بأذى أو فساد من جنيّ أو إنسيّ أو سبع أو طائر، وعمل بالمدينة قبة مركبة على سبعة أركان ولها سبعة أبواب على كل ركن باب، وفي وسط القبة قبة من صفر، وفي أعلاها صور الكواكب السبعة، وتحت القبة قبة أخرى معلقة على سبع أساطين، وعلى الباب الأوّل من القبة: أسد ولبوة من صفر، وهما رابضان، كان يذبح لهما جروا أسود ويبخرهما بشعره، وعلى الباب الثاني: ثور وبقرة يذبح لهما عجلا ويبخرهما بشعره، وعلى الباب الثالث:
خنزير وخنزيرة يذبح لهما خنوصا ويبخرهما بشعره، وعلى الباب الرابع: كبش وشاة يذبح لهما سخلة ويبخرهما بشعرها، وعلى الباس الخامس: ثعلب وثعلبة يذبح لهما فرخ ثعلب ويبخرهما بشعره، وعلى الباب السادس: عقاب وأنثاه يذبح لهما فرخ عقاب ويبخرهما بريشه، وعلى الباب السابع: نسر وأنثاه يذبح لهما فرخ نسر ويبخرهما بريشه، ويلطخ كلا منهما بدم ما ذبح له، وتحرق سائر القرابين، ويوضع رمادها تحت عتبات أبواب القبة، وجعل لهذه القبة سدنة يشعلون المصابيح ليلا ونهارا، وقسم الناس بمصر سبع مراتب، لكل مرتبة منهم: باب من أبواب تلك القبة، فكان الخصم إذا تقدّم إلى شيء من تلك الصور، وكان ظالما فإنه يلتصق بها ولا يتخلص منها حتى يخرج من الحق الذي عليه، الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، فيعرفون بذلك الظالم من المظلوم.
ولم تزل هذه القبة بأمسوس حتى أزالها الطوفان، ويقال: إنه رأى أباه في النوم وهو يأمره أن ينطلق إلى جبل وصفه له من جبال مصر، فإنّ فيه كوّة صفتها كذا على بابها أفعى لها رأسان إذا أقبل إليها كشرت في وجهه فخذ معك طائرين صغيرين ذكرا وأنثى، فاذبحهما لها وألقمها إياهما، فإنها تأخذ برأسيهما، وتتنحي بهما إلى سرب فإذا غابت، أدخل الكوّة تجد فيها امرأة عظيمة من نور حار يابس، فإنها تسطع لك وتحس بحرارتها فلا تدن منها تحترق ولكن اقعد حذاءها وسلم عليها، فإنها تخاطبك فافهم ما تقول لك واعمل به، فإنك تشرف بذلك، وتدلك على كنوز جدّك مصرام، فإنها حافظة لها، فلما انتبه عمل ما أمره أبوه فلما قعد بجانب المرأة وسلم، قالت له: أتعرفني؟ قال: لا، قالت: أنا صورة النار المعبودة في الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكري وتجدّد لي بيتا تقد لي فيه نارا دائمة بقدر واحد وتتخذ لها عيدا في كل سنة تحضره أنت وقومك فإنك تتخذ بذلك عندي يدا أنيلك بها شرفا إلى شرفك، وملكا إلى ملكك، وأمنع عنك من يطلبك بسوء، وأدلك على كنوز جدّك مصرام، فضمن لها أن يفعل كلّ ما أمرته به فدلته على الكنوز التي تحت المدائن المعلقة، وعلمته كيف يصير إليها وكيف يحترس من الأرواح الموكلة بها، وما ينجيه منها، ثم قال لها: كيف لي بأن أراك في وقت آخر؟ قالت: لا تعد، فإنّ الأفعى لا تمكنك، ولكن بخر في بيتك بكذا فإني آتيك، فسرّ بذلك، وغابت عنه وخرج، ففعل ما أمرته به من عمل بيت النار، وأخذ كنوز مصرام، ولما مات جعل في ناوس ومعه سائر أمواله وكنوزه، وجعل عليه طلسم يحفظه ممن يقصده. وملك بعده ابنه سوريد، وكان حكيما فاضلا، وهو أوّل من
стр. 247
جبى الخراج بمصر، وأوّل من أمر بالإنفاق على المرضى، والزمنى من خزائنه، وأوّل من سنّ رقعة الصباح، وعمل أعمالا عجيبة، منها مرآة من أخلاط كان ينظر فيها إلى الأقاليم فيعرف فيها ما حدث من الحوادث، وما يخصب منها وما يجدب، وأقام هذه المرأة في وسط مدينة أمسوس، وكانت من نحاس.
وعمل في أمسوس صورة امرأة جالسة في حجرها صبيّ ترضعه، وكانت المرأة من نساء مصر إذا أصابتها علة في موضع من جسمها أتت هذه الصورة، ومسحت ذلك الموضع من جسدها بمثل ذلك الموضع من الصورة، فتزول عنها العلة، وإن قلّ لبنها مسحت ثديها بثدي الصورة فيغزر لبنها، وإن قلّ حيضها مسحت فرجها بفرج الصورة فيكثر حيضها، وإن كثر دمها مسحت أسفل ركبها بمثل ذلك من الصورة، وإن عسرت ولادة امرأة مسحت رأس الصبيّ الذي في حجر الصورة، فتضع حملها، وإن أرادت التحبب إلى زوجها مسحت وجهها وتقول: افعلي كذا وكذا، فإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تتوب، ولم تزل هذه الصورة إلى أن أزالها الطوفان، وفي كتب القبط: أنها وجدت بعد الطوفان، وأن أكثر الناس عبدوها.
وعمل سوريد، صنما من أخلاط كثيرة، فكان من أصابته علة في موضع من جسده غسل ذلك الموضع من الصنم بماء وشرب الماء، فإنه يبرأ وسوريد هذا هو الذي بنى الهرمين العظيمين بمصر المنسوبين إلى شدّاد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوّة سحرهم، ولما مات سوريد دفن في الهرم ومعه كنوزه، ويقال: إنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة وأنه ملك مائة سنة وتسعين سنة.
فملك بعده ابنه هرجيب، وكان كأبيه حكيما فاضلا في علم السحر والطلسمات، فعمل أعمالا عجيبة، واستخرج معادن كثيرة وأظهر علم الكيمياء، وبنى أهرام دهشور وحمل إليها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة، وعقاقير وسمومات، وجعل عليها روحانيات تحفظها وشج رجل رجلا، فأمر بقطع أصابعه وسرق رجل مالا، فملك المسروق له رق السارق، ولما مات دفن في الهرم، ومعه جميع أمواله وذخائره.
وملك بعده ابنه مناوس، ويقال: منقاوس، وكان كأبيه في الحكمة إلا أنه كان جبارا فاسقا سفاكا للدماء، ينتزع النساء من أزواجهنّ ويبيح ذلك لخواصه، وعمل أعمالا عجيبة واستخرج كنوزا وبنى قصورا من ذهب وفضة، وأجرى فيها الأنهار وجعل حصباءها من أصناف الجواهر النفيسة، وسلط رجلا جبارا اسمه: قرناس، على الناس ووجّهه لمحاربة الأمم الغريبة، فقتل منهم خلائق، ولما مات دفن في بعض قصوره ومعه أمواله، وعمل عليه طلسم يحفظه ويمنعه من كل طالب.
وملك بعده ابنه أفروس، وكان كأبيه في العلم والحكمة، ولما ملك أظهر العدل
стр. 248
وأحسن السيرة وردّ النساء اللاتي غصبن في أيام أبيه على أزواجهنّ، وعمل قبة طولها خمسون ذراعا في عرض مائة ذراع، وركب في جوانبها طيورا من صفر تصفر بأصوات مختلفة مطربة لا تفتر ساعة، وعمل في وسط مدينة أمسوس، منارا عليه رأس إنسان من صفر كلما مضى من النهار أو الليل ساعة صاح صيحة يعلم من سمعها بمضيّ ساعة، وعمل منارا عليه قبة من صفر مذهب، ولطخها بلطوخات، فإذا غربت الشمس في كل ليلة اشتعلت القبة نورا تضيء له مدينة أمسوس طول الليل، حتى يصير مثل النهار لا تطفئها الرياح ولا الأمطار فإذا طلع النهار خمد ضوءها وأهدى لبعض ملوك بابل مدهنا من زبرجد قطره خمسة أشبار.
ويقال: إنه وجد بعد الطوفان، وعمل في الجبل الشرقيّ صنما عظيما قائما على قاعدة وهو مصبوغ مصفر بالذهب ووجهه إلى الشمس يدور معها حتى تغرب، ثم يدور ليلا حتى يحاذي المشرق مع الفجر، فإذا أشرقت الشمس استقبلها بوجهه، وبنى بصحراء الغرب مدنا كثيرة، وأودعها كنوزا عظيمة، ونكح ثلثمائة امرأة ولم يولد له ولد، فإنّ اللّه تعالى، كان قد أعقم الأرحام لما يريد من إهلاك العالم بالطوفان، ووقع الموت في الناس والبهائم، ولما مات وضع في ناوس بالجبل الشرقيّ، ومعه أمواله وطلسم عليه.
وملك بعده أرمالينوس، فعمل أعمالا عجيبة وبنى مدنا ومصانع جدّد الطلسمات، وكان له ابن عم يسمى: فرعان، وكان جبارا، فأبعده وجعله على جيش ساربه عنه، فقهر ملوكا وقتل أمما عظيمة، وغنم أموالا كثيرة، وعاد فشغفت به امرأة من نساء الملك، وما زالت به حتى اجتمع بها تآلفا، وأقاما على ذلك مدّة، فخافا الملك أن يفطن بهما، فعملت المرأة لأرمالينوس سمّا في شرابه هلك منه.
وملك بعده ابن عمه فرعان بن مشور، فلم ينازعه أحد لشجاعته وسياسته، ولم تطل أعوامه حتى رأى قليمون الكاهن، كأنّ طيورا بيضاء قد نزلت من السماء، وهي تقول: من أراد النجاة فليلحق بصاحب السفينة، وكان عندهم علم بحدوث الطوفان من أيام سوريد وبنائه الأهرام، لأجل ذلك، واتخذ الناس سراديب تحت الأرض مصفحة بالزجاج قد حبست الرياح فيها بتدبير، وعمل منها فرعان لنفسه ولأهله عدّة، فما كذب أن جمع أهله وولده وتلميذه ولحق بنوح ﵇، وآمن به وأقام معه حتى ركب في السفينة وجاء الطوفان في أيام فرعان، فأغرق أرض مصر كلها، وخرب عمائرها، وأزال تلك المعالم كلها، وأقام الماء عليها ستة أشهر، ووصل إلى أنصاف الهرمين العظيمين، وسيأتي خبر ذلك إن شاء اللّه تعالى عند ذكر محن مصر من هذا الكتاب.
ويقال: إنّ فرعان كان عاتيا متجبرا يغصب الأموال والنساء، وأنه كتب إلى الدر مثيل ابن لحويل ببابل يشير عليه بقتل نوح ﵇، وأنه استخف بالكهنة والهياكل، ففسدت
стр. 249
في أيامه أرض مصر، ونقص الزرع وأجدبت النواحي لانهماكه في ضلاله وظلمه وإقباله على لهوه ولعبه، وإنّ الناس اقتدوا به ففشا ظلم بعضهم لبعض، وإنه لما أقبل الطوفان، وسحت الأمطار، قام سكران يريد الهرب إلى الهرم، فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط يخور، حتى هلك، وهلك من دخل الأسراب بالغم، واللّه تعالى أعلم.
ذكر مدينة منف وملوكها
هذه المدينة كانت في غربيّ النيل على مسافة اثني عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر، وهي أوّل مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطوفان، وصارت دار المملكة بعد مدينة أمسوس التي تقدّم ذكرها، إلى أن أخربها بخت نصر، وقد ذكرها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله:
﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ [القصص/ ١٥]. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في كتاب جامع البيان في تفسير القرآن، عن السديّ: أنّه قال: كان موسى ﵇ حين كبر يركب، كمراكب فرعون، ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنما يدعى:
ابن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب مركبا، وليس عنده موسى، فلما جاء موسى ﵇ قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في إثره فأدركه المقيل في أرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار، وقد تغلقت أسواقها وليس في طرقها أحد، وهي التي يقول اللّه جلّ ذكره: ﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ [القصص/ ١٥].
قال ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن لهيعة: أوّل من سكن بمصر بعد أن أغرق اللّه قوم نوح ﵇، بيصر بن حام بن نوح، فسكن منف، وهي أوّل مدينة عمرت بعد الطوفان هو وولده، وهم ثلاثون نفسا منهم أربعة أولاد قد بلغوا وتزوّجوا، وهم: مصر وفارق وماج وياج وبنو بيصر، وكان مصر أكبرهم، فبذلك سميت: مافه، ومافه بلسان القبط ثلاثون، وكانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطم، ونقروا هناك منازل كثيرة. وقال ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك: ومدينة منف هي (مدينة فرعون) التي كان ينزلها، واتخذ لها سبعين بابا من حديد، وجعل حيطان المدينة من الحديد والصفر، وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سريره، وهي أربعة، ويروى أنّ مدينة منف كانت قناطر وجسورا بتدبير، وتقدير حتى أنّ الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها، فيحبسونه كيف شاءوا، ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف/ ٥١]، وكان بها كثير من الأصنام لم تزل قائمة إلى أن سقطت فيما سقط من الأصنام في الساعة التي أشار فيها النبيّ ﷺ إلى الأصنام، يوم فتح مكة بقضيب في يده، وهو يطوف حولها، ويقول: ﴿جاءَ اَلْحَقُّ وَزَهَقَ اَلْباطِلُ إِنَّ اَلْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء/ ٨١] فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع، وفي تلك الساعة سقطت أصنام الأرض من الشرق
стр. 250
إلى الغرب، وبقي أصحابها متعجبين لا يعلمون لها سببا أوجب سقوطها، وبقيت أصنام مدينة منف ساقطة من ساعته، وفيها الصنمان الكبيران المجاوران للبيت الأخضر الذي كان به صنم العزيز، وكان من ذهب وعيناه ياقوتتان لا يقدر على مثلهما، ثم قطعت الأصنام والبيت الأخضر من بعد سنة ستمائة.
ويقال: كانت منف ثلاثين ميلا طولا في عشرين ميلا عرضا، وإنّ بعض بني يافث بن نوح عمل في أيام مصرايم آلة تحمل الماء حتى تلقيه على أعلى سور مدينة منف، وذلك أنه جعلها درجا مجوّفة، كلما وصل الماء إلى درجة امتلأت الأخرى، حتى يصعد الماء إلى أعلى السور، ثم ينحط فيدخل جميع بيوت المدينة، ثم يخرج من موضع إلى خارج المدينة.
وكان بمنف بيت من الصوّان الأخضر الماتع (١) الذي لا يعمل فيه الحديد قطعة واحدة، وفيه صور منقوشة وكتابة، وعلى وجه بابه صور حيات ناشرة صدورها، لو اجتمع ألوف من الناس على تحريكه ما قدروا لعظمه وثقله، والصابئة تقول: إنه بيت القمر، وكان هذا البيت من جملة سبعة بيوت كانت بمنف للكواكب السبعة، وهذا البيت الأخضر هدمه، الأمير سيف الدين شيخون العمريّ، بعد سنة خمسين وسبعمائة، ومنه شيء في خانقاهه، وجامعه الذي بخط الصليبة خارج القاهرة.
وقال أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن القيسي في كتابه تحفة الألباب: ورأيت في قصر فرعون موسى بيتا كبيرا من صخرة واحدة أخضر كالآس فيه صورة الأفلاك والنجوم لم نر عجبا أحسن منه.
وقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ (٢): وكانت دار الملك بمصر في قديم الدهر مدينة منف، وهي في غربيّ النيل على مسافة اثني عشر ميلا من الفسطاط، فلما بنى الإسكندر مدينة الإسكندرية رغب الناس في عمارتها، فكانت دار العلم، ومقرّ الحكمة، إلى أن فتحها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب ﵁، واختط عمرو بن العاص مدينته المعروفة، بالفسطاط، فانتشر أهل مصر، وغيرهم من العرب والعجم إلى سكناها، فصارت قاعدة ديار مصر، ومركزها إلى وقتنا هذا.
