وكان السلطان أبيض اللون قد وخطه الشيب، وفي عينيه حول، وبرجله اليمنى ريح شوكة تنغص عليه أحيانا وتؤلمه، وكان لا يكاد يمس بها الأرض ولا يمشي إلاّ متكئا على أحدا ومتوكئا على شيء، ولا يصل إلى الأرض إلاّ أطراف أصابعه، وكان شديد البأس جيد الرأي، يتولى الأمور بنفسه، ويجود لخواصه، وكان مهابا عند أهل مملكته، بحيث أنّ الأمراء إذا كانوا عنده بالخدمة لا يجسر أحد أن يكلم آخر كلمة واحدة، ولا يلتفت بعضهم إلى بعض خوفا منه، ولا يمكن واحدا منهم أن يذهب إلى بيت أحد البتة، لا في وليمة ولا غيرها، فإن فعل أحد منهم شيئا من ذلك قبض عليه وأخرجه من يومه منفيا، وكان مسدّدا عارفا بأمور رعيته وأحوال مملكته، وأبطل نيابة السلطنة من ديار مصر من سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وأبطل الوزارة وصار يتحدّث بنفسه في الجليل من الأمور والحقير، ويستجلب خاطر كل أحد من صغير وكبير لا سيما حواشيه، فلذلك عظمت حاشية المملكة وأتباع السلطنة وتخوّلوا في النعم الجزيلة، حتى الخولة والكلابزية والأسرى من الأرمن والفرنج، وأعطى البازدارية الأخباز في الحلقة، فمنهم من كان إقطاعه الألف دينار في السنة، وزوّج عدّة منهم بجواريه، وأفنى خلقا كثيرا من الأمراء بلغ عددهم نحو المائتي أمير، وكان إذا كبر أحد من أمرائه قبض عليه وسلبه نعمته، وأقام بدله صغيرا من مماليكه إلى أن يكبر، فيمسكه ويقيم غيره، ليأمن بذلك شرّهم. وكان كثير التخيل حازما، حتى أنه إذا تخيل من ابنه قتله، وفي آخر أيامه شره في جمع المال، فصادر كثيرا من الدواوين والولاة وغيرهم، ورمى البضائع على التجار حتى خاف كل من له مال، وكان مخادعا كثير الحيل، لا يقف عند قول ولا يوف بعهد ولا يبرّ في يمين، وكان محبا للعمارة، وعمر عدّة أماكن منها: جامع قلعة الجبل، وهدمه مرّتين، وعمر القصر الأبلق بالقلعة ومعظم الأماكن التي بالقلعة، وعمر المجرى الذي ينقل الماء عليه من بحر النيل إلى القلعة على السور، وعمر الميدان تحت القلعة ومناظر الميدان على النيل، وعمر قناطر السباع على الخليج ومناظر سرياقوس والخانقاه بسرياقوس، وحفر الخليج الناصريّ بظاهر القاهرة، وعمر الجامع الجديد على شاطيء النيل بظاهر مصر، وجدّد جامع الفيلة الذي بالرصد، والمدرسة الناصرية بين القصرين من القاهرة، وغير ذلك مما يرد في موضعه من هذا الكتاب، وما زال يعمر منذ عاد إلى ولاية الملك في المرّة الثالثة إلى أن مات، وبلغ مصروف العمارة في كل يوم من أيامه سبعة آلاف درهم فضة، عنها ثلاثمائة وخمسون دينارا، سوى من يسخره من المقيدين وغيرهم في عمل ما يعمره، وحفر عدّة من الخلجانات والترع، وأقام الجسور بالبلاد حتى أنه كان ينصرف من الأخباز على ذلك ربع متحصل الإقطاعات، وحفر خليج الإسكندرية وبحر المحلة مرّتين، وبحر اللبينيّ بالجيزة، وعمل جسر شيبين، وعمل جسر أحباس بالشرقية والقليوبية مدّة ثلاث سنين متوالية، فلم ينجع، فأنشأه بنيانا، بالطوب والجير، وأنفق فيه أموالا عظيمة، وراك ديار مصر وبلاد الشام، وعرض الجيش بعد حضوره في سنة
стр. 1437
اثنتي عشرة وسبعمائة، وقطع ثمانمائة من الجند، ثم قطع في مرّة أخرى ثلاثة وأربعين جنديا في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وقطع ثمانمائة من الجند، ثم قطع في مرّة أخرى ثلاثة وأربعين جنديا في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ثم قطع خمسة وستين أيضا في رمضان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، قبل وفاته بشهرين.
وفتح من البلاد جزيرة أرواد في سنة اثنتين وسبعمائة، وفتح ملطية في سنة خمس عشرة وسبعمائة، وفتح أناس في ربيع الأوّل سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وخرّبها، ثم عمرها الأرمن فأرسل إليها جيشا فأخذها ومعها عدّة بلاد من بلاد الأرم في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وأقام بها نائبا من أمراء حلب، وعمر قلعة جعبر بعد أن دثرت، وضربت السكة باسمه في شوّال سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، قبل موته تولى ذلك الشيخ حسن بن حسين بحضور الأمير شهاب الدين أحمد قريب السلطان، وقد توجه من مصر بهذا السبب، وخطب له أيضا في أرتنا ببلاد الروم، وضربت السكة باسمه، وكذلك بلاد ابن قرمان وجبال الأكراد وكثير من بلاد الشرق، وكان من الذكاء المفرط على جانب عظيم، يعرف مماليك أبيه ومماليك الأمراء بأسمائهم ووقائعهم، وله معرفة تامّة بالخيل وقيمها مع الحشمة والسيادة، لم يعرف عنه قط أنه شتم أحدا من خلق اللّه ولا سفه عليه ولا كلمه بكلمة سيئة، وكان يدعو الأمراء أرباب الأشغال بألقابهم، وكانت همته علية وسياسته جيدة وحرمته عظيمة إلى الغاية، ومعرفته بمهادنة الملوك لا مرمى وراءها، يبذل في ذلك من الأموال ما لا يوصف كثرة، فكان كتّابه ينفذ أمره في سائر أقطار الأرض كلها، وهو مع ما ذكرنا مؤيد في كلّ أموره مظفر في جميع أحواله مسعود في سائر حركاته، ما عانده أحد أو أضمر له سوأ إلاّ وندم على ذلك أو هلك، واشتهر في حياته بديار مصر أنه إن وقعت قطرة من دمه على الأرض لا يطلع نيل مصر مدّة سبع سنين، فمتعه اللّه من الدنيا بالسعادة العظيمة في المدّة الطويلة مع كثرة الطمأنينة والأمن وسعة الأموال، واقتنى كلّ حسن ومستحسن من الخيل والغلمان والجواري، وساعده الوقت في كلّ ما يحب ويختار إلى أن أتاه الموت.
الجامع بالمشهد النفيسيّ
قال ابن المتوّج: هذا الجامع أمر بإنشائه الملك الناصر محمد بن قلاون، فعمر في شهور سنة أربع عشرة وسبعمائة، وولى خطابته علاء الدين محمد بن نصر اللّه بن الجوهريّ شاهد الخزانة السلطانية، وأوّل خطبته فيه يوم الجمعة ثامن صفر من السنة المذكورة، وحضر أمير المؤمنين المستكفي بالله أبو الربيع سليمان وولده وابن عمه والأمير كهرداش متولي شدّ العمائر السلطانية، وعمارة هذا الجامع ورواقاته والفسقية المستجدّة، وقيل أن جميع المصروف على هذا الجامع من حاصل المشهد النفيسيّ، وما يدخل إليه من النذور ومن الفتوح.
стр. 1438
جامع الأمير حسين
هذا الجامع كان موضعه بستانا بجوار غيظ العدّة، أنشأه الأمير حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن حيدر بك مشرف الروميّ، قدم مع أبيه من بلاد الروم إلى ديار مصر في سنة خمس وسبعين وستمائة، وتخصص بالأمير حسام الدين لاجين المنصوريّ، قبل سلطنته، فكانت له منه مكانة مكينة، وصار أمير شكار، وكان فيه برّ وله صدقة وعنده تفقد لأصحابه، وأنشأ أيضا القنطرة المعروفة بقنطرة الأمير حسين على خليج القاهرة، وفتح الخوخة في سور القاهرة بجوار الوزيرية، وجرى عليه من أجل فتحها ما قد ذكر عند ذكرها في الخوخ من هذا الكاتب، وتوفي في سابع المحرّم سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ودفن بهذا الجامع.
جامع الماس
هذا الجامع بالشارع خارج باب زويلة، بناه الأمير سيف الدين الماس الحاجب، وكمل في سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان الماس هذا أحد مماليك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فرقاه إلى أن صار من أكبر الأمراء، ولما أخرج الأمير أرغون إلى نيابة حلب وبقي منصب النيابة شاغرا عظمت منزلة الماس، وصار في منزلة النيابة، إلاّ أنه لم يسمّ بالنائب، ويركب الأمراء الأكابر والأصاغر في خدمته، ويجلس في باب القلة من قلعة الجبل في منزلة النائب، والحجاب وقوف بين يديه، وما برح على ذلك حتى توجه السلطان إلى الحجاز في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، فتركه في القلعة هو والأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، والأمير أقبغا عبد الواحد، والأمير طشتمر حمص أخضر، هؤلاء الأربعة لا غير، وبقية الأمراء إما معله في الحجاز، وإما في إقطاعاتهم، وأمرهم أن لا يدخلوا القاهرة حتى يحضر من الحجاز، فلما قدم من الحجاز نقم عليه وأمسكه في صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وكان لغضب السلطان عليه أسباب منها، أنه لما أقام في غيبة السلطان بالقلعة كان يراسل الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك ويوادده، وبدت منه في مدّة الغيبة أمور فاحشة من معاشرة الشباب ومن كلام في حق السلطان، فوشى به أقبغا، وكان مع ذلك قد كثر ماله وزادت سعادته، فهوى شابا من أبناء الحسينية يعرف بعمير، وكان ينزل إليه ويجمع الاويراتية ويحضر الشباب ويشرب، فحرّك ذلك عليه ما كان ساكنا. ويقال أن السلطان لما مات الأمير بكتمر الساقي وجد في تركته جزدان فيه جواب الماس إلى بكتمر الساقي، انني حافظ القلعة إلى أن يرد عليّ منك ما أعتمده. فلما وقف السلطان على ذلك أمر النشو بن هلال الدولة وشاهد الخزانة بإيقاع الحوطة على موجوده، فوجدا له ستمائة ألف درهم فضة، ومائة ألف درهم فلوسا، وأربعة آلاف دينار ذهبا، وثلاثين حياصة ذهبا كاملة بكفتياتها وخلعها، وجواهر وتحفا، وأقام الماس عند أقبغا عبد الوحد ثلاثة أيام، وقتل خنقا
стр. 1439
بمحبسه في الثاني عشر من صفر سنة أربعة وثلاثين وسبعمائة، وحمل من القلعة إلى جامعه فدفن به، وأخذ جميع ما كان في داره من الرخام فقلع منها وكان رخاما فاخرا إلى الغاية، وكان أسمر طوالا غتميا لا يفهم شيئا بالعربيّ، ساذجا يجلس في بيته فوق لباد على ما اعتماده، وبهذا الجامع رخام كثير نقله من جزائر البحر وبلاد الشام والروم.
جامع قوصون
هذا الجامع بالشارع خارج باب زويلة، ابتدأ عمارته الأمير قوصون في سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان موضعه دارا بجوار حارة المصامدة من جانبها الغربيّ، تعرف بدار أقوش نميله، ثم عرفت بدار الأمير جمال الدين قتال السبع الموصليّ، فأخذها من ولده وهدمها وتولى بناءه شادّ العمائر، واستعمل فيه الأسرى، كان قد حضر من بلاد توريز بناء فبنى مئذنتي هذا الجامع على مثالث المئذنة التي عملها خواجا علي شاه، وزير السلطان أبي سعيد في جامعه بمدينة توريز، وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثلاثين وسبعمائة، وخطب يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ بحضور السلطان، ولما انقضت صلاة الجمعة أركبه الملك الناصر بغلة بخلعة سنية، ثم منعه السلطان الملك الناصر أن يستقرّ في خطابته، فولى فخر الدين شكر.
قوصون: الأمير الكبير سيف الدين، حضر من بلاد بركة إلى مصر صحبة خوند ابنة أزبك امرأة الملك الناصر محمد بن قلاون في ثالث عشري ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة، ومعه قليل عصيّ وطسما ونحو ذلك مما قيمته خمسمائة درهم ليتجر فيه، فطاف بذلك في أسواق القاهرة وتحت القلعة وفي داخل قلعة الجبل، فاتفق. في بعض الأيام أنه دخل إلى الإصطبل السلطانيّ ليبيع ما معه، فأحبه بعض الأوشاقية وكان صبيا جميلا طويلا له من العمر ما يقارب الثماني عشرة سنة، فصار يتردّد إلى الأوشاقيّ إلى أن رآه السلطان، فوقع منه بموقع، فسأل عنه فعرّف بأنه يحضر ليبيع ما معه، وأن بعض الأوشاقية تولع به، فأمر بإحضاره إليه وابتاع منه نفسه ليصير من جملة المماليك السلطانية، فنزله من جملة السقاة وشغف به وأحبه حبا كثيرا، فأسلمه للأمير بكتمر الساقي وجعله أمير عشرة، ثم أعطاه أمرة طبلخاناه، ثم جعله أمير مائة مقدّم ألف، ورقاه حتى بلغه أعلى المراتب، فأرسل إلى البلاد وأحضر إخوته، سوسون وغيره من أقاربه، وأمر الجميع واختص به السلطان، بحيث لم ينل أحد عنده ما ناله، وزوّجه بابنته، وتزوّج السلطان أخته، فلما احتضر السلطان جعله وصيا على أولاده، وعهد لابنه أبي بكر فأقيم في الملك من بعده، وأخذ قوصون في أسباب السلطنة، وخلع أبا بكر المنصور بعد شهرين وأخرج إلى مدينة قوص ببلاد الصعيد، ثم قتله، وأقام كجك ابن السلطان وله من العمر خمس سنين، ولقبه بالملك الأشرف، وتقلد نيابة السلطنة بديار مصر، فأمّر من حاشيته وأقاربه ستين أميرا، وأكثر من العطاء وبذل
стр. 1440
الأموال والأنعام، فصار أمر الدولة كله بيده، هذا وأحمد بن السلطان الملك الناصر مقيم بمدينة الكرك، فخافه قوصون وأخذ في التدبير عليه فلم يتم له ما أراد من ذلك، وحرّك على نفسه ما كان ساكنا، فطلب أحمد الملك لنفسه وكاتب الأمراء والنوّاب بالمملكة الشامية والمصرية فأذعنوا إليه، وكان بمصر من الأمراء الأمير أيدغمش والأمير آل ملك وقماري والماردانيّ وغيرهم، فتخيل قوصون منهم وأخذ في أسباب القبض عليهم، فعلموا بذلك وخافوا الفوت فركبوا لحربه وحصروه بقلعة الجبل حتى قبضوا عليه في ليلة الأربعاء آخر شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ونهبت داره وسائر دور حواشيه وأسبابه، وحمل إلى الاسكندرية صحبة الأمير قبلاي فقتل بها، وكان كريما يفرّق في كل سنة للأضحية ألف رأس غنما، وثلاثمائة بقرة، ويفرّق ثلاثين حياصة ذهبا، ويفرّق كلّ سنة عدّة أملاك فيها ما يبلغ ثمنه ثلاثين ألف درهم، وله من الآثار بديار مصر سوى هذا الجامع الخانقاه بباب القرافة، والجامع تجاهها، وداره التي بالرميلة تحت القلعة تجاه باب السلسلة وحكر قوصون.
جامع الماردانيّ
هذا الجامع بجوار خط التبانة خارج باب زويلة، كان مكانه أوّلا مقابر أهل القاهرة، ثم عمر أماكن. فلما كان في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، أخذت الأماكن من أربابها وتولى شراءها النشو. فلم ينصف في أثمانها، وهدمت وبني مكانها هذا الجامع، فبلغ مصروفه زيادة على ثلاثمائة ألف درهم، عنها نحو خمسة عشر ألف دينار، سوى ما حمل إليه من الأخشاب والرخام وغيره من جهة السلطنة، وأخذ ما كان في جامع راشدة من العمد فعملت فيه، وجاء من أحسن الجوامع، وأوّل خطبة أقيمت فيه يوم الجمعة رابع عشري رمضان سنة أربعين وسبعمائة، وخطب فيه الشيخ ركن الدين عمر بن إبراهيم الجعبريّ، ولم يتناول معلوما.
