الثلمة فوجدوا الذهب الذي أصابوه لا يزيد على ما أنفقوه، ولا ينقص فعجب من معرفتهم بمقدار ما ينفق عليه، ومن تركهم ما يوازيه في الموضع عجبا عظيما، وقيل: إن المطهرة التي وجد فيها الذهب كانت من زبرجد، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته، وكان آخر ما عمل من عجائب مصر.
وأقام الناس سنين يقصدونه، وينزلون فيه الزلاقة التي فيه، فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك، فاتفق عشرون من الأحداث على دخوله، وأعدّوا لذلك ما يحتاجون من طعام وشراب، وحبال وشمع ونحوه، ونزلوا في الزلاقة، فرأوا فيها من الخفاش ما يكون كالعقبان يضرب وجوههم، ثم إنهم أدلوا أحدهم بالحبال، فانطبق عليه المكان، وحاولوا جذبه حتى أعياهم فسمعوا صوتا أربعهم فغشي عليهم، ثم قاموا وخرجوا من الهرم، فبينما هم جلوس يتعجبون مما وقع لهم، إذ أخرجت الأرض صاحبهم حيا من بين أيديهم يتكلم بكلام لم يعرفوه، ثم سقط ميتا، فحملوه ومضوا به فأخذهم الخفراء وأتوا بهم إلى الوالي فحدّثوه خبرهم، ثم سألوا عن الكلام الذي قال صاحبهم قبل موته، فقيل لهم:
معناه: هذا جزاء من طلب ما ليس له، وكان الذي فسر لهم معناه بعض أهل الصعيد.
وقال علي بن رضوان الطبيب: فكرت في بناء الأهرام، فأوجب علم الهندسة العلمية ورفع الثقيل إلى فوق أن يكون القوم هندسوا سطحا مربعا، ونحتوا الحجارة ذكرا وأنثى، ورصوها بالجبس البحريّ إلى أن ارتفع البناء مقدار ما يمكن رفع الثقيل، وكانوا كلما صعدوا ضموا البناء حتى يكون السطح الموازي للمربع الأسفل مربعا أصغر من المربع السفلانيّ، ثم عملوا في السطح المربع الفوقانيّ مربعا أصغر بمقدار ما بقي في الحاشية ما يمكن رفع الثقيل إليه، وكلما رفعوا حجرا مهندما رصوه إليه ذكرا وأنثى، إلى أن ارتفع مقدار مثل المقدار الأوّل، ولم يزالوا يفعلون ذلك إلى أن بلغوا غاية لا يمكنهم بعدها أن يفعلوا ذلك فقطعوا الارتفاع، ونحتوا الجوانب البارزة التي فرضوها لرفع الثقيل، ونزلوا في النحت من فوق إلى أسفل، وصار الجميع هرما واحدا.
وقياس الهرم الأوّل: بالذراع التي تقاس بها اليوم الأبنية بمصر، كل حاشية منه أربعمائة ذراع، يكون بالذراع السوداء التي طول كل ذراع منها أربعة وعشرون أصبعا خمسمائة ذراع، وذلك أن قاعدته مربع متساوي الأضلاع، والزوايا ضلعان منهما، على خط نصف النهار، وضلعان على خط المشرق والمغرب، وكل ضلع بالذراع السوداء خمسمائة ذراع، والخط المنحدر على استقامة من رأس الهرم إلى نصف ضلع المربع أربعمائة وسبعون ذراعا، يكون إذا تمم أيضا، خمسمائة ذراع.
وأحيط بالهرم، أربع مثلثات ومربع، وكل مثلث منها متساوي الساقين، كل ساق منه إذا تمم خمسمائة وستون ذراعا، والمثلثات الأربعة تجتمع رؤوسها عند نقطة واحدة، وهي
стр. 212
رأس الهرم إذا تمم فيلزم أن يكون عموده أربعمائة وثلاثين ذراعا، وعلى هذا العمود مراكز أثقاله، ويكون تكسير كل مثلث من مثلثاته: مائة وخمسة وعشرين ألف ذراع، إذا اجتمع تكاسيرها كان مبلغ تكسير سطح هذا الهرم: خمسمائة ألف ذراع بالسوداء، وما أحسب على وجه الأرض بناء أعظم منه ولا أحسن هندسة ولا أطول، واللّه أعلم.
وقد فتح المأمون نقبا من هذا الهرم، فوجد فيه زلاقة تصعد إلى بيت مربع مكعب، ووجد في سطحه قبر رخام وهو باق فيه إلى اليوم، ولم يقدر أحد يحطه، وبذلك أخبر جالينوس، أنها قبور. فقال في آخر الخامسة من تدبير الصحة بهذا اللفظ، وهم يسمون، من كان في هذا السن: الهرم، وهو اسم مشتق من الأهرام التي هم إليها صائرون عن قريب.
وقال الحوقليّ في صفة مصر: وبها الهرمان اللذان ليس على وجه الأرض لهما نظير في ملك مسلم ولا كافر ولا عمل ولا يعمل لهما، وقرأ بعض بني العباس على أحدهما:
إني قد بنيتهما فمن كان يدّعي قوّة في ملكه فليهدمها، فالهدم أيسر من البنيان، فهمّ بذلك وأظنه المأمون أو المعتصم، فإذا خراج مصر لا يقوم به يومئذ، وكان خراجها على عهده بالإنصاف في الجباية وتوخي الرفق بالرعية والمعدلة إذا بلغ النيل سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع، أربعة آلاف ألف ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار، والمقبوض على الفدّان، دينارين، فأعرض عن ذلك ولم يعد فيه شيئا.
وفي حدّ الفسطاط في غربيّ النيل أبنية عظام يكثر عددها مفترشة في سائر الصعيد تدعى: الأهرام، وليست كالهرمين اللذين تجاه الفسطاط، وعلى فرسخين منها ارتفاع كل واحد منهما: أربعمائة ذراع، وعرضه كارتفاعه، مبنيّ بحجارة الكدّان التي سمك الحجر، وطوله وعرضه من العشر أذرع إلى الثمان بحسب ما دعت الحاجة إلى وضعه في زيادته ونقصه، وأوجبته الهندسة عندهم لأنهما كلما ارتفعا في البناء ضاقا حتى يصير أعلاهما من كل واحد منهما مثل مبرك جمل، وقد ملئت حيطانهما بالكتابة اليونانية، وقد ذكر قوم أنهما قبران وليس كذلك، وإنما حمل صاحبهما على عملهما أنه قضى بالطوفان أنه يهلك جميع ما على وجه الأرض إلا ما حصن في مثلهما، فخزن ذخائره وأمواله فيهما، وأتى الطوفان، ثم نضب فصار ما كان فيهما إلى بيصر بن مصرايم بن حام بن نوح، وقد خزن فيهما بعض الملوك المتأخرين وجعلهما هراءه، واللّه أعلم.
وقال أبو يعقوب محمد بن إسحاق النديم (١) الوراق في كتاب الفهرست: وقد ذكر هرمس البابليّ قد اختلف في أمره فقيل: إنه كان أحد السدنة السبعة الذين رتبوا لحفظ البيوت السبعة، وإنه كان لترتيب عطارد وباسمه سمي، فإن عطارد باللغة الكلدانية: هرمس،
стр. 213
وقيل: إنه انتقل إلى أرض مصر بأسباب، وإنه ملكها وكان له أولاد منهم: طا، وصا، وأشمن، وأتريب، وقفط، وإنه كان حكيم زمانه، وإنه لما توفي دفن في البناء الذي يعرف بمدينة مصر: بأبي هرمس، ويعرفه العامة بالهرمين، فإن أحدهما قبره والآخر قبر زوجته، وقيل: قبر ابنه الذي خلفه بعد موته، وهذه البنية يعني الأهرام: طولها بالذراع الهاشمي، أربعمائة ذراع وثمانون ذراعا على مساحة أربعمائة وثمانين ذراعا، ثم ينخرط البناء فإذا حصل الإنسان في رأسه كان مقدار سطحه أربعين ذراعا، هذا بالهندسة وفي وسط هذا السطح، قبة لطيفة في وسطها شبيهة بالمقبرة، وعند رأس ذلك القبر صخرتان في نهاية النظافة والحسن وكثرة التلوّن، وعلى كل واحدة منهما شخصان من حجارة، صورة ذكر وأنثى، وقد تلاقيا بوجهيهما، وبيد الذكر لوح من حجارة فيه كتابة، وبيد الأنثى مرآة، والرف ذهّب نقشه نقاش، وبين الصخرتين برنية من حجارة على رأسها غطاء ذهب، فلما قلع فإذا فيها شبيه بالنار بغير رائحة قد يبس، وفيها حقة ذهب فنزع رأسها، فإذا فيها دم عبيط ساعة قرعه الهواء جمد، كما يجمد الدم وجف، وعلى القبور أغطية حجارة، فلما قلعت إذا رجل نائم على قفاه على نهاية الصحة والجفاف بين الخلقة ظاهر الشعور، وإلى جنبه امرأة على هيئته، قال: وذلك السطح منقر نحو قامة كما يدور مثل المسمار ذات آزاج من حجارة فيها صور وتماثيل مطروحة وقائمة، وغير ذلك من الآلة التي لا تعرف أشكالها.
وقال العلامة موفق الدين عبد اللطيف بن أبي العز يوسف بن أبي البركات محمد بن عليّ بن سعد البغدادي المعروف بابن المطحن في سيرته، وجاء رجل جاهل عجميّ، فخيّل إلى الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف أن الهرم الصغير تحته مطلب، فأخرج إليه الحجارين وأكثر العسكر وأخذوا في هدمه، وأقاموا على ذلك شهورا، ثم تركوه عن عجز وخسران مبين في المال والعقل، ومن يرى حجارة الهرم يقول: إنه قد استوصل الهرم، ومن يرى الهرم لا يجد به إلا تشعيثا يسيرا، وقد أشرفت على الحجارين فقلت لمقدّمهم: هل تقدرون على إعادته؟ فقال: لو بذل لنا السلطان عن كل حجر ألف دينار لم يمكنا ذلك.
وقال أبو الحسن المسعودي في مروج الذهب: وأما الأهرام فطولها عظيم وبنيانها عجيب عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة، والممالك الدائرة لا يدرى ما تلك الكتابة ولا المراد بها، وقد قال من عني بتقدير ذرعها: أن مقدار ارتفاع الهرم الكبير ذهابا في الجوّ نحو أربعمائة ذراع أو أكثر، وكلما صعد دق ذلك، والعرض نحو ما وصفنا، وعليها من الرسوم علوم وخواص وسحر وأسرار الطبيعة، وإن من تلك الكتابة مكتوبا، إنا بنيناها فمن يدّعي موازاتنا في الملك، وبلوغ القدرة وانتهاء أمر السلطان فليهدمها وليزع رسمها فإن الهدم أيسر من البناء والتفريق أسهل من التأليف.
وقد ذكر أن بعض ملوك الإسلام شرع يهدم بعضها فإذا خراج مصر لا يفي بقلعها،
стр. 214
وهي من الحجر والرخام، وأنها قبور لملوك، وكان الملك منهم إذا مات، وضع في حوض من حجارة، ويسمى بمصر والشام: الجرون، وأطبق عليه، ثم بني من الهرم على مقدار ما يريدون من ارتفاع الأساس، ثم يحمل الحوض، ويوضع وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان، ثم يرفعون البناء على المقدار الذي يرونه، ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يحفر له طريق في الأرض، ويعقد أزج طوله تحت الأرض مائة ذراع أو أكثر، ولكل هرم من هذه الأهرام باب مدخله على ما وصفت، قال: وكان القوم يبنون الهرم من هذه الأهرام مدرجا ذا مراق كالدرج، فإذا فرغوا نحتوه من فوق إلى أسفل، فهذه كانت جبلتهم، وكانوا مع ذلك لهم قوّة وصبر وطاعة.
وقال في كتاب البنية والإشراف: والهرمان اللذان في الجانب الغربيّ من فسطاط مصر هما من عجائب بنيان العالم، كل واحد منهما أربعمائة ذراع في سمك مثل ذلك، مبنيان بالحجر العظيم على الرياح الأربع كل ركن من أركانهما يقابل ريحا منها فأعظمهما فيهما تأثيرا ريح الجنوب وهي: المريسي وأحد هذين الهرمين، قبر أعاديمون، والآخر قبر هرمس، وبينهما نحو ألف سنة وأعاديمون المتقدّم، وكان سكان مصر وهم الأقباط يعتقدون نبوّتهما قبل ظهور النصرانية فيهم على ما يوجبه رأي الصابئين في النبوّات لا على طريق الوحي، بل هم عندهم نفوس طاهرة صفت وتهذبت من أدناس هذا العالم، فاتحدت بهم موادّ علوية، فأخبروا عن الكائنات قبل كونها، وعن سرائر العالم وغير ذلك، وفي العرب:
من اليمانية من يرى أنهما قبر شدّاد بن عاد وغيره من ملوكهم السالفة الذين غلبوا على بلاد مصر في قديم الدهر، وهم العرب العارية من العماليق وغيرهم وهي عند من ذكرنا من الصابئين قبور أجساد طاهرة.
وذكر أبو زيد البلخيّ: أنه وجد مكتوبا على الأهرام بكتابتهم خط فعرّب، فإذا هو:
بني هذان الهرمان والنسر الوقع في السرطان، فحسبوا من ذلك الوقت إلى الهجرة النبوية، فإذا هو: ست وثلاثون ألف سنة شمسية مرتين، يكون اثنتين وسبعين ألف سنة شمسية.
وقال الهمداني في كتاب الإكليل: لم يوجد مما كان تحت الماء وقت الغرق من القرى، قرية فيها بقية، سوى نهاوند وجدت كما هي اليوم لم تتغير، وأهرام الصعيد من أرض مصر.
وذكر أبو محمد عبد اللّه بن عبد الرحيم القيسي في كتاب تحفة الألباب: أن الأهرام مربعة الجملة مثلثة الوجوه، وعددها ثمانية عشر هرما، في مقابلة مصر الفسطاط ثلاثة أهرام، أكبرها دورة ألفا ذراع في كل وجه خمسمائة ذراع، وعلوه خمسمائة ذراع، وكل حجر من حجارتهما ثلاثون ذراعا في غلظ عشرة أذرع قد أحكم إلصاقه ونحته.
ومنها عند مدينة فرعون يوسف، هرم أعظم، وأكبر دوره ثلاثة آلاف ذراع، وعلوه
стр. 215
سبعمائة من حجارة، كل حجر خمسون ذراعا، وعند مدينة فرعون موسى أهرام أكبر وأعظم، وهرم آخر يعرف بهرم، مدون كأنه جبل، وهو خمس طبقات، وفتح المأمون الهرم الكبير الذي تجاه الفسطاط، قال: وقد دخلت في داخله، فرأيت قبة مربعة الأسفل مدوّرة الأعلى كبيرة في وسطها بئر عمقها، عشرة أذرع، وهي مربعة ينزل الإنسان فيها، فيجد في كل وجه من تربيع البئر بابا يفضي إلى دار كبيرة فيها موتى من بني آدم عليهم أكفان كثيرة أكثر من مائة ثوب على كل واحد، قد بليت بطول الزمان واسودّت وأجسامهم مثلنا ليسوا طوالا، ولم يسقط من أجسامهم، ولا من شعورهم شيء، وليس فيهم شيخ، ولا من شعره أبيض، وأجسادهم قوية لا يقدر الإنسان أن يزيل عضوا من أعضائهم البتة، ولكنهم خفوا حتى صاروا كالغثا لطول الزمان، وفي تلك البئر أربعة من الدور مملوءة بأجساد الموتى، وفيها خفاش كثير، وكانوا يدفنون أيضا جميع الحيوان في الرمال، ولقد وجدت ثيابا ملفوفة كثيرا مقدار جرمها، أكثر من ذراع، وقد احترقت تلك الثياب من القدم، فأزلت الثياب إلى أن ظهرت خرق صحاح قوية بيض من كتان أمثال العصائب فيها أعلام من الحرير الأحمر، وفي داخلها هدهد ميت لم يتناثر من ريشه، ولا من جسده شيء كأنه قد مات الآن.
