وثمانمائة، وسكن بالإصطبل السلطانيّ فشرع في بناء دار يسكنها، فلما استبدّ بسلطنة مصر وتلقب بالملك المؤيد استغنى عن هذه الدار، وكانت لم تكمل، فعملها جامعا وخانقاه، وصارت الجمعة تقام به.
جامع الحوش
هذا الجامع في داخل قلعة الجبل بالحوش السلطانيّ، أنشأه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، فصار يصلي فيه الخدّام وأولاد الملوك من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون إلى أن قتل الناصر فرج.
جامع الاصطبل
هذا الجامع في الإصطبل السلطانيّ من قلعة الجبل عمره … (١).
جامع ابن التركمانيّ (٢)
هذا الجامع بالمقس خارج القاهرة.
جامع … (٣)
هذا الجامع بخط السبع سقايات فيما بين القاهرة ومصر يطلّ على بركة قارون أنشأه … (٤).
جامع الباسطيّ
هذا الجامع في بولاق خارج القاهرة، أدركت موضعه وهو مطلّ على النيل طول السنة، أنشأه شخص من عرض الفقهاء يعرف … (٥) في سنة سبع عشرة وثمانمائة.
جامع الحنفيّ
هذا الجامع خارج القاهرة أنشأه الشيخ شمس الدين محمد بن حسن بن عليّ الحنفيّ، في سنة سبع عشرة وثمانمائة.
جامع ابن الرفعة
هذا الجامع خارج القاهرة بحكر الزهريّ، أنشأه الشيخ فخر الدين عبد المحسن بن الرفعة بن أبي المجد العدويّ.
стр. 1472
جامع الإسماعيليّ
أنشأه الأمير أرغون الإسماعيليّ على البركة الناصرية في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
جامع الزاهد
هذا الجامع بخط المقس خارج القاهرة، كان موضعه كوم تراب فنقله الشيخ المعتقد أحمد بن … (١) المعروف بالزاهد، وأنشأ موضعه هذا الجامع، فكمل في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وهدم بسببه عدّة مساجد قد خرب ما حولها، وبني بأنقاضها هذا الجامع، وكان ساكنا مشهورا بالخير يعظ الناس بالجامع الأزهر وغيره، ولطائفة من الناس فيه عقيدة حسنة، ولم يسمع عنه إلاّ خير، مات يوم الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة وثمانمائة، أيام الطاعون ودفن بجامعه.
جامع ابن المغربيّ
هذا الجامع بالقرب من بركة قرموط مطلّ على الخليج الناصريّ، أنشأه صلاح الدين يوسف بن المغربيّ رئيس الأطباء بديار مصر وبنى بجانبه قبة دفن فيها وعمل به درسا وقرّاء ومنبرا يخطب عليه في يوم الجمعة، وكان عامرا بعمارة ما حوله، فلما خرب خط بركة قرموط تعطل وهو آيل إلى أن ينقض ويباع كما بيعت أنقاض غيره.
جامع الفخريّ
هذا الجامع بجوار دار الذهب التي عرفت بدار بها در الأعسر المجاورة لقبو الذهب من خط بين السورين فيما بين الخوخة وباب سعادة، ويتوصل إليه أيضا من درب العدّاس المجاورة لحارة الوزيرية، أنشأه الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن الأمير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج الأستادار في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وخطب فيه يوم الجمعة ثامن عشري شعبان من السنة المذكورة، وعمل فيه عدّة دروس، وأوّل من خطب فيه الشيخ ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباريّ الشافعيّ، ثم تركه تنزها عنه، وفي يوم الأحد ثامن شهر رمضان جلس فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماويّ الشافعيّ للتدريس، وأضيف إليه مشيخة التصوّف، وقرّر قاضي القضاة شمس الدين محمد الديريّ المقدسيّ الحنفيّ في تدريس الحنفية، وفي تدريس المالكية قاضي القضاة جمال الدين عبد اللّه بن مقداد المالكي، وحضر البرماويّ وظيفة التصوّف بعد عصر يومه، فمات الأمير فخر الدين في نصف شوّال منها ولم يكمل فدفن هناك.
стр. 1473
الجامع المؤيدي
هذا الجامع بجوار باب زويلة من داخله، كان موضعه خزانة شمائل حيث يسجن أرباب الجرائم، وقيسارية سنقر الأشقر، ودرب الصفيرة، وقيسارية بهاء الدين أرسلان.
أنشأه السلطان الملك المؤيد أبو النصر شيخ المحموديّ الظاهري، فهو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه وضخامة بنيانه، أن منشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنو شروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدان، ويعجب من عرف أوّليته من تبديل الأبدال، وتنقل الأمور من حال إلى حال بينا هو سجن تزهق فيه النفوس ويضام المجهود، إذ صار مدارس آيات وموضع عبادات ومحل سجود، فاللّه يعمره ببقاء منشئه ويعلي كلمة الأيمان بدوام ملك بانيه.
همم الملوك إذا أراد واذكرها … من بعدهم فبألسن البنيان
أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم … ملك محاه حوادث الأزمان
إنّ البناء إذا تعاظم قدره … أضحى يدل على عظيم الشان
وأوّل ما ابتدئ به في أمر هذا الجامع، أن رسم في رابع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان عشرة وثمانمائة، بانتقال سكان قيسارية سنقر الأشقر التي كانت تجاه قيسارية الفاضل، ثم نزل جماعة من أرباب الدولة في خامسه من قلعة الجبل، وابتدئ في الهدم في القيسارية المذكورة، وما يجاورها، فهدمت الدور التي كانت هناك في درب الصفيرة، وهدمت خزانة شمائل فوجد بها من رمم القتلى ورؤوسهم شيء كثير، وأفرد لنقل ما خرج من التراب عدّة من الجمال والحمير بلغت علائقهم في كل يوم خمسمائة عليقة. وكان السبب في اختيار هذا المكان دون غيره أن السلطان حبس في خزانة شمائل هذه أيام تغلّب الأمير منطاش وقبضه على المماليك الظاهرية، فقاسى في ليلة من البق والبراغيث شدائد، فنذر للّه تعالى إن تيسر له ملك مصر أن يجعل هذه البقعة مسجدا للّه ، ومدرسة لأهل العلم، فاختار لذلك هذه البقعة وفاء لنذره.
وفي رابع جمادى الآخرة كان ابتداء حفر الأساس، وفي خامس صفر سنة تسع عشرة وثمانمائة. وقع الشروع في البناء، واستقرّ فيه بضع وثلاثون بنّاء، ومائة فاعل، ووفيت لهم ولمباشريهم أجورهم من غير أن يكلف أحد في العمل فوق طاقته، ولا سخّر فيه أحد بالقهر، فاستمرّ العمل إلى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأوّل، فأشهد عليه السلطان أنه وقف هذا مسجدا للّه تعالى، ووقف عليه عدّة مواضع بديار مصر وبلاد الشام، وتردّد ركوب السلطان إلى هذه العمارة عدّة مرار. وفي شعبان طلبت عمد الرخام وألواح الرخام لهذا الجامع، فأخذت من الدور والمساجد وغيرها، وفي يوم الخميس سابع عشري شوّال نقل
стр. 1474
باب مدرسة السلطان حسن بن محمد بن قلاون والتنور النحاس المكفت إلى هذه العمارة، وقد اشتراهما السلطان بخمسمائة دينار، وهذا الباب هو الذي عمل لهذا الجامع، وهذا التنور هو التنور المعلق تجاه المحراب، وكان الملك الظاهر برقوق قد سدّ باب مدرسة السلطان حسن وقطع البسطة التي كانت قدّامه كما تقدّم، فبقي مصراعا الباب والسدّ من ورائهما حتى نقلا مع التنور الذي كان معلقا هناك. وفي ثامن عشرية دفنت ابنة صغيرة للسلطان في موضع القبة الغربية من هذا الجامع، وهي ثاني ميت دفن بها، وانعقدت جملة ما صرف في هذه العمارة إلى سلخ ذي الحجة سنة تسع عشرة على أربعين ألف دينار، ثم نزل السلطان في عشري المحرّم إلى هذه العمارة ودخل خزانة الكتب التي عملت هناك، قد حمل إليها كتبا كثيرة في أنواع العلوم، كانت بقلعة الجبل، وقدّم له ناصر الدين محمد البارزيّ كاتب السرّ خمسمائة مجلد، قيمتها ألف دينار، فأقرّ ذلك بالخزانة وأنعم على ابن البارزيّ بأن يكون خطيبا وخازن المكتب هو ومن بعده من ذرّيته.
وفي سابع عشر شهر ربيع الآخر منها سقط عشرة من الفعلة، مات منهم أربعة وحمل ستة بأسوإ حال. وفي يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الجمعة به، ولم يكمل منه سوى الإيوان القبليّ، وخطب وصلّى بالناس عز الدين عبد السلام المقدسيّ أحد نوّاب القضاة الشافعية نيابة عن ابن البارزيّ كاتب السرّ. وفي يوم السبت خامس شهر رمضان منها ابتدئ بهدم ملك بجوار ربع الملك الظاهر بيبرس، مما اشتراه الأمير فخر الدين عبد الغنيّ بن أبي الفرج الاستادار ليعمل ميضأة، واستمرّ العمل هناك ولازم الأمير فخر الدين الإقامة بنفسه، واستعمل مماليكه والزامه فيه وجدّ في العمل كلّ يوم، فكملت في سلخه بعد خمسة وعشرين يوما، ووقع الشروع في بناء حوانيت على بابها من جهة تحت الربع، ويعلوها طباق، وبلغت النفقة على الجامع إلى أخريات شهر رمضان هذا، سوى عمارة الأمير فخر الدين المذكور، زيادة على سبعين ألف دينار، وتردّد السلطان إلى النظر في هذا الجامع غير مرّة. فلما كان في أثناء شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين ظهر بالمئذنة التي أنشئت على بدنة باب زويلة التي تلي الجامع إعوجاج إلى جهة دار التفاح، فكتب محضر بجماعة المهندسين أنها مستحقة الهدم، وعرض على السلطان فرسم بهدمها، فوقع الشروع في الهدم يوم الثلاثاء رابع عشرية، واستمرّ في كل يوم، فسقط يوم الخميس سادس عشرية منها حجر هدم ملكا تجاه باب زويلة، هلك تحته رجل، فغلق باب زويلة خوفا على المارّة من يوم السبت إلى آخر يوم الجمعة سادس عشري جمادى الأولى، مدّة ثلاثين يوما، ولم يعهد وقوع مثل هذا قط منذ بنيت القاهرة. وقال أدباء العصر في سقوط المنارة المذكورة شعرا كثيرا، منه ما قاله حافظ الوقت شهاب الدين أحمد بن عليّ بن حجر الشافعيّ ﵀:
لجامع مولانا المؤيد رونق … منارته تزهو من الحسن والزين
стр. 1475
تقول وقد مالت عليهم تمهّلوا … فليس على جسمي أضرّ من العين
فتحدّث الناس أنه في قوله بالعين قصد التورية لتخدم في العين التي تصيب الأشياء فتتلفها، وفي الشيخ بدر الدين محمود العينتابيّ فإنه يقال له العينيّ أيضا.
فقال المذكور يعارضه:
منارة كعروس الحسن إذ جليت … وهدمها بقضاء اللّه والقدر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط … ما أوجب الهدم إلاّ خشية الحجر
يعرّض بالشهاب ابن حجر وكل منهما لم يصب الغرض، فإن العينيّ بدر الدين محمودا ناظر الأحباس، والشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر، كل منهما ليس له في المئذنة تعلق حتى تخدم التورية، وأقعد منهما بالتورية من قال:
على البرج من بابي زويلة أسّست … منارة بيت اللّه والمعهد المنجي
فأخلى بها البرج اللعين أمالها … ألا فاصرخوا يا قوم باللّعن للبرج
وذلك أن الذي ولى تدبير أمر الجامع المؤيديّ هذا، وولى نظر عمارته بهاء الدين محمد بن البرجيّ، فخدمت التورية في البرجي كما ترى، وتداول هذا الناس فقال آخر:
عتبنا على ميل المنار زويلة … وقلنا تركت الناس بالميل في هرج
فقال قريني برج نحس أمالني … فلا بارك الرحمن في ذلك البرج
وقال الأديب شمس الدين محمد بن أحمد بن كمال الجوجريّ أحد الشهود:
منارة لثواب اللّه قد بنيت … فكيف هدّت فقالوا نوضح الخبرا
أصابت العين أحجارا بها انفلقت … ونظرة العين قالوا تفلق الحجرا
وقال آخر:
منارة قد هدمت بالقضا … والناس في هرج وفي رهج
أمالها البرج فمالت به … فلعنة اللّه على البرج
وفي ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين استقرّ الشيخ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر في تدريس الشافعية، والشيخ يحيى بن محمد بن أحمد العجيسيّ البجائيّ المغربيّ في تدريس المالكية، وعز الدين عبد العزيز بن عليّ بن الفخر البغداديّ في تدريس الحنابلة، وخلع عليهم بحضرة السلطان، فدرس ابن حجر بالمحراب في يوم الخميس ثالث عشرة، ونزل السلطان وأقبل ليحضر عنده، وهو في إلقاء الدرس ومنعه من القيام له، فلم يقم واستمرّ فيما هو بصدده، وجلس السلطان عنده مليا، ثم درّس يحيى
стр. 1476
المغربيّ في يوم الخميس خامس عشرة، ودرّس فيه أيضا الفخر البغداديّ، وحضر معهما قضاة القضاة والمشايخ. وفي سابع عشرة استقرّ بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العينتابيّ ناظر الأحباس في تدريس الحديث النبويّ، واستقرّ شمس الدين محمد بن يحيى في تدريس القراءات السبع. وفي يوم الجمعة حادي عشرة شوّال منها نزل السلطان إلى هذا الجامع وقد تقدّم إلى المباشرين من أمسه بتهيئة السماط العظيم للمدّة فيه، والسّكّر الكثير لتملأ البركة التي بالصحن من السّكّر المذاب والحلوى الكثيرة، فهيئ ذلك كله وجلس السلطان بكرة النهار بالقرب من البركة في الصحن على تخت، واستعرض الفقهاء فقرّر من وقع اختياره عليه في الدروس، ومدّ السماط العظيم بأنواع المطاعم، وملئت البركة بالسّكّر المذاب، فأكل الناس ونهبوا وارتووا من السّكّر المذاب وحملوا منه ومن الحلوى ما قدروا عليه. ثم طلب قاضي القضاة شمس الدين محمد بن سعد الديريّ الحنفيّ وخلع عليه كاملية صوف بفرو سمور، واستقرّ في مشيخة التصوّف وتدريس الحنفية، وجلس بالمحراب والسلطان عن يمينه ويليه ابنه المقام الصارميّ إبراهيم، وعن يساره قضاة القضاة ومشايخ العلم، وحضر أمراء الدولة ومباشروها، فألقى درسا مفيدا إلى أن قرب وقت الصلاة، فدعا بفض المجلس، ثم حضرت الصلاة فصعد ناصر الدين محمد بن البارزيّ كاتب السرّ المنبر فخطب وصلّى، ثم خلع عليه واستقرّ خطيبا وخازن الكتب، وخلع على شهاب الدين أحمد الأذرعيّ الإمام واستقرّ في إمامة الخمس وركب السلطان وكان يوما مشهودا. ولما مات المقام الصارميّ إبراهيم بن السلطان دفن بالقبة الشرقية ونزل السلطان حتى شهد دفنه في يوم الجمعة ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين، وأقام حتى صلّى به الخطيب محمد البارزيّ كاتب السرّ صلاة الجمعة بعد ما خطب خطبة بليغة، ثم عاد إلى القلعة وأقام القرّاء على قبره يقرءون القرآن أسبوعا والأمراء وسائر أهل الدولة يتردّدون إليه، وكانت ليالي مشهودة. وفي يوم السبت آخره استقرّ في نظر الجامع المذكور الأمير مقبل الدوادار وكاتب السرّ ابن البارزيّ، فنزلا إليه جميعا وتفقدا أحواله ونظرا في أموره، فلما مات ابن البارزي في ثامن شوّال منها انفرد الأمير مقبل بالتحدّث إلى أن مات السلطان في يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، فدفن بالقبة الشرقية ولم تكن عمرت، فشرع في عمارتها حتى كملت في شهر ذي القعدة منها، وكذلك الدرج التي يصعد منها إلى باب هذا الجامع من داخل باب زويلة، لم تعمل إلاّ في شهر رمضان منها، وبقيت بقايا كثيرة من حقوق هذا الجامع لم تعمل منها القبة التي تقابل القبة المدفون تحتها السلطان والبيوت المعدّة لسكن الصوفية وغير ذلك، فأفرد لعمارتها نحو من عشرين ألف دينار واستقرّ نظر هذا الجامع بعد موت السلطان بيد كاتب السرّ.
