مستحق العقاب والذم، لا على الفعل لأنه لم يفعل ما أمر به، وأن اللّه يعذب الكافرين والعصاة لا على فعل مكتسب، ولا على محدث منه. وقال: التوبة لا تصح من قبيح مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه أو يعتقده قبيحا، وإن كان حسنا، وأنّ التوبة لا تصح مع الإصرار على منع حسنة واجبة عليه، وأن توبة الزاني بعد ضعفه عن الجماع لا تصح، وزعم أن الطهارة غير واجبة، وإنما أمر العبد بالصلاة في حال كونه متطهرا وأن الطهارة تجزيء بالماء المغصوب، ولا تجزيء الصلاة في الأرض المغصوبة، وزعم أن الزنج والترك والهنود قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقال أبو عليّ وابنه أبو هاشم: الإيمان هو الطاعات المفروضة.
والفرقة العشرون من المعتزلة الشيطانية: أتباع محمد بن نعمان المعروف بشيطان الطاق، وهو من الروافض، شارك كلاّ من المعتزلة والروافض في بدعهم، وقلما يوجد معتزليّ إلاّ وهو رافضيّ، إلاّ قليلا منهم، انفرد بطامّة، وهي أنّ اللّه لا يعلم الشيء إلاّ قدّره وأراده، وأما قبل تقديره فيستحيل أن يعلّمه، ولو كان عالما بأفعال عباده لاستحال أن يمتحنهم ويختبرهم، وللمعتزلة إسام منها الثنوية، سموا بذلك لقولهم الخير من اللّه والشرّ من العبد، ومنهم الكيسانية، والناكتية، والأحمدية، والوهمية، والبترية والواسطية، والواردية. سموا بذلك لقولهم لا يدخل المؤمنون النار، وإنما يردون عليها. ومن أدخل النار لا يخرج منها قط، ومنهم الحرقية. لقولهم الكفار لا تحرق إلاّ مرّة، والمفنية القائلون بفناء الجنة والنار. والواقفية القائلون بالوقف في خلق القرآن. ومنهم اللفظية القائلون ألفاظ القرآن غير مخلوقة. والملتزقة القائلون اللّه بكل مكان. والقبرية القائلون بإنكار عذاب القبر.
الفرقة الثانية المشبهة: وهم يغلون في إثبات صفات اللّه تعالى ضدّ المعتزلة، وهم سبع فرق: الهاشمية: أتباع هشام بن الحكم، ويقال لهم أيضا الحكمية، ومن قولهم الإله تعالى كنور السبكية الصافية يتلألأ من جوانبه، ويرمون مقاتل بن سليمان بأنه قال: هو لحم ودم على صورة الإنسان، وهو طويل عريض عميق، وأن طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه، وهو ذو لون وطعم ورائحة، وهو سبعة أشبار يشبر نفسه، ولم يصح هذا القول عن مقاتل.
والجولقية: أتباع هشام بن سالم الجوالقيّ، وهو من الرافضة أيضا، ومن شنيع قوله أن اللّه تعالى على صورة الإنسان، نصفه الأعلى موف ونصفه الأسفل مصمت، وله شعر أسود، وليس بلحم ودم، بل هو نور ساطع، وله خمس حواس كحواس الإنسان، ويد ورجل وفم وعيون وأذن وشعر أسود لا الفرج واللحية.
والبيانية: أتباع بيان بن سمعان القائل هو على صورة الإنسان، ويهلك كله إلاّ وجهه، لظاهر الآية كلّ شيء هالك إلاّ وجهه.
стр. 1507
والمغيرية أتباع مغيرة بن سعيد العجليّ، وهو أيضا من الروافض، ومن شنائعه قوله أن أعضاء معبودهم على صورة حروف الهجاء، فالألف على صورة قدميه، وزعم أنه رجل من نور على رأسه تاج من نور، وزعم أن اللّه كتب بإصبعه أعمال العباد من طاعة ومعصية، ونظر فيهما وغضب من معاصيهم فعرق، فاجتمع من عرقه بحران عذب ومالح، وزعم أنه بكلّ مكان، لا يخلو عنه مكان. والمنهالية أصحاب منهال بن ميمون. والزرارية أتباع زرارة بن أعين.
واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القميّ، وكلهم من الروافض، وسيأتي ذكرهم إن شاء اللّه تعالى، ومنهم أيضا السابية والشاكية والعملية والمستثنية والبدعية والعشرية والأتربة، ومنهم الكرّامية أتباع محمد بن كرّام السجستانيّ وهم طوائف الهيضمية والإسحاقية والجندية وغير ذلك، إلا أنهم يعدّون فرقة واحدة، لأنّ بعضهم لا يكفر بعضا وكلهم مجسمة، إلاّ أن فيهم من قال: هو قائم بنفسه، ومنهم من قال هو أجزاء مؤتلفة، وله جهات ونهايات، ومن قول الكرّامية أن الإيمان هو قول مفرد، وهو قول لا إله إلاّ اللّه، وسواء اعتقد أو لا، وزعموا أن اللّه جسم وله حدّ ونهاية من جهة السفل، وتجوز عليه ملاقاة الأجسام التي تحته، وإنه على العرش والعرش مماس له، وأنه محل الحوادث من القول والإرادة والإدراكات والمرئيات والمسموعات، وأن اللّه لو علم أحدا من عباده لا يؤمن به، لكان خلقه إياهم عبثا، وأنه يجوز أن يعزل نبيا من الأنبياء والرسل، ويجوز عندهم على الأنبياء كل ذنب لا يوجب حدّا ولا يسقط عدالة، وأنه يجب على اللّه تعالى تواتر الرسل، وأنه يجوز أن يكون إمامان في وقت واحد، وأن عليا ومعاوية كانا إمامين في وقت واحد، إلاّ أن عليا كان على السنة ومعاوية على خلافها، وانفرد ابن كرّام في الفقه بأشياء منها أنّ المسافر يكفيه من صلاة الخوف تكبيرتان، وأجاز الصلاة في ثوب مستغرق في النجاسة، وزعم أن الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر العبادات تصح بغير نية، وتكفي نية الإسلام، وأن النية تجب في النوافل، وأنه يجوز الخروج من الصلاة بالأكل والشرب والجماع عمدا، ثم البناء عليها، وزعم بعض الكرّامية أن للّه علمين أحدهما يعلم به جميع المعلومات والآخر يعلم به العلم الأوّل.
الفرقة الثالثة القدرية: الغلاة في إثبات القدرة للعبد في إثبات الخلق والإيجاد، وأنه لا يحتاج في ذلك إلى معاونة من جهة اللّه تعالى.
الفرقة الرابعة المجبرة: الغلاة في نفي استطاعة العبد قبل الفعل وبعده ومعه، ونفي الاختيار له، ونفي الكسب، وهاتان الفرقتان متضادّتان، ثم افترقت المجبرة على ثلاث فرق.
الجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذيّ مولى راسب، وقتل في آخر دولة بني أميّة،
стр. 1508
وهو ينفي الصفات الإلهية كلها ويقول لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه، وأن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالقدرة ولا الاستطاعة، وأن الجنة والنار يفنيان وتنقطع حركات أهلهما، وأن من عرف اللّه ولم ينطق بالإيمان لم يكفر، لأن العلم لا يزول بالصمت، وهو مؤمن مع ذلك. وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة، وكفّره أهل السنة بنفي الصفات وخلق القرآن، ونفي الرؤية، وانفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر، وزعم أن علم اللّه حادث لا بصفة يوصف بها غيره. والبكرية: أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد، وهو يوافق النظّام في أن الإنسان هو الروح، ويزعم أن الباري تعالى يرى في القيامة في صورة يخلقها ويكلم الناس منها، وأن صاحب الكبيرة منافق في الدرك الأسفل من النار، وحاله أسوأ من حال الكافر، وحرّم أكل الثوم والبصل، وأوجب الوضوء من قرقرة البطن.
والضرارية: أتباع ضرار بن عمر، وانفرد بأشياء منها أن اللّه تعالى يرى في القيامة بحاسة زائدة سادسة، وأنكر قراءة ابن مسعود، وشك في دين عامّة المسلمين، وقال لعلهم كفار، وزعم أن الجسم أعراض مجتمعة، كما قالت النجارية، ومن جملة المجبرة.
البطيخية: أتباع إسماعيل البطيخيّ. والصباحية: أتباع أبي صباح بن معمر. والفكرية، والخوفية.
الفرقة الخامسة المرجئة: الإرجاء، إمّا مشتق من الرجاء لأنّ المرجئة يرجون لأصحاب المعاصي الثواب من اللّه تعالى، فيقولون لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، أو يكون مشتقا من الإرجاء وهو التأخير، لأنهم أخروا حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة، وحقيقة المرجئة أنهم الغلاة في إثبات الوعد والرجاء، ونفي الوعيد والخوف عن المؤمنين، وهم ثلاثة أصناف: صنف جمعوا بين الرجاء والقدر، وهم غيلان وأبو شمر من بني حنيفة. وصنف جمعوا بين الإرجاء والجبر، مثل جهم بن صفوان.
وصنف قال بالأرجاء المحض، وهم أربع فرق.
اليونسية أتباع يونس بن عمرو، وهو غير يونس بن عبد الرحمن القميّ الرافضيّ، زعم أن الإيمان معرفة اللّه والخضوع له والمحبة والإقرار بأنه واحد ليس كمثله شيء.
والغسانية: أتباع غسان بن أبان الكوفيّ المنكر نبوّة عيسى ﵇، وتلمذ لمحمد بن الحسن الشيبانيّ، ومذهبه في الإيمان كمذهب يونس إلاّ أنه يقول كل خصلة من خصال الإيمان تسمى بعض الإيمان، ويونس يقول كل خصلة ليست بإيمان ولا بعض إيمان، وزعم غسان أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعند أبي حنيفة ﵀ الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان، فلا يزيد ولا ينقص كقرص الشمس.
والثوبانية أتباع ثوبان المرجي. ثم الخارجيّ المعتزليّ، وكان يقال له جامع النقائص،
стр. 1509
هاجر الخصائص، ومن قوله الإيمان هو المعرفة والإقرار، والإيمان فعل ما يجب في العقل فعله، فأوجب الإيمان بالعقل قبل ورود الشرع، وفارق الغسانية واليونسية في ذلك.
والتؤمنية: أتباع أبي معاذ التؤمنيّ الفيلسوف، زعم أن من ترك فريضة لا يقال له فاسق على الإطلاق، ولكن ترك الفريضة فسق، وزعم أن هذه الخصال التي تكون جملتها إيمانا، فواحدة ليست بإيمان، ولا بعض إيمان، وأن من قتل نبيا كفر لا لأجل القتل بل لاستخفافه به وبغضه له.
ومن فرق المرجئة، المريسية: أتباع بشر بن غياث المريسيّ، كان عراقيّ المذهب في الفقه، تلميذ للقاضي أبي يوسف يعقوب الحضرميّ، وقال بنفي الصفات وخلق القرآن، فأكفرته الصفاتية بذلك، وزعم أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، ولا استطاعة مع الفعل، فأكفرته المعتزلة بذلك. وزعم أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو مذهب ابن الربوبدي، ولما ناظره الشافعيّ في مسألة خلق القرآن ونفي الصفات قال له: نصفك كافر لقولك بخلق القرآن. ونفي الصفات، ونصفك مؤمن لقولك بالقضاء والقدر وخلق اكتساب العباد. وبشر معدود من المعتزلة لنفيه الصفات وقوله بخلق القرآن.
ومن فرق المرجئة الصالحية، أتباع صالح بن عمرو بن صالح والجحدرية أتباع جحدر بن محمد التميميّ والزيادية أتباع محمد بن زياد الكوفيّ والشبيبية أتباع محمد بن شبيب والنقاضية والبهشمية. ومن المرجئة جماعة من الأئمة، كسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، وعمرو بن مرّة، ومحارب بن دثار، وعمرو بن ذر، وحماد بن سليمان، وأبي مقاتل. وخالفوا القدرية والخوارج والمرجئة في أنهم لم يكفروا بالكبائر، ولا حكموا بتخليد مرتكبها في النار، ولا سبوا أحدا من الصحابة، ولا وقعوا فيهم.
وأوّل من وضع الإرجاء أبو محمد الحسن بن محمد المعروف بابن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب، وتكلم فيه وصارت المرجئة بعده أربعة أنواع: الأوّل مرجئة الخوارج، الثاني مرجئة القدرية، الثالث مرجئة الجبرية، الرابع مرجئة الصالحية. وكان الحسن بن محمد ابن الحنفية يكتب كتبه إلى الأمصار يدعو إلى الإرجاء، إلاّ أنه لم يؤخر العمل عن الإيمان كما قال بعضهم، بل قال أداء الطاعات وترك المعاصي ليس من الإيمان، لا يزول بزوالها. وقال ابن قتيبة أوّل من وضع الإرجاء بالبصرة حسان بن بلال بن الحارث المزنيّ، وذكر بعضهم أن أوّل من وضع الإرجاء أبا سلت السمان، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة.
الفرقة السادسة الحرورية: الغلاة في إثبات الوعيد والخوف على المؤمنين، والتخليد في النار مع وجود الإيمان، وهم قوم من النواصب الخوارج، وهم مضادّون المرجئة في النفي والإثبات والوعد والوعيد، ومن مفرداتهم أن من ارتكب كبيرة فهو مشرك، ومذهب عامّة الخوارج أنه كافر وليس بمشرك. وقال بعضهم هو منافق في الدرك الأسفل من النار،
стр. 1510
فعند الحرورية أن الاسم يتغير بارتكاب الكبيرة الواحدة فلا يسمى مؤمنا بل كافرا مشركا، والحكم فيه أنه يخلد في النار، واتفقوا على أن الإيمان هو اجتناب كل معصية، وقيل لهم الحرورية لأنهم خرجوا إلى حروراء لقتال عليّ بن أبي طالب ﵁، وعدّتهم اثنا عشر ألفا، ثم سار عليّ ﵁ إليهم وناظرهم، ثم قاتلهم وهم أربعة آلاف، فانضم إليهم جماعة حتى بلغوا اثني عشر ألفا.
الفرقة السابعة النجارية: أتباع الحسن بن محمد بن عبد اللّه النجار أبي عبد اللّه، كان حائكا، وقيل أنه كان يعمل الموازين، وأنه كان من أهل قمّ، كان من جملة المجبرة ومتكلميهم، وله مع النظّام عدّة مناظرات منها أنه ناظرة مرّة فلما لم يلحن بحجته رفسه النظّام وقال له: قم أخزي اللّه من ينسبك إلى شيء من العلم والفهم، فانصرف محموما واعتلّ حتى مات، وهم أكثر معتزلة الريّ وجهاتها، وهم يوافقون أهل السنة في مسألة القضاء والقدر، واكتساب العباد، وفي الوعد والوعيد، وإمامة أبي بكر ﵁، ويوافقون المعتزلة في نفي الصفات وخلق القرآن، وفي الرؤية، وهم ثلاث فرق البرغوثية والزعفرانية والمستدركة.
الفرقة الثامنة الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، وهم يوافقون أهل السنة في مسألة القضاء والقدر مع ميل إلى الجبر، وينفون الصفات والرؤية، ويقولون بخلق القرآن، وهم فرقة عظيمة وعدادهم في المعطلة المجبرة.
