قوصون بالقرافة، وهذا الحكر اليوم قد صار كيمانا بعد كثرة العمارة به.
стр. 1254
الميدان الظاهريّ: هذا الميدان كان بطرف أراضي اللوق يشرف على النيل الأعظم، وموضعه الآن تجاه قنطرة قدادار من جهة باب اللوق، أنشأه الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ الصالحيّ، لما انحسر ماء النيل وبعد عن ميدان أستاذه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وما زال يلعب فيه بالكرة هو ومن بعده من ملوك مصر، إلى أن كانت سنة أربع عشرة وسبعمائة، فنزل السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إليه وخرّب مناظره وعمله بستانا من أجل بعد البحر عنه، وأرسل إلى دمشق فحمل إليه منها سائر أصناف الشجر، وأحضر معها خولة الشام والمطعمين، فغرسوها فيه وطعموها، وما زال بستانا عظيما، ومنه تعلم الناس بمصر تطعيم الأشجار في بساتين جزيرة الفيل، وجعل السلطان فواكه هذا البستان مع فواكه البستان الذي أنشأه بسرياقوس تحمل بأسرها إلى الشراب خاناه السلطانية بقلعة الجبل، ولا يباع منا شيء البتة، وتصرف كلفهما من الأموال الديوانية، فجادت فواكه هذين البستانين وكثرت حتى حاكت بحسنها فواكه الشام لشدجة العناية والخدمة بهما، ثم إنّ السلطان لما اختص بالأمير قوصون أنعم بهذا البستان عليه، فعمر تجاهه الزريبة التي عرفت بزريبة قوصون على النيل، وبنى الناس الدور الكثيرة هناك سميا لما حفر الخليج الناصري، فإن العمارة عظمت فيما بين هذا البستان والبحر وفيما بينه وبين القاهرة ومصر، ثم إنّ هذا البستان خرب لتلاشي أحواله بعد قوصون، وحكرت أرضه وبنى الناس فوقها الدور التي على يسرة من صعد القنطرة من جهة باب اللوق يريد الزريبة، ثم لما خرب خط الزريبة خرب ما عمر بأرض هذا البستان من الدور، منذ سنة ست وثمانمائة واللّه تعالى أعلم.
ميدان بركة الفيل: هذا الميدان كان مشرفا على بركة الفيل قبالة الكبش، وكان أوّلا اصطبل الجوق برسم خيول المماليك السلطانية، إلى أن جلس الأمير زين الدين كتبغا على تخت الملك وتلقب بالملك العادل، بعد خلعه الملك الناصر محمد بن قلاون في المحرّم سنة أربع وتسعين وستمائة، فلما دخلت سنة خمس وتسعين كان الناس في أشدّ ما يكون من غلاء الأسعار وكثرة الموتان، والسلطان خائف على نفسه ومتحرّز من وقوع فتنة، وهو مع ذلك ينزل من قلعة الجبل إلى الميدان الظاهريّ بطرف اللوق، فحسن بخاطره أن يعمل إصطبل الجوق المذكور ميدانا عوضا عن ميدان اللوق، وذكر ذلك للأمراء فأعجبهم ذلك، فأمر بإخراج الخيل منه وشرعه في عمله ميدانا، وبادر الناس من حينئذ إلى بناء الدور بجانبه، وكان أوّل من أنشأ هناك الأمير علم الدين سنجر الخازن في الموضع الذي عرف اليوم بحكر الخازن، وتلاه الناس في العمارة والأمراء، وصار السلطان ينزل إلى هذا الميدان من القلعة فلا يجد في طريقه أحدا من الناس سوى أصحاب الدكاكين من الباعة لقلة الناس وشغلهم بما هم فيه من الغلاء والوباء، ولقد رآه شخص من الناس وقد نزل إلى الميدان والطرقات خالية فأنشد ما قيل في الطبيب ابن زهر:
стр. 1255
قل للغلا أنت وابن زهر … بلغتما الحدّ والنهايه
ترفقا بالورى قليلا … في واحد منكما كفايه
وما برح هذا الميدان باقيا إلى أن عمّر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون قصر الأمير بكتمر الساقي على بركة الفيل، فأدخل فيه جميع أرض هذا الميدان، وجعله إصطبل الأمير بكتمر الساقي، في سنة سبع عشرة وسبعمائة، وهو باق إلى وقتنا هذا.
ميدان المهاري: هذا الميدان بالقرب من قناطر السباع في برّ الخليج الغربيّ، كان من جملة جنان الزهريّ، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة عشرين وسبعمائة، ومن وراء هذا الميدان بركة ماء كان موضعها كرم القاضي الفاضل رحمة اللّه عليه.