الجامع الأشرفيّ
هذا الجامع فيما بين المدرسة السيوفية وقيسارية العنبر، كان موضعه حوانيت تعلوها
стр. 1477
رباع ومن ورائها ساحات كانت قياسر بعضها وقف على المدرسة القطبية، فابتدأ الهدم فيها بعد ما استبدلت بغيرها أوّل شهر رجب سنة ست وعشرين وثمانمائة، وبنى مكانها، فلما عمر الإيوان القبليّ أقيمت به الجمعة في سابع جمادى الأولى سنة سبع وعشرين، وخطب به الحمويّ الواعظ وقد ولى الخطابة المذكورة.
الجامع الباسطيّ
هذا الجامع بخط الكافوريّ من القاهرة، كان موضعه من جملة أراضي البستان، ثم صار مما اختط كما تقدّم ذكره، فأنشأه القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم الدمشقيّ ناظر الجيوش في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، ولم يسخر أحدا في عمله بل وفيّ لهم أجورهم حتى كمل في أحسن هندام وأكيس قالب وأبدع زيّ ترتاح النفوس لرؤيته وتبتهج عند مشاهدته، فهو الجامع الزاهر والمعبد الباهي الباهر، ابتدئ فيه بإقامة الجمعة في يوم الجمعة الثاني من صفر سنة ثلاث وعشرين، ورتب في خطابته فتح الدين أحمد بن محمد بن النقاش أحد شهود الحوانيت وموقعي القضاة، ثم رتب به صوفية، وولى مشيخة التصوّف عز الدين عبد السلام بن داود بن عثمان المقدسيّ الشافعيّ، أحد نوّاب الحكم، فكان ابتداء حضورهم بعد عصر يوم السبت أوّل شهر رجب منها، وأجرى للفقراء الصوفية الخبز في كلّ يوم، والمعلوم في كلّ شهر، وبنى لهم مساكن وحفر صهريجا يملأ من ماء النيل ويسبل في كل يوم، فعمّ نفعه وكثر خيره. ثم تجدّد في بولاق جامع ابن الجابي وجامع ابن السنيتيّ، وتجدّد في مصر جامع الحسنات بخط دار النحاس، وفي حكر الصبان الجامع المعروف بالمستجد، وبجامع الفتح، وفي حارة الفقراء جامع عبد اللطيف الطواشيّ الساقي. وتجدّد في خارج القاهرة بسويقة صفية جامع ابن درهم ونصف، وفي خط معدّية فريج جماع كزل بغا، وفي رأس درب النيديّ جامع حارس الطير، وفي سويقة عصفور جامع القاضي أمين الدين بجانب زاوية الفقيه المعتقد أبي عبد اللّه محمد الفارقانيّ، بنى في سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة، وبخط البراذعيين ورأس حارة الحرمين جامع الحاج محمد المعروف بالمسكين مهتار ناظر الخاص. وتجدّد في المراغة جامع الشيخ أبي بكر المعرّف، بناه الحاج أحمد القماح، وأقيمت خطبة بخانكاه الأمير جاني بك الأشرفيّ خارج باب زويلة، وتوفي يوم الخميس سابع عشرى ربيع الأوّل سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، وبخط باب اللوق جامع مقدّم السقائين قريبا من جامع الست نصرة، وبخط تحت الربع خارج باب زويلة جامع.
وتجدّد بالصحراء قريبا من تربة الظاهر برقوق خطبة في تربة السلطان الملك الأشرف برسباي الدقاقيّ. وتجدد في آخر سويقة أمير الجيوش بالقاهرة جامع أنشأه الفقير المعتقد محمد الغمريّ، وأقيمت به الجمعة في يوم الجمعة رابع ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين
стр. 1478
وثمانمائة قبل أن يكمل. وتجدّد في زاوية الشيخ أبي العباس البصير التي عند قنطرة الخرق خطبة. وتجدّد في حدرة الكماجيين من أراضي اللوق خطبة بزاوية مطلة على غيط العدّة، وتجدّد بالصحراء خطبة في تربة الأمير مشير الدولة كافور الزمام، وتوفي في خامس عشر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثمانمائة. وتجدّد بخط الكافوريّ خطبة أحدثها بنو وفاء في جامع لطيف جدّا. وتجدّد بمدرسة ابن البقريّ من القاهرة أيضا خطبة في أيام المؤيد شيخ. وتجدّد بحارة الديلم خطبة في مدرسة أنشأها الطواشي مشير الدولة المذكور. وتجدّد عند قنطرة قدادار خطبة أنشأها شاكر البناء، وخطبة بالقرب منها في جامع أنشأه الحاج إبراهيم البرددار الشهير بالحمصانيّ، أحد الفقراء الأحمدية السطوحية في حدود الثلاثين والثمانمائة.
ذكر مذاهب أهل مصر ونحلهم منذ افتتح عمرو بن العاص ﵁ أرض مصر إلى أن صاروا إلى اعتقاد مذاهب الأئمة رحمهم اللّه تعالى، وما كان من الأحداث في ذلك
اعلم أن اللّه لما بعث نبينا محمدا ﷺ رسولا إلى كافة الناس جميعا عربهم وعجمهم، وهم كلهم أهل شرك وعبادة لغير اللّه تعالى إلا بقايا من أهل الكتاب، كان من أمره ﷺ مع قريش ما كان حتى هاجر من مكة إلى المدينة، فكانت الصحابة رضوان اللّه عليهم حوله ﷺ يجتمون إليه في كلّ وقت مع ما كانوا فيه من ضنك المعيشة وقلة القوت، فمنهم من كان يحترف في الأسواق، ومنهم من كان يقوم على نخله، ويحضر رسول اللّه ﷺ في كل وقت، ومنهم طائفة عند ما تجد أدنى فراغ مما هم بسبيله من طلب القوت، فإذا سئل رسول اللّه ﷺ عن مسألة، أو حكم بحكم، أو أمر بشيء، أو فعل شيأ وعاه من حضر عنده من الصحابة، وفات من غاب عنه علم ذلك، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ قد خفي عليه ما علمه حمل بن مالك بن النابغة، من الأعراب من هذيل، في دية الجنين وخفي عليه. وكان يفتي في زمن النبيّ ﷺ من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وعبد الرحمن بن عوف وعبد اللّه بن مسعود وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعريّ وسلمان الفارسيّ ﵃.
فلما مات رسول اللّه ﷺ واستخلف أبو بكر الصدّيق ﵁، تفرّقت الصحابة ﵃، فمنهم من خرج لقتال مسيلمة وأهل الردّة، ومنهم من خرج لقتال أهل الشام، ومنهم من خرج لقتال أهل العراق، وبقي من الصحابة بالمدينة مع أبي بكر ﵁ عدّة، فكانت القضية إذا نزلت بأبي بكر ﵁ قضى فيها بما عنده من العلم بكتاب اللّه أو سنة رسول اللّه ﷺ ، فإن لم يكن عنده فيها علم من كتاب اللّه ولا من سنة رسول اللّه ﷺ ، سأل من بحضرته من الصحابة ﵃ عن ذلك، فإن وجد عندهم
стр. 1479
علما من ذلك رجع إليه وإلاّ اجتهد في الحكم.
ولما مات أبو بكر وولي أمر الأمّة من بعده عمر بن الخطاب ﵁، فتحت الأمصار وزاد تفرّق الصحابة ﵃ فيما افتتحوه من الأقطار، فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو غيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها في ذلك أثر عن رسول اللّه ﷺ ، حكم به، وإلاّ اجتهد أمير تلك البلدة في ذلك، وقد يكون في تلك القضية حكم عن النبي ﷺ موجود عند صاحب آخر، وقد حضر المدنيّ ما لم يحضر المصريّ، وحضر المصريّ ما لم يحضر الشامي، وحضر الشاميّ ما لم يحضر البصريّ، وحضر البصريّ ما لم يحضر الكوفيّ، وحضر الكوفيّ ما لم يحضر المدنيّ. كلّ هذا موجود في الآثار، وفيما علم من مغيب بعض الصحابة عن مجلس النبي ﷺ في بعض الأوقات، وحضور غيره. ثم مغيب الذي حضر أمس وحضور الذي غاب، فيدري كلّ واحد منهم ما حضر، ويفوته ما غاب عنه، فمضى الصحابة ﵃ على ما ذكرنا، ثم خلف بعدهم التابعون الآخرون عنهم وكل طبقة من التابعين في البلاد التي تقدّم ذكرها، فإنما تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة، فكانوا لا يتعدّون فتاويهم إلاّ اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة، ﵃، كاتباع أهل المدينة في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن عمر ﵄، واتباع أهل الكوفة في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن مسعود ﵁، واتباع أهل مكة في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن عباس ﵄، واتباع أهل مصر في الأكثر فتاوي عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄، ثم أتى من بعد التابعين ﵃ فقهاء الأمصار، كأبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة، وابن جريج بمكة، ومالك وابن الماجشون بالمدينة، وعثمان البتيّ وسوار بالبصرة، والأوزاعيّ بالشام، والليث بن سعد بمصر. فجروا على تلك الطريق من أخذ كل واحد منهم عن التابعين من أهل بلده، فيما كان عندهم واجتهادهم فيما لم يجدوا عندهم، وهو موجود عند غيرهم.
وأما مذاهب أهل مصر: فقال أبو سعيد بن يونس: إن عبيد بن مخمر المغافريّ يكنى أبا أمية، رجل من أصحاب النبي ﷺ ، شهد فتح مصر، روى عنه أبو قبيل. يقال أنه كان أوّل من أقرأ القرآن بمصر. وذكر أبو عمرو الكنديّ أن أبا ميسرة عبد الرحمن بن ميسرة مولى الملامس الحضرميّ كان فقيها عفيفا شريفا، ولد سنة عشر ومائة، وكان أوّل الناس إقراء بمصر بحرف نافع قبل الخمسين ومائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة، وذكر عن أبي قبيل وغيره أن يزيد بن أبي حبيب أوّل من نشر العلم بمصر في الحلال والحرام، وفي رواية ابن يونس ومسائل الفقه، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدّثون في الفتن والترغيب. وعن عون بن سليمان الحضرميّ قال: كان عمر بن عبد العزيز قد جعل الفتيا بمصر إلى ثلاثة رجال، رجلان من الموالي ورجل من العرب، فأما العربيّ فجعفر بن ربيعة، وأما الموليان فيزيد بن
стр. 1480
أبي حبيب، وعبد اللّه بن أبي جعفر. فكان العرب انكروا ذلك، فقال عمر بن عبد العزيز:
ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون. وعن ابن أبي قديد كانت البيعة إذا جاءت للخليفة أوّل من يبايع عبد اللّه بن أبي جعفر ويزيد بن أبي حبيب ثم الناس بعد. وقال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر عن حيوة بن شريح قال: دخلت على حسين بن شفي بن مانع الأصبحيّ وهو يقول: فعل اللّه بفلان. فقلت: ما له؟ فقال: عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄، أحدهما قضى رسول اللّه ﷺ في كذا، وقال رسول اللّه ﷺ كذا، والآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب. قال أبو سعيد بن يونس: يعني بقوله الخولة والرباب مركبين كبيرين من سفن الجسر كانا يكونان عند رأس الجسر مما يلي الفسطاط يجوز من تحتهما لكبرهما المراكب. وذكر أبو عمرو الكنديّ أن أبا سعيد عثمان بن عتيق مولى غافق، أوّل من رحل من أهل مصر إلى العراق في طلب الحديث، توفي سنة أربع وثمانين ومائة انتهى. وكان حال أهل الإسلام من أهل مصر وغيرها من الأمصار في أحكام الشريعة على ما تقدّم ذكره، ثم كثر الترحل إلى الآفاق وتداخل الناس والتقوا وانتدب أقوام لجمع الحديث النبويّ وتقييده، فكان أوّل من دوّن العلم محمد بن شهاب الزهريّ، وكان أوّل من صنف وبوّب سعيد بن عروبة والربيع بن صبيح بالبصرة، ومعمر بن راشد باليمن، وابن جريج بمكة، ثم سفيات الثوريّ بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، والوليد بن مسلم بالشام، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وعبد اللّه بن المبارك بمرو وخراسان، وهشيم بن بشير بواسط، وتفرّد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة التصنيف وحسن التأليف، فوصلت أحاديث رسول اللّه ﷺ من البلاد البعيدة إلى من لم تكن عنده، وقامت الحجة على من بلغه شيء منها، وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأوّلة من الأحاديث، وعرف الصحيح من السقيم، وزيف الاجتهاد المؤدّي إلى خلاف كلام رسول اللّه ﷺ ، وإلى ترك عمله، وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغه إليه، وقيام الحجة عليه، وعلى هذا الطريق كان الصحابة ﵃ وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الواحدة الأيام الكثيرة، يعرف ذلك من نظر في كتب الحديث، وعرف سير الصحابة والتابعين. فلما قام هارون الرشيد في الخلافة، وولى القضاء أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم أحد أصحاب أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى بعد سنة سبعين ومائة، فلم يقلد ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر إلاّ من أشار به القاضي أبو يوسف ﵀، واعتنى به، وكذلك لما قام بالأندلس الحكم المرتضى بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بعد أبيه، وتلقب بالمنتصر في سنة ثمانين ومائة، اختص بيحيى بن يحيى بن كثير الأندلسيّ، وكان قد حج وسمع الموطأ من مالك إلاّ أبوابا، وحمل عن ابن وهب وعن ابن القاسم وغيره علما كثيرا
стр. 1481
وعاد إلى الأندلس، فنال من الرياسة والحرمة ما لم ينله غيره، وعادت الفتيا إليه وانتهى السلطان والعامّة إلى بابه، فلم يقلد في سائر أعمال الأندلس قاض إلاّ بإشارته واعتنائه، فصاروا على رأي مالك بعد ما كانوا على رأي الأوزاعيّ، وقد كان مذهب الإمام مالك أدخله إلى الأندلس زياد بن عبد الرحمن الذي يقال له بسطور، قبل يحيى بن يحيى، وهو أوّل من أدخل مذهب مالك الأندلس، وكانت إفريقية الغالب عليها السنن والآثار إلى أن قدم عبد اللّه بن فروج أبو محمد الفارسيّ بمذهب أبي حنيفة، ثم غلب أسد بن الفرات بن سنان قاضي افريقية بمذهب أبي حنيفة، ثم لما ولي سحنون بن سعيد التنوخيّ قضاء افريقية، بعد ذلك نشر فيهم مذهب مالك وصار القضاء في أصحاب سحنون دولا يتصاولون على الدنيا تصاول الفحول على الشول إلى أن تولى القضاء بها بنو هاشم، وكانوا مالكية، فتوارثوا القضاء كما تتوارث الضياع.
ثم إن المعز بن باديس حمل جميع أهل إفريقية على التمسك بمذهب مالك وترك ما عداه من المذاهب، فرجع أهل إفريقية وأهل الأندلس كلهم إلى مذهب مالك إلى اليوم، رغبة فيما عند السلطان، وحرصا على طلب الدنيا، إذ كان القضاء والافتاء جميع تلك المدن وسائر القرى لا يكون إلاّ لمن تسمى بالفقه على مذهب مالك، فاضطرّت العامّة إلى أحكامهم وفتاواهم، ففشا هذا المذهب هناك فشوّا طبق تلك الأقطار، كما فشا مذهب أبي حنيفة ببلاد المشرق، حيث أن أبا حامد الاسفراينيّ لما تمكن من الدولة في أيام الخليفة القادر بالله أبي العباس أحمد، قرّر معه استخلاف أبي العباس أحمد بن محمد البارزيّ الشافعيّ عن أبي محمد بن الأكفانيّ الحنفيّ قاضي بغداد، فأجيب إليه بغير رضى الأكفانيّ وكتب أبو حامد إلى السلطان محمود بن سبكتكين وأهل خراسان أن الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشافعية، فاشتهر ذلك بخراسان وصار أهل بغداد حزبين، وقدم بعد ذلك أبو العلاء صاعد بن محمد قاضي نيسابور ورئيس الحنفية بخراسان، فأتاه الحنفية فثارت بينهم وبين أصحاب أبي حامد فتنة ارتفع أمرها إلى السلطان، فجمع الخليفة القادر الأشراف والقضاة وأخرج إليهم رسالة تتضمن: أن الاسفراينيّ أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النصح والشفقة والأمانة، وكانت على أصول الدخل والخيانة، فلما تبين له أمره ووضح عنده خبث اعتقاده فيما سأل فيه من تقليد البارزيّ الحكم بالحضرة من الفساد والفتنة والعدول بأمير المؤمنين عما كان عليه أسلافه من إيثار الحنفية وتقليدهم واستعمالهم، صرف البارزيّ وأعاد الأمر إلى حقه وأجراه على قديم رسمه، وحمل الحنفيين على ما كانوا عليه من العناية والكرامة والحرمة والإعزاز، وتقدّم إليهم بأن لا يلقوا أبا حامد ولا يقضوا له حقا ولا يردّوا عليه سلاما، وحلع على أبي محمد الأكفانيّ، وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة، وظهر التسخط عليه والانحراف عنه وذلك في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة واتصل ببلاد الشام ومصر.