ألطنبغا الماردانيّ الساقي: أمّره الملك الناصر محمد بن قلاون، وقدّمه وزوّجه ابنته، فلما مات السلطان وتلوى بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، ذكر أنه وشى بأمره إلى الأمير قوصون وقال: قد عزم على إمساكك. فتحيل قوصون وخلع أبا بكر وقتله بقوص، هذا مع أن الطنبغا كان قد عظم عند المنصور أكثر مما كان عند أبيه، فلما أقيم الأشرف كجك وماج الناس وحضر الأمير قطلوبغا من الشام وشغب الأمراء على قوصون، كان ألطبغا أصل ذلك كله، ثم نزل إلى الأمير أيدغمش أمير أخور واتفق معه على أن يقبض على قوصون، وطلع إلى قوصون وشاغله وخذله عن الحركة طول الليل والأمراء الكبار المشايخ عنده، وما زال يساهره حتى نام، وكان من قيالم الأمراء وركوبهم عليه ما كان، إلى أن أمسك وأخرج إلى الاسكندرية، ولما قدم ألطنبغا نائب الشام وأقام، تقدّم الماردانيّ وقبض على سيفه ولم
стр. 1441
يجسر غيره على ذلك، فقويت بهذه الحركان نفسه وصار يقف فوق التمرتاشيّ وهو اغاته فشق ذلك عليه وكتم في نفسه إلى أن ملك الصالح إسماعيل، فتمكن حينئذ التمرتاشيّ وصار الأمر له، وعمل على الماردانيّ فلم يشعر بنفسه إلا وقد أخرج على خمسة أرؤس من خيل البريد إلى نيابة حماه في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين، فسار إليها وبقي فيها نحو شهرين إلى أن مات ايدغمش نائب الشام، ونقل طقزدمر من نيابة حلب إلى نيابة دمشق، فنقل الماردانيّ من نيابة حماه إلى نيابة حلب، وسار إليها في أوّل رجب من السنة المذكورة، وجاء الأمير يلبغا اليحياويّ إلى نيابة حماه، فأقام الماردانيّ يسيرا في حلب ومرض ومات مستهلّ صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكان شابا طويلا رقيقا حول الصورة، لطيفا معشق الخطرة كريما صائب الحدس عاقلا.
جامع أصلم
هذا الجامع داخل الباب المحروق، أنشأه الأمير بهاء الدين أصلم السلاحدار في سنة ست وأربعين وسبعمائة.
أصلم: أحد مماليك الملك المنصور قلاون الألفيّ، فلما فرّقت المماليك السلطنية في نيابة كتبغا بعد قتل الملك الأشرف خليل بن قلاون، وسلطنة الناصر محمد بن قلاون، كان أصلم من نصيب الأمير سيف الدين أقوش المنصوريّ، ثم انتقل إلى الأمير سلار، فلما حضر الملك الناصر محمد من الكرك بعد سلطنة بيبرس الجاشنكير، خرج إليه أصلم بمنجا الملك وبشره بهروب بيبرس، فأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم تنقل إلى أن صار أمير مائة مقدّم ألف، وخرج في التجريدة إلى اليمن، فلما عاد اعتقله السلطان خمس سنين لكلام نقل عنه، ثم أخرجه وأعاده إلى منزلته، ثم جهزه لنيابة صفد، ومات الناصر وأصلم بصفد، فخرج الأمير قوصون مع الطنبغا نائب الشام إلى حلب لإمساك طشتمر، فسار إلى قاري ثم رجع وانضمّ إلى الفخريّ وأقام عنده على خان لاجين، وتوجه معه صحبة عساكر الشام إلى مصر، فرسم له الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاون بامرة مائة في مصر على عادته، وكان أحد المشايخ، ويجلس رأس الحلقة، ويجيد رمي النشاب مع سلامة صدر وخير إلى أن مات في يوم السبت عاشر شعبان سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ونشأ بجوار هذا الجامع دارا سنية، وحوض ماء للسبيل، وبهذا الجامع درس وله أوقاف، وهو من أحسن الجوامع.
جامع بشتاك
هذا الجامع خارج القاهرة بخط قبو الكرمانيّ على بركة الفيل، عمره الأمير بشتاك، فكمل في شعبان سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وخطب فيه تاج الدين عبد الرحيم بن قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ، في يوم الجمعة سابع عشرة، وعمر تجاهه خانقاه على الخليج
стр. 1442
الكبير، ونصب بينهما ساباطا يتوصل به من أحدهما إلى الآخر، وكان هذا الخط يسكنه جماعة من الفرنج والأقباط، ويرتكبون من القبائح ما يليق بهم، فلما عمر هذا الجامع وأعلن فيه بالأذان وإقامة الصلوات، اشمأزت قلوبهم لذلك وتحوّلوا من هذا الخط، وهو من أبهج الجوامع وأحسنها رخاما، وأنزهها. وادركناه إذا قويت زيادة ماء النيل فاضت بركة الفيل وغرّقته فيصير لجة ماء، لكن منذ انحسر ماء النيل عن البلد إلى جهة الغرب بطل ذلك، وله من الآثار سوى ذلك، قصر بشتاك بين القصرين، وقد تقدّم ذكره.
جامع آق سنقر
هذا الجامع بسويقة السباعين على البركة الناصرية، عمره الأمير آق سنقر شادّ العمائر السلطانية، وإليه تنسب قنطرة آق سنقر التي على الخليج الكبير بخط قبو الكرمانيّ، قبالة الحبانية، وأنشأ أيضا دارا جليلة وحمامين بخط البركة الناصرية، وكان من جملة الأوشاقية في أوّل أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، ثم عمله أمير أخور ونقله منها فجعله شادّ العمائر السلطانية، وأقام فيها مدّة فأثرى ثراء كبيرا، وعمر ما ذكر، وجعل على الجامع عدّة أوقاف، فعزل وصودر والخرج من مصر إلى حلب، ثم نقل منها إلى دمشق، فمات بها في سنة أربعين وسبعمائة.
جامع آق سنقر
هذا الجامع قريب من قلعة الجبل فيما بين باب الوزير والتبانة، كان موضعه في القديم مقابر أهل القاهرة، وأنشأه الأمير آق سنقر الناصريّ، وبناه بالحجر وجعل سقوفه عقودا من حجارة، ورخمه واهتمّ في ثنائه اهتماما زائدا حتى كان يقعد على عمارته بنفسه، ويشيل التراب مع الفعلة بيده، ويتأخر عن غدائه اشتغالا بذلك، وأنشأ بجانبه مكتبا لإقراء أيتام المسلمين القرآن، وحانوتا لسقي الناس الماء العذب، ووجد عند حفر أساس هذا الجامع كثيرا من الأموات، وجعل عليه ضيعة من قرى حلب، تغلّ في السنة مائة وخمسين ألف درهم فضة، عنها نحو سبعة آلاف دينار، وقرّر فيه درسا فيه عدّة من الفقهاء، وولى الشيخ شمس الدين محمد بن اللبان الشافعيّ خطابته، وأقام له سائر ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف، وبنى بجواره مكانا ليدفن فيه، ونقل إليه ابنه فدفنه هناك، وهذا الجامع من أجلّ جوامع مصر، إلاّ أنه لما حدثت الفتن ببلاد الشام وخرجت النوّاب عن طاعة سلطان مصر منذ مات الملك الظاهر برقوق، امتنع حضور مغلّ وقف هذا الجامع لكونه في بلاد حلب، فتعطل الجامع من أرباب وظائفه إلاّ الاذان والصلاة. وإقامة الخطبة في الجمع والأعياد، ولما كانت سنة خمس عشرة وثمانمائة أنشأ في وسطه الأمير طوغان الدوادار بكرة ماء، وسقفها ونصب عليها عمدا من رخام لحمل السقف، أخذها من جامع الخندق، فهدم الجامع بالخندق من أجل ذلك، وصار الماء ينقل إلى هذه البركة من ساقية الجامع التي
стр. 1443
كانت للميضأة، فلما قبض الملك المؤيد شيخ الظاهريّ على طوغان في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى، سنة ست عشرة وثمانمائة، وأخرجه إلى الاسكندرية واعتقله بها، أخذ شخص الثور الذي كان يدير الساقية، فإن طوغان كان أخذه منه بغير ثمن كما هي عادة أمرائنا، فبطل الماء من البركة.
آق سنقر: السلاريّ، الأمير شمس الدين أحد مماليك السلطان الملك المنصور قلاون، ولما فرّقت المماليك، في نيابة كتبغا على الأمراء، صار الأمير آق سنقر إلى الأمير سلار، فقيل له السلاريّ لذلك، ولما عاد الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك اختص به ورقاه في الخدم حتى صار أحد الأمراء المقدّمين، وزوّجه بابنته وأخرجه لنيابة صفد، فباشرها بعفة إلى الغاية، ثم نقله من نيابة صفد إلى نيابة غزة، فلما مات الناصر وأقيم من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، وخلع بالأشرف كجك وجاء الفخريّ لحصار الكرك، قام آق سنقر بنصرة أحمد ابن السلطان في الباطن، وتوجه الفخريّ إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به وقوّي عزمه، وقال له توجه أنت إلى دمشق واملكها وأنا أحفظ لك غزة، وقام في هذه الواقعة قياما عظيما وأمسك الدروب، فلم يحضر أحد من الشام أو مصر من البريد وغيره إلاّ وقبض عليه وحمل إلى الكرك، وحلف الناس للناصر أحمد، وقام بأمره ظاهرا وباطنا، ثم جاء إلى الفخريّ وهو على خان لاجين وقوّي عزمه وعضذه، وما زال عنده بدمشق إلى أن جاء الطنبغا من حلب والتقوا، وهرب الطنبغا فاتبعه اق سنقر إلى غزة وأقام بها، ووصلت العساكر الشامية إلى مصر، فلما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك، أعطى نيابة ديار مصر لآق سنقر، فباشر النيابة وأحمد في الكرك إلى أن ملك الملك الصالح إسماعيل بن محمد، فأقرّه على النيابة وسار فيها سيرة مشكورة، فكان لا يمنع أحدا شيئا طلبه كائنا من كان، ولا يردّ سائلا يسأل ولو كان ذلك غير ممكن، فارتزق الناس في أيامه واتسعت أحوالهم، وتقدّم من كان متأخرا حتى كان الناس يطلبون ما لا حاجة لهم به، ثم إن الصالح أمسكه هو وبيغرا أمير جاندار، وأولاجا الحاجب، وقراجا الحاجب، من أجل أنهم نسبوا إلى الممالاة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك يوم الخميس رابع المحرّم سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكان ذلك آخر العهد به، واستقرّ بعده في النيابة الحاج آل ملك، ثم أفرج عن بيغرا، وأولاجا، وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
جامع آل ملك
هذا الجامع في الحسينية خارج باب النصر، أنشأه الأمير سيف الدين الحاج آل ملك، وكمل وأقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة تاسع جمادى الأول سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وهو من الجوامع المليحة، وكانت خطته عامرة بالمساكن وقد خربت.
стр. 1444
آل ملك: الأمير سيف الدين أصله مما أخذ في أيام الملك الظاهر من كسب الأبلستين لما دخل إلى بلاد الروم في سنة ست وسبعين وستمائة، وصار إلى الأمير سيف الدين قلاون وهو أمير قبل سلطنته، فأعطاه لابنه الأمير عليّ، وما زال يترقى في الخدم إلى أن صار من كبار الأمراء المشايخ رؤوس المشورة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان لما خلع الناصر وتسلطن بيبرس يتردّد بينهما من مصر إلى الكرك، فأعجب الناصر عقله وتأنيه، وسير من الكرك يقول للمظفر لا يعود يجيء إليّ رسولا غير هذا فلما قدم الناصر إلى مصر عظمه ولم يزل كبيرا موقرا مبجلا، فلما ولى الناصر أحمد السلطنة أخرجه إلى نيابة خماه، فأقام بها إلى أن تولى الصالح اسماعيل، فأقدمه إلى مصر وأقام بها على حاله إلى أن أمسك الأمير آق سنقر السلاريّ نائب السلطنة بديار مصر، فولاه النيابة مكانه، فشدّد في الخمر إلى الغاية، وحدّ شاربها وهدم خزانة البنود وأراق خمورها، وبنى بها مسجدا وسكرها للناس، فسكنت إلى اليوم كما تقدّم ذكره، وأمسك الزمام زمانا، وكان يجلس للحكم في الشباك بدار النيابة من قلعة الجبل طول نهاره لا يملّ ذلك ولا يسأم، وتروح أرباب الوظائف ولا يبقى عنده إلا النقباء البطالة، وكان له في قلوب الناس مهابة وحرمة إلى أن تولى الكامل شعبان، فأخرجه أوّل سلطنته إلى دمشق نائبا بها عوضا عن الأمير طقزدمر، فلما كان في أوّل الطريق حضر إليه من أخذه وتوجه به إلى صفد نائبا بها، فدخلها آخر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ثم سأل الحضور إلى مصر فرسم له بذلك، فلما توجه ووصل إلى غزة أمسكه نائبها ووجهه إلى الاسكندرية في سنة سبع وأربعين، فخنق بها. وكان خيرا فيه دين وعبادة يميل إلى أهل الخير والصلاح، وتعتقد بركته، وخرّج له أحمد بن أيبك الدمياطيّ مشيخة، وحدّث بها وقرئت عليه مرّات وهو جالس في شباك النيابة بقلعة الجبل، وعمر هذا الجامع ودارا مليحة عند المشهد الحسينيّ من القاهرة، ومدرسة بالقرب منها، وكان بركة من أحسن ما يكون، وخيله مشهورة موصوفة، وكان يقول كل أمير لا يقوّم رمحه ويسكب الذهب إلى أن يساوي السنان ما هو أمير، رحمة اللّه عليه.
جامع الفخر
في ثلاثة مواضع، في بولاق خارج القاهرة، وفي الروضة تجاه مدينة مصر، وفي جزيرة الفيل على النيل ما بين بولاق ومنية السيرج. أمّا جامع الفخر بناحية بولاق فإنه موجود تقام فيه الجمعة إلى اليوم، وكان أوّلا عند ابتداء بنائه يعرف موضعه بخط خص الكيالة، وهو مكان كان يؤخذ فيه مكس الغلال المبتاعة، وقد ذكر ذلك عند ذكر أقسام مال مصر من هذا الكاتب. وجامع الروضة باق تقام فيه الجمعة. وأما الجامع بجزيرة الفيل فإنه كان باقيا إلى نحو سنة تسعين وسبعمائة، وصليت فيه الجمعة غير مرّة، ثم خرب وموضعه باق بجوار دار تشرف على النيل تعرف بدار الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن قطينة،
стр. 1445
قريبا من الدار الحجازية.
والفخر: هذا هو محمد بن فضل اللّه القاضي فخر الدين ناظر الجيش، المعروف بالفخر، كان في نصرانيته متألها، ثم أكره على الإسلام فامتنع وهمّ بقتل نفسه، وتغيب أياما ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبعد النصارى ولم يقرّب أحدا منهم، وحج غير مرّة، وتصدّق في آخر عمره مدّة في كل شهر بثلاثة آلاف درهم نقرة، وبنى عدّة مساجد بديار مصر، وأنشأ عدّة أحواض ماء للسبيل في الطرقات، وبنى مارستانا بمدينة الرملة، ومارستانا بمدينة بلبيس، وفعل أنواعا من الخير، وكان حنفيّ المذهب، وزار القدس عدّة مرار، وأحرم مرّة من القدس بالحج، وسار إلى مكة محرما، وكان إذا خدمه أحد مرّة واحدة صار صاحبه طول عمره، وكان كثير الإحسان، لا يزال في قضاء حوائج الناس مع عصبية شديدة لأصحابه، وانتفع به خلق كثير لوجاهته عند السلطان، وإقدامه عليه، بحيث لم يك لأحد من أمراء الدولة عند الملك الناصر محمد بن قلاون ماله من الإقدام، ولقد قال السلطان مرّة لجندي طلب منه إقطاعا: لا تطوّل، واللّه لو أنك ابن قلاون ما أعطاك القاضي فخر الدين حيزا يغلّ أكثر من ثلاثة آلاف درهم، وقال له السلطان في يوم من الأيام وهو بدار العدل: يا فخر الدين تلك القضية طلعت فاشوش. فقال له: ما قلت لك أنها عجوز نحس. يريد بذلك بنت كوكاي امرأة السلطان عند ما ادّعت أنها حبلى، وله من الأخبار كثير.
