← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الثلاثاء عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين، وكان يبلغ بالكاف، وحج مرّتين إحداهما سنة أربع وخسمسين، والثانية سنة ستين. فأقيم بعده ابنه المتوكل على اللّه أبو عبد اللّه محمد بعهده إليه في يوم الخميس ثاني عشرة، وخلع عليه بين يدي السلطان الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجي، وفوّض إليه نظر المشهد، ونزل إلى داره فلم يزل حتى تنكر له الأمير أينبك في أوّل ذي القعدة سنة ثمان وسبعين بعد قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين، وأخرجه ليسير إلى قوص. وأقام عوضه في الخلافة ابن عمه زكريا بن إبراهيم بن محمد في ثالث عشري صفر سنة تسع وسبعين، وكان قد أمر بردّ المتوكل من نفيه، فردّ إلى منزله من يومه، فأقام به حتى رضي عنه أينبك وأعاده في العشرين من ربيع الأوّل منها إلى خلافته، ثم سخط عليه الظاهر برقوق وسجنه مقيدا في يوم الاثنين أوّل رجب سنة خمس وثمانين، وقد وشي به أنه يريد الثورة وأخذ الملك. وأقيم بعده في الخلافة الواثق بالله أبو حفص عمر بن المعتصم أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحاكم، في يوم الاثنين المذكور، فما زال خليفة حتى مات يوم السبت تاسع شوّال سنة ثمان وثمانين. فأقام الظاهر بعده في الخلافة أخاه زكريا بن إبراهيم في يوم الخميس ثامن عشرية، ولقب بالمستعصم، وركب بالخلعة وبين يديه القضاة من القلعة إلى منزله، فلما أشرف الظاهر برقوق على زوال ملكه وقرب الأمير يلبغا الناصريّ نائب حلب بالعساكر، استدعى المتوكل على اللّه من محبسه وأعاده إلى الخلافة، وخلع عليه في يوم الأربعاء أوّل جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين، وبالغ في تعظيمه، وأنعم عليه، فلم يزل على خلافته حتى توفي ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثمانمائة، وهو أوّل من اتسعت أحواله من الخلفاء بمصر، وصار له إقطاعات ومال. فأقيم في الخلافة بعده ابنه المستعين بالله أبو الفضل العباس، وخلع عليه في يوم الاثنين رابع شعبان بالقلعة بين يدي الناصر فرج بن برقوق، ونزل إلى داره ثم سار مع الناصر إلى الشام، وحضر معه وقعة اللجون حتى انهزم، فدعاه الأميران شيخ ونوروز فمضى من موقفه إليهما ومعه مباشر والدولة، فأنزلاه ووكلا به وسارا به لحصار الناصر، ثم ألزماه حتى خلعه من السلطنة، وأقامه شيخ في السلطنة وبايعه ومن معه، في يوم السبت خامس عشري المحرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة، وبعث إلى نوروز وهو بشماليّ دمشق حتى بايعه، فنالوا بإقامته أغراضهم من قتل الناصر وانتظام أمرهم، ثم سار به شيخ إلى مصر وأقام نوروز بدمشق، فلما قدم به أسكنه القلعة ونزل هو بالحراقة من باب السلسلة، وقام بجميع الأمور وترك الخليفة في غاية الحصر، حتى استبدّ بالسلطنة، فكانت مدّة الخليفة منذ أقاموه سلطانا

стр. 1332

سبعة أشهر وخمسة أيام، ونقل الخليفة إلى بعض دور القلعة ووكل به من يحفظه وأهله وقام من بعده بالسلطانة. السلطان الملك المؤيد أبو النصر شيخ المحموديّ: أحد مماليك الظاهر برقوق، في يوم الاثنين أوّل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، فسجن الخليفة في برج بالقلعة ثم حمله إلى الإسكندرية، فسجنه بها، ولم يزل سلطانا حتى مات في يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة أربع وعشرين، فكانت مدّته ثمان سنين وخمسة أشهر وستة أيام. فأقيم بعده ابنه. السلطان الملك المظفر شهاب الدين أبو السعادات أحمد: وعمره سنة واحدة ونصف، فقام بأمره الأمير ططر، وفرّق ما جمعه المؤيد من الأموال، وخرج بالمظفر يريد محاربة الأمراء بالشام، فظفر بهم، وخلع المظفر، وكانت مدّته ثمانية أشهر تنقص سبعة أيام. وقام بعده. السلطان الملك الظاهر أبو الفتح ططر: أحد مماليك الظاهر برقوق، وجلس على التخت بقلعة دمشق في يوم الجمعة تاسع عشري شعبان، سنة أربع وعشرين، وقدم إلى قلعة الجبل وهو موعوك البدن، في يوم الخميس رابع شوّال، فثقل في مرضه من يوم الاثنين ثاني عشرية حتى مات في الأحد، رابع عشري ذي الحجة، فكانت مدّته ثلاثة أشهر ويومين، فأقيم بعده ابنه. السلطان الملك الصالح ناصر الدين محمد: وعمره نحو عشر سنين، فقام بأمره الأمير برسباي الدقاقيّ، ثم خلعه بعد أربعة أشهر وأربعة أيام. وقام من بعده. السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباي: أحد مماليك الظاهر برقوق، وجلس على تخت الملك في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين وثمانمائة. هذا آخر الجزء الثالث من أصل مصنفه الإمام المقريزيّ رحمه اللّه تعالى ورضي عنه. ووجد على هامش بعض النسخ ما صورته: وتوفي الأشرف برسباي ثالث عشر ذي الحجة، سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فكانت مدّته ست عشرة سنة وتسعة شهور، ثم قام من بعده ولده: الملك العزيز يوسف، وسنّه نحو خمس عشرة سنة، ثم خلع في تاسع عشر ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، فكانت مدّته نحو ثلاثة أشهر. وقام من بعده الملك الظاهر جقمق في تاسع عشر ربيع المذكور، وخلع نفسه من الملك في مرض موته، وتولى بعده بعهده ولده. الملك المنصور عثمان في حادي عشري المحرّم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، فكانت مدّة الظاهر جقمق أربع عشرة سنة ونحو عشرة شهور، ثم خلع ولده المنصور عثمان في سابع ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين وثمانمائة،

стр. 1333

فأقام في الملك أحدا وأربعين يوما، وتولى عوضه الملك الأشرف أينال: في ثامن من ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وخلع نفسه في مرض موته في جمادى الأولى سنة خمس وستين وثمانمائة، فكانت مدّته ثمان سنين وشهرين، وتولى بعده ولده الملك المؤيد أحمد ثم خلع في ثامن عشر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة، فكانت مدّته أربعة أشهر. وتولى الملك الظاهر خشقدم تاسع عشر رمضان، سنة خمس وستين وثمانمائة، ومات عشر شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وسبعين، فكانت مدّته نحو ست سنين ونصف. ثم تولى الملك الظاهر بلباي في حادي عشر الشهر المذكور، ثم خلع في سابع جمادى الأولى من السنة المذكورة، فكانت مدّته ستة وخمسين يوما. ثم تولى الملك الظاهر تمربغا في ثامن جمادى الأولى المذكور، ثم خلع في العشر الأول من شهر رجب الفرد، سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وكانت مدّته نحو تسعة وخمسين يوما، وتولى الملك الأشرف قايتباي في ثاني عشر رجب من السنة المذكورة، وتوفي في ثاني عشري ذي القعدة سنة إحدى وتسعمائة، فكانت مدّته تسعا وعشرين سنة وأربعة شهور وأياما. وتولى بعده ولده الملك الناصر محمد في التاريخ المذكور، ثم قتل بالجيزة في آخر يوم الأربعاء، النصف من ربيع الأوّل سنة أربع وتسعمائة، فكانت مدّته سنتين وثلاثة أشهر وأياما. ثم تولى خاله الملك الظاهر قانصوه الأشرفيّ قايتباي في ضحوة يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأوّل المذكور، ثم خلع في سابع ذي الحجة سنة خمس وتسعمائة، فكانت مدّته نحو عشرين شهرا. وتولى عوضه الملك الأشرف جان بلاط الأشرفيّ قايتباي، وأتانا خبرة بمنزله الجديدة في العود من المدينة الشريفة، في يوم الجمعة سادس عشري ذي الحجة سنة خمس وتسعمائة، فكانت مدّته ستة شهور وأياما، ثم خلع في يوم السبت ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ست وتسعمائة وتولى الملك العادل طومان باي الأشرفيّ قايتباي ثم خلع سلخ رمضان من السنة المذكورة، فكانت مدّته نحو مائة يوم، وتولى بعده الملك الأشرف قانصوه الغوريّ الأشرفيّ قايتباي مستهل شوال من السنة المذكورة، انتهى واللّه تعالى أعلم بالصواب. تم الجزء الثالث، ويليه الجزء الرابع وأوله: «ذكر المساجد الجامعة».

стр. 1334

ذكر المساجد الجامعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم أن أرض مصر لما فتحت في سنة عشرين من الهجرة، واختط الصحابة ﵃ فسطاط مصر كما تقدّم، لم يكن بالفسطاط غير مسجد واحد، وهو الجامع الذي يقال له في مدينة مصر الجامع العتيق، وجامع عمرو بن العاص. وما برح الأمر على هذا إلى أن قدم عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ﵄ من العراق، في طلب مروان بن محمد في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فنزل عسكره في شماليّ الفسطاط، وبنوا هناك الأبنية، فسمي ذلك الموضع بالعسكر، وأقيمت هناك الجمعة في مسجد، فصارت الجمعة تقام بمسجد عمرو بن العاص وبجامع العسكر، إلى أن بنى الأمير أحمد بن طولون جامعه على جبل يشكر، في سنة تسع وخمسين ومائتين، حين بنى القطائع، فتلاشى من حينئذ جامع العسكر، وصارت الجمعة تقام بجامع عمرو وبجامع ابن طولون، إلى أن قدم جوهر القائد من بلاد القيروان بالمغرب، ومعه عساكر مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، فبنى القاهرة وبنى الجامع الذي يعرف بالجامع الأزهر في سنة ستين وثلاثمائة، فكانت الجمعة تقام في جامع عمرو، وجامع ابن طولون، والجامع الأزهر، وجامع القرافة الذي يعرف اليوم بجامع الأولياء. ثم إنّ العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين اللّه، بنى في ظاهر القاهرة من جهة باب الفتوح الجامع الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم، في سنة ثمانين وثلاثمائة، وأكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور، وبنى جامع المقس، وجامع راشدة، فكانت الجمعة تقام في هذه الجوامع كلها إلى أن انقرضت دولة الخلفاء الفاطميين، في سنة سبع وستين وخمسمائة، فبطلت الخطبة من الجامع الأزهر، واستمرّت فيما عداه. فلما كانت الدولة التركية حدث بالقاهرة والقرافة ومصر وما بين ذلك عدّة جوامع، أقيمت فيها الجمعة، وما برح الأمر يزداد حتى بلغ عدد المواضع التي تقام بها الجمعة، فيما بين مسجد تبر خارج القاهرة من بحريها إلى دير الطين قبليّ مدينة مصر، زيادة على مائة موضع. وسيأتي من ذكر ذلك ما فيه كفاية إن شاء اللّه تعالى. وقد بلغت عدّة المساجدة التي تقام بها الجمعة مائة وثلاثين مسجدا. منها: بمدينة مصر: جامع عمرو بن العاص، والجامع الجديد، والمدرسة المعزية، وجامع ابن اللبان،

стр. 1335

وجامع القرّاء، وجامع تقيّ الثمار، وجامع راشدة، وجامع الفيلة، وجامع دير الطين، وجامع بساتين الوزير. ومنها بالقرافة: جامع الأولياء، وجامع الأفرم، وخانكاه بكتمر، وجامع ابن عبد الظاهر، وجامع الجوّاني، وجامع الضراب، وجامع قوصون، وجامع الشافعيّ، وجامع الديليّ، وجامع محمود، وجامع بقرب تربة الست. ومنها بالروضة: جامع المقياس، وجامع عين، وجامع الرئيس، وجامع الأباريقيّ، وجامع المقسيّ. ومنها بالحسينية خارج القاهرة: جامع أحمد الزاهد، وجامع آل ملك، وجامع كزاي، وجامع الكافوريّ، بالقرب من السميساطية، وجامع الخندق، وجامع نائب الكرك، وجامع سويقة الجميزة، وجامع قيدار، وجامع ابن شرف الدين، وجامع الظاهر، وجامع الحاج كمال التاجر، تجدّد هو وجامع سويقة الجميزة في أيام الظاهر برقوق. ومنها خارج القاهرة مما يلي النيل: جامع كوم الريش، جامع جزيرة الفيل، جامع أمين الدين بن تاج الدين موسى، جامع الفخر على النيل، جامع الأسيوطي، جامع الواسطيّ، جامع ابن بدر، جامع الخطيري، جامع ابن غازي، جامع المقس، جامع ابن التركمانيّ، جامع بنت التركمانيّ، جامع الطواشي، جامع باب الرخاء، جامع الزاهد، جامع ميدان القمح، جامع صاروجا، جامع ابن زيد، جامع بركة الرطليّ، جامع الكيمختي، جامع باب الشعرية، جامع ابن مياله، جامع ابن المغربيّ، جامع العجميّ بقنطرة الموسكي، الجامع المعلق بقنطرة الموسكي أيضا، جامع الجاكي بسويقة الريش، جامع السروجيّ بسويقة الريش أيضا، جامع البكجريّ، جامع ابن حسون بالدكة، جامع ابن المغربيّ على الخليج، جامع الطباخ بخط اللوق، جامع الست نصيرة بخط باب اللوق حيث كان الكوم، فحفر فإذا بقبر عرف بالست نصيرة، وعمل عليه مسجد وأقيمت به الجمعة في أيام الظاهر برقوق. جامع شاكر بجوار قنطرة قدادار عمّر سنة ست وعشرين وثمانمائة، جامع غيط القاصد خلف قنطرة قدادار، جامع الجزيرة الوسطى، جامع كريم الدين بخط الزريبة، جامع ابن غلامها بخط الزريبة أيضا، الجامع الأخضر، جامع سويقة الموفق، جامع سلطان شاه بباب الخرق، جامع زين الدين الخشاب خارج باب الروق، كان زاوية للفقراء فأقيمت به الجمعة بعد سنة ثمانمائة، جامع منكلي بسويقة القيمريّ. ومنها فيما بين القاهرة ومصر: جامع بشتاك، جامع الإسماعيليّ على البركة الناصرية، جامع الست مسكة، جامع آق سنقر بمجرى السقائين، جامع الشيخ محمد بن حسن الحنفيّ، جامع ست حدق بالمريس، جامع الطيبرسيّ، جامع الرحمة عمارة الصاحب أمين الدين عبد اللّه بن غنام، جامع منشأة المهرانيّ، جامع يونس بالسبع سقايات على البركة، جامع بركة الاستادار بحدرة ابن قيحة، جامع ابن طولون، جامع المشهد النفيسيّ، جامع

