← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

يستقبل مشرق الشتاء، سواء إلى أن يصل إلى عيذاب ولا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحل بمكة، فإذا عاد من مكة استقبل المغرب، فاعرف من هذا أن مكة واقعة في النصف الشرقيّ من الربع الجنوبيّ بالنسبة إلى أرض مصر، وهذا هو سمت محاريب الصحابة التي بديار مصر والإسكندرية، وهو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر. برهان آخر: وهو أن من سار من مكة يريد مصر على الجادّة، فإنه يستقبل ما بين القطب الشماليّ الذي هو الجدي، وبين مغرب الصيف مدّة يومين، وبعض اليوم الثالث، وفي هذه المدّة يكون مهب النكباء التي بين الشمال والمغرب تلقاء وجهه، ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيام أوسط الشمال، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى بدر، فإذا سار من بدر إلى المدينة النبوية صار مشرق الصيف تلقاء وجهه تارة ومشرق الاعتدال تارة إلى أن ينتهي إلى المدينة، فإذا رجع من المدينة إلى الصفراء، استقبل مغرب الشتاء إلى أن يعدل إلى ينبع، فيصير تارة يسير شمالا وتارة يسير مغربا، ويكون ينبع من مكة على حد النكباء التي بين الشمال ومغرب الصيف، فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي ومغرب الثريا، وهو مغرب الصيف، وهبت النكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين، فإذا سار من مدين استقبل تارة الشمال وأخرى مغرب الصيف حتى يدخل إيلة، ومن إيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة ويميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشتاء أخرى، إلى أن يصل إلى القاهرة ومصر، فلو فرضنا خطا خرج من محاريب مصر الصحيحة التي وضعها الصحابة، ومرّ على استقامة من غير ميل ولا انحراف لا تصل بالكعبة ولصق بها. واعلم أن أهل مصر والإسكندرية وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وبرقة وإفريقية وطرابلس المغرب وصقلية والأندلس وسواحل المغرب إلى السوس الأقصى والبحر المحيط وما على سمت هذه البلاد، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الركن الغربيّ إلى الميزاب، فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شيء من هذه البلاد فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، وإذا طلعت على صدغه الأيسر، ويكون الجدي على أذنه اليسرى، ومشرق الشمس تلقاء وجهه أو ريح الشمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الدبور خلف كتفه الأيمن، أو ريح الجنوب التي تهب من ناحية الصعيد على عينه اليمنى، فإنه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصحابة الذين أمرنا اللّه باتباع سبيلهم، ونهانا عن مخالفتهم بقوله : ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء/ ١٥٥] ألهمنا اللّه بمنه اتباع طريقهم، وصيرنا بكرمه من حزبهم وفريقهم إنه على كلّ شيء قدير.

стр. 1367

جامع العسكر هذا الجامع بظاهر مصر، وهو حيث الفضاء الذي هو اليوم فيما بين جامع أحمد بن طولون وكوم الجارح بظاهر مدينة مصر، وكان إلى جانب الشرطة والدار التي يسكنها أمراء مصر، ومن هذه الدار إلى الجامع باب، وكان يجمع فيه الجمعة، وفيه منبر ومقصورة، وهذا الجامع بناه الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في ولايته إمارة مصر، ملاصقا لشرطة العسكر التي كانت يقال لها الشرطة العليا، في سنة تسع وستين ومائة، فكانوا يجمعون فيه، وكانت ولاية الفضل إمارة مصر من قبل المهديّ محمد بن أبي جعفر المنصور على الصلاة والخراج، فدخلها سلخ المحرّم سنة تسع وستين ومائة، في عسكر من الجند عظيم أتى بهم من الشام، ومصر تضطرم لما كان في الحوف، ولخروج دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، فقام في ذلك وجهز الجنود حتى أسر دحية وضرب عنقه في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وكان يقول أنا أولى الناس بولاية مصر لقيامي في أمر دحية، وقد عجز عنه غيري، حتى كفيت أهل مصر أمره، فعزله موسى الهادي لما استخلف بعد موت أبيه المهديّ، بعد ما أقرّه فندم الفضل على قتل دحية وأظهر توبة وسار إلى بغداد، فمات عن خمسين سنة، في سنة اثنتين وسبعين ومائة، ولم يزل الجامع بالعسكر إلى أن ولي عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خزاعة على صلاة مصر وخراجها، من قبل عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون في ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، فزاد في عمارته، وكان الناس يصلون فيه الجمعة قبل بناء جامع أحمد بن طولون، ولم يزل هذا الجامع إلى ما بعد الخمسمائة من سني الهجرة. قال ابن المأمون في تاريخه من حوادث سنة سبع عشرة وخمسمائة، وكان يطلق في الأربع ليالي الوقود، وهي مستهلّ رجب ونصفه، ومستهلّ شعبان ونصفه، برسم الجوامع الستة، الأزهر والأنور والأقمر بالقاهرة، والطولونيّ والعتيق بمصر، وجامع القرافة والمشاهد التي تتضمن الأعضاء الشريفة، وبعض المساجد التي يكون لأربابها وجاهة جملة كثيرة من الزيت الطيب، ويختص بجامع راشدة وجامع ساحل الغلة بمصر، والجامع بالمقس يسير، ويعني بجامع ساحل الغلة جامع العسكر، فإنّ العسكر حينئذ كان قد خرب وحملت أنقاضه، وصار الجامع بساحل مصر، وهو الساحل القديم المذكور في موضعه من هذا الكتاب. ذكر العسكر كان مكان العسكر في صدر الإسلام يعرف بعد الفتح بالحمراء القصوى، وهي كما تقدّم خطة بني الأزرق وخطة بني روبيل وخطة بني يشكر بن جزيلة من لخم، ثم دثرت هذه الحمراء وصارت صحراء، فلما زالت دولة بني أمية ودخلت المسودة إلى مصر في طلب

стр. 1368

مروان بن محمد الجعديّ، في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهي خراب فضاء يعرف بعضه بجبل يشكر، نزل صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، وأبو عون عبد الملك بن يزيد بعسكرهما في هذا الفضاء، وأمر عبد الملك أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا. وسمي من يومئذ بالعسكر، وصار أمراء مصر إذا قدموا ينزلون فيه من بعد أبي عون. وقال الناس من عهده كنا بالعسكر، خرجنا إلى العسكر، وكنت في العسكر. فصارت مدينة الفسطاط والعسكر. ونزل الأمراء من عهد أبي عون بالعسكر، فلما ولي يزيد بن حاتم إمارة مصر، وقام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن وطرق المسجد، كتب أبو جعفر المنصور إلى يزيد بن حاتم يأمره أن يتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الديوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ست وأربعين ومائة، إلى أن قدم الأمير أبو العباس أحمد بن طولون من العراق أميرا على مصر، فنزل بالعسكر بدار الإمارة التي بناها صالح بن عليّ بعد هزيمة مروان وقتله، وكان لها باب إلى الجامع الذي بالعسكر، وكان الأمراء ينزلون بهذه الدار إلى أن نزلها أحمد بن طولون، ثم تحوّل منها إلى القطائع، وجعلها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون عند إمارته على مصر ديوانا للخراج، ثم فرّقت حجرا حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر، وزوال دولة بني طولون، وسكن محمد بن سليمان أيضا بدار في العسكر عند المصلّى القديم، ونزلها الأمراء من بعده إلى أن ولي الإخشيد محمد بن طفج فنزل بالعسكر أيضا، ولما بنى أحمد بن طولون القطائع اتصلت مبانيها بالعسكر، وبنى الجامع على جبل يشكر، فعمر ما هناك عمارة عظيمة، بحيث كانت هناك دار على بركة قارون أنفق عليها كافور الإخشيديّ مائة ألف دينار، وسكنها. وكان هناك مارستان أحمد بن طولون أنفق عليه وعلى مستغله ستين ألف دينار. وقدمت عساكر المعز لدين اللّه مع كاتبه وغلامه جوهر القائد في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة والعسكر عامر، غير أنه منذ بنى أحمد بن طولون القطائع هجر اسم العسكر، وصار يقال مدينة الفسطاط والقطائع، فلما خرّب محمد بن سليمان الكاتب قصر ابن طولون وميدانه، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، صارت القطائع فيها المساكن الجليلة، حيث كان العسكر، وأنزل المعز لدين اللّه عمه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الغلاء الكائن بمصر في خلافة المستنصر، أعوام بضع وخمسين وأربعمائة. فيقال أنه كان هنالك ما ينيف على مائة ألف دار، ولا ينكر ذلك. فانظر ما بين سفح الجبل حيث القلعة الآن، وبين ساحل مصر القديم الذي يعرف اليوم بالكبارة، وما بين كوم الجارح من مصر، وقناطر السباع، فهناك كانت القطائع والعسكر، ويخص العسكر من ذلك ما بين قناطر السباع وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح، حيث الفضاء الذي يتوسط فيما بين قنطرة السدّ وباب المخدم من جهة القرافة، فهناك كان العسكر. ولما استولى

стр. 1369

الخراب في المحنة زمن المستنصر، أمر الوزير الناصر للدين عبد الرحمن البازوريّ ببناء حائط يستر الخراب إذا توجه الخليفة إلى مصر، فيما بين العسكر والقطائع وبين الطريق، وأمر فبنى حائط آخر عند جامع ابن طولون. فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر، بأن من كان له دار في الخراب أو مكان يعمره، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره، من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخر بعد ذلك فلا حق له ولا حكر يلزمه، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق، فعمر الناس ما كان منه مما يلي القاهرة، من حيث مشهد السيدة نفيسة إلى ظاهر باب زويلة، ونقلت أنقاض العسكر، فصار الفضاء الذي يوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة، ومن الجامع الطولونيّ، ومن قنطرة السدّ، ويسلك فيه إلى حيث كوم الجارح. والعامر الآن من العسكر جبل يشكر الذي فيه جامع ابن طولون وما حوله إلى قناطر السباع. كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى. جامع ابن طولون هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر. قال ابن عبد الظاهر: وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل أنّ موسى ﵇ ناجى ربه عليه بكلمات. وابتدأ في بناء هذا الجامع الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بناء القطائع، في سنة ثلاث وستين ومائتين. قال جامع السيرة الطولونية: كان أحمد بن طولون يصلّى الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عليه بنى الجامع الجديد، مما أفاء اللّه عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون، ومنه بنى العين. فلما أراد بناء الجامع قدّر له ثلاثمائة عمود، فقيل له: ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضياع الخراب، فتحمل ذلك، فأنكر ذلك ولم يختره، وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصرانيّ الذي تولى له بناء العين، وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق الخبر. فكتب إليه يقول: أنا أبنيه لك كما تحب وتختار بلا عمد إلاّ عمودي القبلة، فأحضره وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك ما تقول في بناء الجامع؟ فقال: أنا أصوّره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلاّ عمودي القبلة. فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت، وصوّره له فأعجبه واستحسنه، وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنفقة عليه مأئة ألف دينار. فقال له: أنفق، وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك. فوضع النصرانيّ يده في البناء في الموضع الذي هو فيه، وهو جبل يشكر، فكان ينشر منه ويعمل الجيرو يبني إلى أن فرغ من جميعه، وبيّضه وخلّقه وعلّق فيه القناديل بالسلاسل الحسان الطوال، وفرش فيه الحصر، وحمل إليه صناديق المصاحف، ونقل إليه القرّاء والفقهاء، وصلّى فيه بكار بن قتيبة القاضي، وعمل الربيع بن سليمان بابا فيما روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من بنى للّه مسجدا

стр. 1370

ولو كمفحص (١) قطاة، بنى اللّه له بيتا في الجنة». فلما كان أوّل جمعة صلاها فيه أحمد بن طولون وفرغت الصلاة، جلس محمد بن الربيع خارج المقصورة، وقام المستملي وفتح باب المقصورة، وجلس أحمد بن طولون، ولم ينصرف والغلمان قيام وسائر الحجاب حتى فرغ المجلس، فلما فرغ المجلس خرج إليه غلام بكيس فيه ألف دينار وقال: يقول لك الأمير نفعك اللّه بما علّمك، وهذه لأبي طاهر، يعني ابنه، وتصدّق أحمد بن طولون بصدقات عظيمة فيه، وعمل طعاما عظيما للفقراء والمساكين، وكان يوما عظيما حسنا. وراح أحمد بن طولون ونزل في الدار التي عملها فيه للإمارة، وقد فرشت وعلّقت وحملت إليها الآلات والأواني وصناديق الأشربة وما شاكلها، فنزل بها أحمد وجدّد طهره وغير ثيابه وخرج من بابها إلى المقصورة، فركع وسجد شكرا للّه تعالى على ما أعانه عليه من ذلك ويسره له. فلما أراد الانصراف، خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوّارة، وخرج إلى باب الريح. فصعد النصرانيّ الذي بنى الجامع ووقف إلى جانب المركب النحاس وصاح: يا أحمد بن طولون، يا أمير الأمان، عبدك يريد الجائزة ويسأل الأمان، أن لا يجري عليه مثل ما جرى في المرّة الأولى. فقال له أحمد بن طولون: انزل فقد أمّنك اللّه، ولك الجائزة. فنزل وخلع عليه وأمر له بعشرة آلاف دينار، وأجرى عليه الرزق الواسع إلى أن مات. وراح أحمد بن طولون في يوم الجمعة إلى الجامع، فلما رقى الخطيب المنبر وخطب، وهو أبو يعقوب البلخيّ، دعا للمعتمد ولولده، ونسي أن يدعو لأحمد بن طولون، ونزل عن المنبر، فأشار أحمد إلى نسيم الخادم أن أضربه خمسمائة سوط. فذكر الخطيب سهوه وهو على مراقي المنبر، فعاد وقال: الحمد للّه، وصلّى اللّه على محمد ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه/ ١١٥] اللهمّ وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين. وزاد في الشكر والدعاء له بقدر الخطبة ثم نزل، فنظر أحمد إلى نسيم أن أجعلها دنانير، ووقف الخطيب على ما كان منه، فحمد اللّه تعالى على سلامته وهنأه الناس بالسلامة. ورأى أحمد بن طولون الصنّاع يبنون في الجامع عند العشاء، وكان في شهر رمضان فقال: متى يشتري هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم وأولادهم، اصرفوهم العصر. فصارت سنّة إلى اليوم بمصر. فلما فرغ شهر رمضان، قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى رسمهم. فقال: قد بلغني دعاؤهم، وقد تبرّكت به، وليس هذا مما يوفر العمل علينا. وفرغ منه في شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين، وتقرّب الناس إلى ابن طولون بالصلاة فيه، وألزم أولادهم كلهم صلاة الجمعة في فوّارة الجامع، ثم يخرجون بعد الصلاة إلى مجلس

стр. 1371

الربيع بن سليمان ليكتبوا العلم، مع كلّ واحد منهم ورّاق وعدّة غلمان. وبلغت النفقة على هذا الجامع في بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار. ويقال أنّ أحمد بن طولون رأى في منامه كأنّ اللّه تعالى قد تجلّى ووقع نوره على المدينة التي حول الجامع، إلاّ الجامع فإنه لم يقع عليه من النور شيء، فتألم وقال: واللّه ما بنيته إلاّ للّه خالصا، ومن المال الحلال الذي لا شبهة فيه. فقال له معبّر حاذق: هذا الجامع يبقى ويخرب كل ما حوله، لأنّ اللّه تعالى قال: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف/ ١٤٣] فكل شيء يقع عليه جلال اللّه لا يثبت. وقد صحّ تعبير هذه الرؤيا، فإن جميع ما حول الجامع خرب دهرا طويلا، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب، وبقي الجامع عامرا، ثم عادت العمارة لما حوله كما هي الآن. قال القضاعيّ ﵀، وذكر أن السبب في بنائه، أنّ أهل مصر شكوا إليه ضيق الجامع يوم الجمعة من جنده وسودانه، فأمر بإنشاء المسجد الجامع بجبل يشكر بن جديلة من لخم، فابتدأ بنيانه في سنة ثلاث وستين ومائتين، وفرغ منه سنة خمس وستين ومائتين، وقيل أنّ أحمد بن طولون قال: أريد أن أبنى بناء، إن احترقت مصر بقي، وإن غرقت بقي. فقيل له: يبنى بالجير والرماد والآجر الأحمر القويّ النار إلى السقف، ولا يجعل فيه أساطين رخام، فإنه لا صبر لها على النار، فبناه هذا البناء وعمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية، وعليها خدم وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة، وبناه على بناء جامع سامراء، وكذلك المنارة، وعلّق فيه سلاسل النحاس المفرغة، والقناديل المحكمة، وفرشه بالحصر العبدانية والسامانية. حديث الكنز: قال جامع السيرة: لما ورد على أحمد بن طولون كتاب المعتمد بما استدعاه من ردّ الخراج بمصر إليه، وزاده المعتمد مع ما طلب الثغور الشامية، رغب بنفسه عن المعادن ومرافقها، فأمر بتركها، وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال، ومنع المتقبلين من الفسخ على المزارعين، وخطر الارتفاق على العمال، وكان قبل إسقاط المرافق بمصر، قد شاور عبد اللّه بن دسومة في ذلك، وهو يومئذ أمين على أبي أيوب متولي الخراج. فقال: إن أمنني الأمير تكلمت بما عندي. فقال له: قد أمنك اللّه . فقال: أيها الأمير، إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان والحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، والمفرّط من خلط بينهما، فيتلف أعماله ويبطل سعيه، وأفعال الأمير أيّده اللّه الخير وتوكله توكل الزهاد، وليس مثله من ركب خطة لم يحكمها، ولو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر، لما كان شيء عندنا آثر من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، ولكن الإنسان قصير العمر، كثير المصائب، مدفوع إلى الآفات، وترك الإنسان ما قد أمكنه وصار في يده تضييع، ولعل الذي