قال جامع السيرة الناصرية: وكان الملك الناصر محمد بن قلاون له شغف عظيم بالخيل، فعمل ديوانا ينزل فيه كلّ فرس بشأنه واسم صاحبه وتاريخ الوقت الذي حضر فيه، فإذا حملت فرس من خيول السلطان أعلم به وترقب الوقت الذي تلد فيه، واستكثر من الخيل حتى احتاج إلى مكان برسم نتاجها، فركب من قلعة الجبل في سنة عشرين وسبعمائة، وعين موضعا يعمله ميدانا برسم المهاري، فوقع اختياره على أرض بالقرب من قناطر السباع، وما زال واقفا بفرسه حتى حدّد الموضع وشرع في نقل الطين البليز إليه، وزرعه من النخل وغيره، وركب على الآبار التي فيه السواقي، فلم يمض سوى أيام حتى ركب إليه ولعب فيه بالكرة مع الخاصكية، ورتب فيه عدّة حجور للنتاج وأعدّلها سوّاسا وأميرا خورية وسائر ما يحتاج إليه، وبني فيه أماكن ولازم الدخول إليه في ممرّه إلى الميدان الذي أنشأه على النيل بموردة الملح.
فلما كان بعد أيام وأشهر حسن في نفسه أن يبني تجاه هذا الميدان على النيل الأعظم بجوار جامع الطيبرسي زريبة، ويبرز بالمناظر التي ينشئها في الميدان إلى قرب البحر، فنزل بنفسه وتحدّث في ذلك، فكثّر المهندسون المصروف في عينه وصعّبوا الأمر من جهة قلة الطين هناك، وكان قد أدركه السفر للصعيد، فترك ذلك وما برحت الخيول في هذا الميدان إلى أن مات الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى وثمانمائة، واستمرّ بعده في أيام ابنه الملك الناصر فرج، إلاّ أنه تلاشى أمره عما كان قبل ذلك، ثم انقطعت منه الخيول وصار براحا خاليا.
ميدان سرياقوس: كان هذا الميدان شرقيّ ناحية سرياقوس بالقرب من الخانقاه، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وبنى فيه قصورا جليلة وعدّة منازل للأمراء، وغرس فيه بستانا كبيرا نقل إليه من دمشق سائر الأشجار التي تحمل الفواكه، وأحضر معها خولة بلاد الشام حتى غرسوها وطعموا الأشجار، فأفلح
стр. 1256
فيه الكرم والسفرجل وسائر الفواكه، فلما كمل في سنة خمس وعشرين خرج ومعه الأمراء والأعيان ونزل القصور التي هناك، ونزل الأمراء والأعيان على منازلهم في الأماكن التي بنيت لهم، واستمرّ يتوجه إليه في كلّ سنة ويقيم به الأيام ويلعب فيه بالكرة إلى أن مات، فعملل ذلك أولاده الذين ملكوا من بعده.
فكان السلطان يخرج في كل سنة من قلعة الجبل بعد ما تنقضي أيام الركوب إلى الميدان الكبير الناصريّ وعلى النيل، ومعه جميع أهل الدولة من الأمراء والكتاب وقاضي العسكر وسائر أرباب الرتب، ويسير إلى السرحة بناحية سرياقوس وينزل بالقصور ويركب إلى الميدان هناك للعب الكرة، ويخلع الأمراء وسائر أهل الدولة، ويقيم في هذه السرحة أياما، فيمرّ للناس في إقامتهم بهذه السرحة أوقات لا يمكن وصف ما فيها من المسرّات، ولا حصر ما ينفق فيها من المآكل والهبات من الأموال، ولم يزل هذا الرسم مستمرّ إلى سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وهي آخر سرحة سار إليها السلطان بسرياقوس، ومن هذه السنة انقطع السلطان الملك الظاهر برقوق عن الحركة لسرياقوس، فإنه اشتغل في سنة ثمانمائة بتحرّك المماليك عليه من وقت قيام الأمير علي باي إلى أن مات.
وقام من بعده ابنه الملك الناصر فرج، فما صفا الوقت في أيامه من كثرة الفتن وتواتر الغلوات والمحن، إلى أن نسي ذلك وأهمل أمر الميدان والقصور وخرب، وفيه إلى اليوم بقية قائمة. ثم بيعت هذه القصور في صفر سنة خمس وعشرين وثمانمائة بمائة دينار، لينقض خشبها وشبابيكها وغيرها، فنقضت كلها، وكان من عادة السلطان إذا خرج إلى الصيد لسرياقوس أو شبرا أو البحيرة أنه ينعم على أكابر أمراء الدولة قدرا وسنّا، كلّ واحد بألف مثقال ذهيبا، وبرذون خاص مسرج ولمجم، وكنبوش مذهب، وكان من عادته إذا مرّ في متصيدانه بإقطاع أمير كبير قدّم له من الغنم والإوز والدجاج وقصب السكر والشعير ما تسمو همة مثله إليه، فيقبله السلطان منه وينعم بخلعة كاملة، وربما أمر لبعضهم بمبلغ مال.
وكانت عادة الأمراء أن يركب الأمير منهم حيث يركب في المدينة وخلفه جنيب، وأما أكابرهم فيركب بجنيبين، هذا في المدينة والحاضرة، وهكذا يكون إذا خرج إلى سرياقوس وغيرها من نواحي الصعيد، ويكون في الخروج إلى سرياقوس وغيرها من الأسفار لكلّ أمير طلب يشتمل على أكثر مماليكه، وقدّامهم خزانة محمولة على جمل واحد يجرّه راكب آخر على جمل، والمال على جملين، وربما زاد بعضهم على ذلك. وأمام الخزانة عدّة جنائب تجرّ على أيدي مماليك ركّاب خيل وهجن، وركّاب من العرب على هجن، وأمامها الهجن بأكوارها مجنوبة، وللطبلخانات قطار واحد، وهو أربعة، ومركوب الهجان والمال قطاران، وربما زاد بعضهم، وعدد الجنائب في كثرتها وقلتها إلى رأي الأمير وسعة نفسه، والجنائب منها ما هو مسرح ملجم، ومنها ما هو بعباءة لا غير، وكان يضاهي بعضهم بعضا في
стр. 1257
الملابس الفاخرة والسروح المحلاة والعدد الملحية.