стр. 1336

البقليّ بالقبيبات، جامع شيخو، جامع قانباي برلس، سويقة منعم، جامع الماس، جامع قوصون، جامع الصالح بمدرسة الناصر حسن بسوق الخيل، جامع الجاي، جامع الماردينيّ، جامع أصلم. ومنها بقلعة الجبل: الجامع الناصريّ، جامع التوبة، جامع الإصطبل، الجامع المؤيدي. ومنها: خارج القاهرة بالترب وما قرب من القلعة: تربة جوش، وتربة الظاهر برقوق، وتربة طشتمر حمص أخضر بالصحراء، جامع الخضري، جامع التوبة، الجامع المؤيدي. ومنها بالقاهرة: الجامع الأزهر، والجامع الحاكميّ، والجامع الأقمر، ومدرسة الظاهر برقوق، والمدرسة الصالحية، والحجازية، والمشهد الحسينيّ، وجامع الفاكهاني، والزمامية، والصاحبية، والبوبكرية، والجامع المؤيديّ، والأشرفية، وجامع الدواداري قريبا من البرقية، وجامع التوبة بالبرقية، مدرسة ابن البقريّ، والباسطية. ذكر الجوامع اعلم أنه لما اتصلت مباني القاهرة المعزية بمباني مدينة فسطاط مصر، بحيث صارتا كأنهما مدينة واحدة، واتخذ أهل القاهرة وأهل مصر القرافتين لدفن أمواتهم، ذكرت ما في هذه المواضع الأربع من المساجد الجامعة، وأضفت إليها ما في جزيرة فسطاط مصر التي يقال لها الروضة من الجوامع أيضا، فإنها منتزه أهل البلدين، وجمعت إلى ذلك ما في ظواهر القاهرة ومصر من الجوامع، مع التعريف بحال من أسسها. وبالله التوفيق. الجامع العتيق هذا الجامع بمدينة فسطاط مصر، ويقال له تاج الجوامع، وجامع عمرو بن العاص، وهو أوّل مسجد أسس بديار مصر في الملة الإسلامية بعد الفتح. خرّج الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث معاوية بن قرّة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من صلّى صلاة مكتوبة في مسجد مصر من الأمصار، كانت له كحجة متقبلة، فإن صلّى تطوّعا كانت له كعمرة مبرورة. وعن كعب: من صلّى في مسجد مصر من الأمصار صلاة فريضة، عدلت حجة متقبلة، ومن صلّى صلاة تطوع عدلت عمرة متقبلة، فإن أصيب في وجهه ذلك، حرّم لحمه ودمه على النار أن تطعمه، وذنبه على من قتله. وأول مسجد بني في الإسلام مسجد قبا، ثم مسجد رسول اللّه ﷺ . قال هشام بن عمار: حدّثنا المغيرة بن المغيرة، حدّثنا يحيى بن عطاء الخراسانيّ عن أبيه. قال: لما افتتح عمر البلدان، كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدا للجماعة، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على

стр. 1337

مصر بمثل ذلك، وكتب إلى أمراء أجناد الشام أن لا يتبدّدوا إلى القرى، وأن ينزلوا المدائن، وأن يتخذوا في كلّ مدينة مسجدا واحدا، ولا تتخذ القبائل مساجد، فكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده. وقال أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن حفص الكنديّ، في كتاب أخبار مسجد أهل الراية الأعظم: وأوّل أمره وبنائه وزيادة الأمراء فيه وغيرهم، ومجالس الحكام والفقهاء منه وغير ذلك، قال هبيرة بن أبيض عن شيخه تجيب: أن قيسبة بن كلثوم التجيبيّ أحد بني سوم، سار من الشام إلى مصر مع عمرو بن العاص، فدخلها في مائة راحلة وخمسين عبدا وثلاثين فرسا، فلما أجمع المسلمون وعمرو بن العاص على حصار الحصن، نظر قيسبة بن كلثوم فرأى جنانا تقرب من الحصن، فعرّج إليها في أهله وعبيده، فنزل وضرب فيها فسطاطه وأقام فيها طول حصارهم الحصن حتى فتحه اللّه عليهم ثم خرج قيسبة مع عمرو إلى الإسكندرية وخلف أهله فيها، ثم فتح اللّه عليهم الإسكندرية، وعاد قيسبة إلى منزله هذا فنزله، واختط عمرو بن العاص داره مقابل تلك الجنان التي نزلها قيسبة، وتشاور المسلمون أين يكون المسجد الجامع، فرأوا أن يكون منزل قيسبة، فسأله عمرو فيه وقال: أنا أختط لك يا أبا عبد الرحمن حيث أحببت. فقال قيسبة: لقد علمتم يا معاشر المسلمين أني حزت هذا المنزل وملكته، وإني أتصدّق به على المسلمين وارتحل، فنزل مع قومه بني سوم واختط فيهم، فبني مسجدا في سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وفي ذلك يقول أبو قبان بن نعيم بن بدر التجيبي: وبابليون (١) قد سعدنا بفتحها … وحزنا لعمر اللّه فيأ ومغنما وقيسبة الخير بن كلثوم داره … أباح حماها للصلاة وسلّما فكلّ مصلّ في فنانا صلاته … تعارف أهل المصر ما قلت فاعلما وقال أبو مصعب قيس بن سلمة الشاعر في قصيدته التي امتدح فيها عبد الرحمن بن قيسبة: وأبوك سلّم داره وأباحها … لجباه قوم ركّع وسجود وقال الليث بن سعد: كان مسجدنا هذا حدائق وأعنابا. وقال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ: ومن جملة مزارعها جامع مصر، وقد بقي إلى الآن من جملة الأنشاب التي كانت في البستان في موضع الجامع، شجرة زنزلخت، وهي باقية إلى الآن خلف المحراب الكبير والحائط الذي به المنبر، ومن العلماء من قال: إنّ هذه الشجرة باقية من عهد موسى ﵇، وكان لها نظير شجرة أخرى في الورّاقين، احترقت في حريق مصر سنة أربع وستين وخمسمائة، وظهر بالجامع العتيق بئر البستان التي كانت به، وهي اليوم يستقي منها الناس الماء بموضع حلة الفقيه ابن الجيزيّ المالكيّ.

стр. 1338

قال الكنديّ: وقال يزيد بن أبي حبيب: سمعت أشياخنا ممن حضر مسجد الفتح يقولون: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فيهم الزبير بن العوام، والمقداد، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر، ﵃. وفي رواية أسس مسجدنا هذا أربعة من الصحابة، أبو ذر، وأبو بصيرة، ومحمئة بن جزء الزبيديّ ونبيه بن صواب. وقال عبد اللّه بن أبي جعفر: أقام محرابنا هذا عبادة بن الصامت، ورافع بن مالك، وهما نقيبان. وقال داود بن عقبة: أن عمرو بن العاص بعث ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، وعمرو بن علقمة القرشيّ، ثم العدويّ، يقيمان القبلة، وقال لهما: قوما إذا زالت الشمس. أو قال: انتصفت الشمس، فاجعلاها على حاجبيكما ففعلا. وقال الليث: إنّ عمرو بن العاص كان يمدّ الحبال حتى أقيمت قبلة المسجد. وقال عمرو بن العاص: شرّقوا القبلة تصيبوا الحرم. قال: فشرّقت جدّا، فلما كان قرّة بن شريك تيامن بها قليلا، وكان عمرو بن العاص إذا صلّى في مسجد الجامع يصلي ناحية الشرق إلاّ الشيء اليسير، وقال رجل من تجيب: رأيت عمرو بن العاص دخل كنيسة فصلّى فيها ولم ينصرف عن قبلتهم إلاّ قليلا، وكان الليث وابن لهيعة إذا صليا تيامنا، وكان عمر بن مروان عمّ الخلفاء إذا صلّى في المسجد الجامع تيامن. وقال يزيد بن حبيب في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّماءِ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾، هي قبلة رسول اللّه ﷺ التي نصبها اللّه مقابل الميزاب، وهي قبلة أهل مصر وأهل الغرب، وكان يقرأها فلنولينك قبلة نرضاها بالنون. وقال هكذا أقرأناها أبو الخير. وقال الخليل بن عبد اللّه الأزديّ: حدّثني رجل من الأنصار أن رسول اللّه ﷺ أتاه جبريل فقال: ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده، فأماط كلّ جبل بينه وبين الكعبة، فوضع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة، وصارت قبلته إلى الميزاب. وقال ابن لهيعة: سمعت أشياخنا يقولون: لم يكن لمسجد عمرو بن العاص محراب مجوّف، ولا أدري بناه مسلمة أو بناه عبد العزيز. وأوّل من جعل المحراب قرّة بن شريك. وقال الواقديّ: حدّثنا محمد بن هلال قال: أوّل من أحدث المحراب المجوّف عمر بن عبد العزيز، ليالي بني مسجد النبيّ ﷺ ، وذكر عمر بن شيبة أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة فأصبح مكتئبا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا؟ قال: لا شيء إلاّ أني تفلت في القبلة وأنا أصلي، فعمدت الى القبلة فغسلتها، ثم عملت خلوقا (١) فخلقتها، فكانت أوّل من خلق القبلة. وقال أبو سعيد سلف الحميريّ: أدركت مسجد عمرو بن العاص طوله خمسون ذراعا

стр. 1339

في عرض ثلاثين ذراعا، وجعل الطريق يطيف به من كلّ جهة، وجعل له بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، وجعل له بابان في بحريه، وبابان في غربيه، وكان الخارج إذا خرج من زقاق القناديل وجد ركن المسجد الشرقيّ محاذيا لركن دار عمرو بن العاص الغربيّ، وذلك قبل أن أخذ من دار عمرو بن العاص ما أخذ، وكان طوله من القبلة إلى البحري مثل طول دار عمرو بن العاص، وكان سقفه مطاطأ جدّا ولا صحن له، فإذا كان الصيف جلس الناس بفنائه من كلّ ناحية، وبينه وبين دار عمرو سبع أذرع. قلت: وأوّل من جلس على منبر أو سرير ذي أعواد ربيعة بن محاسن. وقال القضاعيّ في كتاب الخطط: وكان عمرو بن العاص قد اتخذ منبرا، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ يعزم عليه في كسره ويقول: أما يحسبك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس تحت عقبيك، فكسره. قال مؤلفه ﵀: وفي سنة إحدى وستين ومائة، أمر المهديّ محمد بن أبي جعفر المنصور بتقصير المنابر وجعلها بقدر منبر النبيّ ﷺ . قال القضاعيّ: وأوّل من صلّى عليه من الموتى داخل الجامع، أبو الحسين سعيد بن عثمان صاحب الشرط، في النصف من صفر، وكانت وفاته فجأة، فأخرج ضحوة يوم الأحد السادس عشر من صفر، وصلّي عليه خلف المقصورة وكبّر عليه خمسا، ولم يعلم أحد قبله صلّي عليه في الجامع. وذكر عمر بن شيبة في تاريخ المدينة، أنّ أوّل من عمل مقصورة بلبن، عثمان بن عفان، وكانت فيها كوى تنظر الناس منها إلى الإمام، وأن عمر بن عبد العزيز عملها بالساج. قال القضاعيّ: ولم تكن الجمعة تقام في زمن عمرو بن العاص بشيء من أرض مصر إلاّ في هذا الجامع. قال أبو سعيد عبد الرحمن بن يونس: جاء نفر من بحافق إلى عمرو بن العاص فقالوا: إنا نكون في الريف، أفنجمع في العيدين الفطر والأضحى ويؤمنّا رجل منا؟ قال: نعم. قالوا: فالجمعة؟ قال: لا، ولا يصلي الجمعة بالناس إلاّ من أقام الحدود وآخذ بالذنوب وأعطى الحقوق. وأوّل من زاد في هذا الجامع مسلمة بن مخلد الأنصاريّ سنة ثلاث وخمسين وهو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية. قال الكنديّ في كتاب أخبار مسجد أهل الراية: ولما ضاق المسجد بأهله شكى ذلك إلى مسلمة بن مخلد، وهو الأمير يومئذ، فكتب فيه إلى معاوية بن أبي سفيان، فكتب إليه يأمره بالزيادة فيه، فزاد فيه من شرقيه مما يلي دار عمرو بن العاص، وزاد فيه من بحريه، ولم يحدث فيه حدثا من القبليّ ولا من الغربيّ، وذلك في سنة ثلاث وخمسين، وجعل له رحبة في البحريّ منه كان الناس يصيفون فيها، ولا طه بالنورة وزخرف جدرانه وسقوفه، ولم يكن المسجد الذي لعمر، وجعل فيه نورة ولا زخرف، وأمر بابتناء منار المسجد الذي في الفسطاط، وأمر أن يؤذنوا في وقت واحد، وأمر مؤذني الجامع أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، فإذا فرغوا من أذانهم أذن كلّ مؤذن في الفسطاط في وقت واحد. قال ابن لهيعة فكان لأذانهم دويّ شديد، فقال عابد بن هشام الأزديّ: ثم السلامانيّ لمسلمة بن مخلد:

стр. 1340

لقد مدّت لمسلمة الليالي … على رغم العداة من الأمان وساعده الزمان بكلّ سعد … وبلغه البعيد من الأماني أمسلم فارتقي لا زلت تعلو … على الأيام مسلم والزمان لقد أحكمت مسجدنا فأضحى … كأحسن ما يكون من المباني فتاه به البلاد وساكنوها … كما تاهت بزينتها الغواني وكم لك من مناقب صالحات … وأجدل بالصوامع للأذان كأنّ تجاوب الأصوات فيها … إذا ما الليل ألقى بالجران (١) كصوت الرعد خالطه دويّ … وأرعب كلّ مختطف الجنان وقيل أنّ معاوية أمره ببناء الصوامع للأذان، قال: وجعل مسلمة للمسجد الجامع أربع صوامع في أركانه الأربع، وهو أوّل من جعلها فيه، ولم تكن قبل ذلك. قال: وهو أوّل من جعل فيه الحصر، وإنما كان قبل ذلك مفروضا بالحصباء، وأمر أن لا يضرب بناقوس عند الأذان يعني الفجر، وكان السلّم الذي يصعد منه المؤذنون في الطريق، حتى كان خالد بن سعيد، فحوّله داخل المسجد. قال القاضي القضاعيّ: ثم إن عبد العزيز بن مروان هدمه في سنة تسع وسبعين من الهجرة، وهو يومئذ أمير مصر من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وزاد فيه من ناحية الغرب، وأدخل فيه الرحبة التي كانت في بحريه، ولم يجد في شرقيه موضعا يوسعه به. وذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب الأمراء أنه زاد فيه من جوانبه كلها، ويقال أنّ عبد العزيز بن مروان لما أكمل بناء المسجد خرج من دار الذهب عند طلوع الفجر، فدخل المسجد فرأى في أهله خفة، فأمر بأخذ الأبواب على من فيه، ثم دعا بهم رجلا رجلا، فيقول للرجل: ألك زوجة؟ فيقول لا، فيقول زوّجوه، ألك خادم؟ فيقول لا، فيقول أخدموه. أحججت؟ فيقول: لا. فيقول أحجوه. أعليك دين؟ فيقول: نعم. فيقول إقضوا دينه. فأقام المسجد بعد ذلك دهرا عامرا ولم يزل إلى اليوم. وذكر أن عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان في ولايته على مصر، من قبل أخيه الوليد، أمر برفع سقف المسجد الجامع، وكان مطاطأ، وذلك في سنة تسع وثمانين. ثم إن قرّة بن شريك العبسيّ هدمه مستهلّ سنة اثنتين وتسعين بأمر الوليد بن عبد الملك، وهو يومئذ أمير مصر من قبله، وابتدأ في بنيانه في شعبان من السنة المذكورة، وجعل على بنائه يحيى بن حنظلة، مولى بني عامر بن لؤيّ، وكانوا يجمعون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ من بنائه، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، ونصب المنبر الجديد في سنة أربع وتسعين، ونزع المنبر الذي كان في المسجد، وذكر أنّ عمرو بن العاص كان جعله فيه، فلعله بعد وفاة عمر بن

