← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

متصلة، وعمارة حسنة بأبرجة حمام، ومواش وأنعام وأكثر ميرة مدينتهم منها، وطيورها النقيط والنوبي والببغاء، وغير ذلك من الطيور الحسان، وأكثر نزهة كيبرهم في هذه الناحية. قال: وكنت معه في بعض الأوقات، فكان سيرنا في ظل شجر من الحافتين في الخلجان الضيقة، وقيل: إنّ التمساح لا يضرّ هناك، ورأيتهم يعبرون أكثر هذه الأنهار سباحة، ثم سفد بقل، وهي ناحية ضيقة شبيهة بأوّل بلادهم إلا أنّ فيها جزائر حسانا، وفيها دون المرحلتين نحو، ثلاثين قرية بالأبنية الحسان، والكنائس والأديار والنخل الكثير والكروم والبساتين والزرع، ومروج كبار فيها إبل وجمال صهب مؤبلة للنتاج، وكبيرهم يكثر الدخول إليها لأنّ طرفها القبليّ يحاذي دنقلة مدينتهم، ومن مدينة دنقلة دار المملكة إلى أسوان، خمسون مرحلة، وذكر صفتها، ثم قال: إنهم يسقفون مجالسهم بخشب السنط، وبخشب الساج الذي يأتي به النيل في وقت الزيادة سقالات منحوتة لا يدري من أين تأتي. ولقد رأيت على بعضها علامة غريبة، ومسافة ما بين دنقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر مما بينها وبين أسوان، وفي ذلك من القرى والضياع والجزائر والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم، أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام، وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام، فيها الجبال والوحش والسباع، ومفاوز يخاف فيها العطش، والنيل يعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس، وإلى مغربها مسيرة أيام، حتى يصير المصعد كالمنحدر، وهي الناحية التي تبلغ العطوف من النيل إلى المعدن المعروف: بالشلة، وهو بلد يعرف بشنقير، ومنه خرج العمري، وتغلب على هذه الناحية إلى أن كان من أمره ما كان، وفرس البحر، يكثر في هذه المواضع، ومن هذه الموضع طرق إلى سواكن وباصع ودهلك وجزائر البحر، ومنها عبر من نجا من بني أمية عند هربهم إلى النوبة، وفيها خلق من البجة يعرفون بالرنافج انتقلوا إلى النوبة قديما وقطنوا هناك وهم على حدتهم في الرعي واللغة، لا يخالطون النوبة، ولا يسكنون قراهم، وعليهم وال من قبل النوبة. ذكر تشعب النيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم اعلم أنّ النوبة والمقرة جنسان بلسانين، كلاهما على النيل، فالنوبة هم: المريس المجاورون لأرض الإسلام، وبين أوّل بلدهم، وبين أسوان خمسة أميال، ويقال: إنّ سلها جدّ النوبة، ومقري جدّ المقرة من اليمن. وقيل: النوبة ومقري من حمير، وأكثر أهل الأنساب على أنهم جميعا من ولد حام بن نوح، وكان بين النوبة والمقرة حروب قبل النصرانية، وأوّل أرض المقرة قرية تعرف بنافة على مرحلة من أسوان، ومدينة ملكهم، يقال لها: نجراش، على أقل من عشر مراحل من أسوان، ويقال: إن موسى صلوات اللّه عليه، غزاهم قبل مبعثه في أيام فرعون، فأخرب نافة، وكانوا صابئة يعبدون الكواكب، وينصبون التماثيل لهم، ثم تنصروا جميعا النوبة

стр. 352

والمقرة، ومدينة دنقلة، وهي دار مملكتهم، وأوّل بلاد علوة، قرى في الشرق على شاطئ النيل تعرف بالأبواب، ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوة يعرف بالرحراح. والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار، فمنها نهر يأتي من ناحية المشرق كدر الماء يجف في الصيف حتى يسكن بطنه، فإذا كان وقت زيادة النيل نبع فيه الماء، وزادت البرك التي فيه، وأقبل المطر والسيول في سائر البلد، فوقعت الزيادة في النيل، وقيل: إنّ آخر هذا النهر، عين عظيمة تأتي من جبل. قال مؤرخ النوبة: وحدّثني سيمون صاحب عهد بلد علوة، أنه يوجد في بطن هذا النهر، حوت لا قشر له ليس هو من جنس ما في النيل، يحفر عليه قامة وأكثر، حتى يخرج، وهو كبير وعليه جنس مولد بين العلوة والبجة، يقال لهم: الديجيون، وجنس يقال لهم: بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين، وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة، ثم النيل الأبيض، وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن. قال: وقد سألت من طرق بلاد السودان من المغاربة عن النيل الذي عندهم، وعن لونه، فذكر أنه يخرج من جبال الرمل، أو جبل الرمل وأنه يجتمع في بلد السودان في برك عظام، ثم ينصب إلى ما لا يعرف، وإنه ليس بأبيض، فإمّا أن يكون اكتسب ذلك اللون، مما يمرّ عليه أو من نهر آخر ينصب إليه، وعليه أجناس من جانبيه، ثم النيل الأخضر، وهو نهر يأتي من القبلة مما يلي الشرق شديد الخضرة، صافي اللون جدّا، يرى ما في قعره من السمك، وطعمه مخالف لطعم النيل، يعطش الشارب منه بسرعة، وحيتان الجميع واحدة، غير أنّ الطعم مختلف، ويأتي فيه وقت الزيادة خشب الساج والبقم والغثاء، وخشب له رائحة كرائحة اللبان، وخشب غليظ ينحت ويعمل منه مقدام، وعلى شاطئه ينبت هذا الخشب أيضا، وقيل: إنه وجد فيه عود البخور. قال: وقد رأيت على بعض سقالات الساج المنحوتة التي تأتي فيه وقت الزيادة، علامة غريبة، ويجتمع هذان النهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملك بلد علوة، ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة، ثم يختلطان بعد ذلك، وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما. قال: وأخبرني من نقل النيل الأبيض، وصبه في النيل الأخضر فبقي فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا، وبين هذين النهرين، جزيرة لا يعرف لها غاية، وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية، فأوّلهما يعرف عرضه، ثم يتسع فيصير مسافة شهر، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض، لأنّ فيهما أجناسا كثيرة وخلقا عظيما، قال: وبلغني أنّ بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها، فلم يأت عليه بعد سنين، وإنّ في طرفها القبليّ جنسا يسكنون ودوابهم في بيوت تحت الأرض مثل السراديب بالنهار من شدّة

стр. 353

حرّ الشمس، ويسرحون في الليل، وفيهم قوم عراة، والأنهار الأربعة الباقية، تأتي أيضا من القبلة مما يلي الشرق أيضا في وقت واحد، ولا يعرف لها نهاية أيضا، وهي دون النهرين الأبيض والأخضر في العرض، وكثرة الخلجان والجزائر، وجميع الأنهار الأربعة تنصب في الأخضر، وكذلك الأوّل الذي قدّمت ذكره، ثم يجتمع مع الأبيض، وكلها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسفن وغيرها، وأحد هذه الأربعة يأتي مرّة من بلاد الحبشة. قال: ولقد أكثرت السؤال عنها، واستكشفتها من قوم عن قوم، فما وجدت مخبرا يقول إنه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار، والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب، وأنه يأتي في وقت الزيادة في هذه الأنهار، آلة مراكب وأبواب وغير ذلك، فيدل على عمارة بعد الخراب، فأمّا الزيادة فيجمعون أنها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها، والدليل على ذلك النهر الذي يجف ويسكن بطنه، ثم ينبع وقت الزيادة. ومن عجائبه: أنّ زيادته في أنهار مجتمعة، وسائر النواحي والبلدان في مصر وما يليها والصعيد وأسوان وبلد النوبة وعلوة، وما وراء ذلك في زمان واحد، وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنه ربما وجدت مثلا بأسوان، ولا توجد بقوص، ثم تأتي بعد فإذا كثرت الأمطار عندهم واتصلت السيول، علم أنها سنة ريّ، وإذا قصرت الأمطار علم أنها سنة ظمأ، قال: وأما من طرق بلاد الزنج فإنهم أخبروني عن مسيرهم في بحر الصين إلى بلاد الزنج بالريح الشماليّ، مساحلين للجانب الشرقيّ من جزيرة مصر، حتى ينتهوا إلى موضع يعرف برأس حفري، وهو عندهم آخر جزيرة مصر، فينظرون كوكبا يهتدون به، فيقصدون الغرب، ثم يعودون إلى البحري، ويصير الشمال في وجوههم، حتى يأتوا إلى قبيلة من بلاد الزنج وهي مدينة متملكهم، وتصير قبلتهم للصلاة إلى جدّة. قال: وبعض الأنهار الأربعة يأتي، من بلاد الزنج لأنه يأتي فيه الخشب الزنجيّ، وسوبة مدينة العلوي شرقيّ الجزيرة الكبرى التي بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشماليّ منها عند مجتمعهما، وشرقيها، النهر الذي يجف، ويسكن بطنه، وفيها أبنية حسان ودور واسعة، وكنائس كثيرة الذهب، وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين، ومتملك علوة أكثر مالا من متملك المقرة، وأعظم جيشا، وعنده من الخيل ما ليس عند المقري، وبلده أخصب وأوسع، والنخل والكرم عندهم يسير وأكثر حبوبهم الذرة البيضاء التي مثل الأرز منها، خبزهم ومزرهم واللحم عندهم كثير لكثرة المواشي، والمروج الواسعة العظيمة السعة، حتى أنه لا يوصل إلى الجبل إلا في أيام، وعندهم خيل عتاق، وجمال صهب عراب، ودينهم النصرانية يعاقبة، وأساقفتهم من قبل صاحب الإسكندرية كالنوبة، وكتبهم بالرومية يفسرونها بلسانهم، وهم أقل فهما من النوبة، وملكهم يسترق من شاء من رعيته بجرم، وبغير جرم، ولا ينكرون ذلك عليه، بل يسجدون له ولا يعصون أمره على

стр. 354

المكروه الواقع بهم، وينادون الملك يعيش فليكن أمره، وهو يتتوّج بالذهب، والذهب كثير في بلده. ومما في بلده من العجائب: أنّ في الجزيرة الكبرى التي بين البحرين جنسا يعرف: بالكرنينا، لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر، فإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم بما عنده من البذر، واختط على مقدار ما معه وزرع في أربعة أركان الخطة يسيرا، وجعل البذر في وسطه الخطة وشيئا من المزر، وانصرف عنه فإذا أصبح وجد ما اختط، قد زرع وشرب المزر، فإذا كان وقت الحصاد، حصد يسيرا منه ووضعه في موضع أراده ومعه مزر، وينصرف، فيجد الزرع قد حصد بأسره، وجرّن فإذا أراد دراسه وتذريته فعل به كذلك، وربما أراد أحدهم أن ينقي زرعه من الحشيش، فيلفظ بقلع شيء من الزرع فيصبح، وقد قلع جميع الزرع، وهذه الناحية التي فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد، وميرة بلد، علوة ومتملكهم من هذه الناحية، فيوجهون المراكب، فتوسق، وربما وقع بينهم حرب. قال: وهذه الحكاية صحيحة معروفة مشهورة عند جميع النوبة والعلوة، وكل من يطرق ذلك البلد من تجار المسلمين لا يشكون فيه ولا يرتابون به، ولولا أنّ اشتهاره وانتشاره مما لا يجوز التواطؤ على مثله، لما ذكرت شيئا منه لشناعته، فأما أهل الناحية، فيزعمون أن الجنّ تفعل ذلك، وأنها تظهر لبعضهم، وتخدمهم بحجارة ينطاعون لهم بها، وتعمل لهم عجائب، وأنّ السحاب يطيعهم؟!. قال: ومن عجائب ما حدّثني به متملك المقرة للنوبة، أنهم يمطرون في الجبال، ويلتقطون منه للوقت سمكا على وجه الأرض، وسألتهم عن جنسه، فذكروا أنه صغير القدر بأذناب حمر، قال: وقد رأيت جماعة وأجناسا ممن تقدّم ذكر أكثرهم يعترفون بالباري ، ويتقرّبون إليه بالشمس والقمر والكواكب، ومنهم من لا يعرف الباري ويعبد الشمس والنار، ومنهم من يعبد كل ما استحسنه من شجرة أو بهيمة، وذكر أنه رأى رجلا في مجلس عظيم المقرة سأله عن بلده؟ فقال: مسافته إلى النيل ثلاثة أهلة، وسأله عن دينه؟ فقال: ربي وربك اللّه، وربّ الملك، وربّ الناس كلهم واحد، وإنه قال له: فأين يكون؟ قال: في السماء وحده، وقال: إنه إذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء، أو وقع بدوابهم آفة صعدوا الجبل، ودعوا اللّه، فيجابون للوقت وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوه، وسأله هل أرسل فيكم رسول؟ قال: لا، فذكر له بعثة موسى وعيسى ومحمد صلوات اللّه عليهم وسلامه، وما أبدوا به من المعجزات، فقال: إذا كانوا فعلوا هذا، فقد صدقوا، ثم قال: قد صدّقتهم إن كانوا فعلوا. قال مؤلفه ﵀: وقد غلب أولاد، كنز الدولة على النوبة وملكوها (من

стр. 355

سنة) (١) وبنى بدنقلة جامع يأوي إليه الغرباء، واعلم أنّ على ضفة النيل أيضا، الكانم، وملكها مسلم، وبينه وبين بلاد مالي مسافة بعيدة جدّا، وقاعدة ملكه بلدة اسمها حميمي، وأوّل مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زرلا، وآخرها طولا بلدة يقال لها: كاكا، وبينهما نحو ثلاثة أشهر، وهم يتلثمون، وملكهم متحجب لا يرى إلا يومي العيدين بكرة، وعند العصر، وطول السنة لا يكلمه أحد إلا من وراء حجاب، وغالب عيشهم الأرز، وهو ينبت من غير بذر، وعندهم القمح والذرة والتين والليمون والباذنجان واللفت والرطب، ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه: دندي طول كل ثوب، عشرة أذرع، يشترون به من ربع ذراع فأكثر، ويتعاملون أيضا بالودع والخرز والنحاس المكسر والورق، وجميع ذلك بسعر ذلك القماش، وفي جنوبها شعارى وصحارى، فيها أشخاص متوحشة كالفيول قريبة من شكل الآدميّ لا يلحقها الفارس تؤذي الناس، ويظهر في الليل أيضا شبه نار تضيء، فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه، ولو جرى إليها لا يصل إليها بل لا تزال أمامه فإذا رماها بحجر، فأصابها تشظى منها شرر، وتعظم عندهم اليقطينة حتى تصنع منها مراكب يعبر فيها في النيل. وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدّة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط، وهي بلاد قحطان وشطن (٢) وسوء مزاج، وأوّل من بث بها الإسلام، الهادي العثمانيّ، ادّعى أنه من ولد عثمان بن عفان ﵁، وصارت بعده، لليزنيين من بني سيف بن ذي يزن، وهم على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀، والعدل قائم بينهم، وهم يابسون في الدين لا يلينون، وبنوا بمدينة مصر مدرسة للمالكية عرفت بمدرسة ابن رشيق في سني أربعين وستمائة، وصارت وفودهم تنزل بها، وسيرد ذكرها في المدارس إن شاء اللّه تعالى. ذكر البجة ويقال إنهم من البربر اعلم أنّ أول بلد البجة من قرية تعرف بالحزبة معدن الزمرّذ في صحراء قوص، وبين هذا الموضع، وبين قوص نحو من ثلاث مراحل، وذكر الجاحظ أنه ليس في الدنيا معدن للزمرّذ غير هذا الموضع، وهو يوجد في مغاير بعيدة مظلمة يدخل إليها بالمصابيح، وبحبال يستدل بها على الرجوع خوف الضلال، ويحفر عليه بالمعاول، فيوجد في وسط الحجارة، وحوله غشيم دونه في الصبغ والجوهر، وآخر بلاد البجة، أوّل بلاد الحبشة، وهم في بطن هذه الجزيرة أعني جزيرة مصر إلى سيف البحر الملح مما يلي جزائر سواكن، وباضع، ودهلك، وهم بادية يتبعون الكلأ، حيثما كان الرعي بأخبية من جلود.