стр. 1372

حماه، نفسه يكون سعادة لمن يأتي من بعده، فيعود ذلك توسعة لغيره بما حرمه هو، ويجتمع للأمير أيده اللّه بما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار، وإنّ فسخ ضياع الأمراء والمتقبلين في هذه السنة، لأنها سنة ظمأ توجب الفسيخ، زاد مال البلد وتوفر توفرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق، فيضبط به الأمير أيّده اللّه أمر دنياه، وهذه طريقة أمور الدنيا وأحكام أمور الرياسة والسياسة، وكلّ ما عدل الأمير أيده اللّه إليه من أمر غير هذا، فهو مفسد لدنياه، وهذا رأيي، والأمير أيده اللّه على ما عساه يراه. فقال له: ننظر في هذا إن شاء اللّه. وشغل قلبه كلامه، فبات تلك الليلة بعد أن مضى أكثر الليل يفكر في كلام ابن دسومة، فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزهاد بطرسوس وهو يقول له: ليس ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق (١) والفسخ (٢) برأي تحمد عاقبته، فلا تقبله. ومن ترك شيئا للّه عوّضه اللّه عنه، فأمض ما كنت عزمت عليه. فلما أصبح أنفذ الكتب إلى سائر الأعمال بذلك، وتقدّم به في سائر الدواوين بإمضائه، ودعا بابن دسومة فعرّفه بذلك، فقال له: قد أشار عليك رجلان، الواحد في اليقظة والآخر ميت في النوم، وأنت إلى الحيّ أقرب وبضمانه أوثق. فقال: دعنا من هذا، فلست أقبل منك. وركب في غد ذلك اليوم إلى نحو الصعيد، فلما أمعن في الصحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه، وهو رمل، فسقط الغلام في الرمل، فإذا بفتق، ففتح فأصيب فيه من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار، وهو الكنز الذي شاع خبره، وكتب به إلى العراق أحمد بن طولون بخير المعتمد به ويستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البرّ وغيرها، فبنى منه المارستان، ثم أصاب بعده في الجبل مالا عظيما، فبنى منه الجامع ووقف جميع ما بقي من المال في الصدقات، وكانت صدقاته ومعروفه لا تحصى كثرة. ولما انصرف من الصحراء وحمل المال أحضر ابن دسومة وأراه المال وقال له: بئس الصاحب والمستشار أنت، هذا أوّل بركة مشورة الميت في النوم، ولولا أنني أمنتك لضربت عنقك، وتغيّر عليه وسقط محله عنده، ورفع إليه بعد ذلك أنه قد أجحف بالناس وألزمهم أشياء ضجوا منها، فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه، فمات في حبسه. وكان ابن دسومة واسع الحيلة بخيل الكف زاهدا في شكر الشاكرين، لا يهش إلى شيء من أعمال البرّ. وكان أحمد بن طولون من أهل القرآن، إذا جرت منه إساءة استغفر وتضرّع. وقال ابن عبد الظاهر: سمعت غير واحد يقول إنه لما فرغ أحمد بن طولون من بناء هذا الجامع، أسرّ للناس بسماع ما يقوله الناس فيه من العيوب. فقال رجل: محرابه صغير،

стр. 1373

وقال آخر: ما فيه عمود. وقال آخر: ليست له ميضأة. فجمع الناس وقال: أما المحراب فإني رأيت رسول اللّه ﷺ وقد خطه لي، فأصبحت فرأيت النمل قد أطافت بالمكان الذي خطه لي، وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إمّا أن تكون من مسجد أو كنيسة فنزهته عنها، وأما الميضأة فإني نظرت فوجدت ما يكون بها من النجاسات فطهرته منها، وها أنا أبنيها خلفه، ثم أمر ببنائها. وقيل أنه لما فرغ من بنائه رأى في منامه كأن نارا نزلت من السماء فأخذت الجامع دون ما حوله، فلما أصبح قص رؤياه، فقيل له: أبشر بقبول الجامع، لأنّ النار كانت في الزمان الماضي إذا قبل اللّه قربانا نزلت نار من السماء أخذته، ودليله قصة قابيل وهابل. قال: ورأيت من يقول أنه عمّر ما حوله حتى كان خلفه مسطبة ذراع في ذراع، أجرتها في كلّ يوم اثنا عشر درهما، في بكرة النهار، لشخص يبيع الغزل ويشتريه، والظهر لخباز، والعصر لشيخ يبيع الحمص والفول. وقيل عن أحمد بن طولون أنه كان لا يعبث بشيء قط، فاتفق أنه أخذ درجا أبيض بيده وأخرجه ومدّه واستيقظ لنفسه وعلم أنه قد فطن به، وأخذ عليه لكونه لم تكن تلك عادته، فطلب المعمار على الجامع وقال: تبني المنارة التي للتأذين هكذا، فبنيت على تلك الصورة، والعامّة يقولون أن العشاري الذي على المنارة المذكورة يدور مع الشمس، وليس صحيحا وإنما يدور مع دوران الرياح، وكان الملك الكامل قد اعتنى بوقودها ليلة النصف من شعبان، ثم أبطلها. وقال المسبحيّ: إن الحاكم أنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة عشر مصحفا. وفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة في ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى، احترقت الفوّارة التي كانت بجامع ابن طولون فلم يبق منها شيء، وكانت في وسط صحنه قبة مشبكة من جميع جوانبها، وهي مذهبة على عشر عمد رخام وستة عشر عمود رخام في جوانبها، مفروشة كلها بالرخام، وتحت القبة قصعة رخام فسحتها أربعة أذرع، في وسطها فوّارة تفور بالماء، وفي وسطها قبة مزوّقة يؤذن فيها، وفي أخرى على سلمها، وفي السطح علامات الزوال، والسطح بدرابزين ساج، فاحترق جميع هذا في ساعة واحدة. وفي المحرّم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة أمر العزيز بالله بن المعز ببناء فوّارة عوضا عن التي احترقت، فعمل ذلك على يد راشد الحنفيّ، وتولى عمارتها ابن الرومية وابن البناء، وماتت أمّ العزيز في سلخ ذي القعدة من السنة واللّه أعلم. تجديد الجامع: وكان من خبر جامع ابن طولون أنه لما كان غلاء مصر في زمان المستنصر، وخربت القطائع والعسكر، عدم الساكن هناك وصار ما حول الجامع خرابا، وتوالت الأيام على ذلك وتشعث الجامع وخرب أكثره، وصار أخيرا ينزل فيه المغاربة بأباعرها ومتاعها عند ما تمرّ بمصر أيام الحج، فهيأ اللّه ﷻ لعمارة هذا الجامع، أن كان بين الملك الأشرف خليل بن قلاون وبين الأمير بيدر أمور موشحة تزايدت وتأكدت،

стр. 1374

إلى أن جمع بيدر من يثق به وقتل الأشرف بناحية تروجه في سنة ثلاث وتسعين وستمائة، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر مدرسته، وكان ممن وافق الأمير بيدرا على قتل الأشرف، الأمير حسام الدين لاجين المنصوريّ، والأمير قراسنقر، فلما قتل بيدر في محاربة مماليك الأشرف له، فرّ لاجين وقراسنقر من المعركة، فاختفى لاجين بالجامع الطولونيّ، وقراسنقر في داره بالقاهرة، وصار لاجين يتردّد بمفرده من غير أحد معه في الجامع وهو حينئذ خراب لا ساكن فيه، وأعطى اللّه عهدا إن سلّمه اللّه من هذه المحنة ومكنه من الأرض أن يجدّد عمارة هذا الجامع ويجعل له ما يقوم به، ثم إنه خرج منه في خفية إلى القرافة فأقام بها مدّة، وراسل قراسنقر فتحيل في لحاقه به، وعملا أعمالا إلى أن اجتمعا بالأمير زين الدين كتبغا المنصوري، وهو إذ ذاك نائب السلطنة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، والقائم بأمور الدولة كلها، فأحضرهما إلى مجلس السلطان بقلعة الجبل بعد أن أتقن أمرهما مع الأمراء ومماليك السلطان، فخلع عليهما وصار كلّ منهما إلى داره وهو آمن، فلم تطل أيام الملك الناصر في هذه الولاية حتى خلعه الأمير كتبغا وجلس على تخت الملك، وتلقب بالملك العادل، فجعل لاجين نائب السلطنة بديار مصر، وجرت أمور اقتضت قيام لاجين على كتبغا وهم بطريق الشام، ففرّ كتبغا إلى دمشق واستولى لاجين على دست المملكة، وسار إلى مصر وجلس على سرير الملك بقلعة الجبل، وتلقب بالملك المنصور في المحرّم من سنة ست وتسعين وستمائة، فأقام قراسنقر في نيابة السلطنة بديار مصر، وأخرج الناصر محمد بن قلاون من قلعة الجبل إلى كرك الشوبك، فجعله في قلعتها، وأعانه أهل الشام على كتبغا حتى قبض عليه وجعله نائب حماه، فأقام بها مدّة سنين بعد سلطنة مصر والشام وخلع على الأمير علم الدين سنجر الدواداريّ وأقامه في نيابة دار العدل، وجعل إليه شراء الأوقاف على الجامع الطولونيّ، وصرف إليه كلّ ما يحتاج إليه في العمارة، وأكد عليه في أن لا يسخّر فيه فاعلا ولا صانعا، وأن لا يقيم مستحثا للصناع، ولا يشتري لعمارته شيئا مما يحتاج إليه من سائر الأصناف إلاّ بالقيمة التامة، وأن يكون ما ينفق على ذلك من ماله، وأشهد عليه بوكالته، فابتاع منية أندونة من أراضي الجيزة، وعرفت هذه القرية بأندونة، كاتب بمصر كان نصرانيا في زمن أحمد بن طولون، وممن نكبه وأخذ منه خمسين ألف دينار، واشترى أيضا ساحة بجوار جامع أحمد بن طولون مما كان في القديم عامرا ثم خرب، وحكرها وعمر الجامع، وأزال كلّ ما كان فيه من تخريب، وبلطه وبيضه ورتب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة التي عمل أهل مصر عليها الآن، ودرسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم، ودرسا لحديث النبيّ ﷺ ، ودرسا للطب، وقرّر للخطيب معلوما، وجعل له إماما راتبا، ومؤذنين وفرّاشين وقومة، وعمل بجواره مكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه ، وغير ذلك من أنواع القربات ووجوه البرّ، فبلغت النفقة على عمارة الجامع وثمن مستغلاته عشرين ألف دينار، فلما شاء اللّه سبحانه أن يهلك لاجين، زيّن له

стр. 1375

سوء عمله، عزل الأمير قراسنقر من نيابة السلطنة، فعزله وولى مملوكه منكوتمر، وكان عسوفا عجولا حادّا، ولاجين مع ذلك يركن إليه ويعوّل في جميع أموره عليه ولا يخالف قوله ولا ينقض فعله، فشرع منكوتمر في تأخير أمراء الدولة من الصالحية والمنصورية، وأعجل في إظهار التهجم لهم والإعلان بما يريده من القبض عليهم وإقامة أمراء غيرهم، فتوحشت القلوب منه وتمالأت على بغضه، ومشى القوم بعضهم إلى بعض وكاتبوا إخوانهم من أهل البلاد الشامية، حتى تمّ لهم ما يريدون، فواعد جماعة منهم إخوانهم على قتل السلطان لاجين ونائبه منكوتمر، فما هو إلاّ أن صلّى السلطان العشاء الآخرة من ليلة الجمعة العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وستمائة، وإذا بالأمير كرجي وكان ممن هو قائم بين يديه، تقدّم ليصلح الشمعة، فضربه بسيف قد أخفاه معه أطار به زنده، وانقض عليه البقية ممن واعدوهم بالسيوف والخناجر، فقطعوه قطعا، وهو يقول اللّه اللّه، وخرجوا من فورهم إلى باب القلة من قلعة الجبل، فإذا بالأمير طفج قد جلس في انتظارهم ومعه عدّة من الأمراء، وكانوا إذ ذاك يبيتون بالقلعة دائما، فأمروا بإحضار منكوتمر من دار النيابة بالقلعة وقتلوه بعد مضيّ نصف ساعة من قتل أستاذه الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوريّ ﵀. فلقد كان مشكور السيرة. وفي سنة سبعة وستين وسبعمائة جدّد الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ درسا بجامع ابن طولون، فيه سبعا مدرّسين للحنفية، وقرّر لكلّ فقيه من الطلبة في الشهر أربعين درهما وأردب قمح، فانتقل جماعة من الشافعية إلى مذهب الحنفية. وأوّل من ولّي نظره بعد تجديده الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ وهو إذ ذاك دوادار السلطان الملك المنصور لاجين، ثم ولّي نظره قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، ثم من بعده الأمير مكين في أيام الناصر محمد بن قلاون، فجدّد في أوقافه طاحونا وفرنا وحوانيت. فلما مات وليه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، ثم ولاّه الناصر للقاضي كريم الدين الكبير، فحدّد فيه مئذنتين، فلما نكبه السلطان عاد نظره إلى قاضي القضاة الشافعيّ، وما برح إلى أيام الناصر حسن بن محمد بن قلاون، فولاّه للأمير صرغتمش، وتوفر في مدّة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضة، وقبض عليه وهي حاصلة، فباشره قاضي القضاة إلى أيام الأشرف شعبان بن حسين، ففوّض نظره إلى الأمير الجاي اليوسفيّ إلى أن غرق، فتحدّث فيه قاضي القضاة الشافعيّ إلى أن فوّض السلطان الملك الظاهر برقوق نظره إلى الأمير قطلو بغا الصفويّ، في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وكان الأمير منطاش مدّة تحكمه في الدولة فوّضه إلى المذكور في أواخر شوّال سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ثم عاد نظره إلى القضاة بعد الصفويّ وهو بأيديهم إلى اليوم. وفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة جدّد الرواق البحريّ الملاصق للمئذنة، الحاج عبيد اللّه محمد بن عبد الهادي الهويديّ البازدار مقدّم الدولة. وجدّد ميضأة بجانب الميضأة القديمة، وكان عبيد

стр. 1376

هذا بازدارا، ثم ترقّى حتى صار مقدّم الدولة، في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، ثم ترك زيّ المقدّمين وتزيّا بزيّ الأمراء، وحاز نعمة جليلة وسعادة طائلة حتى مات يوم السبت رابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. ذكر دار الإمارة وكان بجوار الجامع الطولونيّ دار أنشأها الأمير أحمد بن طولون عندما بني الجامع، وجعلها في الجهة القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب والمنبر، وجعل في هذه الدار جميع ما يحتاج إليه من الفرش والستور والآلات، فكان ينزل بها إذا راح إلى صلاة الجمعة، فإنها كانت تجاه القصر والميدان، فيجلس فيها ويجدّد وضوءه ويغير ثيابه، وكان يقال لها دار الإمارة، وموضعها الآن سوق الجامع حيث البزازين وغيرهم، ولم تزل هذه الدار باقية إلى أن قدم الإمام المعز لدين اللّه أبو تميم معدّ من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج. قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق في كتاب سيرة المعز: ولست عشرة بقيت من المحرّم، يعني من سنة ثلاث وستين وثلاثمائة قلّد المعز لدين اللّه الخراج وجميع وجوه الأعمال والحسبة والسواحل والأعشار والجوالي والأحباس والمواريث والشرطيين، وجميع ما ينضاف إلى ذلك، وما يطرأ في مصر وسائر الأعمال، أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، وعسلوج بن الحسن، وكتب لهما سجلا بذلك قريء يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون، وجلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأعمال، ثم خربت هذه الدار فيما خرب من القطائع والعسكر، وصار موضعها ساحة إلى أن حكرها الدويداريّ عند تجديد عمارة الجامع كما تقدّم، وقد ذكر بناء القيسارية في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر الأسواق. ذكر الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف اعلم أن أوّل من أذن لرسول اللّه ﷺ بلال بن رباح، مولى أبي بكر الصدّيق ﵄، بالمدينة الشريفة وفي الأسفار، وكان ابن أمّ مكتوم واسمه عمرو بن قيس بن شريح من بني عامر بن لؤيّ، وقيل اسمه عبد اللّه، وأمّه أمّ مكتوم، واسمها عاتكة بنت عبد اللّه بن عنكثة من بني مخزوم، ربما أذن بالمدينة، وأذن أبو محذورة، واسمه أوس، وقيل سمرة بن معير بن لوذان بن ربيعة بن معير بن عريج بن سعد بن جمح، وكان استأذن رسول اللّه ﷺ في أن يؤذن مع بلال، فأذن له وكان يؤذن في المسجد الحرام، وأقام بمكة ومات بها ولم يأت المدينة. قال ابن الكلبيّ: كان أبو محذورة لا يؤذن للنبيّ ﷺ بمكة إلاّ في الفجر، ولم يهاجر وأقام بمكة.