الفرقة التاسعة الروافض: الغلاة في حب عليّ بن أبي طالب، وبغض أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية في آخرين من الصحابة ﵃ أجمعين، وسموا رافضة لأنّ زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵃، امتنع من لعن أبي بكر وعمر ﵄، وقال: هما وزيرا جدّي محمد ﷺ . فرفضوا رأيه، ومنهم من قال لأنهم رفضوا رأي الصحابة ﵃، حيث بايعوا أبا بكر وعمر ﵄. وقد اختلف الناس في الإمام بعد رسول اللّه ﷺ ، فذهب الجمهور إلى أنه أبو بكر الصدّيق ﵁، وقال العباسية والربوبدية أتباع أبي هريرة الربوبديّ، وقيل أتباع أبي العباس الربوبديّ، هو العباس بن عبد المطلب ﵁، لأنه العمّ والوارث، فهو أحق من ابن العمّ. وقال العثمانية وبنو أمية هو عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، وذهب آخرون إلى غير ذلك. وقال الرافضة هو عليّ بن أبي طالب، ثم اختلفوا في الإمامة اختلافا كثيرا، حتى بلغت فرقهم ثلاثمائة فرقة، والمشهور منها عشرون فرقة.
الزيدية والصباحية أقرّوا إمامة أبي بكر ﵁، ورأوا أنه لا نص في إمامة عليّ ﵁، واختلفوا في إمامة عثمان ﵁، فأنكرها بعضهم وأقرّ بعضهم أنه الإمام بعد عمر بن الخطاب ﵁، لكن قالوا عليّ أفضل من أبي بكر، وإمامة
стр. 1511
المفضول جائزة، وقال الغلاة هو عليّ بالنص، ثم الحسن وبعده الحسين، وصار بعد الحسين الأمر شورى. وقال بعضهم لم يرد النص إلاّ بإمامة عليّ فقط، وقال آخرون نص على عليّ بالوصف لا بالعين والاسم. وقال بعضهم قد جاء النص على إمامة اثني عشر آخرهم المهديّ المنتظر.
وفرقهم العشرون هي: الإمامية: وهم مختلفون في الإمامة بعد رسول اللّه ﷺ ، فزعم أكثرهم أن الإمامة في عليّ بن أبي طالب وأولاده بنص النبيّ ﷺ ، وأن الصحابة كلهم قد ارتدّوا إلاّ عليا وابنيه الحسن والحسين وأبا ذر الغفاريّ وسلمان الفارسيّ وطائفة يسيرة.
وأوّل من تكلم في مذهب الإمامية عليّ بن إسماعيل بن هيثم التمار، وكان من أصحاب عليّ بن أبي طالب، وذهبت القطعية منهم إلى أن الإمامة في عليّ، ثم في الحسن، ثم في الحسين، ثم في عليّ بن الحسين، ثم في محمد بن عليّ، ثم في جعفر بن محمد، ثم في موسى بن جعفر، ثم في عليّ بن موسى. وقطعوا الإمامة عليه فسموا القطعية لذلك، ولم يكتبوا إمامة محمد بن موسى، ولا إمامة الحسن بن محمد بن عليّ بن موسى، وقالت الناووسية جعفر بن محمد لم يمت وهو حيّ ينتظر، وقالت المباركية أتباع مبارك الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، ثم محمد بن إسماعيل. وقالت الشميطية أتباع يحيى بن شميط الأحمسيّ، كان مع المختار قائدا من قوّاده، فأنفذه أميرا على جيش البصرة يقاتل مصعب بن الزبير، فقتل بالمدار: الإمامة بعد جعفر في ابنه محمد وأولاده، وقالت المعمرية أتباع معمر: الإمامة بعد جعفر في ابنه عبد اللّه بن جعفر وأولاده. ويقال لهم الفطحية، لأنّ عبد اللّه بن جعفر كان أفطح الرجلين. وقالت الواقفية: الإمام بعد جعفر ابنه موسى بن جعفر وهو حيّ لم يمت، وهو الإمام المنتظر، وسموا الواقفية لوقوفهم على إمامة موسى. وقالت الزرارية أتباع زرارة بن أعين الإمام: بعد جعفر ابنه عبد اللّه، إلاّ أنّه سأله عن مسائل فلم يمكنه الجواب عنها فادّعى إمامة موسى بن جعفر من بعد أبيه. وقالت المفضلية أتباع المفضل بن عمرو: الإمام بعد جعفر ابنه موسى، وأنه مات فانتقلت الإمامة إلى ابنه محمد بن موسى. وقالت المفوّضة من الإمامية: إن اللّه تعالى خلق محمدا ﷺ وفوّض إليه خلق العالم وتدبيره. وقال بعضهم بل فوّض ذلك إلى عليّ بن أبي طالب.
والفرقة الثانية من فرق الروافض: الكيسانية، أتباع كيسان مولى عليّ بن أبي طالب، وأخذ عن محمد ابن الحنفية، وقيل بل كيسان اسم المختار بن عبيد الثقفيّ الذي قام لأخذ ثأر الحسين ﵁. زعموا أن الإمام بعد عليّ ابنه محمد ابن الحنفية، لأنه أعطاه الراية يوم الجمل، ولأنّ الحسين أوصى إليه عند خروجه إلى الكوفة، ثم اختلفوا في الإمام بعد ابن الحنفية، فقال بعضهم رجع الأمر بعده إلى أولاد الحسن والحسين، وقيل بل انتقل إلى أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، وقالت الكربية أتباع أبي كرب بأن ابن الحنفية حيّ لم يمت، وهو الإمام المنتظر. ومن قول الكيسانية أن البدا جائز على اللّه، وهو كفر صريح.
стр. 1512
والفرقة الثالثة الخطابية: أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي ثور، وقيل محمد بن أبي يزيد الأجدع، ومذهبه الغلوّ في جعفر بن محمد الصادق، وهو أيضا من المشبهة، وأتباعه خمسون فرقة، وكلهم متفقون على أن الأئمة مثل عليّ وأولاده كلهم أنبياء، وأنه لا بدّ من رسولين لكلّ أمّة، أحدهما ناطق والآخر صامت، فكان محمد ناطقا وعليّ صامتا، وأن جعفر بن محمد الصادق كان نبيا، ثم انتقلت النبوّة إلى أبي الخطاب الأجدع، وجوّزوا كلهم شهادة الزور لموافقيهم، وزعموا أنهم عالمون بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقالت المعمرية: منهم الإمام بعد أبي الخطاب رجل اسمه معمر، وزعموا أن الدنيا لا تفنى، وأن الجنة هي ما يصيبه الإنسان من الخير في الدنيا، والنار ضدّ ذلك، وأباحوا شرب الخمر والزنى وسائر المحرّمات، ودانوا بترك الصلاة، وقالوا بالتناسخ، وأن الناس لا يموتون وإنما ترفع أرواحهم إلى غيرهم. وقالت البزيغية منهم: أن جعفر بن محمد إله وليس هو الذي يراه الناس وإنما تشبه على الناس، وزعموا أن كلّ مؤمن يوحى إليه، وأنّ منهم من هو خير من جبريل وميكائيل ومحمد ﷺ ، وزعموا أنهم يرون أمواتهم بكرة وعشيا. وقالت العميرية منهم أتباع عمير بن بيان العجليّ مثل ذلك كله، وخالفوهم في أن الناس لا يموتون، وافترقت الخطابية بعد قتل أبي الخطاب فرقا، منها فرقة زعمت أن الإمام بعد أبي الخطاب، عمير بن بيان العجليّ، ومقالتهم كمقالة البزيغية، إلاّ أن هؤلاء اعترفوا بموتهم ونصبوا خيمة على كناسة الكوفة يجتمعون فيها على عبادة جعفر الصادق، فبلغ ذلك يزيد بن عمير، فصلب عمير بن بيان في كناسة الكوفة، ومن فرقهم المفضلية، أتباع مفضل الصيرفيّ، زعم أن جعفر بن محمد إله، فطرده ولعنه، وزعمت الخطابية بأجمعها أن جعفر بن محمد الصادق أودعهم جلدا يقال له جفر، فيه كلّ ما يحتاجون إليه من علم الغيب وتفسير القرآن، وزعموا لعنهم اللّه، أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ معناه عائشة أمّ المؤمنين ﵂، القائلون بإمامته وإمامة من اجتمع فيه ست خصال، العلم والزهد والشجاعة، وأن يكون من أولاد فاطمة الزهراء ﵂ حسنيا أو حسينيا، ومنهم من زاد صباحة الوجه، وأن لا يكون فيه آفة، وهم يوافقون المعتزلة في أصولهم كلها إلاّ في مسألة الإمامة، وأخذ مذهب زيد بن عليّ عن واصل بن عطاء، وكان يفضل عليا على أبي بكر وعمر مع القول بإمامتهما، وهم أربع فرق: الجارودية، أتباع أبي الجارود، ويكنّى أبا النجم زياد بن المنذر العبديّ، زعم أن النبيّ ﷺ نص على إمامة عليّ بالوصف لا بالتسمية، وأن الناس كفروا بتركهم مبايعة عليّ ﵁، والحسن والحسين وأولادهما. والجريرية أتباع سليم بن جرير، ومن قوله لم يكفر الناس بتركهم مبايعة عليّ، بل أخطأوا بترك الأفضل وهو عليّ، وكفّروا الجارودية بتكفيرهم الصحابة، إلا أنهم كفّروا عثمان بن عفان بالأحداث التي أحدثها وقالوا: لم ينص عليّ على إمامة أحد، وصار الأمر من بعده شورى، ومنهم البترية أتباع الحسن بن صالح بن كثير الأبتر، وقولهم أنّ عليا أفضل
стр. 1513
وأولى بالإمامة، غير أن أبا بكر كان إماما، ولم تكن إمامته خطأ ولا كفرا، بل ترك عليّ الإمامة له، وأما عثمان فيتوقف فيه. ومنهم اليعقوبية أتباع يعقوب، وهم يقولون بإمامة أبي بكر وعمر، ويتبرّؤون ممن تبرّأ منهما، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ويتبرّؤون ممن دان بها، إلاّ أنهم متفقون على تفضيل عليّ على أبي بكر وعمر من غير تفسيقهما ولا تكفيرهما ولا لعنهما ولا الطعن على أحد من الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين.
والفرقة الخامسة السبائية: أتباع عبد اللّه بن سبأ الذي قال شفاها لعليّ بن أبي طالب:
أنت الإله، وكان من اليهود. ويقول في يوشع بن نون مثل قوله ذلك في عليّ، وزعم أن عليا لم يقتل وأنه حيّ لم يمت، وأنه في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد حين. قبحه اللّه.
والفرقة السادسة: الكاملية أتباع أبي كامل، اكفر جميع الصحابة بتركهم بيعة عليّ، وكفر عليا بتركه قتالهم، وقال بتناسخ الأنوار الإلهية في الأئمة.
والفرقة السابعة: البيانية، أتباع بيان بن سمعان، زعم أن روح الإله حل في الأنبياء، ثم في عليّ، وبعده في محمد ابن الحنفية، في ابنه أبي هاشم عبد اللّه بن محمد، ثم حل بعد أبي هاشم في بيان بن سمعان، يعني نفسه، لعنه اللّه.
والفرقة الثامنة: المغيرية، أتباع مغيرة بن سعيد العجليّ، مولى خالد بن عبد اللّه، طلب الإمامة لنفسه بعد محمد بن عبد اللّه بن الحسن، فخرج على خالد بن عبد اللّه القسريّ بالكوفة في عشرين رجلا فعطعطوا به، فقال خالد أطعموني ماء وهو على المنبر، فعير بذلك. والمغيرة هذا قال بالتشبيه الفاحش، وادّعى النبوّة، وزعم أن معجزته علمه بالاسم الأعظم، وأنه يحيي الموتى، وزعم أن اللّه لما أراد أن يخلق العالم كتب بإصبعه أعمال عباده، فغضب من معاصيهم، فعرق فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مالح والآخر عذب، فخلق من البحر العذب الشيعة، وخلق الكفرة من البحر الملح، وزعم أن المهديّ يخرج وهو محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب.
والفرقة التاسعة: الهشامية، وهم صنفان: أحدهما أتباع هشام بن الحكم، والثاني أتباع هشام الجولقيّ، وهما يقولان لا تجوز المعصية على الإمام، وتجوز على الأنبياء، وأن محمدا عصى ربه في أخذ الفداء من أسرى بدر كذبا، لعنهما اللّه، وهما أيضا مع ذلك من المشبهة.
والفرقة العاشرة: الزرارية، أتباع زرارة بن أعين، أحد الغلاة في الرفض، ويزعم مع ذلك أن اللّه تعالى لم يكن في الأزل عالما ولا قادرا حتى اكتسب لنفسه جميع ذلك.
قبحه اللّه.
стр. 1514
والفرقة الحادية عشر: الجناحية، أتباع عبد اللّه بن معاوية ذي الجناحين بن أبي طالب، وزعم أنه إله، وأن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة، وأن روح الإله دارت في الأنبياء كما كانت في عليّ وأولاده، ثم صارت فيه، ومذهبهم استحلال الخمر والميتة ونكاح المحارم، وأنكروا القيامة، وتأوّلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ﴾ [المائدة/ ٩٣] وزعموا أن كل ما في القرآن من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كناية عن قوم يلزم بغضهم، مثل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وكل ما في القرآن من الفرائض التي أمر اللّه بها، كناية عمن يلزم موالاتهم، مثل عليّ والحسن والحسين وأولادهم.
والثانية عشر: المنصورية، أتباع أبي منصور العجليّ، أحد الغلاة المشبهة، زعم أن الإمامة انتقلت إليه بعد محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وأنه عرج به إلى السماء بعد انتقال الإمامة إليه، وأن معبوده مسح بيده على رأسه وقال له: يا بنيّ بلغ عني آية الكسف الساقط من السماء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ اَلسَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ الآية [الطور/ ٤٤] وزعم أن أهل الجنة قوم تجب موالاتهم مثل عليّ بن أبي طالب وأولاده، وأن أهل النار قوم تجب معاداتهم مثل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ﵃.
والثالثة عشر: الغرابية، زعموا، لعنهم اللّه، أن جبريل أخطأ، فإنه أرسل إلى عليّ بن أبي طالب، فجاء إلى محمد ﷺ ، وجعلوا شعارهم إذا اجتمعوا أن يقولوا: العنوا صاحب الريش، يعنون جبريل ﵇ وعليهم اللعنة.
والرابعة عشر: الذمّية، بفتح الذال المعجمة، زعموا، أخزاهم اللّه، أن عليّ بن أبي طالب بعثه اللّه نبيا، وأنه بعث محمدا ﷺ ليظهر أمره، فادّعى النبوّة لنفسه، وأرضى عليا بأن زوّجه ابنته وموّله، ومنهم العليانية: أتباع عليان بن ذراع السدوسيّ، وقيل الأسديّ، كان يفضل عليا على النبيّ ﷺ ، ويزعم أن عليا بعث محمدا، وكان، لعنه اللّه، يذم النبيّ ﷺ ، لزعمه أن محمدا بعث ليدعو إلى عليّ، فدعا إلى نفسه، ومن العليانية من يقول بإلهية محمد وعليّ جميعا، ويقدّمون محمدا في الإلهية، ويقال لهم الميمية، ومنهم من قال بإلهية خمسة وهم أصحاب الكساء، محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، وقالوا خمستهم شيء واحد، والروح حالة فيهم بالسوية، لا فضل لواحد منهم على الآخر، وكرهوا أن يقولوا فاطمة بالهاء، فقالوا فاطم، قال بعضهم:
стр. 1515
توليت بعد اللّه في الدين خمسة … نبيا وسبطيه وشيخا وفاطما
والخامسة عشر: اليونسية، أتباع يونس بن عبد اللّه القميّ، أحد الغلاة المشبهة.