وكان أوّلا كاتب المماليك السلطانية، ثم صار من كتابة المماليك إلى وظيفة نظر الجيش، ونال من الوجاهة ما لم ينله غيره في زمانه، وكان الأمير أرغون نائب السلطنة بديار مصر يكرهه، وإذا جلس للحكم يعرض عنه ويدير كتفه إلى وجه الفخر، فعمل عليه الفخر حتى سار للحج، فقال للسلطان: يا خوند ما يقتل الملوك إلاّ النوّاب، بيدرا قتل أخاك الملك الأشرف، ولاجين قتل بسبب نائبه منكوتمر، وخيل للسلطان إلى أن أمر بمسير الأمير أرغون من طريق الحجاز إلى نيابة حلب، وحسن للسلطان أن لا يستوزر أحدا بعد الأمير الجماليّ، فلم يول أحدا بعده الوزارة، وصارت المملكة كلها من أحوال الجيوش، وأمور الأموال وغيرها متعلقة بالفخر، إلى أن غضب عليه السلطان ونكبه وصادره على أربعمائة ألف درهم نقرة، وولى وظيفة نظر الشيخ قطب الدين موسى بن شيخ السلامية، ثم رضي عن الفخر وأمر بإعادة ما أخذ منه من المال إليه، وهو أربعمائة ألف درهم نقرة، فامتنع وقال: أنا خرجت عنها للسلطان فليبين بها جامعا، وبنى بها الجامع الناصريّ المعروف الآن بالجامع الجديد خارج مدينة مصر بموردة الحلفاء، وزار مرّة القدس وعبر كنيسة قمامة (١) فسمع وهو يقول عند ما رأى الضوء بها: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. وباشر آخر عمره بغير معلوم، وكان لا يأخذ من ديوان السلطان معلوما سوى كماجة، ويقول أتبرّك بها،
стр. 1446
ولما مات في رابع عشر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وله من العمر ما ينيف على سبعين سنة، وترك موجودا عظيما إلى الغاية. قال: السلطان، لعنه اللّه، خمس عشرة سنة ما يدعني أعمل ما أريد، وأوصي للسلطان بمبلغ أربعمائة ألف درهم نقرة، فأخذ من تركته أكثر من ألف ألف درهم نقرة، ومن حين مات الفخر كثر تسلط السلطان الملك الناصر، وأخذه أموال الناس، وإلى الفخر تنسب قنطرة الفخر التي على فم الخليج الناصريّ المجاور لميدان السلطان بموردة الجبس، وقنطرة الفخر التي على الخليج المجاور للخليج الناصريّ، وأدركت ولده فقيرا يتكفف الناس بعد مال لا يحدّ كثرة.
جامع نائب الكرك
هذا الجامع بظاهر الحسينية مما يلي الخليج، كان عامرا وعمر ما حوله عمارة كبيرة، ثم خرب بخراب ما حوله من عهد الحوادث في سنة ست وثمانمائة، عمره الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك، وقد تقدّم ذكره عند ذكر الدور من هذا الكتاب.
جامع الخطيريّ ببولاق
هذا الجامع موضعه الآن بناحية بولاق خارج القاهرة، كان موضعه قديما مغمورا بماء النيل إلى نحو سنة سبعمائة، فلما انحسر ماء النيل عن ساحل المقس صار ما قدّام المقس رمالا لا يعلوها ماء النيل إلاّ أيام الزيادة، ثم صارت بحيث لا يعلوها الماء البتة، فزرع موضع هذا الجامع بعد سنة سبعمائة، وصار منتزها يجتمع عنده الناس، ثم بنى هناك شرف الدين بن زنبور ساقية وعمر بجوارها رجل يعرف بالحاج محمد بن عز الفرّاش دارا تشرف على النيل، وتردّد إليها، فلما مات أخذها شخص يقال له تاج الدين بن الأزرق ناظر الجهات وسكنها، فعرفت بدار الفاسقين لكثرة ما يجري فيها من أنواع المحرّمات، فاتفق أن النشو ناظر الخاص قبض على ابن الأزرق وصادره، فباع هذه الدار في جملة ما باعه من موجوده، فاشتراها منه الأمير عز الدين أيدمر الخطيريّ وهدمها وبنى مكانها هذا الجامع وسماه جامع التوبة، وبالغ في عمارته وتأنق في رخامه، فجاء من أجلّ جوامع مصر وأحسنها، وعمل له منبرا من رخام في غاية الحسن، وركب فيه عدّة شبابيك من حديد تشرف على النيل الأعظم، وجعل فيه خزانة كتب جليلة نفيسة، ورتب فيه درسا للفقهاء الشافعية، ووقف عليه عدّة أوقاف منها: دار العظيمة التي هي في الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وكان جملة ما أنفق في هذا الجامع أربعمائة ألف درهم نقرة، وكملت عمارته في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وأقيمت به الجمعة في يوم الجمعة عشري جمادى الآخر، فلما خلص ابن الأزرق من المصادرة، حضر إلى الأمير الخطيريّ وادّعى أنه باع داره وهو مكره، فدفع إليه ثمنها مرّة ثانية، ثم إن البحر قوي على هذا الجامع وهدمه، فأعاد بناءه بجملة كثيرة من المال، ورمى قدّام زريبته ألف مركب مملوءة بالحجارة، ثم انهدم بعد موته وأعيدت زريبته.
стр. 1447
ايدمر الخطيريّ: الأمير عز الدين، مملوك شرف الدين أوحد بن الخطيريّ، الأمير مسعود بن خطير، انتقل إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فرقاه حتى صار أحد أمراء الألوف، بعد ما حبسه بعد مجيئه من الكرك إلى مصر مدّة، ثم أطلقه وعظم مقداره إلى أن بقي يجلس رأس الميسرة ومعه أمرة مائة وعشرين فارسا، وكان لا يمكنه السلطان من المبيت في داره بالقاهرة، فينزل إليها بكرة ويطلع إلى القلعة بعد العصر كذا أبدا، فكانوا يرون ذلك تعظيما له، وكان منوّر الشيبة كريما يحب التزوّج الكثير والفخر، بحيث أنه لما زوّج السلطان ابنته بالأمير قوصون ضرب دينارين وزنهما أربعمائة مثقال ذهبا، وعشرة آلاف درهم فضة برسم نقوط امرأته في العرس إذا طلعت إلى زفاف ابنة السلطان على قوصون، وقيل له مرّة هذا السّكّر الذي يعمل في الطعام ما يضرّ أن يعمل غير مكرّر، فقال لا يعمل إلاّ مكرّرا، فإنه يبقى في نفسي أنه غير مكرّر، وكان لا يلبس قباء مطرّزا ولا مصقولا، ولا يدع أحدا عنده يلبس ذلك، وكان يخرج الزكاة، وانشأ بجانب هذا الجامع ربعا كبيرا تنافس الناس في سكناه، ولم يزل على حاله حتى مات يوم الثلاثاء مستهلّ شهر رجب سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ودفن بتربته خارج باب النصر، ولم يزل هذا الجامع مجمعا يقصده سائر الناس للتنزه فيه على النيل، ويرغب كل أحد في السكنى بجواره، وبلغت الأماكن التي بجواره من الأسواق والدور الغاية في العمارة، حتى صار ذلك الخط أعمر أخطاط مصر وأحسنها، فلما كانت سنة ست وثمانمائة انحسر ماء النيل عما تجاه جامع الخطيريّ، وصار رملة لا يعلوها الماء إلاّ في أيام الزيادة، وتكاثر الرمل تحت شبابيك الجامع، وقربت من الأرض بعد ما كان الماء تحته لا يكاد يدرك قراره، وهو الآن عامر، إلاّ أن الاجتماعات التي كانت فيه قبل انحسار النيل عما قبالته قلت، واتضع حال ما يجاوره من السوق والدور، وللّه عاقبة الأمور.
جامع قيدان
هذا الجامع خارج القاهرة على جانب الخليج الشرقيّ ظاهر باب الفتوح مما يلي قناطر الإوز تجاه أرض البعل، كان مسجدا قديم البناء فجدّده الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي في محرّم سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وجدّد حوض السبيل الذي فيه، ثم إن الأمير مظفر الدين قيدان الروميّ عمل به منبرا لإقامة الخطبة يوم الجمعة، وكان عامرا بعمارة ما حوله، فلما حدث الغلاء في سنة ست وسبعين وسبعمائة، أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين خرب كثير من تلك النواحي، وبيعت أنقاضها، وكانت الغرقة أيضا، فصار ما بين القنطرة الجديدة المجاورة لسوق جامع الظاهر، وبين قناطر الأوز المقابلة لأرض البعل يبابا لا عامر له ولا ساكن فيه، وخرب أيضا ما وراء ذلك من شرقيه إلى جامع نائب الكرك، وتعطل هذا الجامع ولم يبق منه غير جدر آئلة إلى العدم، ثم جدّده مقدّم بعض المماليك السلطانية في
стр. 1448
حدود الثلاثين والثمانمائة، ثم وسع فيه الشيخ أحمد بن محمد الأنصاريّ العقاد الشهير بالأزراريّ، ومات في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة.
جامع الست حدق
هذا الجامع بخط المريس في جانب الخليج الكبير مما يلي الغرب، بالقرب من قنطرة السدّ التي خارج مدينة مصر، أنشأته الست حدق دادة الملك الناصر محمد بن قلاون، وأقيمت فيه الخطبة يوم الجمعة لعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وإلى حدق هذه ينسب حكر الست حدق الذي ذكر عند ذكر الأحكار من هذا الكتاب.
جامع ابن غازي
هذا الجامع خارج باب البحر من القاهرة بطريق بولاق، أنشأه نجم الدين بن غازي دلال المماليك، وأقيمت فيه الخطبة في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وإلى اليوم تقام فيه الجمعة، وبقية الأيام لا يزال مغلق الأبواب لقلة السكان حوله.
جامع التركمانيّ
هذا الجامع في المقس، وهو من الجوامع المليحة البناء، أنشأه الأمير بدر الدين محمد التركمانيّ، وكان ما حوله عامرا عمارة زائدة، ثم تلاشى من الوقت الذي كان فيه الغلاء زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين، وما برح حاله يختل إلى أن كانت الحوادث والمحن من سنة ست وثمانمائة، فخرب معظم ما هنالك، وفيه إلى اليوم بقايا عامر لا سيما بجوار هذا الجامع.
التركمانيّ محمد، وينعت بالأمير بدر الدين محمد بن الأمير فخر الدين عيسى التركمانيّ، كان أوّلا شادّا، ثم ترقى في الخدم حتى ولي الجيزة، وتقدّم في الدولة الناصرية، فولاه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون شادّ الدواوين، والدولة حينئذ ليس فيها وزير، فاستقلّ بتدبير الدولة مدّة أعوام، وكان يلي نظر الدولة تلك الأيام كريم الدين الصغير، فغص به وما زال يدبر عليه حتى أخرجه السلطان من ديار مصر، وعمله شادّ الدواوين بطرابلس، فأقام هناك مدّة سنتين ثم عاد إلى القاهرة بشفاعة الأمير تنكز نائب الشام، وولي كشف الوجه البحريّ مدّة، ثم أعطي أمرة طبلخاناه، وأعطي أخوه عليّ أمرة عشرة، وولده إبراهيم أيضا أمرة عشرة، وكان مهابا صاحب حرمة باسطة وكلمة نافذة، ومات عن سعادة طائلة بالمقس في ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وهو أمير.
стр. 1449
جامع شيخو
هذا الجامع بسويقة منعم، فيما بين الصليبة والرميلة تحت قلعة الجبل، أنشأه الأمير الكبير سيف الدين شيخو الناصريّ، رأس نوبة الأمراء في سنة ست وخمسين وسبعمائة، ورفق بالناس في العمل فيه وأعطاهم أجورهم، وجعل فيه خطبة وعشرين صوفيا، وأقام الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود الروميّ الحنفيّ شيخهم، ثم لما عمر الخانقاه تجاه الجامع نقل حضور الأكمل والصوفية إليها، وزاد عدّتهم، وهذا الجامع من أجلّ جوامع ديار مصر.
شيخو: الأمير الكبير سيف الدين، أحد مماليك الناصر محمد بن قلاون، حظي عند الملك المظفر حاجي بن محمد بن قلاون، وزادت وجاهته حتى شفع في الأمراء وأخرجهم من سجن الإسكندرية، ثم إنه استقرّ في أوّل دولة الملك الناصر حسن أحد أمراء المشورة، وفي آخر الأمر كانت القصص تقرأ عليه بحضرة السلطان في أيام الخدمة، وصار زمام الدولة بيده، فساسها أحسن سياسة بسكون وعدم شرّ، وكان يمنع كل حزب من الوثوب على الآخر، فعظم شأنه إلى أن رسم السلطان بإمساك الأمير يلبغاروس نائب السلطنة بديار مصر وهو مسافر بالحجاز، وكان شيخو قد خرج متصيدا إلى ناحية طنان بالغربية، فلما كان يوم السبت رابع عشري شوّال سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، أمسك السلطان الأمير منجك الوزير، وحلّف الأمراء لنفسه، وكتب تقليد شيخو بنيابة طرابلس، وجهزه إليه مع الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، فسار إليه وسفره من برّا، فوصل إلى دمشق ليلة الثلاثاء رابع ذي القعدة، فظهر مرسوم السلطان بإقامة شيخو في دمشق على إقطاع الأمير بيلبك السالميّ، وبتجهيز بيلبك إلى القاهرة، فخرج بيلبك من دمشق وأقام شيخو على إقطاعه بها، فما وصل بيلبك إلى القاهرة إلاّ وقد وصل إلى دمشق وأقام شيخو على إقطاعه بها، فما وصل وتقييد مماليكه واعتقالهم بقلعة دمشق، فأمسك وجهّز مقيدا، فلما وصل إلى قطيا توجهوا به إلى الإسكندرية، فلم يزل معتقلا بها إلى أن خلع السلطان الملك الناصر حسن، وتولى أخوه الملك الصالح صالح، فأفرج عن شيخو ومنجك الوزير وعدّة من الأمراء، فوصلوا إلى القاهرة في رابع شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وأنزل في الأشرفية بقلعة الجبل، واستمرّ على عادته، وخرج مع الملك الصالح إلى الشام في واقعة يلبغاروس، وتوجه إلى حلب هو والأمير طاز وأرغون الكامليّ خلف يبلغاروس، وعاد مع السلطان إلى القاهرة وصمم حتى أمسك يلبغاروس ومن معه من الأمراء بعد ما وصلوا إلى بلاد الروم، وحزت رؤسهم، وأمسك أيضا ابن دلغار وأحضر إلى القاهرة ووسّط وعلّق على باب زويلة، ثم خرج بنفسه في طلب الأحدب الذي خرج بالصعيد وتجاوز في سفره قوص، وأمسك عدّة كثيرة ووسّطهم حتى سكنت الفتن بأرض مصر، وذلك في آخر سنة أربع وخمسين وأوّل سنة خمس وخمسين.
стр. 1450
ثم خلع الملك الصالح وأقام بدله الملك الناصر حسنا في ثاني شوّال، وأخرج الأمير طاز من مصر إلى حلب نائبا بها ومعه إخوته، وصارت الأمور كلها راجعة إليه، وزادت عظمته وكثرت أمواله وأملاكه ومستأجراته حتى كاد يكاثر أمواج البحر بما ملك، وقيل له قارون عصره. وعزيز مصره، وأنشأ خلقا كثيرا، فقوى بذلك حزبه وجعل في كل مملكة من جهته عدّة أمراء، وصارت نوّابه بالشام وفي كل مدينة أمراء كبار، وخدموه حتى قيل كان يدخل كل يوم ديوانه من إقطاعه وأملاكه ومستأجراته بالشام وديار مصر مبلغ مائتي ألف درهم نقرة، وأكثر، وهذا شيء لم يسمع بمثله في الدولة التركية، وذلك سوى الإنعامات السلطانية والتقادم التي ترد إليه من الشام ومصر، وما كان يأخذ من البراطيل على ولاية الأعمال، وجامعه هذا وخانقاهه التي بخط الصليبة لم يعمر مثلهما قبلهما، ولا عمل في الدولة التركية مثل أوقافهما، وحسن ترتيب المعاليم بهما، ولم يزل على حاله إلى أن كان يوم الخميس ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فخرج عليه شخص من المماليك السلطانية المرتجعة عن الأمير منجك الوزير يقال له باي، فجاء وهو جالس بدار العدل وضربه بالسيف في وجهه وفي يده، فارتجت القلعة كلها وكثر هرج الناس حتى مات من الناس جماعة من الزحمة وركب من الأمراء الكبار عشرة وهم بالسلاح عليهم إلى قبة النصر خارج القاهرة، ثم أمسك باي فجاء وقرّر فلم يعترف بشيء على أحد وقال: أنا قدّمت إليه قصة لينقلني من الجامكية إلى الإقطاع فما قضى شغلي، فأخذت في نفسي من ذلك، فسجن مدّة ثم سمّر وطيف به الشوارع، وبقي شيخو عليلا من تلك الجراحة لم يركب إلى أن مات ليلة الجمعة سادس عشري ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، ودفن بالخانقاه الشيخونية وقبره بها يقرأ عنده القرآن دائما.