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب: وقد ذكر أخبار مدينة أمسوس، وخراب عمائر أرض مصر بطوفان نوح ﵇، ولما نزل الماء كان أوّل من ملك مصر بعد
стр. 251
الطوفان بيصر بن حام بن نوح، وكان معه ثلاثون من الجبابرة من أهله وولده، فاجتمعوا وبنوا مدينة منف، ونزلوا بها، وكان قليمون الكاهن الذي تقدّم ذكره في خبر مدينة أمسوس من جملتهم، وكان قد زوج ابنته ببيصر المذكور، وجاءت معه إلى مصر، وولدت منه ولدا سماه: مصرايم، فلما مات بيصر، دفن في موضع دير أبي هرميس، ويقال: دير أبي هرميس غربيّ الأهرام، ويقال: إنها أوّل مقبرة دفن فيها بأرض مصر، وكان موته بعد ألف وثمانمائة وست سنين مضت من وقت الطوفان، وقال غيره: ثم بنى مصرايم مدينة سماها باسمه، فجاءه رجل من بني يافث، فعمل له سورا قائما، وصنع له درجا وأجرى الماء إلى أن بقي يصعد إلى أعلى السور بحكمة أتقنها، ثم ينزل ذلك الماء من أعلى السور إلى المدينة فينتفع به فيها بغير مشقة ولا كلفة، ثم يخرج من ناحية أخرى، وكتب على السور هذه صنعة من يموت لا صنعة من يدوم.
وملك بعد بيصر، ابنه مصرايم. (ويقال له: مصر) بن بيصر، فأظهره قليمون الكاهن على كنوز مصر وعلمه قراءة خطهم، وأطلعه على حكمهم وبنى مصرايم، المدن وشق الأنهار وغرس الأشجار، وبنى مدينة عظيمة سماها درسان، وهي العريش، ونكح امرأة من أولاد الكهنة، فولدت له ابنا سماه: قفطيم، وبنى مدينة رقودة مكان الإسكندرية.
ولما مات مصرايم، جعل له سرب طوله مائة وخمسون ذراعا، وبسط بالمرمر الأبيض وعمل في وسطه مجلس مصفح بصفائح الذهب، وله أربعة أبواب، على كل باب: تمثال من ذهب على رأسه تاج من ذهب، وهو جالس على كرسيّ من ذهب قوائمه من زبرجد، ونقش في صدر كل تمثال آيات مانعة وحبسوا جسده في جسد من زبرجد أخضر شبه تابوت طوله أربعون ذراعا دفن فيه، ومعه جميع ما كان في خزائنه من ذهب، وفضة وجوهر منها ألف قطعة من زبرجد مخروط وألف تمثال من جوهر نفيس، وألف برنية من ذهب مملوءة درا نفيسا، وألف آنية من ذهب، وعدّة سبائك من فضة، وعمل عليه طلسم مانع من الوصول إليه وزبروا عليه: مات مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح بعد ألفين وستمائة عام، وقيل: بعد سبعمائة سنة مضت من الطوفان، ولم يعبد الأصنام فصار إلى جنة لا هرم فيها ولا سقم، ولا همّ ولا حزن، وكتب اسم اللّه الأعظم عليه حتى لا يصل إليه أحد إلا ملك، يأتي في آخر الزمان يدين بدين الملك الديان، ويؤمن بالبعث والفرقان، والنبيّ الداعي إلى الإيمان في آخر الزمان، وسقفوا فوق السرب بالصخور العظام، وهالوا عليه الرمال حتى سدّوا بين جبلين متقابلين.
ويقال: كان مصر بن بيصر، مع جدّ أبيه نوح ﵇ في السفينة، فدعا له أن يسكنه اللّه الأرض الطيبة المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل الأنهار، ويجعل له فيها أفضل البركات ويسخر له الأرض ولولده، ويذللها ويقوّيهم عليها، فسأله
стр. 252
عنها، فوصفها له، وأخبره بها، وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف فساقه ولده مصرايم، وجميع إخوته إلى مصر، فنزلوها وبذلك سميت: مصر.
وملك بعده: ابنه قبطيم (ويقال له: قفط) بن مصرايم، وهو أوّل من عمل العجائب بعد الطوفان، فاستخرج المعادن وشق الأنهار، ونصب الأعلام والمنارات وعمل الطلسمات.
ويقال: إنّ مصرايم لما مات، اختلف أولاده من بعده، وكان قفط أصغرهم، فاجتمعوا عند الأهرام ورضوا بأنّ من غلب منهم أخاه أخذ الملك، فتحارب أشموم وأتريب، فغلب أتريب، ثم تحارب صا، هو وأشموم، فغلب أشموم، ثم تحارب قفط وصا، فغلب قفط فأخذ قفط الملك بعد أبيه، وأطاعه أخوته وسكن مدينة منف دار مملكة أبيه، وتزوّج امرأة ولدت له، أربعة أولادهم: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا، فتناسلوا وكثروا وعمروا البلاد، ثم إنه قسم الأرض بين أولاده الأربعة عند وفاته، فجعل لولده قفطريم من أسوان إلى قفط، وجعل لولده أشمون من مدينة قفط إلى مدينة منف، وجعل لولده أتريب الجرف كله، وجعل لولده صا من ناحية البحيرة إلى الغرب، وجعل أمرهم إلى قفطريم وأمر كل واحد منهم أن يبني لنفسه مدينة في حيزه، وجعل لنفسه سربا تحت الجبل الكبير، وصفحه بالمرمر، وعمل فيه منافذ للريح فصارت تنخرق فيه بدويّ عظيم، وأقام في السرب رؤوسا من نحاس مطلية تضيء كالسرج ليلا ونهارا. ولما مات وضع جسده بهذا السرب في جرن من ذهب بعد ما ألبس ثيابا منسوجة بالدر والمرجان، وأقيم عند رأسه عمود من مرمر عليه جوهرة تضيء، وعمل حول الجرن توابيت من حجارة ملوّنة حولها مصاحف الحكمة، ووضعت عنده أمواله وكنوزه وذخائره وزبروا عليه كما زبروا على أبيه، وانتقل كل من أولاده إلى حيزه، فانتقل صا بأهله وأولاده وسكن مدينة صا الآتي ذكرها.
ويقال: كانت البلبلة في أيام قفط، وأنه ألهمه اللّه تعالى اللغة القبطية، وأنه أقام ملكا أربعمائة وثمانين سنة، ومات، فدفن بأرض الواحات وملك بعده أخو أشمن بن مصر، وقيل: بل أسكن في حياته ابنه قفطريم في حيزه، فشرع في العمارة وكان جبارا عظيم الخلقة، فأثار من المعادن ما لم يثره أحد قبله وبنى مدينة دندرة، وعمل في جبل قفط منارا عاليا يرى منه البحر الشرقيّ، ووجد هناك معادن من الزئبق، وعمل البركة التي سماها صيادة الطير، وهلك عاد بالريح في آخر أيامه، وفي أيامه أثارت الشياطين الأصنام التي أغرقها الطوفان، فعبدت، وأقام ملكا أربعمائة وثمانين سنة ومات.
وذكر ابن عبد الحكيم: بعد مصر بن بيصر قفط بن مصر، وأنّ الذي ملك بعد قفط أخوه اشمن، ثم أتريب بن مصر، ثم صا بن مصر، ثم ابنه تدارس بن صا، ثم ابنه ماليق بن تدارس، ثم ابنه حزابا بن ماليق، ثم ابنه كلكلي بن حزابا، ويقال: إنّ أشمن، لما ملك بعد
стр. 253
أخيه، سار إليه شدّاد بن هدّاد بن شدّاد بن عاد، وملك أرض مصر، وهدم مبانيها، وبنى أهراما ومضى إلى موضع الإسكندرية، فبناها وأقام دهرا، ثم خرجت العادية من أرض مصر، فعاد أشمن إلى ملكه، وأنه ملك بعده أخوه صا، ثم ملك بعد صا ابنه تدارس، وفي أيامه بعث اللّه صالحا إلى ثمود ومات.
فملك ابنه ماليق البودسير، وكان من الجبابرة العظام عمل أعمالا عظيمة، منها منار فوقه قبة لها أربعة أركان في كل ركن كوّة يخرج منها في يوم معلوم عندهم من كل سنة، دخان ملتف في ألوان شتى يستدلون بكل لون على شيء، فإن خرج الدخان أخضر، دل على العمارة والخصب في تلك السنة، وإن خرج أبيض، دل على الجدب وقلة الخير، وإن خرج أحمر، دل على الحروب وقصد الأعداء، وإن خرج أصفر، دل على النيران وآفات تحدث من الملك، وإن خرج أسود، دل على الأمطار والسيول، وفساد بعض الأرض، وإن خرج مختلطا، دل على كثرة الظلم وبغي الناس بعضهم على بعض.
وعمل شجرة من نحاس تجذب سائر الوحوش حتى تصل إليها، فلا تستطيع الحركة إلى أن تؤخذ، فشبع أهل مصر من لحوم الوحوش، واتفق أنّ غرابا نقر عين صبي من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل شجرة من نحاس عليها غراب منشور الجناحين وفي منقاره حية، وعلى ظهره أسطر، فكانت الغربان تقع على هذه الشجرة، ولا تبرح حتى تموت، وكانت الرمال قد كثرت في أيامه على أرض مصر من ناحية الغرب، فعمل صنما من صوّان أسود على قاعدة منه، وفوق كتبه قفة فيها مسحاة ونقش على وجهه وصدره وذراعيه كتابة، وجعل وجهه إلى الغرب، فانكشفت الرمال ورجعت بها الرياح إلى ورائها، وصارت تلالا عالية.
وبعث بهرمس الحكيم، إلى جبل القمر الذي يخرج منه النيل، فعمل تماثيل النحاس، وعدّل جانبي النيل، وكان قبله يفيض في مواضع وينقطع في مواضع وسار مغرّبا لينظر ما وراء ذلك، فوقع على أرض واسعة ينخرق فيها الماء والأشجار فبنى فيها منتزهات، وأقام بها وحوّل إليها عدّة من أهله فعمروا تلك النواحي حتى صارت أرض الغرب كلها معمورة، ثم خالطتهم البربر، وجرت بينهم حروب كثيرة أفنتهم، فخربت تلك البلاد، ولم يبق منها إلا الواحات، ثم إنّ البودسير احتجب عن الناس، وصار يبرز وجهه من مقعده في النادر، وربما خاطبهم من حيث لا يرونه.
وذكر أبو الحسن المسعوديّ في كتاب أخبار الزمان: إنّ أوّل من تحقق بالكهانة وغير الدين وعبد الكواكب البودسير، وتزعم القبط أنّ الكواكب كانت تخاطبه، وأنّ له عجائب كثيرة منها: أنه استتر عن الناس عدّة سنين من ملكه، وكان يظهر لهم وقتا بعد وقت مرّة في كل سنة، وهو حلول الشمس في برج الحمل، ويدخل الناس إليه، فيخاطبهم، وهم يرونه فيأمرهم وينهاهم ويحذرهم مخالفة أمره، ثم بنيت له قبة من فضة مطلية بذهب، فصار
стр. 254
يجلس في أعلاها، وله وجه عظيم فيخاطبهم.
(فلما مات ملك بعده ابنه أرقليمون): وكان كاهنا ساحرا، فعمل أعمالا عظيمة منها:
أنه كان يجلس في السحاب، فيرونه في صورة إنسان عظيم، وأقام مدّة على ذلك، ثم إنه غاب عن أهل مصر، وصاروا بغير ملك، ثم رأوا صورة بحذاء جرم الشمس عند حلولها أوّل برج الحمل، فأمرهم أن يقلدوا الملك عديم بن قفطيم وأعلمهم أنه ما بقي يعود إليهم.
فولوا عليهم عديم بن قفطيم: وكان جبارا عظيما وهو أوّل من صلب بمصر، وذلك أنّ امرأة ورجلا زنيا، فصلبهما، وجعل ظهر كل منهما لظهر الآخر، وبنى أربع مدائن أودعها كنوزا عظيمة، وجعل عليها طلسمات، وعدّة عجائب وعمل منارا على البحر الشرقيّ، وعليه صنم إلى الشرق حتى لا يغلب البحر على أرض مصر، وعمل قنطرة على النيل في أرض النوبة، وأقام ملكا مائة وأربعين سنة، ومات وعمره سبعمائة وثلاثون سنة.
(وملك بعده ابنه شدّات بن عديم): وهو الذي تسميه العامة: شدّاد بن عاد، وكان عالما كاهنا ساحرا ويقال: إنه هو الذي بنى الأهرام الدهشورية، وعمل أعمالا عظيمة وطلسمات عجيبة وبنى في الجانب الشرقيّ مدائن، وفي أيامه بنيت قوص وغزا الحبشة، وسباهم وأقام ملكا تسعين سنة، وهو أوّل من اتخذ الجوارح وصاد بها وولّد الكلاب السلوقية، وعمل في بركة سيوط تماسيح منصوبة تنصب إليها التماسيح من النيل انصبابا، فيقتلها ويعلق جلودها في السفن، واتفق أنه طرد صيدا فكبابه فرسه في وهدة، فهلك.
وكان قد غضب على بعض خدمه فرماه من جبل عال، فتقطع، فرأى أنه يصيبه مثل ذلك، ولما هلك وضع في ناوس ودفنت معه أمواله وعمل عليه طلسم يمنعه ممن يقصده، وكتب عليه: لا ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب، ولا يفعل ما لا يجوز له فعله، فيجازي بعمله.
هذا ناوس بن شدّات بن عديم، فعل ما لا يحلّ له فعله، فكوفئ عليه بمثله.
وملك بعده ابنه منقاوش: وكان حكيما فاضلا كاهنا، عمل أعمالا عجيبة، وبنى أشياء معجبة منها: أنه عمل هيكلا لصور الكواكب على ثمانية فراسخ من منف، وكنز من الأموال ما لا يحصى، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح به على غيره، وسار في الجنوب يوما ثم سار مغرّبا يوما وبعض آخر، فانتهى في اليوم الثالث إلى جبل أسود، فعمل تحته أسرابا ومغاير، ودفن فيها أمواله وزبر عليها حتى أنه من كثرتها يقال: إنه دفن حمل اثني عشر ألف عجلة ذهبا وجواهر، وأقام أربع سنين يرسل في كل سنة عجلا كثيرة يدفنها، وبقيت آثار العجل ترى فيما بين منف والمغرب زمانا طويلا، وبنى هيكلا للقمر، ويقال: إنه هو الذي بنى مدينة منف لبناته، وكنّ ثلاثين بنتا، وأنه ألزم الناس بعمل الكيمياء، فكانوا لا
стр. 255
يفترون عن عملها ليلا ولا نهارا، حتى اجتمع عنده مال عظيم وجوهر كثير، وهو الذي بنى مدينة عين شمس، وقسم خراج مصر أرباعا، جعل الربع للملك، والربع للجند، والربع ينفق في مصالح الأرض، والربع الرابع يدفن لحادثة تحدث، وهو الذي قسم أرض مصر على مائة وثلاثين كورة، وأقام ملكا إحدى وتسعين سنة ومات.
فملك بعده ابنه عديم بن منقاوش: وكان جبارا لا يطاق، وفي أيامه كان نزول الملكين اللذين يعلمان الناس السحر، والقبط تزعم أنهما نزلا بأرض مصر، ثم نقلا إلى بابل.
ثم ملك بعده أخوه مناوش بن منقاوش، وكان عالما كاهنا فاضلا، بنى مواضع كثيرة في الجبال والصحارى، وكنز فيها كنوزا عظيمة، وأقام عليها أعلاما، وبنى في صحراء الغرب مدينة، وأقام لها منارا وكنز حولها كنوزا عظيمة، وجعل فيها شجرة تطلع كل لون من الفاكهة، وهو أوّل من عبد البقر بمصر، وكان يطلب الحكمة، ويستخرج كتبها، وكذا كان كل من ملك منهم يجتهد في أن يعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله، وتثبت في كتبهم وتزبر على الحجارة.
ولما مات ملك بعده ابنه هرميس: وكان قليل الحكمة، فلم يعمل شيئا مما عمله آباؤه، ومات وقد أقام إحدى عشرة سنة.
فملك بعده أشمون بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح: وكان حيزه من أشمون إلى منف في الغرب، وحيزه في الشرق إلى حدّ البحر الملح مما يحاذي برقة، وهو آخر حدّ مصر، ومن بلاد الصعيد إلى حدود أخميم، وكانت منزله بمدينة الأشمونين وكان طولها اثني عشر ميلا في مثلها، وبنى في شرقيّ النيل مدينة أنصنا، وبنى بها قصرا عظيما، واتخذ بها أبنية وملاعب وعجائب كثيرة، وبنى مدينة طهراطيس، وهو أوّل من لعب بالكرة والصولجان.