стр. 1341

الخطاب ﵁. وقيل هو منبر عبد العزيز بن مروان، وذكر أنه حمل إليه من بعض كنائس مصر، وقيل أنّ زكريا بن برقني ملك النوبة أهداه إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وبعث معه نجاره حتى ركبه، واسم هذا النجار بقطر من أهل دندرة، ولم يزل هذا المنبر في المسجد حتى زاد قرّة بن شريك في الجامع، فنصب منبرا سواه على ما تقدّم شرحه، ولم يكن يخطب في القرى إلاّ على العصا إلى أن ولي عبد الملك بن موسى بن نصير اللخمي مصر، من قبل مروان بن محمد، فأمر باتخاذ المنابر في القرى، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وذكر أنه لا يعرف منبرا أقدم منه، يعني من منبر قرّة بن شريك بعد منبر رسول اللّه ﷺ ، فلم يزل كذلك إلى أن قلع وكسر في أيام العزيز بالله بنظر الوزير يعقوب بن كلس، في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وجعل مكانه منبر مذهب، ثم أخرج هذا المنبر إلى الإسكندرية وجعل في جامع عمرو بها، وأنزل إلى الجامع المنبر الكبير الذي هو به الآن، وذلك في أيام الحاكم بأمر اللّه في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وأربعمائة، وصرف بنو عبد السميع عن الخطابة، وجعلت خطابة الجامع العتيق لجعفر بن الحسن بن خداع الحسينيّ، وجعل إلى أخيه الخطابة بالجامع الأزهر، وصرف بنو عبد السميع بن عمر بن الحسين بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس من جميع المنابر بعد أن أقاموا هم، وسلفهم فيها ستين سنة. وفي شهر ربيع الأوّل من هذه السنة وجد المنبر الجديد الذي نصب في الجامع قد لطخ بعذرة، فوكّل به من يحفظه وعمل له غشاء من أدم مذهب في شعبان من هذه السنة، وخطب عليه ابن خداع وهو مغشى، وزيادة قرّة من القبليّ والشرقيّ، وأخذ بعض دار عمرو وابنه عبد اللّه بن عمرو فأدخله في المسجد، وأخذ منهما الطريق الذي بين المسجد وبينهما، وعوّض ولد عمرو ما هو في أيديهم اليوم من الرباع، وأمر قرّة بعمل المحراب المجوّف على ما تقدّم شرحه، وهو المحراب المعروف بعمرو، لأنه في سمت محراب المسجد القديم الذي بناه عمرو، وكانت قبلة المسجد القديم عند العمد المذهبة في صف التوابيت اليوم، وهي أربعة عمد، اثنان في مقابلة اثنين، وكان قرّة أذهب رؤوسها، وكانت مجالس قيس، ولم يكن في المسجد عمد مذهبة غيرها، وكانت قديما حلقة أهل المدينة، ثم روق أكثر العمد وطوّق في أيام الإخشيد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ولم يكن للجامع أيام قرّة بن شريك غير هذا المحراب، فأمّا المحراب الأوسط الموجود اليوم فعرف بمحراب عمر بن مروان عمّ الخلفاء، وهو أخو عبد الملك وعبد العزيز، ولعله أحدثه في الجدار بعد قرّة، وقد ذكر قوم أن قرة عمل هذين المحرابين، وصار للجامع أربعة أبواب، وهي الأبواب الموجودة في شرقيه الآن، آخرها باب إسرائيل وهو باب النحاسين، وفي غربيه أربعة أبواب شارعة في زقاق كان يعرف بزقاق البلاط، وفي بحريه ثلاثة أبواب، وبيت المال الذي في علو الفوّارة بالجامع بناه أسامة بن زيد التنوخيّ متولي الخراج بمصر، سنة سبع وتسعين في أيام سليمان بن عبد الملك، وأمير

стр. 1342

مصر يومئذ عبد الملك بن رفاعة الفهميّ، وكان مال المسلمين فيه، وطرق المسجد في ليلة سنة خمس وأربعين ومائة في ولاية يزيد بن حاتم المهلبيّ من قبل المنصور، طرقه قوم ممن كان بايع عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁، وكان أوّل علويّ قدم مصر، فنهبوا بيت المال ثم تضاربوا عليه بسيوفهم، فلم يصل إليهم منه إلاّ اليسير، فأنفذ إليهم يزيد من قتل منهم جماعة وانهزموا، فنهبوا بيت المال ثم تضاربوا عليه بسيوفهم، فلم يصل إليهم منه إلاّ اليسير، فأنفذ إليهم يزيد من قتل منهم جماعة وانهزموا، وذكر أن هذا المكان تسوّر عليه لص في إمارة أحمد بن طولون وسرق منه بدرتي دنانير، فظفر به أحمد بن طولون واصطنعه وعفا عنه. وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة أمر العزيز بالله بعمل الفوّارة تحت قبة بيت المال، فعملت وفرغ منها في شهر رجب سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، ثم زاد فيه صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس ﵄، وهو يومئذ أمير مصر من قبل أبي العباس السفاح، في مؤخرة أربع أساطين، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهو أوّل من ولى مصر لبني العباس. فيقال أنه أدخل في الجامع دار الزبير بن العوّام ﵁، وكانت غربيّ دار النحاس، وكان الزبير تخلى عنها ووهبها لمواليه، لخصومة جرت بين غلمانه وغلمان عمرو بن العاص، واختط الزبير فيما يلي الدار المعروفة به الآن، ثم اشترى عبد العزيز بن مروان دار الزبير من مواليه، فقسّمها بين ابنه الأصبغ وأبي بكر، فلما قدم صالح بن عليّ أخذها عن أمّ عاصم بنت عاصم بن أبي بكر، وعن طفل يتيم وهو حسان بن الأصبغ فأدخلها في المسجد، وباب الكحل من هذه الزيادة، وهو الباب الخامس من أبواب الجامع الشرقية الآن، وعمر صالح بن عليّ أيضا مقدّم المسجد الجامع عند الباب الأوّل موضع البلاطة الحمراء، ثم زاد فيه موسى بن عيسى الهاشميّ، وهو يومئذ أمير مصر من قبل الرشيد في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، الرحبة التي في مؤخره، وهي نصف الرحبة المعروفة بأبي أيوب، ولما ضاق الطريق بهذه الزيادة أخذ موسى بن عيسى دار الربيع بن سليمان الزهريّ شركة بني مسكين بغير عوض للربيع، ووسع بها الطريق وعوّض بني مسكين، ووصل عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خراعة أميرا من قبل المأمون في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، وتوجه إلى الإسكندرية مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين، ورجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأمر بالزيادة في المسجد الجامع، فزيد فيه مثله من غربيه، وعاد ابن طاهر إلى بغداد لخمس بقين من رجب من السنة المذكورة، وكانت زيادة ابن طاهر المحراب الكبير وما في غربيه إلى حدّ زيادة الخازن، فأدخل فيه الزقاق المعروف أوّلا بزقاق البلاط، وقطعة كبيرة من دار الرمل، ورحبة كانت بين يدي دار الرمل، ودورا ذكرها القضاعيّ. وذكر بعضهم أن موضع فسطاط عمرو بن العاص حيث المحراب والمنبر، قال: وكان

стр. 1343

الذي تمم زيادة عبد اللّه بن طاهر بعد مسيره إلى بغداد، عيسى بن يزيد الجلوديّ، وتكامل ذرع الجامع، سوى الزيادتين، مائة وتسعين ذراعا بذراع العمل طولا، في مائة وخمسين ذراعا عرضا. ويقال أنّ ذرع جامع ابن طولون مثل ذلك سوى الرواق المحيط بجوانبه الثلاثة. ونصب عبد اللّه بن طاهر اللوح الأخضر، فلما احترق الجامع احترق ذلك اللوح، فجعل أحمد بن محمد العجيفيّ هذا اللوح مكان ذلك، وهو هذا اللوح الأخضر الباقي إلى اليوم، ورحبة الحارث هي الرحبة البحرية من زيادة الخازن، وكانت رحبة يتبايع الناس فيها يوم الجمعة، وذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب الموالي: أن أبا عمرو الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف مولى محمد بن ريان بن عبد العزيز بن مروان، لما ولي القضاء من قبل المتوكل على اللّه في سنة سبع وثلاثين ومائتين، أمر ببناء هذه الرحبة ليتسع الناس بها، وحوّل سلّم المؤذنين إلى غربيّ المسجد، وكان عند باب إسرائيل، وبلّط زيادة بن طاهر، وأصلح بنيان السقف، وبنى سقاية في الحذائين، وأمر ببناء الرحبة الملاصقة لدار الضرب ليتسع الناس بها، وزيادة أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع ابن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد، صاحب الخراج في أيام المعتصم، كان أبو أيوب هذا أحد عمال الخراج زمن أحمد بن طولون، وزيادته في بقية الرحبة المعروفة برحبة أبي أيوب. والمحراب المنسوب إلى أبي أيوب هو الغربيّ من هذه الزيادة عند شباك الحذائين، وكان بناؤها في سنة ثمان وخمسين ومائتين، ويقال أن أبا أيوب مات في سجن أحمد بن طولون بعد أن نكبه واصطفى أمواله، وذلك في سنة ست وستين ومائتين، وأدخل أبو أيوب في هذه الزيادة أماكن ذكرها. قال: وكان قد وقع في مؤخر المسجد الجامع حريق، فعمر وزيدت هذه الزيادة في أيام أحمد بن طولون، ووقع في الجامع في ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، حريق أخذ من بعد ثلاث حنايا من باب إسرائيل إلى رحبة الحارث بن مسكين، فهلك فيه أكثر زيادة عبد اللّه بن طاهر والرواق الذي عليه اللوح الأخضر، فأمر خمارويه بن أحمد بن طولون بعمارته على يد أحمد بن محمد العجيفيّ، فأعيد على ما كان عليه، وأنفق فيه ستة آلاف وأربعمائة دينار، وكتب اسم خمارويه في دائر الرواق الذي عليه اللوح الأخضر، وهي موجودة الآن، وكانت عمارته في السنة المذكورة. وأمر عيسى النوشزي في ولايته الثانية على مصر، في سنة أربع وتسعين ومائتين، بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصلوات، فكان يفتح للصلاة فقط، وأقام على ذلك أياما، فضجّ أهل المسجد ففتح لهم. وزاد أبو حفص العباسيّ في أيام نظره في قضاء مصر، خلافة لأخيه محمد، الغرفة التي يؤذن فيها المؤذنون في السطح، وكانت ولايته في رجب من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وكان إمام مصر والحرمين، وإليه إقامة الحج، ولم يزل قاضيا بمصر خلافة لأخيه إلى أن صرف من القضاء بالخصيبيّ، في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وتوفي في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة بعد قدومه من الحج، ثم زاد فيه أبو بكر محمد بن عبد اللّه الخازن

стр. 1344

رواقا واحدا من دار الضرب، وهو الرواق ذو المحراب والشباكين المتصل برحبة الحارث، ومقداره تسع أذرع، وكان ابتداء ذلك في رجب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ومات قبل تمام هذه الزيادة، وتممها ابنه عليّ بن محمد، وفرغت في العشر الأخر من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وزاد فيه الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس بأمر العزيز بالله، الفوّارة التي تحت قبة بيت المال، وهو أوّل من عمل فيه فوّارة، وزاد فيه أيضا مساقف الخشب المحيطة بها على يد المعروف بالمقدسيّ الأطروش، متولي مسجد بيت المقدس، وذلك في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ونصب فيها حباب الرخام التي للماء. وفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة جدّد بياض المسجد الجامع وقلع شيء كثير من الفسيفساء الذي كان في أروقته، وبيض مواضعه، ونقشت خمسة ألواح وذهّبت ونصبت على أبوابه الخمسة الشرقية، وهي التي عليها الآن، وكان ذلك على يد برجوان الخادم، وكان اسمه ثابتا في الألواح فقلع بعد قتله. وقال المسبحيّ في تاريخه، وفي سنة ثلاث وأربعمائة أنزل من القصر إلى الجامع العتيق بألف ومائتين وثمانية وتسعين مصحفا، ما بين ختمات وربعات، فيها ما هو مكتوب كله بالذهب، ومكن الناس من القراءة فيها، وأنزل إليه أيضا بتور من فضة عمله الحاكم بأمر اللّه برسم الجامع، فيه مائة ألف درهم فضة، فاجتمع الناس وعلّق بالجامع بعد أن قلعت عتبتا الباب حتى أدخل به، وكان من اجتماع الناس لذلك ما يتجاوز الوصف. قال القضاعيّ: وأمر الحاكم بأمر اللّه بعمل الرواقين اللذين في صحن المسجد الجامع، وقلع عمد الخشب وجسر الخشب التي كانت هناك، وذلك في شعبان سنة ست وأربعمائة، وكانت العمد والجسر قد نصبها أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، في سنة سبع وخمسين ومائتين، زمن أحمد بن طولون، لأنّ الحرّ اشتدّ على الناس فشكوا ذلك إلى ابن طولون، فأمر بنصب عمد الخشب وجعل عليها الستائر في السنة المذكورة، وكان الحاكم قد أمر بأن تدهن هذه العمد الخشب بدهن أحمر وأخضر، فلم يثبت عليها، ثم أمر بقلعها وجعلها بين الرواقين. وأوّل ما عملت المقاصير في الجوامع في أيام معاوية بن أبي سفيان، سنة أربع وأربعين، ولعل قرّة بن شريك لما بنى الجامع بمصر عمل المقصورة. وفي سنة إحدى وستين ومائة، أمر المهديّ بنزع المقاصير من مساجد الأمصار، وبتقصير المنابر، فجعلت على مقدار منبر رسول اللّه ﷺ ، ثم أعيدت بعد ذلك. ولما ولي مصر موسى بن أبي العباس من أهل الشاش، من قبل أبي جعفر اشناس، أمر المعتصم أن يخرج المؤذنون إلى خارج المقصورة، وهو أوّل من أخرجهم، وكانوا قبل ذلك يؤذنون داخلها، ثم أمر الإمام المستنصر بالله بن الظاهر بعمل الحجر المقابل للمحراب، وبالزيادة في المقصورة في شرقيها وغربيها، حتى اتصلت بالحذائين من جانبيها، وبعمل منطقة فضة في صدر المحراب الكبير أثبت عليها اسم أمير المؤمنين، وجعل لعمودي المحراب أطواق فضة، وجرى ذلك على يد عبد اللّه بن محمد بن عبدون، في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.

стр. 1345

قال مؤلفه ﵀: ولم تزل هذه المنطقة الفضة إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على مملكة مصر، بعد موت الخليفة العاضد لدين اللّه، في محرّم سنة سبع وستين وخمسمائة، فقلع مناطق الفضة من الجوامع بالقاهرة، ومن جامع عمرو بن العاص بمصر، وذلك في حادي عشر شهر ربيع الأوّل من السنة المذكورة. قال القضاعيّ: وفي شهر رمضان من سنة أربعين وأربعمائة جدّدت الخزانة التي في ظهر دار الضرب في طريق الشرطة، مقابلة لظهر المحراب الكبير، وفي شعبان من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة أذهب بقية الجدار القبليّ حتى اتصل الإذهاب من جدار زيادة الخازن إلى المنبر، وجرى ذلك على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي زكريا. وفي شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، عملت لموقف الإمام في زمن الصيف مقصورة خشب ومحراب ساج منقوش بعمودي صندل، وتقلع هذه المقصورة في الشتاء إذا صلّى الإمام في المقصورة الكبيرة. وفي شعبان سنة أربع وأربعين وأربعمائة، زيد في الخزانة مجلس من دار الضرب، وطريق المستحم، وزخرف هذا المجلس وحسّن، وجعل فيه محراب ورخّم بالرخام الذي قلع من المحراب الكبير حين نصب عبد اللّه بن محمد بن عبدون منطقة الفضة في صدر المحراب الكبير، وجرت هذه الزيادة على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى. وفي ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، عمر القاضي أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن أبي زكريا غرفة المؤذنين بالسطح، وحسّنها وجعل لها روشنا على صحن الجامع، وجعل بعدها ممرقا ينزل منه إلى بيت المال، وجعل للسطح مطلعا من الخزانة المستجدّة في ظهر المحراب الكبير، وجعل له مطلعا آخر من الديوان الذي في رحبة أبي أيوب. وفي شعبان من سنة خمس وأربعين وأربعمائة، بنيت المئذنة التي فيما بين مئذنة غرفة والمئذنة الكبيرة، على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن زكريا. انتهى ما ذكره القضاعيّ. وفي سنة أربع وستين وخمسمائة تمكن الفرنج من ديار مصر وحكموا في القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم، وتيقنوا أنه لا حامي للبلاد من أجل ضعف الدولة، وانكشفت لهم عورات الناس، فجمع مري ملك الفرنج بالساحل جموعه، واستجدّ قوما قوّى بهم عساكره، وسار إلى القاهرة من بلبيس بعد أن أخذها وقتل كثيرا من أهلها، فأمر شاور بن مجير السعديّ وهو يومئذ مستول على ديار مصر وزارة للعاضد بإحراق مدينة مصر، فخرج إليها في اليوم التاسع من صفر من السنة المذكورة عشرون ألف قارورة نفط،