والسادسة عشر: الرزامية، أتباع رزام بن سابق، زعم أن الإمامة انتقلت بعد عليّ بن أبي طالب إلى ابنه محمد ابن الحنفية، ثم إلى ابنه أبي هاشم، ثم إلى عليّ بن عبد اللّه بن عباس بالوصية، ثم إلى ابنه محمد بن عليّ، فأوصى بها محمد إلى أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح الظالم، المتردّد في المذاهب، الجاهل بحقوق أهل البيت.
والسابعة عشر: الشيطانية، أتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق، وقد شارك المعتزلة والرافضة في جميع مذهبهم، وانفرد بأعظم الكفر قاتله اللّه، وهو أنه زعم أن اللّه لا يعلم الشيء حتى يقدّره، وقبل ذلك يستحيل علمه.
والثامنة عشر: البسلمية، وهم من الراوندية، زعموا أن الإمامة بعد رسول اللّه ﷺ صارت في عليّ وأولاده الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية، ثم في أبي هاشم عبد اللّه بن محمد ابن الحنفية، وانتقلت منه إلى عليّ بن عبد اللّه بن عباس بوصيته إليه، ثم إلى أبي العباس السفاح، ثم إلى أبي سلمة صاحب دولة بني العباس، وقام بناحية كش فيما وراء النهر رجل من أهل مرو أعور يقال له هاشم، ادّعى أن أبا سلمة كان إلها انتقل إليه روح اللّه، ثم انتقل إليه بعده، فانتشرت دعوته هناك، واحتجب عن أصحابه واتخذ له وجها من ذهب، فعرف بالمصيغ، ثم إن أصحابه طلبوا رؤيته فوعدهم أن يريهم نفسه إن لم يحترقوا، وعمل تجاه مرآه مرآة محرقة تعكس شعاع الشمس، فلما دخلوا عليه احترق بعضهم ورجع الباقون، وقد فتنوا واعتقدوا أنه إله لا تدركه الأبصار، ونادوا في حروبهم بإلهيته.
والتاسعة عشر: الجعفرية.
والعشرون: الصباحية، وهم والزيدية أمثل الشيعة، فإنهم يقولون بإمامة أبي بكر، وأنه لا نص في إمامة عليّ، مع أنه عندهم أفضل، وأبو بكر مفضول.
ومن فرق الروافض، الخلوية والشاعية والشريكية، يزعمون أن عليا شريك محمد ﷺ . والتناسخية القائلون أن الأرواح تتناسخ، واللاعنة والمخطئة الذين يزعمون أن جبريل أخطأ، والإسحاقية والخلفية الذين يقولون لا تجوز الصلاة خلف غير الإمام.
والرجعية القائلون سيرجع عليّ بن أبي طالب وينتقم من أعدائه. والمتربصية الذين يتربصون خروج المهديّ. والأمرية والجبية والجلالية والكريبية، أتباع أبي كريب الضرير.
والحزنية أتباع عبد اللّه بن عمرو الحزنيّ.
стр. 1516
الفرقة العاشرة الخوارج: ويقال لهم النواصب، والحرورية نسبة إلى حروراء، موضع خرج فيه أوّلهم على عليّ ﵁، وهم الغلاة في حب أبي بكر وعمر وبغض عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم أجمعين، ولا أجهل منهم، فإنهم القاسطون المارقون، خرجوا على عليّ ﵁ وانفصلوا عنه بالجملة وتبرّءوا منه، ومنهم من صحبه ومنهم من كان في زمنه، وهم جماعة قد دوّن الناس أخبارهم وهم عشرون فرقة:
الأولى يقال لهم الحكمية، لأنهم خرجوا على عليّ ﵁ في صفين، وقالوا لا حكم إلا للّه ولا حكم للرجال، وانحازوا عنه إلى حروراء، ثم إلى النهروان، وسبب ذلك أنهم حملوه على التحاكم إلى من حكم بكتاب اللّه، فلما رضي بذلك وكانت قضية الحكمين أبي موسى الأشعريّ، وهو عبد اللّه بن قيس، وعمرو بن العاص، غضبوا من ذلك ونابذوا عليا وقالوا في شعارهم، لا حكم إلاّ للّه ولرسوله، وكان إمامهم في التحكيم عبد اللّه بن الكوّاء.
والثانية الأزارقة أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق بن قيس بن نهار بن إنسان بن أسد بن صبرة بن ذهل بن الدول بن حنيفة، الخارج بالبصرة في أيام عبد اللّه بن الزبير، وهم على التبرّي من عثمان وعليّ والطعن عليهما، وأن دار مخالفيهم دار كفر، وأن من أقام بدار الكفر فهو كافر، وأن أطفال مخالفيهم في النار، ويحل قتلهم، وأنكروا رجم الزاني وقالوا:
من قذف محصنة حدّ، ومن قذف محصنا لا يحدّ، ويقطع السارق في القليل والكثير.
والثالثة النجدات، ولم يقل فيهم النجدية، ليفرّق بينهم وبين من انتسب إلى بلاد نجد، فإنهم أتباع نجد بن عويمر، وهو عامر الحنفيّ الخارج باليمامة، وكان رأسا ذا مقالة مفردة، وتسمّى بأمير المؤمنين، وبعث عطية بن الأسود إلى سجستان فأظهر مذهبه بمرو، فعرفت أتباعه بالعطوية، ومذهبهم أن الدين أمران، أحدهما معرفة اللّه تعالى ومعرفة رسوله وتحريم دماء المسلمين وأموالهم. والثاني الإقرار بما جاء من عند اللّه تعالى جملة، وما سوى ذلك من التحريم والتحليل وسائر الشرائع، فإن الناس يعذرون بجهلها، وأنه لا يأثم المجتهد إذا أخطأ وأن من خالف أن يعذب المجتهد، فقد كفر واستحلوا دماء أهل الذمّة في دار التقية، وقالوا من نظر نظرة محرّمة أو كذب كذبة أو أصرّ على صغيرة ولم يتب منها فهو كافر، ومن زنى أو سرق أو شرب خمرا من غير أن يصرّ على ذلك فهو مؤمن غير كافر.
والرابعة الصفرية أتباع زياد بن الأصفر، ويقال أتباع النعمان بن صفر، وقيل بل نسبوا إلى عبد اللّه بن صفار، وهو أحد بني مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار، وقيل عبد اللّه بن الصفار من بني صويمر بن مقاعس، وقيل سموا بذلك لصفرة علتهم، وزعم بعضهم أن الصفرية بكسر الصاد، وقد وافق الصفرية الأزارقة في جميع بدعهم إلاّ في قتل الأطفال، ويقال للصفرية
стр. 1517
أيضا الزيادية، ويقال لهم أيضا النكار من أجل أنهم ينقصون نصف عليّ وثلث عثمان، وسدس عائشة ﵃.
والخامسة العجاردة أتباع عبد الكريم بن عجرد.
والسادسة الميمونية أتباع ميمون بن عمران، وهم طائفة من العجاردة، وافقوا الأزارقة إلاّ في شيئين، أحدهما قولهم تجب البراءة من الأطفال حتى يبلغوا ويصفوا الإسلام، والثاني استحلال أموال المخالفين لهم، فلم تستحل الميمونية مال أحد خالفهم ما لم يقتل المالك، فإذا قتل صار ماله فيئا، إلاّ أنهم ازدادوا كفرا على كفرهم، وأجازوا نكاح بنات البنات وبنات البنين وبنات أولاد الإخوة وبنات أولاد الأخوات فقط.
والسابعة الشعيبية، وهم طائفة من العجاردة وافقوا الميمونية في جميع بدعهم إلاّ في الاستطاعة والمشيئة، فإن الميمونية مالت إلى القدرية.
والثامنة الحمزية، أتباع حمزة بن أدرك الشاميّ الخارج بخراسان في خلافة هارون بن محمد الرشيد، وكثر عيثه وفساده، ثم فض جموع عيسى بن عليّ عامل خراسان وقتل منهم خلقا كثيرا، فانهزم منه عيسى إلى كابل، وآل أمر حمزة إلى أن غرق في كرمان بواد هناك، فعرفت أصحابه بالحمزية، وكان يقول بالقدر فكفرته الأزارقة بذلك، وقال أطفال المشركين في النار، فكفّرته القدرية بذلك، وكان لا يستحل غنائم أعدائه بل يأمر بإحراق جميع ما يغنمه منهم.
والتاسعة الحازمية، وهم فرقة من العجاردة، قالوا في القدر والمشيئة كقول أهل السنة، وخالفوا الخوارج في الولاية والعداوة، فقالوا لم يزل اللّه تعالى محبا لأوليائه ومبغضا لأعدائه.
والعاشرة المعلومية مع المجهولية، تباينا في مسألتين إحداهما قالت المعلومية: من لم يعرف اللّه تعالى بجميع أسمائه فهو كافر، وقالت المجهولية: لا يكون كافرا. والثانية وافقت المعلومية أهل السنة في مسألة القدر والمشيئة، والمجهولية وافقت القدرية في ذلك.
والحادية عشر الصلتية، أتباع عثمان بن أبي الصلت، وهم طائفة من العجاردة انفردوا بقولهم: من أسلم توليناه لكن نتبرّأ من أطفاله، لأنه ليس للأطفال إسلام حتى يبلغوا.
والثانية عشر والثالثة عشر الأحسنية والمعبدية، وهما فرقتان من الثعالبة أتباع ثعلبة بن عامر، وكان ثعلبة هذا مع عبد الكريم بن عجرد ثم اختلفا في الأطفال. فقال عبد الكريم:
نتبرّأ منهم قبل البلوغ، وقال ثعلبة لا نتبرّأ منهم بل نقول نتولى الصغار. فلم تزل الثعالبة على هذا إلى أن خرج رجل عرف بالأخنس فقال: نتوقف عن جميع من في دار التقية إلاّ من عرفنا منه إيمانا فإنا نتولاه، ومن عرفنا منه كفرا تبرّأ منه، ولا يجوز أن نبدأ حدا بقتال،
стр. 1518
فتبرّأت منه الثعالبة وسموه بالأخنس لأنه خنس منهم، أي رجع عنهم، ثم خرجت فرقة من الثعالبة قيل لها المعبدية أتباع معبد، فخالفت الثعالبة في أخذ الزكاة من العبيد والبهائم وكفّرت كلّ فرقة منهما الأخرى.
والرابعة عشر الشيبانية، أتباع شيبان بن سلمة الخارج في أيام أبي مسلم الخراسانيّ القائم بدعوة الخلفاء العباسيين، وكان معه. فتبرّأت منه الثعالبة لمعاونته لأبي مسلم، وهو أوّل من أظهر القول بالتشبيه تعالى اللّه عن ذلك.
والخامسة عشر الشبيبية، أتباع شبيب بن يزيد بن أبي نعيم الخارج في خلافة عبد الملك بن مروان، وصاحب الحروب العظيمة مع الحجاج بن يوسف الثقفيّ، وهم على ما كانت عليه الحكمية الأولى، إلاّ أنهم انفردوا عن الخوارج بجواز إمامة المرأة وخلافتها، واستخلف شبيب هذا أمّه غزالة فدخلت الكوفة وقامت خطيبة وصلت الصبح بالمسجد الجامع، فقرأت في الركعة الأولى بالبقرة، وفي الثانية بآل عمران، وأخبار شبيب طويلة.
والسادسة عشر الرشيدية: أتباع رشيد، يقال لهم أيضا العشرية من أجل أنهم كانوا يأخذون نصف العشر مما سقت الأنهار، فقال لهم زياد بن عبد الرحمن يجب فيه العشر، فتبرّأت كل فرقة من الأخرى وكفّرتها بذلك.
والسابعة عشر المكرمية: أتباع أبي المكرم، ومن قوله تارك الصلاة كافر، وليس كفره لترك الصلاة، لكن لجهله بالله، وكذا قوله في سائر الكبائر.
والثامنة عشر الحفصية: أتباع حفص بن المقدام أحد أصحاب عبد اللّه بن أباض، تفرّد بقوله من عرف اللّه تعالى وكفر بما سواه من رسول وغيره فهو كافر وليس بمشرك، فأنكر ذلك الإباضية وقالوا بل هو مشرك.
والتاسعة عشر الإباضية، أتباع عبد اللّه بن أباض من بني مقاعس، واسمه الحرث بن عمرو، ويقال بل ينسبون إلى أباض بضم الهمزة، وهي قرية بالعرض من اليمامة نزل بها نجد بن عامر، وخرج عبد اللّه بن أباض في أيام مروان، وكان من غلاة الحكمة.
والفرقة العشرون اليزيدية، أتباع يزيد بن أبي أنيسة، وكان أباضيا، فانفرد ببدعة قبيحة، وهي أن اللّه تعالى سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا جملة واحدة ينسخ به شريعة محمد ﷺ .
ومن فرق الخوارج أيضا الحارثية، والأصومية، أتباع يحيى بن أصوم، والبيهسية أتباع أبي البيهس الهيصم بن خالد من بني سعيد بن ضبعة، كان في زمن الحجاج، وقتل بالمدينة وصلب، واليعقوبية أتباع يعقوب بن عليّ الكوفيّ، ومن فرقهم الفضلية، أتباع فضل بن عبد اللّه، والشمراخية أتباع عبد اللّه بن شمراخ، والضحاكية أتباع الضحاك،
стр. 1519
والخوارج يقال لهم الشراة، وأحدهم شاري، مشتق من شرى الرجل إذا ألح، أو معناه يستشري بالشرّ، أو من قول الخوارج شرينا أنفسنا لدين اللّه فنحن لذلك شراة، وقيل أنه من قولهم شاريته أي لاححته وماريته، وقيل شرى الرجل غضبا إذا استطار غضبا، وقيل لهم هذا لشدّة غضبهم على المسلمين.
ذكر الحال في عقائد أهل الإسلام، منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعرية
اعلم أن اللّه تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدا ﷺ رسولا إلى الناس جميعا، وصف لهم ربهم ، بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه ﷺ الروح الأمين وبما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله ﷺ أحد من العرب بأسرهم، قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه ﷺ عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك مما للّه فيه سبحانه أمر ونهي، وكما سألوه ﷺ عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه ﷺ في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة والملاحم والفتن، ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبويّ، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃، وعلى اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم، أنه سأل رسول اللّه ﷺ عن معنى شيء مما وصف الربّ، سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات، نعم ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقا واحدا. وهكذا أثبتوا ﵃ ما أطلقه اللّه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين، فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرّض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل به على وحدانية اللّه تعالى، وعلى إثبات نبوّة محمد ﷺ ، سوى كتاب اللّه، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصر الصحابة ﵃ على هذا إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأنّ الأمر أنفة، أي أنّ اللّه تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا مما هم عليه.