стр. 1482
أوّل من قدم بعلم مالك: إلى مصر عبد الرحيم بن خالد بن يزيد بن يحيى مولى جمح، وكان فقيها روى عنه الليث وابن وهب ورشيد بن سعد، وتوفي بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة، ثم نشره بمصر عبد الرحمن بن القاسم، فاشتهر مذهب مالك بمصر أكثر من مذهب أبي حنيفة لتوفر اصحاب مالك بمصر، ولم يكن مذهب أبي حنيفة ﵀ يعرف بمصر. قال ابن يونس: وقدم إسماعيل بن اليسع الكوفيّ قاضيا بعد ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر وسئموه، ولم يزل مذهب مالك مشتهرا بمصر حتى قدم الشافعيّ محمد بن ادريس إلى مصر مع عبد اللّه بن العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في سنة ثمان وتسعين ومائة، فصحبه من أهل مصر جماعة من أعيانها كبني عبد الحكم والربيع بن سليمان وأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وأبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطيّ، وكتبوا عن الشافعيّ ما ألفه، وعملوا بما ذهب إليه، ولم يزل أمر مذهبه يقوى بمصر وذكره ينتشر.
قال أبو عمرو الكنديّ في كتاب أمراء مصر: ولم يزل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث وخمسين ومائتين. قال: ومنع أرجون صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع، وأمر الحسين بن الربيع إمام المسجد الجامع بتركها، وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ومائتين، ولم يزل أهل مصر على الجهر بها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجون.
قال: وأمر أن تصلّى التراويح في شهر رمضان خمس تراويح، ولم يزل أهل مصر يصلون ست تراويح حتى جعلها أرجون خمسا في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ومنع من التثويب، وأمر بالأذان يوم الجمعة في مؤخر المسجد، وأمر بالتغليس بصلاة الصبح، وذلك أنهم أسفروا بها، وما زال مذهب مالك ومذهب الشافعيّ رحمهما اللّه تعالى يعمل بهما أهل مصر، ويولى القضاء من كان يذهب إليهما أو إلى مذهب أبي حنيفة ﵀، إلى أن القائد جوهر من بلاد إفريقية في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بجيوش مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ وبنى مدينة القاهرة.
فمن حينئذ فشا بديار مصر مذهب الشيعة وعمل به في القضاء والفتيا وأنكر ما خالفه، ولم يبق مذهب سواه، وقد كان التشيع بأرض مصر معروفا قبل ذلك. قال أبو عمرو الكنديّ في كتاب الموالي عن عبد اللّه بن لهيعة أنه قال: قال يزيد بن أبي حبيب: نشأت بمصر وهي علوية، فقلبتها عثمانية. وكان ابتداء التشيع في الإسلام أن رجلا من اليهود في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أسلم، فقيل له عبد اللّه بن سبأ، وعرف بابن
стр. 1483
السوداء، وصار ينتقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم، فلم يطق ذلك فرجع إلى كيد الإسلام وأهله، ونزل البصرة في سنة ثلاث وثلاثين فجعل يطرح على أهلها مسائل ولا يصرّح، فأقبل عليه جماعة ومالوا إليه وأعجبوا بقوله، فبلغ ذلك عبد اللّه بن عامر وهو يومئذ على البصرة، فأرسل إليه فلما حضر عنده سأله ما أنت فقال رجل من أهل الكتاب رغبت في الإسلام وفي جوارك. فقال ما شيء بلغني عنك، أخرج عني. فخرج حتى نزل الكوفة، فأخرج منها فسار إلى مصر واستقرّ بها وقال في الناس العجب ممن يصدّق أن عيسى يرجع ويكذب أن محمدا يرجع، وتحدّث في الرجعة حتى قبلت منه، فقال بعد ذلك:
أنه كان لكل نبيّ وصيّ، وعليّ بن أبي طالب وصيّ محمد ﷺ ، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول اللّه ﷺ في أن علي بن أبي طالب وصيه في الخلافة على أمّته، واعلموا أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر وابدؤوا بالطعن على أمرائكم، فأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس، وبث دعاته وكاتب من مال إليه من أهل الأمصار وكاتبوه ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وصاروا يكتبون إلى الأمصار كتبا يضعونها في عيب ولاتهم، فيكتب أهل كل مصر منهم إلى أهل المصر الآخر بما يضعون حتى ملوا بذلك الأرض إذاعة، وجاء إلى أهل المدينة من جميع الأمصار، فأتوا عثمان ﵁ في سنة خمسة وثلاثين وأعلموه ما أرسل به أهل الأمصار من شكوى عمالهم، فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمار بن ياسر إلى مصر، وعبد اللّه بن عمر إلى الشام، لكشف سير العمال. فرجعوا إلى عثمان إلاّ عمارا وقالوا: ما أنكرنا شيئا. وتأخر عمار فورد الخبر إلى المدينة بأنه قد استماله عبد اللّه ابن السوداء في جماعة، فأمر عثمان عماله أن يوافوه بالموسم، فقدموا عليه واستشاروه، فكلّ أشار برأي، ثم قدم المدينة بعد الموسم فكان بينه وبين عليّ بن أبي طالب كلام فيه بعض الجفاء بسبب إعطائه أقاربه ورفعه لهم على من سواهم، وكان المنحرفون عن عثمان قد تواعدوا يوما يخرجون فيه بأمصارهم إذ سار عنها الأمراء، فلم يتهيأ لهم الوثوب، وعند ما رجع الأمراء من الموسم تكاتب المخالفون في القدوم إلى المدينة لينظروا فيما يريدون، وكان أمير مصر من قبل عثمان ﵁، عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامريّ، فلما خرج في شهر رجب من مصر في سنة خمس وثلاثين استخلف بعده عقبة بن عامر الجهنيّ في قول الليث بن سعد. وقال يزيد بن أبي حبيب: بل استخلف على مصر السائب بن هشام العامريّ وجعل على الخراج سليم بن عنز التجيبيّ، فانتزى محمد بن أبي حذيفة بن عتية بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف في شوّال من السنة المذكورة، وأخرج عقبة بن عامر من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان ﵁، واسعر البلاد وحرّض على عثمان بكلّ شيء يقدر عليه، فكان يكتب الكتب على لسان أزواج رسول اللّه ﷺ ، ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالا على ظهور البيوت ووجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم
стр. 1484
تلويح المسافر، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة بمصر، ثم يرسلون رسلا يخبرون بهم الناس ليلقوهم، وقد أمرهم إذا لقيهم الناس أن يقولوا ليس عندنا خبر الخبر في الكتب، فيجيء رسول أولئك الذين دس فيذكر مكانهم فيتلقاهم ابن أبي حذيفة والناس يقولون:
نتلقى رسل أزواج رسول اللّه ﷺ ، فإذا لقوهم قالوا لهم ما الخبر؟ قالوا: لا خبر عندنا، عليكم بالمسجد ليقرأ عليكم كتاب أزواج النبي ﷺ ، فيجتمع الناس في المسجد اجتماعا ليس فيه تقصير، ثم يقوم القارئ بالكتاب فيقول: إنا نشكو إلى اللّه وإليكم ما عمل في الإسلام وما صنع في الإسلام، فيقوم أولئك الشيوخ من نواحي المسجد بالبكاء فيبكون، ثم ينزل عن المنبر ويتفرّق الناس بما قريء عليهم.
فلما رأت ذلك شيعة عثمان ﵁ اعتزلوا محمد بن أبي حذيقة ونابذوه، وهم معاوية بن خديج، وخارجة بن حذاقة، وبسر بن أرطاة، ومسلمة بن مخلد، وعمرو بن قحزم الخولانيّ، ومقسم بن بجرة، وحمزة بن سرح بن كلال، وأبو الكنود سعد بن مالك الأزديّ، وخالد بن ثابت الفهميّ، في جمع كثير وبعثوا سلمة بن مخزمة التجيبيّ إلى عثمان ليخبره بأمرهم وبصنيع ابن أبي حذيفة، فبعث عثمان ﵁ سعد بن أبي وقاص ليصلح أمرهم، فبلغ ذلك ابن أبي حذيفة فخطب الناس وقال: ألا إن الكذا والكذا قد بعث إليكم سعد بن مالك ليقلّ جماعتكم ويشتت كلمتكم ويوقع التجادل بينكم، فانفروا إليه، فخرج منهم مائة أو نحوها، وقد ضرب فسطاطه وهو قائل:
فقلبوا عليه فسطاطه وشجوه وسبوه، فركب راحلته وعاد راجعا من حيث جاء. وقال:
ضربكم اللّه بالذلّ والفرقة، وشتت أمركم، وجعل بأسكم بينكم، ولا أرضاكم بأمير، ولا أرضاه عنكم. وأقبل عبد اللّه بن سعد حتى بلغ جسر القلزم، فإذا بخيل لابن أبي حذيفة، فمنعوه أن يدخل فقال: ويلكم دعوني أدخل على جندي فأعلمهم بما جئت به، فإني قد جئتهم بخير. فأبوا أن يدعوه فقال: واللّه لوددت أني دخلت عليهم وأعلمتهم بما جئت به ثم مت، فانصرف إلى عسقلان. وأجمع محمد بن أبي حذيفة على بعث جيش إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فقال: من يتشرّط في هذا البعث؟ فكثر عليه من يشترط. فقال: إنما يكفينا منكم ستمائة رجل، فشرّط من أهل مصر ستمائة رجل على كل مائة منهم رئيس وعلى جماعتهم عبد الرحمن بن عديس البلويّ، وهم كنانة بن بشر بن سليمان التجيبيّ، وعروة بن سليم الليثيّ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، وسودان بن ريان الأصبحيّ، وذرع بن يشكر النافعيّ، وسجن رجال من أهل مصر في دورهم منهم: فلما بلغ ذلك كنانة بن بشر وكان رأس الشيعة الأولى، دفع عن معاوية ما كره، ثم قتل عثمان ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فدخل الركب إلى مصر وهم يرتجزون:
стр. 1485
خذها إليك وأحذرنّ أبا الحسن
إنا نمرّ الحرب إمرار الوسن
بالسيف كي تخمد نيران الفتن
فلما دخلوا المسجد صاحوا إنا لسنا قتلة عثمان ولكن اللّه قتله. فلما رأى ذلك شيعة عثمان قاموا وعقدوا لمعاوية بن خديج عليهم وبايعوه على الطلب بدم عثمان، فسار بهم معاوية إلى الصعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة فالتقوا بدقناس من كورة البهنسا فهزم أصحاب ابن أبي حذيفة، ومضى معاوية حتى بلغ برقة، ثم رجع إلى الاسكندرية فبعث ابن أبي حذيفة بحيش آخر عليهم قيس بن حرمل فاقتتلوا بخربتا أوّل شهر رمضان سنة ست وثلاثين، فقتل قيس وسار معاوية بن أبي سفيان إلى مصر، فنزل سلمنت من كورة عين شمس في شوّال، فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر، فمنعوه أن يدخلها، فبعث إليه معاوية إنّا لا نريد قتال أحد إنما جئنا نسأل القود لعثمان، ادفعوا إلينا قاتليه عبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر، وهما رأس القوم، فامتنع ابن أبي حذيفة وقال لو طلبت منا جديا أرطب السرة بعثمان ما دفعناه إليك. فقال معاوية بن أبي سفيان لابن أبي حذيفة: اجعل بيننا وبينكم رهنا، فلا يكون بيننا وبينكم حرب. فقال ابن أبي حذيفة: فإني أرضى بذلك، فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصلت بن مخرمة وخرج في الرهن، هو وابن عيسى. وكنانة بن بشر وأبو شمر بن أبرهة وغيرهم من قتلة عثمان، فلما بلغوا لدّ سجنهم بها معاوية وسار إلى دمشق، فهربوا من السجن، غير أبي شمر بن أبرهة فإنه قال:
لا أدخله أسيرا وأخرج منه آبقا، وتبعهم صاحب فلسطين فقتلهم، واتبع عبد الرحمن بن عديس رجل من الفرس فقال له عبد الرحمن بن عديس: اتق اللّه في دمي فإني بايعت النبيّ ﷺ تحت الشجرة، فقال له: الشجر في الصحراء كثير فقتله.
وقال محمد بن أبي حذيفة في الليلة التي قتل في صباحها عثمان: فإن يكن القصاص لعثمان فسنقتل من الغد، فقتل من الغد، وكان قتل ابن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر ومن كان معهم من الرهن في ذي الحجة سنة ست وثلاثين. فلما بلغ عليّ بن أبي طالب ﵁ مصاب بن أبي حذيفة، بعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ على مصر وجمع له الخراج والصلاة، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين، واستمال الخارجية بخربتا ودفع إليهم أعطياتهم، ووفد عليه وفدهم فأكرمهم وأحسن إليهم، ومصر يومئذ من جيش عليّ ﵁ إلاّ أهل خربتا الخارجين بها. فلما ولي علي ﵁ قيس بن سعد، وكان من ذوي الرأي، جهد معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فامتنع عليهما بالدهاء والمكايدة، فلم يقدرا على أن يلجأ مصر حتى كان معاوية قيسا من قبل عليّ ﵁، فكان معاوية يحدّث رجالا من ذوي رأي قريش فيقول: ما ابتدعت من مكايدة قط أعجب إليّ من مكايدة كدت بها قيس بن سعد حين امتنع مني، قلت لأهل الشام لا تسبوا قيسا ولا
стр. 1486
تدعوا إلى غزوة، فإن قيسا لنا شيعة تأتينا كتبه ونصيحته سرّا، ألا ترون ما ذا يفعل بإخوانكم النازلين عنده بخربتا يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويؤمّن سربهم ويحسن إلى كل راكب يأتيه منهم. قال معاوية: وطفقت أكتب بذلك إلى شيعتي من أهل العراق، فسمع بذلك جواسيس عليّ بالعراق فأنهاه إليه محمد بن أبي بكر، وعبد اللّه بن جعفر، فاتّهم قيسا فكتب إليه يأمره بقتال أهل خربتا، وبخربتا يومئذ عشرة آلاف، فأبى قيس أن يقاتلهم وكتب إلى عليّ ﵁ أنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم، وأهل الحفاظ منهم، وقد رضوا مني بأن أو من سربهم واجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، وقد علمت أن هواهم مع معاوية، فلست بكائدهم بأمر أهون عليّ وعليك من الذي أفعل بهم، وهم أسود العرب، منهم بسر بن أرطاة، وسلمة بن مخلد، ومعاوية بن خديج. فأبى عليه إلاّ قتالهم، فأبى قيس أن يقاتلهم. وكتب إلى عليّ ﵁، إن كنت تهتمني فاعزلني وابعث غيري. وكتب معاوية ﵁ إلى بعض بني أمية بالمدينة: أن جرى اللّه قيس بن سعد خيرا فإنه قد كف عن إخواننا من أهل مصر الذين قاتلوا في دم عثمان، واكتموا ذلك فإنني أخاف أن يعزله علي إن بلغه ما بينه وبين شيعتنا، حتى بلغ عليا ﵁ ذلك فقال: من معه من رؤساء أهل العراق وأهل المدينة بدّل قيس وتحوّل. فقال عليّ ويحكم إنه لم يفعل فدعوني. قالوا:
لتعزلنه، فإنه قد بدّل. فلم يزالوا به حتى كتب إليه إني قد احتجت إلى قربك، فاستخلف على عملك واقدم. فلما قرأ الكتاب قال: هذا من مكر معاوية، ولولا الكذب لمكرت به مكرا يدخل عليه بيته، فوليها قيس بن سعد إلى أن عزل عنها أربعة أشهر وخمسة أيام، وصرف لخمس خلون من رجب سنة سبع وثلاثين، ثم وليها الاشتر مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعيّ من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، وذلك أن عبد اللّه بن جعفر كان إذا أراد أن لا يمنعه عليّ شيئا قال له بحق جعفر. فقال له أسألك بحق جعفر الا بعثت الاشتر إلى مصر، فإن ظهرت فهو الذي تحب وإلاّ استرحت منه. ويقال:
كان الأشتر قد ثقل على عليّ ﵁ وأبغضه وقلاه فولاه وبعثه، فلما قدم مصر لقي بما يلقي العمال به هناك، فشرب شربة عسل فمات. فلما أخبر عليّ بذلك قال لليدين وللفم، وسمع عمرو بن العاص بموت الأشتر فقال: إن للّه جنودا من عسل. أو قال إنّ للّه جنودا من العسل.