جامع الجاكيّ
هذا الجامع كان بدرب الجاكي عند سويقة الريش من الحكر في برّ الخليج الغربيّ، أصله مسجد من مساجد الحكر، ثم زاد فيه الأمير بدر الدين محمد بن إبراهيم المهمندار، وجعله جامعا وأقام فيه منبرا في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فصار أهل الحكر يصلون فيه الجمعة إلى أن حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، فخرب الحكر وبيعت أنقاض معظم الدور التي هناك، وتعطل هذا الجامع من ذكر اللّه وإقامة الصلاة لخراب ما حوله، فحكم بعض قضاة الحنفية ببيع هذا الجامع، فاشتراه شخص من الوعاظ يعرف بالشيخ أحمد الواعظ الزاهد صاحب جامع الزاهد بخط المقس، وهدمه وأخذ أنقاضه فعملها في جامعه الذي بالمقس في أوّل سنة سبع عشرة وثمانمائة.
جامع التوبة
هذا الجامع بجوار باب البرقية في خط بين السورين، كان موضعه مساكن أهل الفساد
стр. 1451
وأصحاب الرأي، فلما أنشأ الأمير الوزير علاء الدين مغلطاي الجماليّ خانقاهه المعروفة بالجمالية قريبا من خزانة البنود بالقاهرة، كره مجاورة هذه الأماكن لداره وخانقاهه، فأخذها وهدمها وبنى هذا الجامع في مكانها، وسماه جامع التوبة، فعرف بذلك إلى اليوم، وهو الآن تقام فيه الجمعة، غير أنه لا يزال طول الأيام مغلق الأبواب لخلوّه من ساكن، وقد خرب كثير مما يجاوره، وهناك بقايا من أماكن.
جامع صاروجا
هذا الجامع مطلّ على الخليج الناصريّ بالقرب من بركة الحاجب التي تعرف ببركة الرطلي، كان خطة تعرف بجامع العرب، فأنشأ بها هذا الجامع ناصر الدين محمد أخو الأمير صار وجانقيب الجيش، بعد سنة ثلاثين وسبعمائة، وكانت تلك الخطة قد عمرت عمارة زائدة، وأدركت منها بقية جيدة إلى أن دثرت، فصارت كيمانا، وتقام الجمعة إلى اليوم في هذا الجامع أيام النيل.
جامع الطباخ
هذا الجامع خارج القاهرة بخط باب اللوق، بجوار بركة الشقاف، كان موضعه وموضع بركة الشقاف من جملة الزهريّ، أنشأه الأمير جمال الدين أقوش، وجدّده الحاج علي، الطباخ في المطبخ السلطانيّ أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، ولم يكن له وقف، فقام بمصالحه من ماله مدّة، ثم إنه صودر في سنة ست وأربعين وسبعمائة، فتعطل مدّة نزول الشدّة بالطباخ، ولم تقم فيه تلك المدّة الصلاة.
عليّ بن الطباخ: نشأ بمصر وخدم الملك الناصر محمد بن قلاون. وهو بمدينة الكرك، فلما قدم إلى مصر جعله خوان سلار، وسلمه المطبخ السلطانيّ، فكثر ماله لطول مدّته. وكثرة تمكنه، ولم يتفق لأحد من نظرائه ما اتفق له من السعادة الطائلة، وذلك أن الأفراح وما كان يصنع من المهمات والأعراس ونحوها مما كان يعمل في الدور السلطانية وعند الأمراء والمماليك والحواشي مع كثرة ذلك في طول تلك الأعوام، كانت كلها إنما يتولى أمرها هو بمفرده، فما اتفق له في عمل مهم ابن بكتمر الساقي على ابنة الأمير تنكز نائب الشام، أن السلطان الملك الناصر استدعاه آخر النهار الذي عمل فيه المهم المذكور وقال له: يا حاج عليّ، اعمل لي الساعة لونا من طعام الفلاحين، وهو خروج رميس يكون ملهوج، فولى ووجهه معبس، فصاح به السلطان ويلك مالك معبس الوجه؟ فقال: كيف ما أعبس وقد حرمتني الساعة عشرين ألف درهم نقرة؟ فقال: كيف حرمتك؟ قال: قد تجمع عندي رؤس غنم وبقر وأكارع وكروش وأعضاد وسقط دجاج وأوز وغير ذلك مما سرقته من المهمّ، وأريد أقعد وأبيعه، وقد قلت لي أطبخ وبينما أفرغ من الطبيخ تلف الجميع، فتبسم السلطان وقال له: رح أطبخ وضمان الذي ذكرت عليّ، وأمر بإحضار والي القاهرة ومصر،
стр. 1452
فلما حضرا ألزمهما بطلب أرباب الزفر إلى القلعة وتفرقة ما ناب الطباخ من المهمّ عليهم، واستخراج ثمنه، فللحال حضر المذكورون وبيع عليهم ذلك فبلغ ثمنه ثلاثة وعشرين ألف درهم نقرة، وهذا مهمّ واحد من ألوف مع الذي كان له من المعاليم والجرايات ومنافع المطبخ. ويقال أنه كان يتحصل له من المطبخ السلطاني في كل يوم على الدوام والاستمرار مبلغ خمسمائة درهم نقرة، ولولده أحمد مبلغ ثلاثمائة درهم نقرة، فلما تحدّث النشو في الدولة خرّج عليه تخاريج وأغرى به السلطان، فلم يسمع فيه كلاما، وما زال على حاله إلى أن مات الملك الناصر وقام من بعده أولاده الملك المنصور أبو بكر، والملك الأشرف كجك، والملك الناصر أحمد، والملك الصالح إسماعيل، والملك الكامل شعبان، فصادره في سنة ست وأربعين وسبعمائة، وأخذ منه مالا كثيرا، ومما وجد له خمس وعشرون دارا مشرفة على النيل وغيره، فتفرقت حواشي الملك الكامل أملامه، فأخذت أم السلطان ملكه الذي كان على البحر، وكانت دارا عظيمة جدّا، وأخذت أنقاض داره التي بالمحمودية من القاهرة وأقيم عوضه بالمطبخ السلطانيّ وضرب ابنه أحمد.
جامع الأسيوطيّ
هذا الجامع بطرف جزيرة الفيل مما يلي ناحية بولاق، كان موضعه في القديم غامرا بماء النيل، فلما انحسر عن جزيرة الفيل وعمرت ناحية بولاق، أنشأ هذا الجامع القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عمر السيوطيّ ناظر بيت المال، ومات في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ثم جدّد عمارته بعد ما تهدّم وزاد فيه ناصر الدين محمد بن محمد بن عثمان بن محمد المعروف بابن البارزيّ الحمويّ كاتب السرّ، وأجرى فيه الماء وأقام فيه الخطبة يوم الجمعة سادس عشري جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، فجاء في أحسن هندام وأبدع زيّ، وصلّى فيه السلطان الملك المؤيد شيخ الجمعة في أول جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
جامع الملك الناصر حسن
هذا الجامع يعرف بمدرسة السلطان حسن، وهو تجاه قلعة الجبل فيما بين القلعة وبركة الفيل، وكان موضعه بيت الأمير يلبغا اليحياوي الذي تقدّم ذكره عند ذكر الدور، وابتدأ السلطان عمارته في سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وأوسع دوره وعمله في أكبر قالب وأحسن هندام وأضخم شكل، فلا يعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذا الجامع، أقامت العمارة فيه مدّة ثلاث سنين لا تبطل يوما واحدا، وأرصد لمصروفها في كل يوم عشرون ألف درهم، عنها نحو ألف مثقال ذهبا. ولقد أخبرني الطواشي مقبل الشاميّ: أنه سمع السلطان حسنا يقول: انصرف على القالب الذي بني عليه عقد الإيوان الكبير مائة ألف درهم نقرة، وهذا القالب مما رمي على الكيمان بعد فراغ العقد المذكور.
стр. 1453
قال: وسمعت السلطان يقول لولا أن يقال ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه، وفي هذا الجامع عجائب من البنيان منها: أن ذراع إيوانه الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها، ويقال أنه أكبر من إيوان كسرى الذي بالمدائن من العراق بخمسة أذرع، ومنه القبلة العظيمة التي لم يبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها، ومنها المنبر الرخام الذي لا نظير له، ومنها البوّابة العظيمة، ومنها المدارس الأربع التي بدور قاعة الجامع إلى غير ذلك. وكان السلطان قد عزم على أن يبني أربع مناير يؤذن عليها، فتمت ثلاث مناير إلى أن كان يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فسقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذين كانوا قد رتبوا بمكتب السبيل الذي هناك ومن غير الأيتام، وسلّم من الأيتام ستة أطفال، فأبطل السلطان بناء هذه المنارة وبناء نظيرتها، وتأخر هناك منارتان هما قائمتان إلى اليوم، ولما سقطت المنارة المذكورة لهجت عامّة مصر والقاهرة بأن ذلك منذر بزوال الدولة، فقال الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد بن عليّ بن محمد السبكيّ في سقوطها:
أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى … بشيره بمقال سار كالمثل
إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة … لكن لسرّ خفيّ قد تبيّن لي
من تحتها قرئ القرآن فاستمعت … فالوجد في الحال أدّها إلى الميل
لو أنزل اللّه قرآنا على جبل … تصدّعت رأسه من شدّة الوجل
تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت … من خشية اللّه لا للضعف والخلل
وغاب سلطانها فاستوحشت ورمت … بنفسها لجوى في القلب مشتعل
فالحمد للّه حظّ العين زال بما … قد كان قدّره الرحمن في الأزل
لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة … شيدت بنيانها بالعلم والعمل
ودمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت … علما فليس بمصر غير مشتغل
فاتفق قتل السلطان بعد سقوط المنارة بثلاثة وثلاثين يوما، ومات السلطان قبل أن يتم رخام هذا الجامع، فأتمه من بعده الطواشي بشير الجمدار، وكان قد جعل السلطان على هذا الجامع أوقافا عظيمة جدّا، فلم يترك منها إلاّ شيء يسير وأقطع أكثر البلاد التي وقفت عليه بديار مصر والشام لجماعة من الأمراء وغيرهم، وصار هذا الجامع ضدّا لقلعة الجبل، قلما تكون فتنة بين أهل الدولة إلاّ ويصعد عدّة من الأمراء وغيرهم إلى أعلاه ويصير الرمي منه على القلعة، فلم يحتمل ذلك الملك الظاهر برقوق وأمر فهدمت الدرج التي كان يصعد منها إلى المنارتين والبيوت التي كان يسكنها الفقهاء، ويتوصل من هذه الدرج إلى السطح الذي كان يرمى منه على القلعة، وهدمت البسطة العظيمة والدرج التي كانت بجانبي هذه البسطة التي كانت قدّام باب الجامع، حتى لا يمكن الصعود إلى الجامع، وسدّ من وراء الباب النحاس الذي لم يعمل فيما عهد باب مثله، وفتح شباك من شبابيك أحد مدارس هذا الجامع
стр. 1454
ليتوصل منه إلى داخل الجامع عوضا عن الباب المسدود، فصار هذا الجامع تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة، وامتنع صعود المؤذنين إلى المنارتين، وبقي الأذان على درج هذا الباب، وكان ابتداء هدم ما ذكر في يوم الأحد ثامن صفر سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، ثم لما شرع السلطان الملك المؤيد شيخ في عمارة الجامع بجوار باب زويلة اشترى هذا الباب النحاس والتنور النحاس الذي كان معلقا هناك بخمسمائة دينار، ونقلا في يوم الخميس سابع عشري شوّال سنة تسع عشرة وثمانمائة، فركب الباب على البوّابة وعلق التنور تجاه المحراب، فلما كان في يوم الخميس تاسع شهر رمضان سنة خمس وعشرين وثمانمائة، أعيد الأذان في المئذنتين كما كان، وأعيد بناء الدرج والبسطة، وركب باب بدل الباب الذي أخذه المؤيد، واستمرّ الأمر على ذلك.
الملك الناصر أبو المعالي الحسن بن محمد بن قلاون: جلس على تخت الملك وعمره ثلاث عشرة سنة في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بعد أخيه الملك المظفر حاجي، وأركب من باب الستارة بقلعة الجبل وعليه شعار السلطنة وفي ركابه الأمراء إلى أن نزل بالإيوان السلطانيّ، ومدبر والدولة يومئذ الأمير يلبغاروس، والأمير ألجيبغا المظفريّ، والأمير شيخو، والأمير طاز، وأحمد شادّ الشرابخاناه، وأرغون الإسماعيليّ فخلع على يلبغاروس واستقرّ في نيابة السلطنة بديار مصر، عوضا عن الحاج أرقطاي، وقرّر أرقطاي في نيابة السلطنة بحلب، وخلع على الأمير سيف الدين منجك اليوسفيّ واستقرّ في الوزارة والاستادارية، وقرر الأمير أرغون شاه في نيابة السلطنة بدمشق.
فلما دخلت سنة تسع وأربعين، كثر انكشاف الأراضي من ماء النيل بالبرّ الشرقيّ فيما يلي بولاق إلى مصر، فاهتم الأمراء بسدّ البحر مما يلي الجيزة، وفوّض ذلك للأمير منجك، فجمع مالا كثيرا وأنفقه على ذلك، فلم يفد، فقبض على منجك في ربيع الأوّل، وحدث الوباء العظيم في هذه السنة، وأخرج أحمد شادّ الشرابخاناه لنيابة صفد، وألجيبغا لنيابة طرابلس، فاستمرّ أجليبغا بها إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمسين، فركب إلى دمشق وقتل أرغون شاه بغير مرسوم، فأنكر عليه وأمسك وقتل بدمشق. وفي سنة إحدى وخمسين سار من دمشق عسكر عدّته أربعة آلاف فارس، ومن حلب ألفا فارس إلى مدينة سنجار، ومعهم عدّة كثيرة من التركمان، فحصروها مدّة حتى طلب أهلها الأمان، ثم عادوا. وترشد السلطان واستبدّ بأمره وقبض على منحك ويلبغاروس، وقبض بمكة على الملك المجاهد صاحب اليمن، وقيد وحمل إلى القاهرة، فأطلق ثم سجن بقلعة الكرك.
فلما كان يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخرة ركب الأمراء على السلطان وهم: طاز وإخوته ويبلغا الشمسيّ، ويبغوا، ووقفوا تحت القلعة وصعد الأمير طاز وهو لابس إلى القلعة في عدّة وافرة، وقبض على السلطان وسجنه بالدور، فكانت مدّة ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر، وأقيم بدله أخوه الملك الصالح صالح فأقام السلطان حسن مجمعا على الاشتغال
стр. 1455
بالعلم، وكتب بخطه نسخة من كتاب دلائل النبوّة للبيهقيّ إلى يوم الاثنين ثاني شوّال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فأقامه الأمير شيخو العمريّ في السلطنة، وقبض على الصالح، وكانت مدّة سجنه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما، فرسم بإمساك الأمير طاز وإخراجه لنيابة حلب. وفي ربيع الأول سنة سبع وخمين هبت ريح عاصفة من ناحية الغرب من أوّل النهار إلى آخر الليل، اصفرّ منها الجوّ، ثم احمرّ، ثم اسودّ فتلف منها شيء كثير.