وكان أوّل من قال بالقدر في الإسلام، معبد بن خالد الجهنيّ، وكان يجالس الحسن بن الحسين البصريّ، فتكلم في القدر بالبصرة، وهلك أهل البصرة مسلكه لما رأوا
стр. 1520
عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له أبو يونس سنسويه، ويعرف بالإسواريّ، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، ولما بلغ عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ﵄ مقالة معبد في القدر تبرّأ من القدرية، واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة، وأخذ السلف ﵏ في ذمّ القدرية، وحذروا منهم كما هو معروف في كتب الحديث، وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر، وكان يأتي هو ومعبد الجهنيّ إلى الحسن البصريّ فيقولان له: إنّ هؤلاء يسفكون الدماء ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر اللّه، فقال: كذب أعداء اللّه، فطعن عليه بهذا، ومثله. وحدث أيضا في زمن الصحابة ﵃ مذهب الخوارج، وصرّحوا بالتكفير بالذنب والخروج على الإمام وقتاله، فناظرهم عبد اللّه بن عباس ﵄ فلم يرجعوا إلى الحق، وقاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، وقتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار، ودخل في دعوة الخوارج خلق كثير، ورمى جماعة من أئمة الإسلام بأنهم يذهبون إلى مذهبهم، وعدّ منهم غير واحد من رواة الحديث كما هو معروف عند أهله، وحدث أيضا في زمن الصحابة ﵃ مذهب التشيع لعليّ بن أبي طالب ﵁، والغلوّ فيه، فلما بلغه ذلك أنكره وحرّق بالنار جماعة ممن غلا فيه وأنشد:
لمّا رأيت الأمر أمرا منكرا … اجّجت ناري ودعوت قنبرا
وقام في زمنه ﵁ عبد اللّه بن وهب بن سبأ، المعروف بابن السوداء السبأي، وأحدث القول بوصية رسول اللّه ﷺ لعليّ بالإمامة من بعده، فهو وصيّ رسول اللّه ﷺ وخليفته على أمّته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة عليّ بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول اللّه ﷺ أيضا، وزعم أنّ عليا لم يقتل، وأنه حيّ وأن فيه الجزء الإلهيّ، وأنه هو الذي يجيء في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه لا بدّ أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا. ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وصاروا يقولون بالوقف، يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الاثني عشر، وقول الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، وعنه أيضا أخذوا القول بفيئة الإمام، والقول برجعته بعد الموت إلى الدنيا، كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السرداب، وهو القول بتناسخ الأرواح، وعنه أخذوا أيضا القول بأن الجزء الإلهيّ يحلّ في الأئمة بعد عليّ بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب، كما استحق آدم ﵇ سجود الملائكة، وعلى هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر، وابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ حتى قتل: كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب التاريخ الكبير المقفى؛ وكان له عدّة أتباع في عامّة الأمصار، وأصحاب كثيرون في معظم الأقطار، فكثرت لذلك الشيعة
стр. 1521
وصاروا ضدّا للخوارج، وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر.
ثم حدث بعد عصر الصحابة ﵃، مذهب جهم بن صفوان ببلاد المشرق، فعظمت الفتنة به. فإنه نفى أن يكون للّه تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثر في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير. وكان قبيل المائة من سني الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تؤول إلى التعطيل، فأكبر أهل الإسلام بدعته وتمالؤا على إنكارها وتضليل أهلها. وحذروا من الجهمية وعادوهم في اللّه وذمّوا من جلس إليهم، وكتبوا في الردّ عليهم ما هو معروف عند أهله، وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال، منذ زمن الحسن بن الحسين البصريّ ﵀، بعد المائتين من سني الهجرة، وصنفوا فيه مسائل في العدل والتوحيد وإثبات أفعال العباد، وأن اللّه تعالى لا يخلق الشرّ وجهلوا بأن اللّه لا يرى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا بأن القرآن مخلوق محدث، إلى غير ذلك من مسائلهم، فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، وذمّوا علم الكلام، وهجروا من ينتحله، ولم يزل أمر المعتزلة يقوى وأتباعهم تكثر ومذهبهم ينتشر في الأرض.
ثم حدث مذهب التجسيم المضادّ لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرّام بن عراق بن حزابة، أبو عبد اللّه السجستانيّ، زعيم الطائفة الكرّامية بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، وحج وقدم الشام ومات بزغرة، في صفر سنة ست وخمسين ومائتين، فدفن بالمقدس، وكان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا على التعبد والتقشف، سوى من كان منهم ببلاد المشرق، وهم لا يحصون لكثرتهم، وكان إماما لطائفتي الشافعية والحنفية، وكانت بين الكرّامية بالمشرق وبين المعتزلة مناظرات ومناكرات وفتن كثيرة متعدّدة أزماتها. هذا وأمر الشيعة يفشو في الناس حتى حدث مذهب القرامطة، المنسوبين إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط، من أجل قصر قامته وقصر رجليه وتقارب خطوه، وكان ابتداء أمر قرمط هذا في سنة أربع وستين ومائتين، وكان ظهوره بسواد الكوفة فاشتهر مذهبه بالعراق، وقام من القرامطة ببلاد الشام صاحب الحال والمدّثر والمطوّق، وقام بالبحرين منهم أبو سعيد الجنابيّ من أهل جنابة، وعظمت دولته ودولة بنيه من بعده، حتى أوقعوا بعساكر بغداد وأخافوا خلفاء بني العباس، وفرضوا الأموال التي تحمل إليهم في كل سنة على أهل بغداد وخراسان والشام ومصر واليمن، وغزوا بغداد والشام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض، فدخل جماعات من الناس في دعوتهم ومالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، وتأويل آيات القرآن ودعوا هم فيها تأويلا بعيدا انتحلوا القول به بدعا ابتدعوها بأهوائهم، فضلوا وأضلوا عالما كثيرا.
стр. 1522
هذا وقد كان المأمون عبد اللّه بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس ببغداد، لما شغف بالعلوم القديمة. بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامّة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجرّ على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم. فلما قامت دولة بني بويه ببغداد في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة واستمرّوا إلى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وأظهروا مذهب التشيع، قويت بهم الشيعة وكتبوا على أبواب المساجد في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة لعن اللّه معاوية بن أبي سفيان، ولعن من أغضب فاطمة، ومن منع الحسن أن يدفن عند جدّه، ومن نفى أبا ذر الغفاريّ، ومن أخرج العباس من الشورى.
فلما كان الليل حكه بعض الناس، فأشار الوزير المهلبيّ أن يكتب بإذن معز الدولة، لعن اللّه الظالمين لأهل البيت، ولا يذكر أحد في اللعن غير معاوية. ففعل ذلك وكثرت ببغداد الفتن بين الشيعة والسنية، وجهر الشيعة في الأذان بحيّ على خير العمل في الكرخ، وفشا مذهب الاعتزال بالعراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء، وقوى مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بأفريقية وبلاد المغرب، وجهروا بمذهب الإسماعيلية وبثوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وبعثوا بعساكرهم إلى الشام فانتشرت مذاهب الرافضة في عامّة بلاد المغرب ومصر والشام وديار بكر والكوفة والبصرة وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان، وما وراء النهر مع بلاد الحجاز واليمن والبحرين، وكانت بينهم وبين أهل السنة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته، واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والكرّامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية، حتى ملأت الأرض، وما منهم إلاّ من نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم تبق مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار، إلا وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرنا.
وكان أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ قد أخذ عن أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ، ولازمه عدّة أعوام، ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال وسلك طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن كلاب، ونسج على قوانينه في الصفات والقدر، وقال بالفاعل المختار، وترك القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وما قيل في مسائل الصلاح والأصلح، وأثبت أن العقل لا يوجب المعارف قبل الشرع، وأن العلوم وإن حصلت بالعقل فلا تجب به، ولا يجب البحث عنها إلاّ بالسمع، وأن اللّه تعالى لا يجب عليه شيء، وأن النبوّات من الجائزات العقلية والواجبات السمعية إلى غير ذلك من مسائله التي هي موضوع أصول الدين.
стр. 1523
وحقيقة مذهب الأشعريّ: ﵀، أنه سلك طريقا بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال، وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم، وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه، فمال إليه جماعة وعوّلوا على رأيه، منهم القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلانيّ المالكيّ، وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الأسفراينيّ، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الشيرازيّ، والشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزاليّ، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستانيّ، والإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازيّ، وغيرهم ممن يطول ذكره، ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه واستدلوا له في مصنفات لا تكاد تحصر، فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب، قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوريّ، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعريّ، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق مع ذلك توجه أبي عبد اللّه محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزاليّ مذهب الأشعريّ، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ القيسيّ، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدّة سنين، وتسموا بالموحدين، فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهديّ المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلاّ اللّه خالقها ، كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب، وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل ﵁، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحكم بن عبد السلام بن تيمية الحرّانيّ، فتصدّى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الردّ على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة، وعلى الصوفية، فافترق الناس فيه فريقان، فريق يقتدي به ويعوّل على أقواله ويعمل برأيه، ويرى أنه شيخ
стр. 1524
الإسلام وأجلّ حفاظ أهل الملّة الإسلامية. وفريق يبدّعه ويضلله ويزري عليه بإثباته الصفات، وينتقد عليه مسائل منها ما له فيه سلف، ومنها ما زعموا أنه خرق فيه الإجماع، ولم يكن له فيه سلف، وكانت له ولهم خطوب كثيرة، وحسابه وحسابهم على اللّه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وله إلى وقتنا هذا عدّة أتباع بالشام وقليل بمصر.
هذا وبين الأشاعرة والماتريدية أتباع أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريديّ، وهم طائفة الفقهاء الحنفية مقلد والإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرميّ، ومحمد بن الحسن الشيبانيّ ﵃، من الخلاف في العقائد ما هو مشهور في موضعه، وهو إذ تتبع يبلغ بضع عشرة مسألة، كان بسببها في أوّل الأمر تباين وتنافر، وقدح كل منهم في عقيدة الآخر، إلاّ أن الأمر آل آخرا إلى الإغضاء، وللّه الحمد.
فهذا أعز اللّه بيان ما كانت عليه عقائد الأمّة من ابتداء الأمر إلى وقتنا هذا، قد فصّلت فيه ما أجمله أهل الأخبار، وأجملت ما فصلوا، فدونك طالب العلم تناول ما قد بذلت فيه جهدي وأطلت بسببه سهري وكدّي في تصفح دواوين الإسلام وكتب الأخبار، فقد وصل إليك صفوا ونلته عفوا بلا تكلف مشقة ولا بذل مجهول، ولكن اللّه يمنّ على من يشاء من عباده.
أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّه بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى، واسمه عبد اللّه بن قيس «الأشعريّ» البصريّ، ولد سنة ست وستين ومائتين، وقيل سنة سبعين، وتوفي ببغداد سنة بضع وثلاثين وثلاثمائة وقيل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، سمع زكريا الساجي، وأبا خليفة الجمحيّ، وسهل بن نوح، ومحمد بن يعقوب القمريّ، وعبد الرحمن بن خلف الضبيّ المصريّ، وروى عنهم في تفسيره كثيرا، وتلمذ لزوج أمّه أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائيّ، واقتدى برأيه في الاعتزال عدّة سنين حتى صار من أئمة المعتزلة، ثم رجع عن القول بخلق القرآن وغيره من آراء المعتزلة، وصعد يوم الجمعة بجامع البصرة كرسيا ونادى بأعلى صوته، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي، أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن وأن اللّه لا يرى بالإبصار، وأن أفعال الشرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد الردّ على المعتزلة، مبين لفضائحهم ومعايبهم، وأخذ من حينئذ في الردّ عليهم، وسلك بعض طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن كلاب القاطن، وبنى على قواعده. وصنف خمسة وخمسين تصنيفا منها. كتاب اللمع، وكتاب الموجز، وكتاب إيضاح البرهان، وكتاب التبيين على أصول الدين، وكتاب الشرح والتفصيل في الردّ على
стр. 1525
أهل الإفك والتضليل، وكتاب الإبانة، وكتاب تفسير القرآن، يقال أنه في سبعين مجلدا.
وكانت غلته من ضيعة وقفها بلال بن أبي بردة على عقبه، وكانت نفقته في السنة سبعة عشر درهما، وكانت فيه دعابة ومزح كثير. وقال مسعود بن شيبة في كتاب التعليم: كان حنفيّ المذهب، معتزليّ الكلام، لأنه كان ربيب أبي عليّ الجبائيّ، وهو الذي رباه وعلمه الكلام، وذكر الخطيب أنه كان يجلس أيام الجمعات في حلقة أبي إسحاق المروزيّ الفقيه في جامع المنصور. وعن أبي بكر بن الصيرفيّ: كان المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر اللّه تعالى الأشعريّ فحجزهم في أقماع السماسم.
وجملة عقيدته أنّ اللّه تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر، وأن صفاته أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال هي هو، ولا هي غيره، ولا هي هو، ولا غيره. وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصح وجوده، وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص، وكلامه واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وهذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى نفس الكلام والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء، دلالات على الكلام الأزليّ، فالمدلول وهو القرآن المقروء، قديم أزليّ، والدلالة وهي العبارات، وهي القراءة، مخلوقة محدثة. قال: وفرق بين القراء والمقروء، والتلاوة والمتلوّ، كما فرق بين الذكر والمذكور. قال: والكلام معنى قائم بالنفس، والعبارة دالة على ما في النفس، وإنما تسمى العبارة كلاما مجازا. قال وأراد اللّه تعالى جميع الكائنات خيرها وشرّها، ونفعها وضرّها، ومال في كلامه إلى جواز تكليف ما لا يطاق، لقوله أنّ الاستطاعة مع الفعل، وهو مكلف بالفعل قبله، وهو غير مستطيع قبله على مذهبه. قال وجميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من اللّه تعالى، مكتسبة للعبد، والكسب عبارة عن الفعل القائم بمحل قدرة العبد. قال: والخالق هو اللّه تعالى، حقيقة لا يشاركه في الخلق غيره، فأخص وصفه هو القدرة والاختراع، وهذا تفسير اسمه البارئ.
قال وكلّ موجود يصح أن يرى، واللّه تعالى موجود، فيصح أن يرى، وقد صح السمع بأن المؤمنين يرونه في الدار الأخرى في الكتاب والسنة، ولا يجوز أن يرى في مكان، ولا صورة مقابلة، واتصال شعاع، فإن ذلك كله محال، وماهية الرؤية له فيها رأيان، أحدهما: أنه علم مخصوص يتعلق بالوجود دون العدم، والثاني أنه إدراك وراء العلم، وأثبت السمع والبصر صفتين أزليتين هما إدراكان وراء العلم، وأثبت اليدين والوجه صفات خبرية، ورد السمع بها، فيجب الاعتراف به، وخالف المعتزلة في الوعد والوعيد والسمع والعقل من كل وجه. وقال: الإيمان هو التصديق بالقلب والقول باللسان والعمل بالأركان فروع الإيمان، فمن صدّق بالقلب أي أقرّ بوحدانية اللّه تعالى واعترف بالرسل تصديقا لهم فيما جاؤا به فهو مؤمن، وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة
стр. 1526
حكمه إلى اللّه، أما أن يغفر له برحمته أو يشفع له رسول اللّه ﷺ ، وإمّا أن يعذبه بعدله ثم يدخله الجنة برحمته ولا يخلد في النار مؤمن. قال ولا أقول أنه يجب على اللّه سبحانه قبول توبته بحكم العقل، لأنه هو الموجب، لا يجب عليه شيء أصلا، بل قد ورد السمع بقبول توبة التائبين، وإجابة دعوة المضطرّين، وهو المالك لخلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم النار لم يكن جورا، ولو أدخلهم الجنة لم يكن حيفا، ولا يتصوّر منه ظلم، ولا ينسب إليه جور، لأنه المالك المطلق، والواجبات كلها سمعية فلا يوجب العقل شيئا البتة، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا، فمعرفة اللّه تعالى وشكر المنعم، وإثابة الطائع، وعقاب العاصي، كلّ ذلك بحسب السمع دون العقل، ولا يجب على اللّه شيء لا صلاح ولا أصلح ولا لطف بل الثواب والصلاح واللطف والنعم كلها تفضل من اللّه تعالى، ولا يرجع إليه تعالى نفع ولا ضرّ، فلا ينتفع بشكر شاكر، ولا يتضرّر بكفر كافر، بل يتعالى ويتقدّس عن ذلك، وبعث الرسل جائز لا واجب ولا مستحيل، فإذا بعث اللّه تعالى الرسول وأيده بالمعجزة الخارقة للعادة وتحدّى ودعا الناس، وجب الإصغاء إليه والاستماع منه والامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه، وكرامات الأولياء حق، والإيمان بما جاء في القرآن والسنة من الأخبار عن الأمور الغائبة عنا مثل اللوح والقلم والعرش والكرسيّ والجنة والنار حق وصدق، وكذلك الأخبار عن الأمور التي ستقع في الآخرة، مثل سؤال القبر والثواب والعقاب فيه والحشر والمعاد والميزان والصراط وانقسام فريق في الجنة وفريق في السعير، كلّ ذلك حق وصدق يجب الإيمان والاعتراف به. والإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار دون النص والتعيين على واحد معين، والأئمة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة. قال ولا أقول في عائشة وطلحة والزبير ﵃ إلاّ أنّهم رجعوا عن الخطأ، وأقول أن طلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة، وأقول في معاوية وعمرو بن العاص أنهما بغيا على الإمام الحق عليّ بن أبي طالب ﵃، فقاتلهم مقاتلة أهل البغي، وأقول أن أهل النهروان الشراة هم المارقون عن الدين، وأن عليا ﵁ كان على الحق في جميع أحواله، والحق معه حيث دار.
فهذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه، والأشاعرة يسمون الصفاتية لإثباتهم صفات اللّه تعالى القديمة، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، كالاستواء والنزول والإصبع واليد والقدم والصورة والجنب، والمجيء على فرقتين، فرقة تؤول جميع ذلك على وجوه محتملة اللفظ، وفرقة لم يتعرّضوا للتأويل ولا صاروا إلى التشبيه، ويقال لهؤلاء الأشعرية الأسرية، فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال: أحدها اعتقاد ما يفهم مثله من اللغة، وثانيها السكوت عنها مطلقا، وثالثها السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر، ورابعها حملها على المجاز، وخامسها حملها على الاشتراك، ولكلّ فريق أدلة وحجاج تضمنتهما كتب أصول
стр. 1527
الدين، ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك، ولذلك خلقهم واللّه يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
فصل: اعلم أن اللّه سبحانه طلب من الخلق معرفته بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَاَلْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات/ ٥٦] قال ابن عباس وغيره يعرفون، فخلق تعالى الخلق وتعرّف إليهم بألسنة الشرائع المنزلة، فعرفه من عرفه، سبحانه، منهم على ما عرّفهم فيما تعرّف به إليهم، وقد كان الناس قبل إنزال الشرائع الرسل ﵈، علمهم بالله تعالى إنما هو بطريق التنزيه له عن سمات الحدوث، وعن التركيب، وعن الافتقار. ويصفونه سبحانه بالاقتدار المطلق، وهذا التنزيه هو المشهور عقلا، ولا يتعدّاه عقل أصلا، فلما أنزل اللّه شريعته على رسوله محمد ﷺ ، وأكمل دينه، كان سبيل العارف بالله أن يجمع في معرفته بالله بين معرفتين، إحداهما المعرفة التي تقتضيها الأدلة العقلية، والأخرى المعرفة التي جاءت بها الاخبارات الإلهية، وأن يردّ علم ذلك إلى اللّه تعالى، ويؤمن به وبكل ما جاءت به الشريعة على الوجه الذي أراده اللّه تعالى، من غير تأويل بفكره ولا تحكم فيه برأيه، وذلك أن الشرائع إنما أنزلها اللّه تعالى لعدم استقلال العقول البشرية بإدراك حقائق الأشياء على ما هي عليه في علم اللّه، وأنّي لها ذلك وقد تقيدت بما عندها من إطلاق ما هنالك، فإن وهبها علما بمراده من الأوضاع الشرعية، ومنحها الاطلاع على حكمه في ذلك، كان من فضله تعالى، فلا يضيف العارف هذه المنة إلى فكره، فإن تنزيهه لربه تعالى بفكره ويجب أن يكون مطابقا لما أنزله سبحانه على لسان رسوله ﷺ من الكتاب والسنة، وإلاّ فهو تعالى منزه عن تنزيه عقول البشر بأفكارها، فإنها مقيدة بأوطارها، فتنزيهها كذلك مقيد بحسبها وبموجب أحكامها وآثارها، إلاّ إذا خلت عن الهوى فإنها حينئذ يكشف اللّه لها الغطاء عن بصائرها، ويهديها إلى الحق، فتنزه اللّه تعالى عن التنزيهات العرفية بالأفكار العادية، وقد أجمع المسلمون قاطبة على جواز رواية الأحاديث الواردة في الصفات ونقلها وتبليغها من غير خلاف بينهم في ذلك، ثم أجمع أهل الحق منهم على أن هذه الأحاديث مصروفة عن احتمال مشابهة الخلق، لقول اللّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى/ ١١] ولقول اللّه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ * اَللّهُ اَلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الاخلاص/ ٢] وهذه السورة يقال لها سورة الاخلاص، وقد عظم رسول اللّه ﷺ شأنها، ورغّب أمته في تلاوتها، حتى جعلها تعدل ثلث القرآن من أجل أنها شاهدة بتنزيه اللّه تعالى، وعدم الشبه والمثل له سبحانه، وسميت سورة الإخلاص لاشتمالها على إخلاص التوحيد للّه عن أن يشوبه ميل إلى تشبيهه بالخلق، وأمّا الكاف التي في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ﴾ [الشورى/ ١١] فإنها زائدة، وقد تقرّر أن الكاف والمثل في كلام العرب اتيا للتشبيه، فجمعهما اللّه تعالى ثم نفى بهما عنه ذلك، فإذا ثبت إجماع المسلمين على جواز رواية هذه الأحاديث ونقلها، مع إجماعهم على أنها مصروفة عن
стр. 1528
التشبيه، لم يبق في تعظيم اللّه تعالى بذكرها إلاّ نفي التعطيل، لكون أعداء المرسلين سموا ربهم سبحانه أسماء نفوا فيها صفاته العلا، فقال قوم من الكفار هو طبيعة، وقال آخرون منهم هو علة، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه، فقال رسول اللّه ﷺ هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات اللّه العلا، ونقلها عنه أصحابه البررة، ثم نقلها عنهم أئمة المسلمين حتى انتهت إلينا، وكلّ منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشيء منها، مع علمنا أنهم كانوا يعتقدون أن اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ففهمنا من ذلك أن اللّه تعالى أراد بما نطق به رسوله ﷺ من هذه الأحاديث، وتناولها عنه الصحابة ﵃ وبلغوها لأمّته، أن يغص بها في حلوق الكافرين، وأن يكون ذكرها نكتا في قلب كلّ ضال معطل مبتدع يقفو أثر المبتدعة من أهل الطبائع وعباد العلل، فلذلك وصف اللّه تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول اللّه ﷺ أيضا بما صح عنه وثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجا في حلوق المعطلة، وقد قال الشافعيّ: ﵀ «الإثبات أمكن» نقله الخطابيّ ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى، كقوله سبحانه: ﴿يَدُ اَللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح/ ١٠] فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة/ ٦٤] عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة/ ٦٤] فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود، وأيضا فإن تأويل هذه الأحاديث يحتاج أن يضرب للّه تعالى فيها المثل نحو قولهم في قوله تعالى: ﴿اَلرَّحْمنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه/ ٥] الاستواء الاستيلاء، كقولك استوى الأمير على البلد، وأنشدوا:
قد استوى بشر على العراق
فلزمهم تشبيه الباري تعالى ببشر، وأهل الإثبات نزهو إجلال اللّه عن أن يشبهوه بالأجسام حقيقة ولا مجازا، وعلموا مع ذلك أن هذا النطق يشتمل على كلمات متداولة بين الخالق وخلقه، وتحرّجوا أن يقولوا مشتركة، لأن اللّه تعالى لا شريك له، ولذلك: لم يتأول السلف شيئا من أحاديث الصفات، مع علمنا قطعا أنها عندهم مصروفة عما يسبق إليه ظنون الجهال من مشابهتها الصفات المخلوقين، وتأمّل تجد اللّه تعالى لمّا ذكر المخلوقات المتولدة من الذكر والأنثى في قوله سبحانه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ اَلْأَنْعامِ أَزْواجاً﴾ [الشورى/ ١١] يذرؤكم فيه علم سبحانه ما يخطر بقلوب الخلق، فقال عز من قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
стр. 1529
واعلم أن السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت من سعة الملك وعلوّ اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها، بحيث أنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدّون سائر الناس عبيدا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكانت العرب عند الفرس أقل الأمم خطرا، تعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر اللّه تعالى الحق، وكان من قائميهم سنفاد واشنيس والمقفع وبابك وغيرهم، وقبل هؤلاء رام ذلك عمار الملقب خداشا، وأبو مسلم السروح، فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول اللّه ﷺ ، واستبشاع ظلم عليّ بن أبي طالب ﵁، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى، فقوم أدخلوهم إلى القول بأن رجلا ينتظر يدعى المهديّ، عنده حقيقة الدين إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين عن كفار، إذ نسبوا أصحاب رسول اللّه ﷺ إلى الكفر، وقوم خرجوا إلى القول بادعاء النبوّة لقوم سموهم به، وقوم سلكوا بهم إلى القول بالحلول وسقوط الشرائع، وآخرون تلاعبوا بهم فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وآخرون قالوا بل هي سبع عشرة صلاة في كل صلاة خمس عشرة ركعة، وهو قول عبد اللّه بن عمرو بن الحارث الكنديّ، قبل أن يصير خارجيا صفريا، وقد أظهر عبد اللّه بن سبأ الحميريّ اليهوديّ الإسلام ليكيد أهله، فكان هو أصل إثارة الناس على عثمان بن عفان ﵁، واحرق عليّ ﵁ منهم طوائف أعلنوا بإلهيته، ومن هذه الأصول حدثت الإسماعيلية والقرامطة.
والحق الذي لا ريب فيه أن دين اللّه تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجوهر لا سرّ تحته، وهو كله لازم كل أحد لا مسامحة فيه، ولم يكتم رسول اللّه ﷺ من الشريعة ولا كلمة، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ولد عمّ على شيء من الشريعة، كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﷺ سرّ ولا رمز ولا باطن غير ما دعا الناس كلها إليه، ولو كتم شيئا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمّة، وأصل كلّ بدعة في الدين البعد عن كلام السلف والانحراف عن اعتقاد الصدر الأوّل، حتى بالغ القدريّ في القدر فجعل العبد خالقا لأفعاله، وبالغ الجبريّ في مقابلته فسلب عنه الفعل والاختيار، وبالغ المعطل في التنزيه فسلب عن اللّه تعالى صفات الجلال ونعوت الكمال، وبالغ المشبه في مقابلته فجعله كواحد من البشر، وبالغ المرجئ في سلب العقاب، وبالغ المعتزليّ في التخليد في العذاب، وبالغ الناصبيّ في دفع عليّ ﵁ عن الإمامة، وبالغت الغلاة حتى جعلوه إلها، وبالغ السنيّ في تقديم أبي بكر ﵁، وبالغ الرافضيّ في تأخيره حتى كفره، وميدان الظنّ واسع وحكم الوهم غالب، فتعارضت الظنون وكثرت الأوهام وبلغ كل فريق في الشرّ والعناد والبغي والفساد إلى أقصى غاية، وأبعد نهاية، وتباغضوا وتلاعنوا
стр. 1530
واستحلوا الأموال واستباحوا الدماء، وانتصروا بالدول واستعانوا بالملوك، فلو كان أحدهم إذا بالغ في أمر نازع الآخر في القرب منه، فإن الظنّ لا يبعد عن الظنّ كثيرا ولا ينتهى في المنازعة إلى الطرف الآخر من طرفي التقابل، لكنهم أبو إلاّ ما قدّمناه ذكره من التدابر والتقاطع، ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك.
ذكر المدارس
قال ابن سيده: درس الكتاب يدرسه درسا ودراسة، ودارسه من ذلك كأنه عاوده، حتى انقاد لحفظه. وقرئ بهما وليقولوا درست ودارست ذاكرتهم، وحكى درست أي قرئت وقرئ درست أي هذه أخبار قد عفت وانمحت، ودرّست أشدّ مبالغة، والدراس المدارسة، وقال ابن جني: ودرسته إياه وأدرسته، ومن الشاذ قراءة ابن حيوة، وبما كنتم تدرسون، والمدارس الموضع الذي يدرس فيه، وقد ذكر الواقديّ أن عبد اللّه ابن أمّ مكتوم قدم مهاجرا إلى المدينة مع مصعب بن عمير ﵄، وقيل قدم بعد بدر بيسير، فنزل دار القرّاء، ولما أراد الخليفة المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة بن المتوكل على اللّه جعفر بناء قصره في الشماسية ببغداد، استزاد في الذرع بعد أن فرغ من تقدير ما أراد، فسئل عن ذلك فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتب في كل موضع رؤساء كلّ صناعة ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويجري عليهم الأرزاق السنية، ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه.
والمدارس مما حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حدث عملها بعد الأربعمائة من سني الهجرة، وأوّل من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها بالمدرسة البيهقية، وبنى بها أيضا الأمير نصر بن سبكتكين مدرسة، وبنى بها أخو السلطان محمود بن سبكتكين مدرسة، وبنى بها أيضا المدرسة السعيدية، وبنى بها أيضا مدرسة رابعة، وأشهر ما بني في القديم المدرسة النظامية ببغداد، لأنّها أوّل مدرسة قرّر بها للفقهاء معاليم، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق بن العباس الطوسيّ، وزير ملك شاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق في مدينة بغداد، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وفرغت في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة، ودرس فيها الشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ الفيروزآبادي، صاحب كتاب التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعيّ ﵁ ورحمه، فاقتدى الناس به من حينئذ في بلاد العراق وخراسان وما وراء النهر وفي بلاد الجزيرة وديار بكر. وأمّا مصر فإنها كانت حينئذ بيد الخلفاء الفاطميين، ومذهبهم مخالف لهذه الطريقة، وإنما هم شيعة إسماعيلية كما تقدّم، وأوّل ما عرف إقامة درس من قبل السلطان بمعلوم جار لطائفة من الناس بديار مصر، في خلافة العزيز بالله نزار بن المعز،
стр. 1531
ووزارة يعقوب بن كلس، فعمل ذلك بالجامع الأزهر كما تقدّم ذكره، ثم عمل في دار الوزير يعقوب بن كاس مجلس يحضره الفقهاء، فكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، وعمل أيضا مجلس بجامع عمرو بن العاص من مدينة فسطاط مصر لقراءة كتاب الوزير، ثم بنى الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور بن العزيز دار العلم بالقاهرة كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، فلما انقرضت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أبطل مذاهب الشيعة من ديار مصر، وأقام بها مذهب الإمام الشافعيّ، ومذهب الإمام مالك، واقتدى بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، فإنه بنى بدمشق وحلب وأعمالهما عدّة مدارس للشافعية والحنفية، وبنى لكل من الطائفتين مدرسة بمدينة مصر. وأوّل مدرسة أحدثت بديار مصر المدرسة الناصرية بجوار الجامع العتيق بمصر، ثم المدرسة القمحية المجاورة للجامع أيضا، ثم المدرسة السيوفية التي بالقاهرة، ثم اقتدى بالسلطان صلاح الدين في بناء المدارس بالقاهرة ومصر وغيرهما من أعمال مصر وبالبلاد الشامية والجزيرة أولاده، وأمراؤه، ثم حذا حذوهم من ملك مصر بعدهم من ملوك الترك وأمرائهم وأتباعهم إلى يومنا هذا، وسأذكر ما بديار مصر من المدارس، وأعرّف بحال من بناها على ما اعتدته في هذا الكتاب من التوسط دون الإسهاب، وبالله استعين.