وفي القبة التي في الهرم، باب يفضي إلى علو الهرم، وليس فيه درج عرضه نحو خمسة أشبار، يقال: إنه صعد فيها في زمان المأمون فأفضوا إلى قبة صغيرة فيها صورة آدمي من حجر أخضر كالدهنج، فأخرجت إلى المأمون، فإذا هي مطبقة، فلما فتحت وجد فيها جسد آدميّ عليه درع من ذهب مزين بأنواع الجواهر وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر ياقوت أحمر كبيضة الدجاجة يضيء كلهب النار فأخذه المأمون.
وقد رأيت الصنم الذي أخرج منه ذلك الميت ملقى عند باب دار الملك بمصر في سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
وقال القاضي الجليل أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعي: روي عليّ بن الحسن بن خلف بن قديد عن يحيى بن عثمان بن صالح عن محمد بن عليّ بن صخر التميميّ قال:
حدّثني رجل من عجم مصر من قرية من قراها تدعى قفط، وكان عالما بأمور مصر وأحوالها وطالبا لكتبها القديمة ومعادنها، قال: وجدنا في كتبنا القديمة، قال: وأما الأهرام فإن قوما احتفروا قبرا في دير أبي هرميس، فوجدوا فيه ميتا في أكفانه، وعلى صدره قرطاس ملفوف في خرق فاستخرجوه من الخرق، فرأوا كتابا لا يعرفونه، وكان الكتاب بالقبطية الأولى، فطلبوا من يقرأه لهم، فلم يقدروا عليه، فقيل لهم: إنّ بدير القلمون من أرض الفيوم راهبا يقرأه، فخرجوا إليه، وقد ظنوا أنه في الضيعة، فقرأه لهم، وكان فيه: كتب هذا الكتاب في أوّل سنة من ملك ديقلطيانس الملك، وإنّا استنسخناه من كتاب نسخ: في أوّل سنة من ملك فيلبش الملك، وإنّ فيلبش استنسخه من صحيفة من ذهب فرق كتابتها حرفا حرفا، وكان من
стр. 216
الكتاب الأوّل، ترجمه له أخوان من القبط يقال لأحدهما: ايلو، والآخر: يرثا، وإن الملك فيلبس سألهما عن سبب معرفتهما بما جهله الناس من قراءته، فذكرا أنهما من ولد رجل من أهل مصر الأوائل لم ينج من الطوفان من أهل مصر أحد غيره، وكان سبب نجاته أنه أتى نوحا ﵇ فآمن به، ولم يأته من أهل مصر غيره، فحمله معه في السفينة، فلما نضب ماء الطوفان أتى مصر، ومعه نفر من ولد حام بن نوح، وكان بها حتى هلك، فورث ولده علم كتاب أهل مصر الأوّل، فورثناه عنه كابرا عن كابر.
وكان تاريخه الذي مضى إلى أن استنسخه فيلبش، ألفا وثلثمائة واثنتين وسبعين سنة، وإنّ الذي استنسخه في صحيفة من ذهب فرق كتابتها حرفا حرفا على ما وجده فيلبش، وإن تاريخه إلى أن استنسخه ألف وسبعمائة سنة وخمس وثمانون سنة.
وكان الكتاب المنسوخ: إنا نظرنا فيما تدل عليه النجوم، فرأينا أن آفة نازلة من السماء وخارجة من الأرض، فلما بان لنا الكون نظرنا ما هو فوجدناه ماء مفسدا للأرض وحيوانها ونباتها، فلما تمّ اليقين من ذلك عندنا قلنا لملكنا سوريد بن سهلوق: مر ببناء أفروشات وقبر لك وقبر لأهل بيتك، فبنى لهم الهرم الشرقيّ، وبنى لأخيه هو حيث الهرم الغربيّ، وبنى لابن هو حيث الهرم الملوّن، وبنيت أفروشات في أسفل مصر، وأعلاها فكتبنا في حيطانها علم غامض أمر النجوم وعللها والصنعة والهندسة والطلب، وغير ذلك مما ينفع ويضرّ ملخصا مفسرا لمن عرف كلامنا وكتابتنا، وإن هذه الآفة نازلة بأقطار العالم، وذلك عند نزول قلب الأسد في أوّل دقيقة من رأس السرطان، ويكون الكوكب عند نزوله إياها في هذه المواضع من الفلك الشمس والقمر في أوّل دقيقة من رأس الحمل، وقوريس في درجة وثمان وعشرين دقيقة من الحمل، وراويس في الحوت في تسع وعشرين درجة وثمان وعشرين دقيقة، وآويس في الحوت في تسع وعشرين درجة وثلاث دقائق، وأفرد وبطر في الحوت في ثمان وعشرين درجة ودقائق، وهرمس في الحوت في سبع وعشرين ودقائق، والجوزهر في الميزان وأوج القمر في الأسد في خمس درجات ودقائق.
ثم نظرنا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضرّ بالعالم؟ فأصبنا الكواكب تدل على أن آفة نازلة من السماء إلى الأرض وإنها ضدّ الآفة الأولى وهي نار محرقة أقطار العالم، ثم نظرنا متى يكون هذا الكون المضر؟ فرأيناه يكون، عند حلول قلب الأسد في آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشر من الأسد، ويكون إبليس معه في دقيقة واحدة متصلة بقوريس من تثليث الرامي، ويكون راويس مشتري في أوّل الأسد في آخر احتراقه، ومعه آويس في دقيقة، ويكون سليس في الدلو مقابلا لإيليس الشمس، ومعه الذنب في اثنتين وعشرين، ويكون كسوف شديد له مكث يوازي القمر، ويكون هرمس عطارد في بعده الأبعد أمامها مقبلين، أما إفرد وبطن فللاستقامة، وأما هرمس فللرجعة.
стр. 217
قال الملك: فهل عندكم من خبر توقفونا عليه غير هاتين الآفتين؟ قالوا: إذا قطع قلب الأسد ثلثي سدس أدواره لم يبق من حيوان الأرض متحرّك إلا تلف، فإذا استتم أدواره تحللت عقد الفلك، وسقط على الأرض، قال لهم: وأيّ يوم فيه انحلال الفلك؟ قالوا:
اليوم الثاني من بدو حركة الفلك، فهذا ما كان في القرطاس.
فلما مات الملك سوريد بن سهلوق دفن في الهرم الشرقيّ، ودفن هو حيث في الهرم الغربيّ، ودفن كرورس في الهرم الذي أسفله من حجارة أسوان وأعلاه كدان.
ولهذه الأهرام أبواب في أزج تحت الأرض طول كل أزج مائة وخمسون ذراعا.
فأما باب الهرم الشرقيّ فمن الناحية البحرية، وأما باب أزج الهرم الموزر فمن الناحية القبلية.
وفي الأهرام من الذهب وحجارة الزمرد ما لا يحتمله الوصف.
وإنّ مترجم هذا الكتاب من القبطيّ إلى العربيّ أجمل التاريخين إلى أوّل يوم من توت، وهو يوم الأحد طلوع شمسه سنة خمس وعشرين ومائتين من سني العرب، فبلغت أربعة آلاف وثلثمائة وإحدى وعشرين سنة لسني الشمس، ثم نظر كم مضى للطوفان إلى يومه هذا فوجده ألفا وسبعمائة وإحدى وأربعين سنة وتسعة وخمسين يوما وثلاث عشرة ساعة وأربعة أخماس ساعة وتسعة وخمسين جزءا من أربعمائة جزء من ساعة، فألقاها من الجملة فبقي معه ثلثمائة وتسع وتسعون سنة ومائتان وخمسة أيام وعشر ساعات وأحد وعشرون جزءا من أربعمائة جزء من ساعة، فعلم أن هذا الكتاب المؤرخ كتب قبل الطوفان بهذه السنين والأيام والساعات والكسر من الساعة.
وأما الهرم الذي بدير أبي هرميس، فإنه قبر قرياس، وكان فارس أهل مصر، وكان يعدّ بألف فارس، فإذا لقيهم لم يقوموا به وانهزموا، وإنه مات فجزع الملك عليه جزعا بلغ منه، واكتأبت لموته الرعية، فدفنوه بدير هرميس وبنوا عليه الهرم مدرجا، وكان طينه الذي بني به مع الحجارة من الفيوم، وهذا معروف إذا نظر إلى طينه لم يعرف له معدن إلا بالفيوم وليس بمنف ووسيم له شبه من الطين.
وأما قبر الملك صاحب قرياس هذا، فإنه الهرم الكبير من الأهرام التي في بحري دير أبي هرميس، وعلى بابه لوح كدان مكتوب فيه باللازورد طول اللوح: ذراعان في ذراع وكله مملوء كتبا مثل كتب البرابي يصعد إلى باب الهرم بدرج بعضها صحيح لم ينخرم، وفي هذا الهرم ذخائر صاحبه من الذهب وحجارة الزمرد، وإنما سدّ بابه حجارة سقطت من أعاليه ومن وقف عليه رآه بيتا.
стр. 218
وقال ابن عفير عن أشياخه: أن جياد بن مياد بن شمر بن شدّاد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ﵇، ملك الإسكندرية، وكانت تسمى إرم ذات العماد، فطال ملكه، وبلغ ثلثمائة سنة.
وهو الذي سار وبنى الأهرام وزبر فيها: أنا جياد بن مياد بن شمر بن شدّاد الشادّ بزراعة الواد المؤيد الأوتاد الجامع الصخر في البلاد المجند الأجناد الناصب العماد الكند الكناد تخرجه أمّة اسم نبيها حماد آية ذلك إذا غشي بلد البلاد سبعة ملوك أجناس السواد تاريخ هذا الزبر ألف سنة وأربعمائة سنة عداد.
وقال ابن عفير وابن عبد الحكم: وفي زمان شدّاد بن عاد بنيت الأهرام فيما ذكر بعض المحدّثين، ولم نجد عند أحد من أهل العلم من أهل مصر معرفة في الأهرام ولا خبر ثبت.
وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكيم: ما أحسب الأهرام بنيت إلا قبل الطوفان، لأنها لو بنيت بعده لكان علمها عند الناس.
وقال عبد اللّه بن شبرمة الجرهميّ: لما نزلت العماليق أرض مصر حين أخرجها جرهم من مكة بنت الأهرام واتخذت لها المصانع، وبنت فيها العجائب، ولم تزل بمصر حتى أخرجها مالك بن ذعر الخزاعي.
وقال محمد بن عبد الحكم: كان من وراء الأهرام إلى المغرب أربعمائة مدينة سوى القرى من مصر إلى المغرب في غربيّ الأهرام.
وقال ابن عفير: ولم يزل مشايخنا من أهل مصر يقولون: الأهرام بناها شدّاد بن عاد وهو الذي بنى المغار، وجنّد الأجناد، فالمغار والأجناد هي: الدفائن، وكانوا يقولون بالرجعة، وإذا مات أحدهم دفن معه ماله كائنا ما كان، وإن كان صانعا دفن معه آلة صنعته، وكانت الصابئة تحج إلى الأهرام.
وقال أبو الريحان البيروتي في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية: والفرس والمجوس تنكر الطوفان، وأقرّ به بعض الفرس لكنهم قالوا: كان بالشام والمغرب منه شيء في زمان طهمورث (١)، ولكنه لم يعمّ العمران كله، ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولم يبل ممالك الشرق، وأن أهل المغرب لما أنذر به حكماؤهم بنوا أبنية كالهرمين بمصر ليدخلوها عند الآفة، وإن آثار دماء الطوفان وتأثيرات الأمواج كانت بينة على أنصاف الهرمين لم تتجاوزهما، انتهى.
ويقال: إن الطوفان لما نضب ماؤه لم يوجد تحت الماء قرية سوى: نهاوند، وجدت
стр. 219
كما هي، وأهرام مصر وبرابيها وهي التي بناها هرميس الأوّل الذي تسميه العرب: إدريس، وكان قد ألهمه اللّه علم النجوم، فدلته على أنه سينزل بالأرض آفة وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علم، فبنى هو وأهل عصره الأهرام والبرابي وكتب علمه فيها.
وقال أبو الصلت الأندلسيّ في رسالته: وقد ذكر أخلاق أهل مصر، إلا أنه يظهر من أمرهم أنه كان فيهم طائفة من ذوي المعارف والعلوم، وخصوصا علم الهندسة والنجوم، ويدل على ذلك ما خلفوه من الصنائع البديعة المعجزة كالأهرام والبرابي، فإنها من الآثار التي حيرت الأذهان الثاقبة، واستعجزت الأفكار الراجحة، وتركت لها شغلا بالتعجب منها والتفكر فيها، وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري من قصيدته التي يرثي بها أباه:
تضلّ العقول الهبرزيات رشدها … ولا يسلم الرأي القويم من الأفن
وقد كان أرباب الفصاحة كلما … رأوا حسنا عدّوه من صنعة الجن
وأيّ شيء أعجب، وأغرب بعد مقدورات اللّه ، ومصنوعاته من القدرة على بناء جسم جسيم من أعظم الحجارة مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلثمائة ذراع وتسعة عشر ذراعا يحيط به أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع طول كل ضلع منها: أربعمائة ذراع وستون، وهو مع العظم من أحكام الصنعة وإتقان الهندام، وحسن التقدير بحيث لم يتأثر إلى هلم جرّا بعصف الرياح وهطل السحاب، وزعزعة الزلازل وهذه صفة كل واحد من الهرمين المحاذيين للفسطاط من الجانب الغربيّ على ما شاهدناه منهما.
وقد ذكرت عجائب مصر وإن ما على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثي لها من الليل والنهار إلاّ الهرمان فأنا أرثي لليل والنهار منهما، وهذان الهرمان لهما إشراف على أرض مصر وإطلال على بطائحها، وإصعاد في جوفها وهما اللذان أراد أبو الطيب المتنبي بقوله شعر:
أين الذي الهرمان من بنيانه … ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن سكانها … حينا ويدركها الفناء فتتبع
واتفق يوما إنا خرجنا إليهما فلما طفنا بهما واستدرنا حولهما، كثر التعجب منهما فقال بعضنا:
بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا … على طول ما أبصرت من هرمي مصر
أنافا عنانا للسماء وأشرفا … على الجوّ إشراف السماك أو النسر
وقد وافينا نشزا من الأرض عاليا … كأنهما نهدان قاما على صدر
وزعم قوم: إنّ الأهرام قبور ملوك عظام آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد
стр. 220
مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور.
ولما وصل الخليفة المأمون إلى مصر أمر بنقبها، فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل، فوجدوا داخله مهاوي ومراقي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها، ووجدوا في أعلاها بيتا مكعبا طول كل ضلع من أضلاعه، نحو من ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض رخام مطبق، فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمّة بالية قد أتت عليها العصور الخالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه، ويقال: إن النفقة على نقبة كانت عظيمة والمؤونة شديدة.
ومن الناس من زعم: أنّ هرمس الأوّل المدعوّ بالمثلث، بالنبوّة والملك والحكمة، وهو الذي تسميه العبرانيون: خنوخ بن يزد بن مهلايل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم ﵇، وهو إدريس ﵇ استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يعمّ الأرض، فأكثر من بنيان الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم، وما يشفق عليه من الذهاب والدروس حفظا لها واحتياطا عليها.