وفي شعبان سنة تسع وخمسين ضرب الأمير شيخو بعض المماليك بسيف فلم يزل عليلا حتى مات. وفي سنة تسع وخمسين كان ضرب الفلوس الجدد، فعمل كلّ فلس زنة مثقال، وقبض على الأمير طاز نائب حلب وسجن بالإسكندرية، وقرّر مكانه في نيابة حلب الأمير منجك اليوسفيّ، وأمسك الأمير صرغتمش في شهر رمضان منها، وكانت حرب بين مماليكه ومماليك السلطان، انتصر فيها المماليك السلطانية، وقبض على عدّة أمراء، فأنعم السلطان على مملوكه يلبغا العمريّ الخاصكيّ بتقدمة ألف عوضا عن تنكر بغا الماردانيّ أمير مجلس بحكم وفاته. وفي سنة ستين فرّ منجك من حلب، فلم يوقف له على خبر، فأقرّ على نيابة حلب الأمير بيدمر الخوارزميّ، وسار لغزو سيس فأخذ أدنه بأمان وأخذ طرسوس والمصيصة وعدّة بلاد وأقام بها نوّابا وعاد، فلما كانت سنة اثنتين وستين عدّى السلطان إلى برّ الجيزة وأقام بناحية كوم برا مدّة طويلة لوباء كان بالقاهرة، فتنكر الحال بينه وبني الأمير يلبغا إلى ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى، فركب السلطان في جماعة ليكبس على الأمير يلبغا، وكان قد أحسن بذلك وخرج عن الخيام وكمن بمكان وهو لابس في جماعته، فلم يظفر السلطان به، ورجع فثار به يلبغا فانكسر بمن معه وفرّ يريد قلعة الجبل، فتبعه يلبغا وقد انضم إليه جمع كثير، ودخل السلطان إلى القلعة فلم يثبت، وركب معه أيدمر الدوادار ليتوجه إلى بلاد الشام، ونزل إلى بيت الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشيّ أمير حاجب، فبعث في الحال إلى الأمير يبلغا يعلمه بمجيء السلطان إليه، فبعث من قبضه هو والأمير أيدمر، ومن حينئذ لم يوقف له على خبر البتة مع كثرة فحص أتباعه وحواشيه عن قبره وما آل إليه أمره، فكانت مدّة ولايته هذه الثانية ست سنين وسبعة أشهر وأياما، وكان ملكا حازما مهابا شجاعا صاحب حرمة وافرة وكلمة نافذة ودين متين، حلف غير مرّة أنه ما لاط ولا شرب خمرا ولا زنى، إلاّ أنه كان يبخل ويعجب بالنساء، ولا يكاد يصبر عنهنّ، ويبالغ في إعطائهنّ المال، وعادى في دولته أقباط مصر، وقصد اجتثات أصلهم، وكره المماليك، وشرع في إقامة أولاد الناس أمراء، وترك عشرة بنين وست بنات، وكان أشقر أنمش، وقتل وله من العمر بضع وعشرون سنة، ولم يكن قبله ولا بعده في الدولة التركية مثله.
стр. 1456
جامع القرافة
هذا الجامع يعرف الآن بجامع الأولياء، وهو القرافة الكبرى، وكان موضعه يعرف في القديم عند فتح مصر بخطة المغافر، وهو مسجد بني عبد اللّه بن مانع بن مورع يعرف بمسجد القبة. قال القضاعيّ: كان القرّاء يحضرون فيه، ثم بني عليه المسجد الجامع الجديد، بنته السيدة المعزية في سنة ست وستين وثلاثمائة وهي أمّ العزيز بالله نزار ولد المعز لدين اللّه، أمّ ولد من العرب يقال لها تغريد، وتدعى درزان، وبنته على يد الحسن بن عبد العزيز الفارسيّ المحتسب في شهر رمضان من السنة المذكورة، وهو على نحو بناء الجامع الأزهر بالقاهرة، وكان بهذا الجامع بستان لطيف في غربيه وصهريج، وبابه الذي يدخل منه ذو المصاطب الكبير الأوسط تحت المنار العالي الذي عليه مصفح بالحديد إلى حضرة المحراب، والمقصورة من عدّة أبواب، وعدّتها أربعة عشر بابا مربعة مطوّبة الأبواب، قدّام كلّ باب قنطرة قوس على عمودي رخام ثلاثة صفوف، وهو مكندج مزوّق باللازورد والزنجفر والزنجار وأنواع الأصباغ، وفيه مواضع مدهونة، والسقوف مزوّقة ملوّنة كلها، والحنايا والعقود التي على العمد مزوّقة بأنواع الأصباغ من صنعة البصريين وبني المعلم المزوّقين شيوخ الكتاميّ والنازوك، وكان قبالة الباب السابع من هذه الأبواب قنطرة قوس مزوّقة في منحنى حافتيها شاذوران مدرّج بدرج وآلات سود وبيض وحمر وخضر وزرق وصفر، إذا تطلع إليها من وقف في سهم قوسها شائلا رأسه إليها ظنّ أن المدرّج المزوّق كأنه خشب كالمقرنص، وإذا أتى إلى أحد قطري القوس نصف الدائرة ووقف عند أوّل القوس منها ورفع رأسه، رأى ذلك الذي توهمه مسطحا لا نتوء فيه، وهذه من أفخر الصنائع عند المزوّقين، وكانت هذه القنطرة من صنعة بني المعلم، وكان الصناع يأتون إليها ليعملوا مثلها، فما يقدرون، وقد جرى مثل ذلك للقصير وابن عزيز في أيام البازوريّ سيد الوزراء الحسن بن عليّ بن عبد الرحمن، وكان كثيرا ما يحرّض بينهما ويغري بعضهما على بعض لانه كان أحبّ ما إليه كتاب مصوّرا، أو النظر إلى صورة، أو تزويق.
ولما استدعي ابن عزيز من العراق فأفسده، وكان قد أتى به في محاربة القصير لأنّ القصير كان يشتط في أجرته ويلحق عجب فيه صنعته، وهو حقيق بذلك لأنه في عمل الصورة كابن مقلة في الخط، وابن عزيز كابن البوّاب، وقد أمعن شرح ذلك في الكتاب المؤلف فيه، وهو طبقات المصوّرين المنعوت، بضوء النبراس وأنس الجلاس في أخبار المزوّقين من الناس، وكان البازوريّ قد أحضر بمجلسه القصير وابن عزيز فقال ابن عزيز:
أنا أصوّر صورة إذا رآها الناظر ظنّ أنها خارجة من الحائط. فقال القصير: لكن أنا أصوّرها فإذا نظرها الناظر ظنّ أنها داخلة في الحائط، فقالوا هذا أعجب، فأمرهما أن يصنعا ما وعدا به، فصوّرا صورة راقصتين في صورة حنيتين مدهونتين متقابلتين، هذه ترى كأنها داخلة في الحائط، وتلك ترى كأنها خارجه من الحائط، فصوّر القصير راقصة بثياب بيض في صورة
стр. 1457
حنية دهنها أسود كأنها داخلة في صورة الحنية، وصوّر ابن عزيز راقصة بثياب حمر في صورة جنية صفراء كأنها بارزة من الحنية، فاستحسن البازوريّ ذلك وخلع عليهما ووهبهما كثيرا من الذهب.
وكان بدار النعمان بالقرافة من عمل الكتاميّ صورة يوسف ﵇ في الجب وهو عريان، والجب كله أسود، إذا نظره الإنسان ظنّ أن جسمه باب من دهن لون الجبّ، وكان هذا الجامع من محاسن البناء، وكان بنو الجوهريّ، يعظمون بهذا الجامع على كرسيّ في الثلاثة أشهر، فتمرّ لهم مجالس مبجلة تروق وتشوق، ويقوم خادمهم وزهر البان، وهو شيخ كبير ومعه زنجلة إذا توسط أحدهم في الوعظ ويقول:
وتصدّقي لا تأمني أن تسألي … فإذا سالت عرفت ذلّ السائل
ويدور على الرجال والنساء فيلقى له في الزنجلة ما يسره اللّه تعالى، فإذا فرغ من التطواف وضع الزنجلة أمام الشيخ، فإذا فرغ من وعظه فرّق على الفقراء ما قسم لهم، وأخذ الشيخ ما قسم له، وهو الباقي، ونزل عن الكرسيّ. وكان جماعة من الرؤساء يلزمون النوم بهذا الجامع ويجلسون به في ليالي الصيف للحديث في القمر في صحنه، وفي الشتاء ينامون عند المنبر، وكان يحصل لقيمه القاضي أبي حفص الأشربة والحلوى وغير ذلك.
قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة: حدّثني الأمير أبو عليّ تاج الملك جوهر المعروف بالشمس الجيوشيّ قال: اجتمعنا ليلة جمعة جماعة من الأمراء، بنو معز الدولة، وصالح، وحاتم، وراجح، وأولادهم، وغلمانهم، وجماعة ممن يلوذ بنا، كابن الموفق والقاضي ابن داود، وأبي المجد بن الصيرفيّ، وأبي الفضل روزبة، وأبي الحسن الرضيع، فعملنا سماطا وجلسنا واستدعينا بمن في الجامع وأبي حفص، فأكلنا ورفعنا الباقي إلى بيت الشيخ أبي حفص قيم الجامع، ثم تحدّثنا ونمنا، وكانت ليلة باردة، فنمنا عند المنبر وإذا إنسان نصف الليل ممن نام في هذا الجامع من عابري السبيل قد قام قائما وهو يلطم على رأسه ويصيح وامالاه وا مالاه، فقلنا له: ويلك ما شأنك وما الذي دهاك ومن سرقك وما سرق لك؟ فقال: يا سيدي أنا رجل من أهل طرا يقال لي أبو كريت الحاوي، أمسى عليّ الليل ونمت عندكم وأكلت من خيركم، وسع اللّه عليكم، ولي جمعة أجمع في سلتي من نواحي طرا والحيّ الكبير والجبل، كل غريبة من الحيات والأفاعي ما لم يقدر عليه قط حاو غيري، وقد انفتحت الساعة السلة وخرجت الأفاعي وأنا نائم لم أشعر. فقلت له:
إيش تقول: فقال: أي واللّه يا للنجدات، فقلنا: يا عدوّ اللّه أهلكتنا ومعنا صبيان وأطفال؟ ثم إنّا نبهنا الناس وهربنا إلى المنبر وطلعنا وازدحمنا فيه، ومنا من طلع على قواعد العمد فتسلق وبقي واقفا، وأخذ ذلك الحاوي يحسس وفي يده كنف الحيات ويقول: قبضت الرقطاء، ثم يفتح السلة ويضع فيها، ثم يقول قبضت أم قرنين ويفتح ويضع فيها، ويقول قبضت الفلانيّ والفلانية من الثعابين والحيات وهي معه بأسماء، ويقول أبو تليس وأبو زعير
стр. 1458
ونحن ونقول ايه؟ إلى أن قال: بس انزلوا ما بقي عليّ همّ، ما بقي يهمكم كبير شيء، قلنا كيف؟ قال ما بقي إلاّ البتراء ورأسين انزلوا، فما عليكم منهما. قلنا كذا عليك لعنة اللّه يا عدوّ اللّه لا نزلنا للصبح فالمغرور من تغرّه. وصحنا بالقاضي أبي حفص القيم فأوقد الشمعة ولبس صباغات الخطيب خوفا على رجليه، وجاء فنزلنا في الضوء وطلعنا المئذنة فنمنا إلى بكرة، وتفرّق شملنا بعد تلك الليلة، وجمع القاضي القيم عياله ثاني يوم وأدخلوا عصيا تحت المنبر وسعفا وشالوا الحصر فلم يظهر لهم شيء، وبلغ الحديث والي القرافة ابن شعلة الكتاميّ، فأخذ الحاوي فلم يزل به حتى جمع ما قدر عليه وقال: ما أخليه إلاّ إلى السلطان، وكان الوزير إذ ذاك يانس الأرمنيّ.
وهذه القضية تشبه قضية جرت لجعفر بن الفضل بن الفرات وزير مصر المعروف بابن جرابة، وذلك أنه كان يهوى النظر إلى الحيات والأفاعي والعقارب وأم أربعة وأربعين وما يجري هذا المجرى من الحشرات، وكان في داره قاعة لطيفة مرخمة فيها سلل الحيات ولها قيم فرّاش حاو من الحواة، ومعه مستخدمون برسم الخدمة ونقل السلال وحطها، وكان كلّ حاو في مصر وأعمالها يصيد ما يقدر عليه من الحيات، ويتباهون في ذوات العجب من أجناسها، وفي الكبار وفي الغريبة المنظر، وكان الوزير يثبهم على ذلك أو في ثواب، ويبذل لهم الجمل حتى يجتهدوا في تحصيلها، وكان له وقت يجلس فيه على دكه مرتفعة ويدخل المستخدمون والحواة فيخرجون ما في السلل ويطرحونه على ذلك الرخام، ويحرّشون بين الهوام وهو يتعجب من ذلك ويستحسنه، فلما كان ذات يوم أنفذ رقعة إلى الشيخ الجليل ابن المدبر الكاتب وكان من أعيان كتاب أيامه وديوانه، وكان عزيزا عنده، وكان يسكن إلى جوار دار ابن الفرات يقول له فيها: نشعر الشيخ الجليل أدام اللّه سلامته، أنه لما كان البارحة عرض علينا الحواة الحشرات الجاري بها العادات، انساب إلى داره منها الحية البتراء، وذات القرنين، والعقربان الكبير، وأبو صوفة، وما حصلوا لنا إلاّ بعد عناء ومشقة وبجملة بذلناها للحواة، ونحن نأمر الشيخ وفقه اللّه بالتقدّم إلى حاشيته وصبيته بصون ما وجد منها إلى أن تنفذ الحواة لأخذها وردّها إلى سللها، فلما وقف ابن المدبر على الرقعة قلبها وكتب في ذيلها، أتاني أمر سيدنا الوزير خلد اللّه نعمته وحرس مدّته بما أشار إليه في أمر الحشرات، والذي يعتمد عليه في ذلك أن الطلاق يلزمه ثلاثا إن بات هو وأحد من أهله في الدار والسلام.
وفي سنة ست عشرة وخمسائة أمر الوزير أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجلّ المأمون البطائحيّ، وكيله أبا البركات محمد بن عثمان، برمّ شعث هذا الجامع وأن يعمر بجانبه طاحونا للسبيل، ويبتاع لها الدواب ويتخير من الصالحين الساكنين بالقرافة من يجعله أمينا عليها، ويطلق له ما يكفيه مع علف الدواب وجميع المؤن، ويشترط عليه أن يواسي بين الضعفاء ويحمل عنهم كلفة طحن أقواتهم، ويؤدّي الأمانة فيها، ولم يزل هذا
стр. 1459
الجامع على عمارته إلى أن احترق في السنة التي احترق فيها جامع عمرو بن العاص سنة أربع وستين وخمسمائة، عند نزول مرى ملك الفرنج على القاهرة وحصارها كما تقدّم ذكره عند ذكر خراب الفسطاط من هذا الكتاب، وكان الذي تولى إحراق هذا الجامع ابن سماقة بإشارة الأستاذ مؤتمن الخلافة جوهر، وهو الذي أمر المذكور بحريق جامع عمرو بمصر، وسئل عن ذلك فقال: لئلا يخطب فيه لبني العباس. ولم يبق من هذا الجامع بعد حريقه سوى المحراب الأخضر، وكان مؤذن هذا الجامع في أيام المستنصر ابن بقاء المحدّث ابن بنت عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ، ثم جدّدت عمارة هذا الجامع في أيام المستنصر بعد حريقه، وأدركته لما كانت القرافة الكبرى عامرة بسكنى السودان التكاررة، وهو مقصود للبركة. فلما كانت الحوادث والمحن في سنة ست وثمانمائة، قلّ الساكن بالقرافة وصار هذا الجامع طول الأيام مغلوقا، وربما أقيمت فيه الجمعة.
جامع الجيزة
بناه محمد بن عبد اللّه الخازن في المحرّم سنة خمسين وثلاثمائة بأمر الأمير عليّ بن عبد اللّه بن الإخشيد، فتقدّم كافور إلى الخازن ببنائه، فإنه كان قد هدمه النيل وسقط في سنة أربعين وثلاثمائة، وعمل له مستغلا، وكان الناس قبل ذلك بالجيزة يصلون الجمعة في مسجد جامع همدان، وهو مسجد مزاحف بن عامر بن بكتل، وقيل أن عقبة بن عامر في إمرته على مصر أمرهم أن يجمعوا فيه. قال التميميّ: وشارف بناء جامع الجيزة مع أبي بكر الخازن أبو الحسن بن جعفر الطحاويّ، واحتاجوا إلى عمد للجامع، فمضى الخازن في الليل إلى كنيسة بأعمال الجيزة فقلع عمدها ونصب بدلها أركانا، وحمل العمد إلى الجامع، فترك أبو الحسن بن الطحاويّ الصلاة فيه مذ ذاك تورّعا. قال التميمي: وقد كان يعني ابن الطحاويّ يصلي في جامع الفسطاط القديم وبعض عمده أو أكثرها ورخامه من كنائس الإسكندرية وأرياف مصر، وبعضه بناء قرّة بن شريك عامل الوليد بن عبد الملك.