ثم وليها محمد بن أبي بكر الصدّيق من قبل عليّ ﵃، وجمع له صلاتها وخراجها، فدخلها للنصف من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين، فلقيه قيس بن سعد فقال له:
إنه لا يمنعني نصحي لك عزله إيايّ، ولقد عزلني عن غير وهن ولا عجز، فاحفظ ما أوصيك به. يدم صلاح حالك: دع معاوية بن خديج ومسلمة بن مخلد وبسر بن أرطاة ومن ضوى إليهم على ما هم عليه، لا تكفهم عن رأيهم، فإن أتوك ولم يفعلوا فاقبلهم، وإن تخلفوا عنك فلا تطلبهم، وانظر هذا الحيّ من مضر، فأنت أولى بهم مني، فألن لهم
стр. 1487
جناحك وقرّب عليهم مكانك وارفع عنهم حجابك، وانظر هذا الحيّ من مدلج، فدعهم وما غلبوا عليه يكفوا عنك شأنهم، وأنزل الناس من بعد على قدر منازلهم، فإن استطعت أن تعود المرضى وتشهد الجنائز فافعل، فإنّ هذا لا ينقصك ولن تفعل، إنك واللّه ما علمت لتظهر الخيلاء وتحب الرياسة وتسارع إلى ما هو ساقط عنك، واللّه موفقك. فعمل محمد بخلاف ما أوصاه به قيس، فبعث إلى ابن خديج والخارجة معه يدعوهم إلى بيعته، فلم يجيبوه. فبعث إلى دور الخارجة فهدمها ونهب أموالهم وسجن ذراريهم فنصبوا له الحرب وهموا بالنهوض إليه. فلما علم أنه لا قوّة له بهم أمسك عنهم ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية، وأن ينصب لهم جسر انتقيوس يجوزون عليه ولا يدخلون الفسطاط، ففعلوا ولحقوا بمعاوية.
فلما أجمع عليّ ﵁ ومعاوية على الحكمين أغفل عليّ أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر. فلما انصرف عليّ إلى العراق بعث معاوية ﵁ عمرو بن العاص ﵁ في جيوش أهل الشام إلى مصر، فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم فيه أهل مصر، ودخل عمرو بأهل الشام الفسطاط، وتغيب محمد بن أبي بكر، فأقبل معاوية بن خديج في رهط ممن يعينه على من كان يمشي في قتل عثمان، وطلب ابن أبي بكر فدلتهم عليه امرأة. فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن خديج: قتلت ثمانين رجلا من قومي في عثمان، وأتركك وأنت صاحبه؟ فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميت، فأحرقه بالنار، فكانت ولاية محمد بن أبي بكر خمسة أشهر، ومقتله لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان وثلاثين. ثم ولي عمرو بن العاص مصر من بعده، فاستقبل بولايته هذه الثانية شهر ربيع الأوّل، وجعل إليه الصلاة والخراج، وكانت مصر قد جعلها معاوية له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة على مصلحتها، ثم خرج إلى الحكومة واستخلف على مصر ابنه عبد اللّه بن عمرو، وقتل خارجة بن حذافة ورجع عمرو إلى مصر فأقام بها، وتعاقد بنو ملجم عبد الرحمن وقيس ويزيد على قتل عليّ ﵁ وعمرو ومعاوية ﵄، وتواعدوا على ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كل منهم إلى صاحبه، فلما قتل عليّ بن أبي طالب ﵁ واستقرّ الأمر لمعاوية كانت مصر جندها وأهل شوكتها عثمانية، وكثير من أهلها علوية. فلما مات معاوية ومات ابنه يزيد بن معاوية كان على مصر سعيد بن يزيد الأزديّ على صلاتها، فلم يزل أهل مصر على الشنان له، والإعراض عنه، والتكبر عليه، منذ ولاه يزيد بن معاوية حتى مات يزيد في سنة أربع وستين. ودعا عبد اللّه بن الزبير إلى نفسه، فقامت الخوارج بمصر في أمره، وأظهروا دعوته كانوا يحسبونه على مذهبهم، وأوفدوا منهم وفدا إليه، فسار منهم نحو الألفين من مصر وسألوه أن يبعث إليهم بأمير يقومون معه ويوازرونه، وكان كريب بن أبرهة الصباح وغيره من أشراف مصر يقولون: ما ذا نرى من العجب أن هذه الطائفة المكتتمة تأمر فينا وتنهي ونحن لا نستطيع أن
стр. 1488
نردّ أمرهم، ولحق بابن الزبير ناس كثير من أهل مصر، وكان أوّل من قدم مصر برأي الخوارج حجر بن الحارث بن قيس المذحجيّ، وقيل حجر بن عمرو، ويكنى بأبي الورد، وشهد مع عليّ صفين، ثم صار من الخوارج وحضر مع الحرورية النهروان، فخرج وصار إلى مصر برأي الخوارج وأقام بها حتى خرج منها إلى ابن الزبير في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاريّ على مصر. فلما مات يزيد بن معاوية وبويع ابن الزبير بعده بالخلافة، بعث إلى مصر بعبد الرحمن بن جحدم الفهريّ، فقدمها في طائفة من الخوارج فوثبوا على سعيد بن يزيد فاعتزلهم، واستمرّ ابن جحدم، وكثرت الخوارج بمصر منها وممن قدم من مكة، فأظهروا في مصر التحكيم ودعوا إليه، فاستعظم الجند ذلك وبايعه الناس على غلّ في قلوب ناس من شيعة بني أمية، منهم كريب بن أبرهة، ومقسم بن بجرة، وزياد بن حناطة التجيبيّ، وعابس بن سعيد وغيرهم، فصار أهل مصر حينئذ ثلاث طوائف، علوية وعثمانية وخوارج. فلما بويع مروان بن الحكم بالشام في ذي القعدة سنة أربع وستين كانت شيعته من أهل مصر مع ابن جحدم، فكاتبوه سرّا حتى أتى مصر في أشراف كثيرة، وبعث ابنه عبد العزيز بن مروان في جيش إلى إيلة ليدخل من هناك مصر، وأجمع ابن جحدم على حربه ومنعه، فحفر الخندق في شهر، وهو الخندق الذي بالقرافة، وبعث بمراكب في البحر ليخالف إلى عيالات أهل الشام، وقطع بعثا في البرّ وجهز جيشا آخر إلى إيلة لمنع عبد العزيز من المسير منها، فغرقت المراكب ونجا بعضها وانهزمت الجيوش ونزل مروان عين شمس، فخرج إليه ابن جحدم في أهل مصر، فتحاربوا واستجرّ القتل فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم إن كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد وزياد بن حناطة وعبد الرحمن بن موهب المغافريّ دخلوا في الصلح بين أهل مصر وبين مروان، فتم ودخل مروان إلى الفسطاط لغرّة جمادى الأولى سنة خمس وستين، فكانت ولاية ابن جحدم تسعة أشهر، ووضع العطاء فبايعه الناس إلاّ نفرا من المغافر قالوا لا نخلع بيعة ابن الزبير، فقتل منهم ثمانين رجلا، قدّمهم رجلا رجلا فضرب أعناقهم وهم يقولون إنا قد بايعنا ابن الزبير طائعين، فلم نكن لننكث بيعته، وضرب عنق الأكدر بن حمام بن عامر سيد لخم وشيخها، وحضر هو وأبوه فتح مصر، وكانا ممن ثار إلى عثمان ﵁، فتنادى الجند قتل الأكدر، فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه، فحضر باب مروان منهم زيادة على ثلاثين ألفا، وخشي مروان وأغلق بابه حتى أتاه كريب بن أبرهة وألقى عليه رداءه وقال للجند: انصرفوا أنا له جار، فما عطف أحد منهم وانصرفوا إلى منازلهم، وكان للنصف من جمادى الآخرة، ويومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان، ومن حينئذ غلبت العثمانية على مصر فتظاهروا فيها بسب عليّ ﵁، وانكفت السنة العلوية والخوارج.
فلما كانت ولاية قرّة بن شريك العبسيّ على مصر من قبل الوليد بن عبد الملك في
стр. 1489
سنة تسعين، خرج إلى الإسكندرية في سنة إحدى وتسعين، فتعاقدت السراة من الخوارج بالإسكندرية على الفتك به، وكانت عدّتهم نحوا من مائة، فعقدوا لرئيسهم المهاجر بن أبي المثنى التجيبيّ، أحد بني (١) فهم عليهم عند منارة الإسكندرية وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان، فبلغ قرّة ما عزموا عليه، فأتى لهم قبل أن يتفرّقوا فأمر بحبسهم في أصل منارة الإسكندرية، وأحضر قرّة وجوه الجند فسألهم فأقرّوا فقتلهم، ومضى رجل ممن كان يرى رأيهم إلى أبي سليمان فقتله، فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلم بشيء فيه تقية من السلطان تلفت وقال: احذروا أبا سليمان، ثم قال الناس كلهم من ذلك اليوم أبو سليمان. فلما قام عبد اللّه بن يحيى الملقب بطالب الحق في الحجاز على مروان بن محمد الجعديّ، قدم إلى مصر داعيته ودعا الناس فبايع له ناس من تجيب وغيرهم، فبلغ ذلك حسان بن عتاهية صاحب الشرطة فاستخرجهم، فقتلهم حوثرة بن سهيل الباهليّ أمير مصر من قبل مروان بن محمد، فلما قتل مروان وانقضت أيام بني أمية ببني العباس في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، خمدت جمرة أصحاب المذهب المروانيّ وهم الذين كانوا يسبون عليّ بن أبي طالب ويتبرّؤون منه، وصاروا منذ ظهر بنو العباس يخافون القتل ويخشون أن يطلع عليهم أحد إلاّ طائفة كانت بناحية الواحات وغيرها، فإنهم أقاموا على مذهب المروانية دهرا حتى فنوا، ولم يبق لهم الآن بديار مصر وجود البتة.
فلما كان في إمارة حميد بن قحطبة على مصر من قبل أبي جعفر المنصور، قدم إلى مصر عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب داعية لأبيه وعمه، فذكر ذلك لحميد فقال: هذا كذب، ودسّ إليه أن تغيّب، ثم بعث إليه من الغد فلم يجده، فكتب بذلك إلى أبي جعفر المنصور فعزل حميدا وسخط عليه في ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة، وولى يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، فظهرت دعوة بني حسن بن عليّ بمصر، وتكلم الناس بها وبايع كثير منهم لعليّ بن محمد بن عبد اللّه، وهو أوّل علويّ قدم مصر، وقام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصدفيّ، وكان جدّه ربيعة بن حبيش من خاصة عليّ بن أبي طالب وشيعته، وحضر الدار في قتل عثمان ﵁، فاستشار خالد أصحابه الذين بايعوا له، فأشار عليهم بعضهم أن يبيت يزيد بن حاتم في العسكر، وكان الأمراء قد صاروا منذ قدمت عساكر بني العباس ينزلون في العسكر الذي بني خارج الفسطاط من شماليه، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، وأشار عليه آخرون أن لا يحوز بيت المال، وأن يكون خروجهم في الجامع، فكره خالد أن يبيت يزيد بن حاتم، وخشي على اليمانية، وخرج منهم رجل قد شهد أمرهم حتى أتى إلى عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج وهو يومئذ على الفسطاط، فخبّره أنهم
стр. 1490
الليلة يخرجون، فمضى عبد اللّه إلى يزيد بن حاتم وهو بالعسكر، فكان من أمرهم ما كان لعشر من شوّال سنة خمس وأربعين ومائة، فانهزموا. ثم قدمت الخطباء برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين في ذي الحجة من السنة المذكورة إلى مصر ونصبوه في المسجد الجامع، وقامت الخطباء فذكروا أمره، وحمل عليّ بن محمد إلى أبي جعفر المنصور وقيل إنه اختفى عند عسامة بن عمرو بقرية طره، فمرض بها ومات فقبر هناك، وحمل عسامة إلى العراق فحبس إلى أن ردّه المهديّ محمد بن أبي جعفر إلى مصر، وما زالت شيعة عليّ بمصر إلى أن ورد كتاب المتوكل على اللّه إلى مصر يأمر فيه بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق، فأخرجهم إسحاق بن يحيى الختليّ أمير مصر وفرّق فيهم الأموال ليتجملوا بها، وأعطى كل رجل ثلاثين دينارا، والمرأة خمسة عشر دينارا، فخرجوا لعشر خلون من رجب سنة ست وثلاثين ومائتين، وقدموا العراق فأخرجوا إلى المدينة في شوّال منها، واستتر من كان بمصر على رأي العلوية، حتى أن يزيد بن عبد اللّه أمير مصر ضرب رجلا من الجند في شيء وجب عليه فأقسم عليه بحق الحسن والحسين إلا عفا عنه، فزاده ثلاثين درة، ورفع ذلك صاحب البريد إلى المتوكل، فورد الكتاب على يزيد بضرب ذلك الجنديّ مائة سوط، فضربها وحمل بعد ذلك إلى العراق في شوّال سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وتتبع يزيد الروافض فحملهم إلى العراق، ودل في شعبان على رجل يقال له محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أنه بويع له، فأحرق الموضع الذي كان به وأخذه فأقرّ على جمع من الناس بايعوه، فضرب بعضهم بالسياط، وأخرج العلوي هو وجمع من آل أبي طالب إلى العراق في شهر رمضان.
ومات المتوكل في شوّال، فقام من بعده ابنه محمد المستنصر، فورد كتابه إلى مصر بأن لا يقبل علويّ ضيعة، ولا يركب فرسا، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلاّ العبد الواحد، ومن كان بينه وبين أحد من الطالبيين خصومة من سائر الناس قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة، وكتب إلى العمال بذلك، ومات المستنصر في ربيع الآخر، وقام المستعين، فأخرج يزيد ستة رجال من الطالبيين إلى العراق في رمضان سنة خمسين ومائتين، ثم أخرج ثمانية منهم في رجب سنة إحدى وخمسين، وخرج جابر بن الوليد المدلجيّ بأرض الإسكندرية في ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين، واجتمع إليه كثير من بني مدلج فبعث إليه محمد بن عبيد اللّه بن يزيد بجيش من الإسكندرية فهزمهم وظفر بما معهم، وقوي أمره وأتاه الناس من كلّ ناحية، وضوى إليه كل من يومي إليه بشدّة ونجدة، فكان ممن أتاه عبد اللّه المريسيّ وكان لصا خبيثا، ولحق به جريج النصرانيّ وكان من شرار النصارى. وأولي بأسهم، ولحق به أبو حرملة فرج النوبيّ وكان فاتكا فعقد له جابر على سنهور وسخا وشرقيون وبنا، فمضى أبو حرملة في جيش عظيم، فأخرج العمال وجبى الخراج ولحق به عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن
стр. 1491
محمد بن عبد اللّه بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الذي يقال له ابن الأرقط، فقوّده أبو حرملة وضم إليه الأعراب وولاه بنا وبوصير وسمنود، فبعث يزيد أمير مصر بجمع من الأتراك في جمادى الآخرة فقاتلهم ابن الأرقط وقتل منهم، ثم ثبتوا له فانهزم وقتل من أصحابه كثير وأسر منهم كثير، ولحق ابن الأرقط بأبي حرملة في شرقيون فصار إلى عسكر يزيد فانهزم أبو حرملة. وقدم مزاحم بن خاقان من العراق في جيش، فحارب أبا حرملة حتى أسر في رمضان، واستأمن ابن الأرقط، فأخذ وأخرج إلى العراق في ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين ومائتين ففرّ منهم، ثم ظفر به وحبس، ثم حمل إلى العراق في صفر سنة خمس وخمسين ومائتين بكتاب ورد على أحمد بن طولون، ومات أبو حرملة في السجن لأربع بقين من ربيع الآخر سنة ثلاث وخمسين، وأخذ جابر بعد حروب وحمل إلى العراق في رجب سنة أربع وخمسين، وخرج في إمرة أرجون التركيّ رجل من العلويين يقال له بغا الأكبر، وهو أحمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسين بن عليّ بالصعيد، فحاربه أصحاب أرجون وفرّ منهم فمات، ثم خرج بغا الأصغر وهو أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن طباطبا فيما بين الإسكندرية وبرقة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين، والأمير يومئذ أحمد بن طولون، وسار في جمع إلى الصعيد فقتل في الحرب وأتي برأسه إلى الفسطاط في شعبان وخرج ابن الصوفيّ العلويّ بالصعيد وهو إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، ودخل اسنا في ذي القعدة سنة خمس وخمسين، ونهبها وقتل أهلها، فبعث إليه ابن طولون بجيش فحاربوه فهزمهم في ربيع الأوّل سنة ست وخمسين بهو، فبعث ابن طولون إليه بجيش آخر فالتقيا بأخميم في ربيع الآخر فانهزم ابن الصوفيّ وترك جميع ما معه وقتلت رجالته، فأقام ابن الصوفيّ بالواح سنتين ثم خرج إلى الأشمونين في المحرّم سنة تسع وخمسين وسار إلى أسوان لمحاربة أبي عبد الرحمن العمريّ، فظفر به العمريّ وبجميع جيشه وقتل منهم مقتلة عظيمة، ولحق ابن الصوفيّ بأسوان فقطع لأهلها ثلاثمائة ألف نخلة، فبعث إليه ابن طولون بعثا فاضطرب أمره مع أصحابه فتركهم ومضى إلى عيذاب، فركب البحر إلى مكة فقبض عليه بها وحمل إلى ابن طولون فسجنه ثم أطلقه فصار إلى المدينة ومات بها.