стр. 1346

وعشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران، وفرّقت فيها. ونزل مري بجموع الفرنج على بركة الحبش، فلما رأى دخان الحريق تحوّل من بركة الحبش ونزل على القاهرة مما يلي باب البرقية، وقاتل أهل القاهرة وقد انحشر الناس فيها، واستمرّت النار في مصر أربعة وخمسين يوما، والنهابة تهدم ما بها من المباني وتحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مري قدوم أسد الدين شيركوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وتراجع المصريون شيئا بعد شيء إلى مصر، وتشعث الجامع، فلما استبدّ السلطان صلاح الدين بمملكة مصر بعد موت العاضد، جدّد الجامع العتيق بمصر في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وأعاد صدر الجامع والمحراب الكبير ورخمه ورسم عليه اسمه، وجعل في سقاية قاعة الخطابة قصبة إلى السطح، يرتفق بها أهل السطح، وعمر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة، وجعل لها سقاية، وعمر في كنف دار عمرو الصغرى البحريّ مما يلي الغربيّ، قصبة أخرى إلى محاذاة السطح، وجعل لها ممشاة من السطح إليها يرتفق بها أهل السطح، وعمر غرفة الساعات وحرّرت، فلم تزل مستمرّة إلى أثناء أيام الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ، أوّل من ملك من المماليك، وجدّد بياض الجامع وأزال شعثه، وجلى عمده، وأصلح رخامه، حتى صار جميعه مفروشا بالرخام وليس في سائر أرضه شيء بغير رخام حتى تحت الحصر. ولما تقلد قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأعز أبي القاسم خلف بن رشيد الدين محمود بن بدر، المعروف بابن بنت الأعز العلائي الشافعيّ، قضاء القضاة بالديار المصرية، ونظر الأحباس في ولايته الثانية أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداريّ، كشف الجامع بنفسه، فوجد مؤخره قد مال إلى بحريه، ووجد سوره البحريّ قد مال وانقلب علوه عن سمت سفله، ورأى في سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة، وبعضها مزخرف، فهدم الجميع ولم يدع بالسطح سوى غرفة المؤذنين القديمة وثلاث خزائن لرؤساء المؤذنين لا غير، وجمع أرباب الخبرة فاتفق الرأي على إبطال جريان الماء إلى فوّارة الفسقية، وكان الماء يصل إليها من بحر النيل، فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضرر على جدر الجامع، وعمر بغلات بالزيادة البحرية تشدّ جدار الجامع البحريّ، وزاد في عمد الزيادة ما قوّى به البغلات المذكورة، وسدّ شباكين كانا في الجدار المذكور ليتقوّى بذلك، وأنفق المصروف على ذلك من مال الأحباس، وخشي أن يتداعى الجامع كله إلى السقوط، فحدّث الصاحب الوزير بهاء الدين عليّ بن محمد بن سليم بن حنا في مفاوضة السلطان في عمارة ذلك من بيت المال، فاجتمعا معا بالسلطان الملك الظاهر بيبرس وسألاه في ذلك، فرسم بعمارة الجامع، فهدم الجدار البحريّ من مقدّم الجامع، وهو الجدار الذي فيه اللوح الأخضر، وحط اللوح وأزيلت العمد والقواصر العشر، وعمر الجدار المذكور وأعيدت العمد والقواصر كما كانت، وزيد في العمد أربعة قرن، بها أربعة مما هو تحت اللوح الأخضر، والصف الثاني منه،

стр. 1347

وفصل اللوح الأخضر أجزاء وجدّد غيره وأذهب وكتب عليه اسم السلطان الملك الظاهر، وجليت العمد كلها وبيض الجامع بأسره، وذلك في شهر رجب سنة ست وستين وستمائة، وصلّى فيه شهر رمضان بعد فراغه، ولم تتعطل الصلاة فيه لأجل العمارة. ولما كان في شهور سنة سبع وثمانين وستمائة، شكا قاضي القضاة تقيّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الوهاب ابن بنت الأعز للسلطان الملك المنصور قلاون، سوء حال جامع عمرو بمصر، وسوء حال الجامع الأزهر بالقاهرة، وأن الأحباس على أسوأ الأحوال، وأن مجد الدين بن الحباب أخرب هذه الجهة لما كان يتحدّث فيها، وتقرّب بجزيرة الفيل الوقف الصلاحيّ على مدرسة الشافعية إلى الأمير علم الدين الشجاعيّ، وذكر له بأن في أطيانها زيادة، فقاسوا ما تجدّد بها من الرمال وجعلوه للوقف، وأقطعوا الأطيان القديمة الجارية في الوقف، وتقرّب أيضا إليه بأن في الأحباس زيادة، من جملتها بالأعمال الغربية ما مبلغه في السنة ثلاثون ألف درهم، وأن ذلك لجهة عمارة الجامعين، وسأل السلطان في إعادة ذلك وإبطال ما أقطع منه، فلم يجب إلى ذلك، وأمر الأمير حسام الدين طرنطاي بعمارة الجامع الأزهر، والأمير عز الدين الأفرم بعمارة جامع عمرو، فحضر الأفرم إلى الجامع بمصر ورسم على مباشري الأحباس، وكشف المساجد لغرض كان في نفسه، وبيض الجامع وجرّد نصف العمد التي فيه، فصار العمود نصفه الأسفل أبيض وباقيه بحاله، ودهن واجهة غرفة الساعات بالسيلقون، وأجرى الماء من البئر التي بزقاق الأقفال إلى فسقية الجامع، ورمى ما كان بالزيادات من الأتربة، وبطر العوام به فيما فعله بالجامع، فصاروا يقولون نقل الديماس من البحر إلى الجامع، لكونه دهن الغرفة بالسيلقون، وألبس العواميد للشيخ العريان، لكونه جرّد نصفها التحتانيّ، فصار أبيض الأسفل أسمر الأعلى، كما كان الشيخ العريان، فإن نصفه الأسفل كان مستورا بمئزر أبيض، وأعلاه عريان، ولم يفعل بالجامع سوى ما ذكر. ولما حدثت الزلزلة في سنة اثنتين وسبعمائة، تشعث الجامع، فاتفق الأمير أن بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستادار الملك الناصر محمد بن قلاون، والأمير سلار، وهو نائب السلطنة، وإليهما تدبير الدولة، على عمارة الجامعين بمصر والقاهرة، فتولى الأمير ركن الدين بيبرس عمارة الجامع الحاكميّ بالقاهرة، وتولى الأمير سلار عمارة جامع عمرو بمصر، فاعتمد سلار على كاتبه بدر الدين بن الخطاب، فهدم الحدّ البحريّ من سلّم السطح إلى باب الزيادة البحرية والشرقية، وأعاده على ما كان عليه، وعمل بابين جديدين للزيادة البحرية والغربية، وأضاف إلى كلّ عمود من الصف الأخير المقابل للجدار الذي هدمه عمودا آخر تقوية له، وجرّد عمد الجامع كلها وبيض الجامع بأسره، وزاد في سقف الزيادة الغربية رواقين، وبلط سفل ما أسقف منها، وخرّب بظاهر مصر وبالقرافتين عدّة مساجد وأخذ عمدها ليرخم بها صحن الجامع، وقلع من رخام الجامع الذي كان تحت الحصر كثيرا

стр. 1348

من الألواح الطوال، ورص الجميع عند باب الجامع المعروف بباب الشراربيين، فنقل من هناك إلى حيث شاء، ولم يعمل منه في صحن الجامع شيء البتة، وكان فيما نقل من ألواح الرخام ما طوله أربعة أذرع في عرض ذراع وسدس، ذهب بجميع ذلك. ولما ولي علاء الدين بن مروانة نيابة دار العدل، قسم جامعي مصر والقاهرة، فجعل جامع القاهرة مع نبيه الدين بن السعرتيّ، وجامع عمرو مع بهاء الدين بن السكريّ، فسقفت الزيادة البحرية الشرقية، وكانت قد جعلت حاصلا للحصر، وجعل لها دار بزين بين البابين يمنع الجانبين من المارّ، من باب الجامع إلى باب الزيادة المسلوك منه إلى سوق النحاسين، وبلط أرضها، ورقع بعض رخام صحن الجامع، وبلط المجازات، وعمل عضائد أعتاب تحوز الصحن عن مواضع الصلاة. ولما كان في شهور سنة ست وتسعين وستمائة، اشترى الصاحب تاج الدين دارا بسوق الأكفانيين وهدمها، وجعل مكانها سقاية كبيرة، ورفعها إلى محاذاة سطح الجامع، وجعل لها ممشى يتوصل إليها من سطح الجامع، وعمل في أعلاها أربعة بيوت يرتفق بهم في الخلاء، ومكانا برسم أزيار الماء العذب، وهدم سقاية الغرفة التي تحت المئذنة المعروفة بالمنظرة، وبناها برجا كبيرا من الأرض إلى العلوّ، حيث كان أوّلا، وجعل بأعلى هذا البرج بيتا مرتفقا يختص بالغرفة المذكورة، كما كان أوّلا، وبيتا ثانيا من خارج الغرفة يرتفق به من هو خارج الغرفة ممن يقرب منها. وعمر القاضي صدر الدين أبو عبد اللّه محمد بن البارنباريّ، سقاية في ركن دار عمرو البحريّ الغربيّ من داره الصغرى، بعد ما كانت قد تهدّمت، فأعادها كأحسن ما كانت، ثم إن الجامع تشعث ومالت قواصره ولم يبق إلا أن يسقط، وأهل الدولة بعد موت الملك الظاهر برقوقا في شغل من اللهو عن عمل ذلك، فانتدب الرئيس برهان الدين إبراهيم بن عمر بن عليّ المحليّ رئيس التجار يومئذ بديار مصر، لعمارة الجامع بنفسه وذويه، وهدم صدر الجامع بأسره فيما بين المحراب الكبير إلى الصحن طولا وعرضا وأزال اللوح الأخضر وأعاد البناء كما كان أوّلا، وجدّد لوحا أخضر بدل الأوّل ونصبه كما كان، وهو الموجود الآن، وجرّد العمد كلها، وتتبع جدار الجامع فرمّ شعثها كله، وأصلح من رخام الصحن ما كان قد فسد، ومن السقوف ما كان قد وهى، وبيض الجامع كله، فجاء كما كان وعاد جديدا بعد ما كاد أن يسقط، ولا أقام اللّه هذا الرجل مع ما عرف من شحه وكثرة ضنته بالمال، حتى عمره. فشكر اللّه سعيه وبيض محياه، وكان انتهاء هذا العمل في سنة أربع وثمانمائة، ولم يتعطل منه صلاة جمعة ولا جماعة في مدّة عمارته. قال ابن المتوج إن ذرع هذا الجامع اثنان وأربعون ألف ذراع بذراع البز المصريّ القديم، وهو ذراع الحصر المستمرّ إلى الآن، فمن ذلك مقدّمة ثلاثة عشر ألف ذراع وأربعمائة وخمسة وعشرون ذراعا، ومؤخره مثل ذلك، وصحنه سبعة آلاف وخمسمائة ذراع، وكلّ من جانبيه الشرقيّ والغربيّ ثلاثة آلاف وثمانمائة وخمسة وعشرون ذراعا،

стр. 1349

وذرعه كله بذراع العمل ثمانية وعشرون ألف ذراع، وعدد أبوابه ثلاثة عشر بابا، منها في القبليّ باب الزيز لخته الذي يدخل منه الخطيب، كان به شجرة زيزلخت عظيمة، قطعت في سنة ست وستين وسبعمائة، وفي البحري ثلاثة أبواب، وفي الشرقيّ خمسة، وفي الغربيّ أربعة، وعدد عمده ثلاثمائة وثمانية وسبعون عمودا، وعدد مآذنه خمس، وبه ثلاث زيادات، فالبحرية الشرقية كانت لجلوس قاضي القضاة بها في كل أسبوع يومين، وكان بهذا الجامع القصص. قال القضاعيّ: روى نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لم يقص في زمن رسول اللّه ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃، وإنما كان القصص في زمن معاوية ﵁. وذكر عمر بن شيبة قال: قيل للحسن متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان بن عفان. قيل: من أوّل من قص؟ قال: تميم الداري. وذكر عن ابن شهاب قال: أوّل من قص في مسجد رسول اللّه ﷺ تميم الداري، استأذن عمر أن يذكر الناس فأبى عليه حتى كان آخر ولايته، فاذن له أن يذكر في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر، فاستأذن تميم عثمان بن عفان ﵁ في ذلك فأذن له أن يذكر يومين في الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أنّ عليا ﵁ قنت، فدعا على قوم من أهل حربه، فبلغ ذلك معاوية، فأمر رجلا يقص بعد الصبح وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشام، قال يزيد: وكان ذلك أول القصص. وروي عن عبد اللّه بن مغفل قال: أمّنا عليّ ﵁ في المغرب، فلما رفع رأسه من الركعة الثالثة ذكر معاوية أوّلا، وعمرو بن العاص ثانيا، وأبا الأعور، يعني السلميّ ثالثا، وكان أبو موسى الرابع. وقال الليث بن سعد: هما قصصان، قصص العامّة، وقصص الخاصة، فأما قصص العامّة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم، فذلك مكروه ولمن فعله ولمن استمعه، وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، ولّى رجلا على القصص، فإذا سلّم من صلاة الصبح جلس وذكر اللّه وحمده ومجده وصلّى على النبي ﷺ ، ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافة. ويقال أن أوّل من قص بمصر سليمان بن عتر التجيبي، في سنة ثمان وثلاثين، وجمع له القضاء إلى القصص، ثم عزل عن القضاء وأفرد بالقصص، وكانت ولايته على القصص والقضاء سبعا وثلاثين سنة، منها سنتان قبل القضاء. ويقال أنه كان يختم القرآن في كلّ ليلة ثلاث مرّات، وكان يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، ويسجد في المفصل، ويسلّم

стр. 1350

تسليمة واحدة، ويقرأ في الركعة الأولى بالبقرة، وفي الثانية بقل هو اللّه أحد، ويرفع يديه في القصص إذا دعا. وكان عبد الملك بن مروان شكا إلى العلماء ما انتشر عليه من أمور رعيته وتحوّفه من كلّ وجه. فأشار عليه أبو حبيب الحمصيّ القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى اللّه تعالى، فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه، وكتب بذلك إلى القصاص فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشي. وفي هذا الجامع مصحف أسماء، وهو الذي تجاه المحراب الكبير. قال القضاعيّ: كان السبب في كتب هذا المصحف، أنّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجه إلى مصر بمصحف منها، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك، وكان الوالي يومئذ من قبل أخيه عبد الملك وقال: يبعث إلى جند أنا فيه بمصحف؟ فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد الجامع اليوم، فلما فرغ منه قال: من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا، فتداوله القرّاء، فأتى رجل من قراء الكوفة اسمه زرعة بن سهل الثقفيّ فقرآه تهجيا، ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له: إني قد وجدت في المصحف حرفا خطأ. فقال: مصحفي؟ قال نعم. فنظر فإذا فيه إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة. فإذا هي مكتوبة نجعة، قد قدّمت الجيم قبل العين، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه، وأبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثين دينارا وبرأس أحمر، ولما فرغ من هذا المصحف كان يحمل إلى المسجد الجامع غداة كلّ جمعة، من دار عبد العزيز، فيقرأ فيه ثم يقص ثم يردّ إلى موضعه. فكان أوّل من قرأ فيه عبد الرحمن بن حجيرة الخولانيّ، لأنه كان يتولى القصص والقضاء يومئذ، وذلك في سنة ست وسبعين، ثم تولى بعده القصص أبو الخير مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ، وكان قاضيا بالاسكندرية قبل ذلك، ثم توفي عبد العزيز في سنة ست وثمانين، فبيع هذا المصحف في ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفي أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبي بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار، فأمكنت الناس منه وشهرته، فنسب إليها. فلما توفيت أسماء اشتراه أخوها الحكم بن عبد العزيز بن مروان من ميراثها بخمسمائة دينار، فأشار عليه توبة بن نمر الحضرميّ القاضي، وهو متولي القصص يومئذ بالمسجد الجامع، بعد عقبة بن مسلم الهمدانيّ، وإليه القضاء. وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة، فجعله في المسجد الجامع، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كل شهر من غلة الإصطبل، فكان توبة أوّل من قرأ فيه بعد أن أقرّ في الجامع، وتولى القصص بعد توبة أبو اسماعيل خير بن نعيم الحضرميّ القاضي، في سنة عشرين ومائة، وجمع له القضاء والقصص، فكان يقرأ في المصحف قائما، ثم يقص وهو جالس، فهو أوّل من قرأ في المصحف قائما، ولم تزل الأئمة يقرءون في المسجد الجامع في هذا المصحف في كلّ يوم جمعة، إلى أن ولي القصص أبو رجب العلاء بن عاصم الخولانيّ، في سنة اثنتين وثمانين ومائة فقرأ فيه يوم الاثنين، وكان قد جعل المطلب الخزاعيّ أمير مصر، من قبل