стр. 356

وأنسابهم من جهة النساء، ولكل بطن منهم رئيس، وليس عليهم متملك ولا لهم دين، وهم يورثون، ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب، ويقولون: إنّ ولادة ابن الأخت وابن البنت، أصح فإنه إن كان من زوجها، أو من غيره، فهو ولدها على كل حال، وكان لهم قديما رئيس يرجع جميع رؤسائهم إلى حكمه يسكن قرية تعرف: بهجر، هي أقصى جزيرة البجة، ويركبون النجب الصهب، وتنتج عندهم، وكذلك الجمال العراب كثيرة عندهم أيضا، والمواشي من البقر والغنم والضأن غاية في الكثرة عندهم، وبقرهم، وحسان ملعمة بقرون عظام، ومنها جمّ وكباشهم كذلك منمرة ولها ألبان، وغذاؤهم اللحم وشرب اللبن، وأكلهم للجبن قليل، وفيهم من يأكله، وأبدانهم صحاح وبطونهم خماص، وألوانهم مشرقة الصفرة، ولهم سرعة في الجري يباينون بها الناس، وكذلك جمالهم شديدة العدو صبورة عليه، وعلى العطش، يسابقون عليها الخيل، ويقاتلون عليها، وتدور بهم كما يشتهون، ويقطعون عليها من البلاد ما يتفاوت ذكره، ويتطاردون عليها في الحرب، فيرمي الواحد منهم الحربة فإن وقعت في الرمية طار إليها الجمل، فأخذها صاحبها، وإن وقعت في الأرض ضرب الجمل بجرانه الأرض فأخذها صاحبها. ونبغ منهم في بعض الأوقات رجل يعرف بكلاز شديد مقدام، وله جمل ما سمع بمثله في السرعة، وكان أعور، وصاحبه كذلك التزم لقومه أنه يشرف على مصلى مصر يوم العيد، وقد قرب العيد قربا لا يكون للبلوغ إليها في مثله حقيقة، فوفى بذلك، وأشرف على المقطم وضربت الخيل خلفه فلم يلحق، وهذا هو الذي أوجب أن يكون في السفح طليعة يوم العيد، وكان الطولونية وغيرهم: من أمراء مصر يوقفون في سفح الجبل المقطم، مما يلي الموضع المعروف: بالحبش، جيشا كثيفا مراعيا للناس حتى ينصرفوا من عيدهم في كل عيد، وهم أصحاب ذمّة فإذا غدر أحدهم رفع المغدور به ثوبا على حربة، وقال: هذا عرش فلان يعني أبا الغادر، فتصير سيئة عليه إلى أن يترضاه، وهم يبالغون في الضيافة، فإذا طرق أحدهما الضيف ذبح له، فإذا تجاوز ثلاثة نفر نحر لهم من أقرب الأنعام إليه سواء كانت له أو لغيره، وإن لم يكن شيء نحر راحلة الضيف، وعوّضه ما هو خير منها، وسلاحهم الحراب السباعية مقدار طول الحديدة ثلاثة أذرع، والعود أربعة أذرع، وبذلك سميت سباعية والحديدة في عرض السيف لا يخرجونها من أيديهم إلا في بعض الأوقات، لأنّ في آخر العود شيئا شبيها بالفلكة يمنع خروجها عن أيديهم، وصناع هذه الحراب نساء في موضع لا يختلط بهنّ رجل إلا المشتري منهنّ. فإذا ولدت إحداهنّ من الطارقين لهنّ جارية استحيتها، وإن ولدت غلاما قتلته، ويقلن: إنّ الرجال بلاء وحرب، ودرقهم من جلود البقر مشعرة، ودرق مقلوبة تعرف بالأكسومة من جلود الجواميس، وكذلك الدهلكية ومن دابة في البحر، وقسيّهم عربية كبار

стр. 357

غلاظ من السدر والشوحط يرمون عليها بنبل مسموم، وهذا السم يعمل من عروق شجر الغلف يطبخ على النار حتى يصير مثل الغرا فإذا أرادوا تجربته شرط أحدهم جسده، وسيل الدم ثم شممه هذا السم، فإذا تراجع الدم علم أنه جيد، ومسح الدم لئلا يرجع إلى جسمه فيقتله، فإذا أصاب الإنسان قتل لوقته، ولو مثل شرطة الحجام، وليس له عمل في غير الجرح والدم وإن شرب منه لم يضرّ، وبلدانهم كلها معادن، وكلما تصاعدت كانت أجود ذهبا وأكثر، وفيها معادن الفضة والنحاس والحديد والرصاص وحجر المغناطيس والمرقشيتا والحمست والزمرّذ وحجارة شطبا، فإذا بلّت الشطبة منها بزيت وقدت مثل الفتيلة وغير ذلك مما شغلهم طلب معادن الذهب عما سواه. والبجة لا تتعرّض لعمل شيء من هذه المعادن، وفي أوديتهم شجر المقل (١) والإهليلج والإذخر، والشيح والسنا والحنظل، وشجر البان وغير ذلك، وبأقصى بلدهم: النخل وشجر الكرم والرياحين، وغير ذلك مما لم يزرعه أحد، وبها سائر الوحش من السباع والفيلة والنمور والفهود والقردة وعناق الأرض والزباد، ودابة تشبه الغزال حسنة المنظر لها قرنان على لون الذهب قليلة البقاء إذا صيدت، ومن الطيور: الببغاء، والنقيط، والنوبيّ، والقماريّ، ودجاج الحبش، وحمام بازين، وغير ذلك. وليس منهم رجل إلا منزوع البيضة اليمنى، وأما النساء فمقطوع أشفار فروجهنّ وإنه يلتحم حتى يشق عنه للمتزوّج بمقدار ذكر الرجل، ثم قلّ هذا الفعل عندهم، وقيل: إنّ السبب في ذلك أنّ ملكا من الملوك حاربهم قديما، ثم صالحهم وشرط عليهم قطع ثديّ من يولد لهم من النساء، وقطع ذكور من يولد من الرجال، أراد بذلك قطع النسل منهم، فوفوا بالشرط، وقلبوا المعنى في أن جعلوا قطع الثديّ للرجال، والفروج للنساء، وفيهم جنس يقلعون ثناياهم ويقولون: لا نتشبه بالحمير، وفيهم جنس آخر في آخر بلاد البجة يقال لهم: البازة، نساء جميعهم يتسمون باسم واحد، وكذلك الرجال، فطرقهم في وقت رجل مسلم له جمال، فدعا بعضهم بعضا، وقالوا: هذا اللّه قد نزل من السماء، وهو جالس تحت الشجرة، فجعلوا ينظرون إليه من بعد. وتعظم الحيات ببلدهم وتكثر أصنافها، ورئيت حية في غدير ماء، قد أخرجت ذنبها والتفت على امرأة وردت فقتلتها، فرؤي شحمها قد خرج من دبرها من شدّة الضغطة، وبها حية ليس لها رأس، وطرفاها سواء منقشة ليست بالكبيرة إذا مشى الإنسان على أثرها مات، وإذا قتلت وأمسك القاتل ما قتلها به من عود أو حربة في يده، ولم يلقه من ساعته مات، وقتلت حية منها بخشبة، فانشقت الخشبة، وإذا تأمّل هذه الحية أحد، وهي ميتة أو حية أصابه ضررها، وفي البجة شرّ وتسرع إليه، ولهم في الإسلام وقبله أذية على شرق صعيد

стр. 358

مصر خرّبوا هناك قرى عديدة، وكانت فراعنة مصر تغزوهم وتوادعهم أحيانا لحاجتهم إلى المعادن، وكذلك الروم لما أن ملكوا مصر، ولهم في المعادن آثار مشهورة، وكان أصحابهم بها وقد فتحت مصر. قال عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم: وتجمع لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، في انصرافه من النوبة على شاطئ النيل البجة، فسأل عن شأنهم؟ فأخبر: أن ليس لهم ملك يرجعون إليه، فهان عليه أمرهم، وتركهم، فلم يكن لهم عقد ولا صلح، وكان أوّل من هادنهم عبيد اللّه بن الحبحاب السلوليّ، ويذكر أنه وجد في كتاب ابن الحبحاب، لهم ثلثمائة بكر في كل عام حين ينزلون الريف مجتازين تجارا غير مقيمين على أن لا يقتلوا مسلما، ولا ذميّا، فإن قتلاه فلا عهد لهم، ولا يؤوا عبيد المسلمين، وأن يردّوا آبقيهم إذا وقعوا إليهم. ويقال: إنهم كانوا يؤاخذون بهذا وبكل شاة أخذها البجاوي فعليه أربعة دنانير، وللبقرة عشرة، وكان وكيلهم مقيما بالريف رهينة بيد المسلمين، ثم كثر المسلمون في المعدن فخالطوهم وتزوّجوا فيهم، وأسلم كثير من الجنس المعروف بالحدارب إسلاما ضعيفا، وهم شوكة القوم، ووجوههم، وهم مما يلي مصر من أوّل حدّهم إلى العلاقي، وعيذاب المعبر منه إلى جدّة وما وراء ذلك، ومنهم جنس آخر يعرفون بالرنافج هم أكثر عددا من الحدارب غير أنهم تبع لهم وخفراؤهم يحمونهم ويحبونهم المواشي ولكل رئيس من الحدارب، قوم من الرنافج في حملته، فهم كالعبيد يتوارثونهم بعد أن كانت الرنافج قديما أظهر عليهم، ثم كثرت أذيتهم على المسلمين، وكان ولاة أسوان من العراق، فرفع إلى أمير المؤمنين المأمون خبرهم، فأخرج إليهم عبد اللّه بن الجهم، فكانت له معهم وقائع، ثم وادعهم، وكتب بينه وبين ركنون رئيسهم الكبير الذي يكون بقريتهم، هجر المقدّم ذكرها كتابا نسخته: هذا كتاب، كتبه عبد اللّه بن الجهم مولى أمير المؤمنين صاحب جيش الغزاة عامل الأمير أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد أبقاه اللّه في شهر ربيع الأوّل سنة ست عشرة ومائتين، لكنون بن عبد العزيز عظيم البجة بأسوان، إنك سألتني وطلبت إليّ أن أؤمنك وأهل بلدك من البجة، وأعقد لك ولهم أمانا عليّ، وعلى جميع المسلمين، فأجبتك إلى أن عقدت لك، وعلى جميع المسلمين أمانا ما استقمت، واستقاموا على ما أعطيتني، وشرطت لي في كتابي هذا، وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حدّ أسوان من أرض مصر إلى حدّ ما بين دهلك (١) وباضع (٢) ملكا للمأمون عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين أعزه اللّه تعالى، وأنت وجميع أهل بلدك عبيد لأمير المؤمنين إلا أنك تكون في