وكان من رسوم السلطان في خروجه إلى سرياقوس وغيرها من الأسفار أن لا يتكلف إظهار كلّ شعار السلطنة، بل يكون الشعار في موكبه السائر فيه جمهور مماليكه مع المقدّم عليهم واستاداره، وأمامهم الخزائن والجنائب والهجن، وأما هو نفسه فإنه يركب ومعه عدّة كبيرة من الأمراء الكبار والصغار من الغرباء والخواص، وجملة من خواص مماليكه، ولا يركب في السير برقبة ولا بعصائب، بل يتبعه جنائب خلفه، ويقصد في الغالب تأخير النزول إلى الليل، فإذا جاء الليل حملت قدّامة فوانيس كثيرة ومشاعل، فإذا قارب مخيمه تلقى بشموع موكبية في سمعدانات كفت، وصاحت الجاويشية بين يديه، ونزل الناس كافة إلاّ حملة السلاح، فإنهم وراءه، والوشاقية أيضا وراءه، وتمشي الطبر دارية حوله حتى إذا وصل القصور بسرياقوس أو الدهليز من المخيم نزل عن فرسه ودخل إلى الشقة، وهي خيمة مستديرة متسعة، ثم منها إلى شقة مختصرة، ثم منها إلى اللاجوق، وبدائر كلّ خيمة من جميع جوانبها من داخل سور خركاه، وفي صدر اللاجوق قصر صغير من خشب برسم المبيت فيه، وينصب بإزاء الشقة الحمّام بقدور الرصاص، والحوض على هيئة الحمام المبنيّ في المدن، إلاّ أنه مختصر. فإذا نام السلطان طافت به المماليك دائرة بعد دائرة، وطاف بالجميع الحرس، وتدور الزفة حول الدخليز في كلّ ليلة، وتدور بسرياقوس حول القصر في كلّ ليلة مرّتين، الأولى منذ يأوي إلى النوم، والثانية عند قعوده من النوم، وكلّ زفة يدور بها أمير جاندار، وهو من أكابر الأمراء، وحوله الفوانيس والمشاعل والطبول والبياتة، وينام على باب الدهليز النقباء وأرباب النوب من الخدم، ويصحب السلطان في السفر غالب ما تدعو الحاجة إليه حتى يكاد يكون معهم مارستان لكثرة من معه من الأطباء وأرباب الكحل والجراح والأشربة والعقاقير، وما يجري مجرى ذلك، وكل من عاده طبيب ووصف له ما يناسبه، يصرف له من الشراب خاناه أو الدواء خاناه المحمولين في الصحبة.
واللّه أعلم.
الميدان الناصريّ: هذا الميدان من جملة أراضي بستان الخشاب، فيما بين مدينة مصر والقاهرة، وكان موضعه قديما غامرا بماء النيل، ثم عرف ببستان الخشاب، فلما كانت سنة أربع عشرة وسبعمائة هدم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون الميدان الظاهريّ، وغرس فيه أشجارا كما تقدّم، وأنشأ هذا الميدان من أراضي بستان الخشاب، فإنه كان حينئذ مطلا على النيل، وتجهز في سنة ثمان عشرة وسبعمائة للركوب إليه، وفرّق الخيول على جميع الأمراء واستجدّ ركوب الأوجاقية بكوا في الزركس على صفة الطاسات فوق رؤوسهم، وسمّاهم الجفتاوات، فيركب منهم اثنان بثوبي حرير أطلس أصفر، وعلى رأس كلّ منهما كوفية الذهب، وتحت كل واحد فرس أبيض بحلية ذهب، ويسيران معا بين يدي السلطان في ركوبه من قلعة الجبل، إلى الميدان، وفي عودته منه إلى القلعة، وكان السلطان إذا ركب
стр. 1258
إلى هذا الميدان للعب الأكرة يفرّق حوائص ذهب على الأمراء المقدّمين، وركوبه إلى هذا الميدان دائما يوم السبت في قوّة الحرّ بعد وفاء النيل مدّة شهرين من السنة، فيفرّق في كلّ ميدان على اثنين بالنوبة، فمنهم من تجيء نوبته بعد ثلاث سنين أو أربع سنين، وكان من مصطلح الملوك أن تكون تفرقة السلطان الخيول على الأمراء في وقتين، أحدهما عند ما يخرج إلى مرابط خيله في الربيع عند اكتمال تربيعها، وفي هذا الوقت يعطي أمراء المئين الخيول مسرجة ملجمة بكنابيش مذهبة، ويعطي أمراء الطبلخانات خيلا عريا. والوقت الثاني يعطي الجميع خيولا مسرجة ملجمة بلا كنابيش، بفضة خفيفة، وليس لأمراء العشروات خظ في ذلك إلاّ ما يتفقدهم به على سبيل الأنعام، ولخاصكية السلطان المقرّبين من أمراء المئين وأمراء الطبلخانات زيادة كثيرة من ذلك، بحيث يصل إلى بعضهم المائة فرس في السنة.