ويقال: إنه بنى مدنا كثيرة عمل فيها عجائب منها: مدينة في سفح الجبل لها أربعة أبواب من كل ناحية باب، فعلى الباب الشرقيّ: صورة عقاب، وعلى الباب الغربيّ: صورة ثور، وعلى الباب الشماليّ: صورة أسد، وعلى الباب الجنوبيّ: صورة كلب؛ وفي هذه الصور روحانيات تنطق فإذا قدم غريب لا يقدر على الدخول إليها إلا بإذن الموكلين بها، ودفن تحت كل شكل من هذه الأشكال الأربعة صنفا من الكنوز، وغرس في هذه المدينة شجرة مولدة تثمر كل لون من الفاكهة، ونصب منارا طوله ثمانون ذراعا فوقه قبة تتلوّن كل يوم لونا حتى تمضي سبعة أيام ثم تعود إلى اللون الأوّل، فكانت تلك المدينة تكسى من تلك الألوان شعاعا مثل لونها، وأجرى حول المنار ماء شقه من النيل، وجعل فيه سمكا من كل لون وأقام حول المدينة طلسمات في هيئة أناس رؤوسها كالقردة، وأسكن هذه المدينة السحرة، فعرفت بمدينة السحرة، وكانوا يعملون فيها أصناف السحر.
стр. 256
وبنى بالقرب منها مدينة عرفت بذات العجائب، وبنى مجالس مصفحة بزجاج ملوّن في وسط النيل، وبنى سربا تحت الأرض من الأشمونين إلى أنصنا.
وقيل: إنه هو الذي بنى مدينة عين شمس، وأنه ملك ثمانمائة سنة، وأنّ قوم عاد انتزعوا منه الملك بعد ستمائة سنة، وأقاموا بمصر تسعين سنة، فأصابهم وباء خرجوا منه إلى المدينة بطريق الحجاز إلى وادي القرى، فعاد أشمون بعد خروج العادية إلى ملك مصر، وهو أوّل من عمل النوروز بمصر.
وفي زمانه: بنيت مدينة البهنسا، ولما مات جعل له ناوس في آخر حدّ الأشمونين، ودفن فيه ومعه كنوزه العظيمة وعجائبه الكثيرة منها: ألف برنية من العقاقير المدبرة لفنون الأعمال وززبروا على ناوسه اسمه ونسبه، وجعل عليه طلسم يمنعه ممن يقصده.
وملك بعده ابنه صا: ثم بعد صا ابنه تدراس.
وقيل: ملك مناقيوش، وكان شجاعا فاضلا فاستأنف العمارة وبنى القرى ونصب الأعلام وعمل العجائب الهائلة، وبنى مدائن منها مدينة أخميم وحوّل الكهنة إليها، وأقام ملكا نيفا وأربعين سنة، ومات فدفن في الهرم الشرقيّ ومعه كنوزه.
وملك بعده ابنه، وقد اختلف في اسمه وكان فاضلا حازما معظما عند أهل مصر، وهو أوّل من عمل المارستان، وأول من عمل الميدان للرياضة، وفي أيامه بنيت مدينة سنترية في صحراء الواحات، ثم إنّ نساء تغايرن عليه فقتلته إحداهنّ بسكين، فدفن في ناوس ومعه أمواله، وعمل عليه طلسم يحفظه.
وملك بعده ابنه مرقورة: وكان حكيما كاهنا، وهو أوّل من ذلل السباع وركبها، وبنى المدن، وعمر الهياكل، وأقام الأصنام، ولما مات جعل له ناوس في صحراء الغرب ودفن معه ماله.
وملك بعده ابنه بلاطس: وكان صبيا، فدبرت أمّه أمر الملك، وكانت حازمة، فأجرت الأمور على أحسن ما يكون، وأظهرت العدل، ووضعت عن الناس الخراج فأحبّوها، ولما كبر ابنها أحب الصيد، فعملت له أمّه أعمالا عجيبة، وأقام ملكا ثلاث عشرة سنة وجدّر فمات، وانتقل الملك إلى أعمامه.
فملك بعده أتريب بن قبطيم بن مصرايم، وهو الثالث عشر من ملوك مصر بعد الطوفان، وهو الذي بنى مدينة أتريب، وعاش خمسمائة سنة منها مدّة ملكه ثلثمائة وستون سنة، ويقال: إن النيل وقف في أيام أتريب مائة وأربعين سنة، حتى أكلت البهائم بأرض مصر، ولم يبق بها بهيمة، ورؤي أتريب ماشيا وهو يبسط يديه ويقبضهما من الجوع، ومات
стр. 257
عامّة أهل مصر جوعا، ثم أغيثوا بعد ذلك، وكثر الرخاء ودام مدّة مائتي سنة وبيع كل أردب بدانق وأقل، ولما مات اتهم أخوه صا بقتله وحاربه أهل مصر تسع سنين وقتلوه.
فملكت بعده ابنته تدرورة: وكانت كاهنة ساحرة فساست الملك أحسن سياسة، ودبرت الملك أجود تدبير، وعملت طلسمات عجيبة، منها طلسم منع الوحش والطير أن يشرب من النيل، حتى مات أكثرها عطشا، ووقعت في زمانها صيحة ارتجت لها الأرض فهلكت.
وملك بعدها أخوها قليمون بن أتريب: وكان حكيما فاضلا فبنى البنيان وعمل الطلسمات، وفي أيامه بنيت مدينة تنيس الأولى، وبنيت مدينة دمياط، وأقام ملكا تسعين سنة، ومات فدفن في ناوس.
وملك بعده ابنه فرسون: وكان فاضلا كاهنا، بنى المدائن وجدّد الهياكل، وكان حدثا فقصده بعض ملوك حمير في جموع عظيمة، فخرج إليهم ولقيه مدينة إيليا، وقاتله قتالا شديدا حتى تفانى من الفريقين معظمهما، وأظهر المصريون أشياء من سحرهم، فانهزم الحميري في طائفة يسيرة، وقتل فرسون عامّة أصحابه وأخذ ما كان معهم، وعاد مظفرا إلى مدينة منف، وعمل منارا على بحر القلزم في رأسه مرآة تجذب المراكب إلى الساحل حتى يؤخذ منها ما هو مقرّر عليها من المال، وأقام ملكا مائتي سنة وستين سنة، ومات فدفن في ناوس خلف الجبل الأسود الشرقيّ، وعمل فيه قبة تحتوي على اثني عشر بيتا في كل بيت أعجوبة ودفن معه ماله وعمل عليه طلسم يحفظه.
وملك بعده نحوه أربعة وصار الملك إلى صا بن قبطيم: وكان اصغر ولد أبيه وأحبهم إليه.
ولما مات ملك بعده نونية الكاهنة: وكانت ساحرة فكانت تجلس على سرير من نار فإذا تحاكم إليها أحد، وكان صادقا شق تلك النار من غير أن تضرّه، وإن كان كاذبا أخذته تلك النار، وكانت تتصوّر كل يوم في صور كثيرة الأشكال، ثم بنت قصرا واحتجبت فيه، وجعلت في سوره أنابيب من نحاس مجوّفة، وكتبت على كل أنبوب فنا من الفنون التي يتحاكم الناس بها إليها، فكان من أتاها في محاكمة وقف عند الأنبوب الذي فيه محاكمته، وتكلم بما يريده، وسأل عنه بصوت خفيّ، فإذا فرغ جعل أذنه في الأنبوب فيأتيه منه جواب ما سأل، ولم يزل هذا القصر والأنابيب حتى أتلفه بخت نصر.
وملك بعدها مرقونس: وكان فاضلا حكيما، وكانت أمه بنت ملك النوبة، فعملت عجائب وصنع في أيامه كل غريبة، وملك ثلاثا وسبعين سنة، ومات وعمره مائتان وأربعون سنة.
стр. 258
فملك بعده ابنه ايساد وهو ابن خمس وأربعين سنة: وكان جبارا طماح العين، فانتزى امرأة أبيه، وانكشف أمره معها، وكان أكبر همه اللهو واللعب، فجمع كل ملة في مملكته، ورفض العلوم، وأهمل أمر الهياكل والكهنة، وترك النظر في أحوال الناس، وبنى قصورا على النيل ليتنزه فيها، وأتلف أكثر الأموال في اللعب، فكرهه الناس، وكرههم إلى أن سمّوه، فمات عن مائة وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه صا: ويقال: إنّ صا هو ابن مرقونس، وهو أخود أيساد، ولما ملك سكن منف، ووعد الناس بخير وملك الأحياز كلها، وعمل بها عجائب وطلسمات، وردّ الكهنة إلى مراتبهم ونفى الملهين وأهل الشرّ، ونصب العقاب الذي عمله أبوه وشرّف هيكله ودعا إليه وبنى بداخل الواحات مدينة ونصب قرب البحر أعلاما كثيرة، وجعل على الأطراف أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجري في حدودهم، وعمل على حافتي النيل مناير يوقد عليها إذا حزبهم أمر أو قصدهم أحد، وجعل بحافة بحر الملح منارا يعلم به أمر البحر، ويقال:
إنه بنى أكثر مدينة منف، وكل بنيان عظيم بالإسكندرية، وكان لما ملك البلد بأسره جمع الحكماء، ونظر في النجوم وكان بها حاذقا، فرأى أن مصر، لا بدّ أن تغرق من نيلها، وإنها تخرب على يد رجل يأتي من ناحية الشام، فجمع كل فاعل بمصر، وبنى مدينة في الواح الأقصى، وقصده ملك الإفرنجة، وملك منه مدينة منف، وقدم معه ألف مركب، وهدم أكثر الإسكندرية ودخل إلى النيل من رشيد حتى أخذ منف وفرّ منه صا إلى المدائن الداخلة، وتحصن بها من عدوّه، فامتنعت بالطلسمات أياما كثيرة، ثم كانت العاقبة له وعاد عدوّه منهزما، ورجع إلى منف فتتبع الكهنة وقتل منهم كثيرا، وأقام ملكا سبعا وستين سنة، وعاش مائة وسبعين سنة.
وملك ابنه تدراس: واستولى على الأحياز كلها وصفا له الوقت وملك مصر، وكان محتكما مجرّبا ذا أيد وقوّة ومعرفة بالأمور، فأظهر العدل وأقام الهياكل وأهلها قياما حسنا وبنى بيتا للزهرة، وحفر خليج سخا وحارب بعض عمالقة الشام، ودخل إلى فلسطين وقتل بها خلقا وسبى بعض أهلها إلى مصر، وغزا السودان من الزنج والحبشة ووجه في النيل بثلاثمائة سفينة فلقي السودان، وكانوا زهاء ألف ألف فهزمهم، وقتل أكثرهم وأسر منهم خلقا كثيرا، وساق الفيلة والنمور إلى مصر، وعمل على حدود بلده منارات زبر عليها اسمه ومسيره وظفره، وفي أيامه بعث اللّه نبيه صالحا إلى ثمود، ويقال: إنه هو الذي أنزل النوبة حيث هي، وذلك أنه لما أوغل في أرض الحبشة، وقتل أمم السودان وجد فيهم أمة تقرأ صحف آدم وشيث وإدريس فمنّ عليها، وأنزلها على نحو من شهر من أرض مصر، فسموا النوبة، ومات بمنف.
فملك بعده ابنه ماليق: وكان عاقلا كريما، حسن الصورة مجرّبا مخالفا لأبيه وأهل
стр. 259
مصر في عبادة الكواكب والبقر، ويقال: إنه كان موحدا على دين أجداده، قبطيم ومصرايم، وكانت القبط تذمه لذلك، وأمر الناس باتخاذ كل قارة من الخيل، واقتنى السلاح وأكثر الأسفار، وأنشأ في بحر المغرب مائتي سفينة وخرج في جيش عظيم في البرّ والبحر، وأتى البربر، فهزمهم واستأصل أكثرهم، وبلغ إفريقية، وسار إلى الأندلس يريد الإفرنجة، فلم يمرّ بأمّة إلا أبادها، فحشد له ملك الإفرنجة وحاربه شهرا، ثم طلب صلحه، وأهدى إليه فسار عنه، ودوّخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر والقبط تذكر أنه رأى سبعين أعجوبة، وعمل أعمالا على البحر، وزبر عليها اسمه ومسيره وخرّب مدن البربر، ورجع فتلقاه أهل مصر بأصناف الرياحين وأنواع اللهو، وفرشت له الطرقات، فهابه الملوك، وحملوا إليه الهدايا وما زال موحدا حتى مات.
فملك بعده ابنه حزابا: وكان لينا سهل الخلق قد عرّفه أبوه التوحيد، ونهاه عن عبادة الأصنام فرجع عن ذلك بعده إلى دين قومه، وغزا الهند والسودان بعد ما عمل مائة سفينة على شكل سفن الهند، وتجهز وحمل معه امرأته ووجوه أصحابه واستخلف ابنه كلكلي على مصر، وكان صبيا وجعل معه وزيرا كاهنا، فمرّ على ساحل اليمن وعاث في مدائنه، وبلغ سرنديب وأوقع بأهلها، وبلغ جزيرة بين الهند والصين، فأذعن له أهلها وتنقل في تلك الجزائر سنين، فيقال: إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة، ورجع غانما، فهابه الملوك، وبنى عدّة هياكل، وأقام بها الأصنام للكواكب، ثم غزا نواحي الشام فأطاعه أهله ورجع فغزا النوبة والسودان، وضرب عليهم خراجا يحملونه إليه، ورفع أقدار الكهنة ومصاحفهم، وكان يرى أن هذا الظفر بمعونة الكواكب له، ومات وقد ملك خمسا وسبعين سنة. فقام ابنه كلكلي وعقد له بالإسكندرية، فأقام بها شهرا، ثم قدم إلى منف، وكان أصناميا، فسرّ به أهل مصر، وكان يحب الحكمة، وإظهارالعجائب ويقرّب أهلها ويجيزهم وعمل الكيمياء وخزن أموالا عظيمة بصحارى الغرب، وهو أوّل من أظهر علم الكيمياء بمصر، وكان علمها مكتوما، وكان من تقدّمه من الملوك أمر بترك صنعتها، فعملها كلكلي، وملأ دور الحكمة منها حتى لم يكن الذهب في زمن بمصر أكثر منه في وقته، ولا الخراج لأنه كان مائة ألف ألف، وبضعة عشر ألف ألف مثقال، فاستغنوا عن إثارة المعادن، وعمل أيضا من الحجارة الملوّنة التي تشف شيئا كثيرا، وعمل من الفيروزج وغيره أشياء.
واخترع أمورا تخرج عن حدّ العقل حتى سمي حكيم الملوك، وغلب جميع الكهنة في علومهم، وكان يخبرهم بما يغيب عنهم، وكان نمرود إبراهيم ﵇ في وقته، فاتصل بنمرود خبر حكمته وسحره، فاستزاره، وكان النمرود جبارا مشوّه الخلق يسكن السواد من العراق، وأتاه اللّه قوّة وقدرة وبطشا، فغلب على كثير من الأمم، فتقول القبط: إنّ النمرود لما استزار كلكلي وجه إليه أن يلقاه بموضع كذا، فسار إلى الموضع على أربعة أفراس تحمله ذوات أجنحة، وقد أحاط به نور كالنار، وحوله صور هائلة، وقد خيل بها وهو
стр. 260
متوشح بثعبان متحزم ببعضه، وقد فغر فاه وهو يضربه بقضيب آس، فلما رآه النمرود هاله، وأقرّ له بجليل الحكمة، وسأله: أن يكون ظهيرا له، ويقال: إنه كان يرتفع ويجلس على الهرم الغربيّ في قبة تلوح على رأسه، فإذا دهم أهل البلد أمر اجتمعوا حول الهرم فيقيم أياما لا يأكل ولا يشرب، ثم استتر مدّة حتى توهموا أنه هلك فطمع فيه الملوك، وقصده ملك من الغرب في جيش عظيم، حتى قدم وادي هبيب، فأقبل حتى جللهم من سحره بشيء كالغمام شديد الحرّ، فأقاموا تحته أياما متحيرين، ثم طار إلى مصر، وأمرهم بالخروج إلى الجيش، فوجدوهم قد ماتوا هم ودوابهم، فهابه الكهنة مهابة لم يهابوها أحدا قبله، وعمر طويلا وغاب فلم يعلم خبره.
وقال ابن عبد الحكم: إنّ كلكلي ابن حزابا ملكهم نحو مائة سنة ثم مات ولا ولد له.
فملك أخوه ماليا بن حزابا. قال ابن وصيف شاه: وقام أخوه ماليا: وكان شرها كثير الأكل والشرب منفردا بالرفاهية غير ناظر في شيء من الحكمة، وجعل أمر البلد إلى وزيره، واشتغل بالنساء، وكان له من النساء ثمانون امرأة فهجم عليه ابنه طوطيس، وهو سكران فقتله، وقتل امرأة كانت عنده.
وملك بعده ابنه طوطيس: ويقال: إنه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويقال: الوليد بن الريان، وأنه أحد فراعنة مصر، من ولد دان بن فهلوج بن أمراز بن أشود بن سام بن نوح.