جامع منجك
هذا الجامع يعرف موضعه بالثغرة تحت قلعة الجبل خارج باب الوزير، أنشأه الأمير سيف الدين منجك اليوسفيّ في مدّة وزارته بديار مصر في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وصنع فيه صهريجا، فصار يعرف إلى اليوم بصهريج منجك، ورتب فيه صوفية وقرّر لهم في كل يوم طعاما ولحما وخبزا، وفي كلّ شهر معلوما، وجعل فيه منبرا ورتب فيه خطيبا يصلي بالناس فيه صلاة الجمعة، وجعل على هذا الموضع عدّة أوقاف منها ناحية بلقينة بالغربية، وكانت مرصدة برسم الحاشية، فقوّمت بخمسة وعشرين ألف دينار فاشتراها من بيت المال وجعلها وقفا على هذا المكان.
стр. 1460
منجك: الأمير سيف الدين اليوسفيّ، لما امتنع أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاون بالكرك وقام في مملكة مصر بعده أخوه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وكان من محاصرته بالكرك ما كان إلى أن أخذ، فتوجه إليه وقطع رأسه وأحضرها إلى مصر، وكان حينئذ أحد السلاحدارية، فأعطى إمرة بديار مصر وتنقل في الدول إلى أن كانت سلطنة الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فأخرجه من مصر إلى دمشق وجعله حاجبا بها موضع ابن طغريل، فلما قتل الملك المظفر وأقيم بعده أخوه الملك الناصر حسن أقيم الأمير سيف الدين يلبغاروس في نيابة السلطنة بديار مصر، وكان أخا منجك، فاستدعاه من دمشق وحضر إلى القاهرة في ثامن شوّال سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، فرسم له بإمرة تقدمة ألف، وخلع عليه خلع الوزارة فاستقرّ وزيرا وأستادارا، وخرج في دست الوزارة والأمراء في خدمته من القصر إلى قاعة الصاحب بالقلعة، فجلس بالشباك ونفذ أمور الدولة، ثم اجتمع الأمراء وقرأ عليهم أوراقا تتضمن ما على الدولة من المصروف، ووفر من جامكية المماليك مبلغ ستين ألف درهم في الشهر، وقطع كثيرا من جوامك الخدم والجواري والبيوتات السلطانية، ونقص رواتب الدور من زوجات السلطان وجواريه، وقطع رواتب الأغاني، وعرض الإسطبل السلطانيّ وقطع منه عدّة أميراخورية وسراخورية وسوّاس وغلمان، ووفر من راتب الشعير نحو الخمسين إردبا في كل يوم، وقطع جميع الكلابزية وكانوا خمسين جوقة، وأبقى منهم جوقتين، ووفر جماعة من الأسرى والعتالين والمستخدمين في العمائر، وأبطل العمارة من بيت السلطان، وكانت الحوائجخاناه تحتاج في كل يوم إلى أحد وعشرين ألف درهم نقرة، فاقتطع منها مبلغ ثلاثة آلاف درهم، وبقي مصروفها في اليوم ثمانية عشر ألف درهم نقرة، فاقتطع منها مبلغ ثلاثة آلاف درهم، وبقي القاضي موفق الدين ناظر الدولة وعلى القاضي علم الدين بن زنبور ناظر الخواص، ورسم أن لا يستقرّ في المعاملات سوى شاهد واحد وعامل وشاد بغير معلوم، وأغلظ على الكتاب والدواوين وهدّدهم وتوعدهم فخافوه، واجتمع بعضهم ببعض واشتوروا في أمرهم واتفقوا على مال يتوزعونه بينهم على قدر حال كل منهم وحملوه إلى منجك سرّا، فلم يمض من استقراره في الوزارة شهر حتى صار الكتاب وأرباب الدواوين أحباءه وأخلاّءه، وتمكنوا منه أعظم ما كانوا قبل وزارته، وحسنوا له أخذ الأموال، فطلب ولاة الأقاليم وقبض على أقبغا والي الغربية وألزمه بحمل خمسمائة ألف درهم نقرة، وولى عوضه الأمير استدمر القلنجيّ، ثم صرفه وولى بدله قطليجا مملوك بكتمر، واستقرّ باستدمر القلنجي في ولاية القاهرة، وأضاف له التحدّث في الجهات، وولى البحرية لرجل من جهته، وولى قوص لآخر وأوقع الحوطة على موجود إسماعيل الواقدي متولى قوص، وأخذ جميع خواصه، وولي طغاي كشف الوجه القبليّ عوضا عن علاء الدين عليّ بن الكورانيّ، وولى ابن المزوق قوص وأعمالها، وولى مجد الدين موسى الهدبانيّ الأشمونين عوضا عن ابن الأزكشيّ، وتسامعت
стр. 1461
الولاة وأرباب الأعمال بأن الوزير فتح باب الأخذ على الولايات، فهرع الناس إليه من جهات مصر والشام وحلب وقصدوا بابه، ورتب عنده جماعة برسم قضاء الأشغال، فأتاهم أصحاب الأشغال والحوائج، وكان السلطان صغيرا حظه من السلطنة أن يجلس بالإيوان يومين في الأسبوع ويجتمع أهل الحل والعقد مع سائر الأمراء فيه، فإذا انقضت خدمة الإيوان خرج الأمير منكليبغا الفخريّ، والأمير بيغرا، والأمير يبلغا تتر والمجديّ، وأرلان وغيرهم من الأمراء، ويدخل إلى القصر الأمير يلبغاروس نائب السلطنة، والأمير سيف الدين منجك الوزير، والأمير سيف الدين شيخو العمريّ، والأمير الجيبغا المظفريّ، والأمير طيبرق، ويتفق الحال بينهم على ما يرونه، هذا والوزير أخو النائب متمكن تمكنا زائدا، وقدم من دمشق جماعة للسعي عند الوزير في وظائف منهم ابن السلعوس وصلاح الدين بن المؤيد وابن الأجل وابن عبد الحق، وتحدّثوا مع ابن الأطروش محتسب القاهرة في أغراضهم، فسعى لهم حتى تقرّروا فيما عينوا.
ولما دخلت سنة تسع وأربعين عرف الوزير السلطان والأمراء أنه لما ولي الوزارة لم يجد في الإهراء ولا في بيت المال شيئا، وسأل أن يكون هذا بمحضر من الحكام، فرسم للقضاة بكشف ذلك فركبوا إلى الإهراء بمصر، وإلى بيت المال بقلعة الجبل، وقد حضر الدواوين وسائر المباشرين وأشهدوا عليهم أن الأمير منجك لما باشر الوزارة لم يكن بالإهراء ولا ببيت المال قدح غلة ولا دينار ولا درهم، وقرئت المحاضر على السلطان والأمراء، فلما كان بعد ذلك توقف أمر الدولة على الوزير فشكا إلى الأمراء من كثرة الرواتب، فاتفق الرأي على قطع نحو ستين سوّاقا، فقطعهم ووفر لحومهم وعليقهم وسائر ما باسمهم من الكساوي وغيرها، وقطع من العرب الركابة والنجابة، ومن أرباب الوظائف في بيت السلطان، ومن الكتاب والمباشرين ما جملته في اليوم أحد عشر ألف درهم وفتح باب المقايضات باقطاعات الأجناد، وباب النزول عن الإقطاعات بالمال، فحصل من ذلك مالا كثيرا، وحكم على أخيه نائب السلطنة بسبب ذلك، وصار الجنديّ يبيع إقطاعه لكل من أراد، سواء كان المنزول له جنيدا أو عامّيا، وبلغ ثمن الإقطاع من عشرين ألف درهم إلى ما دونها. وأخذ يسعى أن تضاف وظيفة نظر الخاص إلى الوزارة، وأكثر من الحط على ناظر الخاص، فاحترس ابن زنبور منه وشرع في إبعاده مرّة بعد مرّة مع الأمير شيخو، فمنع شيخو منجك من التحدّث في الخاص وخرج عليه فشق ذلك على منجك وافترقا عن غير رضى، فتغير يلبغاروس النائب على شيخو رعاية لأخيه. وسأل أن يعفى من النيابة، ويعفى منجك من الوزارة، واستقراره في الأستادارية والتحدّث في عمل حفر البحر، وأن يستقرّ أستدمر العمريّ المعروف برسلان بصل في الوزارة، فطلب وكان قد حضر من الكشف وألبس خلع الوزارة في يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل، وكان منجك قد عزل من الوزارة في ثالث ربيع الأوّل المذكور، وتولى أمر شدّ البحر، فجبى من الأجناد من كل مائة
стр. 1462
دينار درهما، ومن التجار والمتعيشين في مصر والقاهرة من كل واحد عشرة دراهم إلى خمسة دراهم إلى درهم، ومن أصحاب الأملاك والدور في مصر والقاهرة على كل قاعة ثلاثة دراهم، وعلى كل طبقة درهمين، وعلى كل مخزن أو اصطبل درهما، وجعل المستخرج في خان مسرور بالقاهرة، والمشدّ على المستخرج الأمير بيلك، فجبى مال كبير، وأما استدمر فإن أحوال الدولة توقفت في أيامه، فسأل في الإعفاء فأعفي وأعيد منجك إلى الوزارة بعد أربعين يوما، وقد تمنع تمنعا كبيرا، ولما عاد إلى الوزارة فتح باب الولايات بالمال، فقصده الناس وسعوا عنده، فولى وعزل وأخذ في ذلك مالا كثيرا. فيقال أنه أخذ من الأمير مازان لما نقله من المنوفية إلى الغربية، ومن ابن الغسانيّ لما نقله من الأشمونين إلى البهنساوية، ومن ابن سلمان لما ولاه منوف ستة آلاف دينار، ووفر إقطاع شادّ الدواوين وجعله باسم المماليك السلطانية، ووفر جوامكهم ورواتبهم، وشرع أوباش الناس في السعي عنده في الوظائف والمباشرات بمال، وأتوه من البلاد فقضى أشغالهم ولم يردّ أحدا طلب شيئا، ووقع في أيامه الفناء العظيم، فانحلت إقطاعات كثيرة، فاقتضى رأي الوزير أن يوفر الجوامك والرواتب التي للحاشية، وكتب لسائر أرباب الوظائف وأصحاب الأشغال والمماليك السلطانية مثالات بقدر جوامك كل منهم، وكذلك لأرباب الصدقات، فأخذ جماعة من الأقباط ومن الكتاب ومن الموقعين إقطاعات في نظير جوامكهم، وتوفر في الدولة مال كبير عن الجوامك والرواتب.
ولما دخلت سنة خمسين رسم الأمير منجك الوزير لمتولي القاهرة بطلب أصحاب الأرباع، وكتابة جميع أملاك الحارات والأزقة، وسائر أخطاط مصر والقاهرة، ومعرفة أسماء سكانها، والفحص عن أربابها ليعرف من توفر عنه ملك بموته في الفناء، فطلبوا الجميع وأمعنوا في النظر، فكان يوجد في الحارة الواحدة والزقاق الواحد ما يزيد على عشرين دارا خالية لا يعرف أربابها، فختموا على ما وجدوه من ذلك ومن الفنادق والخانات والمخازن حتى يحضر أربابها. وفي شعبان عزل ولاة الأعمال وأحضرهم إلى القاهرة، وولى غيرهم وأضاف إلى كل وال كشف الجسور التي في عمله، وضمن الناس سائر جهات القاهرة ومصر، بحيث أنه لا يتحدّث أحد معه من المقدّمين والدواوين والشادّين، وزاد في المعاملات ثلاثمائة ألف درهم، وخلع عليه ونودي له بمصر والقاهرة، فاشتدّ ظلمه وعسفه وكثرت حوادثه. فلما كانت ليالي عيد الفطر، عرّف الوزير الأمراء أن سماط العيد ينصرف عليه جملة ولا ينتفع به أحد، فأبطله ولم يعمل تلك السنة. وفي ذي القعدة توقف حال الدولة ووقف مماليك السلطان وسائر المعاملين والحوائجكاشية، وانزعج السلطان والأمراء بسبب ذلك على الوزير، فاحتج بكثرة الكلف، وطلب الموفق ناظر الدولة فقال: إن الإنعامات قد كثرت والكلف تزايدت، وقد كانت الحوائجخاناه في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون في اليوم ينصرف فيها مبلغ ثلاثة عشر ألف درهم، واليوم ينصرف فيها اثنان
стр. 1463
وعشرون ألف درهم، فكتبت أوراق بمتحصل الدولة ومصروفها، وبمتحصل الخاص ومصروفه، فجاءت أوراق الدولة ومتحصلها عشرة آلاف ألف درهم، وكلفها أربعة عشر ألف ألف درهم وستمائة ألف درهم، ووجد الأنعام من الخاص والجيش بما خرج من البلاد زيادة على إقطاعات الأمراء، فكان زيادة على عشرين ألف دينار سوى جملة من الغلال، وأن الذي استجدّ على الدولة من حين وفاة الملك الناصر في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين إلى مستهل المحرّم سنة خمسين وسبعمائة. وكانت جملة الإنعامات والإقطاعات بنواحي الصعيد والفيوم وبلاد الملك والوجه البحريّ وما أعطى من الرزق للخدّام والجواري سبعمائة ألف ألف وألف ألف وستمائة ألف، معينة بأسماء أربابها من أمير وخادم وجارية، وكانت النساء قد أسرفن في عمل القمصان والبغالطيق، حتى كان يفضل من القميص كثير على الأرض، وسعة الكم ثلاثة أذرع، ويسمينه البهطلة، وكان يغرم على القميص ألف درهم وأكثر، وبلغ إزار المرأة إلى ألف درهم، وبلغ الخف والسرموزة إلى خمسمائة درهم، وما دونها إلى مائة درهم. فأمر الوزير منجك بقطع أكمام النساء وأخرق بهنّ، وأمر الوالي بتتبع ذلك، ونودي بمنع النساء من عمل ذلك، وقبض على جماعة منهنّ، وركب على سور القاهرة صور نساء عليهنّ تلك القمصان بهيئة نساء قد قتلن عقوبة على ذلك، فانكففن عن لبسها، ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف المثمنة، ونودي في القياسر من باع إزار حرير ماله للسلطان، فنودي على إزار ثمنه سبعمائة وعشرون درهما فبلغ ثمانين درهما ولم يجسر أحد أن يشتريه، وبالغ الوزير في الفحص عن ذلك حتى كشف دكاكين غسالي الثياب وقطع ما وجد من ذلك، فامتنع النساء من لبس ما أحدثنه من تلك المنكرات، ولما عظم ضرر الفار أيضا من كثرة شكاية الناس فيه، فلم يسمع فيه الوزير قولا، وقام في أمره الأمير مغلطاي أميراخور، فاستوحش منه الوزير، واتفق أنه كان قد حج محمد بن يوسف مقدّم الدولة في محمل كبير بلغ عليق جماله في اليوم مائتي عليقة، ولما قدم في المحرّم مع الحاج أهدى للنائب وللوزير وللأمير طاز وللأمير صرغتمش هدايا جليلة، ولم يهد للأمير شيخو، ولا للأمير مغلطاي شيئا، ثم لما عاب عليه الناس ذلك أهدى بعد عدّة أيام للأمير شيخو هديه فردّها عليه، ثم أنه أنكر على الوزير في مجلس السلطان ما يفعله ولاة البر وما عليه مقدّم الدولة من كثرة المال، وأغلظ في القول، فرسم بعزل الولاة والقبض على المقدّم محمد بن يوسف وابن عمه المقدّم أحمد بن زيد، فلم يسع الوزير غير السكوت.