وكان من شعار السلطان أن يركب إلى اليميدان وفي عنق الفرس رقبة حرير أطلس أصفر بزركش ذهب، فتستر من تحت أذني الفرس إلى حيث السرج، ويكون قدّامه اثنان من الأوشاقية راكبين على حصانين اشهبين برقبتين نظير ما هو راكب به، كأنهما معدّان لأن يركبهما، وعلى الأوشاقيين المذكورين قبا آن اصفران من حرير بطراز مزركش بالذهب، وعلى رأسهما قبعان مزركشان، وغاشية السرج محمولة أمام السلطان، وهي أديم مزركش مذهب يحملها بعض الركابدارية قدّامة وهو ماش في وسط الموكب، ويكون قدّامة فارس يشبب بشبابة لا يقصد بنغمها إلا طراب، بل ما يقرع بالمهابة سامعة، ومن خلف السلطان الجنائب، وعلى رأسه العصائب السلطانية، وهي صفر مطرزة بذهب بألقابه واسمه، وهذا لا يختص بالركوب إلى الميدان، بل يعمل هذا الشعار أيضا إذا ركب يوم العيد أو دخل إلى القاهرة أو إلى مدينة من مدن الشام، ويزداد هذا الشعار في يوم العيدين ودخول المدينة برفع المظلة على رأسه، ويقال لها الحبر، وهو أطلس أصفر مزركش من أعلاه قبة وطائر من فضة مذهبة، يحملها يومئذ بعض أمراء المئين الأكابر، وهو راكب فرسه إلى جانب السلطان، ويكون أرباب الوظائف والسلاحدارية كلهم خلف السلطان، ويكون حوله وأمامه الطبردارية، وهم طائفة من الاكراد ذوي الإقطاعات والأمرة، ويكونون مشاة وبأيديهم الأطباء المشهورة.
ذكر قلعة الجبل
قال ابن سيده في كتاب المحكم: القلعة بتحريك القاف واللام والعين وفتحها، الحصن الممتنع في جبل، وجمعها قلاع وقلع، وأقلعوا بهذه البلاد بنوها فجعلوها كالقلعة.
وقيل: القلعة بسكون اللام، حصن مشرف، وجمعه قلوع، وهذه القلعة على قطعة من الجبل وهي تتصل بجبل المقطم، وتشرف على القاهرة ومصر والنيل والقرافة، فتصير
стр. 1259
القاهرة في الجهة البحرية منها، ومدينة مصر والقرافة الكبرى وبركة الحبش في الجهة القبلية الغربية، والنيل الأعظم في غربيها، وجبل المقطم من ورائها في الجهة الشرقية. وكان موضعها أوّلا يعرف بقبة الهواء، ثم صار من تحته ميدان أحمد بن طولون، ثم صار موضعها مقبرة فيها عدّة مساجد، إلى أن أنشأها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، أوّل الملوك بديار مصر، على يدّ الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسديّ في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وصارت من بعده دار الملك بديار مصر إلى يومنا هذا، وهي ثامن موضع صار دار المملكة بديار مصر. وذلك أن دار الملك كانت أوّلا قبل الطوفان مدينة أمسوس، ثم صار تخت الملك بعبد الطوفان بمدينة منف إلى أن خرّبها بخت نصر، ثم لما ملك الإسكندر بن فيليبس سار إلى مصر وجدّد بناء الإسكندرية فصارت دار المملكة من حينئذ بعد مدينة منف الإسكندرية، إلى أن جاء اللّه تعالى بالإسلام، وقدم عمرو بن العاص ﵁ بجيوش المسلمين إلى مصر وفتح الحصن واختط مدينة فسطاط مصر، فصارت دار الإمارة من حينئذ بالفسطاط إلى أن زالت دولة بني أمية، وقدمت عساكر بني العباس إلى مصر وبنوا في ظاهر الفسطاط العسكر، فصار الأمراء من حينئذ تارة ينزلون في العسكر وتارة في الفسطاط، إلى أن بنى أحمد بن طولون القصر والميدان، وأنشأ القطائع بجانب العسكر، فصارت القطائع منازل الطولونية إلى أن زالت دولتهم، فسكن الأمراء بعد زوال دولة بني طولون بالعسكر إلى أن قدم جوهر القائد من بلاذ المغرب بعساكر المعز لدين اللّه وبنى القاهرة المعزية، فصارت القاهرة من حينئذ دار الخلافة ومقرّ الإمامة ومنزل الملك، إلى أن انقضت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فلما استبدّ بعدهم بأمر سلطنة مصر بنى قلعة الجبل هذه ومات، فسكنها من بعده الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، واقتدى به من ملك مصر من بعده من أولاده إلى أن انقرضوا على يد مماليكهم البحرية وملكوا مصر من بعدهم، فاستقرّوا بقلعة الجبل إلى يومنا هذا، وسأجمع إن شاء اللّه تعالى من أخبار قلعة الجبل هذه وذكر من ملكها ما فيه كفاية. واللّه أعلم.