стр. 1377

وقال ابن جريج: علّم النبيّ ﷺ أبا محذورة الأذان بالجعرانة حين قسم غنائم حنين، ثم جعله مؤذنا في المسجد الحرام. وقال الشعبيّ: أذن لرسول اللّه ﷺ بلال وأبو محذورة وابن أمّ مكتوم، وقد جاء أن عثمان بن عفان ﵁ كان يؤذن بين يدي رسول اللّه ﷺ عند المنبر، وقال محمد بن سعد عن الشعبيّ: كان لرسول اللّه ﷺ ثلاثة مؤذنين، بلال وأبو محذورة وعمرو بن أمّ مكتوم، فإذا غاب بلال أذن أبو محذورة، وإذا غاب أبو محذورة أذن ابن أمّ مكتوم. قلت: لعلّ هذا كان بمكة. وذكر ابن سعد أنّ بلالا أذن بعد رسول اللّه ﷺ لأبي بكر ﵁، وأن عمر ﵁ أراده أن يؤذن له فأبى عليه فقال له: إلى من ترى أن أجعل النداء؟ فقال: إلى سعد القرظ فإنه قد أذن لرسول اللّه ﷺ ، فدعاه عمر ﵁ فجعل النداء إليه وإلى عقبه من بعده، وقد ذكر أن سعد القرظ كان يؤذن لرسول اللّه ﷺ بقباء. وذكر أبو داود في «مراسيله» والدارقطنيّ في «سننه»، قال بكير بن عبد اللّه الأشج: كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول اللّه ﷺ ، كلهم يصلون بأذان بلال ﵁. وقد كان عند فتح مصر الأذان إنما هو بالمسجد الجامع المعروف بجامع عمرو، وبه صلاة الناس بأسرهم، وكان من هدى الصحابة والتابعين ﵃ المحافظة على الجماعة وتشديد النكير على من تخلف عن صلاة الجماعة. قال أبو عمرو الكندي في ذكر من عرّف على المؤذنين بجامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر، وكان أوّل من عرّف على المؤذنين أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المراديّ، وهو من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، وقد أذن لعمر بن الخطاب، سار إلى مصر مع عمرو بن العاص يؤذن له حتى افتتحت مصر، فأقام على الأذان وضمّ إليه عمرو بن العاص تسعة رجال يؤذنون هو عاشرهم، وكان الأذان في ولده حتى انقرضوا. قال أبو الخير: حدّثني أبو مسلم وكان مؤذنا لعمرو بن العاص، أن الأذان كان أوّله لا إله إلا اللّه، وآخره لا إله إلاّ اللّه، وكان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات ويقول: هكذا كان الأذان. ثم عرّف عليهم أخوه شرحبيل بن عامر وكانت له صحبة، وفي عرافته زاد مسلمة بن مخلد في المسجد الجامع وجعل له المنار، ولم يكن قبل ذلك، وكان شرحبيل أوّل من رقي منارة مصر للأذان، وأن مسلمة بن مخلد اعتكف في منارة الجامع، فسمع أصوات النواقيس عالية بالفسطاط فدعا شرحبيل بن عامر، فأخبره بما ساءه من ذلك. فقال شرحبيل: فإني أمدّد بالأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر، فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت، فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الأذان، ومدّد شرحبيل ومطط أكثر الليل إلى أن مات شرحبيل سنة خمس وستين.

стр. 1378

وذكر عن عثمان ﵁ أنه أوّل من رزق المؤذنين، فلما كثرت مساجد الخطبة أمر مسلمة بن مخلد الأنصاريّ في إمارته على مصر ببناء المنار في جميع المساجد خلا مساجد تجيب وخولان، فكانوا يؤذنون في الجامع أوّلا، فإذا فرغوا أذن كلّ مؤذن في الفسطاط في وقت واحد، فكان لأذانهم دويّ شديد. وكان الأذان أوّلا بمصر كأذان أهل المدينة، وهو اللّه أكبر اللّه أكبر وباقيه كما هو اليوم، فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمرو بالفسطاط، وفي جامع العسكر، وفي جامع أحمد بن طولون وبقية المساجد إلى أن قدم القائد جوهر بجيوش المعز لدين اللّه وبنى القاهرة، فلما كان في يوم الجمعة الثامن من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، صلّى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون، وخطب به عبد السميع بن عمر العباسيّ بقلنسوة وسبني وطيلسان دبسيّ، وأذن المؤذنون حيّ على خير العمل، وهو أوّل ما أذن به بمصر، وصلّى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة ﴿إِذا جاءَكَ اَلْمُنافِقُونَ﴾ وقنت في الركعة الثانية وانحط إلى السجود ونسي الركوع، فصاح به عليّ بن الوليد قاضي عسكر جوهر بطلت الصلاة أعد ظهرا أربع ركعات، ثم أذن بحيّ على خير العمل في سائر مساجد العسكر إلى حدود مسجد عبد اللّه، وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم في كلّ سورة، ولا قرأها في الخطبة، فأنكره جوهر ومنعه من ذلك. ولأربع بقين من جمادى الأولى المذكور، أذّن في الجامع العتيق بحيّ على خير العمل، وجهروا في الجامع بالبسملة في الصلاة، فلم يزل الأمر على ذلك طول مدّة الخلفاء الفاطميين، إلاّ أن الحاكم بأمر اللّه في سنة أربعمائة أمر بجمع مؤذني القصر وسائر الجوامع، وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ، وقرأ أبو عليّ العباسيّ سجلا فيه الأمر بترك حيّ على خير العمل في الأذان، وأن يقال في صلاة الصبح الصلاة خير من النوم، وأن يكون ذلك من مؤذني القصر عند قولهم السلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه، فامتثل ذلك. ثم عاد المؤذنون إلى قول حيّ على خير العمل في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعمائة، ومنع في سنة خمس وأربعمائة مؤذني جامع القاهرة ومؤذني القصر من قولهم بعد الأذان السلام على أمير المؤمنين، وأمرهم أن يقولوا بعد الأذان، الصلاة رحمك اللّه. ولهذا الفعل أصل. قال الواقديّ: كان بلال ﵁ يقف على باب رسول اللّه ﷺ فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه، وربما قال: السلام عليك بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، السلام عليك يا رسول اللّه. قال البلاذريّ وقال غيره: كان يقول السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا رسول اللّه. فلما ولي أبو بكر ﵁ الخلافة كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول اللّه ورحمة اللّه

стр. 1379

وبركاته، حي على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا خليفة رسول اللّه. فلما استخلف عمر ﵁ كان سعد يقف على بابه فيقول: السلام عليك يا خليفة خليفة رسول اللّه ورحمة اللّه، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا خليفة خليفة رسول اللّه. فلما قال عمر ﵁ للناس: أنتم المؤمنين وأنا أميركم. فدعي أمير المؤمنين، استطالة لقول القائل يا خليفة خليفة رسول اللّه، ولمن بعده خليفة خليفة رسول اللّه. كان المؤذن يقول: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، الصلاة يا أمير المؤمنين. ثم إن عمر ﵁ أمر المؤذن فزاد فيها رحمك اللّه. ويقال أنّ عثمان ﵁ زادها، وما زال المؤذنون إذا أذنوا سلموا على الخلفاء وأمراء الأعمال، ثم يقيمون الصلاة بعد السلام، فيخرج الخليفة أو الأمير فيصلي بالناس. هكذا كان العمل مدّة أيام بني أمية، ثم مدّة خلافة بني العباس أيام كانت الخلفاء وأمراء الأعمال تصلي بالناس. فلما استولى العجم وترك خلفاء بني العباس الصلاة بالناس، ترك ذلك كما ترك غيره من سنن الإسلام، ولم يكن أحد من الخلفاء الفاطميين يصلي بالناس الصلوات الخمس في كل يوم، فسلم المؤذنون في أيامهم على الخليفة بعد الأذان للفجر فوق المنارات، فلمّا انقضت أيامهم وغير السلطان صلاح الدين رسومهم لم يتجاسر المؤذنون على السلام عليه احتراما للخليفة العباسيّ ببغداد، فجعلوا عوض السلام على الخليفة السلام على رسول اللّه ﷺ ، واستمرّ ذلك قبل الأذان للفجر في كلّ ليلة بمصر والشام والحجاز، وزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين عبد اللّه البرلسيّ، الصلاة والسلام عليك يا رسول اللّه، وكان ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة، فاستمرّ ذلك. ولمّا تغلب أبو عليّ بن كتيفات بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ على رتبة الوزارة في أيام الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله، في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وسجن الحافظ وقيده واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذخائر، وحملها إلى دار الوزارة، وكان إماميا متشدّدا في ذلك، خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية، وأظهر الدعاء للإمام المنتظر، وأزال من الأذان حيّ على خير العمل، وقولهم محمد وعليّ خير البشر، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنتسب إليه الإسماعيلية، فلما قتل في سادس عشر المحرّم سنة ست وعشرين وخمسمائة، عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ وأعيد إلى الأذان ما كان أسقط منه. وأوّل من قال في الأذان بالليل محمد وعليّ خير البشر، الحسين المعروف بأمير كابن شكنبه، ويقال أشكنبه، وهو اسم أعجميّ معناه الكرش، وهو عليّ بن محمد بن عليّ بن

стр. 1380

إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وكان أوّل تأذينه بذلك في أيام سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. قاله الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة، ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه حيّ على خير العمل، ومحمد وعليّ خير البشر إلى أيام نور الدين محمود. فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية، استدعى أبا الحسن عليّ بن الحسن بن محمد البلخيّ الحنفيّ إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء وألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان وقال لهم: مروهم يؤذنوا الأذان المشروع، ومن امتنع كبوه على رأسه. فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به، واستمرّ الأمر على ذلك. وأمّا مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر، وأزال الدولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعيّ ﵁، وعقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀، فأبطل من الأذان قول حيّ على خير العمل، وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة، وفيه تربيع التكبير وترجيع الشهادتين، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر وانتشر مذهب أبي حنيفة ﵁ في مصر، فصار يؤذن في بعض المدارس التي للحنيفة بأذان أهل الكوفة، وتقام الصلاة أيضا على رأيهم، وما عدا ذلك فعلى ما قلنا، إلاّ أنه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذنون من التأذين سلموا على رسول اللّه ﷺ ، وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدين عبد اللّه بن عبد اللّه البرلسيّ بعد سنة ستين وسبعمائة، فاستمرّ إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ومتولي الأمر بديار مصر الأمير منطاش، القائم بدولة الملك الصالح المنصور، أمير حاج المعروف بحاجي بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون. فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول اللّه ﷺ في ليلة جمعة، وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في كلّ أذان؟ قالوا: نعم. فبات تلك الليلة وأصبح متواجدا يزعم أنه رأى رسول اللّه ﷺ في منامه، وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب فيبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول اللّه ﷺ في كلّ أذان، فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبديّ وكان شيخا جهولا وبلهانا مهولا سيء السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة، ولا يراعي في مؤمن إلاّ ولا ذمّة قد ضرى على الآثام، وتجسد من أكل الحرام، يرى أن العلم إرخاء العذبة ولبس الجبة، ويحسب أنّ رضي اللّه سبحانه في ضرب العباد بالدرة وولاية الحسبة، لم تحمد الناس قط أياديه، ولا شكرت أبدا مساعيه، بل جهالاته شائعة وقبائح أفعاله ذائعة، أشخص غير مرّة إلى مجلس المظالم، وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين يدي السلطان من أجل عيوب فوادح، حقق فيها شكاته عليه القوادح، وما زال في السيرة

стр. 1381

مذموما ومن العامّة والخاصة ملوما. وقال له: رسول اللّه يأمرك أن تتقدّم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول اللّه، كما يفعل في ليالي الجمع، فأعجب الجاهل هذا القول، وجهل أنّ رسول اللّه ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلاّ بما يوافق ما شرّعه اللّه على لسانه في حياته، وقد نهى اللّه في كتابه العزيز عن الزيادة فيما شرعه حيث يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ اَلدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللّهُ﴾ [الشورى/ ٢١] وقال رسول اللّه ﷺ : «إياكم ومحدثات الأمور» فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة، وتمت هذه البدعة واستمرّت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام، وصارت العامّة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحلّ تركه، وأدّى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. وأما التسبيح في الليل على المآذن، فإنه لم يكن من فعل سلف الأمّة، وأوّل ما عرف من ذلك أن موسى بن عمران صلوات اللّه عليه، لما كان ببني إسرائيل في التيه بعد غرق فرعون وقومه، اتخذ بوقين من فضة مع رجلين من بني إسرائيل، ينفخان فيهما وقت الرحيل ووقت النزول، وفي أيام الأعياد، وعند ثلث الليل الأخير من كلّ ليلة، فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي سبط موسى ﵇ ويقولون نشيدا منزلا بالوحي، فيه تخويف وتحذير وتعظيم للّه تعالى، وتنزيله له تعالى، إلى وقت طلوع الفجر، واستمر الحال على هذا كلّ ليلة مدّة حياة موسى ﵇، وبعده أيام يوشع بن نون، ومن قام في بني إسرائيل من القضاة إلى أن قام بأمرهم داود ﵇ وشرع في عمارة بيت المقدس، فرتّب في كلّ ليلة عدّة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر، فمنهم من يضرب بالآلات كالعود والسطير والبربط والدف والمزمار. ونحو ذلك، ومنهم من يرفع عقيرته بالنشائد المنزلة بالوحي على نبيّ اللّه موسى ﵇، والنشائد المنزلة بالوحي على داود ﵇. ويقال أنّ عدد بني لاوي هذا كان ثمانين وثلاثين ألف رجل، قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزبور، فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس، قام في كلّ محلة من محال بيت المقدس رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه سبحانه من غير آلات، فإنّ الآلات كانت مما يختص ببيت المقدس فقط، وقد نهوا عن ضربها في غير البيت، فيتسامع من قرية بيت المقدس، فيقوم في كلّ قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه تعالى حتى يهمّ الصوت بالذكر جميع قرى بني إسرائيل ومدنهم، وما زال الأمر على ذلك في كلّ ليلة إلى أن خرّب بخت نصر بيت المقدس وجلا بني إسرائيل إلى بابل، فبطل هذا العمل وغيره من بلاد بني إسرائيل مدّة جلائهم في بابل سبعين سنة، فلما اعاد بنو إسرائيل من بابل وعمروا البيت العمارة