стр. 1351

المأمون، رزق أبي رجب العلاء عشرة دنانير على القصص، وهو أوّل من سلّم في الجامع تسليمتين بكتاب ورد من المأمون يأمر فيه بذلك، وصلّى خلفه محمد بن إدريس الشافعيّ حين قدم إلى مصر، فقال: هكذا تكون الصلاة، ما صليت خلف أحد أتم صلاة من أبي رجب ولا أحسن. ولما ولي القصص حسن بن الربيع بن سليمان، من قبل عنبسة بن إسحاق أمير مصر، من قبل المتوكل في سنة أربعين ومائتين، أمر أن تترك قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة، فتركها الناس. وأمر أن تصلّى التراويح خمس تراويح، وكانت تصلّى قبل ذلك ست تراويح، وزاد في قراءة المصحف يوما، فكان يقرأ يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الجمعة. ولما ولي حمزة بن أيوب بن إبراهيم الهاشميّ القصص بكتاب من المكتفي، في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، صلّى في مؤخر المسجد حين نكس، وأمر أن يحمل إليه المصحف ليقرأ فيه، فقيل له انه لم يحمل المصحف إلى أحد قبلك، فلو قمت وقرأت فيه في مكانه. فقال: لا أفعل، ولكن ائتوني به فإن القرآن علينا أنزل، وإلينا أتى. فأتي به، فقرأ فيه في المؤخر وهو أوّل من قرأ في المصحف في المؤخر، ولم يقرأ في المصحف بعد ذلك في المؤخر إلى أن تولى أبو بكر محمد بن الحسن السوسيّ الصلاة والقصص، في اليوم العشرين من شعبان، سنة ثلاث وأربعمائة، فنصب المصحف في مؤخر الجامع حيال الفوّارة وقرأ فيه أيام نكس الجامع، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن. ولما تولى القصص أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن مسلم الملطيّ، في سنة إحدى وثلاثمائة عزم على القراءة في المصحف في كلّ يوم، فتكلم عليّ بن قديد في ذلك ومنع منه وقال: أعزم على أن يخلق المصحف ويقطعه، أيرى عبد العزيز بن مروان حيا فيكتب له مثله، فرجع إلى القراءة ثلاثة أيام. وكان قد حضر إلى مصر رجل من أهل العراق وأحضر مصحفا ذكر أنه مصحف عثمان بن عفان ﵁، وأنه الذي كان بين يديه يوم الدار، وكان فيه أثر الدم، وذكر أنه استخرج من خزائن المقتدر، ودفع المصحف إلى عبد اللّه بن شعيب المعروف بابن بنت وليد القاضي، فأخذه أبو بكر الخازن وجعله في الجامع، وشهره وجعل عليه خشبا منقوشا، وكان الإمام يقرأ فيه يوما، وفي مصحف أسماء يوما، ولم يزال على ذلك إلى أن رفع هذا المصحف واقتصر على القراءة في مصحف أسماء، وذلك في أيام العزيز بالله، لخمس خلون من المحرّم سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. وقد أنكر قوم أن يكون هذا المصحف مصحف عثمان ﵁، لأن نقله لم يصح، ولم يثبت بحكاية رجل واحد. ورأيت أنا هذا المصحف وعلى ظهر مما نسخته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين، هذا المصحف الجامع لكتاب اللّه جل ثناؤه وتقدّست أسسماؤه، حمله المبارك مسعود بن سعد

стр. 1352

الهيتيّ لجماعة المسلمين القرّاء للقرآن التالين له، المتقرّبين إلى اللّه جلّ ذكره بقراءته، والمتعلمين له، ليكون محفوظا أبدا ما بقي ورقه، ولم يذهب اسمه ابتغاء ثواب اللّه ، ورجاء غفرانه، وجعله عدّة ليوم فقره وفاقته وحاجته إليه، أنا له اللّه ذلك برأفته، وجعل ثوابه بينه وبين جماعة من نظر فيه، وقد درس ما بعد هذا الكلام من ظهر المصحف، والمندرس يشبه أن يكون: وتبصر في ورقه، وقصد بابداعه فسطاط مصر في المسجد الجامع، جامع المسلمين العتيق، ليحفظ حفظ مثله مع سائر مصاحف المسلمين، فرحم اللّه من حفظه ومن قرأ فيه ومن عنى به، وكان ذلك في يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة وصلّى اللّه على محمد سيد المرسلين وعلى آله وسلّم تسليما كثيرا، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل. قال ابن المتوّج: ودليل بطلان ما قاله هذا المعترض، ظهور التعصب على عثمان ﵁ من تجيب وخلفائهم، أن الناس قد جرّبوا هذا المصحف، وهو الذي على الكرسيّ الغربيّ من مصحف أسماء، أنه ما فتح قط إلاّ وحدث حادث في الوجود لتحقيق ما حدث أوّلا. واللّه أعلم. قال القضاعيّ: ذكر المواضع المعروفة بالبركة من الجامع يستحبّ الصلاة والدعاء عندها. منها البلاطة التي خلف الباب الأوّل في مجلس ابن عبد الحكم، ومنها باب البرادع، روي عن رجل من صلحاء المصريين يقال له أبو هارون الخرقيّ قال: رأيت اللّه في منامي، فقلت له يا رب أنت تراني وتسمع كلامي؟ قال: نعم. ثم قال أتريد أن أريك بابا من أبواب الجنة؟ قلت نعم. يا رب، فأشار إلى باب أصحاب البرادع أو الباب الأقصى مما يلي رحبة حارث، وكان أبو هارون هذا يصلي الظهر والعصر فيما بينهما. وقال ابن المتوّج: وعند المحراب الصغير الذي في جدار الجامع الغربيّ، ظاهر المقصورة، فيما بين بابي الزيادة الغربية الدعاء عنده مستجاب. قال: من ذلك باب مقصورة عرفة، ومنها عند خرزة البئر التي بالجامع، ومنها قبال اللوح الأخضر، ومنها زاوية فاطمة، ويقال أنها فاطمة ابنة عفان، لمّا وصى والدها أن تترك للّه في الجامع فتركت في هذا المكان فعرف بها، ومنها سطح الجامع والطواف به سبع مرّات، يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التي يستقبلها الداخل من باب السطح، وهو يتلو إلى أن يصل إلى زاوية السطح التي عند المئذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ثم يدعو بما أراد، ثم يمرّ وهو يتلو إلى أن يصل إلى الركن الشرقيّ عند المئذنة المشهورة بالكبيرة، ثم يدعو بما أراد ويمرّ إلى الركن البحريّ الشرقيّ، فيقف محاذيا لغرفة المؤذنين ويدعو، ثم يمرّ وهو يتلو إلى المكان الذي ابتدأ منه. يفعل ذلك سبع مرّات، فإنّ حاجته تقضى. قال القضاعيّ: ولم يكن الناس يصلّون بالجامع بمصر صلاة العيد، حتى كانت سنة

стр. 1353

ست، ويقال سنة ثمان وثلاثمائة. فصلّى فيه رجل يعرف بعليّ بن أحمد بن عبد الملك الفهميّ، يعرف بابن أبي شيخة صلاة الفطر، ويقال أنه خطب من دفتر نظرا، وحفظ عنه اتقوا اللّه حق تقاته ولا تموتن إلاّ وأنتم مشركون. فقال بعض الشعراء: وقام في العيد لنا خاطب … فحرّض الناس على الكفر وتوفي سنة تسع وثلاثمائة. وبالجامع زوايا يدرّس فيها الفقه: منها زاوية الإمام الشافعيّ ﵁، يقال أنه درّس بها الشافعيّ فعرفت به، وعليها أرض بناحية سندبيس وقفها السلطان الملك العزيز عثمان بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يزل يتولى تدريسها أعيان الفقهاء وجلة العلماء. ومنها الزاوية المجدية بصدر الجامع، فيما بين المحراب الكبير ومحراب الخمس، داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحارث بن مهذب الدين أبي المحاسن مهلب بن حسن بن بركات بن عليّ بن غياث المهلبيّ الأزديّ البهنسيّ الشافعيّ، وزير الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بحرّان، وقرّر في تدريسها قريبه قاضي القضاة وجيه الدين عبد الوهاب البهنسيّ، وعمل على هذه الزاوية عدّة أوقاف بمصر والقاهرة، ويعدّ تدريسها من المناصب الجليلة، وتوفي المجد في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة بدمشق، عن ثلاث وستين سنة. ومنها الزاوية الصاحبية، حول عرفة رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين محمد بن بهاء الدين بن حنا، وجعل لها مدرّسين أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ، وجعل عليها وقفا بظاهر القاهرة بخط البراذعيين. ومنها الزاوية الكمالية بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل، رتبها كمال الدين السمنوديّ، وعليها فندق بمصر موقوف عليها. ومنا الزاوية التاجية، أمام المحراب الخشب، رتبها تاج الدين السطحيّ، وجعل عليها دورا بمصر موقوفة عليها. ومنها الزاوية المعينية في الجانب الشرقيّ من الجامع، رتبها معين الدين الدهر وطيّ، وعليها وقف بمصر. ومنها الزاوية العلائية، تنسب لعلاء الدين الضرير، وهي في صحن الجامع، وهي لقراءة ميعاد. ومنها الزاوية الزينية، رتبها الصاحب زين الدين بقراءة ميعاد أيضا، ذكر ذلك ابن المتوّج. وأخبرني المقرئ الأديب المؤرخ الضابط شهاب الدين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحديّ ﵀ قال: أخبرني المؤرّخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات، قال: أخبرني العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفيّ، أنه أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء، الكائن في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم، لا تكاد تبرح منه. قال ابن المأمون: حدّثني القاضي المكين بن حيدرة وهو من أعيان الشهود بمصر، أن من جملة الخدم التي كانت بيد والده مشارقة الجامع العتيق، وأنّ القومة

стр. 1354

بأجمعهم كانوا يجتمعون قبل ليلة الوقود عنده، إلى أن يعملوا ثمانية عشر ألف فتيلة، وأن المطلق برسمه خاصة في كلّ ليلة ترسم وقوده أحد عشر قنطار أو نصف زيتا طيبا. ذكر المحاريب التي بديار مصر وسبب اختلافها وتعيين الصواب فيها وتبيين الخطأ منها اعلم أن محاريب ديار مصر التي يستقبلها المسلمون في صلواتهم أربعة محاريب. أحدها محراب الصحابة ﵃، الذي أسسوه في البلاد التي استوطنوها، والبلاد التي كثر ممرّهم بها من إقليم مصر، وهو محراب المسجد الجامع بمصر، المعروف بجامع عمرو، ومحراب المسجد الجامع بالجيزة، وبمدينة بلبيس، وبالإسكندرية، وقوص، وأسوان، وهذه المحاريب المذكورة على سمت واحد، غير أن محاريب ثغر أسوان أشدّ تشريقا من غيرها، وذلك أن أسوان مع مكة شرّفها اللّه تعالى في الإقليم الثاني، وهو الحدّ الغربيّ من مكة بغير ميل إلى الشمال، ومحراب بلبيس مغرّب قليلا. والمحراب الثاني محراب مسجد أحمد بن طولون، وهو منحرف عن سمت محراب الصحابة، وقد ذكر في سبب انحرافه أقوال منها: أنّ أحمد بن طولون لما عزم على بناء هذا المسجد، بعث إلى محراب مدينة رسول اللّه ﷺ من أخذ سمته، فإذا هو مائل عن خط سمت القبلة المستخرج بالصناعة نحو العشر درج إلى جهة الجنوب، فوضع حينئذ محراب مسجده هذا مائلا عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب بنحو ذلك، اقتداء منه بمحراب مسجد رسول اللّه ﷺ . وقيل: أنه رأى رسول اللّه ﷺ في منامه، وخط له المحراب، فلما أصبح وجد النمل قد أطاف بالمكان الذي خطه له رسول اللّه ﷺ في المنام. وقيل غير ذلك. وأنت إن صعدت إلى سطح جامع ابن طولون، رأيت محرابه مائلا عن محراب جامع عمرو بن العاص إلى الجنوب، ورأيت محراب المدارس التي حدثت إلى جانبه قد انحرفت عن محرابه إلى جهة الشرق، وصار محراب جامع عمرو فيما بين محراب ابن طولون والمحاريب الأخر، وقد عقد مجلس بجامع ابن طولون في ولاية قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن جماعة، حضره علماء الميقات، منهم الشيخ تقيّ الدين محمد بن محمد بن موسى الغزوليّ، والشيخ أبو الطاهر محمد بن محمد، ونظروا في محرابه، فأجمعوا على أنه منحرف عن خط سمت القبلة إلى جهة الجنوب مغربا بقدر أربع عشرة درجة، وكتب بذلك محضر وأثبت على ابن جماعة. والمحراب الثالث: محراب جامع القاهرة، المعروف بالجامع الأزهر، وما في سمته من بقية محاريب القاهرة، وهي محاريب يشهد الامتحان بتقدّم واضعها في معرفة استخراج القبلة، فإنها على خط سمت القبلة من غير ميل عنه ولا انحراف البتة.

стр. 1355

والمحراب الرابع: محاريب المساجد التي في قرى بلاد الساحل، فإنها تخالف محاريب الصحابة، إلاّ أنّ محراب جامع منية غمر قريب من سمت محاريب الصحابة، فإن الوزير أبا عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله، أنشأ جامعا بمنية زفتا في سنة ست عشرة وخمسمائة، فجعل محرابه على سمت المحاريب الصحيحة. وفي قرافة مصر بجوار مسجد الفتح عدّة مساجد تخالف محاريب الصحابة مخالفة فاحشة، وكذلك بمدينة مصر الفسطاط غير مسجد على هذا الحكم. فأما محاريب الصحابة التي بفسطاط مصر والإسكندرية، فإن سمتها يقابل مشرق الشتاء، وهو مطالع برج العقرب مع ميل قليل إلى ناحية الجنوب، ومحاريب مساجد القرى وما حول مسجد الفتح بالقرافة، فإنها تستقبل خط نصف النهار الذي يقال له خط الزوال، وتميل عنه إلى جهة المغرب، وهذا الاختلاف بين هذين المحرابين اختلاف فاحش يفضي إلى إبطال الصلاة. وقد قال ابن عبد الحكم: قبلة أهل مصر أن يكون القطب الشماليّ على الكتف الأيسر، وهذا سمت محاريب الصحابة. قال: وإذا طلعت منازل العقرب وتكملت صورته، فمحاذاته سمت القبلة لديار مصر وبرقة وإفريقية وما والاها، وفي الفرقدين والقطب الشماليّ كفاية للمستدلين، فإنهم إن كانوا مستقبلين في مسيرهم من الجنوب جهة الشمال، استقبلوا القطب والفرقدين، وإن كانوا سائرين إلى الجنوب من الشمال استدبروها، وإن كانوا سائرين إلى الشرق من المغرب جعلوها على الأذن اليسرى، وإن كانوا سائرين من الشرق إلى المغرب جعلوها على الأذن اليمنى، وإن كان مسيرهم إلى النكباء (١) التي بين الجنوب والصبا جعلوها على الكتف الأيسر، وإن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الجنوب والدبور جعلوها على الكتف الأيمن، وإن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الشمال والدبور جعلوها على الحاجب الأيمن، وإن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الشمال والصبا جعلوها على الحاجب الأيسر. وإذا عرف ذلك فإنه يستحيل تصويب محرابين مختلفين في قطر واحد إذا زاد اختلافهما على مقدار ما يتسامح به في التيامن والتياسر، وبيان ذلك أن كلّ قطر من أقطار الأرض كبلاد الشام وديار مصر ونحوهما من الأقطار، قطعة من الأرض واقعة في مقابلة جزء من الكعبة، والكعبة تكون في جهة من جهات ذلك القطر، فإذا اختلف محرابان في قطر واحد، فإنا نتيقن أن أحدهما صواب والآخر خطأ، إلاّ أن يكون القطر قريبا من مكّة، وخطته التي هو محدود بها متسعة اتساعا كثيرا يزيد على الجزء الذي يخصه لو وزعت الكعبة أجزاء متماثلة، فإنه حينئذ يجوز التيامن والتياسر في محاريبه، وذلك مثل بلاد البجة، فإنها على الساحل الغربيّ من بحر القلزم، ومكة واقعة في شرقيها ليس بينهما إلاّ مسافة البحر