اعلم أن أوّل ما عرف من خبر موضع قلعة الجبل، أنه كان فيه قبة تعرف بقبة الهواء، قال أبو عمرو الكنديّ في كتاب أمراء مصر: وابتنى حاتم بن هرثمة القبة التي تعرف بقبة الهواء، وهو أوّل من ابتناها، وولي مصر إلى أن صرف عنها في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة. قال: ثم مات عيسى بن منصور أمير مصر في قبة الهواء بعد عزله، لاحدى عشرة خلت من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ولما قدم أمير المؤمنين المأمون إلى مصر في سنة سبع عشرة ومائتين، جلس بقبة الهواء هذه، وكان بحضرته سعيد بن عفير، فقال المأمون: لعن اللّه فرعون حيث يقول: أليس لي ملك مصر، فلو رأى العراق وخصبها. فقال سعيد بن عفير: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا، فإن اللّه قال:
стр. 1260
﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف/ ١٣٧] فما ظنك يا أمير المؤمنين بشيء دمّره اللّه هذا بقيته ثم قال سعيد: لقد بلغنا أن أرضا لم تكن أعظم من مصر، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها، وكانت الأنهار بقناطر وجسور بتقدير، حتى أنّ الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم، يرسلونه متى شاؤوا ويحبسونه متى شاؤوا، وكانت البساتين متصلة لا تنقطع، ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر، وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر، وفي قبة الهواء حبس المأمون الحارث بن مسكين. قال الكنديّ في كتاب الموالي: قدم المأمون مصر وكان بها رجل يقال له الحضرميّ، يتظلم من ابن أسباط وابن تميم، فجلس الفضل بن مروان في المسجد الجامع، وحضر مجلسه يحيى بن أكثم وابن أبي داود، وحضر إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، وكان على مظالم مصر، وحضر جماعة من فقهاء مصر وأصحاب الحديث، وأحضر الحارث بن مسكين ليولي قضاء مصر، فدعاه الفضل بن مروان، فبينما هو يكلمه إذ قال الحضرميّ للفضل: سل أصلحك اللّه الحارث عن ابن أسباط وابن تميم. قال: ليس لهذا أحضرناه. قال: أصلحك اللّه سله، فقال الفضل للحارث: ما تقول في هذين الرجلين فقال: ظالمين غاشمين. قال: ليس لهذا أحضرناك، فاضطرب المسجد وكان الناس متوافرين، فقام الفضل وصار إلى المأمون بالخبر وقال:
خفت على نفسي من ثوران الناس مع الحارث، فأرسل المأمون إلى الحارث فدعاه، فابتدأه بالمسألة فقال: ما تقول في هذين الرجلين؟ فقال: ظالمين غاشمين. قال: هل ظلماك بشيء؟ قال: لا. قال: فعاملتهما؟ قال: لا. قال: فكيف شهدت عليهما؟ قال: كما شهدت أنك أمير المؤمنين ولم أرك قط إلاّ الساعة، وكما شهدت أنك غزوت ولم أحضر غزوك. قال: اخرج من هذه البلاد فليست لك ببلاد، وبع قليلك وكثيرك، فإنك لا تعاينها أبدا.
وحبسه في رأس الجبل في قبة ابن هرثمة، ثم انحدر المأمون إلى البشرود وأحضره معه، فلما فتح البشرود أحضر الحارث، فلما دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر، فردّ عليه الجواب بعينه، فقال: فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا؟ قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، أنّ الرشيد كتب إليه في أهل دهلك يسأله عن قتالهم فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان فلا يحلّ قتالهم، وإن كانوا إنما شقوا العصا فقتالهم حلال. فقال المأمون: أنت تيس ومالك أتيس منك، ارجل عن مصر. قال: يا أمير المؤمنين إلى الثغور؟ قال الحق بمدينة السلام. فقال له أبو صالح الحرّانيّ: يا أمير المؤمنين تغفر زلته؟ قال: يا شيخ تشفعت فارتفع.
ولما بنى أحمد بن طولون القصر والميدان تحت قبة الهواء هذه، كان كثيرا ما يقيم
стр. 1261
فيها، فإنها كانت تشرف على قصره، واعتنى بها الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وجعل لها الستور الجليلة والفرش العظيمة، في كلّ فصل ما يناسبه. فلما زالت دولة بني طولون وخرب القصر والميدان، كانت قبة الهواء مما خرب، كما تقدّم ذكره عند ذكر القطائع من هذا الكتاب، ثم عمل موضع قبة الهواء مقبرة وبني فيها عدّة مساجد.