стр. 359

بلدك ملكا على ما أنت عليه في البجة، وعلى أن تؤدّي إليه الخراج في كل عام على ما كان عليه سلف البجة، وذلك مائة من الإبل، أو ثلثمائة دينار وازنة داخلة في بيت المال، والخيار في ذلك لأمير المؤمنين ولولاته، وليس لك أن تخرم شيئا عليك من الخراج، وعلى أنّ كل أحد منكم إن ذكر محمدا رسول اللّه ﷺ أو كتاب اللّه أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به، أو قتل أحدا من المسلمين حرّا أو عبدا، فقد برئت منه الذمّة، ذمّة اللّه وذمّة رسوله ﷺ ، وذمّة أمير المؤمنين، أعزه اللّه، وذمة جماعة المسلمين، وحلّ دمه كما يحلّ دم أهل الحرب وذراريهم، وعلى أنّ أحدا منكم إن أعان المحاربين على أهل الإسلام بمال أو دلّه على عورة من عورات المسلمين، أو أثر لعزتهم فقد نقض ذمّة عهده وحلّ دمه، وعلى أنّ أحدا منكم إن قتل أحدا من المسلمين عمدا أو سهوا أو خطأ حرّا أو عبدا أو أحدا من أهل ذمة المسلمين أو أصاب لأحد من المسلمين أو أهل ذمّتهم ما لا ببلد البجة، أو ببلاد الإسلام أو ببلاد النوبة أو في شيء من البلدان برّا أو بحرا، فعليه في قتل المسلم عشر ديات، وفي قتل العبد المسلم عشر قيم، وفي قتل الذميّ عشر ديات من دياتهم، وفي كل مال أصبتموه للمسلمين، وأهل الذمّة عشرة أضعافه، وإن دخل أحد من المسلمين بلاد البجة تاجرا أو مقيما أو مجتازا أو حاجا فهو آمن فيكم كأحدكم حتى يخرج من بلادكم، ولا تؤوا أحدا من آبقي المسلمين، فإن أتاكم آت فعليكم أن تردّوه إلى المسلمين، وعلى أن تردوا أموال المسلمين إذا صارت في بلادكم بلا مؤنة تلزمهم في ذلك، وعلى أنكم إن نزلتم ريف صعيد مصر لتجارة أو مجتازين لا تظهرون سلاحا، ولا تدخلون المدائن والقرى بحال، ولا تمنعوا أحدا من المسلمين الدخول في بلادكم والتجارة فيها برّا ولا بحرا، ولا تخيفوا السبيل، ولا تقطعوا الطريق على أحد من المسلمين، ولا أهل الذمّة، ولا تسرقوا لمسلم ولا ذميّ مالا وعلى أن لا تهدموا شيئا من المساجد التي ابتناها المسلمون، بصيحة وهجر، وسائر بلادكم طولا وعرضا فإن فعلتم ذلك، فلا عهد لكم ولا ذمّة. وعلى أن كنون بن عبد العزيز، يقيم بريف صعيد مصر وكيلا يفي للمسلمين بما شرط لهم من دفع الخراج، وردّ ما أصابه البجة للمسلمين من دم ومال، وعلى أن أحدا من البجة لا يعترض حدّ القصر إلى قرية يقال لها قبان، من بلد النوبة حدّا لا عمدة عقد، عبد اللّه بن الجهم، مولى أمير المؤمنين لكنون بن عبد العزيز، كبير البجة الأمان على ما سمينا وشرطنا في كتابنا هذا، وعلى أن يوافي به أمير المؤمنين فإن زاغ كنون أو عاث فلا عهد له، ولا ذمّة، وعلى كنون أن يدخل عمال أمير المؤمنين بلاد البجة، لقبض صدقات من أسلم من البجة، وعلى كنون الوفاء بما شرط، لعبد اللّه بن الجهم، وأخذ بذلك عهد اللّه عليه بأعظم ما أخذ على خلقه من الوفاء والميثاق. ولكنون بن عبد العزيز، ولجميع البجة: عهد اللّه وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين، وذمّة الأمير، أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد، وذمّة عبد اللّه بن الجهم، وذمّة المسلمين

стр. 360

بالوفاء، بما أعطاه عبد اللّه بن الجهم، ما وفى كنون بن عبد العزيز بجميع ما شرط عليه، فإن غيّر كنون، أو بدّل أحد من البجة، فذمّة اللّه جل اسمه، وذمّة أمير المؤمنين، وذمّة الأمير أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد، وذمّة عبد اللّه بن الجهم، وذمّة المسلمين بريئة منهم، وترجم جميع ما في هذا الكتاب حرفا حرفا، زكريا بن صالح المخزوميّ من سكان جدّة وعبد اللّه بن إسماعيل القرشيّ، ثم نسق جماعة من شهود أسوان، فأقام البجة على ذلك برهة، ثم عادوا إلى غزو الريف من صعيد مصر، وكثر الضجيج منهم إلى أمير المؤمنين، جعفر المتوكل على اللّه، فندب لحربهم، محمد بن عبد اللّه القميّ، فسأل أن يختار من الرجال، من أحبّ، ولم يرغب إلى الكثرة لصعوبة المسالك. فخرج إليهم من مصر في عدّة قليلة، ورجال منتخبة، وسارت المراكب في البحر، فاجتمع البجة لهم في عدد كثير عظيم قد ركبوا الإبل، فهاب المسلمون ذلك، فشغلهم بكتاب طويل كتبه في طومار، ولفه بثوب فاجتمعوا لقراءته، فحمل عليهم، وفي أعناق الخيل الأجراس، فنفرت الجمال بالبجة، ولم تثبت لصلصلة الأجراس، فركب المسلمون أقفيتهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل كبيرهم، فقام من بعده، ابن أخيه، وبعث يطلب الهدنة، فصالحهم، على أن يطأ بساط أمير المؤمنين، فسار إلى بغداد، وقدم على المتوكل، بسرّمن رأى في سنة إحدى وأربعين ومائتين، فصولح على أداء الإداوة والبقط، واشترط عليهم أن لا يمنعوا المسلمين من العمل في المعدن. وأقام القميّ بأسوان مدّة، وترك في خزائنها ما كان معه من السلاح وآلة الغزو، فلم تزل الولاة تأخذ منه حتى لم يبقوا منه شيئا، فلما كثر المسلمون في المعادن، واختلطوا بالبجة، قلّ شرهم، وظهر التبر لكثرة طلابه، وتسامع الناس به فوفدوا من البلدان، وقدم عليهم أبو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحميد العمريّ، بعد محاربته النوبة في سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه ربيعة وجهينة وغيرهم من العرب، فكثرت بهم العمارة في البجة حتى صارت الرواحل التي تحمل الميرة إليهم من أسوان، ستين ألف راحلة، غير الجلاب التي تحمل من القلزم إلى عيذاب، ومالت البجة إلى ربيعة وتروّحوا إليهم. وقيل: إنّ كهان البجة قبل إسلام من أسلم منهم ذكرت، عن معبودهم الطاعة لربيعة، ولكنون معا، فهم على ذلك، فلما قتل العمريّ، واستولت ربيعة على الجزائر، والاهم على ذلك البجة، فأخرجت من خالفها من العرب، وتصاهروا إلى رؤساء البجة، وبذلك كف ضررهم عن المسلمين. والبجة الداخلة في صحراء بلد علوة مما يلي البحر الملح إلى أوّل الحبشة، ورجالهم في الظعن والمواشي واتباع الرعي والمعيشة، والمراكب والسلاح، كحال الحدارب، إلا أن الحدارب أشجع وأهدى من الداخلة على كفرهم من عبادة الشيطان، والاقتداء بكهانهم،

стр. 361

ولكل بطن كاهن يضرب له قبة من أدم معبدهم فيها، فإذا رأوا استخباره عما يحتاجون إليه تعرّى، ودخل إلى القبة مستدبرا، ويخرج إليهم وبه أثر جنون وصرع، يقول: الشيطان يقرئكم السلام، ويقول لكم: ارحلوا عن هذه الحلة، فإنّ الرهط الفلانيّ يقع بكم، وسألتم عن الغزو إلى بلد كذا، فسيروا فإنكم تظفرون وتغنمون كذا وكذا، والجمال التي تأخذونها من موضع كذا هي لي، والجارية الفلانية التي تجدونها في الخباء الفلانيّ، والغنم التي من صفتها كذا، ونحو هذا القول، فيزعمون أنه يصدقهم في أكثر من ذلك، فإذا غنموا أخرجوا من الغنيمة ما ذكر، ودفعوه إلى الكاهن يتموّله ويحرّمون ألبان نوقها على من لم يقبل، فإذا أرادوا الرحيل حمل الكاهن هذه القبة على جمل مفرد، فيزعمون أن ذلك الجمل لا يثور إلا بجهد، وكذلك سيره ويتصبب عرقا، والخيمة فارغة لا شيء فيها، وقد بقي في الحدارب جماعة على هذا المذهب، ومنهم من يتمسك بذلك مع إسلامه. قال مؤرخ النوبة: ومنه لخصت ما تقدّم ذكره، وقد قرأت في خطبة الأجناس لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁: ذكر البجة والكجة ويقول عنهم: شديد كلبهم، قليل سلبهم، فالبجة كذلك، وأما الكجة، فلا أعرفهم انتهى ما ذكره عبد اللّه بن أحمد مؤرخ النوبة. وقال أبو الحسن المسعودي: فأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعبوا فرقا وملّكوا عليهم ملكا، وفي أرضهم معادن الذهب، وهو التبر ومعادن الزمرّذ، وتتصل سراياهم ومناسرهم على النجب إلى بلاد النوبة، فيغزون ويسبون، وقد كانت النوبة قبل ذلك أشدّ من البجة إلى أن قوي الإسلام، وظهر وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب، وبلاد العلاقي وعيذاب، وسكن في تلك الديار خلق من من العرب من ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فاشتدّت شوكتهم، وتزوّجوا من البجة، فقويت البجة، ثم صاهرها قوم من ربيعة، فقويت ربيعة بالبجة على من ناواها، وجاورها من قحطان وغيرهم، ممن سكن تلك الديار. وصاحب المعدن في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، بشر بن مروان بن إسحاق بن ربيعة يركب في ثلاثة آلاف ألف من ربيعة وأحلافها من مصر، واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة في الجحف التحاوية، وهم الحدارب، وهم مسلمون ممن بين سائر البجة، والداخلة من البجة، كفار يعبدون صنما لهم، والبجة المالكة لمعدن الزمرّذ يتصل ديارها بالعلاقي، وهو معدن الذهب، وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان، وجزيرة سواكن أقل من ميل في ميل، وبينها وبين البحر الحبشي بحر قصير يخاض، وأهلها طائفة من البجة تسمى: الخاسة، وهم مسلمون ولهم بها ملك.

стр. 362

وقال الهمدانيّ: نكح كنعان بن حام أرتيب بنت شاويل بن ترس بن يافث، فولدت له حقا، والأساود، ونوبة، وقران، والزنج، والزغاوة، وأجناس السودان، وقيل: البجة من ولد حام بن نوح، وقيل: من ولد كوش بن كنعان بن حام، وقيل: البجة قبيلة من الحبش أصحاب أخبية من شعر، وألوانهم أشدّ سوادا من الحبشة يتزيون بزيّ العرب، وليس لهم مدن ولا قرى ولا مزارع، ومعيشتهم مما ينقل إليهم من أرض الحبشة، وأرض مصر والنوبة. وكانت البجة تعبد الأصنام، ثم أسلموا في إمارة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وفيهم كرم وسماحة، وهم قبائل وأفخاذ لكل فخذ رئيس، وهم أهل نجعة وطعامهم اللحم واللبن فقط. ذكر مدينة أسوان (١) أسوان من قولهم: أسى الرجل، يأسى أسى: إذا حزن، ورجل أسيان وأسوان: أي حزين، وأسوان في آخر بلاد الصعيد، وهي ثغر من ثغور الإقليم يفصل بين النوبة وأرض مصر، وكانت كثيرة الحنطة، وغيرها من الحبوب والفواكه والخضراوات والبقول، وكانت كثيرة الحيوان من الإبل والبقر والغنم، ولحمانها هناك غاية في الطيب والسمن، وكانت أسعارها أبدا رخيصة، وبها تجارات وبضائع تحمل منها إلى بلاد النوبة، ولا يتصل بأسوان من شرقها بلد إسلاميّ، وفي جنوبها جبل به معدن الزمرّذ، وهو في برّية منقطعة عن العمارة، وعلى خمسة عشر يوما من أسوان، معدن الذهب، ويتصل بأسوان من غربيها: الواحات، ويسلك من أسوان إلى عيذاب، ويتوصل من عيذاب إلى الحجاز وإلى اليمن والهند. قال المسعوديّ: ومدينة أسوان يسكنها خلق من العرب من قحطان، ونزار بن ربيعة ومضر، وخلق كثير من قريش، وأكثرهم من الحجاز والبلد كثير النخل خصيب، كثير الخير تودع النواة في الأرض فتنبت نخلة، ويؤكل من ثمرها بعد سنتين، ولمن بأسوان ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدّون خراجها إلى ملك النوبة، وابتيعت هذه الضياع من النوبة في صدر الإسلام في دولة بني أمية وبني العباس. وقد كان ملك النوبة استعدى المأمون حين دخل مصر على هؤلاء القوم، يوفد وفدهم إلى الفسطاط، ذكروا عنه أنّ أناسا من أهل مملكته وعبيده، باعوا ضياعا من ضياعهم ممن جاورهم من أهل أسوان وأنها ضياعه والقوم عبيد لا أملاك لهم، وإنما تملكهم على هذه

стр. 363

الضياع تملك العبيد العامرين فيها، فجعل المأمون أمرهم إلى الحاكم بمدينة أسوان، ومن بها من أهل العلم والشيوخ، وعلم من ابتاع هذه الضياع من أهل أسوان أنها ستنزع من أيديهم، فاحتالوا على ملك النوبة بأن يقدّموا إلى من ابتيع منهم من النوبة أنهم إذا حضروا حضرة الحاكم أن لا يقرّوا لملكهم بالعبودية، وأن يقولوا سبيلنا معاشر النوبة، سبيلكم مع ملككم، يجب علينا طاعته، وترك مخالفته فإن كنتم أنتم عبيدا لملككم وأموالكم له، فنحن كذلك، فلما جمع الحاكم بينهم وبين صاحب الملك، أتوا بهذا الكلام للحاكم ونحوه، مما أوقفوهم عليه من هذا المعنى، فمضى البيع لعدم إقرارهم بالرق لملكهم إلى هذا الوقت. وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس، وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين من وصفنا، أحرار غير عبيد، والنوع الآخر من أهل مملكته عبيد وهم من سكن النوبة في غير هذه البلاد المجاورة لأسوان وهي بلاد مريس. قال: وأما النوبة، فافترقت فرقتين، فرقة في شرق النيل وغربه، فأناخت على شاطئه، واتصلت ديارها بديار القبط من أرض صعيد مصر، واتسعت مساكن النوبة على شاطئ النيل مصعدة، ولحقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة، وهي مدينة عظيمة تدعى: دنقلة، والفرقة الأخرى من النوبة، يقال لها: علوة وبنوا مدينة عظيمة سموها: سرقته، والبلد المتصل مملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من أرض الصعيد، ومدينة أسوان. قال: وفي الجانب الشرقيّ من صعيد مصر جبل رخام عظيم كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها. فأما العمد والقواعد والرءوس التي يسميها أهل مصر الأسوانية، ومنها حجارة الطواحين، فتلك نقرها الأوّلون قبل حدوث النصرانية بمئين من السنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية. وفي ذي الحجة سنة أربع وأربعين وثلثمائة، أغار ملك النوبة على أسوان، وقتل جمعا من المسلمين، فخرج إليه محمد بن عبد اللّه الخازن على عسكر مصر من قبل، أو نوجور بن الإخشيد في محرّم سنة خمس وأربعين، فساروا في البرّ والبحر، وبعثوا بعدّة من النوبة أسروهم، فضربت أعناقهم، بعد ما أوقع بملك النوبة، وسار الخازن، حتى فتح مدينة أبريم وسبى أهلها، وقدم إلى مصر في نصف جمادى الأولى سنة خمس وأربعين بمائة وخمسين أسيرا، وعدّة رؤوس. وقال القاضي الفاضل: إنّ متحصل ثغر أسوان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة بلغ، خمسة وعشرين ألف دينار. وقال الكمال جعفر الأدفوي: وكان بأسوان ثمانون رسولا من رسل الشرع، وتحصل من أسوان في سنة واحدة، ثلاثون ألف أردب تمرا، وأخبرنا من وقف على مكتوب كان فيه أربعون شريفا خاصة، وأنّ مكتوبا آخر رأى فيه ستين شريفا دون من عداهم. قال: ووقفت أنا، على مكتوب فيه نحو من أربعين مؤرخ بما بعد العشرين وستمائة من الهجرة.