стр. 1356

فقط وما بين جدّة ومكة من البرّ، وخطة بلاد الجبة مع ذلك واسعة مستطيلة على الساحل، أوّلها عيذاب، وهي محاذية لمدينة رسول اللّه ﷺ ، وتميل عنها في الجنوب ميلا قليلا، والمدينة شامية عن مكة بنحو عشرة أيام، وآخر بلاد البجة من ناحية الجنوب سواكن، وهي مائلة في ناحية الجنوب عن مكة ميلا كثيرا، وهذا المقدار من طول بلاد البجة يزيد على الجزء الذي يخص هذه الخطة من الأرض لو وزعت الأرض أجزاء متساوية إلى الكعبة، فيتعين والحالة هذه التيامن أو التياسر في طرفي هذه البلاد لطلب جهة الكعبة. وأما إذا بعد القطر عن الكعبة بعدا كثيرا، فإنه لا يضرّ اتساع خطته، ولا يحتاج فيه إلى تيامن ولا تياسر، لاتساع الجزء الذي يخصه من الأرض، فإن كلّ قطر منها له جزء يخصه من الكعبة، من أجل أن الكعبة من البلاد المعمورة كالكرة من الدائرة، فالأقطار كلها في استقبال الكعبة، محيطة بها كاحاطة الدائرة بمركزها، وكل قطر فإنه يتوجه إلى الكعبة في جزء يخصه، والأجزاء المنقسمة إذا قدّرت الأرض كالدائرة فإنها تتسع عند المحيط وتتضايق عند المركز، فإذا كان القطر بعيدا عن الكعبة فإنه يقع في متسع الحدّ ولا يحتاج فيه إلى تيامن ولا تياسر، وبخلاف ما إذا قرب القطر من الكعبة، فإنه يقع في متضايق الجزء ويحتاج عند ذلك إلى تيامن أو تياسر، فإنّ فرضنا أن الواجب إصابة عين الكعبة في استقبال الصلاة لمن بعد عن مكة، وقد علمت ما في هذه المسألة من الاختلاف بين العلماء، فإنه لا يتسامح في اختلاف المحاريب بأكثر من قدر التيامن والتياسر الذي لا يخرج عن حدّ الجهة، فلو زاد الاختلاف حكم ببطلان أحد المحرابين، ولا بدّ اللهمّ إلاّ أن يكونا في قطرين بعيدين بعضهما من بعض، وليسا على خط واحد من مسامته الكعبة، وذلك كبلاد الشام وديار مصر، فإن البلاد الشامية لها جانبان وخطتها متسعة مستطيلة في شمال مكة، وتمتدّ أكثر من الجزء الخاص بها بالنسبة إلى مقدار بعدها عن الكعبة، ووفي هذين القطرين يجري ما تقدّم ذكره في أرض البجة، إلاّ أنّ التيامن والتياسر ظهوره في البلاد الشامية أقل من ظهوره في أرض البجة، من أجل بعد البلاد الشامية عن الكعبة، وقرب أرض البجة، وذلك أن البلاد الشامية وقعت في متسع الجزء الخاص بها، فلم يظهر أثر التيامن والتياسر ظهورا كثيرا كظهوره في أرض البجة، لأنّ البلاد الشامية لها جانب شرقيّ وجانب غربيّ ووسط، فجانبها الغربيّ هو أرض بيت المقدس وفلسطين إلى العريش، أوّل حدّ مصر، وهذا الجانب من البلاد الشامية يقابل الكعبة على حدّ مهب النكباء التي بين الجنوب والصبا، وأمّا جانب البلاد الشامية الشرقيّ، فإنه ما كان مشرّقا عن مدينة دمشق إلى حلب والفرات، وما يسامت ذلك من بلاد الساحل، وهذه الجهة تقابل الكعبة مشرقا عن أوسط مهب الجنوب قليلا، وأما وسط بلاد الشام فإنها دمشق وما قاربها، وتقابل الكعبة على وسط مهب الجنوب، وهذا هو سمت مدينة رسول اللّه ﷺ مع ميل يسير عنه إلى ناحية المشرق. وأما مصر فإنها تقابل الكعبة فيما بين الصبا ومهب النكباء التي بين الصبا والجنوب،

стр. 1357

ولذلك لما اختلف هذان القطران، أعني مصر والشام في محاذاة الكعبة، اختلفت محاريبهما، وعلى ذلك وضع الصحابة ﵃ محاريب الشام ومصر على اختلاف السمتين، فأما مصر بعينها وضواحيها وما هو في حدّها أو على سمتها أو في البلاد الشامية وما في حدّها أو على سمتها، فإنه لا يجوز فيها تصويب محرابين مختلفين اختلافا بينا، فإن تباعد القطر عن القطر بمسافة قريبة أو بعيدة، وكان القطران على سمت واحد في محاذاة الكعبة لم يضرّ حينئذ تباعدهما، ولا تختلف محاريبهما، بل تكون محاريب كلّ قطر منهما على حدّ واحد وسمت واحد، وذلك كمصر وبرقة وأفريقية وصقلية والأندلس، فإن هذه البلاد وان تباعد بعضها عن بعض فإنها كلها تقابل الكعبة على حدّ واحد، وسمتها جميعها سمت مصر من غير اختلاف البتة، وقد تبين بما تقرّر حال الأقطار المختلفة من الكعبة في وقوعها منها. وأما اختلاف محاريب مصر فإن له أسبابا، أحدها حمل كثير من الناس قوله ﷺ ، الذي رواه الحافظ أبو عيسى الترمذيّ، من حديث أبي هريرة ﵁ «ما بين المشرق والمغرب قبلة على العموم» وهذا الحديث قد روي موقوفا على عمر وعثمان وعليّ وابن عباس ومحمد ابن الحنفية ﵃، وروي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال أحمد بن حنبل: هذا في كلّ البلدان. قال: هذا المشرق وهذا المغرب وما بينهما قبلة، قيل له: فصلاة من صلّى بينهما جائزة؟ قال: نعم، وينبغي أن يتحرّى الوسط، وقال أحمد بن خالد قول عمر: ما بين المشرق والمغرب قبلة، قاله: بالمدينة فمن كانت قبلته مثل قبلة المدينة فهو في سعة مما بين المشرق والمغرب، ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: لاختلاف بين أهل العلم فيه. قال مؤلفه ﵀: إذا تأمّلت وجدت هذا الحديث يختص بأهل الشام والمدينة. وما على سمت تلك البلاد شمالا وجنوبا فقط، والدليل على ذلك أنه يلزم من حمله على العموم إبطال التوجه إلى الكعبة في بعض الأقطار، واللّه سبحانه قد افترض على الكافة أن يتوجهوا إلى الكعبة في الصلاة حيثما كانوا بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة/ ١٤٤] وقد عرفت إن كنت تمهرت في معرفة البلدان وحدود الأقاليم أن الناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في الجهة الغربية من الكعبة فإن جهة قبلة صلاته إلى المشرق، ومن كان في الجهة الشرقية من الكعبة فإنه يستقبل في صلاته جهة المغرب، ومن كان في الجهة الشمالية من الكعبة فإنه يتوجه في صلاته إلى جهة الجنوب، ومن كان في الجهة الجنوبية من الكعبة كانت صلاته إلى جهة الشمال، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب فإن

стр. 1358

قبلته فيما بين الشمال والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب والمغرب فإن قبلته فيما بين الشمال والمشرق، ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشمال فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب، ومن كان من الكعبة فيما بين الشمال والمغرب فقبلته فيما بين الجنوب والمشرق. فقد ظهر ما يلزم من القول بعموم هذا الحديث من خروج أهل المشرق الساكنين به، وأهل المغرب أيضا عن التوجه إلى الكعبة في الصلاة عينا وجهة، لأنّ من كان مسكنه من البلاد ما هو في أقصى المشرق من الكعبة، لو جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه لكان إنما يستقبل حينئذ جنوب أرضه ولم يستقبل قط عين الكعبة ولا جهتها، فوجب ولا بدّ حمل الحديث على أنه خاص بأهل المدينة والشام، وما على سمت ذلك من البلاد، بدليل أن المدينة النبوية واقعة بين مكة وبين أوسط الشام على خط مستقيم، والجانب الغربيّ من بلاد الشام التي هي أرض المقدس وفلسطين يكون عن يمين من يستقبل بالمدينة الكعبة، والجانب الشرقيّ الذي هو حمص وحلب وماو إلى ذلك واقع عن يسار من استقبل الكعبة بالمدينة، والمدينة واقعة في أواسط جهة الشام على جهة مستقيمة، بحيث لو خرج خط من الكعبة ومرّ على استقامة إلى المدينة النبوية لنفذ منها إلى أوسط جهة الشام سواء، وكذلك لو خرج خط من مصلّى رسول اللّه ﷺ وتوجه على استقامة، لوقع فيما بين الميزاب من الكعبة وبين الركن الشاميّ، فلو فرضنا أن هذا الخط خرق الموضع الذي وقع فيه من الكعبة ومرّ لنفذ إلى بيت المقدس على استواء من غير ميل ولا انحراف البتة، وصار موقع هذا الخط فيما بين نكباء الشمال والدبور، وبين القطب الشمالي. وهو إلى القطب الشماليّ أقرب وأميل، ومقابلته ما بين أوسط الجنوب ونكباء الصبا والجنوب، وهو إلى الجنوب أقرب، والمدينة النبوية، مشرّقة عن هذا السمت، ومغرّبة عن سمت الجانب الآخر من بلاد الشام، وهو الجانب الغربيّ تغريبا يسيرا، فمن يستقبل مكة بالمدينة يصير المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه، وما بينهما فهو قبلته، وتكون حينئذ الشام بأسرها وجملة بلادها خلفه، فالمدينة على هذا في أوسط جهات البلاد الشامية. ويشهد بصدق ذلك ما رويناه من طريق مسلم ﵀ عن عبد اللّه بن عمر ﵄ قال: رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول اللّه ﷺ قاعدا لحاجته، مستقبل الشام مستدبر القبلة، وله أيضا من حديث ابن عمر بينا الناس في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول اللّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستدار إلى الكعبة. فهذا أعزك اللّه أوضح دليل أنّ المدينة بين مكة والشام على حدّ واحد، وأنها في أوسط جهة بلاد الشام، فمن استقبل بالمدينة الكعبة فقد استدبر الشام، ومن استدبر بالمدينة الكعبة فقد استقبل الشام، ويكون حينئذ الجانب الغربيّ من بلاد الشام وما على سمته من البلاد جهة القبلة عندهم أن يجعل الواقف مشرق الصيف عن يساره، ومغرب الشتاء عن يمينه، فيكون ما بين ذلك قبلته. وتكون قبلة الجانب الشرقي من بلاد الشام وما على سمت ذلك من

стр. 1359

البلدان، أن يجعل المصلي مغرب الصيف عن يمينه، ومشرق الشتاء عن يساره، وما بينهما قبلته. ويكون أوسط البلاد الشامية التي هي حدّ المدينة النبوية قبلة المصلي بها، أن يجعل مشرق الاعتدال عن يساره، ومغرب الاعتدال عن يمينه، وما بينهما قبلة له، فهذا أوضح استدلال على أن الحديث خاص بأهل المدينة، وما على سمتها من البلاد الشامية، وما وراءها من البلدان المسامتة لها. وهكذا أهل اليمن وما على سمت اليمن من البلاد، فإن القبلة واقعة فيما هنالك بين المشرق والمغرب لكن على عكس وقوعها في البلاد الشامية، فإنه تصير مشارق الكواكب في البلاد الشامية التي على يسار المصلي، واقعة عن يمين المصلي في بلاد اليمن، وكذلك كل ما كان من المغرب عن يمين المصلي بالشام، فإنه ينقلب عن يسار المصلي باليمن، وكلّ من قام ببلاد اليمن مستقبلا الكعبة فإنه يتوجه إلى بلاد الشام فيما بين المشرق والمغرب، وهذه الأقطار سكانها هم المخاطبون بهذا الحديث، وحكمه لازم لهم، وهو خاص بهم دون من سواهم من أهل الأقطار الأخر، ومن أجل حمل هذا الحديث على العموم كان السبب في اختلاف محاريب مصر. السبب الثاني: في اختلاف محاريب مصر، أن الديار المصرية افتتحها المسلمون كانت خاصة بالقبط والروم مشحونة بهم، ونزل الصحابة ﵃ من أرض مصر في موضع الفسطاط الذي يعرف اليوم بمدينة مصر وبالإسكندرية، وتركوا سائر قرى مصر بأيدي القبط، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب، ولم يسكن أحد من المسلمين بالقرى، وإنما كانت رابطة تخرج إلى الصعيد حتى إذا جاء أوان الربيع انتشر الأتباع في القرى لرعي الدواب، ومعهم طوائف من السادات، ومع ذلك فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ينهي الجند عن الزرع، ويبعث إلى أمراء الأجناد بإعطاء الرعية أعطياتهم وأرزاق عيالهم، وينهاهم عن الزرع. روى الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحكم في كتاب فتوح مصر، من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمر، وعن عبد اللّه بن هبيرة: أن عمر بن الخطاب أمر بناذره أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدّمون إلى الرعية، أنّ عطاءهم قائم، وأنّ أرزاق عيالهم سابل، فلا يزرعون ولا يزارعون. قال ابن وهب: وأخبرني شريك بن عبد الرحمن المراديّ قال: بلغنا أن شريك بن سميّ الغطفانيّ أتى إلى عمرو بن العاص فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا، أفتأذن لي بالزرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك. فزرع شريك من غير إذن عمرو، فلما بلغ ذلك عمرا كتب إلى عمر بن الخطاب يخبره أن شريك بن سميّ الغطفانيّ حرث بأرض مصر، فكتب إليه عمر أن ابعث إليّ به، فلما انتهى كتاب عمر إلى عمرو، أقرأه شريكا. فقال شريك لعمرو: وقتلتني يا عمرو. فقال عمرو: ما أنا بالذي قتلتك، أنت صنعت هذا بنفسك. فقال له: إذا كان هذا من رأيك فأذن لي بالخروج من غير كتاب، ولك عليّ عهد اللّه أن أجعل يدي في يده، فأذن له

стр. 1360

بالخروج، فلما وقف على عمر قال: تؤمنني يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أيّ الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر، قال: فلعلك شريك بن سميّ الغطفانيّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: لأجعلنك نكالا لمن خلفك. قال: أو تقبل مني ما قبل اللّه تعالى من العباد؟ قال: وتفعل؟ قال: فكتب إلى عمرو بن العاص أن شريك بن سميّ جاءني تائبا فقبلت منه. قال: وحدّثنا عبد اللّه بن صالح بن عبد الرحمن بن شريح عن أبي قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا، فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص الناس فقال: قد حضر مرافق الريف ربيعكم فانصرفوا، فإذا حمض اللبن واشتدّ العود وكثر الذباب فحيّ على فسطاطكم، ولا أعلمن ما جاء أحد قد أسمن نفسه وأهزل جواده. وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: أنه قد حضر الربيع، فمن أحبّ منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل، ولا أعلمن ما جاء أحد قد أسمن نفسه وأهزل فرسه، فإذا حمض اللبن وكثر الذباب ولوى العود فارجعوا إلى قيروانكم. وعن ابن لهيعة عن الأسود بن مالك الحميريّ عن بجير بن ذاخر المعافريّ قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا، وذلك بعد حميم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع إذا أقبل رجال بأيديهم السياط يزجرون الناس، فذعرت فقلت: يا أبت من هؤلاء؟ فقال: يا بنيّ هؤلاء الشرط فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر فرأيت رجلا ربعة قصير القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشاة كأن به العقبان تأتلق، عليه حلة وعمامة وجبة، فحمد اللّه وأثنى عليه حمدا موجزا، وصلّى على النبيّ ﷺ ، ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحض على الزكاة وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد وينهي عن الفضول وكثرة العيال، وإخفاض الحال في ذلك فقال: يا معشر الناس إيّاكم وخلالا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى الذلة بعد العزة، إياكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال، في غير درك ولا نوال. ثم أنه لا بدّ من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه والتدبير لشأنه وتخليته بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيجوز من الخير عاطلا، وعن حلال اللّه وحرامه غافلا. يا معشر الناس: إنه قد تدلت الجوزاء وذلت الشعري، وأقلعت السماء وارتفع الوباء، وقلّ الندى وطاب المرعى، ووضعت الحوامل ودرجت السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر، فحيّ لكم على بركة اللّه تعالى إلى ريفكم، فنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده، واربعوا خيلكم وأسمنوها وصنونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوّكم، وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإياكم والمومسات