وقيل: فراعنة مصر من ولد عملاق الأوّل بن لاود بن سام بن نوح، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهابا، والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم ﵇، ويقال: إن الفراعنة سبعة، هو أوّلهم، وحفر نهرا في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرفأ السفن في البحر الملح، وكان يحمل إلى هاجر أمّ إسماعيل التي أعطاها إبراهيم ﵇ الحنطة وأصناف الغلات فتصل إلى جدّة فأحيى بلد الحجاز مدّة، ويقال: إن كل ما حليت به الكعبة في ذلك العصر مما أهداه ملك مصر، ولكثرة ما حمل إلى الحجاز سمته العرب من جرهم الصادوق.
وفي كتاب هروشيش: أن سلطان المصريين في زمن إبراهيم الخليل ﵇، كان بأيدي قوم يدعون ببني فاليق بن دارش، ودام ملكهم بمصر مائة وعشرين سنة، وقال ابن إسحاق عن بعضهم: إن فراعنة مصر من ولد دان بن فهلوج بن امراز بن أشود بن سام بن نوح، قال: والمشهور أنهم من العماليق، منهم الريان بن الوليد، ويقال: الوليد بن الريان فرعون يوسف، والوليد بن مصعب فرعون موسى، ومنهم سنان بن علوان.
قال ابن وصيف شاه: وإنما قيل له: فرعون، لأنه أكثر القتل ولم يرزق غير ابنة،
стр. 261
وكانت عاقلة فخافت لكثرة قتله الناس، فقتلته بسمّ، وله في الملك مائة وسبعون سنة.
وملكت بعده جورياق: فوعدت الناس بالإحسان، وجمعت الأموال وقدّمت الكهنة وأهل الحكمة ورؤساء السحرة، ورفعت أقدارهم وجدّدت الهياكل، وصار من لم يرضها إلى مدينة أتريب، وملّكوا رجلا من ولد أتريب، وقد تقدّم خبره في الإسكندرية، وجورياق أوّل امرأة ملكت مصر من ولد نوح ﵇، وماتت.
فملكت بعدها ابنة عمها زلفى بنت مأمون: وكانت عذراء عاقلة، فوعدت الناس بالجميل، وقام عليها أيمن الإتريبيّ، واستنصر بملك العمالقة، فسير معه قائدا، فأخرجت إليه جيشا فالتقوا بالعريش، واقتتلوا حتى فني منهم كثير من الناس، ثم انهزم أصحاب زلفى إلى منف، وهم في أقفيتهم، فخرجت زلفى إلى الصعيد، ونزلت الأشمونين، فكان بينها وبين عساكر العمالقة حروب انهزموا فيها، وخرجوا عن منف بعد ما عاثوا فيها وعدّوا إلى الجرف، فامتنعوا به، وصارت مصر بينهم نصفين، ثم إنّ زلفى عاودت الحرب، فاستمرّت ثلاثة أشهر حتى انهزمت إلى قوص وأيمن خلفها، فلما أيقنت أنها تؤخذ، سمّت نفسها، فهلكت.
وقال ابن عبد الحكم: ثم توفي طوطيس بن ماليا، فاستخلفت ابنته جورياق ابنة طوطيس، ولم يكن له ولد غيرها، ثم توفيت جورياق فاستخلفت ابنة عمها زلفى ابنة مأمون بن ماليا، فعمرت دهرا طويلا، وكثروا ونموا وملأوا أرض مصر كلها، فطمعت فيهم العمالقة، فغزاهم الوليد بن دومع، فقاتلهم قتالا عظيما، ثم رضوا أن يملكوه عليهم فملكهم نحوا من مائة سنة، فطغى وتكبر، وأظهر الفاحشة، فسلط اللّه عليه سبعا فافترسه وأكل لحمه.
والذي ملك مصر من الفراعنة خمسة: وملك أيمن وتجبر، وقتل خلقا ممن حاربه، وكان الوليد بن دومع العمليقي قد خرج في جيش كثيف، فبعث غلاما يقال له: فرعون، إلى مصر، ففتحها. ثم قدم بعده واستباح أهل مصر، وأخذ أموالهم ثم خرج ليقف على مصب النيل فرأى جبل القمر، وأقام في غيبته أربعين سنة، ورجع إلى مصر، وقد خالفه فرعون، وفرّ منه فاستعبد أهل مصر وملكهم مائة وعشرين سنة حتى هلك.
وملك ابنه الريان بن الوليد بن دومع: أحد العمالقة، وكان أقوى أهل الأرض في زمانه وأعظمهم ملكا.
والعمالقة: ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، وهو فرعون يوسف ﵇، والقبط تسميه: نهراوش، وقيل: فرعون يوسف، اسمه: الريان بن الوليد بن ليث بن قاران بن عمرو بن عمليق بن بلقع بن عابر بن اشليخا بن لود بن سام بن نوح، وقيل: فرعون
стр. 262
يوسف، هو: جدّ فرعون موسى أبو أبيه، واسمه: برخو، وكان عظيم الخليق جميل الوجه عاقلا، فوعد الناس الجميل، وأسقط عنهم الخراج لثلاث سنين وفرّق المال فيهم.
وملك رجلا من أهل بيته يقال له: أطفين، وهو الذي يقال له: العزيز، وكان عاقلا أديبا مستعملا للعدل والعمارة، فأمر أن ينصب له سرير من فضة في قصر الملك يجلس عليه، ويخرج وجميع الكتاب والوزراء بين يديه، فكفى نهراوش ما خلف ستره، وقام بجميع أموره وخلاه للذاته، فأقام على قصفه مدّة والبلد عامر، فقصده رجل من العمالقة، وسار إلى مصر في جيوشه، فخرج إليه وقاتله وهزمه، وسار خلفه، ودخل الشام وعاث هنالك، فهابته الملوك ولاطفته.
وقيل: إنه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشام خراجا وخرج لغزو بلاد المغرب في تسعمائة ألف، ومرّ بأرض البربر، وجلا كثيرا منهم، ومرّ إلى البحر الأخضر، وسار إلى الجنوب، فقدم النوبة وعاد إلى مدينة منف، وكان من خبر يوسف معه ما ذكر عند ذكر الفيوم.
وملك بعده ابنه دريموش (١): ويقال: له دارم بن الريان، وهو الفرعون الرابع، فخالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، فيقبل منه تارة، ويخالفه تارة، وظهر في أيامه معدن فضة فأثار منه شيئا عظيما.
وفي أيامه مات يوسف ﵇، فاستوزر بعده رجلا حمله على أذى الناس، وأخذ أموالهم، فبلغ ذلك منهم مبلغا عظيما، ثم زاد في التجرّي حتى اقتلع كل امرأة جميلة بمدينة منف من أهلها، فكان لا يسمع بامرأة حسناء في موضع إلا وجّه إليها، فحملت إليه فاضطرب الناس وشنعوا عليه وعطلوا الصنائع والأعمال والأسواق، فعدا عليهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وزاد الأمر حتى اجتمعوا على خلعه، فبرز لهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين، وأنفق فيهم مالا فسكتوا، وفي أيامه ثار القبط على بني إسرائيل وطلبوا من الوزير، أن يخرجهم من مصر، فما زال بهم حتى أمسكوا، وبلغ الملك ذلك، وكان قد خرج إلى الصعيد فتوعد أهل مصر، فشغبوا عليه وحشدوا له، فحاربوه فقتل منهم خلقا كثيرا، وظفر بمن بقي، فقتلهم وصلبهم على حافتي النيل، وعاد إلى أعظم ما كان عليه من أخذ الأموال والنساء، واستخدام أشراف القبط وبني إسرائيل، فأجمع الكل على ذمّه، فركب النيل للنزهة، وثار به ريح عاصف، فغرق، فلم يوجد إلا بناحية شطنوف، وقيل: فيما بين طرا وحلوان.
فقدّم الوزير ابنه معاديوس: وكان صبيا، ويقال له: معدان، فأسقط عن الناس
стр. 263
ما أسقطه أبوه من الخراج، ووعد بالإحسان فاستقام له الأمر، وردّ نساء الناس، وهو خامس الفراعنة، وحدث في زمانه طوفان مصر، وكثر بنوا إسرائيل وعابوا الأصنام، فأفردوا ناحية عن البلد بحيث لا يختلط بهم غيرهم، وأقطعوا موضعا في قبليّ منف، فاجتمعوا فيه، وبنوا فيه معبدا، وغلب بعض الكنعانيين على الشام، ومنع من الضريبة التي كانت على أهل الشام لملك مصر، فاجتمع الناس إلى معدان، وحثوه على المسير لحربه، فامتنع من المسير ولزم الهيكل، فزعموا أنه قام في هيكل زحل للعبادة، فتجلى له زحل، وخاطبه. وقال له: قد جعلتك ربا على أهل بلدك، وحبوتك بالقدرة عليهم، وعلى غيرهم، وسأرفعك إليّ، فلا تخل من ذكري فعظم عند نفسه وتجبر، وأمر الناس، أن يسموه ربا، وترفع عن أن ينظر في شيء من أمر الملك، وجعل عليه ابنه اكسامس.
فقام ابنه اكسامس في الملك، ويقال: كلسم بن معدان، فرتب الناس مراتب، وقسم الكور والأعمال، وأمر باستنباط العمارات، وإظهار الصناعات، ووسع على الناس في أرزاقهم، وأمر بتنظيف الهياكل، وتجديد لباسها وأوانيها وزاد في القرابين، وهو الذي يقال له: كاشم بن معدان بن دارم بن الريان بن الوليد بن دومع العمليقي، وهو سادس الفراعنة، وسموا فراعنة، بفرعان، الأوّل فصار اسما لكل من تجبر وعلا أمره، فطال ملكه، وأقام أعلاما كثيرة حول منف، وعمل مدنا كثيرة، ومناير للوقودات وطلسمات، وأقام سبع سنين بأجمل أمر، فلما مات وزير أبيه استخلف رجلا من أهل بيت المملكة يقال له ظلما بن قومس، وكان شجاعا ساحرا كاهنا كاتبا حكيما متصرّفا في كل فنّ، وكانت نفسه تنازعه الملك، فأصلح أمر الملك وبنى مدنا من الجانبين، ورأى في نجومه أنه سيكون حدث، فبنى بناحية رقودة والصعيد ملاعب ومصانع وشكا إليه القبط من الإسرائيليين، فقال: هم عبيدكم، فأذلوهم من حينئذ، وخرج إلى ناحية البربر، فعاث وقتل وسبى، وفي أيامه:
بنيت منارة الإسكندرية، وهاج البحر الملح فغرّق كثيرا من القرى والجنان والمصانع، ومات اكسامس، وكان ملكه إحدى وثلاثين سنة، منها إحدى عشرة سنة يدبر أمره ظلما، فلما مات اضطرب الناس، واتهموا ظلما أنه سمه فقام.
وولي لاطيس بن اكسامس: وكان جريئا معجبا صلفا، فأمر ونهى، وألزم الناس أعمالهم، وقال: أنا مستقيم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وحط جماعة عن مراتبهم، وصرف ظلما عن خلافته، واستخلف غيره، وأنفذ ظلما إلى الصعيد في جماعة من الإسرائيليين، وجدّد بناء الهياكل وبنى القرى وأثار معادن كثيرة وكنز في صحراء الشرق عدّة كنوز، وكان يحب الحكمة، ثم تجبر وعلا أمره، وأمر أن لا يجلس أحد في مجلسه، ولا في قصر الملك، لا كاهن ولا غيره، بل يقومون على أرجلهم حتى يمضوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، وممنع فضول ما بأيديهم وقصرهم على القوت، وجمع أموالهم وطلب النساء، وانتزع كثيرا منهنّ وفعل أكثر مما فعله من تقدّم قبله، واستعبد بني
стр. 264
إسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة، فأبغضه الخاص والعام، وثار ظلما بالصعيد، وكاتب وجوه الناس فكتب لاطيس بصرفه عن العمل، فامتنع وحارب عساكره، وزحف حتى دخل منف.
ظلما بن قومس: فرعون موسى، يقال: إن اسمه الوليد بن مصعب بن اراهون بن الهلوت بن قاران بن عمرو بن عمليق بن بلقع بن عابر بن اشليخا بن لود بن سام بن نوح، وإنه من العمالقة، وكان قصيرا طويل اللحية أشهل العين اليمنى صغير العين اليسرى، أعرج، وزعم قوم: أنه من القبط وأن نسبه ونسب أهل بيته مشهور عندهم، وقيل غير ذلك، وكان من خبره ما ذكرنا في كنيسة دموة.
وقال ابن عبد الحكم: ولما أغرق اللّه فرعون بقيت مصر بعد غرقه، ليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق إلا العبيد والأجراء والنساء، فأعظم أشراف من بمصر من النساء أن يولين منهم أحدا، وأجمع رأيهنّ أن يولين امرأة يقال لها: دلوكة.
فملكت دلوكة ابنة زبا: ويقال: دلوكة بنت قاران، وكان لها عقل وتجارب ومعرفة، وكانت في شرف منهنّ، وهي يومئذ بنت مائة وستين سنة، فبنت جدارا حصنت به مصر من الأعداء، وكان من حدّ زنج إلى إفريقية إلى الواحات إلى بلد النوبة على كل موضع منه حرس قيام ليلهم، ونهارهم يقدون النار وقودا لا يطفأ أبدا أحاطت به على جميع أرض مصر كلها في ستة أشهر، وهو حائط العجوز، وفي أيامها، بنت تدورة الساحرة البرابي في وسط منف، فملكتهم دلوكة عشرين سنة حتى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم يقال له: دركون بن بلاطس، ثم مات واستخلف ابنه تودست، ثم توفي تودست بن دركون، فاستخلف أدقاش، فلم يملك إلا ثلاث سنين، حتى مات فاستخلف أخوه مرينا بن مرينوس، ثم توفي فاستخلف أستادس بن مرينا، فطغى وتكبر وسفك الدم وأظهر الفاحشة، فخلعوه وقتلوه وبايعوا رجلا من أشرافهم يقال له: بلطوس بن مينا كيل، فملكهم أربعين سنة، ثم توفي فقام ابنه مالوس، ثم توفي مالوس، فاستخلف أخوه ميناكيل بن بلطوس بن ميناكيل، فملكهم زمانا، ثم توفي واستخلف ابنه نوله بن ميناكيل، فملكهم مائة وعشرين سنة، وهو الأعرج الذي سبى ملك بيت المقدس، وقدم به إلى مصر، وكان قد تمكن وطغى وبلغ مبلغا لم يبلغه أحد ممن قبله بعد فرعون، فصرعته دابته، فمات.
وقيل له: الأعرج، لأنه لما غزا أهل بيت المقدس ونهبهم، وسبى ملكهم يوشيا بن أمون بن منشا بن حزقيا، همّ أن يصعد على كرسيّ نبيّ اللّه سليمان بن داود، وكان بلولب لا يمكن أحدا أن يصعد عليه إلا برجليه جميعا، فصعد برجل واحدة، وهي اليمنى، فدار اللولب على ساقه الأخرى فاندقت، فلم يزل يجمع بها إلى أن مات، فلذلك سمي الأعرج.
فاستخلف مرينوس بن نولة، فملكهم زمانا، ثم توفي واستخلف ابنه قرقورة، فملكهم
стр. 265
ستين سنة، ثم توفي واستخلف أخوه نقاس بن مرنيوس، وانهدم البربا في زمنه، فلم يقدر أحد على إصلاحه، ثم توفي نقاس واستخلف ابنه قوميس بن نقاس، فملكهم دهرا وحاربه بخت نصر وقتله، وخرّب مدينة منف، وغيرها من المدائن وسبى أهل مصر، ولم يترك بها أحدا حتى بقيت أرض مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن.
وذكر في ترجمة كتاب هروشيش الأندلسيّ في وصف الدول والحروب، أنّ فيما بين غرق فرعون موسى إلى مائة وسبع سنين، كان بمصر ملك يسمى نوشردس كان يقتل الغرباء، والأضياف ويذبحهم لأوثانه، ويجعل دماءهم قربانا لها، وأن بعد غرق فرعون إلى ثلثمائة وثمان وعشرين سنة، كان بمصر ملك يسمى: بروبة، وكان عظيم المملكة قويّ السلطان أخذ بالحرب أكثر نواحي الجنوب برّا وبحرا، وهو أوّل من حارب الروم الذين قيل لهم بعد ذلك الغوط، وكان قد أرسل إليهم يدعوهم إلى طاعته، ويخوّفهم حربه، فأجابوه ليس من الرأي المحمود للملك الغنيّ محاربة قوم فقراء لكثرة نوازل الحروب، واختلاف حوادثها بالظفر والهلاك، وإنا لا ننتظر مجيئك، بل نسرع لغارتك، وأتبعوا قولهم عملا، وخرج فرعون إليهم، فخرجوا مسرعين إليه وهزموا جيوشه، ونهبوا عساكره وأمواله وعدده، وجميع ذخائره ومضوا فنهبوا أرض مصر حتى كادوا يغلبون عليها لولا وحول عرضت لهم منعتهم مما خلفها، ثم انصرفوا إلى بلاد الشام بحروب متصلة، حتى أذلوا أهلها، وجعلوهم يؤدّون إليهم المغارم، وأقاموا محاربين لمن خالفهم في غزوتهم خمس عشرة سنة، ولم ينصرفوا إلى بلادهم حتى أتتهم من نسائهم من يقلن لهم: إما أن تنصرفوا، وإما أن تتخذ الأزواج ونطلب النسل من عند المجاورين لنا، فعند ذلك انصرفوا إلى بلادهم، وقد امتلأت أيديهم أموالا وأوقارا جمة، وقد خلفوا وراءهم ذكرا مفزعا.