стр. 1382

الثانية، أقاموا شرائعهم وعاد قيام بني لاوي بالبيت في الليل، وقيام أهل محال القدس وأهل القرى والمدن على ما كان العمل عليه أيام عمارة البيت الأولى، واستمرّ ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبيّ اللّه يحيى بن زكريا، وقيام اليهود على روح اللّه ورسوله عيسى ابن مريم صلوات اللّه عليهم على يد طيطش، فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ وبطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل. وأما في الملة الإسلامية فكان ابتداء هذا العمل بمصر، وسببه أن مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى منارا لجامع عمرو بن العاص، واعتكف فيه فسمع أصوات النواقيس عالية، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال: إني أمدّد الأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر، فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت. فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الأذان، ومدّد شرحبيل ومطط أكثر الليل، ثم إن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون كان قد جعل في حجرة تقرب منه رجالا تعرف بالمكبرين، عدّتهم اثنا عشر رجلا، يبيت في هذه الحجرة كلّ ليلة أربعة يجعلون الليل بينهم عقبا، فكانوا يكبرون ويسبحون ويحمدون اللّه سبحانه في كلّ وقت ويقرءون القرآن بألحان، ويتوسلون ويقولون قصائد زهية، ويؤذنون في أوقات الأذان، وجعل لهم أرزاقا واسعة تجري عليهم. فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه، أقرّهم بحالهم وأجراهم على رسمهم مع أبيه، ومن حينئذ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المآذن، وصار يعرف ذلك بالتسبيح. فلما ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولى القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدبانيّ المارانيّ الشافعيّ، كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ في الأصول، فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاده، حتى يكفّر من خالفه، وتقدّم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل بذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة، فواظب المؤذنون على ذكرها في كلّ ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا. ومما أحدث أيضا، التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن، ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة، وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة. قال ابن كثير ﵀ في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن دمشق كما يذكر في مآذن الجامع الأمويّ، ففعل ذلك. الجامع الأزهر هذا الجامع أوّل مسجد أسس بالقاهرة، والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقليّ، مولى الإمام أبي تميم معدّ الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين اللّه لما اختط القاهرة، وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين

стр. 1383

وثلاثمائة، وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة وجمع فيه، وكتب بدائر القبة التي في الرواق الأوّل، وهي على يمنة المحراب والمنبر، ما نصه بعد البسملة: مما أمر ببنائه عبد اللّه ووليه أبو تميم معدّ الإمام المعز لدين اللّه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين، على يد عبده جوهر الكاتب الصقليّ، وذلك في سنة ستين وثلاثمائة. وأوّل جمعة جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة إحدى وستين وثلاثمائة. ثم إن العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين اللّه جدّد فيه أشياء، وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم ما يكفي كلّ واحد منهم من الرزق الناض، وأمر لهم بشراء دار وبنائها، فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلّى العصر، وكان لهم أيضا من مال الوزير صلة في كلّ سنة، وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلا، وخلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر، وحملهم على بغلات. ويقال أنّ بهذا الجامع طلسما، فلا يسكنه عصفور، ولا يفرّخ به، وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره، وهو صورة ثلاثة طيور منقوشة، كلّ صورة على رأس عمود، فمنها صورتان في مقدّم الجامع بالرواق الخامس، منهما صورة في الجهة الغربية في العمود، وصورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدّة المؤذنين، والصورة الأخرى في الصحن في الأعمدة القبلية مما يلي الشرقية، ثم إن الحاكم بأمر اللّه جدّده ووقف على الجامع الأزهر وجامع المقس والجامع الحاكميّ ودار العلم بالقاهرة رباعا بمصر، وضمّن ذلك كتابا نسخته: هذا كتاب، أشهد قاضي القضاة مالك بن سعيد بن مالك الفارقيّ، على جميع ما نسب إليه مما ذكر ووصف فيه، من حضر من الشهود في مجلس حكمه وقضائه بفسطاط مصر، في شهر رمضان سنة أربعمائة، أشهدهم وهو يومئذ قاضي، عبد اللّه ووليه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر اللّه المؤمنين بن الإمام العزيز بالله صلوات اللّه عليهما على القاهرة المعزية ومصر والإسكندرية والحرمين حرسهما اللّه، وأجناد الشام والرقة والرحبة ونواحي المغرب، وسائر أعمالهنّ وما فتحه اللّه ويفتحه لأمير المؤمنين من بلاد الشرق والغرب، بمحضر رجل متكلم أنّه صحت عنده معرفة المواضع الكاملة، والحصص الشائعة، التي يذكر جميع ذلك، ويحدد في هذا الكتاب، وأنها كانت من أملاك الحاكم إلى أن حبسها على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، والجامع براشدة، والجامع بالمقس، اللذين أمر بإنشائهما وتأسيس بنائهما، وعلى دار الحكمة بالقاهرة المحروسة التي وقفها، والكتب التي فيها قبل تاريخ هذا الكتاب، ومنها ما يخص الجامع الأزهر والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة. مشاعا، جميع ذلك غير مقسوم، ومنها ما يخص الجامع بالمقس، على شرائط يجري ذكرها، فمن ذلك ما تصدّق به على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، والجامع براشدة، ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة،

стр. 1384

جميع الدار المعروفة بدار الضرب، وجميع القيسارية المعروفة بقيسارية الصوف، وجميع الدار المعروفة بدار الخرق الجديدة، الذي كله بفسطاط مصر، ومن ذلك ما تصدّق به على جامع المقس، جميع أربعة الحوانيت والمنازل التي علوها والمخزنين الذي ذلك كله بفسطاط مصر بالراية في جانب المغرب من الدار المعروفة كانت بدار الخرق، وهاتان الداران المعروفتان بدار الخرق في الموضع المعروف بحمام الفار، ومن ذلك جميع الحصص الشائعة من أربعة الحوانيت المتلاصقة التي بفسطاط مصر بالراية، أيضا بالموضع المعروف بحمام الفار، وتعرف هذه الحوانيت بحصص القيسيّ، بحدود ذلك كله، وأرضه وبنائه وسفله وعلوه وغرفه ومرتفقاته وحوانيته وساحاته وطرقه وممرّاته ومجاري مياهه، وكل حق هو له داخل فيه وخارج عنه، وجعل ذلك كله صدقة موقوفة محرّمة محبسة بتة بتلة، لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تمليكها، باقية على شروطها جارية على سبلها المعروفة في هذا الكتاب، لا يوهنها تقادم السنين، ولا تغير بحدوث حدث، ولا يستثنى فيها ولا يتأوّل، ولا يستفتي بتجدّد تحبيسها مدى الأوقات، وتستمرّ شروطها على اختلاف الحالات حتى يرث اللّه الأرض والسماوات، على أن يؤجر ذلك في كلّ عصر من ينتهي إليه ولايتها ويرجع إليه أمرها، بعد مراقبة اللّه واجتلاب ما يوفر منفعتها من إشهارها عند ذوي الرغبة في إجارة أمثالها، فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك على حسب المصلحة وبقاء العين ومرمّته من غير إجحاف بما حبس ذلك عليه. وما فضل كان مقصوما على ستين سهما فمن ذلك للجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة المذكور في هذا الإشهاد، الخمس، والثمن، ونصف السدس، ونصف التسع، يصرف ذلك فيما فيه عمارة له ومصلحة، وهو من العين المعزيّ الوازن ألف دينار واحدة وسبعة وستون دينارا ونصف دينار وثمن دينار، من ذلك للخطيب بهذا الجامع أربعة وثمانون دينارا، ومن ذلك لثمن ألف ذراع حصر عبدانيّة تكون عدّة له بحيث لا ينقطع من حصره عند الحاجة إلى ذلك، ومن ذلك لثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مظفورة لكسوة هذا الجامع في كلّ سنة عند الحاجة إليها مائة دينار واحدة وثمانية دنانير، ومن ذلك لثمن ثلاثة قناطير زجاج وفراخها اثنا عشر دينارا ونصف وربع دينار، ومن ذلك لثمن عود هنديّ للبخور في شهر رمضان وأيام الجمع مع ثمن الكافور والمسك، وأجرة الصانع خمسة عشر دينارا، ومن ذلك لنصف قنطار شمع بالفلفليّ سبعة دنانير، ومن ذلك لكنس هذا الجامع ونقل التراب وخياطة الحصر وثمن الخيط وأجرة الخياطة خمسة دنانير، ومن ذلك لثمن مشاقة لسرج القناديل عن خمسة وعشرين رطلا بالرطل الفلفليّ دينار واحد، ومن ذلك لثمن فحم للبخور عن قنطار واحد بالفلفليّ نصف دينار، ومن ذلك لثمن أردبين ملحقا للقناديل ربع دينار، ومن ذلك ما قدّر لمؤنة النحاس والسلاسل والتنانير والقباب التي فوق سطح الجامع أربعة وعشرون دينارا، ومن ذلك لثمن سلب ليف وأربعة أحبل وست دلاء أدم نصف دينار، ومن ذلك لثمن

стр. 1385

قنطارين خرقا لمسح القناديل نصف دينار، ومن ذلك لثمن عشر قفاف للخدمة وعشرة أرطال قنب لتعليق القناديل ولثمن مائتين مكنسة لكنس هذا الجامع دينار واحد وربع دينار، ومن ذلك لثمن أزيار فخار تنصب على المصنع ويصبّ فيها الماء مع الجرة حملها ثلاثة دنانير، ومن ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع راتب السنة ألف رطل ومائتا رطل مع أجرة الحمل سبعة وثلاثون دينارا ونصف، ومن ذلك لأرزاق المصلين يعني الأئمة وهم ثلاثة وأربعة قومة ومسة عشر مؤذنا خمسمائة دينار وستة وخمسون دينارا ونصف، منها للمصلين لكلّ رجل منهم ديناران وثلثا دينار وثمن دينار في كلّ شهر من شهور السنة، والمؤذنون والقومة لكلّ رجل منهم ديناران في كلّ شهر، ومن ذلك للمشرف على هذا الجامع في كلّ سنة أربعة وعشرون دينارا، ومن ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع ونقل ما يخرج منه من الطين والوسخ دينار واحد، ومن ذلك لمرمّة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه وأترابه وحياطته وغير ذلك مما قدّر لكلّ سنة ستون دينارا، ومن ذلك لثمن مائة وثمانين حمل تبن ونصف حمل جارية لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار، ومن ذلك للتبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة أربعة دنانير، ومن ذلك لثمن فدّانين قرط لتربيع رأسي البقر المذكورين في النة سبعة دنانير، ومن ذلك لأجرة متولي العلف وأجرة السقاء والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك خمسة عشر دينارا ونصف، ومن ذلك لأجرة قيم الميضأة إن عملت بهذا الجامع اننا عشر دينارا. وإلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر، وأخذ في ذكر جامع راشدة ودار العلم وجامع المقس، ثم ذكر أن تنانير الفضة ثلاثة تنانير، وتسعة وثلاثون قنديلا فضة، فللجامع الأزهر تنوران وسبعة وعشرون قنديلا، ومنها لجامع راشدة تنور واثنا عشر قنديلا، وشرط أن تعلق في شهر رمضان وتعاد إلى مكان جرت عادتها أن تحفظ به، وشرط شروطا كثيرة في الأوقاف منها: أنه إذا فضل شيء واجتمع يشترى به ملك، فإن عاز شيئا واستهدم ولم يف الريع بعمارته بيع وعمر به، وأشياء كثيرة، وحبس فيه أيضا عدّة آدر وقياسر لا فائدة في ذكرها، فإنها مما خربت بمصر. قال ابن عبد الظاهر عن هذا الكتاب: ورأيت منه نسخة، وانتقلت إلى قاضي القضاة تقيّ الدين بن رزين، وكان بصدر هذا الجامع في محرابه منطقة فضة، كما كان في محراب جامع عمرو بن العاص بمصر، قلع ذلك صلاح الدين يوسف بن أيوب في حادي عشر ربيع الأوّل سنة تسع وستين وخمسمائة، لأنه كان فيها انتهاء خلفاء الفاطميين، فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة، وقلع أيضا المناطق من بقية الجوامع. ثم أن المستنصر جدّد هذا الجامع أيضا، وجدّده الحافظ لدين اللّه، وأنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربيّ الذي في مقدّم الجامع بداخل الرواقات، عرفت بمقصورة فاطمة، من أجل أن فاطمة الزهراء رضي اللّه تعالى عنها رؤيت بها في المنام، ثم أنه جدّد في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ.

стр. 1386

قال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في كتاب سيرة الملك الظاهر: لما كان يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأوّل سنة خمس وستين وستمائة، أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة، وسبب ذلك أن الأمير عز الدين أيدمر الحليّ كان جار هذا الجامع من مدّة سنين، فرعى وفقه اللّه حرمة الجار، ورأى أن يكون كما هو جاره في دار الدنيا، أنه غدا يكون ثوابه جاره في تلك الدار، ورسم بالنظر في أمره وانتزع له أشياء مغصوبة كان شيء منها في أيدي جماعة، وحاط أموره حتى جمع له شيئا صالحا، وجرى الحديث في ذلك، فتبرّع الأمير عز الدين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل، وأطلق له من السلطان جملة من المال، وشرع في عمارته فعمّر الواهي من أركانه وجدارنه وبيّضه وأصلح سقوفه وبلطه وفرشه وكساه، حتى عاد حرما في وسط المدينة، واستجدّ به مقصورة حسنة، وآثر فيه آثارا صالحة يثيبه اللّه عليها، وعمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ ﵀، ورتب في هذه المقصورة محدّثا يسمع الحديث النبويّ والرقائق، ووقف على ذلك الأوقاف الدارّ، ورتب به سبعة لقراءة القرآن، ورتب به مدرّسا أثابه اللّه على ذلك. ولما تكمّل تجديده تحدّث في إقامة جمعة فيه، فنودي في المدينة بذلك، واستخدم له الفقيه زين الدين خطيبا، وأقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور، وحضر الأتابك فارس الدين، والصاحب بها الدين عليّ بن حنا، وولده الصاحب فخر الدين محمد، وجماعة من الأمراء والكبراء، وأصناف العالم على اختلافهم، وكان يوم جمعة مشهودا، ولما فرغ من الجمعة جلس الأمير عز الدين الحليّ والأتابك والصاحب وقرئ القرآن ودعى للسلطان، وقام الأمير عز الدين ودخل إلى داره ودخل معه الأمراء، فقدّم لهم كلّ ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وانفصلوا، وكان قد جرى الحديث في أمر جواز الجمعة في الجامع وما ورد فيه. من أقاويل العلماء، وكتب فيها فتيا أخذ فيها خطوط العلماء بجواز الجمعة في هذا الجامع وإقامتها، فكتب جماعة خطوطهم فيها، وأقيمت صلاة الجمعة به واستمرّت، ووجد الناس به رفقا وراحة لقربه من الحارات البعيدة من الجامع الحاكميّ. قال وكان سقف هذا الجامع قد بني قصيرا فزيد فيه بعد ذلك وعلى ذراعا، واستمرّت الخطبة فيه حتى بني الجامع الحاكميّ، فانتقلت الخطبة إليه، فإن الخليفة كان يخطب فيه خطبة وفي الجامع الأزهر خطبة، وفي جامع ابن طولون خطبة، وفي جامع مصر خطبة، وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لما استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بالسلطنة، فإنه قلد وظيفة القضاء لقاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس، فعمل بمقتضى مذهبه، وهو امتناع إقامة الخطبتين للجمعة في بلد واحد كما هو مذهب الإمام الشافعيّ، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر وأقرّ الخطبة بالجامع الحاكميّ من أجل أنه أوسع. فلم يزل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه مائة عام، من حين استولى