فلما كان في رابع عشري شوّال سنة إحدى وخمسين، قبض على الوزير منجك وقيد ووقعت الحوطة على سائر حواصله، فوجدت له زردخاناه حمل خمسين جملا، ولم يظهر من النقد كثير مال، فأمر بعقوبته. فلما خوّف أقرّ بصندوق فيه جوهر وقال: سائر ما كان يتحصل لي من النقد كنت اشتري به أملاكا وضياعا وأصناف المتاجر، فأحيط بسائر أمواله وحمل إلى الإسكندرية مقيدا، واستقرّ الأمير بلبان السنانيّ نائب الكبيرة أستادارا عوض منجك
стр. 1464
بعد حضوره منها، وأضيفت الوزارة إلى القاضي علم الدين بن زنبور ناظر الخاص، فلم يزل منجك مسجونا بالإسكندرية إلى أن خلع الملك الناصر حسن وأقيم بدله في المملكة أخوه الملك الصالح صالح، فأمر بالإفراج عن الأمير شيخو والأمير منجك فحضرا إلى القاهرة في رجب سنة اثنتين وخمسين، ولما استقرّ الأمير منجك بالقاهرة بعث إليه الأمير شيخو خمس رؤوس خيل وألفي دينار، وبعث إليه جميع الأمراء بالتقادم، وأقام بطالا يجلس على حصير فوقه ثوب سرج عتيق، وكلما أتاه أحد من الأمراء يبكي ويتوجع ويقول أخذ جميع مالي حتى صرت على الحصير، ثم كتب فتوى تتضمن أن رجلا مسجونا في قيد هدّد بالقتل إن لم يبع أملاكه، وأنّه خشي على نفسه القتل، فوكل في بيعها. فكتب له الفقهاء لا يصح بيع المكره. ودار على الأمراء وما زال بهم حتى تحدّثوا له مع السلطان في ردّ أملاكه عليه، فعارضهم الأمير صرغتمش، ثم رضي أن يردّ عليه من أملاكه ما أنعم به السلطان على مماليكه، فاستردّ عدّة أملاك وأقام إلى أن قام يلبغاروس بحلب فاختفى منجك وطلب فلم يوجد، وأطلق النداء عليه بالقاهرة ومصر وهدّد من أخفاه، وألزم عربان العائد باقتفاء أثره فلم يوقف له على خبر، وكبس عليه عدّة أماكن بالقاهرة ومصر وفتش عليه حتى في داخل الصهريج الذي بجامعه فأعيى أمره، وأدرك السلطان السفر لحرب يلبغاروس فشرع في ذلك إلى يوم الخميس رابع شعبان، فخرج الأمير طاز بمن معه.
وفي يوم الاثنين سابعه، عرض الأمير شيخو والأمير صرغتمش أطلابهما، وقد وصل الأميرا طاز إلى بلبيس فحضر إليه من أخبره أنه رأى بعض أصحاب منجك، فسير إليه وأحضره وفتشه فوجد معه كتاب منجك إلى أخيه يلبغاروس، وفيه أنه مختف عند الحسام الصفديّ استاداره، فبعث الكتاب إلى الأمير شيخو فوافاه والأطلاب خارجة، فاستدعى بالحسام وسأله فأنكر فعاقبه الأمير صرغتمش فلم يعترف، فركب إلى بيت الحسام بجوار الجامع الأزهر وهجمه فإذا بمنجك ومعه مملوك، فكتفه وسار به مشهورا بين الناس وقد هرعوا من كلّ مكان إلى القلعة، فسجن بالإسكندرية إلى أن شفع فيه الأمير شيخو فأفرج عنه في ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين، ورسم أن يتوجه إلى صفد بطالا، فسار إليها من غير أن يعبر إلى القاهرة، فلما خلع الملك الصالح صالح وأعيد السلطان حسن في شوّال منها، نقل منجك من صفد وأنعم عليه بنيابة طرابلس عوضا عن أيتمش الناصريّ، فسار إليها وأقام بها إلى أن قبض على الأمير طاز نائب حلب في سنة تسع وخمسين، فولي منجك عوضا عنه ولم يزل بحلب إلى أن فرّ منها في سنة ستين، فلم يعرف له خبر، وعوقب بسببه خلق كثير، ثم قبض عليه بدمشق في سنة إحدى وستين فحمل إلى مصر وعليه بشت صوف عسليّ، وعلى رأسه مئزر صوف، فلم يؤاخذه السلطان وأعطاه إمرة طبلخاناه ببلاد الشام، وجعله طرخاناه يقيم حيث شاء من البلاد الإسلامية، وكتب له بذلك. فلما قتل السلطان حسن وأقيم من بعده في المملكة الملك المنصور محمد بن المظفر حاجي في جمادى الأولى سنة
стр. 1465
اثنتين وستين، خامر الأمير بيدمر نائب الشام على الأمير يلبغا العمريّ القائم بتدبير دولة الملك المنصور، ووافقه جماعة من الأمراء منهم الأمير منجك، فخرج الأمير يلبغا بالمنصور والعساكر من قلعة الجبل إلى البلاد الشامية، فوافى دمشق ومشى الناس بينه وبين الأمير بيدمر حتى تمّ الصلح، وحلف الأمير يلبغا أنه لا يؤذي بيدمر ولا منجك، فنزلا من قلعة دمشق وقيدهما وبعث بهما إلى الإسكندرية فسجنا بها إلى أن خلع الأمير يلبغا المنصور وأقام بدله الملك الأشرف شعبان بن حسين وقتل الأمير يلبغا، فأفرج الملك الأشرف عن منجك وولاه نيابة السلطنة بدمشق عوضا عن الأمير عليّ الماردانيّ في جمادى الأولى سنة تسع وستين، فلم يزل في نيابة دمشق إلى أن حضر إلى السلطان زائرا في سنة سبعين بتقادم كثيرة جليلة، وعاد إلى دمشق وأقام بها إلى أن استدعاه السلطان في سنة خمس وسبعين إلى مصر وفوّض إليه نيابه السلطنة بديار مصر، وعمله أتابك العساكر وجعل تدبير المملكة إليه، وأن يخرج الأمّهات للبلاد الشامية، وأن يولي ولاة أقاليم مصر والكشاف ويخرج الإقطاعات بمصر من عبرة ستمائة دينار إلى ما دونها، وكانت عادة النوّاب قبله أن لا يخرج من الإقطاعات إلاّ ما عبرته أربعمائة دينار فما دونها، فعمل النيابة على قالب جائر وحرمة وافرة إلى أن مات حتف أنفه في يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة ست وسبعين وسبعمائة، وله من العمر نيف وستون سنة، وشهد جنازته سائر الأعيان، ودفن بتربته المجاورة لجامعه هذا، وله سوى الجامع المذكور من الآثار بديار مصر خان منجك في القاهرة، ودار منجك برأس سويقة العزي بالقرب من مدرسة السلطان حسن، وله بالبلاد الشامية عدّة آثار من خانات وغيرها ﵀.
الجامع الأخضر
هذا الجامع خارج القاهرة بخط فم الخور، عرف بذلك لأنّ بابه وقبته فيهما نقوش وكتابات خضر، والذي أنشأه خازندار الأمير شيخو واسمه … (١).
جامع البكجريّ
هذا الجامع بحكر البكجريّ قريبا من الدكة، تعطلت الصلاة فيه منذ خربت تلك الجهات.
جامع السروجيّ
هذا الجامع بحكر … (٢).
стр. 1466
جامع كرجي
هذا الجامع بحكر أقوش.
جامع الفاخريّ
هذا الجامع بسويقة الخادم الطواشي شهاب الدين فاخر المنصوريّ مقدّم المماليك السلطانية، ومات في سابع ذي الحجة سنة سبع وثمانمائة، وكان ذا مهابة وأخلاق حسنة مع سطوة شديدة، ولهم بلبان الفاخريّ الأمير سيف الدين نقيب الجيوش، مات في سنة سبع وتسعين وستمائة، وولي نقابة الجيش بعد طيبرس الوزيريّ، وكان جوادا عارفا بأمر الأجناد خيرا كثير الترف.
جامع ابن عبد الظاهر
هذا الجامع بالقرافة الصغرى قبليّ قبر الليث بن سعد، كان موضعه يعرف بالخندق، أنشأه القاضي فتح الدين محمد بن عبد اللّه بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر الجذاميّ السعديّ الروحيّ من ولد روح بن زنباع الجذاميّ، بجوار قبر أبيه، وأوّل ما أقيمت به الخطبة في يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وكان يوما مشهودا لكثرة من حضر من الأعيان. ولد بالقاهرة في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع من ابن الجميزيّ وغيره، وحدّث وكتب في الإنشاء، وساد في دولة المنصور قلاون بعقله ورأيه وهمته، وتقدّم على والده القاضي محيي الدين وهو ماهر في الإنشاء والكتابة، بحيث كان من جملة من يصرّفهم بأمره ونهيه، وكان الملك المنصور يعتمد عليه ويثق به، ولما ولي القاضي فخر الدين بن لقمان الوزارة قال له الملك المنصور: من يلي عوضك كتابة السرّ؟ فقال القاضي: فتح الدين بن عبد الظاهر، فولاّه كتابة السرّ عوضا عن ابن لقمان، وتمكن من السلطان وحظي عنده، حتى أنّ الوزير فخر الدين بن لقمان ناول السلطان كتابا فأحضر ابن عبد الظاهر لقراءته على عادته، فلما أخذ الكتاب من السلطان أمر الوزير أن يتأخر حتى يقرأه فتأخر الوزير، ثم إن ابن لقمان صرف عن الوزارة وأعيد إلى ديوان الإنشاء فتأدّب معه، فلما ولي وزارة الملك الأشرف خليل بن قلاون شمس الدين بن السلعوس قال لفتح الدين: اعرض عليّ كل يوم ما تكتبه. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك ولا يطلع على أسرار السلطان إلاّ هو، فإن اخترتم وإلاّ عينوا عوضي، فلما بلغ السلطان ذلك قال: صدق ولم يزل على حاله إلى أن مات، وأبوه حيّ بدمشق في النصف من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فوجد في تركته قصيدة مرثية قد عملها في رفيقه تاج الدين أحمد بن سعيد بن محمّد بن الأثير لما مرض وطال مرضه، فاتفق أن عوفي ابن الأثير ولم يتأخر ابن عبد الظاهر بعد عافيته سوى ليال يسيرة ومرض ومات، فرثاه ابن الأثير بعد موته وولى
стр. 1467
وظيفة كتابة السرّ عوضا عنه، ولم يكن ابن عبد الظاهر مجيدا في صناعة الإنشاء إلاّ أنه دبر الديوان وباشره أحسن مباشرة ومن شعره:
إن شئت تنظرني وتنظر حالتي … فانظر إذا هبّ النسيم قبولا
فتراه مثلي رقة ولطافة … ولأجل قلبك لا أقول عليلا
فهو الرسول إليك مني ليتني … كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
ولم يزل هذا الجامع عامرا إلى أن حدثت المحن في سنة ست وثمانمائة، واختلت القرافة لخراب ما حوله، وهو اليوم قائم على أصوله.
جامع بساتين الوزير التي على بركة الحبس (١) جامع الخندق
هذا الجامع بناحية الخندق خارج القاهرة، ولم يزل عامرا بعمارة الخندق، فلما خربت مساكن الخندق تلاشى أمره ونقلت منه الجمعة وبقي معطلا إلى شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، فأخذ الأمير طوغان الحسنيّ الدوادار عمده الرخام وسقوفه وترك جدرانه ومنارته، وهي باقية وعما قليل تدثر كما دثر غيرها مما حولها.
جامع جزيرة الفيل (٢) جامع الطواشي
هذا الجامع خارج القاهرة فيما بين باب الشعرية وباب البحر، أنشأه الطواشي جوهر السحرتيّ اللالا، وهو من خدّام الملك الناصر محمد بن قلاون، ثم إنه تأمّر في تاسع عشري شهر رجب سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
جامع كراي
هذا الجامع بالريدانية خارج القاهرة، عمره الأمير سيف الدين كراي المنصوريّ في سنة إحدى وسبعمائة لكثرة ما كان هناك من السكان، فلما خربت تلك الأماكن تعطل هذا الجامع وهو الآن قائم وجميع ما حوله داثر، وعما قليل يدثر.
جامع القلعة
هذا الجامع بقلعة الجبل أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة ثمان عشرة
стр. 1468
وسبعمائة، وكان أوّلا مكانه جامع قديم وبجواره المطبخ السلطانيّ والحوائجخاناه والفراشخاناه، فهدم الجميع وأدخلها في هذا الجامع، وعمره أحسن عمارة وعمل فيه من الرخام الفاخر الملوّن شيئا كثيرا، وعمر فيه قبة جليلة وجعل عليه مقصورة من حديد بديعة الصنعة، وفي صدر الجامع مقصورة من حديد أيضا برسم صلاة السلطان، فلما تمّ بناؤه جلس فيه السلطان بنفسه واستدعى جميع المؤذنين بالقاهرة ومصر وسائر الخطباء والقرّاء، وأمر الخطباء فخطب كلّ منهم بين يديه، وقام المؤذنون فأذنوا، وقرأ القرّاء، فاختار الخطيب جمال الدين محمد بن محمد بن الحسن القسطلانيّ خطيب جامع عمرو وجعله خطيبا بهذا الجامع، واختار عشرين مؤذنا رتبهم فيه، وجعل به قراء ودرسا وقاريء مصحف، وجعل له من الأوقاف ما يفضل عن مصارفه، فجاء من أجلّ جوامع مصر وأعظمها وبه إلى اليوم يصلي سلطان مصر صلاة الجمعة، والذي يخطب فيه ويصلي بالناس الجمعة قاضي القضاة الشافعيّ.
جامع قوصون
هذا الجامع داخل باب القرافة تجاه خانقاه قوصون، أنشأه الأمير سيف الدين قوصون، وعمر بجانبه حماما، فعمرت تلك الجهة من القرافة بجماعة الخانقاه والجامع، وهو باق إلى يومنا.
جامع كوم الريش
هذا الجامع عمارة دولات شاه.
جامع الجزيرة الوسطى
أنشأه الطواشي مثقال خادم تذكار ابنة الملك الظاهر بيبرس وهو عامر إلى يومنا هذا.
جامع ابن صارم
هذا الجامع بخط بولاق خارج القاهرة أنشأه محمد بن صارم شيخ بولاق فيما بين بولاق وباب البحر.
جامع الكيمختي
هذا الجامع يعرف اليوم بجامع الجنيّة، وهو بجانب موضع الكيمخت على شاطئ الخليج من جملة أرض الطبالة، كان موضعه دارا اشتراها معلم الكيمخت، وكان يعرف بالحمويّ، وعملها جامعا فضمن المعلم بعده رجل يعرف بالرومي فوقف عليه مواضع وجدّد له مئذنة في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانمائة، ووسع في الجامع قطعة كانت
стр. 1469
منشرا، وكان قبل ذلك قد جدّد عمارته شخص يعرف بالفقيه زين الدين ريحان بعد سنة تسعين وسبعمائة، وعمر بجانبه مساكن، وهو الآن عامر بعمارة ما حوله.
جامع الست مسكة
هذا الجامع بالقرب من قنطرة آق سنقر التي على الخليج الكبير خارج القاهرة، أنشأته الست مسكة جارية الملك الناصر محمد بن قلاون، وأقيمت فيه الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وقد ذكرت مسكة هذه عند ذكر الأحكار.
جامع ابن الفلك
هذا الجامع بسويقة الجميزة من الحسينية خارج القاهرة، أنشأه مظفر الدين بن الفلك.
جامع التكروريّ
هذا الجامع في ناحية بولاق التكروريّ، وهذه الناحية من جملة قرى الجيزة، كانت تعرف بمنية بولاق، ثم عرف ببولاق التكروريّ، فإنه كان نزل بها الشيخ أبو محمد يوسف بن عبد اللّه التكروريّ، وكان يعتقد فيه الخير وجرّبت بركة دعائه وحكيت عنه كرامات كثيرة، منها أن امرأة خرجت من مدينة مصر تريد البحر، فأخذ السودان ابنها وساروا به في مركب وفتحوا القلع، فجرت السفينة وتعلقت المرأة بالشيخ تستغيث به، فخرج من مكانه حتى وقف على شاطيء النيل ودعا اللّه فسكن الريح ووقفت السفينة عن السير، فنادى من في المركب يطلب منهم الصبيّ فدفعوه إليه وناوله لأمّه، وكان بمصر رجل دباغ أتاه عفص فأخذه منه أصحاب السلطان، فأتى إلى الشيخ وشكا إليه ضرورته، فدعا ربه فردّ اللّه عليه عفصه بسؤال أصحاب السلطان له في ذلك، وكان يقال له لم لا تسكن المدينة فيقول: إني أشمّ رائحة كريهة إذا دخلتها. ويقال أنه كان في خلافة العزيز بن المعز، وأن الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ جمع له جزأ في مناقبه، ولما مات بني عليه قبة وعمل بجانبه جامع جدّده ووسعه الأمير محسن الشهابيّ مقدّم المماليك، وولى تقدمة المماليك عوضا عن الطواشي عنبر السحرتيّ، أوّل صفر سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة ومات في … (١) ثم أن النيل مال على ناحية بولاق هذه فيما بعد سنة تسعين وسبعمائة، وأخذ منها قطعة عظيمة كانت كلها مساكن، فخاف أهل البلدان أن يأخذ ضريح الشيخ والجامع لقربهما منه، فنقلوا الضريح والجامع إلى داخل البلد وهو باق إلى يومنا هذا.