стр. 1361

المعسولات، فإنهنّ يفسدن الدين ويقصرن الهمم. حدّثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّ اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإن لهم فيكم صهرا وذمّة، فكفوا أيديكم، وعفوا فروجكم، وغضوا أبصاركم» ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك، واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم، وتشوّق قلوبهم إليكم، وإلى داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية، وحدّثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إذا فتح اللّه عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر ﵁: ولم يا رسول اللّه؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» فاحمدوا اللّه معشر الناس على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا يبس العود وسخن الماء وكثرت الذباب وحمض اللبن وصوّح البقل وانقطع الورد من الشجر، فحيّ إلى فسطاطكم، على بركة اللّه، ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته، أقول قولي هذا واستحفظ اللّه عليكم. قال فحفظت ذلك عنه. فقال والدي بعد انصرافنا إلى المنزل لما حكيت له خطبته أنه يا بنيّ يحذر الناس إذا انصرفوا إليه على الرباط كما حذرهم على الريف والدعة. قال: وكان إذا جاء وقت الربيع كتب لكلّ قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبوا، وكانت القرى التي يأخذ فيها معظمهم منوف وسمنود وأهناس وطحا، وكان أهل الراية متفرّقين، فكان آل عمرو بن العاص وآل عبد اللّه بن سعد يأخذون في منوف ووسيم، وكانت هذيل تأخذ في ببا وبوصير، وكانت عدوان تأخذ في بوصير وقرى عك، والذي يأخذ فيه معظمهم بوصير ومنوف وسندبيس وارتيب، وكانت بلى تأخذ في منف وطرّانية، وكانت فهم تأخذ في اتريب وعين شمس ومنوف، وكانت مهرة جذام تأخذ في مناونمي وبسطة ووسيم، وكانت لخم تأخذ في الفيوم وطرّانية وقربيط، وكانت جذام تأخذ في قربيط وطرّانية، وكانت حضر موت تأخذ في ببا وعين شمس واتريب، وكانت مراد تأخذ في منف والفيوم ومعهم عبس بن زوف، وكانت حمير تأخذ في بوصير وقرى أهناس، وكانت خولان تأخذ في قرى أهناس والقيس والبهنسا، وآل وعلة يأخذون في سفط من بوصير، وآل ابرهة يأخذون في منف وغفار، وأسلم يأخذون مع وائل من جذام وسعد في بسطة وقربيط وطرّانية، وآل يسار بن ضبة في أتريب، وكانت المعافر. تأخذ في أتريب وسخا ومنوف، وكانت طائفة من تجيب ومراد يأخذون باليدقون، وكان بعض هذه القبائل ربما جاور بعضا في الربيع، ولا يوقف في معرفة ذلك على أحد إلا أن معظم القبائل كانوا يأخذون حيث وصفنا، وكان يكتب لهم بالربيع فيربعون ما أقاموا وباللبن، وكان لغفار وليث أيضا مربع باتريب. قال: وأقامت مدلج بخربتا فاتخذوها منزلا، وكان معهم نفر من حمير حالفوهم فيها، فهي منازلهم. ورجعت خشين وطائفة من لخم

стр. 1362

وجذام فنزلوا أكناف ضان وأبليل وطرانية، ولم تكن قيس بالحوف الشرقيّ قديما، وإنما أنزلهم به ابن الحبحاب، وذلك أنه وفد إلى هشام بن عبد الملك فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل، فجعل ابن الحبحاب الفريضة في قيس، وقدم بهم فأنزلهم الجوف الشرقيّ بمصر، فانظر أعزك اللّه ما كان عليه الصحابة وتابعوهم عند فتح مصر من قلة السكنى بالريف، ومع ذلك فكانت القرى كلها في جميع الإقليم أعلاه وأسفله مملوءة بالقبط والروم، ولم ينتشر الإسلام في قرى مصر إلا بعد المائة من تاريخ الهجرة، وعند ما أنزل عبيد اللّه بن الحبحاب مولى سلول قيسا بالحوف الشرقيّ، فلما كان في المائة الثانية من سني الهجرة، كثر انتشار المسلمين بقرى مصر ونواحيها، وما برحت القبط تنقض وتحارب المسلمين إلى ما بعد المائتين من سني الهجرة. قال أبو عمرو محمد بن يوسف الكنديّ في كتاب أمراء مصر: وفي امرة الحرّ بن يوسف أمير مصر، كتب عبيد اللّه بن الحبحاب صاحب خراج مصر إلى هشام بن عبد الملك، بأن أرض مصر تحتمل الزيادة، فزاد على كلّ دينار قيراطا، فنقضت كورة تنو ونمى وقريط وطرانية وعامّة الحوف الشرقيّ، فبعث إليهم الحرّ بأهل الديوان فحاربوهم فقتل منهم خلق كثير، وذلك أوّل نقض القبط بمصر، وكان نقضهم في سنة تسع ومائة، ورابط الحرّ بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر، ثم نقض أهل الصعيد وحارب القبط عمالهم في سنة إحدى وعشرين ومائة، فبعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر أهل الديوان، فقتلوا من القبط ناسا كثيرا، فظفر بهم وخرج بحنس، وهو رجل من القبط من سمنود، فبعث إليه عبد الملك بن مروان موسى بن نصير أمير مصر فقتل بحنس في كثير من أصحابه، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وخالفت القبط أيضا برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد الحمار لما دخل مصر، فارّا من بني العباس، عثمان بن أبي سبعة، فهزمهم وخرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة أمير مصر بناحية سخا، ونابذوا العمال وأخرجوهم في سنة خمسين ومائة، وصاروا إلى شبراسنباط، وانضم إليهم أهل البشرود والأوسية والنخوم، فأتى الخبر يزيد بن حاتم فعقد لنصر بن حبيب المهلبيّ على أهل الديوان ووجوه أهل مصر، فخرجوا إليهم ولقيهم القبط وقتلوا من المسلمين، فألقى المسلمون النار في عسكر القبط وانصرف العسكر إلى مصر منهزما. وفي ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر، خرج القبط ببلهيت في سنة ست وخمسين ومائة، فخرج إليهم عسكر فهزمهم، ثم نقضت القبط في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين مع من نقض من أهل أسفل الأرض من العرب، وأخرجوا العمال وخلعوا الطاعة لسوء سيرة العمال فيهم، فكانت بينهم وبين الجيوش حروب امتدّت إلى أن قدم الخليفة عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون إلى مصر، لعشر خلون من المحرّم، سنة سبع عشرة ومائتين، فعقد على جيش بعث به إلى الصعيد وارتحل هو إلى سخا، وأوقع الأفشين بالقبط

стр. 1363

في ناحية البشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال، فبيعوا وسبي أكثرهم، وتتبع كلّ من يومأ إليه بخلاف، فقتل ناسا كثيرا، ورجع إلى الفسطاط في صفر، ومضى إلى حلوان، وعاد لثمان عشرة خلت من صفر فكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما. فانظر أعزك اللّه كيف كانت إقامة الصحابة، إنما هي بالفسطاط والإسكندرية، وأنه لم يكن لهم كثير إقامة بالقرى، وأن النصارى كانوا متمكنين من القرى، والمسلمون بها قليل، وأنهم لم ينتشروا بالنواحي إلا بعد عصر الصحابة والتابعين، يتبين لك أنهم لم يؤسسوا في القرى والنواحي مساجد، وتفطن لشيء آخر، وهو أن القبط ما برحوا كما تقدّم يثبتون لمحاربة المسلمين، دالة منهم بما هم عليه من القوة والكثرة، فلما أوقع بهم المأمون الوقعة التي قلنا غلب المسلمون على أماكنهم من القرى لما قتلوا منهم وسبوا، وجعلوا عدّة من كنائس النصارى مساجد، وكنائس النصارى مؤسسة على استقبال المشرق واستدبار المغرب، زعما منهم أنهم أمروا باستقبال مشرق الاعتدال، وأنه الجنة، لطلوع الشمس منه، فجعل المسلمون أبواب الكنائس محاريب عند ما غلبوا عليها. وصيروها مساجد، فجاءت موازية لخط نصف النهار، وصارت منحرفة عن محاربي الصحابة انحرافا كثيرا يحكم بخطئها وبعدها عن الصواب كما تقدّم. السبب الثالث: تساهل كثير من الناس في معرفة أدلة القبلة، حتى أنك لتجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون منازل القمر صورة وحسابا، وقد علم من له ممارسة بالرياضيات أن بمنازل القمر يعرف وقت الحسر وانتقال الفجر في المنازل، وناهيك بما يترتب على معرفة ذلك من أحكام الصلاة والصيام، وهذه المنازل التي للقمر من بعض ما يستدل به على القبلة، والطرقات، وهي من مبادي العلم، وقد جهلوه، فمن أعوزه الأدنى فحريّ به أن يجهل ما هو أعلى منه وأدق. السبب الرابع: الاعتذار بنجم سهيل، فإن كثيرا ما يقع الاعتذار عن مخالفة محاريب المتأخرين بأنها بنيت على مقابلة سهيل، ومن هناك يقع الخطأ، فإن هذا أمر يحتاج فيه إلى تحرير، وهو أن دائرة سهيل مطلعها جنوب مشرق الشتاء قليلا، وتوسطها في أوسط الجنوب، وغروبها يميل عن أوسط الجنوب قليلا، فلعل من تقدّم من السلف أمر ببناء المساجد في القرى على مقابلة مطالع سهيل، ومطلعه في سمت قبلة مصر تقريبا، فجهل من قام بأمر البنيان فرق ما بين مطالع سهيل وتوسطه وغروبه، وتساهل فوضع المحراب على مقابلة توسط سهيل، وهو أوسط الجنوب، فجاء المحراب حينئذ منحرفا عن السمت الصحيح انحرافا لا يسوغ التوجه إليه البتة. السبب الخامس: أن المحاريب الفاسدة بديار مصر أكثرها في البلاد الشمالية التي تعرف بالوجه البحريّ، والذي يظهر أن الغلط دخل على من وضعها من جهة ظنه أن هذه

стр. 1364

البلاد لها حكم بلاد الشام، وذلك أن بلاد مصر التي في الساحل كثيرة الشبه ببلاد الشام في كثرة أمطارها وشدّة بردها، وحسن فواكهها، فاستطرد الشبه حتى في المحاريب ووضعها على سمت المحاريب الشامية، فجاء شيئا خطأ، وبيان ذلك أن هذه البلاد ليست بشمالية عن الشام حتى يكون حكمها في استقبال الكعبة كالحكم في البلاد الشامية، بل هي مغرّبة عن الجانب الغربيّ من الشام بعدّة أيام، وسمتاهما مختلفان في استقبال الكعبة، لاختلاف القطرين، فإن الجانب الغربيّ من الشام كما تقدّم يقابل ميزاب الكعبة على خط مستقيم، وهو حيث مهب النكباء التي بين الشمال والدبور (١)، ووسط الشام كدمشق وما والاها شمال مكة من غير ميل، وهم يستقبلون أوسط الجنوب في صلاتهم، بحيث يكون القطب الشماليّ المسمى بالجدي وراء ظهورهم، والمدينة النبوية بين هذا الحدّ من الشام وبين مكة مشرّقة عن هذا الحدّ قليلا، فإذا كانت مصر مغرّبة عن الجانب الغربيّ من الشام بأيام عديدة، تعين ووجب أن تكون محاريبها ولا بدّ مائلة إلى جهة المرق بقدر بعد مصر وتغريبها عن أوسط الشام، وهذا أمر يدركه الحس ويشهد لصحته العيان، وعلى ذلك أسس الصحابة ﵃ المحاريب بدمشق وبيت المقدس مستقبلة ناحية الجنوب، وأسسوا المحاريب بمصر مستقبلة المشرق مع ميل يسير عنه إلى ناحية الجنوب، فرض ﵀ نفسك في التمييز، وعوّد نظرك التأمّل، وأربأ بنفسك أن تقاد كما تقاد البهيمة بتقليدك من لا يؤمن عليه الخطأ. فقد نهجت لك السبيل في هذه المسألة، وألنت لك من القول، وقرّبت لك حتى كأنك تعاين الأقطار، وكيف موقعها من مكة. ولي هنا مزيد بيان، فيه الفرق بين إصابة العين وإصابة الجهة، وهو أن المكلف لو وقف وفرضنا أنه خرج خط مستقيم من بين عينيه ومرّ حتى اتصل بجدار الكعبة من غير ميل عنها إلى جهة من الجهات، فإنه لا بدّ أن ينكشف لبصره مدى عن يمينه وشماله، ينتهي بصره إلى غيره إن كان لا ينحرف عن مقابلته، فلو فرضنا امتداد خطين من كلا عيني الواقف، بحيث يلتقيان في باطن الرأس على زاوية مثلثة، ويتصلان بما انتهى إليه البصر من كلا الجانبين، لكان ذلك شكلا مثلثا يقسمه الخط الخارج من بين العينين إلى الكعبة بنصفين، حتى يصير ذلك الشكل بين مثلثين متساويين، فالخط الخارج من بين عيني مستقبل الكعبة الذي فرق بين الزاويتين، هو مقابلة العين التي اشترط الشافعيّ ﵀ وجوب استقباله من الكعبة عند الصلاة، ومنتهى ما يكشف بصر المستقبل من الجانبين، هو حدّ مقابلة الجهة التي قال جماعة من علماء الشريعة بصحة استقباله في الصلاة، والخطان الخارجان من العينين إلى طرفيه هما آخر الجهة من اليمين والشمال، فمهما وقعت صلاة المستقبل على الخط الفاصل بين الزاويتين، كان قد استقبل عين الكعبة، ومهما وقعت صلاته منحرفة عن يمين الخط أو يساره بحيث لا يخرج استقباله عن منتهى حدّ الزاويتين المحدودتين بما يكشف بصره من الجانبين، فإنه مستقبل جهة الكعبة، وإن خرج

стр. 1365

استقباله عن حدّ الزاويتين من أحد الجانبين، فإنه يخرج في استقباله عن حدّ جهة الكعبة، وهذا الحدّ في الجهة يتسع ببعد المدى، ويضيق بقربه، فأقصى ما ينتهي إليه اتساعه ربع دائرة الأفق، وذلك أن الجهات المعتبرة في الاستقبال أربع، المشرق والمغرب والجنوب والشمال، فمن استقبل جهة من هذه الجهات كان أقصى ما ينتهي إليه سعة تلك الجهة ربع دائرة الأفق، وإن انكشف لبصره أكثر من ذلك فلا عبرة به من أجل ضرورة تساوي الجهات، فإنا لو فرضنا إنسانا وقف في مركز دائرة واستقبل جزأ من محيط الدائرة، لكانت كلّ جهة من جهاته الأربع التي هي وراءه وأمامه ويمينه وشماله، تقابل ربعا من أرباع الدائرة، فتبين بما قلنا أن أقصى ما ينتهي إليه اتساع الجهة قدر ربع دائرة الأفق، فأيّ جزء من أجزاء دائرة الأفق، قصده الواقف بالاستقبال في بلد من البلدان، كانت جهة ذلك الجزء المستقبل ربع دائرة الأفق، وكان الخط الخارج من بين عيني الواقف إلى وسط تلك الجهة هو مقابلة العين، ومنتهى الربع من جانبيه يمنة ويسرة هو منتهى الجهة التي قد استقبلها، فما خرج من محاريب بلد من البلدان عن حدّ جهة الكعبة لا تصح الصلاة لذلك المحراب بوجه من الوجوه، وما وقع في جهة الكعبة صحت الصلاة إليه عند من يرى أنّ الفرض في استقبال الكعبة إصابة جهتها، وما وقع في مقابلة عين الكعبة فهو الأسدّ الأفضل الأولى عند الجمهور. وإن أنصفت علمت أنه مهما وقع الاستقبال في مقابلة جهة الكعبة، فإنه يكون سديدا، وأقرب منه إلى الصواب ما وقع قريبا من مقابلة العين يمنة أو يسرة، بخلاف ما وقع بعيدا عن مقابلة العين، فإنه بعيد من الصواب، ولعله هو الذي يجري فيه الخلاف بين علماء الشريعة واللّه أعلم. وحيث تقرّر الحكم الشرعيّ بالأدلة السمعية والبراهين العقلية في هذه المسألة، فاعلم أن المحاريب المخالفة لمحاريب الصحابة التي بقرافة مصر وبالوجه البحريّ من ديار مصر، واقعة في آخر جهة الكعبة من مصر، وخارجة عن حدّ الجهة، وهي مع ذلك في مقابلة ما بين البجة والنوبة، لا في مقابلة الكعبة، فإنها منصوبة على موازاة خط نصف النهار، ومحاريب الصحابة على موازاة مشرق الشتاء تجاه مطالع العقرب مع ميل يسير عنها إلى ناحية الجنوب، فإذا جعلنا مشرق الشتاء المذكور مقابلة عين الكعبة لأهل مصر، وفرضنا جهة ذلك الجزء ربع دائرة الأفق، صار سمت المحاريب التي هي موازية لخط نصف النهار خارجا عن جهة الكعبة، والذي يستقبلها في الصلاة يصلي إلى غير شطر المسجد الحرام، وهو خطر عظيم فاحذره. واعلم أن صعيد مصر واقع في جنوب مدينة مصر، وقوص واقعة في شرقيّ الصعيد، وفيما بين مهب ريح الجنوب والصبا من ديار مصر، فالمتوجه من مدينة قوص إلى عيذاب