стр. 1387

السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدّم ذكره. ثم لما كانت الزلزلة بديار مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة، سقط الجامع الأزهر والجامع الحاكميّ وجامع مصر وغيره، فتقاسم أمراء الدولة عمارة الجوامع، فتولى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عمارة الجامع الحاكميّ، وتولى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر، وتولى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصالح، فجدّدوا مبانيها وأعادوا ما تهدّم منها. ثم جدّدت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدين محمد بن حسين بن عليّ الأسعرديّ، محتسب القاهرة، في سنة خمس وعشرين وسبعمائة. ثم جدّدت عمارته في سنة إحدى وستين وسبعمائة، عند ما سكن الأمير الطواشي سعد الدين بشير الجامدار الناصريّ، في دار الأمير فخر الدين أبان الزاهديّ الصالحيّ النجميّ بخط الأبارين بجوار الجامع الأزهر، بعد ما هدمها وعمرها داره التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار، فأحب لقربه من الجامع أن يؤثر فيه أثرا صالحا، فاستأذن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في عمارة الجامع، وكان أثيرا عنده خصيصا به، فأذن له في ذلك. وكان قد استجدّ بالجامع عدّة مقاصير ووضعت فيه صناديق وخزائن حتى ضيقته، فأخرج الخزائن والصناديق ونزع تلك المقاصير، وتتبع جدرانه وسقوفه بالإصلاح حتى عادت كأنها جديدة، وبيّض الجامع كله وبلطه، ومنع الناس من المرور فيه، ورتب فيه مصحفا وجعل له قارئا، وأنشأ على باب الجامع القبليّ حانوتا لتسبيل الماء العذب في كلّ يوم، وعمل فوقه مكتب سبيل لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز، ورتب للفقراء المجاورين طعاما يطبخ كلّ يوم، وأنزل إليه قدورا من نحاس جعلها فيه، ورتب فيه درسا للفقهاء من الحنفية يجلس مدرّسهم لإلقاء الفقه في المحراب الكبير، ووقف على ذلك أوقافا جليلة باقية إلى يومنا هذا، ومؤذنو الجامع يدعون في كلّ جمعة وبعد كلّ صلاة للسلطان حسن إلى هذا الوقت الذي نحن فيه. وفي سنة أربع وثمانين وسبعمائة ولي الأمير الطواشي بهادر المقدّم على المماليك السلطانية نظر الجامع الأزهر، فتنجز مرسوم السلطان الملك الظاهر برقوق بأنّ من مات من مجاوري الجامع الأزهر عن غير وارث شرعيّ وترك موجودا فإنه يأخذه المجاورون بالجامع، ونقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحريّ. وفي سنة ثمانمائة هدمت منارة الجامع، وكانت قصيرة، وعمّرت أطول منها، فبلغت النفقة عليها من مال السلطان خمسة عشر ألف درهم نقرة، وكملت في ربيع الآخر من السنة المذكورة، فعلّقت القناديل فيها ليلة الجمعة من هذا الشهر، وأوقدت حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها، واجتمع القرّاء والوعاظ بالجامع وتلوا ختمة شريفة، ودعوا للسلطان فلم تزل هذه المئذنة إلى شوّال سنة سبع عشرة وثمانمائة، فهدمت لميل ظهر فيها، وعمل بدلها منارة من حجر على باب الجامع

стр. 1388

البحريّ، بعد ما هدم الباب وأعيد بناؤه بالحجر، وركبت المنارة فوق عقده، وأخذ الحجر لها من مدرسة الملك الأشرف خليل التي كانت تجاه قلعة الجبل، وهدمها الملك الناصر فرج بن برقوق، وقام بعمارة ذلك الأمير تاج الدين التاج الشوبكيّ والي القاهرة ومحتسبها، إلى أن تمت في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وثمانمائة، فلم تقم غير قليل ومالت حتى كادت تسقط، فهدمت في صفر سنة سبع وعشرين، وأعيدت. وفي شوّال منها ابتدئ بعمل الصهريج الذي بوسط الجامع، فوجد هناك آثار فسقية ماء، ووجد أيضا رمم أموات، وتمّ بناؤه في ربيع الأوّل، وعمل بأعلاه مكان مرتفع له قبة يسبل فيه الماء، وغرس بصحن الجامع أربع شجرات، فلم تفلح وماتت، ولم يكن لهذا الجامع ميضأة عندما بني، ثم عملت ميضأته حيث المدرسة الأقبغاوية إلى أن بنى الأمير أقبغا عبد الواحد مدرسته المعروفة بالمدرسة الأقبغاوية هناك، وأما هذه الميضأة التي بالجامع الآن فإن الأمير بدر الدين جنكل بن البابا بناها، ثم زيد فيها بعد سنة عشر وثمانمائة ميضأة المدرسة الأقبغاوية. وفي سنة ثمان عشرة وثمانمائة ولي نظر هذا الجامع الأمير سودوب القاضي حاجب الحجاب، فجرت في أيام نظره حوادث لم يتفق مثلها، وذلك أنه لم يزل في هذا الجامع منذ بني عدّة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدّتهم في هذه الأيام سبعمائة وخمسين رجلا ما بين عجم وزيالعة، ومن أهل ريف مصر ومغاربة، ولكلّ طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم الفقه والحديث والتفسير والنحو، ومجالس الوعظ وحلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الإنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده في غيره، وصار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البرّ من الذهب والفضة والفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة اللّه تعالى، وكلّ قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات، لا سيما في المواسم. فأمر في جمادى الأولى من هذه السنة بإخراج المجاورين من الجامع ومنعهم من الإقامة فيه، وإخراج ما كان لهم فيه من صناديق وخزائن وكراسي المصاحف، زعما منه أن هذا العمل مما يثاب عليه، وما كان إلاّ من أعظم الذنوب وأكثرها ضررا، فإنه حلّ بالفقراء بلاء كبير من تشتت شملهم وتعذر الأماكن عليهم، فساروا في القرى وتبذلوا بعد الصيانة، وفقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن ودراسة العلم وذكر اللّه، ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التعدّي، وأشاع أن أناسا يبيتون بالجامع ويفعلون فيه منكرات، وكانت العادة قد جرت بمبيت كثير من الناس في الجامع ما بين تاجر وفقيه وجنديّ وغيرهم، منهم من يقصد بمبيته البركة، ومنهم من لا يجد مكانا يأويه، ومنهم من يستروح بمبيته هناك خصوصا في ليالي الصيف وليالي شهر رمضان، فإنه يمتلئ صحنه وأكثر رواقاته. فلما كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادى الآخرة، طرق الأمير سودوب الجامع بعد العشاء الآخرة والوقت صيف، وقبض على جماعة وضربهم في الجامع، وكان قد جاء معه من الأعوان والغلمان

стр. 1389

وغوغاء العامّة ومن يريد النهب جماعة، فحلّ بمن كان في الجامع أنواع البلاء، ووقع فيهم النهب، فأخذت فرشهم وعمائمهم، وفتشت أوساطهم وسلبوا ما كان مربوطا عليها من ذهب وفضة، وعمل ثوبا أسود للمنبر وعلمين مزوّقين، بلغت النفقة على ذلك خمسة عشر ألف درهم، على ما بلغني، فعاجل اللّه الأمير سودوب وقبض عليه السلطان في شهر رمضان وسجنه بدمشق. جامع الحاكم هذا الجامع بني خارج باب الفتوح، أحد أبواب القاهرة، وأوّل من أسسه أمير المؤمنين العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه معدّ، وخطب فيه وصلّي بالناس الجمعة، ثم أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه. فما وسّع أمير الجيوش بدر الجماليّ القاهرة وجعل أبوابها حيث هي اليوم، صار جامع الحاكم داخل القاهرة، وكان يعرف أوّلا بجامع الخطبة، ويعرف اليوم بجامع الحاكم، ويقال له الجامع الأنور. قال الأمير مختار عز الملك محمد بن عبيد اللّه بن أحمد المسبحيّ في تاريخ مصر: وفيه يعني شهر رمضان، سنة ثمانين وثلاثمائة خط أساس الجامع الجديد بالقاهرة مما يلي باب الفتوح من خارجه، وبديء بالبناء فيه، وتحلق فيه الفقهاء الذين يتحلقون في جامع القاهرة، يعني الجامع الأزهر، وخطب فيه العزيز بالله. وقال في حوادث سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة لأربع خلون من شهر رمضان، صلّى العزيز بالله في جامعه صلاة الجمعة، وخطب، وكان في مسيره بين يديه أكثر من ثلاثة آلاف، وعليه طيلسان وبيده القضيب، وفي رجله الحذاء. وركب لصلاة الجمعة في رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة إلى جامعه ومعه ابنه منصور، فجعلت المظلة على منصور وسار العزيز بغير مظلة. وقال في حوادث سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة: وأمر الحاكم بأمر اللّه أن يتم بناء الجامع الذي كان الوزير يعقوب بن كلس بدأ في بنيانه عند باب الفتوح، فقدّر للنفقة عليه أربعون ألف دينار، فابتدئ في العمل فيه. وفي صفر سنة إحدى وأربعمائة زيد في منارة جامع باب الفتوح، وعمل لها أركان طول كلّ ركن مائة ذراع، وفي سنة ثلاث وأربعمائة أمر الحاكم بأمر اللّه بعمل تقدير ما يحتاج إليه جامع باب الفتوح من الحصر والقناديل والسلاسل، فكان تكسير ما ذرع للحصر ستة وثلاثين ألف ذراع، فبلغت النفقة على ذلك خمسة آلاف دينار. قال: وتمّ بناء الجامع الجديد بباب الفتوح، وعلّق على سائر أبوابه ستور ديبقية عملت له، وعلّق فيه تنانير فضة عدّتها أربع، وكثير من قناديل فضة، وفرش جميعه بالحصر التي عملت له، ونصب فيه المنبر وتكامل فرشه وتعليقه، وأذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة لمن بات في الجامع الأزهر أن يمضوا إليه، فمضوا. وصار

стр. 1390

الناس طول ليلتهم يمشون من كلّ واحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم، ولا اعتراض من أحد من عسس القصر، ولا أصحاب الطوف إلى الصبح. وصلّى فيه الحاكم بأمر اللّه بالناس صلاة الجمعة، وهي أوّل صلاة أقيمت فيه بعد فراغه. وفي ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة حبس الحاكم عدّة قياسر وأملاك على الجامع الحاكميّ بباب الفتوح. قال ابن عبد الظاهر: وعلى باب الجامع الحاكميّ مكتوب أنّه أمر بعمله الحاكم أبو عليّ المنصور في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وعلى منبره مكتوب أنه أمر بعمل هذا المنبر للجامع الحاكميّ المنشأ بظاهر باب الفتوح في سنة ثلاث وأربعمائة، ورأيت في سيرة الحاكم، وفي يوم الجمعة أقيمت الجمعة في الجامع الذي كان الوزير أنشأه بباب الفتوح. ورأيت في سيرة الوزير المذكور، في يوم الأحد عاشر رمضان سنة تسع وسبعين وثلاثمائة خط أساس الجامع الجديد بالقاهرة خارج الطابية مما يلي باب الفتوح. قال: وكان هذا الجامع خارج القاهرة، فجدّد بعد ذلك باب الفتوح، وعلى البدنة التي تجاور باب الفتوح وبعض البرج مكتوب: إنّ ذلك بني سنة ثلاثين وأربعمائة في زمن المستنصر بالله، ووزارة أمير الجيوش، فيكون بينهما سبع وثمانون سنة. قال: والفسقية وسط الجامع بناها الصاحب عبد اللّه بن عليّ بن شكر وأجرى الماء إليها، وأزالها القاضي تاج الدين بن شكر، وهو قاضي القضاة في سنة ستين وستمائة، والزيادة التي إلى جانبه قيل إنها بناء ولده الظاهر عليّ ولم يكملها، وكان قد حبس فيها الفرنج فعملوا فيها كنائس، هدمها الملك الناصر صلاح الدين، وكان قد تغلب عليها وبنيت إصطبلات. وبلغني أنها كانت في الأيام المتقدّمة قد جعلت أهراء للغلال. فلما كان في الأيام الصالحية ووزارة معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ للملك الصالح أيوب ولد الكامل، ثبت عند الحاكم أنها من الجامع، وأن بها محرابا، فانتزعت وأخرج الخيل منها وبني فيها ما هو الآن في الأيام المعزية على يد الركن الصيرفيّ، ولم يسقف. ثم جدّد هذا الجامع في سنة ثلاث وسبعمائة. وذلك أنه لما كان يوم الخميس ثالث عشري ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة، تزلزلت أرض مصر والقاهرة وأعمالهما ورجل كلّ ما عليهما واهتز، وسمع للحيطان قعقعة، وللسقوف قرقعة، ومارت الأرض بما عليها وخرجت عن مكانها، وتخيل الناس أن السماء قد انطبقت على الأرض، فهربوا من أماكنهم وخرجوا عن مساكنهم، وبرزت النساء حاسرات، وكثر الصراخ والعويل، وانتشرت الخلائق فلم يقدر أحد على السكون والقرار لكثرة ما سقط من الحيطان، وخرّ من السقوف والمآذن وغير ذلك من الأبنية، وفاض ماء النيل فيضا غير المعتاد، وألقى ما كان عليه من المراكب التي بالساحل قدر رمية سهم، وانحسر عنها فصارت على الأرض بغير ماء، واجتمع العالم في الصحراء خارج القاهرة وباتوا ظاهر باب البحر بحرمهم وأولادهم في الخيم، وخلت المدينة وتشعثت جميع البيوت حتى لم يسلم ولا بيت من سقوط أو تسقط أو ميل، وقام الناس في الجوامع يبتهلون ويسألون اللّه سبحانه طول يوم الخميس وليلة الجمعة ويوم الجمعة.

стр. 1391

فكان مما تهدّم في هذه الزلزلة: الجامع الحاكميّ، فإنه سقط كثير من البدنات التي فيه، وخرب أعالي المئذنتين، وتشعثت سقوفه وجدرانه، فانتدب لذلك الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ونزل إليه ومعه القضاة والأمراء، فكشفه بنفسه وأمر برمّ ما تهدّم منه، وإعادة ما سقط من البدنات. فأعيدت وفي كلّ بدنة منها طاق، وأقام سقوف الجامع وبيّضه حتى عاد جديدا، وجعل له عدّة أوقاف بناحية الجيزة وفي الصعيد وفي الإسكندرية، تغلّ كلّ سنة شيئا كثيرا، ورتب فيه دروسا أربعة لإقراء الفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، ودرسا لإقراء الحديث النبويّ، وجعل لكل درس مدرّسا وعدة كثيرة من الطلبة، فرتّب في تدريس الشافعية قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعيّ، وفي تدريس الحنفية قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجيّ الحنفيّ، وفي تدريس المالكية قاضي القضاة زين الدين عليّ بن مخلوف المالكيّ، وفي تدريس الحنابلة قاضي القضاة شرف الدين الجوّانيّ، وفي درس الحديث الشيخ سعد الدين مسعودا الحارثيّ، وفي درس النحو الشيخ أثير الدين أبا حيان، وفي درس القراءات السبع الشيخ نور الدين الشطنوفيّ، وفي التصدير لإفادة العلوم علاء الدين عليّ بن إسماعيل القونويّ، وفي مشيخة الميعاد المجد عيسى بن الخشاب، وعمل فيه خزانة كتب جليلة، وجعل فيه عدّة متصدّرين لتلقين القرآن الكريم، وعدّة قرّاء يتناوبون قراءة القرآن، ومعلما يقرئ أيتام المسلمين كتاب اللّه ، وحفر فيه صهريجا بصحن الجامع ليملأ في كل سنة من ماء النيل، ويسبل منه الماء في كلّ يوم ويستقي منه الناس يوم الجمعة، وأجرى على جميع من قرّره فيه معاليم داره، وهذه الأوقاف باقية إلى اليوم، إلاّ أن أحوالها اختلت كما اختلّ غيرها، فكان ما أنفق عليه زيادة على أربعين ألف دينار. وجرى في بنائه لهذا الجامع أمر يتعجب منه، وهو ما حدّثني به شيخنا الشيخ المعروف المسند المعمر أبو عبد اللّه محمد بن ضرغام بن شكر المقري بمكة، في سنة سبع وثمانين وسبعمائة قال: أخبرني من حضر عمارة الأمير بيبرس للجامع الحاكميّ عند سقوطه في سنة الزلزلة، أنّه لما شرع البناة في ترميم ما وهي من المئذنة التي هي من جهة باب الفتوح، ظهر لهم صندوق في تضاعيف البنيان، فأخرجه الموكل بالعمارة وفتحه، فإذا فيه قطن ملفوف على كف إنسان بزنده وعليه أسطر مكتوبة لم يدر ما هي، والكف طرية كأنها قريبة عهد بالقطع، ثم رأيت هذه الحكاية بخط مؤلف السيرة الناصرية موسى بن محمد بن يحيى، أحد مقدّمي الحلقة. ثم جدّد هذا الجامع وبلط جميعه في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في ولايته الثانية، على يد الشيخ قطب الدين محمد الهرماس في سنة ستين وسبعمائة، ووقف قطعة أرض على الهرماس وأولاده، وعلى زيادة في معلوم الإمام بالجامع، وعلى ما يحتاج إليه في زيت الوقود ومرمّة في سقفه وجدرانه، وجرى في عمارة الجامع على يد الهرماس ما حدّثني به الشيخ المعمر شمس الدين محمد بن عليّ إمام