وفي إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون أنكر رجل من أهل مصر أن يكون أحد خيّرا من أهل البيت، فوثبت إليه العامّة فضرب بالسياط يوم الجمعة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومائتين. وفي إمارة ذكا الأعور على مصر كتب على أبواب الجامع العتيق ذكر الصحابة والقرآن فرضيه جمع من الناس وكرهه آخرون، فاجتمع الناس في رمضان سنة خمس وثلاثمائة إلى دار ذكا يتشكرونه على ما أذن لهم فيه، فوثب الجند بالناس فنهب قوم وجرح آخرون ومحي ما كتب على أبواب الجامع، ونهب الناس في المسجد والأسواق، وأفطر الجند يومئذ وما زال أمر الشيعة يقوى بمصر إلى أن دخلت سنة خمسين
стр. 1492
وثلاثمائة، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية بسبب ذكر السلف والنوح، قتل فيها جماعة من الفريقين، وتعصب السودان على الرعية، فكانوا إذا لقوا أحدا قالوا له: من خالك؟ فإن لم يقل معاوية وإلاّ بطشوا به وشلحوه، ثم كثر القول معاوية خال عليّ، وكان على باب الجامع العتيق شيخان من العامّة يناديان في كل يوم جمعة في وجوه الناس من الخاص والعام، معاوية خالي وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، ورديف رسول اللّه ﷺ ، وكان هذا أحسن ما يقولونه، وإلاّ فقد كانوا يقولون معاوية خال عليّ من هاهنا، ويشيرون إلى أن أصل الإذن، ويلقون أبا جعفر مسلما الحسينيّ فيقولون له ذلك في وجهه، وكان بمصر أسود يصيح دائما معاوية خال عليّ، فقتل بتنيس أيام القائد جوهر.
ولما ورد الخبر بقيام بني حسن بمكة ومحاربتهم الحاج ونهبهم، خرج خلق من المصريين في شوّال فلقوا كافور الإخشيديّ بالميدان ظاهر مدينة مصر وضجوا وصاحوا معاوية خال عليّ، وسألوه أن يبعث لنصرة الحاج على الطالبيين. وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة أخذ رجل يعرف بابن أبي الليث الملطيّ ينسب إلى التشيع فضرب مائتي سوط ودرة، ثم ضرب في شوّال خمسمائة سوط ودرة، وجعل في عنقه غل وحبس وكان يتفقد في كلّ يوم لئلا يخفف عنه ويبصق في وجهه، فمات في محبسه فحمل ليلا ودفن، فمضت جماعة إلى قبره لينبشوه وبلغوا إلى القبر فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافورية، فأبوا وقالوا هذا قبر رافضيّ، فثارت فتنة وضرب جماعة ونهبوا كثيرا حتى تفرّق الناس.
وفي سنة ست وخمسين كتب في صفر على المساجد ذكر الصحابة والتفضيل، فأمر الأستاذ كافور الإخشيديّ بإزالته، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصحابة على المساجد فقال:
ما أحدث في أيامي ما لم يكن وما كان في أيام غيري فلا أزيله، وما كتب في أيامي أزيله، ثم أمر من طاف وأزاله من المساجد كلها. ولما دخل جوهر القائد بعساكر المعز لدين اللّه إلى مصر وبنى القاهرة أظهر مذهب الشيعة وأذن في جميع المساجد الجامعة وغيرها حيّ على خير العمل، وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره، وجهر بالصلاة عليه وعلى الحسن والحسين وفاطمة الزهراء رضوان اللّه عليهم، فشكا إليه جماعة من أهل المسجد الجامع أمر عجوز عمياء تنشد في الطريق، فأمر بها فحبست فسرّ الرعية بذلك ونادوا بذكر الصحابة ونادوا معاوية خال عليّ وخال المؤمنين، فأرسل جوهر حين بلغه ذلك رجلا إلى الجامع فنادى: أيها الناس أقلوا القول ودعوا الفضول، فإنما حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقن أحد إلاّ حلّت به العقوبة الموجعة، ثم أطلق العجوز.
وفي ربيع الأوّل سنة اثنتين وستين عزر سليمان بن عروة المحتسب جماعة من
стр. 1493
الصيارفة فشغبوا وصاحوا معاوية خال عليّ بن أبي طالب، فهمّ جوهر أن يحرق رحبة الصيارفة، لكن خشي على الجامع، وأمر الإمام بجامع مصر أن يجهر بالبسملة في الصلاة وكانوا لا يفعلون ذلك، وزيد في صلاة الجمعة القنوت في الركعة الثانية، وأمر في المواريث بالردّ على ذوي الأرحام، وأن لا يرث مع البنت أخ ولا أخت ولا عم ولا جدّ ولا ابن أخ ولا ابن عم، ولا يرث مع الولد الذكر أو الأنثى إلاّ الزوج أو الزوجة والأبوان والجدّة، ولا يرث مع الأمّ إلاّ من يرث مع الولد، وخاطب أبو الطاهر محمد بن أحمد قاضي مصر القائد جوهرا في بنت وأخ، وأنه كان حكم قديما للبنت بالنصف وللأخ بالباقي، فقال لا أفعل فلما ألح عليه قال: يا قاضي هذا عداوة لفاطمة ﵍، فأمسك أبو الطاهر ولم يراجعه بعد في ذلك، وصار صوم شهر رمضان والفطر على حساب لهم، فأشار الشهود على القاضي أبي الطاهر أن لا يطلب الهلال، لأنّ الصوم والفطر على الرؤية قد زال، فانقطع طلب الهلال من مصر وصام القاضي وغيره مع القائد جوهر كما يصوم، وأفطروا كما يفطر. ولما دخل المعز لدين اللّه إلى مصر ونزل بقصره من القاهرة المعزية، أمر في رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر خير الناس بعد رسول اللّه ﷺ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇. وفي صفر سنة خمس وستين وثلاثمائة جلس عليّ بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار، وكان جمعا عظيما وأثبت أسماء الحاضرين.
ولما تولى يعقوب بن كلس الوزارة للعزيز بالله نزار بن المعز رتب في داره العلماء من الأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمين، وأجرى لجميعهم الأرزاق، وألف كتابا في الفقه ونصب له مجلسا وهو يوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلمين وأهل الجدل، وتجري بينهم المناظرات، وكان يجلس أيضا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه، ويحضر عنده القضاة والفقهاء والقرّاء والنحاة وأصحاب الحديث ووجوه أهل العلم والشهود، فإذا انقضى المجلس من القراءة قام الشعراء لإنشاد مدائحهم فيه، وجعل للفقهاء في شهر رمضان الأطعمة، وألف كتابا في الفقه يتضمن ما سمعه من المعز لدين اللّه ومن ابنه العزيز بالله، وهو مبوّب على أبواب الفقه يكون قدره مثل نصف صحيح البخاريّ، ملكته ووقفت عليه، وهو يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية، وكان يجلس لقراءة هذا الكتاب على الناس بنفسه وبين يديه خواص الناس وعوامّهم وسائر الفقهاء والقضاة والأدباء، وأفتى الناس به ودرّسوا فيه بالجامع العتيق، وأجرى العزيز بالله لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير ويلازمونه أرزاقا تكفيهم في كلّ شهر، وأمر لهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلّى صلاة العصر، وكان لهم من مال الوزير أيضا صلة في كلّ سنة، وعدّتهم خمسة وثلاثون رجلا، وخلع عليهم العزيز
стр. 1494
بالله في يوم عيد الفطر وحملهم على بغال.
وفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة أمر العزيز بن المعز بقطع صلاة التروايح من جميع البلاد المصرية. وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ضرب رجل بمصر وطيف به المدينة من أجل أنه وجد عنده كتاب الموطأ لمالك بن أنس ﵀. وفي شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وثلاثمائة جلس القاضي محمد بن النعمان على كرسيّ بالقصر في القاهرة لقراءة علوم أهل البيت على الرسم المتقدّم له ولأخيه بمصر، ولأبيه بالمغرب، فمات في الزحمة أحد عشر رجلا. وفي جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة قبض على رجل من أهل الشام سئل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال لا أعرفه، فاعتقله قاضي القضاة الحسن بن النعمان قاضي أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه على القاهرة المعزية ومصر والشامات والحرمين والمغرب، وبعث إليه وهو في السجن أربعة من الشهود وسألوه، فأقرّ بالنبيّ ﷺ وأنه نبيّ مرسل، وسئل عن عليّ بن أبي طالب فقال لا أعرفه، فأمر قائد القوّاد الحسين بن جوهر بإحضاره، فخلا به ورفق في القول له فلم يرجع عن إنكاره معرفة عليّ بن أبي طالب، فطولع الحاكم بأمره فأمر بضرب عنقه فضرب عنقه وصلب. وفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة قبض على ثلاثة عشر رجلا وضربوا وشهروا على الجمال وحبسوا ثلاثة أيام من أجل أنهم صلوا صلاة الضحى.
وفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة قريء سجل في الجوامع بمصر والقاهرة والجزيرة بأن تلبس النصارى واليهود الغيار والزنار، وغيارهم السواد غيار العاصين العباسيين، وأن يشدّوا الزنار وفيه وقوع وفحش في حق أبي بكر وعمر ﵄، وقرئ سجل آخر فيه منع الناس من أكل الملوخيا المحببة كانت لمعاوية بن أبي سفيان، ومنعهم من أكل البقلة المسماة بالجرجير المنسوبة لعائشة ﵂، ومن المتوكلية المنسوبة إلى المتوكل، والمنع من عجين الخبز بالرجل، والمنع من أكل الدلينس ومن ذبح البقر إلاّ ذا عاهة ما، عدا أيام النحر، فإنه يذبح فيها البقر فقط، والوعيد للنخاسين متى باعوا عبدا أو أمة لذميّ، وقريء سجل آخر بأن يؤذن لصلاة الظهر في أوّل الساعة السابعة، ويؤذن لصلاة العصر في أوّل الساعة التاسعة، وقريء أيضا سجل بالمنع من عمل الفقاع وبيعه في الأسواق لما يؤثر عن عليّ بن أبي طالب ﵁ من كراهية شرب الفقاع، وضرب في الطرقات والأسواق بالحرس، ونودي أن لا يدخل أحد الحمام إلاّ بمئزر، ولا تكشف امرأة وجهها في طريق، ولا خلف جنازة، ولا تتبرّج، ولا يباع شيء من السمك بغير قشر، ولا يصطاده أحد من الصيادين، وقبض على جماعة وجدوا في الحمام بغير مئزر فضربوا وشهروا. وكتب في صفر من هذه السنة على سائر المساجد وعلى الجامع العتيق بمصر من ظاهره وباطنه من جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت والحجر وعلى المقابر والصحراء سبّ السلف ولعنهم، ونقش ذلك ولوّن بالأصباغ والذهب، وعمل ذلك على أبواب الدور
стр. 1495
والقياسر، وأكره الناس على ذلك، وتسارع الناس إلى الدخول في الدعوة، فجلس لهم قاضي القضاة عبد العزيز بن محمد بن النعمان، فقدموا من سائر النواحي والضياع، فكان للرجال يوم الأحد، وللنساء يوم الأربعاء، وللأشراف وذوي الأقدار يوم الثلاثاء، وازدحم الناس على الدخول في الدعوة، فمات عدّة من الرجال والنساء. ولما وصلت قافلة الحاج مرّ بهم من سبّ العامّة وبطشهم ما لا يوصف، فإنهم أرادوا حمل الحاج على سبّ السلف فأبوا، فحلّ بهم مكروه شديد. وفي جمادى الآخرة من هذه السنة فتحت دار الحكمة بالقاهرة وجلس فيها القرّاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور، ودخل الناس إليها وجلس فيها القرّاء والفقهاء والمنجمون والنحاة وأصحاب اللغة والأطباء، وحصل فيها من الكتب في سائر العلوم ما لم ير مثله مجتمعا، وأجرى على من فيها من الخدّام والفقهاء الأرزاق السنية، وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأقلام والمحابر والورق. وفي يوم عاشوراء من سنة ست وتسعين وثلاثمائة كان من اجتماع الناس ما جرت به العادة، وأعلن بسبّ السلف فيه، فقبض على رجل نودي عليه هذا جزاء من سبّ عائشة وزوجها ﷺ ، ومعه من الرعاع ما لا يقع عليه حصروهم يسبون السلف، فلما تمّ النداء عليه ضرب عنقه، واستهل شهر رجب من هذه السنة بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم بأمر اللّه أن يؤرّخ بيوم الثلاثاء، وفي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة قبض على جماعة ممن يعمل الفقاع ومن السماكين ومن الطباخين وكبست الحمامات فأخذ عدّة ممن وجد بغير مئزر، فضرب الجميع لمخالفتهم الأمر وشهروا. وفي تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بأمر اللّه بمحو ما كتب على المساجد وغيرها من سبّ السلف، وطاف متولي الشرطة وألزم كل أحد بمحو ما كتب على المساجد من ذلك، ثم قريء سجل في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة بأن لا يحمل شيء من النبيذ والمزر، ولا يتظاهر به ولا بشيء من الفقاع والدلينس والسمك الذي لا قشر له والترمس العفن، وقريء سجل في رمضان على سائر المنابر بأنه يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس الدين، فبما جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها.
ولا هم عنها يدفعون، يخمّس في التكبير على الجنائز المخمسون، ولا يمنع من التربيع عليها المربّعون، يؤذن بحيّ على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون، ولا يسب أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف، والحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى اللّه ربه معاده عنده كتابه وعليه حسابه.
وفي صفر سنة أربعمائة شهر جماعة بعد ما ضربوا بسبب بيع الفقاع والملوخيا والدلينس والترمس.