قال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة في كتاب النقطة في الخطط: والمساجد المبنية على الجبل، المتصلة باليحاميم المطلة على القاهرة المعزية التي فيها المسجد المعروف بسعد الدولة، والترب التي هناك، تحتوي القلعة التي بناها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب علي الجميع، وهي التي نعتها بالقاهرة، وبنيت هذه القلعة في مدّة يسيرة، وهذه المساجد هي مسجد سعد الدولة، ومسجد معز الدولة. والي مصر، ومسجد مقدّم بن عليان من بني بويه الديلميّ، ومسجد العدّة بناه أحد الأستاذين الكبار المستنصرية، وهو عدّة الدولة، وكان بعد مسجد معز الدولة، ومسجد عبد الجبار بن عبد الرحمن بن شبل بن عليّ رئيس الرؤساء. وكافي الكفاة أبي يعقوب بن يوسف، الوزير بهمدان، ابن عليّ. بناه وانتقل بالإرث إلى ابن عمه القاضي الفقيه أبي الحجاج يوسف بن عبد الجبار بن شبل، وكان من أعيان السادة، ومسجد قسطة، وكان غلاما أرمنيا من غلمان المظفر بن أمير الجيوش، مات مسموما من أكلة هريسة.
وقال الحافظ أبو الطاهر السلفيّ: سمعت أبا منصور قسطة الأرمنيّ والي الاسكندرية يقول: كان عبد الرحمن خطيب ثغر عسقلان يخطب بظاهر البلد في عيد من الأعياد، فقيل له: قد قرب منا العدو. فنزل عن المنبر وقطع الخطبة، فبلغه أن قوما من العسكرية عابوا عليه فعله، فخطب في الجمعة الأخرى داخل البلد في الجامع خطبة بليغة قال فيها: قد زعم قوم أن الخطيب فزع، وعن المنبر نزع، وليس ذلك عارا على الخطيب، فإنما ترسه الطيلسان وحسامه اللسان، وفرسه خشب لا تجري من الفرسان، وإنما العار على من تقلد الحسام وسنّ السنان، وركب الجياد الحسان، وعند اللقاء يصيح إلى عسقلان.
وكان قسطة هذا من عقلاء الأمراء المائلين إلى العدل، المثابرين على مطالعة الكتب، وأكثر ميله إلى التواريخ وسير المتقدّمين، وكان مسجده بعد مسجد شقيق الملك، ومسجد الديلميّ، وكان على قرنة الجبل المقابل للقلعة من شرقيها إلى البحريّ، وقبره قدّام الباب.
وتربة ولخشى الأمير والد السلطان رضوان بن ولخشى، المنعوت بالأفضل، كان من الأعيان الفضاء الأدباء، ضرب على طريقة ابن البوّاب، وأبي عليّ بن مقلة، وكتب عدّة ختمات، وكان كريما شجاعا يلقّب فحل الأمراء، وكانت هذه التربة آخر الصف، ومسجد شقيق الملك الأستاذ خسروان صاحب بيت المال أضيف إلى سور القلعة البحري إلى المغرب قليلا، ومسجد أمين الملك صارم الدولة مفلح صاحب الملجس الحافظيّ كان بعد مسجد
стр. 1262
القاضي أبي الحجاج، المعروف بمسجد عبد الجبار، وهو في وسط القلعة، بعده تربة لاون أخي يانس، ومسجد القاضي النبيه، كان لمام الدولة غنّام، ومات رسولا ببلاد الشام، وشراه منه وأنشأه القاضي النبيه، وقبره به، وكان القاضي من الأعيان.
وقال ابن عبد الظاهر: أخبرني والدي قال: كنا نطلع إليها، يعني إلى المساجد التي كانت موضع قلعة الجبل، قبل أن تسكن في ليالي الجمع، نبيت متفرّجين كما نبيت في جواسق الجبل والقرافة.
قال مؤلفه ﵀: وبالقلعة الآن مسجد الردينيّ، وهو أبو الحسن علي بن مرزوق بن عبد اللّه الردينيّ الفقيه المحدّث المفسر، كان معاصرا لأبي عمر وعثمان بن مرزوق الحوفيّ، وكان ينكر على أصحابه، وكانت كلمته مقبولة عند الملوك، وكان يأوي بمسجد سعد الدولة، ثم تحوّل منه إلى مسجد عرف بالردينيّ، وهو الموجود الآن بداخل قلعة الجبل، وعليه وقف بالإسكندرية، وفي هذا المسجد قبر يزعمون أنه قبره، وفي كتب المزارات بالقرافة، أنّه توفي ودفن بها في سنة أربعين وخمسمائة، بخط سارية شرقيّ تربة الكيروانيّ، واشتهر قبره بإجابة الدعاء عنده.