ويقال: إن الذي بناها ملك اسمه: سوريد (١) بن سهلوق بن سرياق، وقال آخرون: إن الذي بنى الهرمين المحاذيين للفسطاط شدّاد بن عاد، لرؤيا رآها، والقبط تنكر دخول العمالقة بلد مصر، وتحقق أن بانيها سوريد لرؤيا رآها، وهي أن آفة تنزل من السماء وهي الطوفان، وقالوا: إنه بناهما في مدّة ستة أشهر، وغشاهما بالديباج الملوّن، وكتب عليهما:
قد بنيناهما في ستة أشهر قل لمن يأتي من بعدنا يهدمهما في ستمائة سنة، فالهدم أيسر من البنيان، وكسوناهما الديباج الملوّن، فليكسهما حصرا، فالحصر أهون من الديباج، ورأينا سطوح كل واحد من هذين الهرمين، مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها بسطور متضايقة متوازية من كتابة بانيها، لا تعرف اليوم أحرفها ولا تفهم معانيها، وبالجملة الأمر فيها عجيب، حتى أن غاية الوصف لها والإغراق في العبارة عنها، وعن حقيقة الموصوف منها بخلاف ما قاله عليّ بن العباس الروميّ، وإن تباعد الموصوفان وتباين المقصودان إذ يقول:
إذا ما وصفت امرأ لامرئ … فلا تغل في وصفه واقصد
فإنّك إن تغل تبد الظنو … ن فيه إلى الغرض الأبعد
فيصغر من حيث عظمته … لفضل المغيب على المشهد
ويقال: إنّ المأمون أمر من صعد الهرم الكبير أن يدلي حبلا فكان طوله ألف ذراع بالذراع الملكيّ، وهو ذراع وخمسان، وتربيعه أربعمائة ذراع في مثلها، وكان صعوده في
стр. 221
ثلاث ساعات من النهار، وأنه وجد مقدار رأس الهرم قدر مبرك ثمانية جمال.
ويقال: إنه وجد على المقبور في الهرم حلّة قد بليت، ولم يبق منها سوى سلوكها من الذهب، وأنّ ثخانة الطلاء الذي عليه قدر شبر من مرّ وصبر.
ويقال: إنه وجد في موضع من هذا الهرم إيوان في صدره ثلاثة أبواب على ثلاثة بيوت طول، كل باب منها عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع من رخام منحوت محكم الهندام وعلى صفحاته خط أزرق لم يحسنوا قراءته، وأنهم أقاموا ثلاثة أيام يعملون الحيلة في فتح هذه الأبواب إلى أن رأوا أمامها على عشرة أذرع منها ثلاثة أعمدة من مرمر، وفي كل عمود خرق في طوله وفي وسط الخرق صورة طائر، ففي الأوّل من هذه العمد صورة حمام من حجر أخضر، وفي الأوسط صورة بازي من حجر أصفر، وفي العمود الثالث صورة ديك من حجر أحمر، فحرّكوا البازي، فتحرّك الباب الأوّل الذي في مقابلته، فرفعوا البازي قليلا فارتفع الباب، وكان بحيث لا يرفعه مائة رجل من عظمه، فرفعوا التمثالين الآخرين، فارتفع البابان الآخران، فدخلوا إلى البيت الأوسط فوجدوا فيه ثلاثة سرر من حجارة شفافة مضيئة، وعليها ثلاثة من الأموات على كل ميت ثلاث حلل، وعند رأسه مصحف بخط مجهول، ووجدوا في البيت الآخر عدّة رفوف من حجارة عليها أسفاط من حجارة، فيها أوان من الذهب عجيبة الصنعة مرصعة بأنواع الجواهر، ووجدوا في البيت الثالث عدّة رفوف من حجارة عليها أسفاط من حجارة فيها آلات الحرب، وعدد السلاح، فقيس منها سيف فكان طوله سبعة أشبار، وكل ذرع من تلك الدروع اثنا عشر شبرا، فأمر المأمون بحمل ما وجد في البيوت، وأمر فحطت العمد فانطبقت الأبواب كما كانت.
ويقال: كانت عدّة الأهرام ثمانية عشر هرما منها تجاه مدينة الفسطاط ثلاثة: أكبرها دوره ألفا ذراع وهو مربع في كل وجه من وجوهه الأربعة خمسمائة ذراع، ويقال: إن المأمون لما فتحه وجد فيه حوضا من حجر مغطى بلوح من رخام، وهو مملوء بالذهب وعلى اللوح مكتوب بقلم عرّب فكان: إنّا عمرنا هذا الهرم في ألف يوم وأبحنا لمن يهدمه في ألف سنة، والهدم أسهل من العمارة، وكسونا جميعه بالديباج وأبحنا لمن يكسوه الحصر، والحصر أيسر من الديباج، وجعلنا في كل جهة من جهاته ما لا يقدر ما يصرف على الوصول إليه، فأمر المأمون أن يحسب ما صرف على النقب، فبلغ قدر ما وجد في الحوض من غير زيادة ولا نقص.
ويقال: إنه وجد فيه صورة آدميّ من حجر أخضر كالدهنج فيها طبق كالدواة ففتح فإذا فيه جسد آدميّ عليه درع من ذهب مزين بأنواع الجواهر، وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر من ياقوت أحمر في قدر بيضة الدجاجة، فأخذه المأمون وقال: هذا خير من خراج الذهب.
стр. 222
وذكر بعض مؤرخي مصر: أنّ هذا الصنم الأخضر الذي وجدت الرمّة فيه لم يزل معلقا عند دار الملك بمدينة مصر إلى سنة إحدى عشرة وستمائة من سني الهجرة.
وكان عند مدينة فرعون، هرمان، وعند ميدوم، هرم، وهذا آخرها.
وفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة من سني الهجرة ظهر بتربة بوصير من ناحية الجيزة بيت هرميس، ففتحه القاضي ابن الشهرزوري وأخذ منه أشياء من جملتها كباش، وقرود وضفادع من حجر بازهر، وقوارير من دهنج، وأصنام من نحاس.
وقال ابن خرداذبه: من عجيب البنيان أن الهرمين بمصر، سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع، وكلما ارتفع دق، وهما من رخام ومرمر، والطول أربعمائة ذراع في عرض أربعمائة ذراع مكتوب عليهما: باليد كل سحر وكل عجيب من الطب، ومكتوب عليهما:
إني بنيتهما فمن يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما فإنّ الهدم أيسر من البناء فاعتبر ذلك، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما.
وقال في كتاب عجائب البنيان عن الأهرام: قد انفردت مصر بهذه الأشكال، فليس لها بغيرها تمثال يظنهما الناظر للديار المصرية نهدين، ويحسبهما القابل أن مكارم أهلها قد أعدّتهما للتكرّم ابلوجين تراهما العين على بعد المسافة، وإذا حدثت عن عجائبهما يظنّ أنه حديث خرافة، وقد أكثر الناس في ذكر الأهرام، ووصفها ومساحتها وهي كثيرة العدد جدّا، وكلّها ببرّ الجيزة على سمت مصر القديمة تمتدّ نحوا من مسافة ثلاثة أيام، وفي بوصير منها شيء كثير، وبعضها كبار، وبعضها صغار، وبعضها طين، وبعضها لبن، وأكثرها حجر، وبعضها مدرج وأكثرها مخروط أملس.
وقد كان منها بالجيزة: عدد كثير كلها صغار هدمت في زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد الطواشي: بهاء الدين قراقوش، أخذ حجارتها وبنى بها القناطر في الجيزة، وقد بقي من هذه الأهرام المهدومة تلّها.
وأمّا الأهرام المتحدّث عنها فهي: ثلاثة أهرام موضوعة على خط مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط، وبينها مسافات كثيرة وزوايا متقابلة نحو الشرق، واثنان عظيمان جدّا في قدر واحد، وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيض، وأما الثالث: فصغير عنهما نحو الربع لكنه مبنيّ بحجارة الصوّان الأحمر المنقط الشديد القوّة والصلابة، ولا يكاد يؤثر فيه الحديد إلا في الزمان الطويل، وتجده صغيرا بالقياس إلى ذينك فإذا أتيت إليه وأفردته بالنظر هالك مرآه وحيّر النظر في تأمله!.
وقد سلك في بناء الأهرام، طريق عجيب من الشكل والإتقان، ولذلك صبرت على ممرّ الأيام لا بل على ممرّها صبر الزمان، فإنك إذا تأملتها وجدت الأذهان الشريفة قد
стр. 223
استهلكت فيها، والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثالا في غاية إمكانها، حتى أنها تكاد تحدث عن قوّة قومها، وتخبر عن سيرتهم، وتنطق عن علومهم، وأذهانهم وتترجم عن سيرهم، وأخبارهم، وذلك أن وضعها على شكل مخروط ويبتدئ من قاعدة مربعة، وينتهي إلى نقطة. ومن خواص الشكل المخروط: أن مركز ثقله في وسطه يتساند على نفسه، ويتواقع على ذاته ويتحامل بعضه على بعض، وليس له جهة أخرى يتساقط عليها.
ومن عجيب وضعه، أنه شكل مربع قد قوبل بزوايا مهاب الرياح الأربع، فإن الريح تنكسر سورتها عند مسامتتها الزاوية، وليست كذلك عندما تلقي السطح.
وذكر المساح: أنّ قاعدة كل من الهرمين العظيمين أربعمائة ذراع بالذراع السوداء، وينقطع المخروط في أعلاه عند سطح مساحته عشرة أذرع في مثلها، وذكر أن بعض الرماة رمى سهما في قطر أحدهما، وفي سمكة فسقط السهم دون نصف المسافة، وذكر أنّ ذرع سطحها أحد عشر ذراعا بذراع اليد، وفي أحد هذين الهرمين، مدخل يلجه الناس يفضي بهم إلى مسالك ضيقة وأسراب متنافذة وآبار ومهالك، وغير ذلك على ما يحكيه من يلجه، وإنّ أناسا كثيرين لهم غرام به وتحيّل فيه فيتوغلون في أعماقه، ولا بدّ أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه.
وأما المسلوك المطروق كثيرا، فزلاقة تفضي إلى أعلاه، فيوجد فيه بيت مربع فيه ناوس من حجر، وهذا المدخل ليس هو الباب في أصل البناء، وإنما هو منقوب نقبا صادف اتفاقا، وذكر أنّ المأمون فتحه.
وحكى من دخله وصعد إلى البيت الذي في أعلاه فلما نزلوا حدّثوا بعظيم ما شاهدوه، وإنه مملوء بالخفافيش وأبوالها وتعظم فيه حتى تكون قدر الحمام، وفيه طاقات وروازن نحو أعلاه كأنها عملت مسالك للريح ومنافذ للضوء بحجارة جافية طول الحجر منها: من عشرة أذرع إلى عشرين ذراعا، وسمكه من ذراعين إلى ثلاثة أذرع، وعرضه نحو ذلك.
والعجب كل العجب من وضع الحجر على الحجر بهندام ليس في الإمكان أصح منه بحيث لا نجد بينهما مدخل إبرة ولا خلل شعرة، وبينهما طين لونه الزرقة لا يدرى ما هو؟ ولا صفته؟ وعلى تلك الحجارة كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم يوجد بديار مصر من يزعم أنه سمع من يعرفه، وهذه الكتابات كثيرة جدّا حتى لو نقل ما عليها إلى صحف لكانت قدر عشرة آلاف صحيفة، وقرأت في بعض كتب الصابئة القديمة: أنّ أحد هذين الهرمين، قبر أعاديمون، والآخر قبر هرمس، ويزعمون أنهما بيتان عظيمان، وأنّ أعاديمون أقدم وأعظم وإنّه كان يحجج إليهما ويهدى إليهما من أقطار البلاد.
стр. 224
وكان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما استقل بالملك بعد أبيه، سوّل له جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام فبدأ بالصغير الأحمر، فأخرج إليه النقابين والحجارين وجماعة من أمراء دولته وعظماء مملكته وأمرهم بهدمه، فخيموا عنده وحشروا الرجال والصناع، ووفروا عليهم النفقات وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم ورجلهم يهدمون كل يوم بعد الجهد، واستفراغ بذل الوسع الحجر والحجرين فقوم من فوق يدفعونه بالأسافين وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس (١) والأشطان (٢)، فإذا سقط سمع له وجبة عظيمة من مسافة بعيدة حتى ترجف الجبال، وتزلزل الأرض ويغوص في الرمل فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه، ويضربون فيه بالأسافين بعد ما ينقبون لها موضعا، ويثبتونها فيه فيتقطع قطعا وتسحب كل قطعة على العجل حتى يلقي في ذيل الجبل، وهي مسافة قريبة، فلما طال ثواءهم، ونفدت نفقاتهم، وتضاعف نصبهم، ووهت عزائمهم كفوا محسورين لم ينالوا بغية بل شوّهوا الهرم، وأبانوا عن عجز وفشل، وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومع ذلك فإنّ الرائي لحجارة الهرم يظنّ أنه قد استؤصل فإذا عاين الهرم ظنّ أنه لم يهدم منه شيء وإنما سقط بعض جانب منه، وحين ما شوهدت المشقة التي يجدونها في هدم كل حجر، سئل مقدّم الحجارين فقيل له: لو بذل لكم السلطان ألف دينار على أن تردّوا حجرا واحدا إلى مكانه وهندامه هل كان يمكنكم؟ فأقسم بالله إنهم ليعجزون عنه ولو بذل لهم أضعاف ذلك.
وبإزاء الأهرام مغاير كثيرة العدد كبيرة المقدار عميقة الأغوار لعلّ الفارس يدخلها برمحه ويتخللها يوما أجمع ولا ينهيها لكبرها وسعتها وبعدها ويظهر من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام.
وأما مقاطع حجارة الهرم الأحمر فيقال: إنها بالقلزم وبأسوان، وعند هذه الأهرام آثار أبنية جبابرة ومغاير كثيرة منقبة، وقلما ترى من ذلك شيئا إلاّ وترى عليه كتابات بهذا القلم المجهول، وللّه در الفقيه عمارة اليمنيّ حيث يقول:
خليليّ ما تحت السماء بنية … تماثل في إتقانها هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه وكلّ ما … على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
تنزه طرفي في بديع بنائها … ولم يتنزه في المراد بها فكري
أخذ هذا من قول بعض الحكماء، كل شيء يخشى عليه من الدهر إلا الأهرام فإنه يخشى على الدهر منها، وقال عبد الوهاب بن حسن بن جعفر بن الحاجب، ومات في سنة
стр. 225
سبع وثمانين وثلثمائة:
انظر إلى الهرمين إذ برزا … للعين في علو وفي صعد
وكأنما الأرض العريضة قد … ظمئت لطول حرارة الكبد
حسرت عن الثديين بارزة … تدعو الإله لفرقة الولد
فأجابها بالنيل يشبعها … ريا وينقذها من الكمد
لكرامة المولى المقيم بها … خير الأنام مقوّم الأود
وقال سيف (١) الدين بن جبارة:
للّه أيّ عجيبة وغريبة … في صنعة الأهرام للألباب
أخفت عن الأسماع قصة أهلها … ونضت عن الأبداع كل نقاب
فكأنما هي كالخيام مقامة … من غير ما عمد ولا أطناب
وقال آخر:
انظر إلى الهرمين واسمع منهما … ما يرويان عن الزمان الغابر
وانظر إلى سرّ الليالي فيهما … نظرا بعين القلب لا بالناظر
لو ينطقان لخبرانا بالذي … فعل الزمان بأوّل وبآخر
وإذا هما بديا لعيني ناظر … وصفا له أذني جواد عائر
وقال الإمام أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي:
ألست ترى الأهرام دام بناؤها … ويفني لدينا العالم الإنس والجنّ
كأن رحى الأفلاك أكوارها على … قواعدها الأهرام والعالم الطحن
وقال:
قد كان للماضين من … سكان مصرهم
فالفضل عنهم فضلة … والعلم فيهم علم
ثم انقضت أعلامهم … وعلمهم واحتطموا
وانظر تراها ظاهرا … باد عليها الهرم
وقال:
خليليّ لا باق على الحدثان … من الأوّل الباقي فيحدث ثاني
إلى هرمي مصر تناهت قوى الورى … وقد هرمت في دهرها الهرمان
فلا تعجبا أن قد هرمت فإنما … رماني بفقدان الشباب زماني
стр. 226
وعوجا بقرطاجنة فانظرا بها … جنايتي العادين تنتحبان
وإيوان كسرى فانظراه فإنه … يخبر كما بالصدق كل أوان
فلا تحسبا أن الفناء يخصني … ألا كل ما فوق البسيطة فاني
ووجدت بخط الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبي حجلة التلمساني أنشدني القاضي فخر الدين عبد الوهاب المصريّ لنفسه في الأهرام سنة خمس وخمسين وسبعمائة وأجاد:
أمباني الأهرام كم من واعظ … صدع القلوب ولم يفه بلسانه
اذكرنني قولا تقادم عهده … أين الذي الهرمان من بنيانه
هنّ الجبال الشامخات تكاد أن … تمتدّ فوق الأرض عن كيوانه
لو أنّ كسرى جالس في سفحها … لأجلّ مجلسه على إيوانه
ثبتت على حرّ الزمان وبرده … مددا ولم تأسف على حدثانه
والشمس في إحراقها والريح عن … د هبوبها والسيل في جريانه
هل عابد قد خصها بعبادة … فمباني الأهرام من أوثانه
أو قائل يقضي برجعي نفسه … من بعد فرقته إلى جثمانه
فاختارها لكنوزه ولجسمه … قبرا ليأمن من أذى طوفانه
أو أنها للسائرات مراصد … يختار راصدها أعز مكانه
أو أنها وصفت شؤون كواكب … أحكام فرس الدهر أو يونانه
أو أنهم نقشوا على حيطانها … علما يحار الفكر في تبيانه
في قلب رائيها ليعلم نقشها … فكر يعض عليه طرف بنانه
ذكر الصنم الذي يقال له أبو الهول
هذا الصنم بين الهرمين عرف أوّلا ببلهيب، وتقول أهل مصر اليوم أبو الهول.