وفي تاسع عشر شهر شوّال أمر الحاكم بأمر اللّه برفع ما كان يؤخذ من الخمس والزكاة والفطرة والنجوى، وأبطل قراءة مجالس الحكمة في القصر، وأمر بردّ التثويب في الأذان،
стр. 1496
وأذّن للناس في صلاة الضحى وصلاة التراويح، وأمر المؤذنين بأسرهم في الأذان بأن لا يقولوا حيّ على خير العمل، وأن يقولوا في الأذان للفجر الصلاة خير من النوم، ثم أمر في ثاني عشري ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة بإعادة قول حيّ على خير العمل في الأذان، وقطع التثويب وترك قولهم الصلاة خير من النوم، ثم أمر في ثاني عشري ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة بإعادة قول حيّ على خير العمل في الأذان، وقطع التثويب وترك قولهم الصلاة خير من النوم، ومنع من صلاة الضحى، وصلاة التراويح، وفتح باب الدعوة، وأعيدت قراءة المجالس بالقصر على ما كانت، وكان بين المنع من ذلك والأذن فيه خمسة أشهر، وضرب في جمادى من هذه السنة جماعة وشهروا بسبب بيع الملوخيا والسمك الذي لا قشر له وشرب المسكرات، وتتبع السكارى فضيق عليهم.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشري شعبان سنة إحدى وأربعمائة وقع قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ إلى سائر الشهود والأمناء بخروج الأمر المعظم، بأن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد. وفي شعبان سنة اثنتين وأربعمائة قريء سجل يشدّد فيه النكير على بيع الملوخيا والفقاع والسمك الذي لا قشر له، ومنع النساء من الاجتماع في المآتم ومن اتباع الجنائز، وأحرق الحاكم بأمر اللّه في هذا الشهر الزبيب الذي وجد في مخازن التجار، وأحرق ما وجد من الشطرنج، وجمع صيادي السمك وحلّفهم بالأيمان المؤكدة أن لا يصطادوا سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت عنقه، وأحرق في خمسة عشر يوما ألفين وثمانمائة وأربعين قطعة زبيب بلغ ثمن النفقة عليها خمسمائة دينار، ومنع من بيع العنب إلاّ أربعة أرطال فما دونها، ومنع من اعتصاره، وطرح عنبا كثيرا في الطرقات وأمر بدوسه، فامتنع الناس من التظاهر بشيء من العنب في الأسواق، واشتدّ الأمر فيه، وغرق منه ما حمل في النيل، وأحصي ما بالجيزة من الكروم، فقطف ما عليها من العنب وطرح ما جمعه من ذلك تحت أرجل البقر لتدوسه، وفعل مثل ذلك في جهات كثيرة، وختم على مخازن العسل، وغرّق منه في أربعة أيام خمسة آلاف جرّة وإحدى وخمسين جرّة فيها العسل، وغرق من عسل النحل قدر إحدى وخمسين زيرا. وفي جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعمائة، اشتدّ الإنكار على الناس بسبب بيع الفقاع والزبيب والسمك الذي لا قشر له، وقبض على جماعة وجد عندهم زبيب فضربت أعناقهم وسجنت عدّة منهم وأطلقوا. وفي شوّال اعتقل رجل ثم شهر ونودي عليه هذا جزاء من سبّ أبا بكر وعمر ويثير الفتن، فاجتمع خلق كثير بباب القصر فاستغاثوا، لا طاقة لنا بمخالفة المصريين ولا بمخالفة الحشوية من العوام، ولا صبر لنا على ما جرى، وكتبوا قصصا فصرفوا ووعدوا بالمجيء في غد، فبات كثير منهم بباب القصر، واجتمعوا من الغد فصاحوا وضجوا فخرج إليهم قائد القوّاد غين، فنهاهم وأمرهم عن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أن يمضوا إلى معايشهم، فانصرفوا إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقيّ وشكوا إليه، فتبرّم من ذلك فمضوا وفيهم من يسب
стр. 1497
السلف ويعرّض بالناس، فقريء سجل في القصر بالترحم على السلف من الصحابة، والنهي عن الخوض في ذلك، وركب مرّة فرأى لوحا على قيسارية فيه سب السلف فأنكره، وما زال واقفا حتى قلع وضرب بالحرس في سائر طرقات مصر والقاهرة، وقريء سجل بتتبع الألواح المنصوبة على سائر أبواب القياسر والحوانيت والدور والخانات والأرباع المشتملة على ذكر الصحابة والسلف الصالح، ﵏، بالسب واللعن، وقلع ذلك وكسره وتعفية أثره، ومحو ما على الحيطان من هذه الكتابة، وإزالة جميعها من سائر الجهات حتى لا يرى لها أثر في جدار ولا نقش في لوح، وحذّر فيه من المخالفة، وهدّد بالعقوبة، ثم انتقض ذلك كله وعاد الأمر إلى ما كان عليه إلى أن قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معدّ.
وثار أبو عليّ أحمد الملقب كتيفات ابن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، واستولى على الوزارة في شنة أربع وعشرين وخمسمائة، وسجن الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن الخليفة المستنصر بالله، وأعلن بمذهب الإمامية والدعوة للإمام المنتظر، وضرب دراهم نقشها: اللّه الصمد الإمام محمد. ورتب في سنة خمس وعشرين أربعة قضاة، اثنان أحدهما إماميّ والآخر إسماعيليّ، واثنان أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ، فحكم كل منهما بمذهبه وورّث على مقتضاه، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق وأبطل من الأذان حيّ على خير العمل، وقولهم محمد وعليّ خير البشر، فلما قتل في المحرّم سنة ست وعشرين عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلية.
وما برح حتى قدمت عساكر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي من دمشق، عليها أسد الدين شيركوه، وولى وزارة مصر للخليفة العاضد لدين اللّه أبي محمد عبد اللّه بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين اللّه، ومات، فقام في الوزارة بعده ابن أخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة، وشرع في تغيير الدولة وإزالتها، وحجر على العاضد وأوقع بأمراء الدولة وعساكرها، وأنشأ بمدينة مصر مدرسة للفقهاء الشافعية، ومدرسة للفقهاء المالكية، وصرف قضاة مصر الشيعة كلهم، وفوّض القضاء لصدر الدين عبد الملك بن درباس المارانيّ الشافعيّ، فلم يستنب عنه في إقليم مصر إلاّ من كان شافعيّ المذهب، فتظاهر الناس من حينئذ بمذهب مالك والشافعيّ، واختفى مذهب الشيعة والإسماعيلية والإمامية حتى فقد من أرض مصر كلها، وكذلك كان السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر حنيفا فيه تعصب، فنشر مذهب أبي حنيفة ﵀ ببلاد الشام، ومنه كثرت الحنفية بمصر، وقدم إليها أيضا عدّة من بلاد الشرق، وبنى لهم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب المدرسة السيوفية بالقاهرة، وما زال مذهبهم ينتشر ويقوى وفقهاؤهم تكثر بمصر والشام من حينئذ.
وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة الشيخ أبي الحسن عليّ بن
стр. 1498
إسماعيل الأشعريّ، تلميذ أبي علي الجبائيّ، وشرط ذلك في أوقافه التي بديار مصر، كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعيّ من القرافة، والمدرسة الناصرية التي عرفت بالشريفية بجوار جامع عمرو بن العاص بمصر، والمدرسة المعروفة بالقمحية بمصر، وخانكاه سعيد السعداء بالقاهرة. فاستمرّ الحال على عقيدة الأشعريّ بديار مصر وبلاد الشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضا، لإدخال محمد بن تومرت رأي الأشعريّ إليها، حتى أنه صار هذا الاعتقاد بسائر هذه البلاد، بحيث أن من خالفه ضرب عنقه، والأمر على ذلك إلى اليوم، ولم يكن في الدولة الأيوبية بمصر كثير ذكر لمذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، ثم اشتهر مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في آخرها.
فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ، ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة، وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ. فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستين وستمائة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، وعقيدة الأشعريّ، وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام، وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم، وإذ قد بينا الحال في سبب اختلاف الأمّة منذ توفي رسول اللّه ﷺ إلى أن استقرّ العمل على مذهب مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، رحمة اللّه عليهم، فلنذكر اختلاف عقائد أهل الإسلام منذ كان إلى أن التزم الناس عقيدة الشيخ أبي الحسن الأشعريّ ﵀ ورضي عنه.
ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها
اعلم أن الذين تكلموا في أصول الديانات قسمان، هما من خالف ملة الإسلام، ومن أقرّ بها. فأما المخالفون لملة الإسلام فهم عشر طوائف: الأولى الدهرية، والثانية أصحاب العناصر. والثالثة الثنوية: وهم المجوس، ويقولون بأصلين هما النور والظلمة، ويزعمون أن النور هو يزدان، والظلمة هو أهرمن، ويقرّون بنبوّة إبراهيم ﵇، وهم ثمان فرق: الكيومرتية أصحاب كيومرت الذي يقال أنه آدم. والزروانية أصحاب زروان الكبير، والزرادشتية أصحاب زراداشت بن بيورشت الحكيم، والثنوية أصحاب الاثنين الأزليين.
والمانوية أصحاب ماني الحكيم. والمزركية أصحاب مزرك الخارجي. والبيصانية أصحاب بيصان القائل بالأصلين القديمين. والفرقونية القائلون بالأصلين. وأنّ الشرّ خرج على أبيه وأنه تولد من فكرة فكرها في نفسه، فلما خرج على أبيه الذي هو الإله بزعمهم عجز عنه،
стр. 1499
ثم وقع الصلح بينهما على يد الندمات وهم الملائكة، ومنهم من يقول بالتناسخ، ومنهم من ينكر الشرائع والأنباء، ويحكمون العقول، ويزعمون أن النفوس العلوية تفيض عليهم الفضائل.
والطائفة الرابعة الطبائعيون.
والطائفة الخامسة الصابئة القائلون بالهياكل والأرباب السماوية والأصنام الأرضية، وإنكار النبوّات، وهم أصناف وبينهم وبين الحنفاء مناظرات وحروب مهلكة، وتولدت من مذاهبهم الحكمة الملطية، ومنهم أصحاب الروحانيات، وهم عباد الكواكب وأصنامها التي عملت على تمثالها، والحنفاء هم القائلون بأن الروحانيات منها ما وجودها بالقوّة، ومنها ما وجودها بالفعل، فما هو بالقوّة يحتاج إلى من يوجده بالفعل. ويقرّون بنبوّة إبراهيم، وأنه منهم. وهم طوائف: الكاظمة أصحاب كاظم بن تارح، ومن قوله أنّ الحق في الجمع بين شريعة إدريس وشريعة نوح وشريعة إبراهيم ﵈، ومنهم البيدانية: أصحاب بيدان الأصغر، ومن قوله اعتقاد نبوّة من يفهم عالم الروح، وأن النبوّة من أسرار الإلهية. ومنهم القنطارية: أصحاب قنطار بن أرفخشد، ويقرّ بنبوّة نوح. ومن فرق الصابئة أصحاب الهياكل: ويرون أن الشمس إله كلّ إله. والحرّانية: ومن قولهم المعبود واحد بالذات وكثير بالأشخاص في رأي العين، وهي المدبرات السبع من الكواكب والأرضية الجزئية والعالمة الفاضلة.
والطائفة السادسة اليهود. والسابعة النصارى.
والثامنة أهل الهند القائلون بعبادة الأصنام، ويزعمون أنها موضوعة قبل آدم، ولهم حكم عقلية وأحكام وضعها الشلم، أعظم حكامهم، والمهندم قبله، والبراهمة قبل ذلك.
فالبراهمة أصحاب برهام أوّل من أنكر نبوّة البشر، ومنهم البردة زهاد عباد رجال الرماد الذي يهجرون اللذات الطبيعية، وأصحاب الرياضة التامّة، وأصحاب التناسخ، وهم أقسام أصحاب الروحانية والبهادرية والناسوتية والباهرية والكابلية، أهل الجبل. ومنهم الطبسيون أصحاب الرياضة الفاعلة، حتّى أن منهم من يجاهد نفسه حتى يسلطها على جسده، فيصعد في الهواء على قدر قوّته، وفي اليهود عباد النار وعباد الشمس والقمر والنجوم وعباد الأوثان.
والطائفة التاسعة الزنادقة وهم طوائف منهم القرامطة.
والعاشرة الفلاسفة أصحاب الفلسفة، وكلمة فيلسوف معناها محب الحكمة، فإن فيلو محب، وسوفا حكمة، والحكمة قولية وفعلية، وعلم الحكماء انحصر في أربعة أنواع:
الطبيعيّ والمدنيّ والرياضيّ والإلهيّ. والمجموع ينصرف إلى علم ما، وعلم كيف، وعلم
стр. 1500
كم، فالعلم الذي يطلب فيه ماهيات الأشياء هو الإلهيّ، والذي يطلب فيه كيفيات الأشياء هو الطبيعيّ، والذي يطلب فيه كميات الأشياء هو الرياضيّ. ووضع بعد ذلك أرسطو صنعة المنطق، وكانت بالقوّة في كلام القدماء، فأظهرها ورتبها. واسم الفلاسفة يطلق على جماعة من الهند، وهم الطبسيون والبراهمة، ولهم رياضة شديدة، وينكرون النبوّة أصلا، ويطلق أيضا على العرب بوجه أنقص، وحكمتهم ترجع إلى أفكارهم وإلى ملاحظة طبيعية، ويقرّون بالنبوّات، وهم أضعف الناس في العلوم، ومن الفلاسفة حكماء الروم، وهم طبقات، فمنهم أساطين الحكمة، وهم أقدمهم، ومنهم المشاؤون وأصحاب الرواق، وأصحاب أرسطو، وفلاسفة الإسلام. فمن فلاسفة الروم الحكماء السبعة، أساطين الحكمة، أهل ملطية وقونية وهم: تاليس الملطيّ، وانكساغورس، وانكسمالس، وابنادفيس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون. ودون هؤلاء فلوطس، وبقراط، وديمقراطيس، وأسعر والنساس.
ومنهم حكماء الأصول من القدماء، ولهم القول بالسيمياء، ولهم أسرار الخواص والحيل والكيمياء والأسماء الفعالة والحروف، ولهم علوم توافق علوم الهند، وعلوم اليونانيين، وليس من موضوع كتابنا هذا ذكر تراجمهم، فلذلك تركناها.
القسم الثاني فرق أهل الإسلام. الذي عناهم النبيّ ﷺ بقوله: «ستفترق أمّتي ثلاثا وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون هالكة، وواحدة ناجية» وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذيّ وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرّقت النصارى على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة» قال البيهقيّ حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وابن حبان في صحيحه بنحوه، فأخرجه في المستدرك من طريق الفضل بن موسى، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وقال هذا حديث كثير في الأصول، وقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عمر، وعوف بن مالك عن رسول اللّه ﷺ بمثله، وقد احتج مسلم بمحمد بن عمر، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة، واتفقا جميعا على الاحتجاج بالفضل بن موسى وهو ثقة.
واعلم أن فرق المسلمين خمسة: أهل السنة، والمرجئة، والمعتزلة، والشيعة، والخوارج. وقد افترقت كلّ فرقة منها على فرق، فأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا ونبذ يسير من الاعتقادات، وبقية الفرق الأربع منها من يخالف أهل السنة الخلاف البعيد، ومنهم من يخالفهم الخلاف القريب، فأقرب فرق المرجئة من قال: الإيمان إنما هو التصديق بالقلب واللسان معا فقط، وأن الأعمال إنما هي فرائض الإيمان وشرائعه فقط، وأبعدهم أصحاب جهم بن صفوان ومحمد بن كرام. وأقرب فرق المعتزلة أصحاب الحسين النجار وبشر بن غياث المريسيّ، وأبعدهم أصحاب أبي الهذيل العلاف. وأقرب مذاهب الشيعة أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، وأبعدهم الإمامية. وأما الغالية فليسوا بمسلمين ولكنهم أهل ردّة
стр. 1501
وشرك. وأقرب فرق الخوارج أصحاب عبد اللّه بن يزيد الإباضيّ، وأبعدهم الأزارقة. وأما البطيخية ومن جحد شيئا من القرآن أو فارق الإجماع من العجاردة وغيرهم فكفار بإجماع الأمّة، وقد انحصرت الفرق الهالكة في عشر طوائف:
الفرقة الأولى المعتزلة: الغلاة في نفي الصفات الإلهية، القائلون بالعدل والتوحيد، وأن المعارف كلها عقلية، حصولا ووجوبا، قبل الشرع وبعده، وأكثرهم على أن الإمامة بالاختيار، وهم عشرون فرقة: إحداها الواصلية: أصحاب واصل بن عطاء أبي حذيفة الغزال، مولى بني ضبة، وقيل مولى بني مخزوم. ولد بالمدينة سنة ثمانين، ونشأ بالبصرة، ولقي أبا هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، ولازم مجلس الحسن بن الحسين البصريّ، وأكثر من الجلوس بسوق الغزل ليعرف النساء المتعففات فيصرف إليهنّ صدقته، فقيل له الغزال من أجل ذلك، وكان طويل العنق جدّا، حتى عابه عمرو بن عبيد بذلك فقال: من هذه عنقه لا خير عنده. فلما برع واصل، قال عمر: وربما أخطأت الفراسة. وكان يلثغ بالراء، ومع ذلك كان فصيحا لسنا مقتدرا على الكلام، قد أخذ بجوامعه، فلذلك أمكنه أن أسقط حرف الراء من كلامه، واجتناب الحروف صعب جدّا، لا سيما مثل الراء لكثرة استعمالها، وله رسالة طويلة لم يذكر فيها حرف الراء، أحد بدائع الكلام، وكان لكثرة صمته يظنّ به الخرس، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله كتاب المنزلة بين المنزلتين، وكتاب الفتيا، وكتاب التوحيد. وعنه أخذ جماعة، وأخباره كثيرة، ويقال لهم أيضا الحسنية، نسبة إلى الحسن البصريّ. وأخذ واصل العلم عن أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، وخالفه في الإمامة، واعتزاله يدور على أربع قواعد هي: نفي الصفات، والقول بالقدر، والقول بمنزلة بين المنزلتين، وأوجب الخلود في النار على من ارتكب كبيرة. فلما بلغ الحسن البصريّ عنه هذا قال: هؤلاء اعتزلوا، فسموا من حينئذ المعتزلة. وقيل أن تسميتهم بذلك حدثت بعد الحسن، وذلك أن عمرو بن عبيد لما مات الحسن وجلس قتادة مجلسه اعتزله في نفر معه، فسماهم قتادة المعتزلة. القاعدة الرابعة القول بأن إحدى الطائفتين من أصحاب الجمل وصفين مخطئة لا بعينها، وكان في خلافة هشام بن عبد الملك.