стр. 1470
جامع البرقية
هذا الجامع بالقرب من باب البرقية بالقاهرة، عمره الأمير مغلطاي الفخريّ أخو الأمير الماس الحاجب، وكمل في المحرّم سنة ثلاثين وسبعمائة، وكان ظالما عسوفا متكبرا جبارا، قبض عليه مع أخيه الماس في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وقتل معه.
جامع الحرّانيّ
هذا الجامع بالقرافة الصغرى في بحري الشافعيّ، عمره ناصر الدين بن الحرّانيّ الشرابيشيّ في سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
جامع بركة
هذا الجامع بالقرب من جامع ابن طولون، يعرف خطه بحدرة ابن قميحة، عمره شخص من الجند يعرف ببركة، كان يباشر أستادارية الأمراء ومات بعد سنة إحدى وثمانمائة.
جامع بركة الرطليّ
هذا الجامع كان يعرف موضعه ببركة الفول من جملة أرض الطبالة، فلما عمرت بركة الرطليّ كما تقدّم ذكره أنشئ هذا الجامع، وكان ضيقا قصير السقف، وفيه قبة تحتها قبر يزار، وهو قبر الشيخ خليل بن عبد ربه خادم الشيخ عبد العال، وتوفي في المحرّم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما سكن الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن بركة البشريّ بجوار هذا الجامع هدمه ووسع فيه وبناه هذا البناء في سنة أربع عشرة وثمانمائة. وولد البشريّ في سابع ذي القعدة سنة ست وستين وسبعمائة، وتنقل في الخدم الديوانية حتى ولي نظر الدولة إلى أن قتل الأمير جمادي الدين يوسف الأستادار، فاستقرّ بعده في الوزارة بسفارة فتح الدين فتح اللّه بن كاتب السرّ في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، فباشر الوزارة بضبط جيد لمعرفته الحساب والكتابة، إلاّ أنها كانت أيام محن احتاج فيها إلى وضع يده وأخذ الأموال بأنواع الظلم، فلما قتل الملك الناصر فرج واستبدّ الملك المؤيد شيخ صرفه عن الوزارة في يوم الخميس خامس جمادى الأولى سنة ست عشرة وثمانمائة، ودفن بالقرافة، وهذا الجامع عامر بعمارة ما حوله.
جامع الضوة
هذا الجامع فيما بين الطبلخاناه السلطانية وباب القلعة المعروف بباب المدرّج على رأس الضوّة، أنشأه الأمير الكبير شيخ المحمودي لما قدم من دمشق بعد قتل الملك الناصر فرج، وإقامة الخليفة أمير المؤمنين المستعين بالله العباسيّ ابن محمد في سنة خمس عشرة
стр. 1471
وثمانمائة، وسكن بالإصطبل السلطانيّ فشرع في بناء دار يسكنها، فلما استبدّ بسلطنة مصر وتلقب بالملك المؤيد استغنى عن هذه الدار، وكانت لم تكمل، فعملها جامعا وخانقاه، وصارت الجمعة تقام به.
جامع الحوش
هذا الجامع في داخل قلعة الجبل بالحوش السلطانيّ، أنشأه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، فصار يصلي فيه الخدّام وأولاد الملوك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون إلى أن قتل الناصر فرج.
جامع الاصطبل
هذا الجامع في الإصطبل السلطانيّ من قلعة الجبل عمره … (١).
جامع ابن التركمانيّ (٢)
هذا الجامع بالمقس خارج القاهرة.
جامع … (٣)
هذا الجامع بخط السبع سقايات فيما بين القاهرة ومصر يطلّ على بركة قارون أنشأه … (٤).
جامع الباسطيّ
هذا الجامع في بولاق خارج القاهرة، أدركت موضعه وهو مطلّ على النيل طول السنة، أنشأه شخص من عرض الفقهاء يعرف … (٥) في سنة سبع عشرة وثمانمائة.
جامع الحنفيّ
هذا الجامع خارج القاهرة أنشأه الشيخ شمس الدين محمد بن حسن بن عليّ الحنفيّ، في سنة سبع عشرة وثمانمائة.
جامع ابن الرفعة
هذا الجامع خارج القاهرة بحكر الزهريّ، أنشأه الشيخ فخر الدين عبد المحسن بن الرفعة بن أبي المجد العدويّ.
стр. 1472
جامع الإسماعيليّ
أنشأه الأمير أرغون الإسماعيليّ على البركة الناصرية في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
جامع الزاهد
هذا الجامع بخط المقس خارج القاهرة، كان موضعه كوم تراب فنقله الشيخ المعتقد أحمد بن … (١) المعروف بالزاهد، وأنشأ موضعه هذا الجامع، فكمل في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وهدم بسببه عدّة مساجد قد خرب ما حولها، وبني بأنقاضها هذا الجامع، وكان ساكنا مشهورا بالخير يعظ الناس بالجامع الأزهر وغيره، ولطائفة من الناس فيه عقيدة حسنة، ولم يسمع عنه إلاّ خير، مات يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة وثمانمائة، أيام الطاعون ودفن بجامعه.
جامع ابن المغربيّ
هذا الجامع بالقرب من بركة قرموط مطلّ على الخليج الناصريّ، أنشأه صلاح الدين يوسف بن المغربيّ رئيس الأطباء بديار مصر وبنى بجانبه قبة دفن فيها وعمل به درسا وقرّاء ومنبرا يخطب عليه في يوم الجمعة، وكان عامرا بعمارة ما حوله، فلما خرب خط بركة قرموط تعطل وهو آيل إلى أن ينقض ويباع كما بيعت أنقاض غيره.
جامع الفخريّ
هذا الجامع بجوار دار الذهب التي عرفت بدار بها در الأعسر المجاورة لقبو الذهب من خط بين السورين فيما بين الخوخة وباب سعادة، ويتوصل إليه أيضا من درب العدّاس المجاورة لحارة الوزيرية، أنشأه الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن الأمير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج الأستادار في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وخطب فيه يوم الجمعة ثامن عشري شعبان من السنة المذكورة، وعمل فيه عدّة دروس، وأوّل من خطب فيه الشيخ ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباريّ الشافعيّ، ثم تركه تنزها عنه، وفي يوم الأحد ثامن شهر رمضان جلس فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماويّ الشافعيّ للتدريس، وأضيف إليه مشيخة التصوّف، وقرّر قاضي القضاة شمس الدين محمد الديريّ المقدسيّ الحنفيّ في تدريس الحنفية، وفي تدريس المالكية قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه بن مقداد المالكي، وحضر البرماويّ وظيفة التصوّف بعد عصر يومه، فمات الأمير فخر الدين في نصف شوّال منها ولم يكمل فدفن هناك.
стр. 1473
الجامع المؤيدي
هذا الجامع بجوار باب زويلة من داخله، كان موضعه خزانة شمائل حيث يسجن أرباب الجرائم، وقيسارية سنقر الأشقر، ودرب الصفيرة، وقيسارية بهاء الدين أرسلان.
أنشأه السلطان الملك المؤيد أبو النصر شيخ المحموديّ الظاهري، فهو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه وضخامة بنيانه، أن منشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنو شروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدان، ويعجب من عرف أوّليته من تبديل الأبدال، وتنقل الأمور من حال إلى حال بينا هو سجن تزهق فيه النفوس ويضام المجهود، إذ صار مدارس آيات وموضع عبادات ومحل سجود، فاللّه يعمره ببقاء منشئه ويعلي كلمة الأيمان بدوام ملك بانيه.
همم الملوك إذا أراد واذكرها … من بعدهم فبألسن البنيان
أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم … ملك محاه حوادث الأزمان
إنّ البناء إذا تعاظم قدره … أضحى يدل على عظيم الشان
وأوّل ما ابتدئ به في أمر هذا الجامع، أن رسم في رابع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان عشرة وثمانمائة، بانتقال سكان قيسارية سنقر الأشقر التي كانت تجاه قيسارية الفاضل، ثم نزل جماعة من أرباب الدولة في خامسه من قلعة الجبل، وابتدئ في الهدم في القيسارية المذكورة، وما يجاورها، فهدمت الدور التي كانت هناك في درب الصفيرة، وهدمت خزانة شمائل فوجد بها من رمم القتلى ورؤوسهم شيء كثير، وأفرد لنقل ما خرج من التراب عدّة من الجمال والحمير بلغت علائقهم في كل يوم خمسمائة عليقة. وكان السبب في اختيار هذا المكان دون غيره أن السلطان حبس في خزانة شمائل هذه أيام تغلّب الأمير منطاش وقبضه على المماليك الظاهرية، فقاسى في ليلة من البق والبراغيث شدائد، فنذر للّه تعالى إن تيسر له ملك مصر أن يجعل هذه البقعة مسجدا للّه ، ومدرسة لأهل العلم، فاختار لذلك هذه البقعة وفاء لنذره.
وفي رابع جمادى الآخرة كان ابتداء حفر الأساس، وفي خامس صفر سنة تسع عشرة وثمانمائة. وقع الشروع في البناء، واستقرّ فيه بضع وثلاثون بنّاء، ومائة فاعل، ووفيت لهم ولمباشريهم أجورهم من غير أن يكلف أحد في العمل فوق طاقته، ولا سخّر فيه أحد بالقهر، فاستمرّ العمل إلى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأوّل، فأشهد عليه السلطان أنه وقف هذا مسجدا للّه تعالى، ووقف عليه عدّة مواضع بديار مصر وبلاد الشام، وتردّد ركوب السلطان إلى هذه العمارة عدّة مرار. وفي شعبان طلبت عمد الرخام وألواح الرخام لهذا الجامع، فأخذت من الدور والمساجد وغيرها، وفي يوم الخميس سابع عشري شوّال نقل
стр. 1474
باب مدرسة السلطان حسن بن محمد بن قلاون والتنور النحاس المكفت إلى هذه العمارة، وقد اشتراهما السلطان بخمسمائة دينار، وهذا الباب هو الذي عمل لهذا الجامع، وهذا التنور هو التنور المعلق تجاه المحراب، وكان الملك الظاهر برقوق قد سدّ باب مدرسة السلطان حسن وقطع البسطة التي كانت قدّامه كما تقدّم، فبقي مصراعا الباب والسدّ من ورائهما حتى نقلا مع التنور الذي كان معلقا هناك. وفي ثامن عشرية دفنت ابنة صغيرة للسلطان في موضع القبة الغربية من هذا الجامع، وهي ثاني ميت دفن بها، وانعقدت جملة ما صرف في هذه العمارة إلى سلخ ذي الحجة سنة تسع عشرة على أربعين ألف دينار، ثم نزل السلطان في عشري المحرّم إلى هذه العمارة ودخل خزانة الكتب التي عملت هناك، قد حمل إليها كتبا كثيرة في أنواع العلوم، كانت بقلعة الجبل، وقدّم له ناصر الدين محمد البارزيّ كاتب السرّ خمسمائة مجلد، قيمتها ألف دينار، فأقرّ ذلك بالخزانة وأنعم على ابن البارزيّ بأن يكون خطيبا وخازن المكتب هو ومن بعده من ذرّيته.
وفي سابع عشر شهر ربيع الآخر منها سقط عشرة من الفعلة، مات منهم أربعة وحمل ستة بأسوإ حال. وفي يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الجمعة به، ولم يكمل منه سوى الإيوان القبليّ، وخطب وصلّى بالناس عز الدين عبد السلام المقدسيّ أحد نوّاب القضاة الشافعية نيابة عن ابن البارزيّ كاتب السرّ. وفي يوم السبت خامس شهر رمضان منها ابتدئ بهدم ملك بجوار ربع الملك الظاهر بيبرس، مما اشتراه الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن أبي الفرج الاستادار ليعمل ميضأة، واستمرّ العمل هناك ولازم الأمير فخر الدين الإقامة بنفسه، واستعمل مماليكه والزامه فيه وجدّ في العمل كلّ يوم، فكملت في سلخه بعد خمسة وعشرين يوما، ووقع الشروع في بناء حوانيت على بابها من جهة تحت الربع، ويعلوها طباق، وبلغت النفقة على الجامع إلى أخريات شهر رمضان هذا، سوى عمارة الأمير فخر الدين المذكور، زيادة على سبعين ألف دينار، وتردّد السلطان إلى النظر في هذا الجامع غير مرّة. فلما كان في أثناء شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين ظهر بالمئذنة التي أنشئت على بدنة باب زويلة التي تلي الجامع إعوجاج إلى جهة دار التفاح، فكتب محضر بجماعة المهندسين أنها مستحقة الهدم، وعرض على السلطان فرسم بهدمها، فوقع الشروع في الهدم يوم الثلاثاء رابع عشرية، واستمرّ في كل يوم، فسقط يوم الخميس سادس عشرية منها حجر هدم ملكا تجاه باب زويلة، هلك تحته رجل، فغلق باب زويلة خوفا على المارّة من يوم السبت إلى آخر يوم الجمعة سادس عشري جمادى الأولى، مدّة ثلاثين يوما، ولم يعهد وقوع مثل هذا قط منذ بنيت القاهرة. وقال أدباء العصر في سقوط المنارة المذكورة شعرا كثيرا، منه ما قاله حافظ الوقت شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر الشافعيّ ﵀:
لجامع مولانا المؤيد رونق … منارته تزهو من الحسن والزين
стр. 1475
تقول وقد مالت عليهم تمهّلوا … فليس على جسمي أضرّ من العين
فتحدّث الناس أنه في قوله بالعين قصد التورية لتخدم في العين التي تصيب الأشياء فتتلفها، وفي الشيخ بدر الدين محمود العينتابيّ فإنه يقال له العينيّ أيضا.
فقال المذكور يعارضه:
منارة كعروس الحسن إذ جليت … وهدمها بقضاء اللّه والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط … ما أوجب الهدم إلاّ خشية الحجر
يعرّض بالشهاب ابن حجر وكل منهما لم يصب الغرض، فإن العينيّ بدر الدين محمودا ناظر الأحباس، والشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر، كل منهما ليس له في المئذنة تعلق حتى تخدم التورية، وأقعد منهما بالتورية من قال:
على البرج من بابي زويلة أسّست … منارة بيت اللّه والمعهد المنجي
فأخلى بها البرج اللعين أمالها … ألا فاصرخوا يا قوم باللّعن للبرج
وذلك أن الذي ولى تدبير أمر الجامع المؤيديّ هذا، وولى نظر عمارته بهاء الدين محمد بن البرجيّ، فخدمت التورية في البرجي كما ترى، وتداول هذا الناس فقال آخر:
عتبنا على ميل المنار زويلة … وقلنا تركت الناس بالميل في هرج
فقال قريني برج نحس أمالني … فلا بارك الرحمن في ذلك البرج
وقال الأديب شمس الدين محمد بن أحمد بن كمال الجوجريّ أحد الشهود:
منارة لثواب اللّه قد بنيت … فكيف هدّت فقالوا نوضح الخبرا
أصابت العين أحجارا بها انفلقت … ونظرة العين قالوا تفلق الحجرا
وقال آخر:
منارة قد هدمت بالقضا … والناس في هرج وفي رهج
أمالها البرج فمالت به … فلعنة اللّه على البرج
وفي ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين استقرّ الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر في تدريس الشافعية، والشيخ يحيى بن محمد بن أحمد العجيسيّ البجائيّ المغربيّ في تدريس المالكية، وعز الدين عبد العزيز بن عليّ بن الفخر البغداديّ في تدريس الحنابلة، وخلع عليهم بحضرة السلطان، فدرس ابن حجر بالمحراب في يوم الخميس ثالث عشرة، ونزل السلطان وأقبل ليحضر عنده، وهو في إلقاء الدرس ومنعه من القيام له، فلم يقم واستمرّ فيما هو بصدده، وجلس السلطان عنده مليا، ثم درّس يحيى