стр. 1392

الجامع الطيبرسيّ بشاطئ النيل، قال: أخبرني محمد بن عمر البوصيريّ قال: حدّثنا قطب الدين محمد الهرماس، أنه رأى بالجامع الحاكميّ حجرا ظهر من مكان قد سقط منقوش عليه هذه الأبيات الخمسة: إنّ الذي أسررت مكنون اسمه … وكتمته كيما أفوز بوصله مال له جذر تساوى في الهجا … طرفاه يضرب بعضه في مثله فيصير ذاك المال إلاّ أنّه … في النصف منه تصاب أحرف كله وإذا نطقت بربعه متكلما … من بعد أوّله نطقت بكله لا نقط فيه إذا تكامل عدّه … فيصير منقوطا بجملة شكله قال وهذه الأبيات لغز في الحجر المكرّم. وقال العلامة شمس الدين محمد بن النقاش في كتاب العبر في أخبار من مضى وغبر: وفي هذه السنة، يعني سنة إحدى وستين وسبعمائة، صودر الهرماس وهدمت داره التي بناها أمام الجامع الحاكميّ، وضرب ونفي هو وولده. فلما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرون من ذي القعدة استفتى السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في وقف حصة طندتا، وهي الأرض التي كان قد سأله الهرماس أن يقفها على مصالح الجامع الحاكميّ فعين له خمسمائة وستين فدّانا من طين طندتا، وطلب الموقعين وأمرهم أن يكتبوا صورة وقفها ويحضروه ليشهدوا عليه به، وكان قد تقرّر من شروطه في أوقافه ما قيل أنه رواية عن أبي حنيفة رحمة اللّه تعالى عليه، من أنّ للواقف أن يشترط في وقفه التغيير والزيادة والنقص وغير ذلك، فأحضر الكركيّ الموقع إليه الكتاب مطويا، فقرأ منه طرّته وخطبته وأوّله، ثم طواه وأعاده إليه مطويا وقال: اشهدوا بما فيه دون قراءة وتأمل، فشهدوا هم بالتفصيل الذي كتبوه وقرّروه مع الهرماس، ولما اطلع السلطان على ذلك بعد نفي الهرماس طلب الكركيّ وسأله عن هذه الواقعة فأجاب بما قد ذكرنا واللّه أعلم بصحة ذلك. غير أن المعلوم المقرّر أن السلطان ما قصد إلاّ مصالح الجامع، نعم سأله أزدمر الخازندار، هل وقفت حصة لطيفة على أولاد الهرماس فإنه قد ذكر ذلك؟ فقال: نعم أنا وقفت عليهم جزأ يسيرا لم أعلم مقداره، وأما التفصيل المذكور في كتاب الوقف فلم أتحققه ولم أطلع عليه، فاستفتى المفتين في هذه الواقعة، فأمّا المفتون كابن عقيل وابن السبكيّ والبلقينيّ والبسطاميّ والهنديّ وابن شيخ الجبل والبغداديّ ونحوهم، فأجابوا ببطلان الحكم المترتب على هذه الشهادة الباطلة، وبطلان التنفيذ، وكان الحنفيّ حكم والبقية نفذوا، وأما الحنفيّ فقال: إنّ الوقف إذا صدر صحيحا على الأوضاع الشرعية فإنه لا يبطل بما قاله الشاهد، وهو جواب عن نفس الواقعة، وأما الشافعيّ فكتب ما مضمونه: إنّ الحنفيّ إن اقتضى مذهبه بطلان ما صححه أوّلا نفذ بطلانه، وحاصل ذلك أن القضاة أجابوا بالصحة، والمفتين أجابوا بالبطلان. فطلب

стр. 1393

السلطان المفتين والقضاة، فلم يحضر من الحكام غير نائب الشافعيّ، وهو تاج الدين محمد بن إسحاق بن المناويّ، والقضاة الثلاثة الشافعيّ والحنفيّ والحنبليّ وجدوا مرضى لم يمكنهم الحضور إلى سرياقوس، فإن السلطان كان قد سرح إليها على العادة في كلّ سنة، فجمعهم السلطان في برج من القصر الذي بميدان سرياقوس عشاء الآخرة، وذكر لهم القضية وسألهم عن حكم اللّه تعالى في الواقعة. فأجاب الجميع بالبطلان، غير المناوي فإنه قال: مذهب أبي حنيفة أن الشهادة الباطلة إذا اتصل بها الحكم صح ولزم. فصرخت عليه المفتون شافعيهم وحنفيهم. أمّا شافعيهم فإنه قال: ليس هذا مذهبك ولا مذهب الجمهور، ولا هو الراجح في الدليل والنظر. وقال له ابن عقيل: هذا مما ينقض به الحكم لو حكم به حاكم وادّعى قيام الإجماع على ذلك. وقال له سراج الدين البلقينيّ: ليس هذا مذهب أبي حنيفة، ومذهبه في العقود والفسوخ ما ذكرت من أن حكم الحاكم يكون هو المعتمد في التحليل والتحريم، وأمّا الأوقاف ونحوها فحكم الحاكم فيها لا أثر له كمذهب الشافعيّ، وادّعوا أن الإجماع قائم على ذلك، وقاموا على المناويّ في ذلك قومة عظيمة فقال: نحن نحكم بالظاهر. فقالوا له: ما لم يظهر الباطن بخلافه. فقال: قال النبيّ ﷺ : نحن نحكم بالظاهر. قالوا هذا الحديث كذب على النبيّ ﷺ ، وإنما الحديث الصحيح حديث: «إنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض الحديث» قال المناويّ: الأحكام ما هي بالفتاوى. قالوا له: فبماذا تكون؟ أفي الوجود حكم شرعيّ بغير فتوى من اللّه ورسوله؟ وكان قد قال في مجلس ابن الدريهم: القائم على نفيس اليهوديّ المدعوّ برأس الجالوت بين اليهود لا يلتفت لقول المفتي. فقيل له: في هذا المجلس ها أنت قد قلت مرّتين أنّ المفتين لا يعتبر قولهم، وأنّ الفتاوى لا يعتدّ بها، وقد أخطأت في ذلك أشدّ الخطأ، وأنبأت عن غاية الجهل، فإن منصب الفتوى أوّل من قام به ربّ العالمين إذ قال في كتابه المبين: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلالَةِ﴾ [النساء/ ١٧٦] وقال يوسف ﵇: ﴿قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف/ ٤١] وقال النبيّ ﷺ لعائشة ﵂: «قد أفتاني اللّه ربي فيما استفتيته» وكلّ حكم جاء على سؤال سائل تكفل ببيانه قرآن أو سنة فهو فتوى، والقائم به مفت، فكيف تقول لا يلتفت إلى الفتوى أو إلى المفتين؟ فقال سراج الدين الهنديّ وغيره: هذا كفر، ومذهب أبي حنيفة أن من استخف بالفتوى أو المفتين فهو كافر، فاستدرك نفسه بعد ذلك وقال: لم أرد إلاّ أنّ الفتوى إذا خالف المذهب فهي باطلة. قالوا له: وأخطأت في ذلك أيضا، لأنّ الفتوى قد تخالف المذهب المعين ولا تخالف الحق في نفس الأمر. قال: فأردت بالفتوى التي تخالف الحقّ. قالوا: فأطلقت في موضع التقييد وذلك خطأ. فقال السلطان حينئذ: فإذا قدّر هذا وادّعيت أن الفتوى لا أثر لها، فنبطل

стр. 1394

المفتين والفتوى من الوجود. فتلكأ وحار وقال: كيف أعمل في هذا؟ فتبين لبعض الحاضرين أنه استشكل المسألة، ولم يتبين له وجهها. فقال: لا شك أنّ مولانا السلطان لم ينكر صدور الوقف، وإنما أنكر المصارف، وأن تكون الجهة التي عينها هي هرماس وشهوده وقضاته، وللسلطان أن يحكم فيها بعلمه، ويبطل ما قرّروه من عند أنفسهم. قال: كيف يحكم لنفسه؟ قيل له: ليس هذا حكما لنفسه، لأنه مقرّ بأصل الوقف، وهو للمستحقين ليس له فيه شيء، وإنما بطل وصف الوقف، وهو المصرف الذي قرّر على غير جهة الوقف، وله أن يوقع الشهادة على نفسه بحكم أن مصرّف هذا الوقف الجهة الفلانية دون الفلانية. ولم يزالوا يذكرون له أوجها تبين بطلان الوقف إمّا بأصله أو بوصفه إلى أن قال: يبطل بوصفه دون أصله، وأذعن لذلك بعد إتعاب من العلماء. وإزعاج شديد من السلطان في بيان وجوه ذكروها تبين وجه الحق، وأنه إنما وقفه على مصالح الجامع المذكور. وهذا مما لا يشك فيه عاقل ولا يرتاب. فالتفت بعد ذلك وقال للحاضرين: كيف نعمل في إبطاله؟ فقالوا: بما قرّرناه من إشهاد السلطان على نفسه بتفصيل صحيح، وأنه لم يزل كذلك منذ صدر منه الوقف إلى هذا الحدّ، وغير ذلك من الوجوه. فجعل يوهم السلطان أن الشهود الذين شهدوا في هذا الوقف متى بطل هذا الوقف ثبت عليهم التساهل وجرحوا بذلك، وقدح ذلك في عدالتهم، ومتى جرحوا الآن لزم بطلان شهادتهم في الأوقاف المتقدّمة على هذا التاريخ، وخيل بذلك للسلطان حتى ذكر له إجماع المسلمين على أن جرح الشاهد لا ينعطف على ما مضى من شهاداته السالفة ولو كفر، والعياذ بالله، وهذا مما لا خلاف فيه. ثم استقرّ رأيه على أن يبطله بشاهدين يشهدان أن السلطان لمّا صدر منه هذا الوقف كان قد اشترط لنفسه التغيير والتبديل والزيادة والنقص وقام على ذلك. قال مؤلفه ﵀: انظر تثبت القضاة، وقايس بين هذه الواقعة وما كان من تثبت القاضي تاج الدين المناوي، وهو يومئذ خليفة الحكم ومصادمته الجبال، وبين ما ستقف عليه من التساهل والتناقض في خبر أوقاف مدرسة جمال الدين يوسف الأستادار، وميّز بعقلك فرق ما بين القضيتين. وهذه الأرض التي ذكرت هي الآن بيد أولاد الهرماس بحكم الكتاب الذي حاول السلطان نقضه، فلم يوافق المناويّ. والجامع الآن متهدّم وسقوفه كلها ما من زمن إلاّ ويسقط منها الشيء بعد الشيء فلا يعاد، وكانت ميضأة هذا الجامع صغيرة بجوار ميضأته الآن، فيما بينها وبين باب الجامع، وموضعها الآن مخزن تعلوه طبقة عمرها شخص من الباعة يعرف بابن كرسون المراحليّ، وهذه الميضأة الموجودة الآن أحدثت وأنشأ الفسقية التي فيها ابن كرسون في أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، وبيّض مئذنتي الجامع، واستجدّ المئذنة التي بأعلى الباب المجاور للمنبر رجل من الباعة، وكملت في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وخرق سقف الجامع حتى صار المؤذنون ينزلون من السطح إلى الدكة التي يكبرون فوقها وراء الإمام.

стр. 1395

«هيئة صلاة الجمعة في أيام الخلفاء الفاطميين» قال المسبحيّ: وفي يوم الجمعة غرّة رمضان سنة ثمانين وثلاثمائة ركب العزيز بالله إلى جامع القاهرة بالمظلة المذهبة وبين يديه نحو خمسة آلاف ماش، وبيده القضيب، وعليه الطيلسان والسيف. فخطب وصلّى صلاة الجمعة وانصرف، فأخذ رقاع المتظلمين بيده وقرأ منها عدّة في الطريق، وكان يوما عظيما ذكرته الشعراء. قال ابن الطوير: إذا انقضى ركوب أوّل شهر رمضان استراح في أوّل جمعة، فإذا كانت الثانية ركب الخليفة إلى الجامع الأنور الكبير في هيئة المواسم بالمظلة وما تقدّم ذكره من الآلات، ولباسه فيه ثياب الحرير البيض توقيرا للصلاة من الذهب، والمنديل والطيلسان المقوّر الشعريّ، فيدخل من باب الخطابة والوزير معه بعد أن يتقدّمه في أوائل النهار صاحب بيت المال، وهو المقدّم ذكره في الأستاذين، وبين يديه الفرش المختصة بالخليفة إذا صار إليه في هذا اليوم، وهو محمول بأيدي الفرّاشين المميزين، وهو ملفوف في العراضي الديبقية، فيفرش في المحراب ثلاث طرّاحات أماسامان، أو ديبقيّ أبيض، أحسن ما يكون من صنفهما، كلّ منهما منقوش بالحمرة. فتجعل الطرّاحات متطابقات، ويعلّق ستران يمنة ويسرة، وفي الستر الأيمن كتابة مرقومة بالحرير الأحمر واضحة، منقوطة أوّلها البسملة والفاتحة وسورة الجمعة، وفي الستر الأيسر مثل ذلك، وسورة ﴿إِذا جاءَكَ اَلْمُنافِقُونَ﴾ قد أسبلا وفرشا في التعليق بجانبي المحراب لاصقين بجسمه، ثم يصعد قاضي القضاة المنبر وفي يده مدخنة لطيفة خيزران يحضرها إليه صاحب بيت المال فيها جمرات، ويجعل فيها ندّ مثلث لا يشمّ مثله إلاّ هناك، فيجز الذروة التي عليها الغشاء كالقبة لجلوس الخليفة للخطابة، ويكرّر ذلك ثلاث دفعات، فيأتي الخليفة في هيئة موقرة من الطبل والبوق، وحوالي ركابه خارج أصحاب الركاب القرّاء، وهم قرّاء الحضرة من الجانبين يطرّبون بالقراءة نوبة بعد نوبة، يستفتحون بذلك من ركوبه من الكرسيّ على ما تقدّم طول طريقه إلى قاعة الخطابة من الجامع، ثم تحفظ المقصورة من خارجها بترتيب أصحاب الباب واسفهسلار العساكر، ومن داخلها إلى آخرها صبيان الخاص وغيرهم ممن يجري مجراهم، ومن داخلها من باب خروجه إلى المنبر واحد فواحد، فيجلس في القاعة، وإن احتاج إلى تجديد وضوء فعل، والوزير في مكان آخر، فإذا أذّن بالجمعة دخل إليه قاضي القضاة فقال له: السلام على أمير المؤمنين الشريف القاضي ورحمة اللّه وبركاته، الصلاة يرحمك اللّه. فيخرج ماشيا وحواليه الأستاذون المحنكون، والوزير وراءه، ومن يليهم من الخواص وبأيديهم الأسلحة من صبيان الخاص، وهم أمراء وعليهم هذا الاسم، فيصعد المنبر إلى أن يصل إلى الذروة تحت تلك القبة المبخرة، فإذا استوى جالسا والوزير على باب المنبر ووجهه إليه، فيشير إليه بالصعود فيصعد إلى أن يصل إليه، فيقبل يديه ورجليه بحيث يراه الناس، ثم يزرر عليه تلك القبة لأنها كالهودج، ثم ينزل مستقبلا، فيقف ضابطا لباب المنبر، فإن لم يكن ثمّ وزير صاحب سيف، زرّر عليه قاضي القضاة كذلك،