والثانية العمروية: أصحاب عمرو، ومن قوله ترك قول عليّ بن أبي طالب وطلحة والزبير ﵃. وقال ابن منبه: اعتزل عمرو بن عبيد وأصحاب له الحسن، فسموا المعتزلة.
والثالثة الهذلية: اتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، أخذ عن عثمان بن خالد الطويل، عن واصل بن عطاء، ونظر في الفلسفة ووافقهم في كثير وقال:
جميع الطاعات من الفرائض والنوافل إيمان، وانفرد بعشر مسائل وهي: أن علم اللّه وقدرته وحياته هي ذاته، وأثبت إرادات لا محل لها يكون الباري مريدا لها. وقال: بعض كلام اللّه
стр. 1502
لا في محل، وهو قوله كن. وبعضه في محل، كالأمر والنهي. وقال في أمور الآخرة.
كمذهب الجبرية. وقال تنتهي مقدورات اللّه حتى لا يقدر على إحداث شيء ولا على إفناء شيء ولا إحياء شيء ولا إماتة شيء، وتنقطع حركات أهل الجنة والنار ويصيرون إلى سكون دائم. وقال: الاستطاعة عرض من الأعراض نحو السلامة، والصحة. وفرّق بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح وقال: تجب معرفة اللّه قبل ورود السمع. وأن المرء المقتول إن لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يزاد العلم ولا ينقص بخلاف الرزق. وقال: إرادة اللّه عين المراد، والحجة لا تقوم فيما غاب إلاّ بخبر عشرين.
والرابعة النظامية: اتباع إبراهيم بن سيار النظّام، بتشديد الظاء المعجمة، زعيم المعتزلة وأحد السفهاء، انفرد بعدّة مسائل وهي: قوله أنّ اللّه تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وأنها غير مقدورة للّه. وقال: ليس للّه إرادة، وأفعال العباد كلها حركات، والنفس والروح هو الإنسان، والبدن إنما هو آلة فقط، وأن كل ما جاوز القدرة من الفعل فهو من اللّه، وهو فعله، وأنكر الجوهر الفرد، وأحدث القول بالطفرة، وقال: الجوهر مؤلف من أعراض اجتمعت، وزعم أنّ اللّه خلق الموجودات دفعة على ما هي عليه، وأن الإعجاز في القرآن من حيث الإخبار عن الغيب فقط، وأنكر أن يكون الإجماع حجة، وطعن في الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم. وقال قبحه اللّه: أبو هريرة أكذب الناس، وزعم أنه ضرب فاطمة ابنة رسول اللّه ﷺ ، ومنع ميراث العترة، وأوجب معرفة اللّه بالفكر قبل ورود الشرع، وحرّم نكاح الموالي العربيات. وقال: لا تجوز صلاة التراويح، ونهى عن ميقات الحج، وكذب بانشقاق القمر، وأحال رؤية الجنّ، وزعم أن من سرق مائتي دينار فما دونها لم يفسق، وأن الطلاق بالكتابة لا يقع وإن كان بنيّة، وأنّ من نام مضطجعا لا ينتقض وضوءه ما لم يخرج منه الحدث. وقال: لا يلزم قضاء الصلوات إذا فاتت.
والخامسة الإسوارية: اتباع أبي عليّ عمرو بن قائد الإسواريّ، القائل أن اللّه تعالى لا يقدر أن يفعل ما علم أنه لا يفعله. والسادسة الإسكافية: اتباع أبي جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافيّ، ومن قوله أنّ اللّه تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء، ويقدر على ظلم الأطفال والمجانبين، وأنه لا يقال أنّ اللّه خالق المعازف والطنابير وإن كان هو الذي خلق أجسامها.
والسابعة الجعفرية: اتباع جعفر بن حرب بن ميسرة، ومن قوله أنّ في فسّاق هذه الأمّة من هو شرّ من اليهود والنصارى والمجوس، وأسقط الحدّ عن شارب الخمر، وزعم أن الصغائر من الذنوب توجب تخليد فاعلها في النار، وأنّ رجلا لو بعث رسولا إلى امرأة ليخطبها فجاءته فوطئها من غير عقد لم يكن عليه حدّ، ويكون وطؤه إياها طلاقا لها.
والثامنة البشرية: اتباع بشر بن المعتمر، ومن قوله الطعم واللون والرائحة والإدراكات كلها من السمع، يجوز أن تحصل متولدة، وصرف الاستطاعة إلى سلامة البنية والجوارح.
стр. 1503
وقال: لو عذب اللّه الطفل الصغير لكان ظالما، وهو يقدر على ذلك. وقال: إرادة اللّه من جملة أفعال، ثم هي تنقسم إلى صفة فعل وصفة ذات. وقال: باللطف المخزون، وأن اللّه لم يخلقه لأنّ ذلك يوجب عليه الثواب، وأن التوبة الأولى متوقفة على الثانية، وأنها لا تنفع إلاّ بعدم الوقوع في الذي وقع فيه، فإن وقع لم تنفعه التوبة الأولى.
والتاسعة المزدارية: أتباع أبي موسى عيسى بن صبيح المعروف بالمزدار، تلميذ بشر بن المعتمر، وكان زاهدا، وقيل له راهب المعتزلة، وانفرد بمسائل منها. قوله أنّ اللّه قادر على أن يظلم ويكذب، ولا يطعن ذلك في الربوبية، وجوّز وقوع الفعل الواحد من فاعلين على سبيل التولد، وزعم أن القرآن مما يقدر عليه، وأن بلاغته وفصاحته لا تعجز الناس بل يقدرون على الإتيان بمثلها وأحسن منها، وهو أصل المعتزلة في القول بخلق القرآن. وقال: من أجاز رؤية اللّه بالإبصار بلا كيف فهو كافر، والشاكّ في كفره كافر أيضا.
والعاشرة الهشامية: أتباع هشام بن عمرو الفوطيّ، الذي يبالغ في القدر ولا ينسب إلى اللّه فعلا من الأفعال، حتى أنه أنكر أن يكون اللّه هو الذي ألف بين قلوب المؤمنين، وأنه يحب الإيمان للمؤمنين، وأنه أضل الكافرين. وعاند ما في القرآن من ذلك وقال: لا تنعقد الإمامية في زمن الفتنة واختلاف الناس، وأن الجنة والنار غير مخلوقتين. ومنع أن يقال حسبنا اللّه ونعم الوكيل، وقال لأن الوكيل دون الموكل، وقال: لو أسبغ أحد الوضوء، ودخل فيه الصلاة بنيّة القربة للّه تعالى، والعزم على إتمامها، وركع وسجد مخلصا في ذلك كله، إلاّ أنّ اللّه علم أنه يقطعها في آخرها، فإن أوّل صلاته معصية. ومنع أن يكون البحر انفلق لموسى، وأن عصاه انقلبت حية، وأن عيسى أحيى الموتى، بإذن اللّه، وأن القمر انشق للنبيّ ﷺ ، وأنكر كثيرا من الأمور التي تواترت، كحصر عثمان بن عفان ﵁، وقتله بالغلبة. وقال: إنما جاءته شرذمة قليلة تشكو عمّاله ودخلوا عليه وقتلوه، فلا يدري قاتله. وقال: إنّ طلحة والزبير وعليّ بن أبي طالب ﵃، ما جاؤوا للقتال في حرب الجمل، وإنما برزوا للمشاورة، وتقاتل أتباع الفريقين في ناحية أخرى، وأن الأمّة إذا اجتمعت كلها وتركت الظلم والفساد احتاجت إلى إمام يسوسها، فأما إذا عصت وفجرت وقتلت واليها فلا تنعقد الإمامة لأحد، وبنى على ذلك أنّ إمامة عليّ ﵁ لم تنعقد، لأنها كانت في حال الفتنة بعد قتل عثمان، وهو أيضا مذهب الأصم وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأنكر افتضاض الأبكار في الجنة، وأنكر أن الشيطان يدخل في الإنسان وإنما يوسوس له من خارج، واللّه يوصل وسوسته إلى قلب ابن آدم. وقال: لا يقال خلق اللّه الكافر، لأنه اسم العبد والكفر جميعا، وأنكر أن يكون في أسماء اللّه الضارّ النافع.
والحادية عشر الحائطية: اتباع أحمد بن حائط أحد أصحاب إبراهيم بن سيار النظّام وله بدع شنيعة منها: أنّ للخلق إلهين، أحدهما خالق وهو الإله القديم، والآخر مخلوق
стр. 1504
وهو عيسى ابن مريم، وزعم أن المسيح ابن اللّه، وأنه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وأنه هو المعنيّ بقول اللّه تعالى في القرآن: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمامِ﴾ [البقرة/ ٢١٠] وزعم في قول النبيّ ﷺ : «إن اللّه خلق آدم على صورته» أن معناه خلقه إياه على صورة نفسه. وأن معنى قوله ﵇: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» إنما أراد به عيسى، وزعم أن في الدواب والطيور والحشرات حتى البق والبعوض والذباب أنبياء لقول اللّه سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر/ ٢٤] وقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي اَلْكِتابِ مِنْ شَيْ ءٍ﴾ [الانعام/ ٣٨] ولقول رسول اللّه ﷺ : «لولا أن الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها» وذهب مع ذلك إلى القول بالتناسخ، وزعم أن اللّه ابتدأ الخلق في الجنة، وإنما خرج من خرج منها بالمعصية، وطعن في النبيّ ﷺ من أجل تعدّد نكاحه وقال: إنّ أبا ذر الغفاريّ أنسك وأزهد منه قبحه اللّه، وزعم أنّ كل من نال خيرا في الدنيا إنما هو بعمل كان منه، ومن ناله مرض أو آفة فبذنب كان منه، وزعم أن روح اللّه تناسخت في الأئمة.
والثانية عشر الحمارية: أتباع قوم من معتزلة عسكر مكرم، ومن مذهبهم أن الممسوخ إنسان كافر معتقد الكفر، وأن النظر أوجب المعرفة، وهو لا فاعل له، وكذلك الجماع أوجب الولد، فشكّ في خالق الولد، وأنّ الإنسان يخلق أنواعا من الحيوانات بطريق التعفين، وزعموا أنه يجوز أن يقدر اللّه العبد على خلق الحياة والقدرة.
والثالثة عشر المعمرية: أتباع معمر بن عباد السلميّ، وهو أعظم القدرية غلوّا، وبالغ في رفع الصفات والقدرة بالجملة، وانفرد بمسائل منها: أنّ الإنسان يدبر الجسد وليس بحال فيه، والإنسان عنده ليس بطويل ولا عريض، ولا ذي لون وتأليف وحركة، ولا حال ولا متمكن، وأنّ الإنسان شيء غير هذا الجسد، وهو حيّ عالم قادر مختار، وليس هو بمتحرّك ولا ساكن. ولا متلوّن ولا يرى ولا يلمس ولا يحلّ موضعا ولا يحويه مكان، فوصف الإنسان بوصف الإلهية عنده، فإن مدبر العالم موصوف عنده كذلك، وزعم أن الإنسان منعم في الحياة وموزر في النار، وليس هو في الجنة ولا في النار حالا ولا متمكنا. وقال: أنّ اللّه لم يخلق غير الأجسام، والأعراض تابعة لها متولدة منها، وأنّ الأعراض لا تتناهى في كل نوع، وأنّ الإرادة من اللّه للشيء غير اللّه وغير خلقه، وأنّ اللّه ليس بقديم، لأنّ ذلك أخذ من قدم يقدم فهو قديم.
والرابعة عشر الثمانية: أتباع ثمامة بن أشرس النميريّ، وجمع بين النقائض وقال:
стр. 1505
العلوم كلها ضرورية، فكلّ من لم يضطرّ إلى معرفة اللّه فليس بمأمور بها، وهو كالبهائم ونحوها، وزعم أن اليهود والنصارى والزنادقة يصيرون يوم القيامة ترابا كالبهائم لا نواب لهم ولا عقاب عليهم البتة، لأنهم غير مأمورين، إذ هم غير مضطرّين إلى معرفة اللّه تعالى، وزعم أنّ الأفعال كلها متولدة لا فاعل لها، وأنّ الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح، وأن العقل هو الذي يحسن ويقبح، تجب معرفة اللّه قبل ورود الشرع وأن لا فعل للإنسان إلاّ الإرادة، وما عداها فهو حدث.
والخامسة عشر الجاحظية: أتباع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وله مسائل تميز بها عن أصحابه منها: أن المعارف كلها ضرورية، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وإنما هي طبيعية، وليس للعباد كسب سوى الإرادة، وأنّ العباد لا يخلدون في النار بل يصيرون من طبيعتها، وأنّ اللّه لا يدخل أحدا النار، وإنما النار تجذب أهلها بنفسها وطبيعتها، وأن القرآن المنزل من قبيل الأجساد، ويمكن أن يصير مرّة رجلا ومرّة حيوانا، وأن اللّه لا يريد المعاصي، وأنه لا يرى، وأن اللّه يريد بمعنى أنه لا يغلط، ولا يصح في حقه السهو فقط، وأنه يستحيل العدم على الجواهر من الأجسام.
والسادسة عشر الخياطية: أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط شيخ أبي القاسم الكعبيّ من معتزلة بغداد، زعم أن المعدوم شيء، وأنه في العدم جسم إن كان في حدوثه جسما، وعرض إن كان في حدوثه عرضا.
والسابعة عشر الكعبية: أتباع أبي القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخيّ المعروف بالكعبيّ من معتزلة بغداد، انفرد بأشياء منها: أن إرادة اللّه ليست صفة قائمة بذاته، ولا هو مدبر لذاته، ولا إرادته حادثة في محل، وإنما يرجع ذلك إلى العلم فقط، والسمع والبصر يرجع إلى ذلك أيضا، وأنكر الرؤية وقال: إذا قلنا أنه يرى المرئيات فإنما ذلك يرجع إلى علمه بها وتمييزها قبل أن يوجد.
والثامنة عشر الجبائية: أتباع أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ، من معتزلة البصرة، تفرّد بمقالات منها. أنّ اللّه تعالى يسمى مطيعا للعبد إذا فعل ما أراد العبد منه، وأن اللّه محبل للنساء بخلق الولد فيهنّ، وأن كلام اللّه عرض يوجد في أمكنة كثيرة، وفي مكان بعد مكان من غير أن يعدم من مكانه الأوّل، ثم يحدث في الثاني وكان يقف في فضل عليّ على أبي بكر، وفضل أبي بكر على عليّ، ومع ذلك يقول إنّ أبا بكر خير من عمر وعثمان، ولا يقول أن عليا خير من عمر وعثمان.