ويقال: إنّ ملوك مدين ملكوا مصر، خمسمائة عام بعد غرق فرعون، وهلاك دلوكة حتى أخرجهم منها نبيّ اللّه سليمان بن داود، فعاد الملك بعدهم إلى القبط، وإنّ جالوت بن بالوت، لما قتله داود، سار ابنه جالوت بن جالوت إلى مصر، وبها ملوك مدين، فأنزله ملك مصر، بالجانب الغربيّ، فأقام بها مدّة ثم سار إلى بلاد الغرب.
ويقال: إنّ القبط ملكوا مصر بعد دلوكة، وابنها مدّة ستمائة سنة وعشرين سنة، وعدّتهم سبعة وعشرون ملكا، هم: ديوسقوليطا، ومدّته ثمان وسبعون سنة، وقيل: ثمان وثمانون سنة.
ثم ملك بعده سمانادوس، ستا وعشرين سنة، وقام بعده سوماناس مدّة مائة سنة، ثم ملك مفخراس أربع سنين، ثم ملك أماناقوناس تسع سنين، ثم اسحوريس ست سنين، ثم فسيناخس تسع سنين، ثم فسوسانس خمسا وثلاثين سنة، ثم ملك سسوناخوسيس إحدى وعشرين سنة، ثم ملك اساليون خمس عشرة سنة، ثم طافالونيس ثلاث عشرة سنة، ثم
стр. 266
نطافاناسطلس خمسا وعشرين سنة، ثم أساراثون تسع سنين، ثم ملك فسامرس عشر سنين، ثم أوفاينواس أربعا وأربعين سنة، ثم ساياقور اثنتي عشرة سنة، ثم سخس الحبشي اثنتي عشرة سنة ثم طراحوش الحبشي عشرين سنة، ثم أمراس الحبشي اثنتي عشرة سنة، ثم استطافينياس سبع سنين، ثم باخفاسوس ست سنين، ثم ياخو ثمان سنين، ثم فساماملطيقوش أربعا وأربعين سنة، ثم بحنوقا ست سنين، ثم فسامرتاس سبع عشرة سنة، ثم وافرس خمسا وعشرين سنة، ثم أماسلس اثنتين وأربعين سنة.
وملك بعد هؤلاء: مصر خمسة ملوك من ملوك بابل، وهم: أمرطيوش ست سنين، ثم ما فرطاس سبع سنين، ثم أوخرس اثنتي عشرة سنة، ثم فساموت مدّة سنتين، ثم ملك موتاطوس سبع سنين.
ثم ملك ثلاثة ملوك من أثور، وهم: الجرامقة الذين ملكوا الموصل والجزيرة، وهم:
نافاطانبوش ثلاث عشرة سنة، ثم طوس سبع سنين، ثم نافاطانيناس ثمان عشرة سنة.
ثم انتقل ملك مصر منهم: إلى الإسكندر بن فيليبس اليوناني، وهذه أسماء رومية، ولعلها أو بعضها متداخل فيما تقدّم ذكره ممن ملك بعد دلوكة.
وبين بخت نصر، وبين الطوفان ألفا سنة وثلثمائة وست وخمسون سنة وأشهر، ويجتمع من حساب ما وقع في التوراة، أنّ بين الطوفان، وبين خراب بيت المقدس على يد بخت نصر من السنين، ألفا وستمائة وأربعا وثمانين سنة، وهذا خلاف ما نقله المسعوديّ، واللّه تعالى أعلم بالصواب.
ذكر مدينة الإسكندرية
هذه المدينة من أعظم مدائن الدنيا وأقدمها وضعا، وقد بنيت غير مرّة، فأوّل ما بنيت بعد كون الطوفان في زمان مصرايم بن بيصر بن نوح، وكان يقال لها: إذ ذاك مدينة رقودة، ثم بنيت بعد ذلك مرّتين.
فلما كان في أيام اليونانيين، جدّدها الإسكندر بن فيليبس المقدونيّ الذي قهر دارا، وملك ممالك الفرس بعد تخريب بخت نصر مدينة منف، بمائة وعشرين سنة شمسية، فعرفت به، ومنذ جدّدها الإسكندر المذكور انتقل تخت المملكة من مدينة منف إلى الإسكندرية، فصارت دار المملكة بديار مصر، ولم تزل على ذلك حتى ظهر دين الإسلام، وقدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين، وفتح الحصن والإسكندرية، وصارت ديار مصر أرض إسلام، فانتقل تخت الملك حينئذ من الإسكندرية إلى فسطاط مصر، وصار الفسطاط من بعد الإسكندرية دار مملكة ديار مصر.
وسأقص عليك من أخبار الإسكندرية ما وصل إليه علمي، إن شاء اللّه تعالى.
стр. 267
ذكر أبو الحسن المسعوديّ في كتاب أخبار الزمان: أنّ الكوكة، وهي أمّة في غابر الدهر من أهل أيلة ملكوا الأرض وقسموها على ثلاثين كورة، وأربعة أقسام، كل قسم عمل، وبنوا في كل عمل، مدينة بها ملك يجلس على منبر من ذهب، وله بربا، وهي بيت الحكمة، وله هيكل على اسم كوكب فيه أصنام من ذهب، وجعلوا الإسكندرية واسمها رقودة، خمس عشرة كورة، وجعلوا فيها كبار الكهنة، ونصبوا في هياكلها من أصنام الذهب أكثر مما نصبوا في غيرها، فكان ما بها مائتا صنم من ذهب، وقسموا الصعيد ثمانين كورة على أربعة أقسام وثلاثين مدينة فيها جميع العجائب.
وذكر بطليموس في كتاب الأقاليم ووصف الجزائر والبحار والمدن: أنّ مدينة الإسكندرية لبرج الأسد ودليلها المرّيخ، وساعاتها أربع عشرة ساعة، وطولها ستون درجة ونصف درجة يكون ذلك أربع ساعات مستوية وثلث عشر ساعة.
وقال ابن وصيف شاه في ذكر أخبار مصرايم بن بيصر بن نوح، وعلمهم أيضا عمل الطلسمات، وكانت تخرج من البحر دواب تفسد زرعهم وجنانهم وبنيانهم، فعملوا لها الطلسمات، فغابت، ولم تعد وبنوا على غير البحر مدنا منها مدينة رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا في وسطها قبة على أساطين من نحاس مذهب، والقبة مذهبة ونصبوا فوقها، مرآة من أخلاط شتى، قطرها خمسة أشبار وارتفاع القبة مائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصد من الأمم التي حولهم، فإن كان مما يهمهم، وكان من البحر عملوا لتلك المرآة عملا، فألقت شعاعها على ذلك الشيء فأحرقته، فلم تزل إلى أن غلب البحر عليها.
ويقال: إنّ الإسكندر إنما عمل المنارة تشبيها بها، وكان عليها أيضا مرآة يرى فيها من يقصدهم من بلاد الروم، فاحتال عليهم بعض ملوكهم، ووجه إليها من أزالها، وكانت من زجاج مدبر.
قال: وذكر بعض القبط أنّ رجلا من بني الكهنة الذين قتلهم، ايساد ملك مصر سار إلى ملك كان في بلاد الإفرنجة، فذكر له كثرة كنوز مصر وعجائبها، وضمن له أن يوصله إلى ملكها وأموالها ويرفع عنه أذى طلسماتها حتى يبلغ جميع ما يريد، فلما اتصل صا بن مرقونس أخي ايساد، وهو ملك مصر يومئذ، أنّ صاحب بلاد الإفرنجة يتجهز إليه عمد إلى جبل بين البحر الملح وشرقيّ النيل، فأصعد إليه أكثر كنوزه، وبنى عليها قبابا مصفحة بالرصاص، وظهر صاحب بلاد الإفرنجة في ألف مركب، فكان لا يمرّ بشيء من أعلام مصر ومنازلها إلا هدمه، وكسر الأصنام بمعونة ذلك الكاهن، حتى أتى الإسكندرية الأولى فعاث فيها، وفيما حولها وهدم أكثر معالمها إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد، وصعد إلى منف، وأهل النواحي يحاربونه، وهو ينهب ما مرّ به، ويقتل ما قدر عليه إلى أن طلب المدائن الداخلة لأخذ كنوزها، فوجدها ممتنعة بالطلسمات الشداد، والمياه العميقة والخنادق
стр. 268
والشداخات، فأقام عليها أياما كثيرة، فلم يمكنه الوصول إليها وغضب على الكاهن، فقتله من أجل أنّ جماعة من أصحابه هلكوا، فاجتمع أهل النواحي، وقتلوا من أصحابه الذين بالمراكب خلقا، وأحرقوا بعض المراكب، وقام أهل مصر بسحرهم وتهاويلهم فأتت رياح أغرقت أكثر مراكبه حتى نجا بنفسه، وقد خرج فعاد الناس إلى منازلهم وقراهم، ورجع الملك صا إلى مدينة منف، وأقام بها، وتجهز لغزو بلدان الروم، وبعث إليها وخرّب الجزائر فهابته الملوك، وتتبع الكهنة فقتل منهم خلقا كثيرا، وأقام ملكا سبعا وستين سنة، ومات وعمره مائة وسبعون سنة، ودفن بمنف في وسطها تحت الأرض، ومعه الأموال والجواهر والتماثيل والطلسمات، كما فعل آباؤه منها: أربعة آلاف مثقال ذهبا على صور حيوانات برّية وبحرية، وتمثال عقاب من حجر أخضر، وتمثال تنين من ذهب، وزبروا عليها اسمه، وغلبته الملوك وسيرته، وعهد إلى ابنه تدراس.
قال: ولما جلست جورياق ابنة طوطيس، أوّل فراعنة مصر، وهو فرعون إبراهيم الخليل ﵇ على سرير الملك بعد قتلها لأبيها، وعدت الناس بالإحسان، وأخذت في جمع الأموال، فاجتمع لها ما لم يجتمع لملك، وقدّمت الكهنة وأهل الحكمة، ورؤساء السحرة، ورفعت أقدارهم، وأمرت بتجديد الهياكل وصار من لم يرضها إلى مدينة أتريب، وملكوا عليها رجلا من ولد أتريب يقال له: إيداخس، فعقد على رأسه تاجا، واجتمع إليه جماعة، فأنفذت إليه جيشا فهزموه، وقتلوا أكثر أصحابه فهرب إلى الشام، وبها الكنعانيون فاستغاث بملكهم، فجهزه بجيش عظيم ففتحت جورياق الخزائن وفرّقت الأموال وقوّت السحر، فعملوا أعمالهم وتقدّم إيداخس بجيوش الكنعانيين، وعليها قائد منهم يقال له:
جيرون.
فلما نزلوا أرض مصر بعثت ظئرا لها من عقلاء النساء، إلى القائد سرّا عن إيداخس تعرّفه رغبتها في تزوّجه، وأنها لا تختار أحدا من أهل بيتها، وأنه إن قتل إيداخس تزوّجت به وسلمته ملك مصر، ففرح بذلك، وسمّ إيداخس بسمّ أنفذته إليه فقتله، وبعثت إليه بعد قتل إيداخس أنه لا يجوز أن أتزوّجك حتى يظهر قومك في بلدي، وتبني لي مدينة عجيبة، وكان افتخارهم حينئذ بالبنيان وإقامة الأعلام، وعمل العجائب، وقالت: انتقل من موضعك إلى غربيّ بلدي فثم آثار لنا كثيرة، فاقتف تلك الأعمال وابن عليها، ففعل، وبنى مدينة في صحراء الغرب، يقال لها: قيدومة، وأجرى إليها من النيل نهرا وغرس حولها غروسا كثيرة، وأقام بها منارا عاليا فوقه منظر مصفح بالذهب والفضة والزجاج والرخام، وهي تمدّه بالأموال وتكاتب صاحبه عنه وتهاديه، وهو لا يعلم.
فلما فرغ منها قالت له: إنّ لنا مدينة أخرى حصينة كانت لأوائلنا، وقد خرّبت منها أمكنة، وتشعث حصنها، فامض إليها واعمل في إصلاحها حتى أنتقل أنا إلى هذه المدينة
стр. 269
التي بنيتها، فإذا فرغت من إصلاح تلك المدينة، فانفذ إليّ جيشك حتى أصير إليك وأبعد عن مدينتي وأهل بيتي فإني أكره أن تدخل عليّ بالقرب منهم، فمضى، وجدّ في عمل الإسكندرية الثانية.
وأهل التاريخ يذكرون أنّ الذي قصدها الوليد بن دومع العمليقي ثاني الفراعنة، وكان سبب قصدها أنه كان به علة فوجه إلى الأقطار ليحمل إليه من مائها حتى يرى ما يلائمه، فوجه إلى مملكة مصر غلاما، فوقف على كثرة خيراتها، وحمل إليه من مائها وألطافها، وعاد إليه فعرّفه حال مصر، فسار إليها في جيش كثيف، وكاتب الملكة يخطبها لنفسه، فأجابته وشرطت عليه أن يبني لها مدينة يظهر فيها أيده وقوّته، ويجعلها لها مهرا، فأجابها وشق مصر إلى ناحية الغرب، فبعثت إليه أصناف الرياحين والفواكه وخلقت وجوه الدواب، فمضى إلى الإسكندرية، وقد خربت بعد خروج العادية منها فنقل ما كان من حجارتها ومعالمها وعمدها، ووضع أساس مدينة عظيمة، وبعث إليها مائة ألف فاعل، وأقام في بنائها مدّة، وأنفق جميع ما كان معه من المال وكلما بنى شيئا خرج من البحر دواب فتقلعه، فإذا أصبح لم يجد من البناء شيئا، فاهتم لذلك، وكانت جورياق قد أنفذت إليه ألف رأس من المعز اللبون يستعمل ألبانها في مطبخه، وكانت مع راع تثق به يرعاها هنالك، فكان إذا أراد أن ينصرف عند المساء خرجت إليه من البحر جارية حسناء، فتتوق نفسه إليها، فإذا كلمها شرطت عليه أن تصارعه، فإن صرعها، كانت له، وإن صرعته، أخذت من المعز رأسين، فكانت طول الأيام تصرعه، وتأخذ الغنم، حتى أخذت أكثر من نصفها وتغير باقيها لشغله بحبّ الجارية عن رعيها ونحل جسمه، فمرّ به صاحبه وسأله عن حاله، فأخبره الخبر خوفا من سطوته، فلبس ثياب الراعي، وتولى رعي الغنم يومه إلى المساء، فخرجت إليه الجارية وشرطت عليه الشرط، فأجابها وصارعها فصرعها وشدّها فقالت: إن كان ولا بدّ من أخذي، فسلمني لصاحبي الأول، فإنه ألطف بي وقد عذبته مدّة، فردّها إليه، وقال له: سلها عن هذا البنيان الذي نبنيه، ويزال من ليلته من يفعل ذلك؟ وهل في ثباته من حيلة؟ فسألها الراعي عن ذلك، فقالت: إنّ دواب البحر التي تنزع بنيانكم، فقال: فهل من حيلة؟ قالت:
نعم، تعملون توابيت من زجاج كثيف بأغطية، وتجعلون فيها أقواما يحسنون التصوير، ويكون معهم صحف وأنقاش، وزاد يكفيهم أياما وتحمل التوابيت في المراكب بعد ما تشدّ بالحبال فإذا توسطوا الماء أمروا المصوّرين أن يصوّروا جميع ما يمرّ بهم، ثم ترفع تلك التوابيت فإذا وقفتم على تلك الصور فاعملوا لها أشباها من صفر أو حجارة أو رصاص وانصبوها قدّام البنيان الذي تبنونه من جانب البحر، فإنّ تلك الدواب إذا خرجت، ورأت صورها هربت، ولم تعد، فعرّف الراعي صاحبه ذلك ففعله، وتمّ البنيان وبنى المدينة.
وقال قوم: إنّ صاحب البناء والغنم هو جيرون، كان قصدهم قبل الوليد، وإنما أتاهم الوليد بعد جورياق وقهرهم وملك مصر.