ذكر بناء قلعة الجبل
وكان سبب بنائها أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، لما أزال الدولة الفاطمية من مصر واستبدّ بالأمر، لم يتحوّل من دار الوزارة بالقاهرة، ولم يزل يخاف على نفسه من شيعة الخلفاء الفاطميين بمصر، ومن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سلطان الشام، رحمة اللّه عليه، فامتنع أوّلا من نور الدين بأن سير أخاه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب في سنة تسع وستين وخمسمائة، إلى بلاد اليمن لتصير له مملكة تعصمه من نور الدين، فاستولى شمس الدولة على ممالك اليمن، وكفى اللّه تعالى صلاح الدين أمر نور الدين ومات في تلك السنة، فحلاله الجوّ وأمن جانبه، وأحبّ أن يجعل لنفسه معقلا بمصر، فإنه كان قد قسم القصرين بين أمرائه وأنزلهم فيهما، فيقال أنّ السبب الذي دعاه إلى اختيار مكان قلعة الجبل، أنه علق اللحم بالقاهرة فتغير بعد يوم وليلة، فعلق لحم حيوان آخر في موضع القلعة فلم يتغير إلا بعد يومين وليلتين، فأمر حينئذ بإنشاء قلعة هناك، وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ، فشرع في بنائها وبنى سور القاهرة الذي زاده في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وهدم ما هنالك من المساجد وأزال القبور وهدم الأهرام الصغار التي كانت بالجيزة تجاه مصر، وكانت كثيرة العدد، ونقل ما وجد بها من الحجارة وبنى به السور والقلعة وقناطر الجيزة، وقصد أن يجعل السور يحيط بالقاهرة والقلعة ومصر، فمات السلطان قبل أن يتم الغرض من السور والقلعة، فأهمل العمل إلى أن كانت سلطنة الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في قلعة الجبل
стр. 1263
واستنابته في مملكة مصر وجعله وليّ عهد، فأتم بناء القلعة وأنشأ بها الآدر السلطانية، وذلك في سنة أربع وستمائة، وما برح يسكنها حتي مات، فاستمرّت من بعده دار مملكة مصر إلى يومنا هذا، وقد كان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يقيم بها أياما، وسكنها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين في أيام أبيه مدّة، ثم انتقل منها إلى دار الوزارة.
قال ابن عبد الظاهر: وسمعت حكاية تحكى عن صلاح الدين أنه طلعها ومعه أخوه الملك العادل، فلما رآها التفت إلى أخيه وقال: يا سيف الدين، قد بنيت هذه القلعة لأولادك. فقال: يا خوند منّ اللّه عليك أنت وأولادك وأولاد أولادك بالدنيا. فقال: ما فهمت ما قلت لك، أنا نجيب ما يأتي لي أولاد نجباء، وأنت غير نجيب فأولادك يكونون نجباء، فسكت.
قال مؤلفه ﵀: وهذا الذي ذكره صلاح الدين يوسف من انتقال الملك عنه إلى أخيه وأولاد أخيه ليس هو خاصا بدولته، بل اعتبر ذلك في الدول تجد الأمر ينتقل عن أولاد القائم بالدولة إلى بعض أقاربه، هذا رسول اللّه ﷺ هو القائم بالملة الإسلامية، ولما توفي ﷺ انتقل أمر القيام بالملة الإسلامية بعده إلى أبي بكر الصدّيق ﵁، واسمه عبد اللّه بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ، فهو ﵁ يجتمع من النبي ﷺ ، في مرّة بن كعب، ثم انتقل الأمر بعد الخلفاء الراشدين ﵃ إلى بني أمية كان القائم بالدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، فلم تفلح أولاده وصارت الخلافة إلى مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، فتوارثها بنو مروان حتى انقضت دولتهم بقيام بني العباس ﵁، فكان أول من قام من بني العباس عبد اللّه بن محمد السفاح، ولما مات انتقلت الخلافة من بعده إلى أخيه أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، واستقرّت في بنيه إلى أن انقرضت الدولة العباسية من بغداد.
وكذا وقع في دول العجم أيضا، فأول ملوك بني بوبه، عماد الدين أبو عليّ الحسن بن بويه، والقائم من بعده في السلطنة أخوه حسن بن بويه، وأوّل ملوك بني سلجوق، طغريل، والقائم من بعده في السلطنة ابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق، وأوّل قائم بدولة بني أيوب، السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولما مات اختلف أولاده فانتقل ملك مصر والشام وديار بكر والحجاز واليمن إلى أخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، واستمرّ فيهم إلى أن انقرضت الدولة الأيوبية، فقام بمملكة مصر المماليك الأتراك، وأوّل من قام منهم بمصر الملك المعز أيبك، فلما مات لم يفلح ابنه عليّ فصارت المملكة إلى قطز، وأوّل من قام بالدولة الجركسية الملك الظاهر برقوق، وانتقلت المملكة من بعد ابنه الملك الناصر فرج إلى الملك المؤيد شيخ المحموديّ الظاهريّ، وقد جمعت في هذا
стр. 1264
فصلا كبيرا، وقلما تجد الأمر بخلاف ما قلته لك وللّه عاقبة الأمور.
قال ابن عبد الظاهر: والملك الكامل هو الذي اهتم بعمارتها وعمارة أبراجها، البرج الأحمر وغيره، فكملت في سنة أربع وستمائة، وتحوّل إليها من دار الوزارة ونقل إليها أولاد العاضد وأقاربه وسجنهم في بيت فيها، فلم يزالوا فيه إلى أن حوّلوا منه في سنة إحدى وسبعين وستمائة. قال: وفي آخر سنة اثنتين وثمانين وسنمائة شرع السلطان الملك المنصور قلاون في عمارة برج عظيم على جانب باب السرّ الكبير، وبنى علوه مشترفات وقاعات مرخمة لم ير مثلها، وسكنها في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، ويقال أن قراقوش كان يستعمل في بناء القلعة والسور خمسين ألف أسير.