والتاسعة عشرة البهشمية: أتباع أبي هاشم عبد السلام بن أبي عليّ الجبائي، انفرد ببدع في مقالاته، منها القول باستحقاق الذم من غير ذنب، وزعم أن القادر منا يجوز أن يخلو عن الفعل والترك، وأن القادر المأمور المنهيّ إذا لم يفعل فعلا ولا ترك يكون عاصيا
стр. 1506
مستحق العقاب والذم، لا على الفعل لأنه لم يفعل ما أمر به، وأن اللّه يعذب الكافرين والعصاة لا على فعل مكتسب، ولا على محدث منه. وقال: التوبة لا تصح من قبيح مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه أو يعتقده قبيحا، وإن كان حسنا، وأنّ التوبة لا تصح مع الإصرار على منع حسنة واجبة عليه، وأن توبة الزاني بعد ضعفه عن الجماع لا تصح، وزعم أن الطهارة غير واجبة، وإنما أمر العبد بالصلاة في حال كونه متطهرا وأن الطهارة تجزيء بالماء المغصوب، ولا تجزيء الصلاة في الأرض المغصوبة، وزعم أن الزنج والترك والهنود قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقال أبو عليّ وابنه أبو هاشم: الإيمان هو الطاعات المفروضة.
والفرقة العشرون من المعتزلة الشيطانية: أتباع محمد بن نعمان المعروف بشيطان الطاق، وهو من الروافض، شارك كلاّ من المعتزلة والروافض في بدعهم، وقلما يوجد معتزليّ إلاّ وهو رافضيّ، إلاّ قليلا منهم، انفرد بطامّة، وهي أنّ اللّه لا يعلم الشيء إلاّ قدّره وأراده، وأما قبل تقديره فيستحيل أن يعلّمه، ولو كان عالما بأفعال عباده لاستحال أن يمتحنهم ويختبرهم، وللمعتزلة إسام منها الثنوية، سموا بذلك لقولهم الخير من اللّه والشرّ من العبد، ومنهم الكيسانية، والناكتية، والأحمدية، والوهمية، والبترية والواسطية، والواردية. سموا بذلك لقولهم لا يدخل المؤمنون النار، وإنما يردون عليها. ومن أدخل النار لا يخرج منها قط، ومنهم الحرقية. لقولهم الكفار لا تحرق إلاّ مرّة، والمفنية القائلون بفناء الجنة والنار. والواقفية القائلون بالوقف في خلق القرآن. ومنهم اللفظية القائلون ألفاظ القرآن غير مخلوقة. والملتزقة القائلون اللّه بكل مكان. والقبرية القائلون بإنكار عذاب القبر.
الفرقة الثانية المشبهة: وهم يغلون في إثبات صفات اللّه تعالى ضدّ المعتزلة، وهم سبع فرق: الهاشمية: أتباع هشام بن الحكم، ويقال لهم أيضا الحكمية، ومن قولهم الإله تعالى كنور السبكية الصافية يتلألأ من جوانبه، ويرمون مقاتل بن سليمان بأنه قال: هو لحم ودم على صورة الإنسان، وهو طويل عريض عميق، وأن طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه، وهو ذو لون وطعم ورائحة، وهو سبعة أشبار يشبر نفسه، ولم يصح هذا القول عن مقاتل.
والجولقية: أتباع هشام بن سالم الجوالقيّ، وهو من الرافضة أيضا، ومن شنيع قوله أن اللّه تعالى على صورة الإنسان، نصفه الأعلى موف ونصفه الأسفل مصمت، وله شعر أسود، وليس بلحم ودم، بل هو نور ساطع، وله خمس حواس كحواس الإنسان، ويد ورجل وفم وعيون وأذن وشعر أسود لا الفرج واللحية.
والبيانية: أتباع بيان بن سمعان القائل هو على صورة الإنسان، ويهلك كله إلاّ وجهه، لظاهر الآية كلّ شيء هالك إلاّ وجهه.
стр. 1507
والمغيرية أتباع مغيرة بن سعيد العجليّ، وهو أيضا من الروافض، ومن شنائعه قوله أن أعضاء معبودهم على صورة حروف الهجاء، فالألف على صورة قدميه، وزعم أنه رجل من نور على رأسه تاج من نور، وزعم أن اللّه كتب بإصبعه أعمال العباد من طاعة ومعصية، ونظر فيهما وغضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران عذب ومالح، وزعم أنه بكلّ مكان، لا يخلو عنه مكان. والمنهالية أصحاب منهال بن ميمون. والزرارية أتباع زرارة بن أعين.
واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القميّ، وكلهم من الروافض، وسيأتي ذكرهم إن شاء اللّه تعالى، ومنهم أيضا السابية والشاكية والعملية والمستثنية والبدعية والعشرية والأتربة، ومنهم الكرّامية أتباع محمد بن كرّام السجستانيّ وهم طوائف الهيضمية والإسحاقية والجندية وغير ذلك، إلا أنهم يعدّون فرقة واحدة، لأنّ بعضهم لا يكفر بعضا وكلهم مجسمة، إلاّ أن فيهم من قال: هو قائم بنفسه، ومنهم من قال هو أجزاء مؤتلفة، وله جهات ونهايات، ومن قول الكرّامية أن الإيمان هو قول مفرد، وهو قول لا إله إلاّ اللّه، وسواء اعتقد أو لا، وزعموا أن اللّه جسم وله حدّ ونهاية من جهة السفل، وتجوز عليه ملاقاة الأجسام التي تحته، وإنه على العرش والعرش مماس له، وأنه محل الحوادث من القول والإرادة والإدراكات والمرئيات والمسموعات، وأن اللّه لو علم أحدا من عباده لا يؤمن به، لكان خلقه إياهم عبثا، وأنه يجوز أن يعزل نبيا من الأنبياء والرسل، ويجوز عندهم على الأنبياء كل ذنب لا يوجب حدّا ولا يسقط عدالة، وأنه يجب على اللّه تعالى تواتر الرسل، وأنه يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، وأن عليا ومعاوية كانا إمامين في وقت واحد، إلاّ أن عليا كان على السنة ومعاوية على خلافها، وانفرد ابن كرّام في الفقه بأشياء منها أنّ المسافر يكفيه من صلاة الخوف تكبيرتان، وأجاز الصلاة في ثوب مستغرق في النجاسة، وزعم أن الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر العبادات تصح بغير نية، وتكفي نية الإسلام، وأن النية تجب في النوافل، وأنه يجوز الخروج من الصلاة بالأكل والشرب والجماع عمدا، ثم البناء عليها، وزعم بعض الكرّامية أن للّه علمين أحدهما يعلم به جميع المعلومات والآخر يعلم به العلم الأوّل.
الفرقة الثالثة القدرية: الغلاة في إثبات القدرة للعبد في إثبات الخلق والإيجاد، وأنه لا يحتاج في ذلك إلى معاونة من جهة اللّه تعالى.
الفرقة الرابعة المجبرة: الغلاة في نفي استطاعة العبد قبل الفعل وبعده ومعه، ونفي الاختيار له، ونفي الكسب، وهاتان الفرقتان متضادّتان، ثم افترقت المجبرة على ثلاث فرق.
الجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذيّ مولى راسب، وقتل في آخر دولة بني أميّة،
стр. 1508
وهو ينفي الصفات الإلهية كلها ويقول لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه، وأن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالقدرة ولا الاستطاعة، وأن الجنة والنار يفنيان وتنقطع حركات أهلهما، وأن من عرف اللّه ولم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأن العلم لا يزول بالصمت، وهو مؤمن مع ذلك. وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة، وكفّره أهل السنة بنفي الصفات وخلق القرآن، ونفي الرؤية، وانفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر، وزعم أن علم اللّه حادث لا بصفة يوصف بها غيره. والبكرية: أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد، وهو يوافق النظّام في أن الإنسان هو الروح، ويزعم أن الباري تعالى يرى في القيامة في صورة يخلقها ويكلم الناس منها، وأن صاحب الكبيرة منافق في الدرك الأسفل من النار، وحاله أسوأ من حال الكافر، وحرّم أكل الثوم والبصل، وأوجب الوضوء من قرقرة البطن.
والضرارية: أتباع ضرار بن عمر، وانفرد بأشياء منها أن اللّه تعالى يرى في القيامة بحاسة زائدة سادسة، وأنكر قراءة ابن مسعود، وشك في دين عامّة المسلمين، وقال لعلهم كفار، وزعم أن الجسم أعراض مجتمعة، كما قالت النجارية، ومن جملة المجبرة.
البطيخية: أتباع إسماعيل البطيخيّ. والصباحية: أتباع أبي صباح بن معمر. والفكرية، والخوفية.
الفرقة الخامسة المرجئة: الإرجاء، إمّا مشتق من الرجاء لأنّ المرجئة يرجون لأصحاب المعاصي الثواب من اللّه تعالى، فيقولون لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، أو يكون مشتقا من الإرجاء وهو التأخير، لأنهم أخروا حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة، وحقيقة المرجئة أنهم الغلاة في إثبات الوعد والرجاء، ونفي الوعيد والخوف عن المؤمنين، وهم ثلاثة أصناف: صنف جمعوا بين الرجاء والقدر، وهم غيلان وأبو شمر من بني حنيفة. وصنف جمعوا بين الإرجاء والجبر، مثل جهم بن صفوان.
وصنف قال بالأرجاء المحض، وهم أربع فرق.
اليونسية أتباع يونس بن عمرو، وهو غير يونس بن عبد الرحمن القميّ الرافضيّ، زعم أن الإيمان معرفة اللّه والخضوع له والمحبة والإقرار بأنه واحد ليس كمثله شيء.
والغسانية: أتباع غسان بن أبان الكوفيّ المنكر نبوّة عيسى ﵇، وتلمذ لمحمد بن الحسن الشيبانيّ، ومذهبه في الإيمان كمذهب يونس إلاّ أنه يقول كل خصلة من خصال الإيمان تسمى بعض الإيمان، ويونس يقول كل خصلة ليست بإيمان ولا بعض إيمان، وزعم غسان أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعند أبي حنيفة ﵀ الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان، فلا يزيد ولا ينقص كقرص الشمس.
والثوبانية أتباع ثوبان المرجي. ثم الخارجيّ المعتزليّ، وكان يقال له جامع النقائص،
стр. 1509
هاجر الخصائص، ومن قوله الإيمان هو المعرفة والإقرار، والإيمان فعل ما يجب في العقل فعله، فأوجب الإيمان بالعقل قبل ورود الشرع، وفارق الغسانية واليونسية في ذلك.
والتؤمنية: أتباع أبي معاذ التؤمنيّ الفيلسوف، زعم أن من ترك فريضة لا يقال له فاسق على الإطلاق، ولكن ترك الفريضة فسق، وزعم أن هذه الخصال التي تكون جملتها إيمانا، فواحدة ليست بإيمان، ولا بعض إيمان، وأن من قتل نبيا كفر لا لأجل القتل بل لاستخفافه به وبغضه له.
ومن فرق المرجئة، المريسية: أتباع بشر بن غياث المريسيّ، كان عراقيّ المذهب في الفقه، تلميذ للقاضي أبي يوسف يعقوب الحضرميّ، وقال بنفي الصفات وخلق القرآن، فأكفرته الصفاتية بذلك، وزعم أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، ولا استطاعة مع الفعل، فأكفرته المعتزلة بذلك. وزعم أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو مذهب ابن الربوبدي، ولما ناظره الشافعيّ في مسألة خلق القرآن ونفي الصفات قال له: نصفك كافر لقولك بخلق القرآن. ونفي الصفات، ونصفك مؤمن لقولك بالقضاء والقدر وخلق اكتساب العباد. وبشر معدود من المعتزلة لنفيه الصفات وقوله بخلق القرآن.
ومن فرق المرجئة الصالحية، أتباع صالح بن عمرو بن صالح والجحدرية أتباع جحدر بن محمد التميميّ والزيادية أتباع محمد بن زياد الكوفيّ والشبيبية أتباع محمد بن شبيب والنقاضية والبهشمية. ومن المرجئة جماعة من الأئمة، كسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرّة، ومحارب بن دثار، وعمرو بن ذر، وحماد بن سليمان، وأبي مقاتل. وخالفوا القدرية والخوارج والمرجئة في أنهم لم يكفروا بالكبائر، ولا حكموا بتخليد مرتكبها في النار، ولا سبوا أحدا من الصحابة، ولا وقعوا فيهم.
وأوّل من وضع الإرجاء أبو محمد الحسن بن محمد المعروف بابن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب، وتكلم فيه وصارت المرجئة بعده أربعة أنواع: الأوّل مرجئة الخوارج، الثاني مرجئة القدرية، الثالث مرجئة الجبرية، الرابع مرجئة الصالحية. وكان الحسن بن محمد ابن الحنفية يكتب كتبه إلى الأمصار يدعو إلى الإرجاء، إلاّ أنه لم يؤخر العمل عن الإيمان كما قال بعضهم، بل قال أداء الطاعات وترك المعاصي ليس من الإيمان، لا يزول بزوالها. وقال ابن قتيبة أوّل من وضع الإرجاء بالبصرة حسان بن بلال بن الحارث المزنيّ، وذكر بعضهم أن أوّل من وضع الإرجاء أبا سلت السمان، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
الفرقة السادسة الحرورية: الغلاة في إثبات الوعيد والخوف على المؤمنين، والتخليد في النار مع وجود الإيمان، وهم قوم من النواصب الخوارج، وهم مضادّون المرجئة في النفي والإثبات والوعد والوعيد، ومن مفرداتهم أن من ارتكب كبيرة فهو مشرك، ومذهب عامّة الخوارج أنه كافر وليس بمشرك. وقال بعضهم هو منافق في الدرك الأسفل من النار،
стр. 1510
فعند الحرورية أن الاسم يتغير بارتكاب الكبيرة الواحدة فلا يسمى مؤمنا بل كافرا مشركا، والحكم فيه أنه يخلد في النار، واتفقوا على أن الإيمان هو اجتناب كل معصية، وقيل لهم الحرورية لأنهم خرجوا إلى حروراء لقتال عليّ بن أبي طالب ﵁، وعدّتهم اثنا عشر ألفا، ثم سار عليّ ﵁ إليهم وناظرهم، ثم قاتلهم وهم أربعة آلاف، فانضم إليهم جماعة حتى بلغوا اثني عشر ألفا.
الفرقة السابعة النجارية: أتباع الحسن بن محمد بن عبد اللّه النجار أبي عبد اللّه، كان حائكا، وقيل أنه كان يعمل الموازين، وأنه كان من أهل قمّ، كان من جملة المجبرة ومتكلميهم، وله مع النظّام عدّة مناظرات منها أنه ناظرة مرّة فلما لم يلحن بحجته رفسه النظّام وقال له: قم أخزي اللّه من ينسبك إلى شيء من العلم والفهم، فانصرف محموما واعتلّ حتى مات، وهم أكثر معتزلة الريّ وجهاتها، وهم يوافقون أهل السنة في مسألة القضاء والقدر، واكتساب العباد، وفي الوعد والوعيد، وإمامة أبي بكر ﵁، ويوافقون المعتزلة في نفي الصفات وخلق القرآن، وفي الرؤية، وهم ثلاث فرق البرغوثية والزعفرانية والمستدركة.
الفرقة الثامنة الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، وهم يوافقون أهل السنة في مسألة القضاء والقدر مع ميل إلى الجبر، وينفون الصفات والرؤية، ويقولون بخلق القرآن، وهم فرقة عظيمة وعدادهم في المعطلة المجبرة.
الفرقة التاسعة الروافض: الغلاة في حب عليّ بن أبي طالب، وبغض أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية في آخرين من الصحابة ﵃ أجمعين، وسموا رافضة لأنّ زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵃، امتنع من لعن أبي بكر وعمر ﵄، وقال: هما وزيرا جدّي محمد ﷺ . فرفضوا رأيه، ومنهم من قال لأنهم رفضوا رأي الصحابة ﵃، حيث بايعوا أبا بكر وعمر ﵄. وقد اختلف الناس في الإمام بعد رسول اللّه ﷺ ، فذهب الجمهور إلى أنه أبو بكر الصدّيق ﵁، وقال العباسية والربوبدية أتباع أبي هريرة الربوبديّ، وقيل أتباع أبي العباس الربوبديّ، هو العباس بن عبد المطلب ﵁، لأنه العمّ والوارث، فهو أحق من ابن العمّ. وقال العثمانية وبنو أمية هو عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، وذهب آخرون إلى غير ذلك. وقال الرافضة هو عليّ بن أبي طالب، ثم اختلفوا في الإمامة اختلافا كثيرا، حتى بلغت فرقهم ثلاثمائة فرقة، والمشهور منها عشرون فرقة.
الزيدية والصباحية أقرّوا إمامة أبي بكر ﵁، ورأوا أنه لا نص في إمامة عليّ ﵁، واختلفوا في إمامة عثمان ﵁، فأنكرها بعضهم وأقرّ بعضهم أنه الإمام بعد عمر بن الخطاب ﵁، لكن قالوا عليّ أفضل من أبي بكر، وإمامة