стр. 1366

يستقبل مشرق الشتاء، سواء إلى أن يصل إلى عيذاب ولا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحل بمكة، فإذا عاد من مكة استقبل المغرب، فاعرف من هذا أن مكة واقعة في النصف الشرقيّ من الربع الجنوبيّ بالنسبة إلى أرض مصر، وهذا هو سمت محاريب الصحابة التي بديار مصر والإسكندرية، وهو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر. برهان آخر: وهو أن من سار من مكة يريد مصر على الجادّة، فإنه يستقبل ما بين القطب الشماليّ الذي هو الجدي، وبين مغرب الصيف مدّة يومين، وبعض اليوم الثالث، وفي هذه المدّة يكون مهب النكباء التي بين الشمال والمغرب تلقاء وجهه، ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيام أوسط الشمال، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى بدر، فإذا سار من بدر إلى المدينة النبوية صار مشرق الصيف تلقاء وجهه تارة ومشرق الاعتدال تارة إلى أن ينتهي إلى المدينة، فإذا رجع من المدينة إلى الصفراء، استقبل مغرب الشتاء إلى أن يعدل إلى ينبع، فيصير تارة يسير شمالا وتارة يسير مغربا، ويكون ينبع من مكة على حد النكباء التي بين الشمال ومغرب الصيف، فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي ومغرب الثريا، وهو مغرب الصيف، وهبت النكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين، فإذا سار من مدين استقبل تارة الشمال وأخرى مغرب الصيف حتى يدخل إيلة، ومن إيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة ويميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشتاء أخرى، إلى أن يصل إلى القاهرة ومصر، فلو فرضنا خطا خرج من محاريب مصر الصحيحة التي وضعها الصحابة، ومرّ على استقامة من غير ميل ولا انحراف لا تصل بالكعبة ولصق بها. واعلم أن أهل مصر والإسكندرية وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وبرقة وإفريقية وطرابلس المغرب وصقلية والأندلس وسواحل المغرب إلى السوس الأقصى والبحر المحيط وما على سمت هذه البلاد، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الركن الغربيّ إلى الميزاب، فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شيء من هذه البلاد فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، وإذا طلعت على صدغه الأيسر، ويكون الجدي على أذنه اليسرى، ومشرق الشمس تلقاء وجهه أو ريح الشمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الدبور خلف كتفه الأيمن، أو ريح الجنوب التي تهب من ناحية الصعيد على عينه اليمنى، فإنه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصحابة الذين أمرنا اللّه باتباع سبيلهم، ونهانا عن مخالفتهم بقوله : ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء/ ١٥٥] ألهمنا اللّه بمنه اتباع طريقهم، وصيرنا بكرمه من حزبهم وفريقهم إنه على كلّ شيء قدير.

стр. 1367

جامع العسكر هذا الجامع بظاهر مصر، وهو حيث الفضاء الذي هو اليوم فيما بين جامع أحمد بن طولون وكوم الجارح بظاهر مدينة مصر، وكان إلى جانب الشرطة والدار التي يسكنها أمراء مصر، ومن هذه الدار إلى الجامع باب، وكان يجمع فيه الجمعة، وفيه منبر ومقصورة، وهذا الجامع بناه الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في ولايته إمارة مصر، ملاصقا لشرطة العسكر التي كانت يقال لها الشرطة العليا، في سنة تسع وستين ومائة، فكانوا يجمعون فيه، وكانت ولاية الفضل إمارة مصر من قبل المهديّ محمد بن أبي جعفر المنصور على الصلاة والخراج، فدخلها سلخ المحرّم سنة تسع وستين ومائة، في عسكر من الجند عظيم أتى بهم من الشام، ومصر تضطرم لما كان في الحوف، ولخروج دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، فقام في ذلك وجهز الجنود حتى أسر دحية وضرب عنقه في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وكان يقول أنا أولى الناس بولاية مصر لقيامي في أمر دحية، وقد عجز عنه غيري، حتى كفيت أهل مصر أمره، فعزله موسى الهادي لما استخلف بعد موت أبيه المهديّ، بعد ما أقرّه فندم الفضل على قتل دحية وأظهر توبة وسار إلى بغداد، فمات عن خمسين سنة، في سنة اثنتين وسبعين ومائة، ولم يزل الجامع بالعسكر إلى أن ولي عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خزاعة على صلاة مصر وخراجها، من قبل عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون في ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، فزاد في عمارته، وكان الناس يصلون فيه الجمعة قبل بناء جامع أحمد بن طولون، ولم يزل هذا الجامع إلى ما بعد الخمسمائة من سني الهجرة. قال ابن المأمون في تاريخه من حوادث سنة سبع عشرة وخمسمائة، وكان يطلق في الأربع ليالي الوقود، وهي مستهلّ رجب ونصفه، ومستهلّ شعبان ونصفه، برسم الجوامع الستة، الأزهر والأنور والأقمر بالقاهرة، والطولونيّ والعتيق بمصر، وجامع القرافة والمشاهد التي تتضمن الأعضاء الشريفة، وبعض المساجد التي يكون لأربابها وجاهة جملة كثيرة من الزيت الطيب، ويختص بجامع راشدة وجامع ساحل الغلة بمصر، والجامع بالمقس يسير، ويعني بجامع ساحل الغلة جامع العسكر، فإنّ العسكر حينئذ كان قد خرب وحملت أنقاضه، وصار الجامع بساحل مصر، وهو الساحل القديم المذكور في موضعه من هذا الكتاب. ذكر العسكر كان مكان العسكر في صدر الإسلام يعرف بعد الفتح بالحمراء القصوى، وهي كما تقدّم خطة بني الأزرق وخطة بني روبيل وخطة بني يشكر بن جزيلة من لخم، ثم دثرت هذه الحمراء وصارت صحراء، فلما زالت دولة بني أمية ودخلت المسودة إلى مصر في طلب

стр. 1368

مروان بن محمد الجعديّ، في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهي خراب فضاء يعرف بعضه بجبل يشكر، نزل صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، وأبو عون عبد الملك بن يزيد بعسكرهما في هذا الفضاء، وأمر عبد الملك أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا. وسمي من يومئذ بالعسكر، وصار أمراء مصر إذا قدموا ينزلون فيه من بعد أبي عون. وقال الناس من عهده كنا بالعسكر، خرجنا إلى العسكر، وكنت في العسكر. فصارت مدينة الفسطاط والعسكر. ونزل الأمراء من عهد أبي عون بالعسكر، فلما ولي يزيد بن حاتم إمارة مصر، وقام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن وطرق المسجد، كتب أبو جعفر المنصور إلى يزيد بن حاتم يأمره أن يتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الديوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ست وأربعين ومائة، إلى أن قدم الأمير أبو العباس أحمد بن طولون من العراق أميرا على مصر، فنزل بالعسكر بدار الإمارة التي بناها صالح بن عليّ بعد هزيمة مروان وقتله، وكان لها باب إلى الجامع الذي بالعسكر، وكان الأمراء ينزلون بهذه الدار إلى أن نزلها أحمد بن طولون، ثم تحوّل منها إلى القطائع، وجعلها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون عند إمارته على مصر ديوانا للخراج، ثم فرّقت حجرا حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر، وزوال دولة بني طولون، وسكن محمد بن سليمان أيضا بدار في العسكر عند المصلّى القديم، ونزلها الأمراء من بعده إلى أن ولي الإخشيد محمد بن طفج فنزل بالعسكر أيضا، ولما بنى أحمد بن طولون القطائع اتصلت مبانيها بالعسكر، وبنى الجامع على جبل يشكر، فعمر ما هناك عمارة عظيمة، بحيث كانت هناك دار على بركة قارون أنفق عليها كافور الإخشيديّ مائة ألف دينار، وسكنها. وكان هناك مارستان أحمد بن طولون أنفق عليه وعلى مستغله ستين ألف دينار. وقدمت عساكر المعز لدين اللّه مع كاتبه وغلامه جوهر القائد في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة والعسكر عامر، غير أنه منذ بنى أحمد بن طولون القطائع هجر اسم العسكر، وصار يقال مدينة الفسطاط والقطائع، فلما خرّب محمد بن سليمان الكاتب قصر ابن طولون وميدانه، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، صارت القطائع فيها المساكن الجليلة، حيث كان العسكر، وأنزل المعز لدين اللّه عمه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الغلاء الكائن بمصر في خلافة المستنصر، أعوام بضع وخمسين وأربعمائة. فيقال أنه كان هنالك ما ينيف على مائة ألف دار، ولا ينكر ذلك. فانظر ما بين سفح الجبل حيث القلعة الآن، وبين ساحل مصر القديم الذي يعرف اليوم بالكبارة، وما بين كوم الجارح من مصر، وقناطر السباع، فهناك كانت القطائع والعسكر، ويخص العسكر من ذلك ما بين قناطر السباع وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح، حيث الفضاء الذي يتوسط فيما بين قنطرة السدّ وباب المخدم من جهة القرافة، فهناك كان العسكر. ولما استولى

стр. 1369

الخراب في المحنة زمن المستنصر، أمر الوزير الناصر للدين عبد الرحمن البازوريّ ببناء حائط يستر الخراب إذا توجه الخليفة إلى مصر، فيما بين العسكر والقطائع وبين الطريق، وأمر فبنى حائط آخر عند جامع ابن طولون. فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر، بأن من كان له دار في الخراب أو مكان يعمره، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره، من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخر بعد ذلك فلا حق له ولا حكر يلزمه، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق، فعمر الناس ما كان منه مما يلي القاهرة، من حيث مشهد السيدة نفيسة إلى ظاهر باب زويلة، ونقلت أنقاض العسكر، فصار الفضاء الذي يوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة، ومن الجامع الطولونيّ، ومن قنطرة السدّ، ويسلك فيه إلى حيث كوم الجارح. والعامر الآن من العسكر جبل يشكر الذي فيه جامع ابن طولون وما حوله إلى قناطر السباع. كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى. جامع ابن طولون هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر. قال ابن عبد الظاهر: وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل أنّ موسى ﵇ ناجى ربه عليه بكلمات. وابتدأ في بناء هذا الجامع الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بناء القطائع، في سنة ثلاث وستين ومائتين. قال جامع السيرة الطولونية: كان أحمد بن طولون يصلّى الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عليه بنى الجامع الجديد، مما أفاء اللّه عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون، ومنه بنى العين. فلما أراد بناء الجامع قدّر له ثلاثمائة عمود، فقيل له: ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب، فتحمل ذلك، فأنكر ذلك ولم يختره، وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصرانيّ الذي تولى له بناء العين، وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق الخبر. فكتب إليه يقول: أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلاّ عمودي القبلة، فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك ما تقول في بناء الجامع؟ فقال: أنا أصوّره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلاّ عمودي القبلة. فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت، وصوّره له فأعجبه واستحسنه، وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مأئة ألف دينار. فقال له: أنفق، وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك. فوضع النصرانيّ يده في البناء في الموضع الذي هو فيه، وهو جبل يشكر، فكان ينشر منه ويعمل الجيرو يبني إلى أن فرغ من جميعه، وبيّضه وخلّقه وعلّق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال، وفرش فيه الحصر، وحمل إليه صناديق المصاحف، ونقل إليه القرّاء والفقهاء، وصلّى فيه بكار بن قتيبة القاضي، وعمل الربيع بن سليمان بابا فيما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من بنى للّه مسجدا

стр. 1370

ولو كمفحص (١) قطاة، بنى اللّه له بيتا في الجنة». فلما كان أوّل جمعة صلاها فيه أحمد بن طولون وفرغت الصلاة، جلس محمد بن الربيع خارج المقصورة، وقام المستملي وفتح باب المقصورة، وجلس أحمد بن طولون، ولم ينصرف والغلمان قيام وسائر الحجاب حتى فرغ المجلس، فلما فرغ المجلس خرج إليه غلام بكيس فيه ألف دينار وقال: يقول لك الأمير نفعك اللّه بما علّمك، وهذه لأبي طاهر، يعني ابنه، وتصدّق أحمد بن طولون بصدقات عظيمة فيه، وعمل طعاما عظيما للفقراء والمساكين، وكان يوما عظيما حسنا. وراح أحمد بن طولون ونزل في الدار التي عملها فيه للإمارة، وقد فرشت وعلّقت وحملت إليها الآلات والأواني وصناديق الأشربة وما شاكلها، فنزل بها أحمد وجدّد طهره وغير ثيابه وخرج من بابها إلى المقصورة، فركع وسجد شكرا للّه تعالى على ما أعانه عليه من ذلك ويسره له. فلما أراد الانصراف، خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوّارة، وخرج إلى باب الريح. فصعد النصرانيّ الذي بنى الجامع ووقف إلى جانب المركب النحاس وصاح: يا أحمد بن طولون، يا أمير الأمان، عبدك يريد الجائزة ويسأل الأمان، أن لا يجري عليه مثل ما جرى في المرّة الأولى. فقال له أحمد بن طولون: انزل فقد أمّنك اللّه، ولك الجائزة. فنزل وخلع عليه وأمر له بعشرة آلاف دينار، وأجرى عليه الرزق الواسع إلى أن مات. وراح أحمد بن طولون في يوم الجمعة إلى الجامع، فلما رقى الخطيب المنبر وخطب، وهو أبو يعقوب البلخيّ، دعا للمعتمد ولولده، ونسي أن يدعو لأحمد بن طولون، ونزل عن المنبر، فأشار أحمد إلى نسيم الخادم أن أضربه خمسمائة سوط. فذكر الخطيب سهوه وهو على مراقي المنبر، فعاد وقال: الحمد للّه، وصلّى اللّه على محمد ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه/ ١١٥] اللهمّ وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين. وزاد في الشكر والدعاء له بقدر الخطبة ثم نزل، فنظر أحمد إلى نسيم أن أجعلها دنانير، ووقف الخطيب على ما كان منه، فحمد اللّه تعالى على سلامته وهنأه الناس بالسلامة. ورأى أحمد بن طولون الصنّاع يبنون في الجامع عند العشاء، وكان في شهر رمضان فقال: متى يشتري هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم وأولادهم، اصرفوهم العصر. فصارت سنّة إلى اليوم بمصر. فلما فرغ شهر رمضان، قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى رسمهم. فقال: قد بلغني دعاؤهم، وقد تبرّكت به، وليس هذا مما يوفر العمل علينا. وفرغ منه في شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين، وتقرّب الناس إلى ابن طولون بالصلاة فيه، وألزم أولادهم كلهم صلاة الجمعة في فوّارة الجامع، ثم يخرجون بعد الصلاة إلى مجلس
следующие страницы →