стр. 364

وكان بثغر أسوان، بنو الكنز من ربيعة أمراء ممدوحون مقصودون، صنع لهم الفاضل الشديد، أبو الحسن بن عرام سيرة، ذكر فيها مناقبهم، وأسماء من مدحهم ومن ورد عليهم، ولما أرسل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب جيشا إلى كنز الدولة وأصحابه ترحلوا عن البلاد، فدخلوا بيوتهم، فوجدوا بها قصائد من مدحهم منها، قصيدة أبي محمد الحسن بن الزبير قال فيها: وينجده إن خانه الدهر أوسطا … أناس إذا ما أنجد الذل اتهموا أجاروا فما تحت الكواكب خائف … وجادوا فما فوق البسيطة معدم وأنه أجازه عليها بألف دينار، ووقف عليه ساقية تساوي ألف دينار، وكان بأسوان رجال من العسكر مستعدون بالأسلحة لحفظ الثغر من هجوم النوبة والسودان عليه، فلما زالت الدولة الفاطمية أهمل ذلك، فسار ملك النوبة في عشرة آلاف، ونزله تجاه أسوان في جزيرة وأسر من كان فيها من المسلمين، ثم تلاشى بعد ذلك أمر الثغر، واستولى عليه أولاد الكنز من بعد سنة تسعين وسبعمائة، فأفسدوا فسادا كبيرا، وكانت لهم مع ولاة أسوان عدّة حروب إلى أن كانت المحن منذ سنة ست وثمانمائة، وخرب إقليم الصعيد، فارتفعت يد السنة عن ثغر أسوان، ولم يبق للسلطان في مدينة أسوان وال، واتضع حاله عدّة سنين، ثم زحفتّ هوّارة في محرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة إلى أسوان، وحاربت أولاد الكنز وهزموهم، وقتلوا كثيرا من الناس، وسبوا ما هناك من النساء والأولاد، واسترقوا الجميع وهدموا سور مدينة أسوان، ومضوا بالسبي، وقد تركوها خرابا يبابا لا سكن بها، فاستمرت على ذلك بعد ما كانت بحيث يقول عنها عبد اللّه بن أحمد بن سليم الأسوانيّ في كتاب أخبار النوبة: أن أبا عبد الرحمن عبد اللّه بن عبد الحميد العمريّ، لما غلب على المعدن كتب إلى أسوان يسأل التجار الخروج إليه بالجهاز من طريق المعدن، فخرج إليه رجل يعرف بعثمان بن حيخلة التميميّ في ألف راحلة فيها الجهاز والبرّ. وذكر أنّ العمريّ لما عاد إلى بلاد البجة بعد حروبه للنوبة، كثرت العمارة حتى صارت الرواحل التي تحمل الميرة إليهم من أسوان، ستين ألف راحلة، غير الجلاب التي تحمل من القلزم إلى عيذاب، قال: ومما شاهده جماعة من شيوخنا الثقات بأسوان بقرية تدعى أساشي، هي من أسوان على مرحلتين ونصف، أنهم رأوا شرقها من جانب النيل قرية بسور، وخارج بابها جميزة وناس يدخلون ويخرجون، فإذا عبروا إلى الموضع لم يجدوا شيئا، وهذا يكون في الشتاء دون الصيف قبل طلوع الشمس، والناس مجمعون على رؤيتها، وصحة هذا الخبر، وكان بها أنواع من التمر وأنواع من الرطب منها نوع من الرطب، أشدّ ما يكون من خضرة السلق. وأمر هارون الرشيد، أن يجمع له من ألوان تمر أسوان من كل صنف، تمرة واحدة،

стр. 365

فجمع له ويبة، ولا يعرف في الدنيا بسر يتتمر قبل أن يصير رطبا إلا بأسوان. ذكر بلاق (١) بلاق: أجلّ حصن للمسلمين، وهي جزيرة تقرب من الجنادل، محيط بها النيل فيها بلد كبير يسكنه خلق كثير من الناس وبها نخل عظيم، ومنبر في جامع وإليها تنتهي سفن النوبة، وسفن المسلمين من أسوان، وبينها وبين القرية التي تعرف بالقصر، وهي أوّل بلد النوبة ميل واحد، وبينها وبين أسوان أربعة أميال، ومن أسوان إلى هذا الموضع، جنادل في البحر، لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة، ودلالة من يخبر ذلك من الصيادين الذين يصيدون هناك، وبالقصر مسلحة وباب إلى بلد النوبة. ذكر حائط العجوز (٢) هذا الحائط، كان حصنا لأرض مصر، يحدق بجميعها، وكان فيه محارس ومسالح، ومن ورائه خليج يجري فيه الماء، معقود عليه القناطر، عملته دلوكة بنت زبا، وقد وهي وتلاشى، ولم يبق منه إلا يسير في شط النيل الشرقيّ ينتهي إلى أسوان. قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر: فبقيت مصر بعد غرقهم، يعني فرعون وجنوده، وليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق بها إلا العبيد، والأجراء، والنساء، فأعظم أشراف من بمصر من النساء، أن يولين منهم أحدا، وأجمع رأيهنّ، أن يولين امرأة منهن يقال لها: دلوكة بنت زبا، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت في شرف منهنّ وموضع، وهي يومئذ بنت مائة سنة وستين سنة، فملكوها، فخافت أن يتناولها ملوك الأرض، فجمعت نساء الأشراف فقالت لهنّ: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، ولا يمدّ عينه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا، وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم، وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع عليه المحارس من كل ناحية، فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس، فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلها، المزارع والمدائن والقرى، وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء، وأقامت القناطر والترع، وجعلت فيه محارس ومسالح على كل ثلاثة أميال، محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار على كل ميل، وجعلت في كل محرس رجالا، وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس، فأتاهم الخبر من أيّ جهة كانت في ساعة واحدة، فنظروا في ذلك، فمنعت

стр. 366

بذلك مصر، ممن أرادها، وفرغت من بنائه في ستة أشهر، وهو الجدار الذي يقال له: جدار العجوز بمصر، وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كبيرة، واللّه أعلم. ذكر البقط البقط: ما يقبض من سبي النوبة في كل عام، ويحمل إلى مصر، ضريبة عليهم، فإن كانت هذه الكلمة عربية، فهي إمّا من قولهم في الأرض بقط من بقل وعشب، أي نبذ من مرعى، فيكون معناه على هذا، نبذة من المال أو يكون من قولهم، إنّ في بني تميم، بقطا من ربيعة أي فرقة أو قطعة، فيكون معناه على هذا، فرقة من المال، أو قطعة منه، ومنه بقط الأرض، فرقة منها، وبقط الشيء: فرّقه. والبقط: أن تعطي الحبة على الثلث أو الربع، والبقط أيضا: ما سقط من التمر إذا قطع، فأخطأ المخرف، فيكون معناه على هذا بعض ما في أيدي النوبة، وكان يؤخذ منهم في قرية يقال لها: القصر، مسافتها من أسوان خمسة أميال فيما بين بلد بلاق وبلد النوبة، وكان القصر فرضة لقوص، وأوّل ما تقرّر هذا البقط على النوبة في إمارة عمرو بن العاص، لما بعث عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، بعد فتح مصر إلى النوبة سنة عشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين في عشرين ألفا، فمكث بها زمانا، فكتب إليه عمرو يأمره بالرجوع إليه. فلما مات عمرو ﵁، نقض النوبة الصلح الذي جرى بينهم وبين عبد اللّه بن سعد، وكثرت سراياهم إلى الصعيد، فأخربوا، وأفسدوا، فغزاهم مرّة ثانية عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان ﵁، سنة إحدى وثلاثين، وحصرهم بمدينة دنقلة حصارا شديدا، ورماهم بالمنجنيق، ولم تكن النوبة تعرفه وخسف بهم كنيستهم بحجر، فبهرهم ذلك، وطلب ملكهم واسمه: قليدوروث الصلح، وخرج إلى عبد اللّه وأبدى ضعفا ومسكنة وتواضعا، فتلقاه عبد اللّه ورفعه وقرّبه، ثم قرر الصلح معه على ثلثمائة وستين رأسا في كل سنة، ووعده عبد اللّه بحبوب يهديها إليه لما شكا له قلة الطعام ببلده، وكتب لهم كتابا نسخته بعد البسملة. عهد من الأمير عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته، عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد اللّه ابن سعد، جعل لهم أمانا وهدنة جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين، وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان اللّه وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حربا ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكم، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض

стр. 367

الإسلام، ولا تستولوا عليه، ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مصليا، وعليكم كنسه وإسراجه وتكرمته، وعليكم في كل سنة ثلثمائة وستون رأسا، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز، ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلما أو معاهدا، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئا من الثلاثمائة رأس والستين رأسا، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم اللّه بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم اللّه الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين. وكانت النوبة دفعت إلى عمرو بن العاص ما صولحوا عليه من البقط قبل نكثهم، وأهدوا إلى عمرو أربعين رأسا من الرقيق، فلم يقبلها، وردّ الهدية إلى كبير البقط ويقال له: سمقوس، فاشترى له بذلك جهازا وخمرا، ووجهه إليه، وبعث إليهم عبد اللّه بن سعد، ما وعدهم به من الحبوب، قمحا وشعيرا وعدسا وثيابا وخيلا، ثم تطاول الرسم على ذلك، فصار رسما يأخذونه عند دفع البقط في كل سنة، وصارت الأربعون رأسا التي أهديت إلى عمرو يأخذها والي مصر. وعن أبي خليفة حميد بن هشام البحتريّ، أن الذي صولح عليه النوبة، ثلثمائة وستون رأسا لفيء المسلمين، ولصاحب مصر أربعون رأسا ويدفع إليهم ألف أردب قمحا، ولرسله ثلثمائة أردب، ومن الشعير كذلك، ومن الخمر ألف اقتيز للمتملك، ولرسله ثلثمائة اقتيز، وفرسين من نتاج خيل الإمارة، ومن أصناف الثياب مائة ثوب، ومن القباطيّ أربعة أثواب للمتملك ولرسله ثلاثة، ومن البقطرية، ثمانية أثواب، ومن المعلمة خمسة أثواب وجبة مجملة للملك، ومن قمص أبي بقطر عشرة أثواب، ومن أحاص عشرة أثواب، وهي ثياب غلاظ. قال أبو خليفة: ليس في كتاب عبد اللّه بن وهب ولا في كتاب الواقديّ تسمية ينتهي إليها، وإنما أخذت التسمية من أبي زكريا، قال أبو زكريا: سمعت والدي عمرو بن صالح يقول هذا الخبر، فحفظت منه، ما وقفت عليه، وقال: حضرت مجلس الأمير، عبد اللّه بن طاهر، وهو على مصر، فقال: أنت عثمان بن صالح، الذي وجهنا إليك في كتاب بقط النوبة، قلت: نعم، فأقبل عليّ محفوظ بن سليمان، فقال: ما أعجب أمر هذه البلدة وجهنا

стр. 368

إليهم نطلب علما من علومهم، وإلى هذا الشيخ، فما شقانا أحد منهم، فقلت: أصلح اللّه الأمير، إنّ الذي طلبت من خبر النوبة عندي، قد حفظه شيوخ عن الشيوخ الذين حضروا هناك، والهدنة والصلح الذي جرى بين عبد اللّه بن سعد، وبين النوبة، ثم حدّثته عن أخبارهم، كما سمعت فأنكر عطية الخمر، فقلت: قد أنكرها عبد العزيز بن مروان، وكان هذا المجلس بفسطاط مصر سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد أن تم الصلح بينه وبين عبد اللّه بن السريّ بن الحكم التميميّ الأمير كان قبله، قال عثمان بن صالح، فوجه الأمير إلى الديوان بظهر المسجد الجامع بمصر، فاستخرج منه خبر النوبة، فوجده كما ذكرت، فسرّه ذلك. وعن مالك بن أنس: أنه كان يرى أنّ أرض النوبة إلى حدّ علوة صلح، وكان لا يجيز شراء رقيقهم، وكان أصحابه مثل عبد اللّه بن عبد الحكم، وعبد اللّه بن وهب، والليث بن سعد، ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم من فقهاء مصر، يرون خلاف ذلك. قال الليث بن سعد: نحن أعرف بأرض النوبة من الإمام مالك بن أنس، إنما صولحوا على أن لا تغزوهم، ولا تمنع منهم عدوّا فما استرقه متملكهم، أو غزا بعضهم بعضا، فشراؤه جائز، وما استرقه بغاة المسلمين وسرّاقهم، فغير جائز، وكان عند جماعة منهم جوار نوبيات لفرشهم، ولم يزل النوبة يؤدّون البقط في كل سنة، ويدفع إليهم ما تقدّم ذكره إلى أيام أمير المؤمنين المعتصم بالله، أبي إسحاق بن الرشيد، وكبير النوبة، يومئذ زكرياء بن بجنس، وكانت النوبة، ربما عجزت عن دفع البقط، فشنت الغارة عليهم ولاة المسلمين القريبون من بلادهم، ويمنع من إخراج الجهاز إليهم، فأنكر فيرقي ولد كبيرهم زكرياء على أبيه، بذله الطاعة لغيره، واستعجزه فيما يدفع، فقال له أبوه فما تشاء، قال: عصيانهم ومحاربتهم، قال أبوه: هذا شيء رآه السلف من آبائنا صوابا وأخشى أن يفضي هذا الأمر إليك فتقدم على محاربة المسلمين، غير أني أوجهك إلى ملكهم رسولا، فأنت ترى حالنا وحالهم فإن رأيت لنا بهم طاقة حاربناهم على خبرة وإلا سألته الإحسان إلينا، فشخص فيرقى إلى بغداد، وكانت البلدان تزين له ويسير على المدن، وانحدر بانحداره رئيس البجة بأسبابه، ولقيا المعتصم، فنظروا إلى ما بهرهما من حال العراق في كثرة الجيوش، وعظم العمارة مع ما شاهداه في طريقهما، فقرّب المعتصم فيرقي وأدناه وأحسن إليه إحسانا تامّا، وقبل هديته، وكافأه بأضعافها، وقال له: تمنّ ما شئت، فسأله في إطلاق المحبوسين فأجابه إلى ذلك، وكبر في عين المعتصم ووهب له الدار التي نزلها بالعراق وأمر أن يشتري له في كل منزل من طريقه دار تكون لرسلهم، فإنه امتنع من دخول دار لأحد في طريقه فأخذ له بمصر: دار بالجيزة، وأخرى ببني وائل، وأجرى لهم في ديوان مصر سبعمائة دينار وفرسا وسرجا ولجاما وسيفا محلّى وثوبا مثقلا وعمامة من الخز وقميص شرب ورداء شرب وثيابا لرسله غير محدودة عند وصول البقط إلى مصر، ولهم حملان وخلع على المتولي لقبض