قال القضاعي: صنم الهرمين وهو بلهويه، صنم كبير من حجارة فيما بين الهرمين لا يظهر منه سوى رأسه فقط تسميه العامة بأبي الهول ويقال: بلهيب، ويقال: إنه طلسم للرمل، لئلا يغلب على إبليز الجيزة.
وقال في كتاب عجائب البنيان: وعند الأهرام رأس وعنق بارزة من الأرض في غاية العظم تسميه الناس: أبا الهول، ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض، ويقتضي القياس بالنسبة إلى رأسه أن يكون طوله سبعين ذراعا فصاعدا، وفي وجهه حمرة ودهان يلمع عليه رونق الطراوة، وهو حسن الصورة مقبولها عليه مسحة بهاء وجمال كأنه يضحك تبسما.
وسئل بعض الفضلاء، عن عجيب ما رأى فقال: تناسب وجه أبي الهول، فإنّ أعضاء
стр. 227
وجهه كالأنف والعين والأذن متناسبة كما تصنع الطبيعة الصور متناسبة، فإنّ أنف الطفل مثلا مناسب له، وهو حسن به حتى لو كان ذلك الأنف لرجل كان مشوّها، وكذلك أنف الرجل لو كان لصبيّ لتشوّهت صورته، وعلى هذا سائر الأعضاء فكل عضو ينبغي أن يكون على مقدار ماهيته بالقياس إلى الصورة وعلى نسبتها، والعجب من مصوّره كيف قدر أن يحفظ التناسب للأعضاء مع عظمها، وإنه ليس في أعمال الطبيعة ما يحاكيه.
ويقابله في برّ مصر قريبا من دار الملك: صنم عظيم الخلقة والهيئة متناسب الأعضاء كما وصف، وفي حجره مولود وعلى رأسه مأجور، الجميع صوّان ماتع يزعم الناس أنه امرأة وأنها سريّة أبي الهول المذكور، وهي بدرب منسوب إليها ويقال: لو وضع على رأس أبي الهول خيط ومدّ إلى سريته لكان على رأسها مستقيما.
ويقال: إن أبا الهول، طلسم الرمل يمنعه عن النيل، وإنّ السرية طلسم الماء يمنعه عن مصر.
وقال ابن المتوّج (١): زقاق الصنم، هو الزقاق الشارع، أوّله بأوّل السوق الكبير بجوار درب عمار، ويعرف الصنم بسرية فرعون، وذكر أنه طلسم النيل لئلا يغلب على البلد.
وقيل: إن بلهيب الذي عند الأهرام يقابله، وإنّ ظهر بلهيب إلى الرمل، وظهر هذا إلى النيل، وكل منهما مستقبل الشرق، وقد نزل في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، أمير يعرف ببلاط في نفر من الحجارين والقطاعين وكسروا الصنم المعروف بالسرية، وقطعوه أعتابا وقواعد ظنا أن يكون تحته مال، فلم يوجد سوى أعتاب من حجر عظيمة، فحفر تحتها إلى الماء فلم يوجد شيء، وجعل من حجرة قواعد تحتانية للعمد الصوّان التي بالجامع المستجد بظاهر مصر المعروف: بالجامع الجديد الناصريّ، وأزيل عين هذا الصنم من مكانه، واللّه أعلم.
وفي زمننا، كان شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، قام في نحو من سنة ثمانين وسبعمائة لتغيير أشياء من المنكرات، وسار إلى الأهرام وشوّه وجه أبي الهول وشعثه، فهو على ذلك إلى اليوم، ومن حينئذ غلب الرمل على أراض كثيرة من الجيزة، وأهل تلك النواحي يرون أن سبب غلبة الرمل على الأراضي فساد وجه أبي الهول وللّه عاقبة الأمور، وما أحسن قول ظافر الحدّاد:
تأمّل هيئة الهرمين واعجب … وبينهما أبو الهول العجيب
كعمار يبتن على رحيل … بمحبوبين بينهما رقيب
стр. 228
وماء النيل تحتهما دموع … وصوت الريح عندهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صب … تخلف فهو محزون كئيب
ويقال: إن أتريب (١) بن قبط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح أوصى أخاه صا (٢)، عند موته، أن يحمله في سفينة ويدفنه بجزيرة في وسط البحر، فلما مات، فعل ذلك من غير أن يعلم به أهل مصر فاتهمه الناس بقتل أتريب، وحاربوه تسع سنين، فلما مضى من حربهم خمس سنين مضى بهم حتى أوقفهم على قبر أتريب، فحفروه فلم يجدوا به شيئا، وقد نقلته الشياطين إلى موضع أبي الهول، ودفنته هناك بجانب قبر أبيه وجدّه بيصر، فازدادوا له تهمة وعادوا إلى مدينة منف وتحاربوا فأتاهم إبليس، فدلهم على قبر أتريب حيث نقله، فأخرجوه من قبره، ووضعوه على سرير، فتكلم لهم الشيطان على لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له وعبدوه، فيما عبدوا من الأصنام، وقتلوا صا، ودفنوه على شاطئ النيل فكان النيل إذا زاد لا يعلو قبره، فافتتن به طائفة، وقال: قتل ظلما وصاروا يسجدون لقبره كما يسجد أولئك لأتريب، فعمد آخرون إلى حجر فنحتوه على صورة أشموم، وكان يقال له: أبو الهول، ونصبوه بين الهرمين، وجعلوا يسجدون له، فصار أهل مصر ثلاث فرق ولم تزل الصابئة تعظم أبا الهول وتقرّب إليه الديكة البيض وتبخره بالصندروس.
стр. 229
ذكر الجبال
اعلم أنّ أرض مصر بأسرها محصورة بين جبلين آخذين من الجنوب إلى الشمال قليلي الارتفاع، وأحدهما أعظم من الآخر، والأعظم منهما هو الجبل الشرقيّ المعروف بجبل لوقا، والغربيّ جبل صغير، وبعضه غير متصل ببعض والمسافة بينهما تضيق في بعض المواضع وتتسع في بعضها، وأوسع ما يكون بأسفل أرض مصر، وهذان الجبلان أقرعان لا يثبت فيهما نبات، كما يكون في جبال البلدان الأخر، وعلة ذلك: أنهما بورقيان مالحان لأنّ قوّة طين مصر تجذب منهما الرطوبات الموافقة في التكوين، ولأنّ قوّة الحرارة تحلل منهما الجوهر اللطيف العذب، وكذلك مياه الآبار منهما مالحة، وهذان الجبلان يجففان ما يدفن فيهما، فإنّ أرض مصر بالطبع قليلة الأمطار.
وجبل لوقا في مشرق أرض مصر يعوق عنها ريح الصبا، فعدمت مصر هذا الريح، ويعوق أيضا إشراق الشمس على أرض مصر إذا كانت على الأفق وتتعدّد أسماء هذين الجبلين بحسب مواضعهما من الإقليم، فيطلّ على الفسطاط، وعلى القاهرة الجبل المقطم.
ذكر الجبل المقطم
اعلم أنّ الجبل المقطم أوّله من الشرق من الصين حيث البحر المحيط، ويمرّ على بلاد الططر حتى يأتي فرغانة إلى جبال اليتم الممتدّ بها نهر السغد إلى أن يصل الجبل إلى جيحون فيقطعه، ويمضي في وسطه بين شعبتين منه وكأنه قطع، ثم في وسطه ويستمرّ الجبل إلى الجورجان، ويأخذ على الطالقان إلى أعمال مروالرود إلى طوس، فيكون جميع مدن طوس فيه، ويتصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهندي، وينعطف هذا الجبل ويمتدّ إلى شهر زور فيمرّ على الدجلة، ويتصل بجبل الجوديّ موقف سفينة نوح ﵇ في الطوفان ولا يزال هذا الجبل مستمرّا من أعمال آمد وميافارقين، حتى يمرّ بثغور حلب فيسمى هناك جبل اللكام (١)، إلى أن يعدّي الثغور فيسمى نهرا حتى يجاوز حمص فيسمى لبنان، ثم يمتدّ على الشام حتى ينتهي إلى بحر القلزم من جهة، ويتصل من الجهة الأخرى، ويسمى المقطم، ثم يتشعب ويتصل أواخر شعبه بنهاية الغرب.
стр. 230
ويقال: إنه عرف بمقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇.
وجبل المقطم: يمرّ على جانبي النيل إلى النوبة ويعبر من فوق الفيوم فيتصل بالغرب إلى أرض مقراوة ويمضي مغربا إلى سجلماسة، ومنها إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر.
وقال إبراهيم بن وصيف شاه: وذكر مجيء مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح إلى أرض مصر، وكشف أصحاب إقليمون الكاهن عن كنوز مصر، وعلومهم التي هي بخط البرابي وآثارهم والمعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج، وغير ذلك. ووصفوا لهم عمل الصنعة يعني الكيمياء، فجعل مصرايم أهلها إلى رجل من أهل بيعة يقال له: مقيطام الحكيم، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي، فسمي به: المقطم، من أجل أنّ مقيطام الحكيم كان يعمل فيه الكيمياء، واختصر من اسمه وبقي ما يدل عليه، فقيل له: جبل المقطم، يعني جبل مقيطام الحكيم.
وقال البكري رحمه اللّه تعالى عليه: المقطم، بضم أوّله وفتح ثانيه، وتشديد الطاء المهملة وفتحها: جبل متصل بمصر يوارون فيه موتاهم.
وقال القضاعي: المقطم، ذكر أبو عبد اللّه اليمنيّ، أنّ هذا الجبل باسمه، وليس هذا بصحيح لأنه لا يعرف لمصر ولد اسمه المقطم.
والذي ذكره العلماء: أنّ المقطم مأخوذ من القطم، وهو القطع فكأنه لما كان منقطع الشجر والنبات سمي: مقطما، ذكر ذلك عليّ بن الحسن الهناءي الدوسي المنبوذ بكراع وغيره.
وروى عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم عن الليث بن سعد ﵁، قال:
سأل المقوقس عمرو بن العاص ﵁، أن يبيعه سفح الجبل المقطم بسبعين ألف دينار، وفي نسخة: بعشرين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك، وقال: اكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع، ولا يستنبط بها ماء؟ فسأله، فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فاقبر فيها، من مات قبلك من المؤمنين، ولا تبعه بشيء، فكان أوّل من قبر فيها رجلا من المعافر، يقال له: عامر، فقيل: عمرت، فقال المقوقس لعمرو: وما ذلك وما على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم.
وذكر عمر بن أبي عمر الكندي في فضائل مصر: أن عمرو بن العاص ﵁، سار في سفح الجبل المقطم، ومعه المقوقس، فقال له: ما لجبلكم هذا أقرع؟ أليس به نبات
стр. 231
كجبال الشام فلو شققنا في أسفله نهرا من النيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارا ونباتا وفاكهة، وكان منزل المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، فلما كانت الليلة التي كلم اللّه فيها موسى ﵇، أوحى اللّه إلى الجبال إني مكلم نبيا من أنبيائي على جبل منكم فسمت الجبال كلها، وتشامخت إلاّ جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، فأوحى اللّه إليه لم فعلت ذلك؟ وهو به أخبر! فقال:
إعظاما وإجلالا لك يا رب، قال: فأمر اللّه سبحانه الجبال أن يحبوه كل جبل بما عليه من النبت، فجادله المقطم بكل ما عليه من النبت حتى بقي كما ترى، فأوحى اللّه إليه: إني معوّضك على فعلك بشجر الجنة، أو غراس الجنة، فكتب بذلك عمرو بن العاص ﵁، إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁: إني لا أعلم شجر الجنة غير المؤمنين فاجعله لهم مقبرة ففعل، فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني، فقطع له عمر قطيعا نحو الحبش تدفن فيه النصارى.
قال: وروي أن موسى ﵇ سجد، فسجد معه كل شجرة من المقطم إلى طرا.
وروي أنه مكتوب، وإذا فتح مقدّسي يريد وادي مسجد موسى ﵇ بالمقطم عند مقطع الحجارة، فإنّ موسى ﵇ كان يناجي ربه بذلك الوادي.
وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع موسى بن لهيعة، فجلسنا حوله فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل فقال: إنّ عيسى ابن مريم ﵇، مرّ بسفح هذا الجبل، وعليه جبة صوف وقدّ شد وسطه بشريط وأمّه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أمّه هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ ، وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن عياش بن عباس: أن كعب الأحبار ﵁، سأل رجلا يريد مصر، فقال له: اهدني تربة من سفح مقطمها فأتاه منه بجراب، فلما حضرت كعبا الوفاة أمر به، فجعل في لحده تحت جثته.
وروي عن كعب أنه سئل عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدّس ما بين القصير إلى اليحموم، قال ابن لهيعة: والمقطّم: ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك، فمن اليحموم وفي هذا الجبل حجر الجوهر، وشيء من الفولاذ، وهو يمتدّ إلى أقاصي بلاد السودان.
الجبل الأحمر
هذا الجبل مطلّ على القاهرة من شرقيها الشماليّ، ويعرف: باليحموم. قال القضاعيّ: اليحاميم هي: الجبال المتفرّقة المطلة على القاهرة من جانبها الشرقيّ وجبابها، وتنتهي هذه الجبال إلى بعض طرق الجب، وقيل لها: اليحاميم لاختلاف ألوانها، واليحموم في كلام العرب الأسود المظلم.
стр. 232
وقال ابن عبد الحكم عن سعي بن عبيد أنه لما قدم مصر، وأهل مصر، قد اتخذوا مصلى بحذاء ساقية أبي عون التي في العسكر فقال: ما لهم وضعوا مصلاهم في الجبل الملعون وتركوا الجبل المقدّس، يعني المقطّم؟.
وقال ابن عبد الظاهر: الجبل الأحمر، ذكر القضاعيّ: أن اليحموم هو: الجبل المطلّ على القاهرة، ولا أرى جبلا يطلّ على القاهرة غيره.