стр. 270
وذكروا: أنّ الأموال التي كانت مع جيرون نفدت كلها في تلك المدينة، ولم تتم، فأمر الراعي أن يخبر الجارية فقالت: إنّ في المدينة التي خربت ملعبا مستديرا حوله سبعة عمد على رؤوسها تماثيل من صفر قيام، فقرّب لكل تمثال منها ثورا سمينا، ولطخ العمود الذي تحته من دم الثور، وبخره بشعر من ذنبه، وشيء من نحاتة قرونه وأظلافه، وقل له:
هذا قربانك، فأطلق لي ما عندك، ثم قس من كل عمود إلى الجهة التي يتوجه إليها وجه التمثال، مائة ذراع، واحفر عند امتلاء القمر، واستقامة زحل، فإنك تنتهي بعد خمسين ذراعا إلى بلاطة عظيمة، فلطخها بمرارة الثور، وأقلها فإنك تنزل إلى سرب طوله، خمسون ذراعا في آخره خزانة مقفلة، ومفتاح القفل تحت عتبة الباب، فخذه ولطخ الباب ببقية المرارة ودم الثور وبخره بنحاتة قرونه وأظلافه وشعر ذنبه، وأدخل فإنه يستقبلك صنم في عنقه لوح من صفر مكتوب فيه جميع ما في الخزانة فخذ ما شئت ولا تعترض ميتا تجده ولا ما عليه، وكذلك كل عمود وتمثاله فإنك تجد مثل تلك الخزانة، وهذه نواويس سبعة من الملوك وكنوزهم، فلما سمع ذلك سرّ به، وامتثله فوجد ما لا يدرك وصفه، ووجد من العجائب شيئا كثيرا، فتمّ بناء المدينة وبلغ ذلك جورياق، فساءها وكانت قد أرادت إتعابه وهلاكه بالحيلة.
ويقال: إنه وجد فيما وجد درجا من ذهب مختوما فيه مكحلة زبرجد فيها ذرور أخضر، ومعها عرق أحمر من اكتحل من ذلك الذرور بالعرق، وكان أشيب عاد شابا واسودّ شعره، وأضاء بصره حتى يدرك الروحانيين، ووجد تمثالا من ذهب إذ ظهر غيمت السماء وأمطرت، وتمثال غراب من حجر إذا سئل عن شيء صوّت وأجاب عنه، ووجد في كل خزانة عشر أعجوبات.
فلما فرغ من بناء المدينة وجه إلى جورياق يحثها على القدوم إليه، فحملت إليه فرشا فاخرا ليبسطه في المجلس الذي يجلس فيه، وقالت له: اقسم جيشك أثلاثا، فانفذ إليّ ثلثه حتى إذا بلغت ثلث الطريق، فانفذ الثلث الآخر، فإذا جزت نصف الطريق، فانفذ الثلث الباقي ليكونوا من ورائي لئلا يراني أحد إذا دخلت عليك، ولا يكون عندك إلا صبية تثق بهم يخدمونك، فإني أوافيك في جوار تكفيك الخدمة، ولا أحتشمهنّ، ففعل.
وأقامت تحمل الجهاز إليه والأموال حتى علم بمسيرها فوجه إليها ثلث جيشه، فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة، وأنزلهم جواريها وحشمها، وقدّموا إليهم الأطعمة والأشربة، والطيب وأنواع اللهو، فلم يصبح منهم أحد حيا، وسارت فلقيها الثلث الآخر، ففعلت به مثل ذلك وهي توجه إليه أنها أنفذت جيشه إلى قصرها ومملكتها يحفظونهما، وسارت حتى دخلت عليه هي وظئرها وجواريها، فنفخت ظئرها في وجهه نفخة بهت إليها، ورشت عليه ما كان معها، فارتعدت أعضاؤه وقال: من ظنّ أنه يغلب النساء، فقد كذبته
стр. 271
نفسه وغلبته النساء، ثم إنها فصدت عروقه وقالت: دماء الملوك شفاء، وأخذت رأسه ووجهت به إلى قصرها، ونصبته عليه وحوّلت تلك الأموال إلى مدينة منف، وبنت منارا بالإسكندرية، وزبرت عليه اسمها واسمه، وما فعلت به وتاريخ الوقت.
فلما بلغ خبرها الملوك هابوها وأطاعوها وهادوها، وعملت بمصر عجائب كثيرة، وبنت على حدّ مصر من ناحية النوبة حصنا، وقنطرة يجري ماء النيل من تحتها، واعتلت فقلدت ابنة عمها زلفى بنت مأمون وماتت.
وقال ابن خرداذبه: إنّ الإسكندرية بنيت في ثلثمائة سنة، وأنّ أهلها مكثوا سبعين سنة لا يمشون فيها بالنهار إلا بخرق سود مخافة على أبصارهم من شدّة بياض حيطانها ومنارتها العجيبة على سرطان زجاج في البحر، وإنه كان فيها سوى أهلها ستمائة ألف من اليهود خول لأهلها.
وقال ابن وصيف شاه: وكانت العمارة ممتدّة في رمال رشيد والإسكندرية إلى برقة فكان الرجل يسير في أرض مصر، فلا يحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات، ولا يسير إلا في ظلال تستره من حرّ الشمس، وعمل الملك صا بن قبطيم في تلك الصحاري قصورا، وغرس فيها غروسا وساق إليها من النيل أنهارا فكان يسلك من الجانب الغربيّ إلى حد الغرب في عمارة متصلة، فلما انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم في تلك الصحارى، وخربت تلك المنازل وباد أهلها، ولا يزال من دخل تلك الصحارى يحكي ما رآه فيها من الآثار والعجائب.
وقال ابن عبد الحكم: وكان الذي بنى الإسكندرية، وأسس بناءها: ذو القرنين الروميّ، واسمه: الإسكندر، وبه سميت: الإسكندرية، وهو أوّل من عمل لوشى، وكان أبوه أوّل القياصرة، وقيل: إنه رجل من أهل مصر اسمه مرزبا بن مرزبه اليونانيّ من ولد يونان بن يافث بن نوح ﷺ ، وقيل: كان من أهل لوبية كورة من كور مصر الغربية، وقال ابن لهيعة: وأهلها روم ويقال: هو رجل من حمير. قال تبع:
قد كان ذو القرنين جدّي مسلما … ملكا تدين له الملوك بمحشد
بلغ المغارب والمشارق يبتغي … أسباب علم من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد
ويروى: قد كان ذو القرنين قبلي مسلما، وحدّثني عثمان بن صالح، حدّثني عبد اللّه بن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن سعد بن مسعود التجيبيّ، عن شيخين من قومه قالا: كنا بالإسكندرية فاستطلنا يومنا، فقلنا: لو انطلقنا إلى عقبة بن عامر نتحدّث عنده، فانطلقنا إليه فوجدناه جالسا في داره، فأخبرنا: إنا استطلنا يومنا، فقال: وأنا مثل ذلك! إنما خرجت حين استطلته، ثم أقبل علينا فقال: كنت عند رسول اللّه ﷺ أخدمه، فإذا
стр. 272
أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب فقالوا: استأذن لنا على رسول اللّه ﷺ ، فانصرفت إليه، فأخبرته بمكانهم، فقال رسول اللّه ﷺ : «ما لي ولهم يسألوني عما لا أدري إنما أنا عبد لا أعلم إلا ما علمني ربي». ثم قال: «أبلغني وضوءا» فتوضأ، ثم قام إلى مسجد بيته، فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر، ثم انصرف فقال: أدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي، فأدخله قال: فأدخلتهم فلما وقفوا إلى رسول اللّه ﷺ قال لهم: «إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا وإن أحببتم تكلمتم، وأخبرتكم»، قالوا: بلى، أخبرنا قبل أن نتكلم، قال: «أحببتم أن تسألوني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره إنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى أتى ساحل البحر من أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها:
الإسكندرية، فلما فرغ من بنائها أتاه ملك، فعرج به حتى استقله فرفعه فقال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتي، وأرى مدائن معها، ثم عرج به، فقال: انظر! فقال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن، فلا أعرفها، ثم زاد، فقال: انظر! فقال: أرى مدينتي وحدها ولا أرى غيرها، قال له الملك: إنما تلك الأرض كلها والذي ترى يحيط بها هو البحر، وإنما أراد بك أن يريك الأرض، وقد جعلك لك سلطانا فيها سوف يعلم الجاهل، ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدّين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء فبنى السدّ، ثم جاز يأجوج ومأجوج فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد أمّه قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ووجد أمّة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمّة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المدير بالأرض فقالوا: نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتابنا» (١).
وعن خالد بن معدان الكلاعيّ: أن رسول اللّه ﷺ سئل عن ذي القرنين فقال: «ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب».
قال خالد: وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال:
اللهم غفرا أما رضيتم أن تسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة.
وقال قتادة، عن الحسن: كان ذو القرنين ملكا وكان رجلا صالحا، قال: وإنما سمي ذا القرنين لأنّ عليا ﵁ سئل عن ذي القرنين، فقال: لم يكن ملكا ولا نبيا ولكن كان عبدا صالحا أحب اللّه فأحبه ونصح للّه فنصحه اللّه بعثه اللّه إلى قومه فضربوه على قرنيه فمات، فسمي ذا القرنين، ويقال: إنما سمي ذا القرنين لأنه
стр. 273
جاوز قرني الشمس من المغرب والمشرق.
ويقال: إنما سمي ذا القرنين لأنه كان له غديرتان من شعر رأسه يطأ فيهما، وقيل: بل كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة.
وعن ابن شهاب: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مشرقها.
وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: كان أوّل شأن الإسكندرية أنّ فرعون اتخذ بها مصانع ومجالس، وكان أوّل من عمرها وبنى فيها، فلم تزل على بنائه ومصانعه، ثم تداولها ملوك مصر بعده فبنت دلوكة بنت زبا منارة الإسكندرية ومنارة بوقير بعد فرعون، فلما ظهر سليمان بن داود ﵉ على الأرض اتخذ بها مجلسا، وبنى فيها مسجدا، ثم إن ذا القرنين ملكها، فهدم ما كان من بناء الملوك والفراعنة، وغيرهم إلا بناء سليمان لم يهدمه، ولم يغيره، وأصلح ما كان رث منه، وأقرّ المنارة على حالها، ثم بنى الإسكندرية من أوّلها بناء يشبه بعضه بعضا ثم تداولها الملوك بعده من الروم وغيرهم، ليس من ملك إلا يكون له بناء يضعه بالإسكندرية يعرف به، وينسب إليه.
قال ابن لهيعة: وبلغني أنه وجد بالإسكندرية حجر مكتوب فيه: أنا شدّاد بن عاد، وأنا الذي نصب العماد، وحيّد الأحياد، وشدّ بذراعه الواد بنيتهنّ إذ لا شيب ولا موت، وإذ الحجارة في اللين مثل الطين، وفي رواية: وكنزت في البحر كنزا على اثني عشر ذراعا لن يخرجه أحد حتى تخرجه أمّة محمد ﷺ .
قال ابن لهيعة: والأحياد كالمغار، وقال أبو علي القاليّ في كتاب الأمالي، وأنشد ابن الأعرابيّ وغيره:
تسألني عن السنين كم لي … فقلت عمر الحسل
أو عمر نوح زمن الفطحل … لو أنني أوتيت علم الحكل
وعشت دهرا زمن الفطحل … لكنت رهن هرم أو قتل
وفي رواية:
علم سليمان كلام النمل … أيام كان الصخر مثل الوحل
وقال آخر: زمن الفحطل إذ السلام رطاب، وعندهم أنّ زمن الفحطل: زمان كان بعد الطوفان عظم فيه الخصب، وحسنت أحوال أهله، وقال بعضهم: زمن الفحطل زمن لم يخلف بعده، وقوله: علم الحكل، الحكل ما لا يسمع صوته من الحيوان، وهذا الرجز لرؤبة بن العجاج بن رؤبة بن لبيد بن صخر بن كثيف بن حيي بن بكر بن ربيعة بن سعد بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وذلك أنه ورد ماء لعكل، فرأى فتاة فأعجبته، فخطبها، فقالت:
стр. 274
أرى سنا، فهل من مال؟ قال: نعم قطعة من إبل، قالت: فهل من ورق؟ قال: لا، قالت:
يا آل عكل أكبروا أمعارا. فقال رؤبة:
لما ازدرت قدري وقلت إبلي … تألفت واتصلت بعكل
حظي وهزت رأسها تستبلي … تسألني عن السنين كم لي
فقلت لو عمرت عمر الحسل … أو عمر نوح زمن الفطحل
والصخر مبتلّ كطين الوحل
وفي رواية:
لو أنني أوتيت علم الحكل … علم سليمان كلام النمل
وسألت أبا بكر بن دريد عن زمن الفطحل، فقال: تزعم العرب أنه زمان كانت فيه الحجارة رطبة.
قال ابن عبد الحكم، ويقال: إنّ الذي بنى الإسكندرية شدّاد بن عاد، واللّه أعلم.
وكانت الإسكندرية ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض منيعة، وهي موضع المنارة وما والاها، والإسكندرية وهي موضع قصبة الإسكندرية اليوم ونفيطة، وكان على كل واحدة منهنّ سور وسور من خلف ذلك على الثلاث مدن يحيط بهنّ جميعا، وقيل: كان على الإسكندرية سبعة حصون منيعة وسبعة خنادق، قال: وإنّ ذا القرنين لما بنى الإسكندرية رخمها بالرخام الأبيض جدرها وأرضها، فكان لباسهم فيها السواد والحمرة، فمن قبل ذلك لبس الرهبان السواد من نصوع بياض الرخام، ولم يكونوا يسرجون فيها بالليل من بياض الرخام، وإذا كان القمر أدخل الرجل الذي يخيط بالليل في ضوء القمر مع بياض الرخام الخيط في ثقب الإبرة.
ويقال: بنيت الإسكندرية في ثلثمائة سنة، وسكنت ثلثمائة سنة، وخربت ثلثمائة سنة، ولقد مكثت سبعين سنة ما يدخلها أحد إلا وعلى بصره خرقة سوداء من بياض جصها وبلاطها، ولقد مكثت سبعين سنة ما يستسرج فيها، قال: وكانت الإسكندرية بيضاء تضيء بالليل والنهار، وكانوا إذا غربت الشمس لم يخرج أحد من بيته، ومن خرج اختطف وكان منهم راع يرعى على شاطئ البحر، فكان يخرج من البحر شيء فيأخذ من غنمه، فكمن له الراعي في موضع حتى خرج، فإذا جارية قد نفشت شعرها ومانعته عن نفسها فقوي عليها فذهب بها إلى منزله، فآنست به، فرأتهم لا يخرجون بعد غروب الشمس، فسألتهم فقالوا:
من خرج منا اختطف، فهيأت لهم الطلسمات، فكانت أوّل من وضع الطلسمات بمصر في الإسكندرية، وقيل: كان الرخام قد سخر لهم حتى يكون من بكرة النهار كالعجين فإذا انتصف النهار اشتدّ.
стр. 275
وقال المسعوديّ: ذكر جماعة من أهل العلم أنّ الإسكندر المقدونيّ، لما استقام ملكه في بلاده وسار حتى يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء، حتى انتهى إلى موضع الإسكندرية، فأصاب فيها أثر بنيان وعمدا كثيرة من الرخام وفي وسطها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المسند، وهو القلم الأوّل من أقلام حمير وملوك عاد، أنا شدّاد بن عاد شدّدت بساعدي الواد، وقطعت عظيم العماد وشوامخ الجبال، والأطواد، وبنيت إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردت أن أبني هنا مدينة كإرم وأنقل إليها كل ذي قدم وكرم من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لا خوف ولا هرم ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعما أردت قطعني، ومع وقوعه طال همي وشجني، وقلّ نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري، لا لقهر ملك جبار ولا لخوف جيش جرّار، ولا عن رغبة ولا عن صغار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الآثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري وطول عمري ونفاد صبري وشدّة حذري، فلا يغترّ بالدنيا بعدي، فإنها غرّارة غدّارة، تأخذ منه ما تعطي، وتسترجع منه ما تؤتي، وكلام كثير يرى فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها.