المدرسة الناصرية
بجوار الجامع العتيق من مدينة مصر من قبليه، هذه المدرسة عرفت أوّلا بالمدرسة الناصرية، ثم عرفت بابن زين التجار، وهو أبو العباس أحمد بن المظفر بن الحسين الدمشقيّ، المعروف بابن زين التجار، أحد أعيان الشافعية. درّس بهذه المدرسة مدّة طويلة، ومات في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ثم عرفت بالمدرسة الشريفة، وهي إلى الآن تعرف بذلك، وكان موضعها يقال له الشرطة، وذكر الكنديّ أنها خطة قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ، وعرفت بدار الفلفل. وقال ابن عبد الحكم كانت فضاء قبل ذلك، وقيل كانت هي والدار التي إلى جانبها لنافع بن عبد اللّه بن قيس الفهريّ، فأخذها منه قيس بن سعد، وسمّيت دار الفلفل لأن أسامة بن زيد التنوخيّ صاحب الخراج بمصر، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار ليهديه إلى صاحب الروم، فخزّنه فيها، ولما فرغ عيسى بن يزيد الجلوديّ من بناء زيادة الجامع، بنى هذه الدار شرطة في سنة ثلاث عشرة ومائتين، ثم صارت سجنا تعرف بالمعونة، فهدمها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في أوّل المحرّم سنة ست وستين وخمسمائة، وأنشأها مدرسة برسم الفقهاء الشافعية، وكان حينئذ يتولى وزارة مصر للخليفة العاضد، وكان هذا من أعظم ما نزل بالدولة، وهي أوّل مدرسة عملت بديار مصر، ولما كملت وقف عليها الصاغة، وكانت بجوارها، وقد خربت وبقي منها شيء يسير قرأت عليها اسم الخليفة العزيز بالله، ووقف عليها أيضا قرية
стр. 1532
تعرف … (١) وأول من ولي التدريس بها ابن زين التجار، فعرفت به، ثم درس بها بعدد ابن قطيطة بن الوزان، ثم من بعده كمال الدين أحمد بن شيخ الشيوخ، وبعده الشريف القاضي شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن الحسين بن محمد الحنفيّ قاضي العسكر الأرموي، فعرفت به. وقيل لها المدرسة الشريفة من عهده إلى اليوم، ولولا ما يتناوله الفقهاء من المعلوم بها لخربت، فإن الكيمان ملاصقة لها بعد ما كان حولها أعمر موضع في الدنيا، وقد ذكر حبس المعونة عند ذكر السجون من هذا الكتاب.
المدرسة القمحية
هذه المدرسة بجوار الجامع العتيق بمصر، كان موضعها يعرف بدار الغزل، وهو قيسارية يباع فيها الغزل، فعدمها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأنشأ موضعها مدرسة للفقهاء المالكية، وكان الشروع فيها للنصف من المحرّم سنة ست وستين وخمسمائة، ووقف عليها قيسارية الورّاقين، وعلوها بمصر، وضيعة بالفيوم تعرف بالحنبوشية، ورتب فيها أربعة من المدرّسين عند كل مدرّس عدّة من الطلبة، وهذه المدرسة أجل مدرسة للفقهاء المالكية، ويتحصل لهم من ضيعتهم التي بالفيوم قمح يفرّق فيهم، فلذلك صارت لا تعرف إلاّ بالمدرسة القمحية إلى اليوم، وقد أحاط بها الخراب، ولولا ما يتحصل منها للفقهاء لدثرت. وفي شعبان سنة خمس وعشرين وثمانمائة أخرج السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقيّ ناحيتي الاعلام والحنبوشية، وكانتا من وقف السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على هذه المدرسة، وأنعم بهما على مملوكين من مماليكه ليكونا إقطاعا لهما.
مدرسة يازكوج
هذه المدرسة بسوق الغزل في مدينة مصر، وهي مدرسة معلقة بناها … (٢).
مدرسة ابن الأرسوفيّ
هذه المدرسة كانت بالبزازين التي تجاور خط النخالين بمصر، عرفت بابن الأرسوفيّ التاجر العسقلانيّ، وكان بناؤها في سنة سبعين وخمسمائة، وهو عفيف الدين عبد اللّه بن محمد الأرسوفيّ، مات بمصر في يوم الاثنين حادي عشري ربيع الأوّل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
стр. 1533
مدرسة منازل العز
هذه المدرسة كانت من دور الخلفاء الفاطميين، بنتها أمّ الخليفة العزيز بالله بن المعز، وعرفت بمنازل العز، وكانت تشرف على النيل، وصارت معدّة لنزهة الخلفاء، وممن سكنها ناصر الدولة حسين بن حمدان إلى أن قتل، وكان بجانبها حمّام يعرف بحمّام الذهب من جملة حقوقها، وهي باقية. فلما زالت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف، أنزل في منازل العز الملك المظفر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب فسكنها مدّة، ثم إنه اشتراها والحمّام والإصطبل المجاور لها من بيت المال في شهر شعبان سنة ست وستين وخمسمائة، وأنشأ فندقين بمصر بخط الملاحين، وأنشأ ربعا بجوار أحد الفندقين، واشترى جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالروضة، فلما أراد أن يخرج من مصر إلى الشام وقف منازل العز على فقهاء الشافعية، ووقف عليها الحمّام وما حولها، وعمر الاصطبل فندقا عرف بفندق النخلة ووقفه عليها، ووقف عليها الروضة، ودرّس بها شهاب الدين الطوسيّ وقاضي القضاة عماد الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد العليّ السكريّ، وعدّة من الأعيان. وهي الآن عامرة بعمارة ما حولها.
الملك المظفر تقيّ الدين أبو سعيد عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، قدم إلى القاهرة في … (١) واستنابه السلطان على دمشق في المحرّم سنة إحدى وسبعين، ثم نقله إلى نيابة حماه، وسلّم إليه سنجار لما أخذها في ثاني رمضان سنة ثمان وسبعين، فأقام بها ولحق السلطان على حلب فقدم عليه في سابع صفر سنة تسع وسبعين، فأقام إلى أن بعثه إلى القاهرة نائبا عنه بديار مصر عوضا عن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فقدمها في شهر رمضان سنة تسع وسبعين، وأنعم عليه بالفيوم وأعمالها مع القايات وبوش، وأبقى عليه مدينة حماه. ثم خرج بعساكر مصر إلى السلطان وهو بدمشق في سنة ثمانين لاجل أخذ الكرك من الفرنج، فسار إليها وحصرها مدّة ثم رجع مع السلطان إلى دمشق، وعاد إلى القاهرة في شعبان وقد أقام السلطان على مملكة مصر ابنه الملك العزيز عثمان، وجعل الملك المظفر كافلا له وقائما بتدبير دولته، فلم يزل على ذلك إلى جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين، فصرف السلطان أخاه الملك العادل عن حلب وأعطاه نيابة مصر، فغضب الملك المظفر وعبر بأصحابه إلى الجيزة يريد المسير إلى بلاد المغرب واللحاق بغلامه بهاء الدين قراقوش التقويّ، فبلغ السلطان ذلك فكتب إليه ولم يزل به حتى زال ما به، وسار إلى السلطان فقدم عليه دمشق في ثالث عشري شعبان، فأقرّه على حماه والمعرّة ومنبج، وأضاف إليه ميافارقين، فلحق به أصحابه ما خلا مملوكه زين الدين بوزيا، فإنه سار إلى
стр. 1534
بلاد المغرب، وكانت له في أرض مصر وبلاد الشام أخبار وقصص، وعرفت له مواقف عديدة في الحرب مع الفرنج، وآثار في المصافات، وله في أبواب البرّ أفعال حسنة، وله بمدينة الفيوم مدرستان إحداهما للشافعية والأخرى للمالكية، وبنى مدرسة بمدينة الرها، وسمع الحديث من السلفيّ وابن عوف، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن، وكان جوادا شجاعا مقداما شديد البأس عظيم الهمة كثير الإحسان، ومات في نواحي خلاط ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ونقل إلى حماه فدفن بها في تربة بناها على قبره ابنه الملك المنصور محمد.
مدرسة العادل
هذه المدرسة بخط الساحل بجوار الربع العادليّ من مدينة مصر الذي وقف على الشافعيّ، عمرها الملك العادل أبو بكر بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، درس بها قاضي القضاة تقيّ الدين أبو عليّ الحسين بن شرف الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الفقيه جلال الدين أبي محمد عبد اللّه بن نجم بن شاس بن نزار بن عشائر بن عبد اللّه بن محمد بن شاس. فعرفت به، وقيل لها مدرسة ابن شاس إلى اليوم، وهي عامرة، وعرف خطها بالقشاشين وهي للمالكية.
مدرسة ابن رشيق
هذه المدرسة للمالكية، وهي بخط حمّام الريش من مدينة مصر، كان الكاتم من طوائف التكرور لما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة، قاصدين الحج، دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالا بناها به، ودرّس بها فعرفت به، وصار لها في بلاد التكرور سمعة عظيمة، وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال.
المدرسة الفائزية
هذه المدرسة في مصر بخط … (١) أنشأها الصاحب شرف الدين هبة اللّه بن صاعد بن وهيب الفائزيّ قبل وزارته، في سنة ست وثلاثين وستمائة، ودرّس بها القاضي محيي الدين عبد اللّه بن قاضي القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة، ثم قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزريّ، وهي للشافعية.
المدرسة القطبية
هذه المدرسة بالقاهرة في خط سويقة الصاحب بداخل درب الحريريّ، كانت هي
стр. 1535
والمدرسة السيفية من حقوق دار الديباج التي تقدّم ذكرها، وأنشأ هذه المدرسة الأمير قطب الدين خسرو بن بلبل بن شجاع الهدبانيّ، في سنة سبعين وخمسمائة، وجعلها وقفا على الفقهاء الشافعية، وهو أحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.
المدرسة السيوفية
هذه المدرسة بالقاهرة، وهي من جملة دار الوزير المأمون البطائجيّ، وقفها السلطان السيد الأجل الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب على الحنفية، وقرّر في تدريسها الشيخ مجد الدين محمد بن محمد الجبتي، ورتب له في كل شهر أحد عشر دينارا، وباقي ريع الوقف يصرفه على ما يراه للطلبة الحنفية المقرّرين عنده على قدر طبقاتهم، وجعل النظر للجبتي، ومن بعده إلى من له النظر في أمور المسلمين، وعرفت بالمدرسة السيوفية، من أجل أن سوق السيوفيين كان حينئذ على بابها، وهي الآن تجاه سوق الصنادقيين، وقدوهم القاضي محيى الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر فإنه قال في كتاب الروضة الزاهرة في خطط المعزية القاهرة: مدرسة السيوفية وهي للحنفية، وقفها عز الدين فرحشاه قريب صلاح الدين وما أدري كيف وقع له هذا الوهم، فإن كتاب وقفها موجود، قد وقفت عليه ولخصت منه ما ذكرته، وفيه أن واقفها السلطان صلاح الدين وخطه على كتاب الوقف ونصه: الحمد للّه وبه توفيقي، وتاريخ هذا الكتاب تاسع عشرى شعبان سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ووقف على مستحقيها اثنين وثلاثين حانوتا بخط سويقة أمير الجيوش وباب الفتوح وحارة برجوان، وذكر في آخر كتاب وقفها أن الواقف أذن لمن حضر مجلسه من العدول في الشهادة والقضاء على لفظه بما تضمنه المسطور، فشهدوا بذلك وأثبتوا شهادتهم آخره، وحكم حاكم المسلمين على صحة هذا الوقف بعد ما خاصم رجل من أهل هذا الوقف في ذلك، وأمضاه. لكنه لم يذكر في الكاتب اسجال القاضي بثبوته بل ذكر رسم شهادة الشهود على الواقف، وهم عليّ بن إبراهيم بن نجا بن غنائم الأنصاريّ الدمشقيّ، والقاسم بن يحيى بن عبد اللّه بن قاسم الشهرزوريّ، وعبد اللّه بن عمر بن عبد اللّه الشافعيّ، وعبد الرحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن قريش المخزوميّ، وموسى بن حكر بن موسك الهدبانيّ في آخرين. وهذه المدرسة هي أوّل مدرسة وقفت على الحنفية بديار مصر، وهي باقية بأيديهم.
المدرسة الفاضلية
هذه المدرسة بدرب ملوخيا من القاهرة، بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ، بجوار داره، في سنة ثمانين وخمسمائة، ووقفها على طائفتي الفقهاء الشافعية والمالكية، وجعل فيها قاعة للإقراء، أقرأ فيها الإمام أبو محمد الشاطبيّ ناظم الشاطبية، ثم تلميذه أبو عبد اللّه محمد بن عمر القرطبيّ، ثم الشيخ عليّ بن موسى الدهان وغيرهم، ورتب لتدريس فقه المذهبين الفقيه أبا القاسم عبد الرحمن بن سلامة الاسكندرانيّ، ووقف
стр. 1536
بهذه المدرسة جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، يقال أنها كانت مائة ألف مجلد، وذهبت كلها. وكان أصل ذهابها أن الطلبة التي كانت بها، لما وقع الغلاء بمصر في سنة أربع وتسعين وستمائة، والسلطان يومئذ الملك العادل كتبغا المنصوريّ، مسهم الضرّ، فصاروا يبيعون كلّ مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها من الكتب، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعارية، فتفرّقت، وبها إلى الآن مصحف قرآن كبير القدر جدّا، مكتوب بالخط الأوّل الذي يعرف بالكوفيّ، تسميه الناس مصحف عثمان بن عفان، ويقال أن القاضي الفاضل اشتراه بنيف وثلاثين ألف دينار، على أنه مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وهو في خزانة مفردة له بجانب المحراب من غريبه، وعليه مهابة وجلالة، وإلى جانب المدرسة كتّاب برسم الأيتام، وكانت هذه المدرسة من أعظم مدارس القاهرة وأجلها، وقد تلاشت لخراب ما حولها.