وقال البكري: اليحموم، بفتح أوّله وإسكان ثانيه. قال الحربي: اليحموم: جبل بمصر.
وروي من طريق أبي قبيل، عن عبد اللّه بن عمرو: أنه سأل كعبا عن المقطم:
أملعون؟ قال: ليس بملعون، ولكنه مقدّس من القصير إلى اليحموم.
وذكر البكريّ أيضا: أنّ عابدا، بالباء الموحدة والدال المهملة، على وزن فاعل: جبل بمصر قبل المقطم.
جبل يشكر (١)
هذا الجبل فيما بين القاهرة ومصر عليه الجامع الطولوني. قال القضاعيّ: جبل يشكر: هو يشكر بن جديلة من لخم، وهو الذي عليه جامع ابن طولون، ويشكر بن جديلة:
قبيلة من قبائل العرب احتطت عند الفتح بهذا الجبل، فعرف بجبل يشكر لذلك.
قال ابن عبد الظاهر: وجامع ابن طولون على جبل يشكر، وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، ومكان مبارك، وقيل: إن موسى ﵇ ناجى ربه عليه بكلمات، وكان هذا الجبل يشرف على النيل، وليس بينه وبين النيل شيء، وكان يشرف على البركتين، أعني بركة الفيل، والبركة التي تعرف اليوم: ببركة قارون، وعلى هذا الجبل كانت تنصب المجانيق التي تجرّب قبل إرسالها إلى الثغور.
الكبش: هو جبل، بجوار يشكر كان قديما يشرف على النيل من غربيه، ثم لما اختط المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر، صار الكبش من جملة خطة الحمراء القصوى وسمي: الكبش.
الشرف: اسم لثلاثة مواضع، فاثنان منها: فيما بين القاهرة ومصر، وواحد فيما بين بركة الحبش وفسطاط مصر، فأما الذي بظاهر القاهرة، فأحدهما عليه الآن قلعة الجبل، وهو
стр. 233
من جملة الجبل المقطم، والآخر: فيما بين الجامع الطولونيّ ومصر، فيشرف غربيه على جهة الخليج الكبير، ويصير فيما بين كوم الجارح، وخط الجامع الطولونيّ، وكان من خطة تجيب، ثم صار من جملة العسكر، وأما الشرف الثالث فيعرف اليوم: بالرصد، وهو يشرف على راشدة، وكان يقال للشرف: سند، والسند: ما قابلك من الجبل، وعلا من السفح ويقال: فلان سند، أي: معتمد.
ذكر الرّصد
هذا المكان شرف يطلّ من غربيّة على راشدة، ومن قبلّيه على بركة الحبش، فيحسبه من رآه من جهة راشدة جبلا وهو من شرقيه سهل يتوصل إليه من القرافة بغير ارتقاء ولا صعود، وهو محاذ للشرف الذي كان من جملة العسكر، والشرف الذي يعرف اليوم بالكبش، وكان يقال له قديما: الجرف، ثم عرف بالرصد من أجل أنّ الأفضل أبا القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ، أقام فوقه كرة لرصد الكواكب، فعرف من حينئذ بالرصد. قال في كتاب عمل الرصد: وحمل إلى الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر من الشام تقاويم لما يستأنف من السنين لاستقبال سنة خمسمائة من سني الهجرة، قيل: مائة تقويم، أو نحوها، وكان منجمو الحضرة يومئذ ابن الحلبيّ وابن الهيثمي وسهلون وغيرهم، يطلق لهم الجاري في كل شهر، والرسوم والكسوة على عمل التقويم في كل سنة، وكان كل منهم يجتهد في حسابه وما تصل قدرته إليه، فإذا كان في غرّة السنة حمل كلّ منهم تقويمه، فيقابل بينها وبين التقويمات المحضرة من الشام، فيوجد بينها اختلاف كثير، فأنكر ذلك، فلما كان غرّة ثلاث عشرة وخمسمائة عند إحصاء التقاويم على العادة، جمع المنجمين والحساب، وأهل العلم وسألهم عن السبب في الخلف بين التقاويم؟ فقالوا: الشاميّ يحسب ويعمل على رأي الزيج المهجور المأمونيّ، ونحن نعمل على رأي الزيج الحاكميّ لقرب عهده، وبين المتقدّم والمتأخر تفاوت وخلف، وقد أجمع القدماء أن القريب العهد أصح من المتقدّم لتنقل الكواكب، وتغير الحساب، وتحدّثوا في معنى ذلك بما هو مذكور في موضعه، وأشاروا عليه بعمل رصد مستجدّ يصحح به الحساب، ويخرج به المعور والتفاوت، وتحصل به المنفعة العظيمة والفائدة الجليلة والسمعة الشريفة والذكر الباقي، فقال: من يتولى ذلك؟ فقال صاحب دسته (١) ومشيره الشيخ الأجل أبو الحسن بن أبي أسامة: هذا القاضي ابن أبي العيش الطرابلسيّ المهندس العالم الفاضل، وكان ابن أبي العيش صهره زوج ابنته، وهو شيخ كبير السنّ والقدر كثير المال، وساعده على ذلك القائد أبو عبد اللّه الذي تقلد الوزارة بعد الأفضل، ودعي بالمأمون بن البطائحيّ، فاستصوب الأفضل ذلك، وقال: مروه يهتم بذلك، ويستدعي ما يحتاج إليه، فكان أوّل ما بدأ به لما
стр. 234
حصل ذلك أن مدح نفسه، وكان الأفضل غيورا على كل شيء أشدّ ما عليه من يفتخر أو يلبس ثيابا مذكورة، ثم قال: هذه الآلات عظيمة، وخطرها جسيم ولا كلّ أحد يقوم عليها، ولا يحسنها، وأكثر الكلام والتوسعة، وقال: يحتاج أنّ الذي يتولى ذلك يعتمد معه الإنعام والإكرام لتطيب نفسه للمباشرة وينشرح صدره، ويقدح خاطره لما يعمل في حقه، فضجر الأفضل من ذلك، وقال: لقد أكثر في مدح نفسه ولدده وما يعاملنا بعد، لا حاجة إلى معاملته، فأشار القائد بن البطائحيّ، وقال: هنا من يبلغ الغرض بأسهل مأخذ، وأقرب وقت وأسرعه، وألطف معنى أبو سعيد بن قرقة الطبيب متولي خزائن السلاح والسروج والصناعات وغير ذلك، فأحضره للوقت فاتفق له من الحديث الحسن السهل، وما سبب عمل الآلات، ومن ابتدأها من الأول.
وذكر القدماء في العلم: ومن رصد منهم واحدا واحدا إلى آخرهم شرحا مستوفيا كأنه يحفظه ظاهرا، أو يقرأه من كتاب، فأعجب الأفضل والحاضرين، وقال: أيّ شيء تحتاج؟ فقال: ما أحتاج كبير أمر، والأمور سهلة وكلّ ما أحتاجه في خزائن السلطان خلد اللّه ملكه، النحاس والرصاص والآلات، وكلّ ما أحتاج أستدعيه أوّلا أوّلا، إلاّ لنفقات وأجرة الصناع، فيتولاها غيري، فأعجب به. وقال: يطلق له جار لنفسه، فقال: أنا مستخدم في عدّة خدم فجواريّ تكفيني، فأنا مملوك الدولة ما أحتاج إلى جار، وإذا بلغت الغرض، وأنهيت الأشغال فهو المقصود. وكان قيل للأفضل، هذا الرصد يحتاج إلى أموال عظيمة، فقال: كم تقول يحتاج إليه؟ فقال: ما ينفق عليه إلا مثل ما ينفق عليه مسجد، أو مستنظر، فرجع يكرّر عليه القول، فقال: هاتوا ورقة، فكتب فيها المملوك يقبل الأرض وينهي دعت الحاجة إلى خروج الأمر العالي إلى دار الوكالة بإطلاق مائتي قنطار من النحاس الثجر وثمانين قنطارا من النحاس القضيب الأندلسيّ، وأربعين قنطارا من النحاس الأحمر ومن الرصاص ألف قنطار، ومن الحطب، ومن الحديد والفولاذ من الصناعة ما لعله يحتاج إليه، ومن الأخشاب ومن النفقة مائة دينار على يد شاهد ينفق عليه، فإذا فرغت أستدعي غيرها، وأختار موضعا يصلح الرصد فيه، ويكون العمل والصناعة فيه ومباشرة السلطان فيما يتوقف عليه وما يستأمر فيه، فاستصوب الأفضل جميع ذلك، وأراد أن يخلع عليه. فقال القائد: هذا فيما بعد إذا شوهدت أعماله، فخدم من أوّل الحال إلى آخرها، ولم يحصل له الدرهم الفرد لأنه كان يستحيي أن يطلب، وهو مستخدم عندهم، وكانوا بأجمعهم يؤملون طول المدّة والبقاء، فقتل الأفضل ثاني سنة وتغيرت الأحوال، ثم إنهم اختاروا للرصد مسجد التنور فوق المقطم، فوجدوه بعيدا عن الحوائج، فأجمعوا على سطح الحرف بالمسجد المعروف:
بالفيلة الكبير.
وكان قد صرف على المسجد خاصة ستة آلاف دينار، فحفروا في مسجد الفيلة نفرا في الجبل مكان الصهريج الآن، فعمل فيه قالب الحلقة الكبيرة وقطرها عشرة أذرع ودورها
стр. 235
ثلاثون ذراعا وهندموه وحرّروه أياما، وعمل حوله عشر هرج على كل هرجة منفاخان، وفي كل هرجة: أحد عشر قنطارا نحاسا، وأقلّ وأكثر والجميع مائة قنطار وكسر، قسموها على الهرج وطرح فيها النار من العصر، ونفخوا إلى الثانية من النهار، وحضر الأفضل بكرة، وجلس على كرسيّ، فلما تهيأت الهرج، ودارت أمر الأفضل بفتحها، وقد وقف على كل هرجة رجل وأمروا بفتحها في لحظة، ففتحت، وسال النحاس كالماء إلى القالب، وكان قد بقي فيه بعض النداوة، فلما استقرّ به النحاس بحرارته تقعقع المكان الندي، فلم تتمّ الحلقة، ولما بردت وكشف عنها إذ هي تامة ما خلا المكان النديّ، فضجر الأفضل وضاق صدره، ورمي الصناع بكيس فيه ألف درهم، وغضب وركب فلاطفه ابن قرقة، وقال: مثل هذه الآلة العظيمة التي ما سمع قط بمثلها لو أعيد سبكها عشر مرّات حتى تصح ما كان كثيرا، فقال له الأفضل: اهتم في إعادتها فسبكت وصحت، ولم يحضر الأفضل في المرّة الثانية، ففرح بصحتها وعملت ورفعت إلى سطح مسجد الفيلة، وأحضر لها جميع صناع النحاس، وعمل لها بركار خشب من السنديان، وهو بركار عجيب، وبنى في وسط الحلقة مسطبة حجارة منقبة لرجل البركار، وهو قائم مثل عروس الطاحون، وفيه ساعد مثل ناف الطاحون، وقد لبس بالحديد والجميع سنديان جيد، وطرف الساعد مهيأ لعدّة فنون، تارة لتصحيح وجه الحلقة، وتارة لتعديل الأجناب، وتارة للخطوط والحزوز، وأقام في التصحيح فيها، وأخذ زوائدها بالمبارد مدّة طويلة، وجماعة الصناع والمهندسين وأرباب هذا العلم حاضرون، واستدعى لهم خيمة عظيمة ضربت على الجميع، وعقد تحت الحلقة أقباء وثيقة، وأرادوا قيامها على سطح مسجد الفيلة، فلم يتهيأ لهم فإنهم وجدوا المشرق لأوّل بروز الشمس مسدودا، فاتفقوا على نقلها إلى المسجد الجيوشيّ المجاور الأنطاكي المعروف أيضا بالرصد، وكان الأفضل، بناه ألطف من جامع الفيلة، ولم يكمل.
فلما صار برسم الرصد كمل، فحضر الأفضل، في نقل الحلقة من جامع الفيلة إلى المسجد الجيوشيّ، وقد أحضرت الصواري الطوال العظام، والسرياقات والمنحاتات من الإسكندرية وغيرها، وجمعت الأسطولية ورجال السودان، وبعض أصحاب الركاب والجند حتى أدلوه وحملوه على العجل إلى مسجد الرصد الجيوشيّ، وثاني يوم حضروا بأجمعهم حتى رفعوه إلى السطح وكملوه، وأقاموا الحلقة وجعلوا تحت أكتافها عمودين من رخام سبكوهما بالرصاص من أسفلهما وأعلاهما، حتى لا يرتخي ثقل النحاس، وجعل في الوسط عمود رخام وبأعلاه قطب العضادة مسبوك بالنحاس الكثير لتدور عليه العضادة، وعملت من نحاس، فما تمارست، ولا دارت فعملوها من خشب ساج وقطبها وأطرافها من نحاس صفائح ليخف الدوران، ثم رصدوا بها الشمس بعد كلفة، وكانت الحلقة ترخي الدرجة والدقائق كل وقت للثقل.
فعمل عمود من نحاس فوق عمود الرخام ليمسك رخوها، وغلبوا بعد ذلك فكانت
стр. 236
تختلف لشدّة ما كانوا يحرّرونها بالشواقيل وعضادة الخشب، وتردّد إليها الأفضل مع كبر سنه، وهو يرتعش، والقائد يحمله إلى فوق، ويقعد زمانا من التعب لا يتكلّم ويده ترتعش، فرصدوا قدّامه، وفي خلال ذلك قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمسمائة، وقيل للأفضل عن ابن قرقة: إنه أسرف في كبر الحلقة، وعظم مقدارها، فقال له الأفضل:
لو اختصرت منها كان أهون، فقال: وحق نعمتك لو أمكنني أن أعمل حلقة تكون رجلها الواحدة على الأهرام، والأخرى على التنور فعلت، فكلما كبرت الآلة صح التحرير، وأين هذا في العالم العلويّ، ثم أكثروا عليه، فعمل حلقة دونها في الموضع المهندم بالطوب الأحمر تحت المسجد الجيوشي، كان قطرها أقل من سبعة أذرع ودورها نحو أحد وعشرين ذراعا.
فلما كملت، قتل الأفضل، ولم ينفق من مال السلطان في الأجرة والمؤن، وما لا بدّ منه سوى نحو مائة وستين دينارا، فلما تمت الوزارة للمأمون البطائحيّ، أحب أن يكملها، ويقال له: الرصد المأموني المصحح، كما قيل للأوّل: الرصد المأموني الممتحن، فأخرج الأمر بنقل الرصد إلى باب النصر بالقاهرة، فنقل على الطريقة الأولى بالعتالين والأسطولية وطوائف الرجال، وكان يدفع لهم كل يوم برسم الغداء جملة دراهم، فلما صار فوق العجل مضوا به على الخندق من وراء الفتح على المشاهد إلى مسجد الذخيرة من ظاهر القاهرة، وتعبوا في دخوله من باب النصر تعبا عظيما لخوفهم أن يصدم فيتغير، فنصبوا الصواري على عقد باب النصر من داخل الباب، وتكاثر الرجال في جذب المياحين من أسفل، ومن فوق حتى وصل إلى السطح الكبير.