стр. 369

البقط، وعليهم رسوم معلومة لقابض البقط والمتصرّفين معه، وما يهدي إليهم بعد ذلك فغير محدود، وهو عندهم هدية يجازون عليها، ونظر المعتصم إلى ما كان يدفعه المسلمون، فوجده أكثر من البقط، وأنكر عطية الخمر، وأجرى الحبوب والثياب التي تقدّم ذكرها، وقرّر دفع البقط بعد انقضاء كل ثلاث سنين، وكتب لهم كتابا بذلك بقي في يد النوبة، وادّعى النوبيّ على قوم من أهل أسوان أنهم اشتروا أملاكا من عبيده، فأمر المعتصم بالنظر في ذلك، فأحضر والي البلد، والمختار للحكم فيه، التابعين من النوبة وسألاهم: عما ادّعاه صاحبهم من بيعهم، فأنكروا ذلك، وقالوا: نحن رعية، فزال ما ادّعاه، وطلب أشياء غير ذلك من إزالة المسلحة المعروفة بالقصر عن موضعها إلى الحدّ الذي بينهم وبين المسلمين لأنّ المسلحة على أرضهم، فلم يجبه إلى ذلك، ولم يزل الرسم جاريا بدفع البقط على هذا التقرير، ويدفع إليهم ما أجراه المعتصم إلى أن قدمت الدولة الفاطمية إلى مصر، ذكر ذلك مؤرخ النوبة. وقال أبو الحسن المسعوديّ: والبقط هو ما يقبض من السبي في كل سنة، ويحمل إلى مصر ضريبة عليهم، وهو ثلثمائة رأس وخمسة وستون رأسا لبيت المال بشرط الهدنة بين النوبة والمسلمين، وللأمير بمصر غير ما ذكرنا أربعون رأسا، ولخليفته المقيم بأسوان وهو المتولي لقبض البقط عشرون رأسا وللحاكم المقيم بأسوان الذي يحضر مع أمير أسوان قبض البقط، خمسة أرؤس ولاثني عشر شاهدا عدول من أهل أسوان يحضرون مع الحاكم لقبض البقط اثنا عشر رأسا من السبي على حسب ما جرى به الرسم في صدر الإسلام في بدء إيقاع الهدنة بين المسلمين والنوبة. وقال البلاذري (١) في كتاب الفتوحات: إنّ المقرّر على النوبة أربعمائة رأس يأخذون بها طعاما، أي غلة وألزمهم أمير المؤمنين المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور، ثلثمائة وستين رأسا وزراقة. وفي سنة أربع وسبعين وستمائة، كثر خبث داود، متملك النوبة، وأقبل إلى أن قرب من مدينة أسوان، وحرّق عدّة سواق، بعد ما أفسد بعيذاب، فمضى إليه والي قوص، فلم يدركه، وقبض على صاحب الخيل في عدّة من النوبة، وحملهم إلى السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري بقلعة الجبل فوسطهم وقدم سكندة ابن أخت متملك النوبة متظلما من خاله داود، فجرّد السلطان معه الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني الإستادار، والأمير عز الدين إيبك الأفرم، وأمير جاندار في جماعة كثيرة من العسكر، ومن أجناد الولايات وعربان

стр. 370

الوجه القبليّ والزراقين والرماة ورجال الحراريق، فساروا في أوّل شعبان من القاهرة حتى وصلوا إلى أرض النوبة، فخرجوا إلى لقائهم على النجب بأيديهم الحراب، وعليهم دكادك سود، فاقتتل الفريقان قتالا كبيرا، انهزم فيه النوبة وأغاز الأفرم على قلعة الدار، وقتل وسبى وأوغل الفارقاني في أرض النوبة برّا وبحرا، يقتل ويأسر، فحاز من المواشي ما لا يعدّ، ونزل بجزيرة ميكائيل برأس الجنادل، ونفر المراكب من الجنادل، ففرّ النوبة إلى الجزائر، وكتب لقمر الدولة نائب داود متملك النوبة أمانا، فحلف لسكندة على الطاعة، وأحضر رجال المريس ومن فرّ، وخاض الأفرم إلى برج في الماء وحصره، حتى أخذه وقتل به مائتين وأسر أخا لداود، فهرب داود والعسكر في أثره، مدّة ثلاثة أيام وهم يقتلون ويأسرون، حتى أذعن القوم، وأسرت أم داود وأخته، ولم يقدر على داود، فتقرّر سكندة عوضه، وقرّر على نفسه القطيعة في كل سنة ثلاث فيلة، وثلاث زرافات، وخمس فهود من أناثها، ومائة نجيب أصهب، وأربعمائة رأس من البقر المنتجة، على أن تكون بلاد النوبة نصفين، نصفها للسلطان، ونصفها لعمارة البلاد، وحفظها ما خلا بلاد الجنادل، فإنها كلها للسلطان لقربها من أسوان، وهي نحو الربع من بلاد النوبة، وأن يحمل ما بها من التمر والقطن، والحقوق الجارية بها العادة من قديم الزمان، وأن يقوموا بالجزية ما بقوا على النصرانية، فيدفع كل بالغ منهم في السنة دينارا عينا، وكتب نسخة يمين بذلك، حلف عليها الملك سكندة. ونسخة يمين أخرى، حلفت عليها الرعية، وخرّب الأميران كنائس النوبة، وأخذ ما فيها، وقبض على نحو عشرين أميرا من أمراء النوبة، وأفرج عمن كان بأيدي النوبة من أهل أسوان وعيذاب من المسلمين في أسرهم، وألبس سكندة تاج الملك، وأقعد على سرير المملكة، بعد ما حلف والتزم أن يحمل جميع ما لداود، ولكل من قتل وأسر من مال ودواب إلى السلطان مع البقط القديم، وهو أربعمائة رأس من الرقيق، في كل سنة وزرافة من ذلك ما كان للخليفة ثلثمائة وستون رأسا، ولنائبه بمصر أربعون رأسا، على أن يطلق لهم إذا وصلوا بالبقط تاما من القمح ألف أردب لمتملكهم، وثلثمائة أردب لرسله. ذكر صحراء عيذاب (١) اعلم أنّ حجاج مصر والمغرب، أقاموا زيادة على مائتي سنة لا يتوجهون إلى مكة شرّفها اللّه تعالى، إلا من صحراء عيذاب يركبون النيل من ساحل مدينة مصر الفسطاط إلى قوص (٢)، ثم يركبون الإبل من قوص، ويعبرون هذه الصحراء إلى عيذاب، ثم يركبون البحر

стр. 371

في الجلاب إلى جدّة ساحل مكة، وكذلك تجار الهند واليمن والحبشة، يردون في البحر إلى عيذاب، ثم يسلكون هذه الصحراء إلى قوص، ومنها يردون مدينة مصر، فكانت هذه الصحراء لا تزال عامرة آهلة بما يصدر، أو يرد من قوافل التجار والحجاج، حتى إن كانت أحمال البهار كالقرفة والفلفل، ونحو ذلك لتوجد ملقاة بها والقفول صاعدة وهابطة لا يعترض لها أحد، إلى أن يأخذها صاحبها. فلم تزل مسلكا للحجاج في ذهابهم وإيابهم، زيادة على مائتي سنة من أعوام بضع وخمسين وأربعمائة، إلى أعوام بضع وستين وستمائة، وذلك منذ كانت الشدّة العظمى في أيام الخليفة المستنصر بالله أبي تميم معدّ بن الظاهر، وانقطاع الحج في البرّ إلى أن كسا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، الكعبة وعمل لها مفتاحا، ثم أخرج قافلة الحاج من البرّ في سنة ست وستين وستمائة، فقلّ سلوك الحجاج لهذه الصحراء، واستمرّت بضائع التجار تحمل من عيذاب إلى قوص، حتى بطل ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة، وتلاشى أمر قوص من حينئذ، وهذه الصحراء مسافتها من قوص إلى عيذاب سبعة عشر يوما، ويفقد فيها الماء ثلاثة أيام متوالية، وتارة يفقد أربعة أيام، وعيذاب مدينة على ساحل بحر جدّة، وهي غير مسوّرة، وأكثر بيوتها أخصاص، وكانت من أعظم مراسي الدنيا بسبب أنّ مراكب الهند واليمن تحط فيها البضائع، وتقلع منها مع مراكب الحجاج الصادرة والواردة، فلما انقطع ورود مراكب الهند واليمن إليها صارت المرسى العظيمة عدن من بلاد اليمن إلى أن كانت أعوام بضع وعشرين وثمانمائة، فصارت جدّة أعظم مراسي الدنيا، وكذلك هرمز، فإنها مرسى جليل، وعيذاب في صحراء لا نبات فيها، وكل ما يؤكل بها مجلوب إليها حتى الماء، وكان لأهلها من الحجاج والتجار فوائد لا تحصى، وكان لهم على كل حمل يحملونه للحجاج ضريبة مقرّرة، وكانوا يكارون الحجاج الجلاب التي تحملهم في البحر إلى جدّة، ومن جدّة إلى عيذاب، فيجتمع لهم من ذلك مال عظيم، ولم يكن في أهل عيذاب إلا من له جلبة فأكثر على قدر يساره. وفي بحر عيذاب، مغاص اللؤلؤ في جزائر قريبة منها تخرج إليها الغوّاصون في وقت معين من كل سنة، في الزوارق حتى يوافوه بتلك الجزائر، فيقيمون هنالك أياما، ثم يعودون بما قسم لهم من الحظ والمغاص فيها قريب القعر، وعيش أهل عيذاب، عيش البهائم، وهم أقرب إلى الوحش في أخلاقهم من الإنس، وكان الحجاج: يجدون في ركوبهم الجلاب على البحر أهوالا عظيمة لأنّ الرياح تلقيهم في الغالب بمراس في صحارى بعيدة مما يلي الجنوب، فينزل إليهم التجار من جبالهم، فيكارونهم الجمال، ويسلكون بهم على غير ماء، فربما هلك أكثرهم عطشا، وأخذ التجار ما كان معهم، ومنهم من يضلّ ويهلك عطشا،

стр. 372

والذي يسلم منهم يدخل إلى عيذاب، كأنه نشر من كفن، قد استحالت هيئاتهم وتغيرت صفاتهم، وأكثر هلاك الحجاج بهذه المراسي، ومنهم من يساعده الريح فتحطه بمرسى عيذاب، وهو الأقل وجلباتهم التي تحمل الحجاج في البحر لا يستعمل فيها مسمار البتة، إنما يخيط خشبها بالقنبار، وهو متخذ من شجر النارجيل، ويخللونها بدسر من عيدان النخل، ثم يسقونها بسمن أو دهن الخروع أو دهن القرش، وهو حوت عظيم في البحر، يبتلع الغرقى وقلاع هذه الجلاب من خوص شجر المقل. ولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت فإنهم يبالغون في شحن الجلبة بالناس حتى يبقى بعضهم فوق بعض حرصا على الأجرة، ولا يبالون بما يصيب الناس في البحر، بل يقولون دائما علينا بالألواح، وعلى الحجاج بالأرواح، وأهل عيذاب من البجاة. ولهم ملك منهم، وبها وال من قبل سلطان مصر، وأدركت قاضيها عندنا بالقاهرة، أسود اللون، والبجاة قوم لا دين لهم، ولا عقل، ورجالهم ونساؤهم أبدا عراة، وعلى عوراتهم خرق، وكثير منهم لا يسترون عوراتهم، وعيذاب حرّها شديد بسموم محرق. ذكر مدينة الأقصر هذه المدينة من مدائن الصعيد العظيمة، يقال: إنّ أهلها المريس، ومنها: الحمير المريسية. ذكر البلينا (١) هذه (٢) وذكر الكمال الأدفويّ: أنه وقع بين أهل البلاد، ووالي قوص، فتوجهوا إلى القاهرة وصرفوه، وولي غيره وطلع الخطيب بالبلينا صحبته، وكان إقطاعه أرمنت، فلما وصل إليها أضافه أهلها، بستين منسفا من طعام اللبن، فقال للخطيب: في بلادكم مثل هذا؟ فقال الخطيب: وحلوى، فلما وصل إلى أخميم، تقدّم الخطيب إلى البلينا، فعند ما وصل الوالي إليها، أخرجوا له ستين منسفا حلوى، وستين منسفا شواء، قال: وبعض الحكام بها في عيد من الأعياد، امتدحه من أهلها خمسة وعشرون شاعرا، وفيها من لا يرضى بمدح القاضي، وفيها من تقصر رتبته عن ذلك، قال: وكان عدّة مسابك للسكر، ويوصف أهلها بالمكارم.