فنزل الإسكندر مفكرا يتدبر هذا الكلام، ويعتبره ثم بعث يحشر الصناع من البلاد، وخط الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالا وجمع إليها العمد والرخام، وأتته المراكب، فيها أنواع الرخام، وأنواع المرمر والأحجار من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية وأقريطش، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه بحر أقيانوس، وحمل إليه أيضا من جزيرة رودس، وأمر الفعلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالا منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام، وكان أمام مضربه وعلق على العمود جرسا عظيما مصوّتا، وأمر الناس والقوّام على البنائين والفعلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس، وتحرّكت الجبال، وقد علق على كل قطعة منها جرسا صغيرا حرصوا على أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطاره، وأحب الإسكندر أن يجعل ذلك في وقت يختاره وطالع سعد، فحرّك الإسكندر رأسه، وأخذته نعسة في حال ارتقابه بالوقت المحمود، فجاء غراب، فجلس على حبل الجرس الكبير الذي فوق العمود فحرّكه، وخرج صوت الجرس وتحرّكت الجبال، وخفق ما عليها من الأجراس الصغار، وكان ذلك معمولا بحركات هندسية وحيل حكمية، فلما رأى الصناع تلك الجبال قد تحرّكت، وسمعوا الأصوات وضعوا الأساس دفعة واحدة وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رقدته، وسأل عن الخبر فأخبر بذلك فأعجب! وقال: أردت أمرا وأراد اللّه غيره، ويأبى اللّه إلا ما يريد، أردت طول بقائها، وأراد اللّه سرعة فنائها وخرابها، وتداول الملوك إياها وإنّ الإسكندر لما أحكم بناءها، وثبت أساسها وجنّ الليل عليهم خرجت دواب البحر، فأتت
стр. 276
على جميع البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: هذا بدّ والخراب في عمارتها، وتحقق مراد الباري سبحانه من زوالها، فتطير من فعل الدواب فلم تزل البناة في كل يوم تبني وتحكم، ويوكل من يمنع الدواب إذا خرجت من البحر، فيصبحون وقد خرجت وخرّبت البنيان، فقلق الإسكندر لذلك وراعه ما رأى من البحر! فأقبل يفكر ما الذي يصنع وأيّ حيلة تنفع في ذلك حتى تدفع الأذية عن المدينة، فسنحت له الحيلة عند خلوّه بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها، فلما أصبح دعا الصناع فاتخذوا له تابوتا من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع، وجعلت فيه جامات من الزجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها، وقد أمسك ذلك بالقار والزفت وغيره من الأطلية الدافعة للماء حذرا من دخول الماء إلى التابوت، وقد جعل فيها مواضع للحبال، ودخل الإسكندر في التابوت ورجلان من كتابه ممن له علم بإتقان التصوير، وأمر أن تسدّ عليه الأبواب وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية، وأمر بمركبين عظيمين فأخرجا إلى لجة البحر، وعلق في التابوت من أسفله مثقلات الرصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلا، وجعل التابوت بين المركبين وألصقهما بخشب بينهما لئلا يفترقا، وشدّ حبال التابوت إلى المركبين وطوّل حباله، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر، فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزجاج الشفاف في صفاء ماء البحر فإذا بصور الشياطين على مثال الناس، وفيهم من له مثل رؤوس السباع، وفي أيديهم الفوس مع بعضهم، وفي أيدي بعضهم المناشير والمقامع يحكون بذلك صناع المدينة والفعلة، وما في أيديهم من آلات البناء، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور، وحكوها بالتصوير في القراطيس على اختلاف أنواعها وتشوّه خلقها، وقدودها ثم حرّك الحبال، فلما أحس بذلك من في المركبين جذبوا الحبال، وأخرجوا التابوت، فخرج الإسكندر، وأمر صناع الحديد والنحاس والحجارة، فعملوا تماثيل تلك الدواب على ما صوّر، فلما فرغوا منها وضعت على العمد بشاطئ البحر، ثم أمرهم فبنوا، فلما جنّ الليل ظهرت الدواب والآفات من البحر، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إلى البحر، فرجعت ولم تعد بعد ذلك، فبنيت الإسكندرية وشيدت، وأمر الإسكندر أن يكتب على أبوابها: هذه الإسكندرية أردت أن أبنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسعادة والسرور والثبات في الدهور، ولم يرد الباري ملك السماوات والأرض، ومفني الأمم أن يثبتها كذلك، فبنيتها، وأحكمت بنيانها وشيدت سورها، وآتاني اللّه من كل شيء علما وحكمة، وسهل لي وجوه الأسباب، فلم يتعذر عليّ في العالم شيء مما أردته، ولا امتنع عني شيء مما طلبته لطفا من اللّه ، وصنعا لي وصلاحا لعباده من أهل عصري، والحمد للّه رب العالمين لا إله إلا هو رب كل شيء، ورسم بعد هذه الكتابة كلّ ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزمان من الآفات والعمران والخراب، وما يؤول أمرها إليه إلى وقت دثور العالم.
стр. 277
وكان بناء الإسكندرية طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة عليها دور المدينة يسر تحتها الفارس، وبيده رمح لا تضيق به حتى يدور جميع تلك الآزاج والقناطر التي تحت المدينة، وقد عمل لتلك العقود والآزاج مخاريق ومتنفسات للضياء ومنافذ للهواء، وقد كانت الإسكندرية تضيء بالليل بغير مصباح لشدّة بياض الرخام والمرمر، وكانت أسواقها وشوارعها وأزقتها مقنطرة كلها لا يصيب أهلها شيء من المطر، وكان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة الألوان بينها خنادق، وبين كل خندق وسور فصول، وربما تعلق في المدينة شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس لشدّة بياضه.
فلما أحكم بناءها، وسكنها أهلها كانت آفات البحر، وسكانه على ما زعم الإخباريون من المصريين والإسكندريين تختطف بالليل أهل المدينة، فيصبحون، وقد فقد منهم العديد الكثير، فلما علم بذلك الإسكندر اتخذ الطلسمات على أعمدة هنالك تدعى: المسال، وهي باقية إلى هذه الغاية كل واحد من هذه الأعمدة على هيئة السروة وطول كل واحد منها ثمانون ذراعا على عمد من نحاس، وجعل تحتها صورا وأشكالا وكتابة.
قال مؤلفه ﵀ فيما تقدّم من حكاية ابن وصيف شاه: ما يتبين به وهم ما نقله المسعوديّ، من أن الإسكندر هو الذي عمل التابوت حتى صوّر أشكال حيوانات البحر، فإنّ ابن وصيف شاه أعرف بأخبار أهل مصر، وكذلك ما ذكره المسعوديّ من أنّ المسال، من عمل الإسكندر وهم أيضا، بل هذه المسال هي المناير التي كان ينوّر عليها والأعلام التي كانت ملوك مصر القدماء تنصبها، وهي من أعمال ملوك القبط الأول، ومن أعمال الفراعنة الذين ملكوا مصر من قديم الزمان.
ذكر الإسكندر
هو الإسكندر بن فيليبس بن آمنته (ويقال: آمنتاس) بن هركلش (ويقال: هرقول) الجبار، الذي هو ابن الإسكندر الأعظم، ولي أبوه فيليبس الملك في بلد مجدونية (ويقال:
مقدونية) خمسا وعشرين سنة، استنبط فيها ضروبا من المكر وابتدع أنواعا من الشرّ تقدّم فيها كل من ولي الملك بها قبله.
وكان في أوّل أمره قد جعله أخوه الإسكندر رهينة عند أمير من الروم، فأقام عنده ثلاث سنين، وكان فيلسوفا فتعلم عنده ضروب الفلسفة، فلما قتل أخوه الإسكندر، اجتمع الناس على تولية فيليبس فولوه أميرا، فقام في السلطان مقاما عظيما، فحارب الروم وغلب عليهم ومضى إلى البرية، فقتل بها من الناس آلافا، وغلب على مدائن فاجتمع له جمع لا يقاد، وجيش لا يرام، فأذل جميع الروم وذهبت عينه في بعض الحروب، وغمر البلدان والمدائن عمارة وهدما وسبيا وانتهابا، ثم حشد جميع أهل بلد الروم وعبأ عسكرا فيه: مائتا
стр. 278
ألف راجل، وخمسون ألف فارس، سوى من كان فيه من أصحابه المقدونيين، ومن غيرهم من أجناس اليونانيين يريد غزو الفرس.
فبينما هو يجمع هذا الجمع نظر في تزويج ابنة له يقال لها: قلوبطرة من ختنه أخي امرأته، وخال ولده الإسكندر، وجلس قبل العرس بيومين يحدّث قوّاده، إذ سئل عن أيّ الموتات أحق أن يتمناها الإنسان؟ فقال: الواجب على الرجل القويّ الظافر المجرّب يريد نفسه أن لا يتمنى الموت إلا بالسيف فجأة لئلا يعذبه المرض، وتحل قوّته الأوجاع، فعجل له ما تمنى في ذلك العرس، وذلك أنه حضر لعبا كان على الخيل بين ولده الإسكندر، وختنه الإسكندر، فبينما هو في ذلك غافله أحد أحداث الروم بطعنة، فقتله بها ثائرا بأبيه عندما تمكن منه منفردا، فولي الإسكندر، الملك بعد أبيه فيليبس، وكان أوّل شيء أظهر فيه قوّته وعزمه في بلد الروم، وكانوا قد خرجوا عن طاعة المقدونيين إلى طاعة الفرس، فدرسهم واستأصلهم، وخرّب مدنهم وجعلهم سبيا مبيعا، وجعل سائر بلادهم وكورهم تؤدّي إليه الخراج، ثم قتل جميع أختانه، وأكثر أقاربه في وقت تعبيته لمحاربة الفرس، وكان جميع عسكره اثنين وعشرين ألف فارس، وستين ألف راجل، وكانت مراكبه خمسمائة مركب وثمانين مركبا، فحرّك بهذه العدّة كبار ملوك الدنيا، وسار إلى الإسكندرية ودخل بيت المقدس، وقرّب فيه للّه تعالى قربانا وخرج يريد محاربة دارا، وكان في عسكر دارا ملك الفرس في أوّل ملاقاته إياه، ستمائة ألف مقاتل، فغلبه الإسكندر، وكانت إذ ذاك على الفرس وقعة شنعاء ونكبة دهياء قتل فيها منهم عدد لا يحصى، ولم يقتل من عسكر الإسكندر إلا مائة وعشرون فارسا وتسعون راجلا.
ومضى الإسكندر ففتح مدائن وانتهب ما فيها فبلغه أنّ دارا قد عبّأ وأقبل نحوه بجمع عظيم، فخاف أن يلحقه في ضيق الجبال التي كان فيها، فقطع نحوا من مائة ميل في سرعة عجيبة، حتى بلغ مدينة طرسوس، وكاد يهلك لفرط البرد حتى انقبض عصبه، فلاقاه دارا في ثلثمائة ألف راجل، ومائة ألف فارس، فلما التقى الجمعان كاد الإسكندر يفرّ لكثرة ما كان فيه دارا، وقلة ما كان فيه، ووقع القتال بينهما وباشر القوّاد الحرب بأنفسهم، وتنازل الأبطال واختلف الطعن والضرب، وضاق الفضاء بأهله، فباشر كلا الملكين الحرب بأنفسهما، دارا والإسكندر، وكان الإسكندر أكمل أهل زمانه فروسية وأشجعهم وأقواهم جسما فباشرا حتى جرحا جميعا، وتمادى الحرب بينهما حتى انهزم دارا، ونزلت الوقيعة بالفرس، فقتل من راجلهم نحو من ثمانين ألفا، ومن فرسانهم نحو من عشرة آلاف، وأسر منهم نحو من أربعين ألفا، ولم يسقط من عسكر الإسكندر إلا مائتان وثلاثون راجلا، ومائة وخمسون فارسا، فانتهب الإسكندر جميع عسكر الفرس، وأصاب فيه من الذهب والفضة والأمتعة الشريفة ما لا يحصى كثرة، وأصيب من جملة الأسارى: أم دارا وزوجته وأخته وابنتاه، فطلب دارا من الإسكندر فديتهنّ بنصف ملكه فلم يجبه إلى ذلك، فعبى دارا مرّة ثالثة،
стр. 279
وحشد الفرس عن آخرهم، واستجاش بكل من قدر عليه من الأمم فبعث الإسكندر قائدا في أسطول للغارة على بلد الفرس، ومضى الإسكندر إلى الشام، فتلقاه هنالك ملوك الدنيا خاضعين له، فعفا عن بعض، ونفى بعضا، وقتل بعضا، ومضى إلى إحراز طرسوس، وكانت مدينة زاهرة قديمة عظيمة الشأن، وأهلها قد وثقوا بعون أهل إفريقية لهم لصهر كان بينهم، فحاصرهم فيها حتى افتتحها، ومضى منها إلى رودس وإلى مصر، فانتهب الجميع، وبنى مدينة الإسكندرية بأرض مصر، وقال هروشيوش: وله في بنيانها أخبار طويلة وسياسات كرهنا تطويل كتابنا بها.
ثم إنّ دارا لمّا يئس من مصالحته أقبل في أربعمائة ألف راجل ومائة ألف فارس، فتلقى الإسكندر مقبلا من ناحية مصر في أعمال مدينة طرسوس، فكانت بينهما معركة عجيبة شنيعة اجتهادا من الروم على ما كانوا خبروه، واعتادوا من الغلبة والظفر، واجتهادا من الفرس بالتوطين على الهلاك وتفضيل الموت على الرق والعبودية، فقلما يحكى عن معركة كان القتل فيها أكثر منه في تلك المعركة، فلما نظر دارا إلى أصحابه يتغلب عليهم ويهزمون عزم على استعجال الموت في تلك الحرب بالمباشرة لها بنفسه، والصبر حتى يقتل معترضا للقتل، فلطف به بعض قوّاده حتى سلوه، فانهزم وذهبت قوّة الفرس وعزهم، وذل بعدها سلطانهم، وصار بلد المشرق كله في طاعة الروم، وانقطع ملك الفرس مدّة أربعمائة عام وخمسين عاما، واشتغل الإسكندر بتحصيل ما أصاب في عسكر الفرس والنظر فيه وقسمته على عسكره ثلاثين يوما، ثم مضى إلى مدينة الفرس التي كانت رأس مملكتهم، والتي اجتمعت فيها أموال الدنيا ونعمها، فهدمها ونهب ما فيها، فبلغه عن دارا أنه صار عند قوم مكبلا في كبول من فضة، فتهيأ وخرج في ستة آلاف، فوجده بالطريق مجروحا جراحات كثيرة، فلم يلبث أن هلك منها، فأظهر الإسكندر الحزن عليه والمرثية له، وأمر بدفنه في مقابر الملوك من أهل مملكته، وكان في أمر هذه الثلاث معارك عبرة لمن اعتبر، ووعظ لمن اتعظ، إذ قتل فيها من أهل مملكة واحدة نحو من خمسة عشر ألف ألف بين راكب وراجل من أهل بلد آسيا، وهي العراق، وقد كان قتل من أهل تلك المملكة قبل ذلك بنحو من ستين سنة نحو تسعة عشر ألف ألف إلى ألف ألف ما بين راكب وراجل من أهل بلد العراق والشام وطرسوس ومصر وجزيرة رودس، وجميع البلدان الذين درسهم الإسكندر أجمعين، وكان سلطان الدنيا مقسوما بين قوّاده بعد ما زلزل بدواهيه العظيمة العالم كله، وعمّ أهله بعضا بالمنايا الفظيعة، وبعضا بالتوطين عليها، والمباشرة لأهوالها، وأوصى عند وفاته أن يلقب كل قائم في اليونانيين بعده: ببطليموس تهويلا للأعداء لأنّ معناه الحربيّ، فهذا هو الصحيح من خبر الإسكندر فلا يلتفت إلى ما خالفه.
ويقال: إنه كان أشقر أزرق، وهو أوّل من سمر بالليل، وكان له قوم يضحكونه ويحكون له الخرافات يريد بذلك حفظ ملكه، وحراسة نفسه لا اللذة، وبه اقتدى الملوك في
стр. 280
السمر، واتخاذ المضحكين والمخرّفين.
ذكر تاريخ الإسكندر
قال أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني: تاريخ الإسكندر اليونانيّ، الذي يلقبه بعضهم بذي القرنين على سني الروم، وعليه عمل أكثر الأمم لما خرج من بلاد يونان، وهو ابن ست وعشرين سنة لقتال دارا ملك الفرس.
ولما ورد بيت المقدس أمر اليهود، بترك تاريخ داود وموسى ﵉، والتحوّل إلى تاريخه، فأجابوه وانتقلوا إلى تاريخه، واستعملوه فيما يحتاجون إليه بعد أن عملوه من السنة السادسة والعشرين لميلاده، وهو أوّل وقت تحرّكه، ليتموا ألف سنة من لدن، موسى ﵇، وبقوا معتصمين بهذا التاريخ، ومستعملين له وعليه عمل اليونانيين، وكانوا قبله يؤخرون بخروج يونان بن نورس عن بابل إلى المغرب.
وأوّل تاريخ الإسكندر يوم الاثنين أوّل تشرين الأوّل، وموافقه اليوم الرابع من بابه، ومبادي الأيام عندهم من وقت طلوع الشمس إلى وقت غروبها، وإلى أن يصبح الصباح وتطلع الشمس، فقد كمل يوم بليلته، ومبادي الشهور ترجع إلى عدد واحد له نظام يجري عليه دائما.