стр. 1396

ووقف صاحب الباب ضابطا للمنبر. فيخطب خطبة قصيرة من مسطور يحضر إليه من ديوان الإنشاء، يقرأ فيها آية من القرآن الكريم، ولقد سمعته مرّة في خطابته بالجامع الأزهر وقد قرأ في خطبته ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ الآية، ثم يصلي على أبيه وجدّه، يعني بهما محمدا ﷺ وعليّ بن أبي طالب ﵁، ويعظ الناس وعظا بليغا قليل اللفظ، وتشتمل الخطبة على ألفاظ جزلة، ويذكر من سلف من آبائه حتى يصل إلى نفسه فقال: وأنا أسمعه، اللهمّ وأنا عبدك وابن عبدك لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا، ويتوسل بدعوات فخمة تليق بمثله، ويدعو للوزير إن كان، وللجيوش بالنصر والتأليف، وللعساكر بالظفر وعلى الكافرين، والمخالفين بالهلاك والقهر، ثم يختم بقوله اذكروا اللّه يذكركم. فيطلع إليه من زرّر عليه ويفك ذلك التزرير وينزل القهقرى، وسبب التزرير عليهم قراءتهم من مسطور لا كعادة الخطباء، فينزل الخليفة ويصير على تلك الطرّاحات الثلاث في المحراب وحده إماما، ويقف الوزير وقاضي القضاة صفا، ومن ورائهما الأستاذون المحنكون والأمراء المطوّقون وأرباب الرتب من أصحاب السيوف والأقلام والمؤذنون وقوف، وظهورهم إلى المقصورة لحفظه، فإذا سمع الوزير الخليفة أسمع القاضي فأسمع القاضي المؤذنين وأسمع المؤذنون الناس، هذا والجامع مشحون بالعالم للصلاة وراءه، فيقرأ ما هو مكتوب في الستر الأيمن في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية ما هو مكتوب في الستر الأيسر، وذلك على طريق التذكار خيفة الارتجاج، فإذا فرغ خرج الناس وركبوا أوّلا فأوّلا وعاد طالبا القصر والوزير وراءه، وضربت البوقات والطبول في العود، فإذا أتت الجمعة الثانية ركب إلى الجامع الأزهر من القشاشين على المنوال الذي ذكرناه والقالب الذي وصفناه، فإذا كانت الجمعة الثالثة أعلم بركوبه إلى مصر للخطابة في جامعها، فيزين له من باب القصر أهل القاهرة إلى جامع ابن طولون، ويزين له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر، يرتب ذلك والي مصر، كلّ أهل معيشة في مكان، فيظهر المختار من الآلات والستور المثمنات ويهتمون بذلك ثلاثة أيام بلياليهنّ والوالي مارّ وعائد بينهم، وقد ندب من يحفظ الناس ومتاعهم، فيركب يوم الجمعة المذكور شاقا لذلك كله على الشارع الأعظم إلى مسجد عبد اللّه الخراب اليوم، إلى دار الأنماط إلى الجامع بمصر، فيدخل إليه من المعونة، ومنها باب متصل بقاعة الخطيب بالزيّ الذي تقدّم ذكره في خطبة الجامعين بالقاهرة، وعلى ترتيبهما. فإذا قضى الصلاة عاد إلى القاهرة من طريقه بعينها شاقا بالزينة إلى أن يصل إلى القصر، ويعطى أرباب المساجد التي يمرّ عليها كلّ واحد دينارا. وقال ابن المأمون: ووصل من الطراز الكسوة المختصة بغرّة شهر رمضان وجمعتيه برسم الخليفة للغرّة بدلة كبيرة موكبية مكملة مذهبة، وبرسم الجامع الأزهر للجمعة الأولى من الشهر بدلة موكبية حرير مكملة منديلها وطيلسانها بياض، وبرسم الجامع الأنور للجمعة

стр. 1397

الثانية بدلة منديلها وطيلسانها شعريّ، وما هو برسم أخي الخليفة للغرّة خاصة بدلة مذهبة، وبرسم أربع جهات للخليفة أربع حلل مذهبات، وبرسم الوزير للغرّة خلعة مذهبة مكملة موكبية، وبرسم الجمعتين بدلتان حريرتان، ولم يكن لغير الخليفة وأخيه والوزير في ذلك شيء فنذكره. جامع راشدة هذا الجامع عرف بجامع راشدة لأنه في خطة راشدة. قال القضاعيّ: خطة راشدة بن أدوب بن جديلة من لخم، هي متاخمة للخطة التي قبلها إلى الدير المعروف كان بأبي تكموس، ثم هدم وهو الجامع الكبير الذي براشدة، وقد دثرت هذه الخطة، ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة راشدة، والجنان التي كانت تعرف بكهمس بن معر، ثم عرفت بالماردانيّ، وهي اليوم تعرف بالأمير تميم. وقال المسبحيّ في حوادث سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وابتدئ بناء جامع راشدة في سابع عشر ربيع الآخر، وكان مكانه كنيسة حولها مقابر لليهود والنصارى، فبني بالطوب ثم هدم وزيد فيه وبنى بالحجر، وأقيمت به الجمعة، وقال: في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة وفيه، يعني شهر رمضان، فرش جامع راشدة وتكامل فرشه وتعليق قناديله وما يحتاج إليه، وركب الحاكم بأمر اللّه عشية يوم الجمعة الخامس عشر منه وأشرف عليه. وقال: في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وفيه، يعني شهر رمضان، صلّى الحاكم بجامعه الذي أنشأه براشدة صلاة الجمعة، وخطب. وفي شهر رمضان سنة أربعمائة أنزل بقناديل وتنور من فضة زنتها ألوف كثيرة، فعلّقت بجامع راشدة. وفي سنة إحدى وأربعمائة هدم وابتدئ في عمارته من صفر، وفي شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة صلّى الحاكم في جامع راشدة صلاة الجمعة وعليه عمامة بغير جوهر، وسيف محلى بفضة بيضاء دقيقة، والناس يمشون بركابه من غير أن يمنع أحد منه، وكان يأخذ قصصهم ويقف وقوفا طويلا لكلّ منهم، واتفق يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربعمائة أن خطب فيه خطبتان معا على المنبر، وذلك أنّ أبا طالب عليّ بن عبد السميع العباسيّ استقرّ في خطابته بإذن قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن محمد بن العوّام، بعد سفر العفيف البخاريّ إلى الشام، فتوصل ابن عصفورة إلى أن خرج له أمر أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أن يخطب. فصعدا جميعا المنبر ووقف أحدهما دون الآخر وخطبا معا، ثم بعد ذلك استقرّ أبو طالب خطيبا، وأن يكون ابن عصفورة يخلفه. وقال ابن المتوّج: هذا الجامع فيما بين دير الطين والفسطاط، وهو مشهور الآن بجامع راشدة، وليس بصحيح. وإنما جامع راشدة كان جامعا قديم البناء بجوار هذا الجامع، عمر في زمن الفتح، عمرته راشدة، وهي قبيلة من القبائل كقبيلة تجيب ومهرة نزلت في هذا المكان، وعمروا فيه

стр. 1398

جامعا كبيرا أدركت أنا بعضه ومحرابه، وكان فيه نخل كثير من نخل المقل، ومن جملة ما رأيت فيه نخلة من المقل عددت لها سبعة رؤوس مفرّعة منها، فذاك الجامع هو المعروف بجامع راشدة، وأما هذا الموجود الآن فمن عمارة الحاكم، ولم يكن في بناء الجوامع أحسن من بنائه، وقيل عمرته حظية الخليفة وكان اسمها راشدة وليس بصحيح، والأوّل هو الصحيح. وفيه الآن نخل وسدر وبئر وساقية رجل، وهو مكان خلوة وانقطاع ومحل عبادة وفراغ من تعلقات الدنيا. قال مؤلفه: هذا وهم من ابن المتوّج في موضعين: أولهما أن راشدة عمرت هذا الجامع في زمن فتح مصر، وهذا قول لم يقله أحد من مؤرخي مصر، فهذا الكنديّ، ثم القضاعيّ، وعليهما يعوّل في معرفة خطط مصر. ومن قبلهما ابن عبد الحكم، لم يقل أحد منهم أن راشدة عمرت زمن الفتح مسجدا، ولا يعرف من هذا السلف ﵏ في جند من أجناد الأمصار التي فتحتها الصحابة ﵃ أنهم أقاموا خطبتين في مسجد واحد، وقد حكينا ما تقدّم عن المسبحيّ وهو مشاهد ما نقله من بناء الجامع المذكور في موضع الكنيسة بأمر الحاكم بأمر اللّه، وتغييره لبنائه غير مرّة، وتبعه القضاعيّ على ذلك، وقد عدّ القضاعيّ والكنديّ في كتابيهما المذكور فيهما خطط مصر ما كان بمصر من مساجد الخطبة القديمة والمحدثة، وذكرا مساجد راشدة، ولم يذكرا فيها جامعا اختطته راشدة، وذكرا هذا الدير، وعين القضاعيّ اسمه، هدم وبني في مكانه جامع راشدة، وناهيك بهما معرفة لآثار مصر وخططها. والوهم الثاني: الاستدلال على الوهم الأوّل بمشاهدة بقايا مسجد قديم ولا أدري كيف يستدل بذلك، فمن أنكر أن يكون قد كان هناك مسجد، بل المدّعي أنه كان لراشدة مساجد، لكن كونها اختطت جامعا هذا غير صحيح. وقال ابن أبي طيّ في أخبار سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة في كتابه تاريخ حلب: كانت النصارى اليعقوبية قد شرعوا في إنشاء كنيسة كانت قد اندرست لهم بظاهر مصر في الموضع المعروف براشدة، فثار قوم من المسلمين وهدموا ما بنى النصارى وأنهي إلى الحاكم ذلك، قيل له إنّ النصارى ابتدأوا بناءها، وقال النصارى إنها كانت قبل الإسلام، فأمر الحاكم الحسين بن جوهر بالنظر في حال الفريقين، فمال في الحكم مع النصارى، وتبين للحاكم ذلك، فأمر أن تبنى تلك الكنيسة مسجدا جامعا، فبنى في أسرع وقت، وهو جامع راشدة. وراشدة اسم للكنيسة، وكان بجواره كنيستان إحداهما لليعقوبية والأخرى للنسطورية، فهدمتا أيضا وبنيتا مسجدين، كان في حارة الروم بالقاهرة آدر للروم وكنيستان لهم، فهدمتا وجعلتا مسجدين أيضا، وحوّل الروم إلى الموضع المعروف بالحمراء وأسس الروم ثلاث كنائس عوضا عما هدم لهم، وهذا أيضا مصرّح بأن جامع راشدة أسسه الحاكم، وفيه وهم لكونه جعل راشدة اسما للكنيسة، وإنما راشدة اسم لقبيلة من العرب نزلوا عند الفتح هناك فعرفت تلك البقاع بخطة راشدة، وقد

стр. 1399

جدّد جامع راشدة مرارا، وأدركته عامرا تقام فيه الجمعة ويمتلئ بالناس لكثرة من حوله من السكان، وإنما تعطل من إقامة الجمعة بعد حوادث سنة ست وثمانمائة. وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة: راشدة بطن من لخم، وهم ولد راشدة بن الحارث بن أدّ بن جديلة من لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد، وقيل راشدة بن أدوب، ويقال لراشدة خالفة، ولهم خطة بمصر بالجبل المعروف بالرصد، المطلّ على بركة الحبش، وقد دثرت الخطة ولم يبق في موضعها إلاّ الجامع الحاكميّ المعروف بجامع راشدة. جامع المقس هذا الجامع أنشأه الحاكم بأمر اللّه على شاطئ النيل بالمقس في (١) لأنّ المقس كان خطة كبيرة، وهي بلد قديم من قبل الفتح، كما تقدّم ذكر ذلك في هذا الكتاب. وقال في الكتاب الذي تضمن وقف الحاكم بأمر اللّه الأماكن بمصر على الجوامع، كما ذكر في خبر الجامع الأزهر ما نصه: ويكون جميع ما بقي مما تصدّق به على هذه المواضع، يصرف في جميع ما يحتاج إليه في جامع المقس المذكور، من عمارته، ومن تمن الحصر العبدانية والمظفورة، وثمن العود للبخور، وغيره على ما شرح من الوظائف في الذي تقدّم، وكان لهذا الجامع نخل كثير في الدولة الفاطمية، ويركب الخليفة إلى منظرة كانت بجانبه عند عرض الأسطول فيجلس بها لمشاهدة ذلك كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر المناظر، وفي سنة سبع وثمانين وخمسمائة انشقت زريبة من هذا الجامع في شهر رمضان لكثرة زيادة ماء النيل، وخيف على الجامع السقوط فأمر بعمارتها. ولما بنى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب هذا السور الذي على القاهرة، وأراد أن يوصله بسور مصر من خارج باب البحر إلى الكوم الأحمر، حيث منشأة المهرانيّ اليوم، وكان المتولي لعمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ، أنشأ بجوار جامع المقس برجا كبيرا عرف بقلعة المقس في مكان المنظرة التي كانت للخلفاء، فلما كان في سنة سبعين وسبعمائة جدّد بناء هذا الجامع الوزير الصاحب شمس الدين عبد اللّه المقسيّ، وهدم القلعة وجعل مكانها جنينة، واتهمه الناس بأنه وجد هنالك مالا كثيرا، وأنه عمر منه الجامع المذكور، فصار العامّة اليوم يقولون جامع المقسيّ، ويظنّ من لا علم عنده أن هذا الجامع من إنشائه، وليس كذلك، بل إنما جدّده وبيضه، وقد انحسر ماء النيل عن تجاه هذا الجامع كما ذكر في خبر بولاق والمقس، وصار هذا الجامع اليوم على حافة الخليج الناصريّ، وأدركنا ما حوله في غاية العمارة، وقد تلاشت المساكن التي هناك وبها إلى اليوم بقية يسيرة، ونظر هذا الجامع اليوم بيد أولاد الوزير المقسيّ، فإنه جدّده وجعل عليه أوقافا لمدرّس وخطيب وقومة ومؤذنين وغير ذلك.

стр. 1400

وقال جامع السيرة الصلاحية: وهذا المقسم على شاطئ النيل يزار، وهناك مسجد يتبرّك به الأبرار، وهو المكان الذي قسمت فيه الغنيمة عند استيلاء الصحابة ﵃ على مصر، فلما أمر السلطان صلاح الدين بإدارة السور على مصر والقاهرة، تولى ذلك بهاء الدين قراقوش وجعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقس، وبنى فيه برجا يشرف على النبل، وبنى مسجده جامعا، واتصلت العمارة منه إلى البلد، وصار تقام فيه الجمع والجماعات. العزيز بالله: أبو النصر نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، ولد بالمهدية من بلاد أقريقية في يوم الخميس الرابع عشر من المحرّم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم مع أبيه إلى القاهرة، وولي العهد. فلما مات المعز لدين اللّه أقيم من بعده في الخلافة يوم الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة فأذعن له سائر عساكر أبيه واجتمعوا عليه، وسيّر بذهب إلى بلاد المغرب، فرّق في الناس، واقرّ يوسف بن ملكين على ولاية إفريقية، وخطب له بمكة، ووافى الشام عسكر القرامطة فصاروا مع أفتكين التركيّ، وقوي بهم وساروا إلى الرملة وقاتلوا عساكر العزيز بيافا، فبعث العزيز جوهر القائد بعساكر كثيرة وملك الرملة وحاصر دمشق مدّة، ثم رحل عنها بغير طائل، فأدركه القرامطة وقاتلوه بالرملة وعسقلان نحو سبعة عشر شهرا، ثم خلص من تحت سيوف افتكين وسار إلى العزيز فوافاه وقد برز من القاهرة، فسار معه ودخل العزيز إلى الرملة وأسر أفتكين في المحرّم سنة ثمان وستين وثلاثمائة فأحسن إليه وأكرمه إكراما زائدا. فكتب إليه الشريف أبو إسماعيل إبراهيم الرئيس يقول: يا مولانا لقد استحق هذا الكافر كلّ عذاب، والعجب من الإحسان إليه؟ فلما لقيه قال: يا إبراهيم قرأت كتابك في أمر أفتكين، وأنا أخبرك. اعلم أنا قد وعدناه الإحسان والولاية، فلما قبل وجاء إلينا نصب فازاته وخيامه حذاءنا، وأردنا منه الانصراف فلج وقاتل، فلما ولى منهزما وسرت إلى فازاته ودخلتها سجدت للّه شكرا وسألته أن يفتح لي بالظفر به، فجيء به بعد ساعة أسيرا، أترى يليق بي غير الوفاء. ولما وصل العزيز إلى القاهرة اصطنع افتكين وواصله بالعطايا والخلع، حتى قال لقد احتشمت من ركوبي مع الخليفة مولانا العزيز بالله، ونظري إليه بما غمرني من فضله وإحسانه، فلما بلغ العزيز ذلك قال لعمه حيدرة: يا عمّ أحبّ أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجواهر، ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي. ومات بمدينة بلبيس من مرض طويل بالقولنج والحصاة، في اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة فحمل إلى القاهرة ودفن بتربة القصر مع آبائه. وكانت مدّة خلافته بعد أبيه المعز إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما. وكان نقش