عبد الرحيم: بن عليّ بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد القاضي الفاضل محيي الدين أبو عليّ ابن القاضي الأشرف اللخميّ العسقلانيّ البيسانيّ المصريّ الشافعيّ، كان أبوه يتقلد قضاء مدينة بيسان، فلهذا نسبوا إليها، وكانت ولادته بمدينة عسقلان في خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ثم قدم القاهرة وخدم الموفق يوسف بن محمد بن الجلال، صاحب ديوان الإنشاء في أيام الحافظ لدين اللّه، وعنه أخذ صناعة الإنشاء، ثم خدم بالإسكندرية مدّة، فلما قام بوزارة مصر العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك، خرج أمره إلى والي الإسكندرية بتسييره إلى الباب، فلما حضر استخدمه بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش، فلما مات الموفق بن الجلال في سنة ست وستين وخمسمائة، وكان القاضي الفاضل ينوب عنه في ديوان الإنشاء، عينه الكامل بن شاور وسعى له عند أبيه الوزير شاور بن مجير، فأقرّه عوضا عن ابن الجلال في ديوان الإنشاء، فلما ملك أسد الدين شيركوه احتاج إلى كاتب فأحضره، وأعجبه اتقائه وسمته ونصحه، فاستكتبه إلى أن ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، فاستخلصه وحسن اعتقاده فيه، فاستعان به على ما أراد من إزالة الدولة الفاطمية حتى تم مراده، فجعله وزيره ومشيره، بحيث كان لا يصدر أمرا إلا عن مشورته، ولا ينفذ شيئا إلا عن رأيه، ولا يحكم في قضية إلا بتدبيره، فلما مات صلاح الدين استمرّ على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز عثمان في المكانة والرفعة، وتقلد الأمر، فلما مات العزيز وقام من بعده ابنه الملك المنصور بالملك ودبر أمره عمه الأفضل، كان معهما على حاله إلى أن وصل الملك العادل أبو بكر بن أيوب من الشام لأخذ ديار مصر، وخرج الأفضل لقتاله، فمات منكوبا أحوج ما كان إلى الموت عند تولى الإقبال وإقبال الإدبار في سحر يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وخمسمائة، ودفن بتربته من القرافة الصغرى.
قال ابن خلكان وزر للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتمكن منه غاية
стр. 1537
التمكن، وبرز في صناعة الإنشاء وفاق المتقدّمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره، أنّ مسودّات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق، إذا جمعت ما تقصر عن مائة، وهو مجيد في أكثرها. وقال عبد اللطيف البغداديّ: دخلنا عليه فرأيت شيخا ضئيلا كله رأس وقلب، وهو يكتب ويملى على اثنين، ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوّة حرصه في إخراج الكلام، وكأنه يكتب بجملة أعضائه، وكان لغرام في الكتابة وتحصيل الكتب، وكان له الدين والعفاف والتقى والمواظبة على أوراد الليل، والصيام وقراءة القرآن، وكان قليل اللذات كثير الحسنات دائم التهجد، ويشتغل بعلوم الأدب وتفسير القرآن، غير أنه كان خفيف البضاعة من النحو، ولكن قوّة الدراية توجب له قلة اللحن، وكان لا يكاد يضيع من زمانه شيئا إلاّ في طاعة، وكتب في الإنشاء ما لم يكتبه غيره.
وحكى لي ابن القطان أحد كتابه قال: لما خطب صلاح الدين بمصر للإمام المستضيء بأمر اللّه، تقدّم إلى القاضي الفاضل بأن يكاتب الديوان العزيز وملوك الشرق، ولم يكن يعرف خطابهم واصطلاحهم، فأوغر إلى العماد الكاتب أن يكتب، فكتب واحتفل وجاء بها مفضوضة ليقرأها الفاضل متبجحا بها فقال: لا أحتاج أن أقف عليها، وأمر بختمها وتسليمها إلى النجاب والعماد يبصر. قال: ثم أمرني أن ألحق النجاب ببلبيس وأن أفض الكتب وأكتب صدورها ونهايتها، ففعلت ورجعت بها إليه، فكتب على حذوها وعرضها على السلطان فارتضاها وأمر بإرسالها إلى أربابها مع النجاب، وكان متقللا في مطعمه ومنكحه وملبسه، ولباسه البياض لا يبلغ جميع ما عليه دينارين، ويركب معه غلام وركابيّ، ولا يمكن أحدا أن يصحبه، ويكثر زيارة القبور وتشييع الجنائز وعيادة المرضى، وله معروف في السرّ والعلانية، وأكثر أوقاته يفطر بعد ما يتهوّر الليل، وكان ضعيف البنية رقيق الصورة له حدبة يغطيها الطيلسان، وكان فيه سوء خلق يكمد به في نفسه ولا يضرّ أحدا به، ولأصحاب الأدب عنده نفاق يحسن إليهم ولا يمنّ عليهم، ويؤثر أرباب البيوت والغرباء، ولم يكن له انتقام من أعدائه إلا بالإحسان إليهم أو بالإعراض عنهم، وكان دخله في كلّ سنة من إقطاع ورباع وضياع خمسين ألف دينار سوى متاجره للهند والمغرب وغيرهما، وكان يقتني الكتب من كل فنّ ويجتلبها من كل جهة، وله نسّاخ لا يفترون، ومجلدون لا يبطلون. قال لي بعض من يخدمه في الكتب: أنّ عددها قد بلغ مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، وهذا قبل موته بعشرين سنة. وحكى لي ابن صورة الكتبيّ: أن ابنه القاضي الأشرف التمس مني أن أطلب له نسخة الحماسة ليقرأها، فأعلمت القاضي الفاضل، فاستحضر من الخادم الحماسات، فأحضر له خمسا وثلاثين نسخة، وصار ينفض نسخة نسخة ويقول: هذه بخط فلان، وهذه عليها خط فلان، حتى أتى على الجميع وقال: ليس فيها ما يصلح للصبيان، وأمرني أن أشتري له نسخة بدينار.
стр. 1538
المدرسة الأزكشية
هذه المدرسة بالقاهرة على رأس السوق الذي كان يعرف بالخروقيين، ويعرف اليوم بسويقة أمير الجيوش، بناها الأمير سيف الدين أيازكوج الأسديّ، مملوك أسد الدين شيركوه، وأحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وجعلها وقفا على الفقهاء من الحنفية فقط، في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وكان أيازكوج رأس الأمراء الأسدية بديار مصر في أيام السلطان صلاح الدين، وأيام ابنه الملك العزيز عثمان، وكان الأمير فخر الدين جهاركس رأس الصلاحية، ولم يزل على ذلك إلى أن مات في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، ودفن بسفح المقطم بالقرب من رباط الأمير فخر الدين بن قزل.
المدرسة الفخرية
هذه المدرسة بالقاهرة فيما بين سويقة الصاحب ودرب العدّاس، عمرها الأمير الكبير فخر الدين أبو الفتح عثمان بن قزل الباروميّ، أستادار الملك الكامل محمد بن العادل، وكان الفراغ منها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان موضعها أخيرا يعرف بدار الأمير حسام الدين ساروح بن أرتق شادّ الدواوين، ومولد الأمير فخر الدين في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بحلب، وتنقل في الخدم حتى صار أحد الأمراء بديار مصر، وتقدّم في أيام الملك الكامل، وصار أستاداره وإليه أمر المملكة وتدبيرها إلى أن سافر السلطان من القاهرة يريد بلاد المشرق، فمات بحرّان بعد مرض طويل في ثامن عشر ذي الحجة سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان خيّرا كثير الصدقة يتفقد أرباب البيوت، وله من الآثار سوى هذه المدرسة المسجد الذي تجاهها، وله أيضا رباط بالقرافة وإلى جانبه كتاب سبيل، وبنى بمكة رباطا.
المدرسة السيفية
هذه المدرسة بالقاهرة فيما بين خط البندقانيين وخط الملحيين، وموضعها من جملة دار الديباج، قال ابن عبد الظاهر كانت دارا وهي من المدرسة القطبية، فسكنها شيخ الشيوخ، يعني صدر الدين محمد بن حموية، وبنيت في وزارة صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكران سيف الإسلام، ووقفها وولى فيها عماد الدين ولد القاضي صدر الدين، يعني ابن درباس، وسيف الإسلام هذا اسمه طفتكين بن أيوب.
طفتكين: ظهير الدين سيف الإسلام الملك المعز بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الأيوبيّ، سيّره أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى بلاد اليمن في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، فملكها واستولى على كثير من بلادها، وكان شجاعا كريما مشكور السيرة حسن السياسة، قصده الناس من البلاد الشاسعة يستمطرون إحسانه وبرّه، وسار إليه
стр. 1539
شرف الدين بن عنين ومدحه بعدّة قصائد بديعة، فأجزل صلاته وأكثر من الإحسان إليه، واكتسب من جهته مالا وافرا، وخرج من اليمن، فلما قدم إلى مصر والسلطان إذ ذاك الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين، ألزمه أرباب ديوان الزكاة بدفع زكاة ما معه من المتجر فعمل:
ما كلّ من يتسمى بالعزيز لها … أهل ولا كلّ برق سحبه غدقه
بين العزيزين فرق في فعالهما … هذّاك يعطي وهذا يأخذ الصدقه
وتوفي سيف الإسلام في شوّال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالمنصورة، وهي مدينة باليمن اختطها رحمه اللّه تعالى.
المدرسة العاشورية
هذه المدرسة بحارة زويلة من القاهرة، بالقرب من المدرسة القطبية الجديدة ورحبة كوكاي. قال ابن عبد الظاهر: كانت دار اليهوديّ ابن جميع الطبيب، وكان يكتب لقراقوش، فاشترتها منه الست عاشوراء بنت ساروج الأسديّ، زوجة الأمير أيازكوج الأسديّ، ووقفتها على الحنفية، وكانت من الدور الحسنة، وقد تلاشت هذه المدرسة وصارت طول الأيام مغلوقة لا تفتح إلاّ قليلا، فإنها في زقاق لا يسكنه إلاّ اليهود ومن يقرب منهم في النسب.
المدرسة القطبية
هذه المدرسة في أوّل حارة زويلة برحبة كوكاي، عرفت بالست الجليلة الكبرى عصمة الدين مؤنسة خاتون، المعروفة بدار إقبال العلائي، ابنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وشقيقة الملك الأفضل قطب الدين أحمد، وإليه نسبت، وكانت ولادتها في سنة ثلاث وستمائة، ووفاتها ليلة الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وكانت قد سمعت الحديث وخرّج لها الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد الظاهريّ أحاديث ثمانيات حدّثت بها، وكانت عاقلة دينة فصيحة، لها أدب وصدقات كثيرة، وتركت مالا جزيلا، وأوصت ببناء مدرسة يجعل فيها فقهاء وقرّاء، ويشترى لها وقف يغلّ، فبنيت هذه المدرسة، وجعل فيها درس للشافعية ودرس للحنفية. وقرّاء، وهي إلى اليوم عامرة.
المدرسة الخرّوبية
هذه المدرسة على شاطيء النيل من مدينة مصر، أنشأها تاج الدين محمد بن صلاح الدين أحمد بن محمد بن علي الخروبيّ، لما أنشأ بيتا كبيرا مقابل بيت أخيه عز الدين قبليه على شاطئ النيل، وجعل فيه هذه المدرسة، وهي ألطف من مدرسة أخيه، وبجنبها مكتب سبيل، ووقف عليها أوقافا، وجعل بها مدرّس حديث فقط، مات بمكة في آخر المحرّم سنة خمس وثمانين وسبعمائة.
стр. 1540
مدرسة المحليّ
هذه المدرسة على شاطئ النيل داخل صناعة التمر ظاهر مدينة مصر، أنشأها رئيس التجار برهان الدين إبراهيم بن عمر بن عليّ المحليّ ابن بنت العلامة شمس الدين محمد بن اللبان، وينتمي في نسبه إلى طلحة بن عبيد اللّه، أحد العشرة ﵃، وجعل هذه المدرسة بجوار داره التي عمرها في مدّة سبع سنين، وأنفق في بنائها زيادة على خمسين ألف دينار، وجعل بجوارها مكتب سبيل، لكن لم يجعل بها مدرّسا ولا طلبة، وتوفي ثاني عشري ربيع الأوّل سنة ست وثمانمائة عن مال عظيم، أخذ منه السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق مائة ألف دينار، وكان مولده سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ولم يكن مشكور السيرة في الديانة، وله من المآثر تجديد جامع عمرو بن العاص، فإنه كان قد تداعى إلى السقوط، فقام بعمارته حتى عاد قريبا مما كان عليه، شكر اللّه له ذلك.
المدرسة الفارقانية
هذه المدرسة بابها شارع في سويقة حارة الوزيرية من القاهرة، فتحت في يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة ست وسبعين وستمائة، وبها درس للطائفة الشافعية، ودرس للطائفة الحنفية، أنشأها الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانيّ السلاحدار، كان مملوكا للأمير نجم الدين أمير حاجب، ثم انتقل إلى الملك الظاهر بيبرس، فترقّى عنده في الخدم حتى صار أحد الأمراء الأكابر، وولاه الأستادارية، وناب عنه بديار مصر مدّة غيبته، وقدّمه على العساكر غير مرّة، وفتح له بلاد النوبة، وكان وسيما جسيما شجاعا مقداما حازما، صاحب دراية بالأمور وخبرة بالأحوال والتصرّفات، مدبرا للدول، كثير البرّ والصدقة، ولما مات الملك الظاهر وقام من بعده في ملك مصر ابنه الملك السعيد بركة قان، ولاّه نيابة السلطنة بديار مصر بعد موت الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار، فأظهر الحزم وضم إليه طائفة منهم شمس الدين أقوش، وقطليجا الروميّ، وسيف الدين قليج البغداديّ، وسيف الدين بيجو البغداديّ، وسيف الدين شعبان أمير شكار، وبكتمر السلاحدار، وكانت الخاصكية تكرهه فاتفقوا مع مماليك بيلبك الخازندار على القبض عليه، وتحدّثوا مع الملك السعيد في ذلك، وما زالوا به حتى قبضوا عليه بمساعدة الأمير سيف الدين كوندك الساقي لهم، وكان قد ربي مع السعيد في المكتب، فلم يشعر وهو قاعد بباب القلة من القلعة إلاّ وقد سحب وضرب ونتفت لحيته وجرّ، وقد ارتكب في إهانته أمر شنيع، إلى البرج فسجن به ليالي قليلة، أخرج منه ميتا في أثناء سنة ست وسبعين وستمائة، وجهل قبره.
المدرسة المهذبية
هذه المدرسة خارج باب زويلة من خط حارة حلب بجوار حمّام قماري، بناها
стр. 1541
الحكيم مهذب الدين أبو سعيد محمد بن علم الدين بن أبي الوحش بن أبي الخير بن أبي سليمان بن أبي حليقة، رئيس الأطباء، كان جدّه الرشيد أبو الوحش نصرانيا متقدّما في صناعة الطب، فأسلم ابنه علم الدين في حياته، وكان لا يولد له ولد فيعيش، فرأت أمّه وهي حامل به قائلا يقول: هيئوا له حلقة فضة قد تصدّق بوزنها، وساعة يوضع من بطن أمّه تثقب أذنه وتوضع فيها الحلقة. ففعلت ذلك فعاش، فعاهدت أمّه أباه أن لا يقلعها من أذنه، فكبر وجاءته أولاد وكلهم يموت، فولد له ابنه مهذب الدين أبو سعيد، فعمل له حلقة فعاش، وكان سبب اشتهاره بأبي حليقة أن الملك الكامل محمد بن العادل أمر بعض خدّامه أن يستدعي بالرشيد الطبيب من الباب، وكان جماعة من الأطباء بالباب، فقال الخادم من هو منهم؟ فقال السلطان أبو حليقة، فخرج فاستدعاه بذلك، فاشتهر بهذا الاسم، ومات الرشيد في سنة ست وسبعين وستمائة.