стр. 373

ذكر سمهود (١) هذه المدينة بالجانب الغربيّ من النيل، قال الأدفوي: كان بسمهود سبعة عشر حجرا لاعتصار قصب السكر. ويقال: إنّ الفار لا يدخل قصبها. ذكر إرجنّوس (٢) هذه المدينة من جملة عمل البهنسا، بها كنيسة بظاهرها، فيها بئر يقال لها بئر سيرس صغيرة، لها عيد يعمل في اليوم الخامس والعشرين من بشنس أحد شهور القبط، فيفور بها الماء، عند مضي ست ساعات من النهار حتى يطفو، ثم يعود إلى ما كان عليه، ويستدل النصارى على زيادة النيل في كل سنة، بقدر ما علا الماء من الأرض، فيزعمون أنّ الأمر في النيل وزيادته يكون موافقا لذلك. ذكر أبويط (٣) هذه المدينة أيضا من جملة البهنساوية، كان بها منارة محكمة البناء، إذا هزها الرجل تحرّكت يمينا وشمالا، فيرى ميلها رؤية ظاهرة بانتقال ظلها عن موضعه. ذكر ملوى هذه المدينة بالجانب الغربيّ من النيل، وأرضها معروفة بزراعة قصب السكر، وكان بها عدّة أحجار لاعتصاره، وآخر من كان بها أولاد فضيل، بلغت زراعتهم في أيام الناصر محمد بن قلاون ألفا وخمسمائة فدّان من القصب، في كل سنة، فأوقع النشو، ناظر الخاص الحوطة على موجودهم في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فوجد من جملة مالهم، أربعة عشر ألف قنطار من القند، حملها إلى دار القند بمصر، سوى العسل، وألزمهم بحمل ثمانية آلاف قنطار بعد ذلك، وأفرج عنهم فوجدوا لهم حاصلا لم يهتد له النشو فيه عشرة آلاف قنطار قند، سوى مالهم من عبيد وغلال وغير ذلك. ذكر مدينة أنصنا (٤) اعلم أن مدينة أنصنا إحدى مدائن صعيد مصر القديمة، وفيها عدّة عجائب، منها الملعب، ويقال: إنه كان مقياس النيل، وإنه من بناء دلوكة أحد من ملك مصر، وكان

стр. 374

كالطيلسان، وفي دائرة عمد على عدّة أيام السنة الشمسية، كلها من الصوّان الأحمر الماتع، ومسافة ما بين كل عمودين، مقدار خطوة إنسان، وكان ماء النيل يدخل إلى هذا الملعب من فوهة عند زيادة الماء، فإذا بلغ ماء النيل الحدّ الذي كان إذ ذاك يحصل منه ريّ أرض مصر وكفايتها، جلس الملك عند ذلك في مشرف له، وصعد القوم من خواصه إلى رؤوس الأعمدة المذكورة، فيتعادون عليها ما بين ذاهب وآت، ويتساقطون من الأعمدة إلى الملعب، وهو ممتلئ بالماء. قال أبو عبيد البكريّ: أنصنا، بفتح أوّله وإسكان ثانيه بعده صاد مهملة مكسورة ونون وألف، كورة من كور مصر معروفة منها: كانت سريّة النبيّ ﷺ أمّ ابنه إبراهيم من قرية يقال لها حفن من قرى هذه الكورة، ويقال: إن سحرة فرعون كانوا منها، وإنه جلبهم منها يوم الموعد للقاء موسى ﵇. ويقال: إنّ التمساح لا يضرّ بساحل أنصنا لطلاسم وضعت بها، وإنه إذا حاذى برّها انقلب على ظهره، حتى يجاوزها، ويقال: إنّ الذي بنى مدينة أنصنا أشمون بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح، وهي واقعة في شرقيّ النيل، وكانت حسنة البساتين والمنتزهات كثيرة الثمار والفواكه، وهي الآن خراب. وقال أبو حنيفة الدينوريّ: ولا ينبت البنج إلا بأنصنا، وهو عود ينشر منه ألواح للسفن، وربما أرعفت ناشرها ويباع اللوح منها بخمسين دينارا ونحوها، وإذا شدّ لوح منها بلوح، وطرح في الماء ستة أيام صارا لوحا واحدا، وكان لأنصنا سور عتيق هدمه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وجعل على كل مركب منحدر في النيل، جزأ من حمل صخره إلى القاهرة، فنقل بأسره إليها. ذكر القيس اعلم أن القيس من البلاد التي تجاور مدينة البهنسا، وكان يقال: القيس والبهنسا. قال ابن عبد الحكم: بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها فسميت به. وقال ابن يونس: قيس بن الحارث المراديّ، ثم الكعبيّ، شهد فتح مصر، يروي عن عمر بن الخطاب، وكان يفتي الناس في زمانه، روى عنه سويد بن قيس، وقيل: شديد بن قيس بن ثعلبة، وروى عنه عسكر بن سوادة، وهو الذي فتح القرية بصعيد مصر المعروفة بالقيس، فنسبت إليه. وقال ابن الكنديّ: ولهم ثياب الصوف وأكسية المرعز، وليس هي بالدنيا إلا بمصر، وذكر بعض أهل مصر: أنّ معاوية بن أبي سفيان، لما كبر كان لا يدفأ، فاجتمعوا أنه لا يدفّيه

стр. 375

إلا الأكسية نعمل بمصر من صوفها المرعز العسليّ العين المصبوغ، فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلا إلى واحد، ولهم طراز القيس، والبهنسا في الستور والمضارب يعرفون به، ومنه طراز أهل الدنيا. وظهر بها بالقرب من البهنسا، سرب في أيام السلطان، الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، فأمر متولي البهنساوية بكشفه، فجمع له أهل المعرفة بالعوم والغطس، فكانوا ما ينيف على مائتي رجل ما فيهم إلا من نزل السرب، فلم يجد له قرارا، ولا جوانب، فأمر بعمل مركب طويل رقيق بحيث يمكن إدخاله من رأس السرب، وشحنه بالأزراد والرجال، وركب فيه حبالا مربوطة في خوازيق عند رأس السرب، وحمل مع الرجال آلات يعرفون بها أوقات الليل والنهار، وعدّة شموع وغيرها، مما تستخرج به النار وتشعل به، وأمرهم أن يسلكوا بالمركب في السرب حتى ينفد نصف ما معهم من الزاد، فساروا بالمركب في ظلمة، وهم يرخون الحبال، ولا يجدون لما هم سائرون فيه من الماء جوانب، فما زالوا حتى قلت أزوادهم، فأبطلوا حركة المركب بالمجاذيف إلى داخل السرب، وجرّوا الحبال ليرجعوا إلى حيث دخلوا، حتى انتهوا إلى رأس السرب، فكانت مدّة غيبتهم في السرب، ستة أيام أربعة منها دخولا إلى جوفه وتطواف جوانبه، ويومان رجوعا إلى رأس السرب، ولم يقفوا في هذه المدّة على نهاية السرب، فكتب بذلك الأمير علاء الدين الطنبغا والي البهنسا إلى الملك الكامل، فتعجب عجبا كثيرا، واشتغل عن ذلك بمحاربة الفرنج على دمياط، فلما رحلوا عن دمياط، وعادوا إلى القاهرة، خرج بعد ذلك حتى شاهد السرب المذكور. ذكر دروط بلهاسة اعلم أن: دروط وهي: بفتح الدال المهملة وضم الراء وسكون الواو وطاء، اسم لثلاث قرى: دروط أشموم من الأشمونين، ودروط سريان، من الأشمونين أيضا، ودروط بلهاسة من ناحية البهنسا بالصعيد، وبها جامع أنشأه زياد بن المغيرة بن زياد بن عمرو العتكيّ، ومات في المحرّم سنة إحدى وتسعين ومائة، فدفن به، وقال فيه الشاعر: حلف الجود حلفه برّ فيها … ما برا اللّه واحدا كزياد كان غيثا لمصر إذ كان حيا … وأمانا من السنين الشداد ومات أخوه إبراهيم بن المغيرة سنة سبع وتسعين ومائة فقال الشاعر فيه: ابن المغيرة إبراهيم من ذهب … يزداد حسنا على طول الدهارير (١) لو كان يملك ما في الأرض عجله … إلى العفاة ولم يهمم بتأخير

стр. 376

ومات أحمد بن زياد بن المغيرة في المحرّم سنة ست وثلاثين ومائتين فقال الشاعر فيه: أحمد مات ماجدا مفقودا … ولقد كان أحمد محمودا ورث المجد عن أب ثم عمّ … مثله ليس بعده موجودا ذكر سكر (١) هي من الأطفيحية تجاهها، واد به إلى وقتنا هذا، شكل جمل من الحجر كأكبر ما يرى من الجمال، وأحسنها هيئة، وهو قائم على أربعة، وقد استقبل بوجهه المشرق، وعلى فخذه الأيمن كتابة بقلمهم وهي أحرف مقطعة في ثلاثة أسطر، ثم على نحو مائة وخمسين خطوة منه جمل آخر مثله سواء، ووجهه إلى وجه الجمل الأوّل، وليس عليه كتابة، وفيما بين الجملين المذكورين، هيئة أعدال قد ملئت قماشا عدّتها أربعون زكيبة موضوعة بالأرض، عشرين تجاه عشرين، وجميعها من حجارة، ولا يشك من رآها أنها أحمال قماش، وبعد مائة وخمسين خطوة منها، جمل ثالث على هيئة الجملين المذكورين، وهو أيضا قائم وظهره إلى ظهر الجمل الثاني، ووجهه إلى الجبل وهناك آخر الوادي، وليس على هذا الجمل أيضا كتابة أخبرني بذلك من لا اتهم روايته. ذكر منية الخصيب (٢) هذه المدينة تنسب إلى الخصيب بن عبد الحميد صاحب خراج مصر، من قبل أمير المؤمنين هارون الرشيد. ذكر منية الناسك هي بلدة من جملة الأطفيحية عرفت بالناسك أخي الوزير بهرام الأرمنيّ في أيام الخليفة، الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن محمد، ولي من قبل أخيه مدينة قوص سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وولاية قوص يومئذ، أجل ولايات مصر، فجار على المسلمين، واشتدّ عسفه، وأذاه لهم فعند ما وصل الخبر بقيام رضوان بن ولخشي على بهرام وهزيمته منه، وتقلده الوزارة بعده، ثار أهل قوص بالناسك في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وقتلوه وربطوا كلبا ميتا في رجله وسحبوه، حتى ألقوه على مزبلة، وكان نصرانيا.

стр. 377

ذكر الجيزة قال ابن سيده: الجيزة الناحية والجانب، وجمعها جيز وجيز والجيز: جانب الوادي، وقد يقال فيه: الجيزة، واعلم أنّ الجيزة اسم لقرية كبيرة جميلة البنيان على النيل من جانبه الغربيّ، تجاه مدينة فسطاط مصر، لها في كل يوم أحد سوق عظيم يجيء إليه من النواحي أصناف كثيرة جدّا، ويجتمع فيه عالم عظيم، وبها عدّة مساجد جامعة. وقد روى الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب من حديث نبيط بن شريط قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الجيزة روضة من رياض الجنة ومصر خزائن اللّه في أرضه». ويقال: إنّ مسجد التوبة الذي بالجيزة، كان فيه تابوت موسى ﵇ الذي قذفته أمّه فيه بالنيل، وبها النخلة التي أرضعت مريم تحتها عيسى فلم يثمر غيرها. وقال ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب: فاستحبت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ بما صنع اللّه للمسلمين، وما فتح عليهم، وما فعلوا في خططهم، وما استحبت همدان من النزول بالجيزة، فكتب إليه عمر يحمد اللّه على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرّق أصحابك لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، ولا تدري ما يفجأهم فلعلك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره؟ فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم بالجيزة، وأحبوا ما هنالك، فابن عليهم من فيء المسلمين حصنا، فعرض عليهم عمرو ذلك، فأبوا وأعجبهم موضعهم بالجيزة، ومن والاهم على ذلك من رهطهم يافع وغيرها، وأحبوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن في الجيزة في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين. ويقال: إن عمرو بن العاص، لما سأل أهل الجيزة أن ينضموا إلى الفسطاط قالوا: مقدم قدمناه في سبيل اللّه ما كنا لنرحل منه إلى غيره، فنزلت يافع الجيزة فيها مبرح بن شهاب، وهمدان، وذو أصبح، فيهم أبو شمر بن أبرهة وطائفة من الحجر. وقال القضاعيّ: ولما رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية، ونزل الفسطاط جعل طائفة من جيشه بالجيزة خوفا من عدوّ يغشاهم من تلك الناحية، فجعل فيها آل ذي أصبح من حمير، وهم كثير، ويافع بن زيد من رعين، وجعل فيها همدان، وجعل فيها طائفة من الأزديين بني الحجر بن الهبو بن الأزد، وطائفة من الحبشة، وديوانهم في الأزد، فلما استقرّ عمرو في الفسطاط، أمر الذين خلفهم بالجيزة أن ينضموا إليه فكرهوا ذلك، وقالوا: هذا مقدم قدمناه في سبيل اللّه، وأقمنا به ما كنا بالذين نرغب عنه، ونحن به منذ أشهر، فكتب

стр. 378

عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ بذلك يخبره، أنّ همدان وآل ذي أصبح ويافعا ومن كان معهم أحبوا المقام بالجيزة، فكتب إليه كيف رضيت أن تفرّق عنك أصحابك، وتجعل بينك وبينهم بحرا لا تدري ما يفجأهم، فلعلك لا تقدر على غياثهم، فاجمعهم إليك، ولا تفرّقهم فإن أبوا وأعجبهم مكانهم، فابن عليهم حصنا من فيء المسلمين، فجمعهم عمرو وأخبرهم بكتاب عمر فامتنعوا من الخروج من الجيزة، فأمر عمرو ببناء الحصن عليهم، فكرهوا ذلك، وقالوا: لا حصن أحصن لنا من سيوفنا، وكرهت ذلك همدان ويافع، فأقرع عمرو بينهم، فوقعت القرعة على يافع، فبنى فيهم الحصن في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين عشرين، وأمرهم عمرو بالخطط بها، فاختط ذو أصبح من حمير من الشرق، ومضوا إلى الغرب، حتى بلغوا أرض الحرث والزرع، وكرهوا أن يبني الحصن فيهم، واختط يافع بن الحرث من رعين، بوسط الجيزة وبنى الحصن في خططهم وخرجت طائفة منهم عن الحصن أنفه منه، واختطت بكيل بن جشم من نوف من همدان في مهب الجنوب من الجيزة في شرقيها، واختطت حاشد بن جشم من نوف في مهب الشمال من الجيزة في غربيها، واختطت الجباوية بنو عامر بن بكيل في قبليّ الجيزة، واختطت بنو حجر بن أرحب بن بكيل في قبليّ الجيزة، واختط بنو كعب بن مالك بن الحجر بن الهبو بن الأزد، فيما بين بكيل ويافع، والحبشة اختطوا على الشارع الأعظم. والمسجد الجامع بالجيزة بناه محمد بن عبد اللّه الخازن في المحرّم سنة خمسين وثلثمائة بأمر الأمير عليّ بن الإخشيد، فتقدّم كافور، إلى الخازن ببنائه، وعمل له مستغلا، وكان الناس قبل ذلك بالجيزة يصلون الجمعة في مسجد همدان، وهو مسجد مراحق بن عامر بن بكيل، كان يجمع فيه الجمعة في الجيزة، وشارف بناء هذا الجامع الخازن، أبو الحسن بن أبي جعفر الطحاويّ، واحتاجوا إلى عمد للجامع، فمضى الخازن في الليل إلى كنيسة بأعمال الجيزة فقلع عمدها، ونصب بدلها أركانا، وحمل العمد إلى الجامع، فترك أبو الحسن بن الطحاويّ الصلاة فيه مذ ذاك تورّعا. قال اليمنيّ: وقد كان ابن الطحاويّ، يصلي في جامع الفسطاط العتيق، وبعض عمده أو أكثرها ورخامه من كنائس الإسكندرية، وأرياف مصر، وبعضه بناه قرّة بن شريك، عامل الوليد بن عبد الملك، ويقال: إنّ بالجيزة قبر كعب الأحبار، وإنه كان بها أحجار ورخام قد صوّرت فيها التماسيح، فكانت لا تظهر فيما يلي البلد من النيل، مقدار ثلاثة أميال علوا وسفلا. وفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة منع الملك الناصر، محمد بن قلاون، الوزير أن يتعرّض إلى شيء مما يتحصل من مال الجيزة، فصار جميعه يحمل إليه.