ثم نقلوه من السطح الكبير إلى السطح الفوقانيّ، وأوقفوا له العمد كما تقدّم ذكره، ورصدوا بالحلقة الكبرى كما رصدوا بها على سطح الجرف، فصح لهم ما أرادوا من حال الشمس فقط، ثم اهتموا بعمل ذات حلق يكون قطرها خمسة أذرع، وسبكت في فندق بالعطوفية من القاهرة، وكان الأمر فيها سهلا عندما لحقهم من العناء العظيم في الحلقة الكبيرة، والحلقة الوسطى، وتجرّد المأمون لعملها، والحثّ فيها، وكان ابن قرقة يحضر كل يوم دفعتين، ويحضر أبو جعفر بن جسنداي وأبو البركات بن أبي الليث صاحب الديوان وبيده الحل، والعقد فقال له المأمون: اطلع إليهم كل يوم وأيّ شيء طلبوه وقع لهم به من غير مؤامرة، وكان قصده ما أطمعوه فيه من أن يقال: الرصد المأمونيّ المصحح، فلو أراد اللّه أن يبقي المأمون قليلا كان كمل جميع رصد الكواكب، لكنه قبض عليه ليلة السبت ثالث شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، وكان من جملة ما عدّد من ذنوبه عمل الرصد المذكور، والاجتهاد فيه، وقيل: أطمعته نفسه في الخلافة بكونه سماه الرصد المأمونيّ، ونسبه إلى نفسه، ولم ينسبه إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه.
стр. 237
وأما العامة والغوغاء، فكانوا يقولون: أرادوا أن يخاطبوا زحل، وأرادوا أن يعلموا الغيب، وقال آخرون منهم: عمل هذا للسحر، ونحو ذلك من الشناعات، فلما قبض على المأمون، بطل وأنكر الخليفة على عمله، فلم يجسر أحد أن يذكره، وأمر فكسر، وحمل إلى المناخات، وهرب المستخدمون ومن كان فيه من الخاص، وكان فيه من المهندسين برسم خدمته وملازمته في كل يوم بحيث لا يتأخر منهم أحد (الشيخ أبو جعفر بن حسنداي والقاضي ابن أبي العيش، والخطيب أبو الحسن عليّ بن سليمان بن أيوب، والشيخ أبو النجا بن سند الساعاتي الإسكندرانيّ المهندس، وأبو محمد عبد الكريم الصقلي المهندس، وغيرهم من الحساب والمنجمين، كابن الحلبيّ وابن الهيثمي وأبي نصر تلميذ سهلون وابن دياب والقلعيّ، وجماعة يحضرون كل يوم إلى ضحوة النهار)، فيحضر صاحب الديوان ابن أبي الليث، وكان ابن حسنداي ربما تأخر في بعض الأيام فإنه كان امرأ عظيما صاحب كبرياء وهيبة، وفي كل يوم يبعث المأمون من يتفقد الجماعة، ويطالعه بمن غاب منهم لأنه كان كثير التفقد للأمور كلها، وله غمازون وأصحاب أخبار لا تنام، ولا يكاد يفوته شيء من أحوال الخاصة والعامّة بمصر والقاهرة، ومن يتحدّث.
وجعل في كل بلد من الأعمال من يأتيه بسائر أخبارها. وأنا أدركت هذا الموضع الذي يعرف اليوم: بالرصد، حيث جامع الفيلة عامرا فيه عدّة مساكن ومساجد، وبه أناس مقيمون دائما، وقد خرب ما هناك، وصار لا أنيس به وكان الملك الناصر: محمد بن قلاون، قد أنشأ فيه سواقي لنقل الماء من أماكن قد حفر لها خليج من البحر، بجوار رباط الآثار النبوية، فإذا صار الماء في سفح هذا الجرف المسمى بالرصد نقل بسواق هناك، قد أنشئت إلى أن يصير إلى القلعة، فمات ولم يكمل ما أراده من ذلك، كما ذكر في أخبار قلعة الجبل من هذا الكتاب، وما زال موضع هذا الرصد منتزها لأهل مصر.
ويقال: إنّ المعز لدين اللّه معدّا لما قدم من بلاد المغرب إلى القاهرة لم يعجبه مكانها؟ وقال للقائد جوهر: فاتك بناء القاهرة على النيل، فهلا كنت بنيتها على الجرف؟ يعني هذا المكان، ويقال: إن اللحم علق بالقاهرة، فتغير بعد يوم وليلة، وعلق بقلعة الجبل، فتغير بعد يومين وليلتين، وعلق في موضع الرصد، فلم يتغير ثلاثة أيام ولياليها لطيب هوائه، وللّه در القائل:
يا ليلة عاش سروري بها … ومات من يحسدنا بالكمد
وبت بالمعشوق في المشتهي … وبات من يرقبنا بالرصد
стр. 238
ذكر مدائن أرض مصر
قال ابن سيده (١): مدّن بالمكان: أقام، والمدينة: الحصن يبني في أسطحة الأرض، مشتق من ذلك، والجمع: مدائن ومدن، ومن هنا حكم أبو الحسن فيما حكى الفارسيّ عنه: أنّ مدينة فعيلة، وقال العلامة أثير الدين أبو حيان: المدينة معروفة مشتقة من مدن، فهي: فعيلة ومن ذهب إلى أنها مفعلة من دان، فقوله ضعيف لإجماع العرب على الهمز في جمعها، فإنهم قالوا: مدائن بالهمز، ولا يحفظ مداين بالياء، ولا ضرورة تدعو إلى أنها مفعلة من دان، ويقطع بأنها فعيلة جمعهم لها، على فعل فإنهم قالوا مدن، كما قالوا صحف في صحيفة؛ واعلم أن مدائن مصر كثيرة، منها ما دثر وجهل اسمه ورسمه، ومنها ما عرف اسمه وبقي رسمه، ومنها ما هو عامر.
وأوّل مدينة عرف اسمها في أرض مصر، مدينة: أمسوس، وقد محا الطوفان رسمها، ولها أخبار معروفة؛ وبها كان ملك مصر قبل الطوفان، ثم صارت مدينة مصر بعد الطوفان، مدينة منف، وكان بها ملك القبط والفراعنة، إلى أن خربها، بخت نصر، فلما قدم الإسكندر بن فيليبس المقدونيّ من مملكة الروم عمّر مدينة الإسكندرية عمارة جديدة، وصارت دار المملكة بمصر إلى أن قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين، وفتح أرض مصر، فاختط فسطاط مصر، وصارت مدينة مصر إلى أن قدم جوهر القائد من الغرب بعساكر المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ، وملك مصر، واختط القاهرة، فصارت دار المملكة بمصر إلى زالت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فبنى قلعة الجبل، وصارت القاهرة مدينة مصر إلى يومنا هذا.
وفي أرض مصر: عدّة مدائن ليست دار ملك وهي: مدينة الفيوم، ومدينة دلاص، ومدينة أهناس، ومدينة البهنسا، ومدينة القيس، ومدينة طلخا، ومدينة (٢) الأشمونين، ومدينة أنصنا، ومدينة قوص، ومدينة سيوط، ومدينة فاو، ومدينة أخميم، ومدينة البلينا،
стр. 239
ومدين هوّ، ومدينة قنا ومدينة دندرة، ومدينة قفط، ومدينة الأقصر، ومدينة اسنا، ومدينة أرمنت، ومدينة أدفو، وثغر أسوان، وأدركناه مدينة هذه مدائن الوجه القبلي.
وكان أهل مصر يسمون من سكن من القبط بالصعيد: المريس، ومن سكن منهم أسفل الأرض يسمونه: البمبا، وفي الوجه البحري مدينة: نوب من الحوف الشرقي بأسفل الأرض، ومدينة عين شمس، ومدينة أتريب، ومدينة تنوا، ومن قراها ناحية زنكلون، ومدينة نميّ، ومدينة بسطه ويعرف اليوم موضعها: بتل بسطة، ومدينة قربيط، ومدينة البتنون، ومدينة منوف، ومدينة طرّة، ومدينة منوف أيضا، ومدينة سخا، ومدينة الأوسة وهي: دميرة، ومدينة تيدة، ومدينة الأفراحون، ومن جملة قراها: نشا، ومدينة بقيرة، ومدينة بنا، ومدينة شبراساط، ومدينة سمنود، ومدينة نوسا، ومدينة سبتي، ومدينة النجوم، وقد غلب على مدينة النجوم: الرمال والسباخ ويعرف اليوم منها: قرية أدكو على ساحل البحر بين إسكندرية ورشيد، ومدينة تنيس، ومدينة دمياط، ومدينة الفرما، ومدينة العريش، ومدينة صا، ومدينة برنوط، ومدينة قرطسا، ومدينة أخنو، ومدينة رشيد، ومدينة مريوط، ومدينة لوبية ومراقية، وليس بعد لوبية ومراقية إلا أرض أنطابلس وهي: بريّة، وفي كور القبلة مدينة فاران، ومدينة القلزم، ومدينة راية، ومدينة ايلة، ومدينة مدين؛ وأكثر هذه المدائن قد خرب ومنها ما له أخبار معروفة، وقد استحدث في الإسلام بعض مدائن وسيأتي من أخبار ذلك إن شاء اللّه ما يكفي.
وديار مصر اليوم وجهان: قبليّ وبحريّ جملتهما، خمس عشرة ولاية.
فالوجه القبليّ أكبرهما، وهو تسعة أعمال عمل قوص، وهو أجلها، ومنه أسوان وغرب قمولة، وأسوان حدّ المملكة من الجنوب، وعمل أخميم، وعمل سيوط، وعمل منفلوط، وعمل الأشمونين وبها الطحاوية، وعمل البهنسا، وعمل الفيوم، وعمل اطفيح، وعمل الجيزة.
والوجه البحريّ ستة أعمال: عمل البحيرة، وهو متصل البرّ بالإسكندرية وبرقة، وعمل الغربية وهي جزيرة واحدة يشتمل عليها ما بين البحرين: بحر دمياط، وبحر رشيد، والمنوفية ومنها: أبيار التي تسمى: جزيرة بني نصر، وعمل قليوب، وعمل الشرقية، وعمل أشموم طناح، ومنها الدقهلية، والمرتاحية، وهنا موضع ثغر البرلس وثغر رشيد والمنصورة، وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط وهما مدينتان لا عمل لهما.
وذكر أبو الحسن المسعوديّ في كتاب أخبار الزمان: أن الكوكة وهي: أمّة من أهل أيلة ملكو الأرض وقسموا الصعيد على ثمانين كورة، وجعلوه أربعة أقسام، وكان عدد مدن مصر الداخلة في كورها ثلاثين مدينة فيها جميع العجائب، والكور مثل: أخميم وقفط وقوص والفيوم ويقال: إنّ مصر بن بيصر، قسم الأرض بين أولاده فأعطى ولده أشمون من
стр. 240
حدّ بلده إلى رأس البحر إلى دمياط، وأعطى ولده أنصنا من حدّ أنصنا إلى الجنادل، وأعطى لولده صا: من صا أسفل الأرض إلى الإسكندرية، وأعطى لولده منوف وسط الأرض السفلي منف وما حولها، وأعطى لولده قفط غربيّ الصعيد إلى الجنادل، وأعطى لولده أتريب شرقيّ الأرض إلى البريّة بريّة فاران، وأعطى لبناته الثلاثة وهن: الفرما، وسريام، وبدورة، بقاعا من أرض مصر محدّدة فيما بين إخوتهن.
ذكر مدينة أمسوس وعجائبها وملوكها
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب في كتاب أخبار مصر وعجائبها: وكانت مصر القديمة اسمها: أمسوس.
وأوّل من ملك أرض مصر نقراوش الجبار بن مصرايم. ومعنى نقراوش: ملك قومه الأوّل ابن مركاييل بن دواييل بن عرياب بن آدم ﵇، ركب في نيف وسبعين راكبا من بني عرياب جبابرة كلهم يطلبون موضعا يقطنون فيه فرارا من بني أبيهم، عندما بغى بعضهم على بعض، وتحاسدوا وبغى عليهم بنو قابيل بن آدم، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النيل، فلما رأوا سعة البلد فيه، وحسنه أعجبهم، فأقاموا فيه وبنوا الأبنية المحكمة، وبنى نقراوش: مصر، وسماها باسم أبيه: مصرايم، ثم تركها، وأمر ببناء مدينة سماها:
أمسوس.
وقال ابن وصيف شاه: وكان قد وقع إليه علم ذلك من العلوم التي تعلمها دواييل من آدم ﵇، فبنى الأعلام، وأقام الأساطين وعمل المصانع واستخرج المعادن، ووضع الطلسمات وشق الأنهار وبنى المدائن، فكل علم جليل كان في أيدي المصريين إنما هو من فضل علم نقراوش، وأصحابه. كان ذلك مرموزا على الحجارة ففسره قليمون الكاهن الذي ركب مع نوح ﵇ في السفينة ونقراوش هو الذي بنى مدينة أمسوس، وعمل بها عجائب كثيرة منها: طائر يصفر كل يوم عند طلوع الشمس مرّتين، وعند غروبها مرّتين، فيستدلون بصفيره على ما يكون من الحوادث حتى يتهيأون له. ومنها صنم من حجر أسود في وسط المدينة تجاهه صنم مثله إذا دخل إلى المدينة سارق لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا دخل بينهما أطبقا عليه، فيؤخذ وعمل صورة من نحاس على منار عال لا يزال عليها سحاب يطلع، فكل من استمطرها أمطرت عليه ما شاء، وعمل عمل حدّ البلاد أصناما من نحاس مجوّفة وملأها كبريت، أو وكل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم قاصد أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته، وعمل فوق جبل بطرس، منارا يفور بالماء، ويسقي ما حوله من المزارع، ولم تزل هذه الآثار حتى أزالها الطوفان، ويقال: إنه هو الذي أصلح مجرى النيل، وكان قبله يتفرّق بين الجبلين، وإنه وجه إلى بلاد النوبة جماعة هندسوه، وشقوا نهرا عظيما منه بنوا عليه المدن، وغرسوا الغروس، وأحب أن يعرف مخرج
стр. 241
النيل، فسار حتى بلغ خلف خط الاستواء، ووقف على البحر الأسود الزفتي، ورأى النيل يجري على البحر مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر، ويخرج منه إلى بطائح.
ويقال: إنه هو الذي عمل التماثيل التي هناك، وعاد إلى أمسوس وقسم البلاد بين أولاده، فجعل لابنه الأكبر واسمه: نقاوش الجانب الغربيّ، ولابنه شورب الجانب الشرقيّ، وبنى لابنه الأصغر واسمه: مصرايم مدينة برسان، وأسكنه فيها، وأقام ملكا على مصر مائة وثمانين سنة، ولما مات لطخ جسده بأدوية ماسكة، وجعل في تابوت من ذهب، وعمل له ناوس مصفح بالذهب، ووضع فيه ومعه كنوز وإكسير وأوان من ذهب لا يحصى ذلك لكثرته، وزبروا على الناوس تاريخ موته، وأقاموا عليه طلسما يمنعه من الحشرات المفسدة.
وملك بعده ابنه نقاوش بن نقراوش وكان كأبيه في علم الكهانة والطلسمات، وهو أوّل من عمر بمصر هيكلا، وجعل فيه صور الكواكب السبعة، وكتب على هيكل كلّ كوكب منافعه ومضاره، وألبسها كلها الثياب الفاخرة، وأقام لها خدمة وسدنة، وخرج من أمسوس مغرّبا، حتى بلغ البحر المحيط، وأقام عليه أساطين على رؤوسها أصنام تسرج عيونها في الليل، ومضى على بلاد السودان إلى النيل، وأمر ببناء حائط على جنب النيل، وعمل له أبوابا يخرج منها الماء وبنى في صحراء الغرب، خلف الواحات ثلاث مدن على أساطين مشرفات من حجارة ملوّنة شفافة، وفي كل مدينة عدّة خزائن من الحكمة، وفي إحداها صنم للشمس على صورة إنسان، وجسد طائر من ذهب وعيناه من جوهر أصفر، وهو جالس على سرير من مغناطيس، وفي يده مصحف العلوم، وفي إحداها صنم رأسه رأس إنسان بجسد طائر، ومعه صورة امرأة جالسة قد عملت من زئبق معقود لها ذؤابتان في يدها مرآة، وعلى رأسها صورة كوكب، وقد رفعت المرآة بيديها إلى وجهها، وفي إحداها مطهرة فيها سبعة ألوان من سائل يرد إليها ولا يغير بعضها لون بعض، وفي بعضها: صورة شيخ جالس قد عمل من الفيروزج وبين يديه صبية جلوس كلهم من عقيق، وفي بعضها صورة هرمس، يعني عطارد، وهو ينظر إلى مائدة بين يديه من نوشادر على قوائم من كبريت أحمر، وفي وسطها صحفة من جوهر، وجعل فيها صورة عقاب من زبرجد أخضر، وعيناه من ياقوت أصفر، وبين يديه حية زرقاء من فضة قد لوت ذنبها على رجليه، ورفعت رأسها كأنها تنفخ عليه، وجعل فيها صفة المرّيخ وهو راكب على فرس وفي يده سيف مسلول من حديد أخضر، وجعل فيها عمودا من جوهر أحمر، وعليه قبة من ذهب فيها صورة المشتري، وجعل فيها قبلة من آنك على أربعة أعمدة من جزع أزرق، وفي سقفها صورة الشمس والقمر متحاذيين في صورة رجل وامرأة يتحادثان، وجعل فيها قبة من كبريت أحمر فيها صورة الزهرة على هيئة امرأة ممسكة بضفائرها، وتحتها رجل من زبرجد أخضر في يده كتاب فيه علم من علومهم كأنه يقرأ فيه عليها.