المدرسة الخرّوبية
هذه المدرسة بظاهر مدينة مصر تجاه المقياس بخط كرسيّ الجسر، أنشأها كبير الخرابية بدر الدين محمد بن محمد بن عليّ الخروبيّ، بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء المهملة وضمها ثم واو ساكنة بعدها باء موحدة ثم ياء آخر الحروف، التاجر في مطابخ السكّر، وفي غيرها بعد سنة خمسين وسبعمائة، وجعل مدرّس الفقه بها الشيخ بهاء الدين عبد اللّه بن عبد الرحمن بن عقيل، والمعيد الشيخ سراج الدين عمر البلقيني، ومات سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وأنشأ أيضا ربعين بخط دار النحاس من مصر البلقيني، ومات سنة وربعين مقابل المقياس بالقرب من مدرسته، ولبدر الدين هذا أخ من أبيه أسنّ منه يقال له صلاح الدين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبيّ، عاش بعد أخيه وأنجب في أولاده، وأدركت لهم أولادا نجباء، وكان أوّلا قليل المال، ثم تموّل وأنشأ تربة كبيرة بالقرافة، فيما بين تربة الإمام الشافعيّ وتربة الليث بن سعد، مقابل السروتين، وجدّدها حفيده نور الدين عليّ بن عز الدين محمد بن صلاح الدين، وأضاف إليها مطهرة حسنة، ومات سنة تسع وستين وسبعمائة، وشرط بدر الدين في مدرسته أن لا يلي بها أحد من العجم. وظيفة من الوظائف. فقال في كل وظيفة منها، ويكون من العرب دون العجم، وكانت له مكارم، جهز مرّة ابن عقيل إلى الحج بنحو خمسمائة دينار.
المدرسة الخروبية
هذه المدرسة بخط الشون قبليّ دار النحاس من ظاهر مدينة مصر، أنشأها عز الدين محمد بن صلاح الدين أحمد بن محمد بن عليّ الخرّوبيّ، وهي أكبر من مدرسة عمه بدر الدين، إلاّ أنه مات سنة ست وسبعين وسبعمائة قبل استيفاء ما أراد أن يجعل فيها، فليس لها مدرّس ولا طلبة، ومولده سنة ست عشرة وسبعمائة، ونشأ في دنيا عريضة رحمه اللّه تعالى.
стр. 1542
المدرسة الصاحبية البهائية
هذه المدرسة كانت بزقاق القناديل من مدينة مصر، قرب الجامع العتيق، أنشأها الوزير الصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن سليم بن حنا في سنة أربع وخمسين وستمائة، وكان إذ ذاك زقاق القناديل أعمر أخطاط مصر، وإنما قيل له زقاق القناديل من أجل أنه كان سكن الأشراف، وكانت أبواب الدور يعلق على كلّ باب منها قنديل. قال القضاعيّ: ويقال أنه كان به مائة قنديل توقد كلّ ليلة على أبواب الأكابر.
وابن حنا هذا هو عليّ بن محمد بن سليم - بفتح السين المهملة وكسر اللام ثم ياء آخر الحروف بعدها ميم - ابن حنا - بحاء مهملة مكسورة ثم نون مشدّدة مفتوحة بعدها ألف - الوزير الصاحب بهاء الدين، ولد بمصر في سنة ثلاث وستمائة، وتنقلت به الأحوال في كتابة الدواوين إلى أن ولي المناصب الجليلة، واشتهرت كفايته وعرفت في الدولة نهضته ودرايته، فاستوزره السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ في ثامن شهر ربيع الأوّل سنة تسع وخمسين وستمائة، بعد القبض على الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، وفوّض إليه تدبير المملكة وأمور الدولة كلها، فنزل من قلعة الجبل بخلع الوزارة ومعه الأمير سيف الدين بلبان الروميّ الدوادار، وجميع الأعيان والأكابر، إلى داره، واستبدّ بجميع التصرّفات، وأظهر عن حزم وعزم وجودة رأي، وقام بأعباء الدولة من ولايات العمال وعزلهم من غير مشاورة السلطان ولا اعتراض أحد عليه، فصار مرجع جميع الأمور إليه ومصدرها عنه، ومنشأ ولايات الخطط والأعمال من قلمه، وزوالها عن أربابها لا يصدر إلا من قبله، وما زال على ذلك طول الأيام الظاهرية، فلما قام الملك السعيد بركة قان بأمر المملكة بعد موت أبيه الملك الظاهر، أقرّه على ما كان عليه في حياة والده، فدبر الأمور وساس الأحوال، وما تعرّض له أحد بعداوة ولا سوء، مع كثرة من كان يناويه من الأمراء وغيرهم إلاّ وصدّه اللّه عنه، ولم يجد ما يتعلق به عليه، ولا ما يبلغ به مقصوده منه، وكان عطاؤه واسعا وصلاته وكلفه للأمراء والأعيان ومن يلوذ به، ويتعلق بخدمته تخرج عن الحدّ في الكثرة، وتتجاوز القدر في السعة مع حسن ظنّ بالفقراء وصدق العقيدة في أهل الخير والصلاح، والقيام بمعونتهم وتفقد أحوالهم وقضاء أشغالهم، والمبادرة إلى امتثال أوامرهم، والعفة عن الأموال، حتى أنه لم يقبل من أحد في وزارته هدية إلاّ أن تكون هدية فقير أو شيخ معتقد يتبرّك بما يصل من أثره، وكثرة الصدقات في السرّ والعلانية، وكان يستعين على ما التزمه من المبرّات ولزمه من الكلف بالمتاجر، وقد مدحه عدّة من الناس فقبل مديحهم وأجزل جوائزهم، وما أحسن قول الرشيد الفارقيّ فيه:
وقائل قال لي نبه لنا عمرا … فقلت إنّ عليا قد تنبه لي
مالي إذا كنت محتاجا إلى عمر … من حاجة فلينم حسبي انتباه علي
стр. 1543
وقول سعد الدين بن مروان الفارقيّ في كتاب الدرج المختص به أيضا:
يمم عليا فهو بحر الندى … وناده في المضلع المعضل
فرفده بحر على مجدب … ووفده مفض إلى مفصل
يسرع إن سيل نداه وهل … أسرع من سيل أتى من علي
إلاّ أنه أحدث في وزارته حوادث عظيمة، وقاس أراضي الأملاك بمصر والقاهرة وأخذ عليها مالا، وصادر أرباب الأموال وعاقبهم حتى مات كثير منهم تحت العقوبة، واستخرج حوالي الذمّة مضاعفة، ورزئ بفقد ولديه الصاحب فخر الدين محمد، والصاحب زين الدين، فعوّضه اللّه عنهما بأولادهما، فما منهم إلا نجيب صدر رئيس فاضل مذكور، وما مات حتى صار جدّ جدّ، وهو على المكانة وافر الحرمة، في ليلة الجمعة مستهلّ ذي الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة، ودفن بتربته من قرافة مصر، ووزر من بعده الصاحب برهان الدين الخضر بن حسن بن عليّ السنجاريّ، وكان بينه وبين ابن حنا عداوة ظاهرة وباطنة، وحقود بارزة وكامنة، فأوقع الحوطة على الصاحب تاج الدين محمد بن حنا بدمشق، وكان مع الملك السعيد بها، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، وجهزه على البريد إلى مصر، ليستخرج منه ومن أخيه زين الدين أحمد، وابن عمه عز الدين تكملة ثلثمائة ألف دينار، وأحيط بأسبابه ومن يلوذ به من أصحابه ومعارفه وغلمانه، وطولبوا بالمال.
وأوّل من درّس بهذه المدرسة الصاحب فخر الدين محمد، ابن بانيها الوزير الصاحب بهاء الدين إلى أن مات يوم الاثنين حادي عشري شعبان سنة ثمان وستين وستمائة، فوليها من بعده ابنه محيي الدين أحمد بن محمد إلى أن توفي يوم الأحد ثامن شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، فدرّس فيها بعده الصاحب زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين إلى أن مات في يوم الأربعاء سابع صفر سنة أربع وسبعمائة، فدرّس بها ولده الصاحب شرف الدين وتوارثها أبناء الصاحب يلون نظرها وتدريسها إلى أن كان آخرهم صاحبنا الرئيس شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن الصاحب بهاء الدين، وليها بعد أبيه عز الدين، ووليها عز الدين بعد بدر الدين أحمد بن محمد بن محمد بن الصاحب بهاء الدين، فلما مات صاحبنا شمس الدين محمد بن الصاحب لليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وضع بعض نوّاب القضاة يده على ما بقي لها من وقف، وأقامت هذه المدرسة مدّة أعوام معطلة من ذكر اللّه وإقام الصلاة، لا يأويها أحد لخراب ما حولها، وبها شخص يبيت بها كي لا يسرق ما بها من أبواب ورخام، وكان لها خزانة كتب جليلة فنقلها شمس الدين محمد بن الصاحب وصارت تحت يده إلى أن مات، فتفرّقت في أيدي الناس، وكان قد عزم على نقلها إلى شاطيء النيل بمصر، فمات قبل ذلك.
стр. 1544
ولما كان في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، أخذ الملك الناصر فرج بن برقوق عمد الرخام التي كانت بهذه المدرسة، وكانت كثيرة العدد جليلة القدر، وعمل بدلها دعائم تحمل السقوف إلى أن كانت أيام الملك المؤيد الشيخ، وولي الأمير تاج الدين الشوبكيّ الدمشقي ولاية القاهرة ومصر وحسبة البلدين وشدّ العمائر السلطانية، فهدم هذه المدرسة في أخريات سنة سبع عشرة وأوائل سنة ثماني عشرة وثمانمائة، وكانت من أجلّ مدارس الدنيا وأعظم مدرسة بمصر، يتنافس الناس من طلبة العلم في النزول بها ويتشاحنون في سكنى بيوتها، حتى يصير البيت الواحد من بيوتها يسكن فيه الاثنان من طلبة العلم والثلاثة، ثم تلاشى أمرها حتى هدمت وسيجهل عن قريب موضعها، وللّه عاقبة الأمور.
المدرسة الصاحبية
هذه المدرسة بالقاهرة في سويقة الصاحب، كان موضعها من جملة دار الوزير يعقوب بن كلس، ومن جملة دار الديباج، أنشأها الصاحب صفيّ الدين عبد اللّه بن عليّ بن شكر، وجعلها وقفا على المالكية، وبها درس نحو وخزانة كتب، وما زالت بيد أولاده.
فلما كان في شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، جدّد عمارتها القاضي علم الدين إبراهيم بن عبد اللطيف بن إبراهيم المعروف بابن الزبير، ناظر الدولة في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون، واستجدّ فيها منبرا فصار يصلّى بها الجمعة إلى يومنا هذا، ولم يكن قبل ذلك بها منبر ولا تصلّى فيها الجمعة.
عبد اللّه بن عليّ بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور بن إبراهيم بن عمار بن منصور بن عليّ صفيّ الدين أبو محمد الشنيبيّ الدميريّ المالكيّ، المعروف بابن شكر، ولد بناحية دميرة إحدى قرى مصر البحرية في تاسع صفر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ومات أبوه فتزوّجت أمّه بالقاضي الوزير الأعز فخر الدين مقدام ابن القاضي الأجل أبي العباس أحمد بن شكر المالكيّ، فرباه ونوّه باسمه لأنه كان ابن عمه، فعرف به وقيل له ابن شكر، وسمع صفيّ الدين من الفقيه أبي الظاهر إسماعيل بن مكيّ بن عوف، وأبي الطيب عبد المنعم بن يحيى وغيره، وحدّث بالقاهرة ودمشق، وتفقه على مذهب مالك، وبرع فيه، وصنف كتابا في الفقه كان كلّ من حفظه نال منه خطأ وافرا، وقصد بذلك أن يتشبه بالوزير عون الدين بن هبيرة، كانت بداية أمره أنه لما سلّم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر الأسطول لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وأفرد له من الأبواب الديوانية الزكاة بمصر والجبس الجيوشي بالبرّين والنطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ وساحل السنط والمراكب الديوانية واسنا وطنبدى، استخدم العادل في مباشرة ديوان هذه المعاملة الصفيّ بن شكر هذا، وكان ذلك في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ومن حينئذ اشتهر ذكره وتخصص بالملك العادل، فلما استقل بمملكة مصر في
стр. 1545
سنة ست وتسعين وخمسمائة عظم قدره، ثم استوزره بعد الصنيعة بن النجار، فحل عنده محل الوزراء الكبار والعلماء المشاورين، وباشر الوزارة بسطوة وجبروت وتعاظم، وصادر كتاب الدولة واستصفى أموالهم، ففرّ منه القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل إلى بغداد، واستشفع بالخليفة الناصر، وأحضر كتابه إلى الملك العادل يشفع فيه، وهرب منه القاضي علم الدين إسماعيل بن أبي الحجاج صاحب ديوان الجيش، والقاضي الأسعد أسعد بن مماتي صاحب ديوان المال، والتجآ إلى الملك الظاهر بحلب، فأقاما عنده حتى ماتا، وصادر بني حمدان وبني الحباب وبني الجليس، وأكابر الكتاب، والسلطان لا يعارضه في شيء، ومع ذلك فكان يكثر التغضب على السلطان ويتجنى عليه وهو يحتمله إلى أن غضب في سنة سبع وستمائة، وحلف أنه ما بقي يخدم، فلم يحتمله، وولى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعز فخر الدين مقدام بن شكر، وأخرجه من مصر بجميع أمواله وحرمه وغلمانه، وكان نقله على ثلاثين جملا، وأخذ أعداؤه في إغراء السلطان به وحسنوا له أن يأخذ ماله، فأبى عليهم ولم يأخذ منه شيئا، وسار إلى آمد فأقام بها عند ابن أرتق إلى أن مات الملك العادل في سنة خمسين وستمائة، فطلبه الملك الكامل محمد بن الملك العادل لما استبدّ بسلطنة ديار مصر بعد أبيه، وهو في نوبة قتال الفرنج على دمياط حين رأى أن الضرورة داعية لحضوره بعد ما كان يعاديه، فقدم عليه في ذي القعدة منها وهو بالمنزلة العادلية قريبا من دمياط، فتلقاه وأكرمه وحادثه فيما نزل به من موت أبيه ومحاربة الفرنج ومخالفة الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب، واضطراب أرض مصر بثورة العربان، وكثرة خلافهم، فشجعه وتكفل له بتحصيل المال وتدبير الأمور، وسار إلى القاهرة فوضع يده في مصادرات أرباب الأموال بمصر والقاهرة من الكتاب والتجار، وقرّر على الأملاك مالا، وأحدث حوادث كثيرة، وجمع مالا عظيما أمدّ به السلطان، فكثر تمكنه منه وقويت يده وتوفرت مهابته، بحيث أنه لما انقضت نوبة دمياط وعاد الملك الكامل إلى قلعة الجبل كان ينزل إليه ويجلس عنده بمنظرته التي كانت على الخليج، ويتحدّث معه في مهمات الدولة، ولم يزل على ذلك إلى أن مات بالقاهرة وهو وزير في يوم الجمعة ثامن شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان بعيد الغور جماعا للمال ضابطا له من الإنفاق في غير واجب، قد ملأت هيبته الصدور، وانقاد له على الرغم والرضي الجمهور، وأخمد جمرات الرجال، وأضرم رمادا لم يخطر إيقاده على بال، وبلغ عند الملك الكامل بحيث أنه بعث إليه بابنيه الملك الصالح نجم الدين أيوب، والملك العادل أبي بكر ليزوراه في يوم عيد فقاما على رأسه قياما، وأنشد زكيّ الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن وهيب القوصيّ قصيدة زاد فيها حين رأى الملكين قياما على رأسه:
لو لم تقم للّه حقّ قيامه … ما كنت تقعد والملوك قيام
وقطع في وزارته الأرزاق، وكانت جملتها أربعمائة ألف دينار في السنة، وتسارع