стр. 379

قال القضاعيّ: سجن يوسف ﵇ ببوصير من عمل الجيزة، أجمع أهل المعرفة من أهل مصر على صحة هذا المكان، وفيه أثر نبيين، أحدهما يوسف، سجن به المدّة التي ذكر أن مبلغها سبع سنين، وكان الوحي ينزل عليه فيه، وسطح السجن موضع معروف، بإجابة الدعاء، يذكر أن كافور الإخشيديّ، سأل أبا بكر بن الحدّاد عن موضع معروف بإجابة الدعاء ليدعو فيه؟ فأشار عليه بالدعاء على سطح السجن، والنيّ الآخر موسى ﵇، وقد بنى على أثره مسجد هناك يعرف بمسجد موسى. أخبرنا أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الشرفيّ بالشرف قال: حدّثنا أبو محمد عبد اللّه بن الورد، وكان قد هلكت أخته، وورث منها مورثا وكنا نسمع عليه دائما، وكان لسجن يوسف وقت يمضي الناس إليه يتفرّجون، فقال لنا يوما: يا أصحابنا هذا أوان السجن، ونريد أن نذهب إليه، وأخرج عشرة دنانير، فناولها لأصحابه وقال لهم: ما اشتهيتموه، فاشتروه، فمضى أصحاب الحديث، واشتروا ما أرادوا وعدّينا يوم أحد الجيزة كلنا، وبتنا في مسجد همدان، فلما كان الصباح مشينا حتى جئنا إلى مسجد موسى، وهو الذي في السهل، ومنه يطلع إلى السجن، وبينه وبين السجن تل عظيم من الرمل، فقال الشيخ: من يحملني ويطلع بي إلى هذا السجن حتى أحدّثه بحديث لا أحدّثه لأحد بعده، حتى تفارق روحي الدنيا. قال الشرفيّ: فأخذت الشيخ، وحملته حتى صرت في أعلاه، فنزل وقال: معك ورقة؟ قلت: لا، قال: أبصر لي بلاطة، فأخذ فحمة وكتب: حدّثني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن بكير، عن زيد بن أسلم بن يسار، عن ابن عباس قال: إنّ جبريل أتى إلى يوسف في هذا السجن في هذا البيت المظلم، فقال له يوسف: من أنت الذي مذ دخلت السجن ما رأيت أحسن وجها منك؟ فقال له: أنا جبريل، فبكى يوسف، فقال: ما يبكيك يا نبيّ اللّه، فقال: إيش يعمل جبريل في مقام المذنبين؟ فقال: أما علمت أنّ اللّه تعالى يطهر البقاع بالأنبياء، واللّه لقد طهر اللّه بك السجن وما حوله، فما أقام إلى آخر النهار، حتى أخرج من السجن. قال القضاعيّ: سقط بين يحيى وزيد رجل، وقال الفقيه أبو محمد أحمد بن محمد بن سلامة الطحاويّ، وذكر سجن يوسف لو سافر الرجل من العراق ليصلي فيه، وينظر إليه لما عنفته في سفره. وذكر المسبحيّ: في حوادث شهر ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وأربعمائة، أنّ العامّة والسوقة طافت بمصر بالطبول والبوقات يجمعون من التجار، وأرباب الأسواق ما ينفقونه في مضيهم إلى سجن يوسف، فقال لهم التجار: شغلنا بعدم الأقوات يمنعنا من هذا، وكان قد اشتدّ الغلاء، وأنهوا حالهم إلى الحضرة المطهرة، يعني أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين اللّه أبا الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، فرسم لنائب الدولة أبي طاهر بن كافي متولي الشرطة

стр. 380

السفلي: الترسيم على التجار، حتى يدفعوا إليهم ما جرت به رسومهم، ورسم لهم بالخروج إلى سجن يوسف، ووعدوا أن يطلق لهم من الحضرة ضعف ما أطلق لهم في السنة الماضية من الهبة، فخرجوا، وفي يوم السبت لتسع خلون من جمادى الأولى ركب القائد الأجل عز الدولة، وسناها معضاد الخادم الأسود، في سائر الأتراك ووجوه القوّاد، وشق البلد، ونزل إلى الصناعة التي بالجسر بمن معه، ثم خرج من هناك، وعدّى في سائر عساكره إلى الجيزة، حتى رتب لأمير المؤمنين عساكر تكون معه مقيمة هناك لحفظه، لأنه عدّى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت منه في أربع عشاريات، وأربع عشرة بغلة من بغال النقل، وفي جميع من معه من خاصته وحرمه إلى سجن يوسف ﵇، وأقام هناك يومين وليلتين، إلى أن عاد الرمادية الخارجون إلى السجن بالتماثيل، والمضاحك والحكايات والسماجات، فضحك منهم واستظرفهم، وعاد إلى قصره بكرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه، وأقام أهل الأسواق نحو الأسبوعين يطرقون الشوارع بالخيال والسماجات والتماثيل، ويطلعون إلى القاهرة بذلك ليشاهدهم أمير المؤمنين، ويعودون ومعهم سجل قد كتب لهم أن لا يعارض أحد منهم في ذهابه وعوده، وأن يعتمد إكرامهم وصيانتهم، ولم يزالوا على ذلك إلى أن تكامل جميعهم، وكان دخولهم من سجن يوسف يوم السبت لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى، وشقوا الشوارع بالحكايات والسماجات والتماثيل فتعطل الناس في ذلك اليوم عن أشغالهم ومعايشهم، واجتمع في الأسواق خلق كثير لنظرهم، وظل الناس أكثر هذا اليوم على ذلك، وأطلق لجميعهم ثمانية آلاف درهم، وكانوا اثني عشر سوقا ونزلوا مسرورين، وبخارج مدينة الجيزة موضع يعرف بأبي هريرة، فيظنّ من لا علم له أنه أبو هريرة الصحابيّ، وليس كذلك، بل هو منسوب إلى ابن ابنته. ذكر قرية ترسا قال القضاعيّ: وذكر أنّ القاسم بن عبيد اللّه بن الحبحاب، عامل هشام بن عبد الملك على خراج مصر، بنى في الجيزة قرية تعرف بترسا. والقاسم هذا خرج إلى مصر، وولي خلافة عن أبيه، عبيد اللّه بن الحبحاب السلوليّ على الخراج، في خلافة هشام بن عبد الملك، ثم أمّره هشام على خراج مصر، حين خرج أبوه إلى إمارة إفريقية في سنة ست عشرة ومائة، فلم يزل إلى سنة أربع وعشرين ومائة، فنزع عن مصر، وجمع لحفص بن الوليد، عربها وعجمها، فصار يلي الخراج والصلاة معا، وبترسا هذه كانت وقعة هارون بن محمد الجعديّ. ذكر منية أندونة هي إحدى قرى الجيزة، عرفت بأندونة، كاتب أحمد المدائني الذي كان يتقلد ضياع

стр. 381

موسى بن بغا، التي بمصر، فقبض أحمد بن طولون على أندونة هذا، وكان نصرانيا، فأخذ منه خمسين ألف دينار. ذكر وسيم قال ابن عبد الحكم: وخرج عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان، أمير مصر إلى وسيم، وكانت لرجل من القبط، فسأل عبد اللّه أن يأتيه إلى منزله، ويجعل له مائة ألف دينار، فخرج إليه عبد اللّه بن عبد الملك، وقيل: إنما خرج عبد اللّه إلى قرية أبي النمرس، مع رجل من الكتاب، يقال له: ابن حنظلة، فأتى عبد اللّه العزل، وولاية قرّة بن شريك، وهو هناك، فلما بلغه ذلك، قام ليلبس سراويله، فلبسه منكوسا، وقيل: إنّ عبد اللّه لمّا بلغه العزل، ردّ المال على صاحبه، وقال: قد عزلنا، وكان عبد اللّه قد ركب معه إلى المعديّة، وعدّى أصحابه قبله تأخر، فورد الكتاب بعزله، فقال صاحب المال: واللّه لا بدّ أن تشرّف منزلي، وتكون ضيفي، وتأكل طعامي، وواللّه لا عاد لي شيء من ذلك، ولا أدعك منصرفا فعدّى معه. ذكر منية عقبة هذه القرية بالجيزة عرفت بعقبة بن عامر الجهنيّ (١) ﵁. قال ابن عبد الحكم: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄، يسأله أرضا يسترقق فيها عند قرية عقبة، فكتب له معاوية بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مولى له: كان عنده، انظر أصلحك اللّه أرضا صالحة، فقال عقبة: ليس لنا ذلك، إنّ في عهدهم شروطا ستة منها، أن لا يؤخذ من أرضهم شيء، ولا من نسائهم، ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم ويدفع عنهم موضع الخوف من عدوّهم، وأنا شاهد لهم بذلك. وفي رواية: كتب عقبة إلى معاوية يسأله نقيعا في قرية يبني فيه منازل ومساكن، فأمر له معاوية بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مواليه ومن كان عنده: انظر إلى أرض تعجبك، فاختط فيها وابتن، فقال: إنه ليس لنا ذلك، لهم في عهدهم ستة شروط منها، أن لا يؤخذ من أرضهم شيء، ولا يزاد عليهم، ولا يكلفوا غير طاقتهم، ولا تؤخذ ذراريهم، وأن يقاتل عنهم عدوّهم من ورائهم. قال أبو سعيد بن يونس: وهذه الأرض التي اقتطعها عقبة هي: المنية المعروفة،

стр. 382

بمنية عقبة في جيزة فسطاط مصر. عقبة بن عامر بن عيسى بن عمرو بن عديّ بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عديّ بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة، كذا نسبه أبو عمرو الكنديّ. وقال الحافظ: أبو عمر بن عبد البر، عقبة بن عامر بن حسن الجهنيّ من جهينة بن زيد بن مسود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وقد اختلف في هذا النسب، يكنى: أبا حماد، وقيل: أبا أسد، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا سعاد، وقيل: أبا الأسود. وقال خليفة بن خياط: وقتل أبو عامر عقبة بن عامر الجهنيّ يوم النهروان، شهيدا وذلك سنة ثمان وثلثين، وهذا غلط منه، وفي كتابه بعد، وفي سنة ثمان وخمسين توفي عقبة بن عامر الجهنيّ، قال: سكن عقبة بن عامر مصر، وكان واليا عليها، وابتنى بها دارا، وتوفي في آخر خلافة معاوية، روى عنه من الصحابة جابر، وابن عباس، وأبو أمامة، ومسلمة بن مخلد، وأما رواته من التابعين فكثير. وقال الكنديّ: ثم وليها عقبة بن عامر من قبل معاوية، وجمع له صلاتها وخراجها، فجعل على شرطته حمادا، وكان عقبة قارئا فقيها فرضيا شاعرا له الهجرة والصحبة السابقة، وكان صاحب بغلة رسول اللّه ﷺ الشهباء الذي يقودها في الأسفار، وكان صرف عقبة من مصر، بمسلمة بن مخلد لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة أربعين، فكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر. وقال ابن يونس: توفي بمصر سنة ثمان وخمسين، ودفن في مقبرتها بالمقطم، وكان يخضب بالسواد رحمه اللّه تعالى. ذكر حلوان يقال: إنها تنسب إلى حلوان بن بابليون بن عمرو بن امرئ القيس، ملك مصر بن سائب بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان حلوان هذا بالشام على مقدّمة أبرهة ذي المنار أحد التبابعة. قال ابن عبد الحكم: وكان الطاعون قد وقع بالفسطاط، فخرج عبد العزيز بن مروان من الفسطاط، فنزل بحلوان داخلا في الصحراء في موضع منها يقال له: أبو قرقورة، وهو رأس العين التي احتفرها عبد العزيز بن مروان، وساقها إلى نخيلة التي غرسها بحلوان، فكان ابن خديج يرسل إلى عبد العزيز في كل يوم بخبر ما يحدث في البلد من موت وغيره، فأرسل إليه ذات يوم رسولا، فأتاه فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ فقال: أبو طالب، فثقل ذلك على عبد العزيز، وغاظه، فقال له عبد العزيز: أسألك عن اسمك؟! فتقول أبو طالب! ما اسمك؟ فقال: مدرك، فتفاءل بذلك، ومرض في مخرجه ذلك، ومات هنالك، فحمل