стр. 1401

خاتمة: بنصر العزيز الجبار ينتصر الإمام نزار. ولما مات وحضر الناس إلى القصر للتعزية أفحموا عن أن يوردوا في ذلك المقام شيئا، ومكثوا مطرقين لا ينبسون، فقام صبيّ من أولاد الأمراء الكنانيين وفتح باب التعزية وأنشد: أنظر إلى العلياء كيف تضام … ومآتم الأحساب كيف تقام خبرنني ركب الركاب ولم يدع … للسفر وجه ترحل فأقاموا فاستحسن الناس إيراده وكأنه، طرّق لهم كيف يوردون المراثي، فنهض الشعراء والخطباء حينئذ وعزوا وأنشد كلّ واحد ما عمل في التعزية، وخلّف من الأولاد ابنه المنصور، وولي الخلافة من بعده، وابنة تدعى سيدة الملك، وكان أسمر طوالا، أصهب الشعر، أعين أشهل عريض المنكبين، شجاعا كريما حسن العفو والقدرة، لا يعرف سفك الدماء البتة، مع حسن الخلق والقرب من الناس، والمعرفة بالخيل وجوارح الطير، وكان محبا للصيد مغرىّ به حريصا على صيد السباع، ووزر له يعقوب بن كلس اثنتي عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما، ثم من بعده عليّ بن عمر العدّاس سنة واحدة، ثم أبو الفضل جعفر بن الفرات سنة، ثم أبو عبد اللّه الحسين بن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر، ثم أبو محمد بن عمار شهرين، ثم الفضل بن صالح الوزيريّ أياما، ثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر. وكانت قضاته: أبو طاهر محمد بن أحمد، أبو الحسن عليّ بن النعمان، ثم أبو عبد اللّه محمد بن النعمان. وخرج إلى السفر أوّلا في صفر سنة سبع وستين، وعاد من العباسية وخرج ثانيا وظفر بأفتكين، وخرج ثالثا في صفر سنة اثنتين وسبعين، ورجع بعد شهر إلى قصره بالقاهرة، وخرج رابعا في ربيع الأوّل سنة أربع وستين، فنزل منية الأصبغ وعاد بعد ثمانية أشهر واثني عشر يوما، وخرج خامسا في عاشر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، فأقام مبرّزا أربعة عشر شهرا وعشرين يوما، ومات في هذه الخرجة ببلبيس. وهو أوّل من اتخذ من أهل بيته وزيرا، أثبت اسمه على الطرز، وقرن اسمه باسمه، وأوّل من لبس منهم الخفين والمنطقة، وأوّل من اتخذ منهم الأتراك واصطنعهم وجعل منهم القوّاد، وأوّل من رمى منهم بالنشاب، وأوّل من ركب منهم بالذؤابة الطويلة والحنك وضرب الصوالجة ولعب بالرمح، وأوّل من عمل مائدة في الشرطة السفلى في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق، وأقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان، واتخذ الحمير لركوبه إياها، وكانت أمّه أمّ ولد اسمها درزارة، وكان يضرب بأيامه المثل في الحسن، فإنها كانت كلها أعيادا وأعراسا لكثرة كرمه ومحبته للعفو واستعماله لذلك، ولا أعلم له بمصر من الآثار غير تأسيس الجامع الحاكميّ، وما عدا ذلك فذهب اسمه ومحي رسمه.

стр. 1402

الحاكم بأمر اللّه: أبو عليّ منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، ولد بالقصر من القاهرة المعزية، ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة في الساعة التاسعة، والطالع من برج السرطان سبع وعشرون درجة، وسلّم عليه بالخلافة في مدينة بلبيس بعد الظهر من يوم الثلاثاء عشري شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة وسار إلى القاهرة في يوم الأربعاء بسائر أهل الدولة والعزيز في قبة على ناقة بين يديه، وعلى الحاكم دراعة مصمت وعمامة فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلد السيف. ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء، ودخل القصر قبل صلاة المغرب، وأخذ في جهاز أبيه العزيز بالله ودفنه، ثم بكر سائر أهل الدولة إلى القصر يوم الخميس، وقد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهبة في الإيوان الكبير، وخرج من قصره راكبا عليه معممة الجوهر والناس وقوف في صحن الإيوان، فقبلوا له الأرض ومشوا بين يديه حتى جلس على السرير، فوقف من رسمه الوقوف، وجلس من له عادة أن يجلس، وسلّم الجميع عليه بالإمامة واللقب الذي اختير له، وهو الحاكم بأمر اللّه، وكان سنّه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيام، فجعل أبا محمد الحسن بن عمار الكنديّ واسطة، ولقب بأمين الدولة، وأسقط مكوسا كانت بالساحل، وردّ إلى الحسين بن جوهر القائد البريد والإنشاء، فكان يخلفه ابن سورين، وأقرّ عيسى بن نسطورس على ديوان الخاص، وقلد سليمان بن جعفر بن فلاح الشام، فخرج ينجو تكين من دمشق وسار منها لمدافعة سليمان بن جعفر بن فلاح، فبلغ الرملة وانضمّ إليه ابن الجرّاح الطائيّ في كثير من العرب، وواقع ابن فلاح فانهزم وفرّ، ثم أسر فحمل إلى القاهرة وأكرم، واختلف أهل الدولة على ابن عمار، ووقعت حروب آلت إلى صرفه عن الوساطة. وله في النظر أحد عشر شهرا غير خمسة أيام، فلزم داره وأطلقت له رسوم وجرايات، وأقيم الطواشي برجوان الصقليّ مكانه في الوساطة لثلاثة بقين من رمضان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فجعل كاتبه فهد بن إبراهيم يوقع عنه، ولقبه بالرئيس، وصرف سليمان بن فلاح عن الشام بجيش بن الصمصامة، وقلد فحل بن إسماعيل الكتاميّ مدينة صور، وقلد يانس الخادم برقة، وميسور الخادم طرابلس، ويمنا لخادم غزة وعسقلان، فواقع جيش الروم على فاهية وقتل منهم خمسة آلاف رجل، وغزا إلى أن دخل مرعش، وقلد وظيفة قضاء القضاء أبا عبد اللّه الحسين بن علي بن النعمان في صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة بعد موت قاضي القضاة محمد بن النعمان، وقتل الأستاذ برجوان لاربع بقين من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وله في النظر سنتان وثمانية أشهر غير يوم واحد، وردّ النظر في أمور الناس وتدبير المملكة والتوقيعات إلى الحسين بن جوهر، ولقب بقائد القوّاد، فخلفه الرئيس بن فهد، واتخذ الحاكم مجلسا في الليل يحضر فيه عدّة من أعيان الدولة، ثم أبطله ومات جيش بن الصمصامة في ربيع الآخر سنة تسعين وثلثمائة، فوصل ابنه بتركته إلى القاهرة ومعه

стр. 1403

درج بخط أبيه فيه وصية، وثبت بما خلفه مفصلا، وأن ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، لا يستحق أحد من أولاده منه درهما، وكان مبلغ ذلك نحو المأئتي ألف دينار، وما بين عين ومتاع ودواب، قد أوقف جميع ذلك تحت القصر، فأخذ الحاكم الدرج ونظره ثم أعاده إلى أولاد جيش وخلع عليهم وقال لهم بحضرة وجوه الدولة: قد وقفت على وصية أبيكم ﵀ وما وصى به من عين ومتاع، فخذوه هنيئا مباركا لكم فيه. فانصرفوا بجميع التركة، وولي دمشق فحل بن تميم، ومات بعد شهور فولي عليّ بن فلاح، وردّ النظر في المظالم لعبد العزيز بن محمد بن النعمان، ومنع الناس كافة من مخاطبة أحد أو مكاتبته بسيدنا ومولانا إلاّ أمير المؤمنين وحده، وأبيح دم من خالف ذلك، وفي شوّال قتل ابن عمار. وفي سنة إحدى وتسعين واصل الحاكم الركوب في الليل كل ليلة، فكان يشق الشوارع والأزقة، وبالغ الناس في الوقود والزينة، وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو، وكثر تفرّجهم على ذلك حتى خرجوا فيه عن الحدّ، فمنع النساء من الخروج في الليل، ثم منع الرجال من الجلوس في الحوانيت. وفي رمضان سنة اثنتين وتسعين قلّد تموصلت بن بكّار دمسق، عوضا عن ابن فلاح، وابتدأ في عمارة جامع راشدة في سنة ثلاث وتسعين، وقتل فهد بن إبراهيم وله منذ نظر في الرياسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما، في ثامن جمادى الآخرة منها، وأقيم في مكانه عليّ بن عمر العدّاس، وسار الأمير ما روح لإمارة طبرية، ووقع الشروع في إتمام الجامع خارج باب الفتوح، وقطع الحاكم الركوب في الليل، ومات تموصلت فولي دمشق بعده مفلح اللحيانيّ الخادم، وقتل عليّ بن عمر العدّاس والأستاذ زيدان الصقليّ وعدّة كثيرة من الناس، وقلد إمارة برقة صندل الأسود في المحرّم سنة أربع وتسعين، وصرف الحسين بن النعمان عن القضاء في رمضان منها، وكانت مدّة نظره في القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وإليه كانت الدعوة أيضا، فيقال له قاضي القضاة وداعي الدعاة، وقلد عبد العزيز بن محمد بن النعمان وظيفة القضاء والدعوة، مع ما بيده من النظر في المظالم. وفي سنة خمس وتسعين أمر النصارى واليهود بشدّ الزنار ولبس الغيار، ومنع الناس من أكل الملوخية والجرجير والتوكلية والدلينس، وذبح الأبقار السليمة من العاهة إلاّ في أيام الأضحية، ومنع من بيع الفقاع وعمله البتة، وأن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، وأن لا تكشف امرأة وجهها في طريق، ولا خلف جنازة، ولا تتبرّج، ولا يباع شيء من السمك بغير قشر، ولا يصطاده أحد من الصيادين، وتتبع الناس في ذلك كله وشدّد فيه، وضرب جماعة بسبب مخالفتهم ما أمروا به ونهوا عنه مما ذكر، وخرجت العساكر لقتال بني قرّة أهل البحيرة، وكتب على أبواب المساجد وعلى الجوامع بمصر وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر سبّ السلف ولعنهم، وأكره الناس على نقش ذلك وكتابته بالأصباغ في سائر المواضع، وأقبل الناس من

стр. 1404

سائر النواحي فدخلوا في الدعوة وجعل لهم يومان في الأسبوع، وكثر الازدحام ومات فيه جماعة، ومنع الناس من الخروج بعد المغرب في الطرقات، وأن لا يظهر أحد بها لبيع ولا شراء، فخلت الطرق من المارّة وكسرت أواني الخمور وأريقت من سائر الأماكن، واشتدّ خوف الناس بأسرهم، وقويت الشناعات وزاد الاضطراب، فاجتمع كثير من الكتاب وغيرهم تحت القصر وضجوا يسألون العفو، فكتب عدّة أمانات لجميع الطوائف من أهل الدولة وغيرهم من الباعة والرعية، وأمر بقتل الكلاب فقتل منها ما لا ينحصر حتى فقدت، وفتحت دار الحكمة بالقاهرة وحمل إليها الكتب ودخل إليها الناس، فاشتدّ الطلب على الركابية المستخدمين في الركاب، وقتل منهم كثير، عفي عنهم وكتب لهم أمان، ومنع الناس كافة من الدخول من باب القاهرة، ومنع الناس من المشي ملاصق القصر، وقتل قاضي القضاة حسين بن النعمان وأحرق بالنار، وقتل عددا كثيرا من الناس ضربت أعناقهم. وفي سنة ست وتسعين خرج أبو ركوة يدعو إلى نفسه وادّعى أنه من بني أمية، فقام بأمره بنو قرّة لكثرة ما أوقع بهم الحاكم وبايعوه، واستجاب له لواته ومزاته وزنادة، وأخذ برقة وهزم جيوش الحاكم غير مرّة، وغنم ما معهم، فخرج لقتاله القائد فضل بن صالح في ربيع الأوّل وواقعه، فانهزم منه فضل واشتدّ الاضطراب بمصر، وتزايدت الأسعار واشتدّ الاستعداد لمحاربة أبي ركوة، ونزلت العساكر بالجيزة، وسار أبو ركوة فواقعه القائد فضل وقتل عدّة ممن معه، فعظم الأمر واشتدّ الخوف وخرج الناس فباتوا بالشوارع. خوفا من هجوم عساكر أبي ركوة، واستمرّت الحروب فانهزم أبو ركوة في ثالث ذي الحجة إلى الفيوم، وتبعه القائد فضل بعد أن بعث إلى القاهرة بستة آلاف رأس ومائة أسير إلى أن قبض عليه ببلاد النبوة، وأحضر إلى القاهرة فقتل بها، وخلع على القائد فضل، وسيّرت البشائر بقتله إلى الأعمال. وفي سنة سبع وتسعين أمر بمحوسبّ السلف فمحي سائر ما كتب من ذلك، وغلت الأسعار لنقص ماء النيل، فإنه بلغ ستة عشر أصبعا من سبعة عشر ذراعا، نقص، ومات ينجو تكين في ذي الحجة، واشتدّ الغلاء في سنة ثمان وتسعين، وولي عليّ بن فلاح دمشق، وقبض جميع ما هو محبس على الكنائس، وجعل في الديوان، وأحرق عدّة صلبان على باب الجامع بمصر، وكتب إلى سائر الأعمال بذلك. وفي سادس عشر رجب قرّر مالك بن سعيد الفارقيّ في وظيفة قضاء القضاة، وتسلم كتب الدعوة التي تقرأ بالقصر على الأولياء، وصرف عبد العزيز بن النعمان عن ذلك، وصرف قائد القوّاد الحسين بن جوهر عما كان يليه من النظر في سابع شعبان، وقرّر مكانه صالح بن عليّ الروذباديّ، وقرّر في ديوان الشام مكانه أبو عبد اللّه الموصليّ الكاتب، وأمر حسين بن جوهر وعبد العزيز بلزوم دورهما، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما، ثم عفا

стр. 1405

عنهما بعد أيام، وأمر بالركوب. وتوقفت زيادة النيل فاستسقى الناس مرّتين، وأمر بإبطال عدّة مكوس، وتعذر وجود الخبز لغلائة وقلته، وفتح الخليج في رابع توت، والماء على خمسة عشر ذراعا فاشتدّ الغلاء. وفي تاسع المحرّم وهو نصف توت نقص ماء النيل ولم يوف ستة عشر ذراعا، فمنع الناس من التظاهر بالغناء ومن ركوب البحر للتفرّج، ومنع من بيع المسكرات، ومنع الناس كافة من الخروج قبل الفجر وبعد العشاء إلى الطرقات واشتدّ الأمر على الكافة لشدّة ما داخلهم من الخوف مع شدّة الغلاء، وتزايد الأمراض في الناس والموت. فلما كان في رجب انحلت الأسعار، وقريء سجل فيه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، وصلاة الخمسين للذي جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون، يخمّس في التكبير على الجنائز المخمسون، ولا يمنع من التربيع عليها المربعون، يؤذن بحيّ على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون، لا يسب أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف، والحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده. ولقب صالح بن عليّ الروذباديّ بثقة ثقات السيف والقلم، وأعيد القاضي عبد العزيز بن النعمان إلى النظر في المظالم، وتزايدت الأمراض وكثر الموت وعزت الأدوية، وأعيدت المكوس التي رفعت، وهدمت كنائس كانت بطريق المقس، وهدمت كنيسة كانت بحارة الروم من القاهرة، ونهب ما فيها، وقتل كثير من الخدّام ومن الكتاب ومن الصقالية، بعد ما قطعت أيدي بعضهم من الكتاب بالشطور على الخشبة من وسط الذراع، وقتل القائد فضل بن صالح في ذي القعدة، وفي حادي عشر صفر صرف صالح بن عليّ الروذباديّ، وقرّر مكانه ابن عبدون النصرانيّ الكاتب فوقّع عن الحاكم، ونظر وكتب بهدم كنيسة قماسة، وجدّد ديوان يقال له الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم، وكثرت الأمراض وعزت الأدوية، وشهر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية ودلينس وضربوا، وعدم دائر القصر واشتدّ الأمر على النصارى واليهود في إلزامهم لبس الغيار، وكتب إبطال أخذ الخمس والنجاوي والفطرة، وفرّ الحسين بن جوهر وأولاده، وعبد العزيز بن النعمان، وفرّ أبو القاسم الحسين بن المغربيّ، وكتب عدّة أمانات لعدّة طوائف من شدّة خوفهم، وقطعت قراءة مجالس الحكمة بالقصر، ووقع التشديد في المنع من المسكرات، وقتل كثير من الكتاب والخدّام والفرّاشين، وقتل صالح بن عليّ الروذباديّ في شوّال. وفي رابع المحرّم سنة إحدى وأربعمائة، صرف الكافي بن عبدون عن النظر والتوقيع، وقرّر بدله أحمد بن محمد القشوريّ الكاتب في الوساطة والسفارة، وحصر الحسين بن
следующие страницы →