стр. 242
وجعل في بقية الخزائن من كنوز الأموال والجواهر والحلي وإكسير الصنعة، وصنوف الأدوية والسموم القاتلة ما لا يحصى كثرة، وجعل على باب كل مدينة طلسما يمنع من دخولها، وأنفذ لها مسارب تحت الأرض ينفذ بعضها إلى بعض طول كل سرب ثلاثة أميال، وبنى أيضا مدينة بأرض مصر اسمها: حلجمة، وعمل فيها جنّة صفح حيطانها بالجواهر الملوّنة بالذهب، وغرس فيها أصناف الأشجار، وأجرى تحتها الأنهار، وغرس فيها شجرة مولدة تطعم سائر الفواكه، وعمل فيها قبة من رخام أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها شياطين إذا خرج أحد من بيته في الليل هلك.
وأقام بها أساطين زبر عليها جميع العلوم، وصور العقاقير ومنافعها ومضارها، وجعل لهذه المدينة مسارب تتصل بمسارب تلك المدن الثلاث بين كل سرب منها، وبين هذه المدينة عشرون ميلا، فلم تزل هذه المدائن حتى أفسدها الطوفان، ولمّا مات بعد مائة وتسع سنين من ملكه على مصر جعل في ناوس مطلسم، ودفن فيه.
وملك بعده أخوه مصرام بن نقراوش الجبار بن مصرايم ويقال: به سميت مصر، وكان حكيما فعمل هيكلا للشمس من مرمر مموّه بذهب أحمر، وفي وسطه فرس من جوهر أزرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر، وعلى رأسه قنديل من الزجاج فيه حجر مدبر يضيء أكثر من السراج، ثم إنه ذلل الأسد وركبها وسار إلى البحر المحيط، وجعل في وسطه قلعة بيضاء عليها صنم للشمس، وزبر عليه اسمه وصفته، وعمل صنما من نحاس زبر عليه:
أنا مصرايم الجبار كاشف الأسرار الغالب القهار، وضعت الطلسمات الصادقة، وأقمت الصور الناطقة، ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة ليعلم من بعدي، إنه لا يملك أحد أشدّ من أيدي، وعاد إلى أمسوس، واحتجب عن الناس ثلاثين سنة، واستخلف رجلا يقال له: عيقام من ولد عرياب بن آدم، وكان كاهنا ساحرا. فلمّا مضت المدّة أحب أهل مصر أن يروه، فجمعهم عيقام بعدما أعلم مصرايم، فظهر لهم، في أعلى مجلس مزين بأصناف الزينة في صورة هائلة ملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا له ساجدين، ودعوا له، ثم أحضر إليهم الطعام فأكلوا وشربوا، وأمرهم بالرجوع إلى مواضعهم ولم يروه بعدها.
فملك بعده خليفته عيقام، وقد حكي عنه أهل مصر حكايات لا تصدّقها العقول.
ويقال: إنّ إدريس ﵇، رفع في أيامه وإنه رأى في علمه كون الطوفان، فبنى خلف خط الاستواء في سفح جبل القمر، قصرا من نحاس، وجعل فيه خمسة وثمانين تمثالا من نحاس يخرج ماء النيل من حلوقها، ويصب في بطحاء تنتهي إلى مصر، وسار إليه من أمسوس، فشاهد حكمة بنيانه وزخرفة حيطانه، وما فيها من النقوش من صور الأفلاك، وغيرها، وكان قصرا تسرج فيه المصابيح، وتنصب به الموائد وعليها من كل الأطعمة
стр. 243
الفاخرة في الأواني النفيسة ما لو أكل منها عسكر لما نقصت ذرة، ولا يعرف من عملها، ولا من وضعها، وفي وسط القصر بركة من ماء جامد الظاهر، وترى حركته من وراء ما جمد منه، فأعجب بما رأى، وعاد إلى أمسوس، واستخلف ابنه عرياق، وقلده الملك، وأوصاه، وعاد إلى ذلك القصر، وأقام به حتى هلك.
وإلى عيقام هذا يعزى مصحف القبط الذي فيه تواريخهم، وجميع ما يجري في آخر الزمان.
فقام من بعده ابنه عرياق، ويقال: أرياق بن عيقام، ويقال له: الأثيم، فعمل أعمالا عجيبة منها شجرة صفراء لها أغصان من حديد بخطاطيف إذا قرب الظالم منها أخذته تلك الخطاطيف، ولا تفارقه حتى يقرّ بظلمه، ويخرج منه لخصمه، ومنها: صنم من كدان أسود سمّاه: عبد زحل، كانوا يتحاكمون إليه، فمن زاغ عن الحق ثبت في مكانه، ولم يقدر على الخروج منه حتى ينصف خصمه من نفسه، ولو أقام سنة ومن كانت له حاجة قام ليلا ونظر إلى الكوكب، وتضرّع وذكر اسم عرياق، فإذا أصبح وجد حاجته على بابه.
وعمل شجرة من حديد ذات أغصان، ولطخها بدواء مدبر، فكانت تجلب كل صنف من الدواب والسباع والوحوش إليها، حتى يتمكن من صيدها، وكان إذا غضب على أهل إقليم سلط عليهم الوحوش والسباع، وتارة يجعل ماءهم من الإيداق، ويقال: إن هاروت وماروت كانا في زمانه! وإنه بنى جنة عظيمة، واغتصب النساء الحسان وأسكنهنّ فيها، فعملت عليه امرأة منهنّ وسمّته فهلك.
وملك بعده لوجيم بن نقاوش، ويقال: بل هو من بني نقراوش الجبار، ويعرف:
بلوجيم الفتى، وهو الذي أخذ الملك من عرياق بن عيقام الكاهن، وردّه لبني نقراوش بعد ما خرج منهم بلا حرب، ولا قتل وكان عالما بالكهانة، والطلسمات فعمل أعمالا عجيبة منها: أنّ الغداف (١) والغراب كثر في أيامه، وأتلف الزرع، فعمل أربع منارات في جوانب مدينة أمسوس الأربعة، وعلى كل منارة، صورة غراب في فمه حية قد التوت عليه، فنفرت عنهم الطيور المضرّة من حينئذ، ولم تقر بهم حتى زالت المنارات بالطوفان، وكان حسن السيرة منصفا للرعية عادلا مقرّبا للكهنة، ولما مات دفن في ناوس، ومعه كنوزه، وعمل عليه طلسم يمنعه.
وملك بعده ابنه فحصليم، وكان فاضلا عالما كاهنا، فعمل أعمالا عجيبة، وهو أوّل من عمل مقياسا لزيادة ماء النيل بأن جمع أرباب العلوم والهندسة، فقدّروا بيتا من رخام على حافة النيل، وفي وسطه بركة صغيرة من نحاس فيها ماء موزون، وعليها من جانبيها
стр. 244
عقابان من نحاس أحدهما ذكر، والآخر أنثى، فإذا كان أوّل الشهر الذي يزيد فيه النيل فتح هذا البيت وجمع الكهان فيه بين يديه، وزمزم الكهان بكلامهم حتى يصفر أحد العقابين، فإن صفر الذكر، كان الماء تاما، وإن صفرت الأنثى، كان الماء ناقصا، فيستعدّون عند ذلك لغلاء الأسعار بما يصلحون به شأنهم، وهو الذي بنى القنطرة ببلاد النوبة على النيل، ولما مات جعل في ناوس، ومعه كنوزه وعمل عليه طلسم.
وملك بعده ابنه، هو صال، ويقال: يوصال، ومعناه: خادم الزهرة، ويقال: سومال بن لوجيم الملك النقراوشي من بني نقراوش الجبار، ويقال: إن نوحا ﵇ ولد في أيامه، وكان فاضلا كاهنا عالما بالسحر، والطلسمات، فعمل عجائب، منها أنه بنى مدينة عمل في وسطها صنما للشمس يدور بدورانها، ويبيت مغربا ويصبح مشرقا، وعمل سربا تحت النيل، فشق الأرض وخرج منه متنكرا، حتى بلغ مدينة بابل، وكشف أعمال الملوك، وكان نوح ﵇ في زمانه وولد له عشرون ولدا، فجعل مع كل ولد منهم: قطرا، وهو رأس الكهنة، وأقام في الملك مائة وسبع عشرة سنة، ثم لزم الهياكل وأقام أولاده على حالهم كل منهم في قسمه الذي أعطاه إياه أبوه مدّة سبع سنين.
ثم اجتمعوا على واحد منهم وملكوه عليهم وكان اسمه تدرشان، وقيل: تدرسان، فلما ملك نفى جميع إخوته إلى المدائن الداخلة في الغرب، واقتصر على امرأة من بنات عمه، وكانت ساحرة، وعمل له قصرا من خشب منقوشا فيه صورة الكواكب، وبسطه بأحسن الفرش وحمله على الماء، وصار يجلس فيه، فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبت ريح شديدة اضطرب منها الماء، فانقلب القصر وتكسر فغرق، هو ومن كان معه في القصر.
وملك بعده أخوه، نمرود الجبار، ويقال: شمرود بن هوصال، فأحسن السيرة وأنصف الرعية وبسط العدل، وجمع إخوته وفرّق عليهم كنوز أخيهم، فسرّ الناس به وطلب امرأة أخيه الساحرة، ففرّت منه بابنها إلى مدينة ببلاد الصعيد، وامتنعت عليه بسحرها، وأقامت مدّة واجتمع السحرة إلى ابنها، وكان اسمه توميدون، وحملوه على طلب الملك، فسار وخرج إليه شمرود وأخوته، فاقتتلوا قتالا عظيما كان فيه الظفر لتوميدون فقتله. وملك من بعده، فقام توميدون بن تدرسان بالملك في مدينة أمسوس، وكان عالما فاضلا، فتقوّى بسحر أمه، وعملت له أعمالا عجيبة، منها قبة من زجاج على هيئة الكرة تدور بدوران الفلك، وصوّرت فيها صور الكواكب، فكانوا يعرفون بها أسرار الطبائع وعلوم العالم، فلما ماتت أمّه الساحرة بعد ستين سنة من ملكه طلى جسدها بما يدفع عنه النتن والحشرات، ودفنت تحت صنم القمر، ويقال: إنها كانت بعد موتها يسمع من عندها صوت بعض الأرواح، وتخبرهم بعجائب، وتجيب عما تسأل عنه، ولما مات توميدون بعد مائة سنة من ملكه عمل له صورة من زجاج مقسومة نصفين، وأدخل فيها بعد ما طلي بالأدوية المانعة من
стр. 245
النتن، وأطبقت الصورة عليه حتى التحمت وأقيم في هيكل الأصنام، ودفنت كنوزه عنده، وصار يعمل له في كل سنة عيد.
وملك بعده ابنه شرياق، ويقال له: سرياق بن توميدون بن تدرسان بن هوصال، وكان كأبيه في علم الكهانة والسحر والطلسمات، فعمل أعمالا عجيبة منها: على باب مدينة أمسوس هيئة بطة من نحاس قائمة على أسطوانة إذا دخل غريب من ناحية من النواحي صفقت بجناحيها، وصرخت فيؤخذ ذلك الغريب، ويكشف أمره حتى يعرف فيما قدم، وشق من النيل نهرا يمرّ إلى مدائن الغرب وبنى عليه أعلاما ومدنا، ومنتزهات، وسار ملك من بني فراشي بن آدم ويقال: من بني صوانيتي بن آدم خرج من ناحية العراق في أيامه، وغلب على بلاد الشام، وقصد مصر ليأخذ ملكها، فقيل له: إنك لا تقدر عليها لسحر أهلها، فتنكر ودخل في جماعة من خواصه ليكشف حال أهل مصر، فلما وصل إلى أوّل حدّ مصر حبسه الموكلون بذلك الحدّ هو ومن معه، حتى يأمر الملك فيهم بأمره وبعثوا إليه بصفتهم، وكان قد رأى في منامه كأنه على منار عال وكأن طائرا عظيما انقض عليه ليخطفه، فحاد عنه حتى كاد يسقط من المنار، فجاوزه الطائر وسلم منه فانتبه مذعورا.
وقص رؤياه على كبير الكهنة، فقال: يطلبك ملك، ولا يقدر عليك، ونظر في نجومه، فرأى الملك الذي يطلب ملكه قد دخل إلى مصر، وكان ذلك هو الوقت الذي قدم عليه فيه الرسل بصفات الذين وصلوا إلى حدّ مصر، فأمر بإحضارهم إليه بعد ما يطاف بهم على عجائب مصر كلها ليروها، فأوثقوهم وساروا بهم وأوقفوهم على عجائب أرض مصر، وما فيها من الطلسمات حتى بلغوا إلى الإسكندرية، ثم إلى أمسوس، ثم إلى الجنة التي عملها مصرام، كان الملك شرياق مقيما بها، فعند ما وصلوا إليها أظهرت السحرة التماثيل العجيبة، فدخلوا عليه وحوله الكهنة، وبين يديه نار لا يصل إليه أحد حتى يخوضها، فمن كان بريئا لم تضرّه، ومن كان يريد بالملك سوءا أو أضمر له مكروها أخذته النار، فشق القوم في وسط النار واحدا بعد واحد من غير أن تضرّهم حتى انتهى الأمر إلى ملك العراق، فعندما دنا من النار أخذته بحرّها، فولى هاربا فاتبعوه حتى أخذوه وأوقفوه بين يدي شرياق، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر بصلب فصلب على الحصن الذي أخذ منه، ونودي عليه هذا جزاء من طلب ما لا يصل إليه، وعفا عن الباقين فساروا من مصر وتحدّثوا بما رأوه من العجائب، فانقطع طمع ملوك الأرض عن طلب ملك مصر، ومات شرياق بعد ما ملك مصر مائة وثلاثين سنة، فجعل في ناوس ومعه أمواله وطلسم يحفظه ممن يقصده.