البئر التي بالقلعة: هذه البئر من العجائب، استنبطها قراقوش. قال ابن عبد الظاهر:
وهذه البئر من عجائب الأبنية، تدور البقر من أعلاها فتنقل الماء من نقالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من أسفلها، ولها طريق إلى الماء ينزل البقر إلى معينها في مجاز، وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء، وقيل أن أرضها مسامّة أرض بركة الفيل وماؤها عذب. سمعت من يحكي من المشايخ أنها لما نقرت جاء ماؤها حلوا، فأراد قراقوش أو نوّا به الزيادة في مائها، فوسع نقر الجبل فخرجت منه عين مالحة غيرت حلاوتها. وذكر القاضي ناصر الدين شافع بن عليّ في كتاب عجائب البنيان، أنه ينزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلاثمائة درجة.
ذكر صفة القلعة
وصفة قلعة الجبل أنها بناء على نشزعال، يدور بها سور من حجر بأبراج وبدنات حتى تنتهي إلى القصر الأبلق، ثم من هناك تتصل بالدور السلطانية على غير أوضاع أبراج الغلال، ويدخل إلى القلعة من بابين، أحدهما بابها الأعظم المواجه للقاهرة، ويقال له الباب المدرّج، وبداخله يجلس والي القلعة، ومن خارجه تدق الخليلية قبل المغرب. والباب الثاني باب القرافة، وبين البابين ساحة فسيحة في جانبها بيوت، وبجانبها القبليّ سوق للمآكل، ويتوصل من هذه الساحة إلى دركاه جليلة كان يجلس بها الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول، وفي وسط الدركاه باب القلعة، ويدخل منه في دهليز فسيح إلى ديار وبيوت وإلى الجامع الذي تقام به الجمعة، ويمشي من دهليز باب القلعة في مداخل أبواب إلى رحبة فسيحة في صدرها الإيوان الكبير المعدّ لجلوس السلطان في يوم المواكب، وإقامة دار العدل. وبجانب هذه الرحبة ديار جليلة، ويمرّ منها إلى باب القصر الأبلق، وبين يدي باب القصر رحبة دون الأولى يجلس بها خواص الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة بالقصر، وكان بجانب هذه الرحبة محاذيا لباب القصر خزانة القصر، ويدخل من باب القصر في دهاليز خمسة إلى قصر عظيم، ويتوصل منه إلى الإيوان الكبير بباب خاص، ويدخل منه
стр. 1265
أيضا إلى قصور ثلاثة، ثم إلى دور الحرم السلطانية، وإلى البستان والحمّام والحوش، وباقي القلعة فيه دور ومساكن للماليك السلطانية وخواص الأمراء بنسائهم وأولادهم ومماليكهم ودواوينهم وطشتخاناتهم (١) وفرشخاناتهم (٢) وشربخاناتهم (٣) ومطابخهم وسائر وظائفهم، وكانت أكابر أمراء الألوف وأعيان أمراء الطبلخاناه والعشراوات تسكن بالقلعة إلى آخر أيام الناصر محمد بن قلاون، وكان بها أيضا طباق المماليك السلطانية ودار الوزارة، وتعرف بقاعة الصاحب، وبها قاعة الإنشاء وديوان الجيش وبيت المال وخزانة الخاص، وبها الدور السلطانية من الطشتخاناه والركابخاناه والحوائجخاناه والزردخاناه، وكان بها الجب الشنيع لسجن الأمراء، وبها دار النيابة، وبها عدّة أبراج يحبس بها الأمراء والمماليك، وبها المساجد والحوانيت والأسواق، وبها مساكن تعرف بخرائب التتر، كانت قدر حارة خرّبها الملك الأشرف برسباي في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، ومن حقوق القلعة الإصطبل السلطانيّ، وكان ينزل إليه السلطان من جانب إيوان القصر، ومن حقوقها أيضا الميدان، وهو فاصل بين الإصطبلات وسوق الخيل من غربيه، وهو فسيح المدى وفيه يصلي السلطان صلاة العيدين، وفيه يلعب بالأكرة مع خواصه، وفيه تعمل المدّات أوقات المهمات أحيانا، ومن رأى القصور والإيوان الكبير والميدان الأخضر والجامع يقرّ لملوك مصر بعلوّ الهمم وسعة الإنفاق والكرم.
باب الدرفيل: هذا الباب بجانب خندق القلعة، ويعرف أيضا بباب المدرج، وكان يعرف قديما بباب سارية، ويتوصل إليه من تحت دار الضيافة وينتهي منه إلى القرافة، وهو فيما بين سور القلعة والجبل.
والدرفيل هو الأمير حسام الدين لاجين الأيدمريّ، المعروف بالدرفيل، دوادار الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، مات في سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
دار العدل القديمة: هذه الدار موضعها الآن تحت القلعة، يعرف بالطبلخاناه، والذي بنى دار العدل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، في سنة إحدى وستين وستمائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر في كلّ اثنين وخميس، وابتدأ بالحضور في أوّل سنة اثنتين وستين وستمائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر في كلّ اثنين وخميس، وابتدأ بالحضور في أوّل سنة اثنتين وستين وستمائة، فوقف إليه ناصر الدين محمد بن أبي نصر وشكا أنه أخذ له بستان في أيام المعز أيبك، وهو بأيدي المقطعين، وأخرج كتابا مثبتا وأخرج من