وعدد شهور سنتهم: اثنا عشر شهرا يخالف بعضها بعضا في العدد، وهذه أسماؤها، وعدد أيام كل شهر منها: (تشرين الأوّل) أحد وثلاثون يوما، (تشرين الثاني) ثلاثون يوما، (كانون الأول) أحد وثلاثون يوما، (كانون الثاني) أحد وثلاثون يوما، (شباط) ثمانية وعشرون يوما وربع، (آذار) أحد وثلاثون يوما، (نيسان) ثلاثون يوما، (أيار) أحد وثلاثون يوما، (حزيران) ثلاثون يوما، (تموز) أحد وثلاثون يوما، (آب) أحد وثلاثون يوما، (أيلول) ثلاثون يوما. فسبعة أشهر كل شهر منها أحد وثلاثون يوما، وأربعة أشهر كل شهر ثلاثون يوما، وشهر واحد ثمانية وعشرون يوما وربع يوم، وذلك أنهم جعلوا شباط كل ثلاث سنين متواليات ثمانية وعشرين يوما، وجعلوه في السنة الرابعة تسعة وعشرين يوما.
فيكون عدد أيام سنتهم، ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، ويجعلون السنة الرابعة ثلثمائة وستة وستين يوما، ويسمونها السنة الكبيسة، وإنما زادوا الربع في كل سنة ليقرب عدد أيام سنتهم من عدد أيام السنة الشمسية، حتى تبقى أمورهم على نظام واحد، فتكون شهور البرد، وشهور الحرّ، وأوان الزرع ولقاح الشجر وجني الثمر في وقت معلوم من السنة لا يتغير وقت شيء من ذلك البتة، وكان ابتداء الكبيس في السنة الثالثة من ملك الإسكندر.
وبين يوم الاثنين أوّل يوم من تاريخ الإسكندر هذا، وبين يوم الخميس أوّل شهر
стр. 281
المحرّم من السنة التي هاجر نبينا، محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب رسول اللّه ﷺ من مكة إلى المدينة تسعمائة سنة وثلاث وثلاثون سنة، ومائة وخمسة وخمسون يوما.
وبينه وبين يوم الجمعة أوّل يوم من الطوفان: ألفا سنة وسبعمائة سنة، واثنتان وتسعون سنة، ومائة وثلاثة وتسعون يوما.
وبين ابتداء ملك بخت نصر، وبين أوّل تاريخ الإسكندر، أربعمائة وخمس وثلاثون سنة شمسية ومائتا يوم وثمانية وثلاثون يوما.
وقال أبو بكر أحمد بن عليّ بن قيس بن وحشية (١) في كتاب الفلاحة النبطية الشهر المسمى تموز، فيما ذكر القبط بحسب ما وجدت في كتبهم اسم رجل كانت له قصة عجيبة طويلة، وهو أنه دعا ملكا إلى عبادة الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشر، وأن الملك قتله وعاش بعد القتلة، ثم قتله قتلات بعد ذلك قبيحة، وفي كلها يعيش، ثم مات في آخرها.
وإنّ شهورهم هذه، كل واحد منها، اسم رجل فاضل عالم كان في القديم من النبط الذين كانوا، مكان إقليم بابل قبل الكسدانيين، وذلك أن تموز هذا ليس من الكسدانيين ولا الكنعانيين ولا العبرانيين ولا الجرامقة، وإنما هو من الحزناسيين الأوّلين ولذلك يقولون في كل شهورهم: إنها أسماء رجال مضوا، وإنّ تشرين الأوّل، وتشرين الثاني، اسما أخوين كانا فاضلين في العلوم، وكذلك كان كانون الأوّل وكانون الثاني، وإنّ شباط اسم رجل نكح ألف امرأة أبكارا كلهنّ، ولم ينسل نسلا، ولا ولد ولدا، فجعلوه في آخر الشهور لنقصانه عن النسل، فصار النقصان من العدد فيه، والصابئون من البابليين والحزناسيين جميعا إلى وقتنا هذا ينوحون ويبكون على تموز في الشهر المسمى تموز في عيد لهم فيه منسوب إلى تموز، ويعدّدون تعديدا عظيما، وخاصة النساء، فإنهنّ يقمن ههنا جميعا، وينحن ويبكين على تموز، ويهذين في أمره هذيانا طويلا، وليس عندهم علم من أمره أكثر من أن يقولوا، هكذا وجدنا أسلافنا ينوّحون ويبكون على تموز في هذا العيد المنسوب إلى تموز، والنصارى تذكر أنهم يعملونه لرجل يسمى جورجيس أحد حواريّ عيسى ﵇، دعا ملكا من الملوك إلى دين النصرانية، فعذبه الملك بتلك الفتلات، فلا أدري وقع إلى النصارى قصة تموز، فأبدلوا مكانها اسم جورجيس، وخالفوا الصابئين في الوقت، لأن الصابئين يعملون ذكران تموز، أوّل يوم من شهر تموز، والنصارى يعملون لجورجيس في آخر نيسان.
ويقال: إنّ بعض ملوك رومية زاد في شهور الروم، كانون الثاني وشباط، فإنّ شهورهم كانت إلى زمانه عشرة أشهر، كل شهر ستة وثلاثون يوما.
стр. 282
ويقال: إنّ فيوفيوس، أوّل من ملك مدينة رومية، وأنه أقام ملكا ثلاثا وأربعين سنة، وزاد كانون الثاني وشباط في شهور الروم بحكم أنها كانت إلى ذلك الزمان عشرة أشهر، كل شهر ستة وثلاثون يوما، وكان سبب نقص شباط يومين، وقوع غارة في أيام فيطن رئيس جيش الروم خلف، وحروب بينه وبين فريوريوس آلت إلى نصرة فيطن، وأخذه مملكة الروم، وأمر بفريوريوس، فنودي عليه (اعيا مرديا) وتفسيره: اخرج يا شباط، ثم غرق في البحر وسموا شهر شباط فريوريوس ليكون تذكار سوء له، فإنّ هذا الفعل كان في يومي التاسع والعشرين والثلاثين من شباط فنقصوهما من شباط، وزادوهما في تموز وكانون الثاني، فجعلوا كل شهر منهما أحدا وثلاثين يوما، ثم بعد زمان جاء ملك آخر فقال:
لا يحسن أن يكون شباط في وسط السنة، فنقله إلى آخرها، ولم يزل الروم من ذلك الوقت يتطيرون من شباط.
ذكر الفرق بين الإسكندر وذي القرنين وأنهما رجلان
اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار، أنّ ذا القرنين الذي ذكره اللّه في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي اَلْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ سَبَباً﴾ [الكهف/ ٨٣] الآيات، عربيّ، قد كثر ذكره في أشعار العرب، وأنّ اسمه: الصعب بن ذي مراثد بن الحارث الرائش بن الهمال ذي سدد بن عاد ذي منح بن عامر الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇.
وأنه ملك من ملوك حمير، وهم العرب العاربة، ويقال لهم أيضا: العرب العرباء، وكان ذو القرنين تبعا متوّجا، ولما ولي الملك تجبر، ثم تواضع للّه، واجتمع بالخضر.
وقد غلط من ظن أنّ الإسكندر بن فيليبس هو ذو القرنين الذي بنى السدّ، فإنّ لفظة ذو عربية، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن وذاك روميّ يونانيّ.
قال أبو جعفر الطبريّ: وكان الخضر في أيام أفريدون الملك بن الضحاك في قول عامة علماء أهل الكتاب الأول، وقبل موسى بن عمران ﵇، وقيل: إنه كان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيام إبراهيم الخليل ﵇.
وأنّ الخضر بلغ مع ذي القرنين أيام مسيره في البلاد نهر الحياة، فشرب من مائه، وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه، فخلد، وهو حيّ عندهم إلى الآن، وقال آخرون:
إنّ ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ﵇ هو: أفريدون بن الضحاك، وعلى مقدّمته كان الخضر.
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب التيجان في معرفة ملوك الزمان، بعد ما
стр. 283
ذكر نسب ذي القرنين الذي ذكرناه، وكان تبعا متوّجا لما ولي الملك تجبر، ثم تواضع، واجتمع بالخضر ببيت المقدس، وسار معه مشارق الأرض ومغاربها، وأوتي من كل شيء سببا، كما أخبر اللّه تعالى وبنى السدّ على يأجوج ومأجوج ومات بالعراق.
وأما الإسكندر فإنه يونانيّ، ويعرف بالإسكندر المجدوني (ويقال: المقدوني).
سئل ابن عباس ﵄ عن ذي القرنين ممن كان؟ فقال: من حمير، وهو الصعب بن ذي مراثد الذي مكنه اللّه تعالى في الأرض وأتاه من كل شيء سببا، فبلغ قرني الشمس، ورأس الأرض وبنى السدّ على يأجوج ومأجوج؛ قيل له: فالإسكندر؟ قال: كان رجلا صالحا روميا حكيما بنى على البحر في إفريقية منارا وأخذ أرض رومة وأتى بحر الغرب، وأكثر عمل الآثار في الغرب من المصانع والمدن.
وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين؟ فقال: الصحيح عندنا من أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير، وأنه الصعب بن ذي مراثد، والإسكندر كان رجلا من يونان من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليهما، ورجال الإسكندر أدركوا المسيح ابن مريم منهم: جالينوس، وأرسطاطاليس.
وقال الهمداني في كتاب الأنساب: وولد كهلان بن سبأ زيدا، فولد زيد عربيا ومالكا وغالبا وعميكرب.
وقال الهيثم: عميكرب بن سبأ أخو حمير وكهلان، فولد عميكرب أبا مالك فدرحا ومهيليل ابني عميكرب، وولد غالب جنادة بن غالب، وقد ملك بعد مهيليل بن عميكرب بن سبأ، وولد عريب عمرا، فولد عمر وزيدا، والهميسع ويكنى أبا الصعب، وهو ذو القرنين الأوّل، وهو المساح والبناء، وفيه يقول النعمان بن بشير:
فمن ذا يعاددنا من الناس معشرا … كراما فذو القرنين منا وحاتم
وفيه يقول الحارثي:
سمّوا لنا واحدا منكم فنعرفه … في الجاهلية لاسم الملك محتملا
كالتبعين وذي القرنين يقبله … أهل الحجى فأحق القول ما قبلا
وفيه يقول ابن أبي ذئب الخزاعي:
ومنا الذي بالخافقين تغرّبا … وأصعد في كل البلاد وصوّبا
فقد نال قرن الشمس شرقا ومغربا … وفي ردم يأجوج بنى ثم نصبا
وذلك ذو القرنين تفخر حمير … بعسكر قيل ليس يحصى فيحسبا
قال الهمداني: وعلماء همدان تقول: ذو القرنين: الصعب بن مالك بن الحارث
стр. 284
الأعلى بن ربيعة بن الجبار بن مالك.
وفي ذي القرنين أقاويل كثيرة، وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب تفسير القرآن الكريم، ومما يعترض به على من قال: إنّ الإسكندر هو ذو القرنين، أن معلم الإسكندر كان أرسطاطاليس بأمره يأتمر، وبنهيه ينتهي، واعتقاد أرسطاطاليس مشهور، وذو القرنين نبيّ، فكيف يقتدى نبيّ بأمر كافر في هذا إشكال؟.
وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: إنّ ذا القرنين كانت أمه آدمية، وأبوه من الملائكة، ولذلك لما سمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلا ينادي رجلا يا ذا القرنين، قال:
أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟! وروى المختار ابن أبي عبيد: أنّ عليا ﵁ كان إذا ذكر ذا القرنين قال: ذلك الملك الأمرط، واللّه أعلم.
ذكر من ولي الملك بالإسكندرية بعد الإسكندر
قال في كتاب هروشيوش: إنّ الإسكندر ملك الدنيا اثنتي عشرة سنة، فكانت الدنيا مأسورة بين يديه، طول ولايته، فلما مات، تركها بين يدي قوّاده المستخلفين تحته، فكان مثله معهم كمثل الأسد الذي ألقى صيده بين يدي أشباله، فتقاتلت عليه تلك الأشبال بعده، وذلك أنهم اقتسموا البلاد، فصارت مصر وإفريقية كلها وبلاد الغرب إلى قائده، وصاحب خيله الذي ولي مكانه، وهو بطليموس بن لاوي، ويقال: بطليموس بن ارنبا المنطقي، وذكر بقية ممالك القوّاد من أقصى بلاد الهند إلى آخر بلاد المغرب، ثم قال: فثارت بينهم حروب وسببها رسالة كانت خرجت من عند الإسكندر بأن يرجع جميع الغرباء المنفيين إلى بلادهم، ويسقط عنهم الرق والعبودية، فاستثقل ذلك ملك بلاد الروم إذ خاف أن يكون الغرباء والمنفيون إذا رجعوا إلى بلدانهم ومواطنهم يطلبون النقمة لأنفسهم، فكان هذا الأمر، سبب خروجهم عن طاعة سلطان المجدونيين.
وقال غيره: وبطليموس هذا سبى بني معدّ بعد ما غزا فلسطين، ثم أطلقهم وحباهم بآنية جوهر وضعت في بيت المقدس، وملك عشرين سنة، وقال غيره: ولي أربعين سنة، وقيل: ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل: إن اسمه فيلدلفوس، وهو محب الأب وكان مجدونيا، وهو الذي غنم اليهود، ونقل كثيرا منهم إلى مصر، وفي زمانه كان زينون الفيلسوف، وكان هذا الملك فيلسوفا، وأقبل برديقا أحد قوّاد الإسكندر إلى مصر، بعسكر عظيم وجيش عرمرم، فتفرّق سلطان مجدونية على قسمين، ثم إنّ بطليموس جمع عساكر مصر وإفريقية، ولاقى برديقا، فهزمه وأصاب عسكره، ثم قتله وأصاب ما كان معه، وحارب عدّة من قوّاد الإسكندر.
وقال غيره: وكان بطليموس هذا حكيما عالما شابا مدبرا، وهو أوّل من اقتنى البزاة،
стр. 285
ولعب بها وضراها، وكان من قبله من الملوك لا يلعب بها.
ولمّا مات، ملك الإسكندرية بعده بطليموس الثاني، واسمه: فيلوذوفوس، ويقال له:
محب الأخ، وكانت مدّة ملكه ثمانيا وثلاثين سنة، وهو الذي أطلق اليهود الذين كانوا مأسورين بأرض مصر، وردّ الأواني المقدّسه على عزيز النبيّ، وهو الذي تخير السبعين مترجما من علماء اليهود الذين ترجموا كتب التوراة والأنبياء من اللسان العبرانيّ إلى اللسان الروميّ اليونانيّ واللاطينيّ، وكان فيلسوفا منجما، ومات فولي بعده ابنه بطليموس أوراخيطس المعروف بمحب الأب ستا وعشرين سنة.
ثم ولي بعده أخوه بطليموس فيلوبطور سبع عشرة سنة، وهو الذي قتل من اليهود نحوا من ستين ألفا، وتغلب عليهم، ويقال: إنه صاحب علم الفلك والنجوم وكتاب المجسطي.
ثم ملك بعده ابنه بطليموس أسفاميش، محب الأم أربعا وعشرين سنة.
ثم ولي بعده ابنه بطليموس فلوناطرة، وهو الصانع، خمسا وثلاثين سنة، وهو الذي غلب ملك الشام، وحمل اليهود أنواع البلاء والعذاب.
ثم ملك الإسكندرية بعده ابنه بطليموس أبرياطيش، وهو الإسكندرانيّ، تسعا وعشرين سنة، وفي زمانه غلب الرومانيون على الأندلس واحترقت مدينة قرطاجنة بالنار، وأقامت النار فيها سبعة عشر يوما فهدمت، وحوّلت أساساتها حتى صار رخام أسوارها غبارا، وذلك إلى تسعمائة سنة من وقت بنيانها، وبيع جميع أهلها رقيقا إلا قليلا من خيارهم وأشرافهم، وكان المتولي لتخريبها قوّاد رومة.
ثم ولي بعده ابنه بطليموس شوطار الذي يقال له: الحديد، سبع عشرة سنة، وكان قبيح السيرة، تزوّج بأخته، ثم فارقها على أقبح حال مما تزوّجها عليه في خبر له، ثم تزوّج ربيبته التي كانت بنت أخته، ثم زوّجها من ابنه المولود من أخته، وكثرت فواحشه حتى نفاه أهل الإسكندرية فمات منفيا.
وولي أخوه بطليموس الإسكندر، وهو الجوّال، عشر سنين.
ثم ولي بعده ابنه بطليموس ديوشيش، ثمانيا وثلاثين سنة، وفي زمانه غلب قائد الرومانيين على بيت المقدس، وجعل اليهود يؤدّون إليه الجزية.
وظهرت في ذلك الزمان علامات في السماء مهولة، منها: أنه ظهر في السماء بناحية مطلع الشمس من مدينة رومة مما يلي ناحية الجنوب، نار ملتهبة عظيمة، وكسر قوم خبزا في صنع لهم، فانفجر من الخبز دم سائل، ونزل بمدينة رومة مدّة سبعة أيام متوالية برد كان