وملك بعده ابنه: شهلوق، وكان عالما بالكهانة والطلسمات، فقسم ماء النيل موزونا يصرف إلى كل ناحية قسطها، ورتب الدولة وعمل بيت نار، وهو أوّل من عبد النار، وعمل بأمسوس عجائب منها: شجرة على أعلى الجبال تقسم بها الرياح التي تمنع من أراد مصر
стр. 246
بأذى أو فساد من جنيّ أو إنسيّ أو سبع أو طائر، وعمل بالمدينة قبة مركبة على سبعة أركان ولها سبعة أبواب على كل ركن باب، وفي وسط القبة قبة من صفر، وفي أعلاها صور الكواكب السبعة، وتحت القبة قبة أخرى معلقة على سبع أساطين، وعلى الباب الأوّل من القبة: أسد ولبوة من صفر، وهما رابضان، كان يذبح لهما جروا أسود ويبخرهما بشعره، وعلى الباب الثاني: ثور وبقرة يذبح لهما عجلا ويبخرهما بشعره، وعلى الباب الثالث:
خنزير وخنزيرة يذبح لهما خنوصا ويبخرهما بشعره، وعلى الباب الرابع: كبش وشاة يذبح لهما سخلة ويبخرهما بشعرها، وعلى الباس الخامس: ثعلب وثعلبة يذبح لهما فرخ ثعلب ويبخرهما بشعره، وعلى الباب السادس: عقاب وأنثاه يذبح لهما فرخ عقاب ويبخرهما بريشه، وعلى الباب السابع: نسر وأنثاه يذبح لهما فرخ نسر ويبخرهما بريشه، ويلطخ كلا منهما بدم ما ذبح له، وتحرق سائر القرابين، ويوضع رمادها تحت عتبات أبواب القبة، وجعل لهذه القبة سدنة يشعلون المصابيح ليلا ونهارا، وقسم الناس بمصر سبع مراتب، لكل مرتبة منهم: باب من أبواب تلك القبة، فكان الخصم إذا تقدّم إلى شيء من تلك الصور، وكان ظالما فإنه يلتصق بها ولا يتخلص منها حتى يخرج من الحق الذي عليه، الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، فيعرفون بذلك الظالم من المظلوم.
ولم تزل هذه القبة بأمسوس حتى أزالها الطوفان، ويقال: إنه رأى أباه في النوم وهو يأمره أن ينطلق إلى جبل وصفه له من جبال مصر، فإنّ فيه كوّة صفتها كذا على بابها أفعى لها رأسان إذا أقبل إليها كشرت في وجهه فخذ معك طائرين صغيرين ذكرا وأنثى، فاذبحهما لها وألقمها إياهما، فإنها تأخذ برأسيهما، وتتنحي بهما إلى سرب فإذا غابت، أدخل الكوّة تجد فيها امرأة عظيمة من نور حار يابس، فإنها تسطع لك وتحس بحرارتها فلا تدن منها تحترق ولكن اقعد حذاءها وسلم عليها، فإنها تخاطبك فافهم ما تقول لك واعمل به، فإنك تشرف بذلك، وتدلك على كنوز جدّك مصرام، فإنها حافظة لها، فلما انتبه عمل ما أمره أبوه فلما قعد بجانب المرأة وسلم، قالت له: أتعرفني؟ قال: لا، قالت: أنا صورة النار المعبودة في الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكري وتجدّد لي بيتا تقد لي فيه نارا دائمة بقدر واحد وتتخذ لها عيدا في كل سنة تحضره أنت وقومك فإنك تتخذ بذلك عندي يدا أنيلك بها شرفا إلى شرفك، وملكا إلى ملكك، وأمنع عنك من يطلبك بسوء، وأدلك على كنوز جدّك مصرام، فضمن لها أن يفعل كلّ ما أمرته به فدلته على الكنوز التي تحت المدائن المعلقة، وعلمته كيف يصير إليها وكيف يحترس من الأرواح الموكلة بها، وما ينجيه منها، ثم قال لها: كيف لي بأن أراك في وقت آخر؟ قالت: لا تعد، فإنّ الأفعى لا تمكنك، ولكن بخر في بيتك بكذا فإني آتيك، فسرّ بذلك، وغابت عنه وخرج، ففعل ما أمرته به من عمل بيت النار، وأخذ كنوز مصرام، ولما مات جعل في ناوس ومعه سائر أمواله وكنوزه، وجعل عليه طلسم يحفظه ممن يقصده. وملك بعده ابنه سوريد، وكان حكيما فاضلا، وهو أوّل من
стр. 247
جبى الخراج بمصر، وأوّل من أمر بالإنفاق على المرضى، والزمنى من خزائنه، وأوّل من سنّ رقعة الصباح، وعمل أعمالا عجيبة، منها مرآة من أخلاط كان ينظر فيها إلى الأقاليم فيعرف فيها ما حدث من الحوادث، وما يخصب منها وما يجدب، وأقام هذه المرأة في وسط مدينة أمسوس، وكانت من نحاس.
وعمل في أمسوس صورة امرأة جالسة في حجرها صبيّ ترضعه، وكانت المرأة من نساء مصر إذا أصابتها علة في موضع من جسمها أتت هذه الصورة، ومسحت ذلك الموضع من جسدها بمثل ذلك الموضع من الصورة، فتزول عنها العلة، وإن قلّ لبنها مسحت ثديها بثدي الصورة فيغزر لبنها، وإن قلّ حيضها مسحت فرجها بفرج الصورة فيكثر حيضها، وإن كثر دمها مسحت أسفل ركبها بمثل ذلك من الصورة، وإن عسرت ولادة امرأة مسحت رأس الصبيّ الذي في حجر الصورة، فتضع حملها، وإن أرادت التحبب إلى زوجها مسحت وجهها وتقول: افعلي كذا وكذا، فإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تتوب، ولم تزل هذه الصورة إلى أن أزالها الطوفان، وفي كتب القبط: أنها وجدت بعد الطوفان، وأن أكثر الناس عبدوها.
وعمل سوريد، صنما من أخلاط كثيرة، فكان من أصابته علة في موضع من جسده غسل ذلك الموضع من الصنم بماء وشرب الماء، فإنه يبرأ وسوريد هذا هو الذي بنى الهرمين العظيمين بمصر المنسوبين إلى شدّاد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوّة سحرهم، ولما مات سوريد دفن في الهرم ومعه كنوزه، ويقال: إنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة وأنه ملك مائة سنة وتسعين سنة.
فملك بعده ابنه هرجيب، وكان كأبيه حكيما فاضلا في علم السحر والطلسمات، فعمل أعمالا عجيبة، واستخرج معادن كثيرة وأظهر علم الكيمياء، وبنى أهرام دهشور وحمل إليها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة، وعقاقير وسمومات، وجعل عليها روحانيات تحفظها وشج رجل رجلا، فأمر بقطع أصابعه وسرق رجل مالا، فملك المسروق له رق السارق، ولما مات دفن في الهرم، ومعه جميع أمواله وذخائره.
وملك بعده ابنه مناوس، ويقال: منقاوس، وكان كأبيه في الحكمة إلا أنه كان جبارا فاسقا سفاكا للدماء، ينتزع النساء من أزواجهنّ ويبيح ذلك لخواصه، وعمل أعمالا عجيبة واستخرج كنوزا وبنى قصورا من ذهب وفضة، وأجرى فيها الأنهار وجعل حصباءها من أصناف الجواهر النفيسة، وسلط رجلا جبارا اسمه: قرناس، على الناس ووجّهه لمحاربة الأمم الغريبة، فقتل منهم خلائق، ولما مات دفن في بعض قصوره ومعه أمواله، وعمل عليه طلسم يحفظه ويمنعه من كل طالب.
وملك بعده ابنه أفروس، وكان كأبيه في العلم والحكمة، ولما ملك أظهر العدل
стр. 248
وأحسن السيرة وردّ النساء اللاتي غصبن في أيام أبيه على أزواجهنّ، وعمل قبة طولها خمسون ذراعا في عرض مائة ذراع، وركب في جوانبها طيورا من صفر تصفر بأصوات مختلفة مطربة لا تفتر ساعة، وعمل في وسط مدينة أمسوس، منارا عليه رأس إنسان من صفر كلما مضى من النهار أو الليل ساعة صاح صيحة يعلم من سمعها بمضيّ ساعة، وعمل منارا عليه قبة من صفر مذهب، ولطخها بلطوخات، فإذا غربت الشمس في كل ليلة اشتعلت القبة نورا تضيء له مدينة أمسوس طول الليل، حتى يصير مثل النهار لا تطفئها الرياح ولا الأمطار فإذا طلع النهار خمد ضوءها وأهدى لبعض ملوك بابل مدهنا من زبرجد قطره خمسة أشبار.
ويقال: إنه وجد بعد الطوفان، وعمل في الجبل الشرقيّ صنما عظيما قائما على قاعدة وهو مصبوغ مصفر بالذهب ووجهه إلى الشمس يدور معها حتى تغرب، ثم يدور ليلا حتى يحاذي المشرق مع الفجر، فإذا أشرقت الشمس استقبلها بوجهه، وبنى بصحراء الغرب مدنا كثيرة، وأودعها كنوزا عظيمة، ونكح ثلثمائة امرأة ولم يولد له ولد، فإنّ اللّه تعالى، كان قد أعقم الأرحام لما يريد من إهلاك العالم بالطوفان، ووقع الموت في الناس والبهائم، ولما مات وضع في ناوس بالجبل الشرقيّ، ومعه أمواله وطلسم عليه.
وملك بعده أرمالينوس، فعمل أعمالا عجيبة وبنى مدنا ومصانع جدّد الطلسمات، وكان له ابن عم يسمى: فرعان، وكان جبارا، فأبعده وجعله على جيش ساربه عنه، فقهر ملوكا وقتل أمما عظيمة، وغنم أموالا كثيرة، وعاد فشغفت به امرأة من نساء الملك، وما زالت به حتى اجتمع بها تآلفا، وأقاما على ذلك مدّة، فخافا الملك أن يفطن بهما، فعملت المرأة لأرمالينوس سمّا في شرابه هلك منه.
وملك بعده ابن عمه فرعان بن مشور، فلم ينازعه أحد لشجاعته وسياسته، ولم تطل أعوامه حتى رأى قليمون الكاهن، كأنّ طيورا بيضاء قد نزلت من السماء، وهي تقول: من أراد النجاة فليلحق بصاحب السفينة، وكان عندهم علم بحدوث الطوفان من أيام سوريد وبنائه الأهرام، لأجل ذلك، واتخذ الناس سراديب تحت الأرض مصفحة بالزجاج قد حبست الرياح فيها بتدبير، وعمل منها فرعان لنفسه ولأهله عدّة، فما كذب أن جمع أهله وولده وتلميذه ولحق بنوح ﵇، وآمن به وأقام معه حتى ركب في السفينة وجاء الطوفان في أيام فرعان، فأغرق أرض مصر كلها، وخرب عمائرها، وأزال تلك المعالم كلها، وأقام الماء عليها ستة أشهر، ووصل إلى أنصاف الهرمين العظيمين، وسيأتي خبر ذلك إن شاء اللّه تعالى عند ذكر محن مصر من هذا الكتاب.
ويقال: إنّ فرعان كان عاتيا متجبرا يغصب الأموال والنساء، وأنه كتب إلى الدر مثيل ابن لحويل ببابل يشير عليه بقتل نوح ﵇، وأنه استخف بالكهنة والهياكل، ففسدت
стр. 249
في أيامه أرض مصر، ونقص الزرع وأجدبت النواحي لانهماكه في ضلاله وظلمه وإقباله على لهوه ولعبه، وإنّ الناس اقتدوا به ففشا ظلم بعضهم لبعض، وإنه لما أقبل الطوفان، وسحت الأمطار، قام سكران يريد الهرب إلى الهرم، فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط يخور، حتى هلك، وهلك من دخل الأسراب بالغم، واللّه تعالى أعلم.
ذكر مدينة منف وملوكها
هذه المدينة كانت في غربيّ النيل على مسافة اثني عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر، وهي أوّل مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطوفان، وصارت دار المملكة بعد مدينة أمسوس التي تقدّم ذكرها، إلى أن أخربها بخت نصر، وقد ذكرها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله:
﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ [القصص/ ١٥]. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في كتاب جامع البيان في تفسير القرآن، عن السديّ: أنّه قال: كان موسى ﵇ حين كبر يركب، كمراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى:
ابن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب مركبا، وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ﵇ قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في إثره فأدركه المقيل في أرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرقها أحد، وهي التي يقول اللّه جلّ ذكره: ﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ [القصص/ ١٥].
قال ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن لهيعة: أوّل من سكن بمصر بعد أن أغرق اللّه قوم نوح ﵇، بيصر بن حام بن نوح، فسكن منف، وهي أوّل مدينة عمرت بعد الطوفان هو وولده، وهم ثلاثون نفسا منهم أربعة أولاد قد بلغوا وتزوّجوا، وهم: مصر وفارق وماج وياج وبنو بيصر، وكان مصر أكبرهم، فبذلك سميت: مافه، ومافه بلسان القبط ثلاثون، وكانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطم، ونقروا هناك منازل كثيرة. وقال ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك: ومدينة منف هي (مدينة فرعون) التي كان ينزلها، واتخذ لها سبعين بابا من حديد، وجعل حيطان المدينة من الحديد والصفر، وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سريره، وهي أربعة، ويروى أنّ مدينة منف كانت قناطر وجسورا بتدبير، وتقدير حتى أنّ الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها، فيحبسونه كيف شاءوا، ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف/ ٥١]، وكان بها كثير من الأصنام لم تزل قائمة إلى أن سقطت فيما سقط من الأصنام في الساعة التي أشار فيها النبيّ ﷺ إلى الأصنام، يوم فتح مكة بقضيب في يده، وهو يطوف حولها، ويقول: ﴿جاءَ اَلْحَقُّ وَزَهَقَ اَلْباطِلُ إِنَّ اَلْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء/ ٨١] فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع، وفي تلك الساعة سقطت أصنام الأرض من الشرق
стр. 250
إلى الغرب، وبقي أصحابها متعجبين لا يعلمون لها سببا أوجب سقوطها، وبقيت أصنام مدينة منف ساقطة من ساعته، وفيها الصنمان الكبيران المجاوران للبيت الأخضر الذي كان به صنم العزيز، وكان من ذهب وعيناه ياقوتتان لا يقدر على مثلهما، ثم قطعت الأصنام والبيت الأخضر من بعد سنة ستمائة.
ويقال: كانت منف ثلاثين ميلا طولا في عشرين ميلا عرضا، وإنّ بعض بني يافث بن نوح عمل في أيام مصرايم آلة تحمل الماء حتى تلقيه على أعلى سور مدينة منف، وذلك أنه جعلها درجا مجوّفة، كلما وصل الماء إلى درجة امتلأت الأخرى، حتى يصعد الماء إلى أعلى السور، ثم ينحط فيدخل جميع بيوت المدينة، ثم يخرج من موضع إلى خارج المدينة.
وكان بمنف بيت من الصوّان الأخضر الماتع (١) الذي لا يعمل فيه الحديد قطعة واحدة، وفيه صور منقوشة وكتابة، وعلى وجه بابه صور حيات ناشرة صدورها، لو اجتمع ألوف من الناس على تحريكه ما قدروا لعظمه وثقله، والصابئة تقول: إنه بيت القمر، وكان هذا البيت من جملة سبعة بيوت كانت بمنف للكواكب السبعة، وهذا البيت الأخضر هدمه، الأمير سيف الدين شيخون العمريّ، بعد سنة خمسين وسبعمائة، ومنه شيء في خانقاهه، وجامعه الذي بخط الصليبة خارج القاهرة.
وقال أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن القيسي في كتابه تحفة الألباب: ورأيت في قصر فرعون موسى بيتا كبيرا من صخرة واحدة أخضر كالآس فيه صورة الأفلاك والنجوم لم نر عجبا أحسن منه.
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ (٢): وكانت دار الملك بمصر في قديم الدهر مدينة منف، وهي في غربيّ النيل على مسافة اثني عشر ميلا من الفسطاط، فلما بنى الإسكندر مدينة الإسكندرية رغب الناس في عمارتها، فكانت دار العلم، ومقرّ الحكمة، إلى أن فتحها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب ﵁، واختط عمرو بن العاص مدينته المعروفة، بالفسطاط، فانتشر أهل مصر، وغيرهم من العرب والعجم إلى سكناها، فصارت قاعدة ديار مصر، ومركزها إلى وقتنا هذا.
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب: وقد ذكر أخبار مدينة أمسوس، وخراب عمائر أرض مصر بطوفان نوح ﵇، ولما نزل الماء كان أوّل من ملك مصر بعد