стр. 383

في البحر يراد به الفسطاط حتى تغير، فأنزل في بعض خصوص ساحل مريس، فغسل فيه، وأخرجت من هنالك جنازته، وخرج معه بالمجامر فيها العود لما كان قد تغير من ريحه، وأوصى عبد العزيز أن يمرّ بجنازته إذا مات على منزل، جناب بن مرثد بن زيد بن هانئ الرعينيّ، صاحب حرسه، وكان صديقا له وقد توفي قبل عبد العزيز فمرّ بجنازته على باب جناب، وقد خرج عيال جناب، ولبسن السواد ووقفن على الباب صائحات، ثم اتبعنه إلى المقبرة، وكان لنصيب من عبد العزيز ناحية، فقدم عليه في مرضه، فأذن له، فلما رأى شدّة مرضه أنشأ يقول: ونزور سيدنا وسيد غيرنا … ليت التشكي كان بالعوّاد لو كان يقبل فدية لفديته … بالمصطفى من طارفي وتلادي فلما سمع صوته، فتح عينيه، وأمر له بألف دينار، واستبشر بذلك آل عبد العزيز، وفرحوا به، ثم مات. وقال الكندي: ووقع الطاعون بمصر في سنة سبعين، فخرج عبد العزيز بن مروان منها إلى الشرقية منتديا، فنزل حلوان، فأعجبته فاتخذها وسكنها، وجعل بها الحرس والأعوان والشرط، فكان عليهم جناب بن مرثد بحلوان، وبنى عبد العزيز بحلوان الدور والمساجد، وعمّرها أحسن عمارة وأحكمها وغرس نخلها وكرمها، فقال ابن قيس الرقيات: سقيا لحلوان ذي الكروم وما … صنف من تينه ومن عنبه نخل مواقير بالفناء من ال … برنيّ يهتز ثم في سربه أسود سكانه الحمام فما … ينفك غربانه على رطبه ولما غرس عبد العزيز، نخل حلوان وأطعم دخله، والجند معه، فجعل يطوف فيه ويقف على غروسه ومساقيه، فقال يزيد بن عروة الجمليّ: ألا قلت أيها الأمير، كما قال العبد الصالح: ما شاء اللّه لا قوّة إلا بالله، فقال: أذكرتني شكرا يا غلام، قل لأنيتاس: يزيد في عطائه عشرة دنانير. عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ الأمويّ، أبو الأصبغ، أمّه ليلى ابنة زبان بن الأصبغ الكنديّ، روى عن أبي هريرة، وعقبة بن عامر الجهنيّ، وروى عنه عليّ بن رباح، وبحير بن داخرة، وعبيد اللّه بن مالك الخولانيّ، وكعب بن علقمة، ووثقه النسائي وابن سعد. ولما سار أبوه مروان إلى مصر، بعثه في جيش إلى أيلة، ليدخل مصر من تلك الناحية، فبعث إليه ابن جحدم أمير مصر بجيش عليهم: زهير بن قيس البلويّ، فلقي عبد العزيز ببصاق، وهي سطح عقبة أيلة، فقاتله فانهزم زهير ومن معه، فلما غلب مروان

стр. 384

على مصر في جمادى الآخرة سنة خمس وستين، جعل صلاتها وخراجها إلى ابنه عبد العزيز بعد ما أقام بمصر شهرين، فقال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين! كيف المقام ببلد ليس به أحد من بني أبي؟ فقال له مروان: يا بني عمّهم بإحسانك يكونوا كلهم بني أبيك، واجعل وجهك طلقا تصف لك مودّتهم، وأوقع إلى كل رئيس منهم إنه خاصتك دون غيره، يكن لك عينا على غيره، وينقاد قومه إليك، وقد جعلت معك أخاك بشرا مؤنسا، وجعلت لك موسى بن نصير وزيرا أو مشيرا، وما عليك يا بنيّ أن تكون أميرا بأقصى الأرض، أليس ذلك أحسن من إغلاق بابك وخمولك في منزلك، وأوصاه عند مخرجه من مصر إلى الشام، فقال: أوصيك بتقوى اللّه في سرّ أمرك وعلانيته، فإنّ اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأوصيك أن لا تجعل لداعي اللّه عليك سبيلا، فإن المؤذن يدعو إلى فريضة افترضها اللّه، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، وأوصيك أن لا تعد الناس موعدا إلا أنفذته لهم، وإن حملته على الأسنة، وأوصيك أن لا تعجل في شيء من الحكم حتى تستشير، فإنّ اللّه لو أغنى أحدا عن ذلك لأغنى نبيه محمدا ﷺ عن ذلك، بالوحي الذي يأتيه، قال اللّه : ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ﴾ [١٥٩/ آل عمران]. وخرج مروان من مصر، لهلال رجب سنة خمس وستين، فوليها عبد العزيز على صلاتها وخراجها، وتوفي مروان لهلال رمضان، وبويع ابنه عبد الملك بن مروان، فأقرّ أخاه عبد العزيز ووفد على عبد الملك في سنة سبع وستين، وجعل له الحرس والخيل والأعوان جناب بن مرثد الرعينيّ، فاشتدّ سلطانه، وكان الرجل إذا غلظ لعبد العزيز وخرج تناوله جناب ومن معه فضربوه، وحبسوه، وعبد العزيز أوّل من عرّف بمصر في سنة إحدى وسبعين. قال يزيد بن أبي حبيب: أوّل من أحدث القعود يوم عرفة في المسجد بعد العصر عبد العزيز بن مروان. وفي سنة اثنتين وسبعين، صرف بعث البحر إلى مكة، لقتال عبد اللّه بن الزبير، وجعل عليهم مالك بن شرحبيل الخولانيّ، وهم: ثلاثة آلاف رجل فيهم: عبد الرحمن بن بحنس، مولى ابن أبزى، وهو الذي قتل ابن الزبير (١) وخرج إلى الإسكندرية في سنة أربع وسبعين، ووفد على أخيه عبد الملك في سنة خمس وسبعين، وهدم جامع الفسطاط كله، وزاد فيه من جوانبه كلها في سنة سبع وسبعين، وأمر بضرب الدنانير المنقوشة. وقال ابن عفير: كان لعبد العزيز ألف جفنة، كل يوم تنصب حول داره، وكانت له

стр. 385

مائة جفنة يطاف بها على القبائل تحمل على العجل، وكتب عبد الملك إليه، أن ينزل له عن ولاية العهد، ليعهد إلى الوليد وسليمان، فأبى ذلك، وكتب إليه إن يكن لك ولد فلنا أولاد، ويقضي اللّه ما يشاء، فغضب عبد الملك، وقال: فرّق اللّه بيني وبينه، فلم يزل به عليّ حتى رضي، فقدم على عبد العزيز، فأخبره عن عبد الملك وعن حاله، ثم أخبره بدعوته فقال: أفعل أنا، واللّه مفارقه، واللّه ما دعا دعوة قط إلا أجيبت، وكان عبد العزيز يقول: قدمت مصر في إمرة مسلمة بن مخلد، فتمنيت بها ثلاث أمانيّ، فأدركتها تمنيت ولاية مصر، وأن أجمع بين امرأتي مسلمة ويحجبني قيس بن كليب حاجبه، فتوفي مسلمة، وقدم مصر، فوليها وحجبه قيس، وتزوّج امرأتي مسلمة، وتوفي ابنه الأصبغ بن عبد العزيز لتسع بقين من ربيع الآخر، سنة ست وثمانين، فمرض عبد العزيز وتوفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، فحمل في النيل من حلوان إلى الفسطاط، فدفن بها. وقال ابن أبي مليكة: رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت يقول: ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا، ألا ليتني كنابتة من الأرض أو كراعي إبل في طرف الحجاز، ولما مات لم يوجد له مال ناض! إلا سبعة آلاف دينار، وحلوان، والقيسارية، وثياب بعضها مرقوع، وخيل ورقيق، وكانت ولايته على مصر، عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما، ولم يلها في الإسلام قبله أطول ولاية منه. وكان بحلوان في النيل، معدّية من صوّان تعدّي بالخيل تحمل فيها الناس وغيرهم من البرّ الشرقيّ بحلوان إلى البرّ الغربيّ فلما كان (١) وهذا من الأسرار التي في الخليقة، فإنّ جميع الأجسام المعدنية كالحديد والنحاس والفضة والرصاص والذهب والقصدير، إذ عمل من شيء منها إناء يسع من الماء أكثر من وزنه، فإنه يعوم على وجه الماء، ويحمل ما يمكنه، ولا يغرق، وما برح المسافرون في بحر الهند إذا أظلم عليهم الليل ولم يروا ما يهديهم من الكواكب إلى معرفة الجهات، يحملون حديدة مجوّفة على شكل سمكة، ويبالغون في ترقيقها جهد المقدرة، ثم يعمل في فم السمكة شيء من مغناطيس جيدا، ويحك فيها بالمغناطيس، فإنّ السمكة إذا وضعت في الماء دارت، واستقبلت القطب الجنوبيّ بفمها، واستدبرت القطب الشماليّ وهذا أيضا من أسرار الخليفة فإذا عرفوا جهتي الجنوب والشمال تبين منهما المشرق والمغرب، فإنّ من استقبل الجنوب فقد استدبر الشمال وصار المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، فإذا تحدّدت الجهات الأربع عرفوا مواقع البلاد بها، فيقصدون حينئذ جهة الناحية التي يريدونها.

стр. 386

ذكر مدينة العريش العريش مدينة فيما بين أرض فلسطين وإقليم مصر، وهي مدينة قديمة من جملة المدائن التي اختطت بعد الطوفان. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: عن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وكان غلاما مرفها فلما قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشجر، وستره بحشيش الأرض، ثم بنى له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة وسمّاها: درسان، أي: باب الجنة، فزرعوا وغرسوا الأشجار والجنان من درسان إلى البحر، فكانت كلها زروعا وجنانا وعمارة. وقال آخر: إنما سميت بذلك، لأنّ بيصر بن حام بن نوح، تحمّل في ولده وهم أربعة، ومعهم أولادهم، فكانوا ثلاثين ما بين ذكر وأنثى، وقدم ابنه مصر بن بيصر أمامه نحو أرض مصر، حتى خرج من حدّ الشام، فتاهوا، وسقط مصر في موضع العريش، وقد اشتدّ تعبه ونام، فرأى قائلا يبشره بحصوله في أرض ذات خير ودر، وملك وفخر، فانتبه فزعا فإذا عليه، عريش من أطراف الشجر، وحوله عيون ماء، فحمد اللّه وسأله أن يجمعه بأبيه وإخوته، وأن يبارك له في أرضه، فاستجيب له، وقادهم اللّه إليه، فنزلوا في العريش، وأقاموا به، فأخرج اللّه لهم من البحر دوابّ ما بين خيل وحمر وبقر وغنم وإبل، فساقوها حتى أتوا موضع مدينة منف، فنزلوه، وبنوا فيه قرية سميت بالقبطية: مافة يعني قرية ثلاثين، فنمت ذرية بيصر حتى عمروا الأرض، وزرعوا وكثرت مواشيهم، وظهرت لهم المعادن، فكان الرجل منهم يستخرج القطعة من الزبرجد، يعمل منها مائة كبيرة، ويخرج من الذهب ما تكون القطعة منه مثل الأسطوانة وكالبعير الرابض. وقال ابن سعيد عن البيهقيّ: كان دخول إخوة يوسف وأبويه، ﵈، عليه بمدينة العريش، وهي أوّل أرض مصر، لأنه خرج إلى تلقيهم، حتى نزل المدينة بطرف سلطانه، وكان له هناك عرش، وهو سرير السلطنة، فأجلس أبويه عليه، وكانت تلك المدينة تسمى في القديم بمدينة العرش لذلك، ثم سمتها العامّة مدينة العريش، فغلب ذلك عليها. ويقال: إنه كان ليوسف ﵇ حرس في أطراف أرض مصر من جميع جوانبها، فلما أصاب الشام القحط، وسارت إخوة يوسف لتمتار من مصر أقاموا بالعريش، وكتب صاحب الحرس إلى يوسف، إنّ أولاد يعقوب الكنعانيّ، يريدون البلد لقحط نزل بهم، فعمل إخوة يوسف عند ذلك عرشا يستظلون به من الشمس، حتى يعود الجواب، فسمى الموضع العريش، وكتب يوسف بالإذن لهم، فكان من شأنهم ما قد ذكر في موضعه، ويقال للعرش: الج فهذا كما ترى، وابن وصيف شاه أعرف بأخبار مصر.

стр. 387

وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة، طرق عبد اللّه بن إدريس الجعفريّ العريش بمعاونة بني الجرّاح وأحرقها، وأخذ جميع ما فيها. وقال القاضي الفاضل: وفي جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ورد الخبر، بأنّ نخل العريش قطع الفرنج أكثره، وحملوا جذوعه إلى بلادهم، وملئت منه، ولم يجدوا مخاطبا على ذلك، ونقل عن ابن عبد الحكم: أنّ الجفار بأجمعه كان أيام فرعون موسى في غاية العمارة بالمياه والقرى والسكان، وأنّ قول اللّه تعالى: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [١٣٧/ الأعراف] عن هذه المواضع وأنّ العمارة متصلة منه إلى اليمن، ولذلك سميت العريش: عريشا، وقيل: إنها نهاية التخوم من الشام، وإنّ إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل ﵇ بمواشيه، وإنه ﵇ اتخذ به عريشا كان يجلس فيه، حتى تحلب مواشيه بين يديه، فسمي العريش من أجل ذلك، وقيل: إنّ مالك بن دعر بن حجر بن جذيلة بن لخم كان له أربعة وعشرون ولدا منهم: العريش بن مالك، وبه سميت العريش لأنه نزل بها وبناها مدينة، وعن كعب الأحبار: أنّ بالعريش قبور عشرة أنبياء. ذكر مدينة الفرماء (١) قال البكريّ: الفرماء بفتح أوّله، وثانيه ممدود على وزن فعلاء، وقد يقصر مدينة تلقاء مصر. وقال ابن خالويه في كتاب ليس الفرما: هذه سميت بأخي الإسكندر كان يسمى: الفرما، وكان كافرا، وهي قرية أم إسماعيل بن إبراهيم، انتهى. ويقال: اسمه الفرما بن فيلقوس، ويقال فيه: ابن فليس، ويقال: بليس؛ وكانت الفرما على شط بحيرة تنيس، وكانت مدينة خصباء، وبها قبر جالينوس الحكيم، وبنى بها المتوكل على اللّه حصنا على البحر تولى بناءه عنبسة بن إسحاق، أمير مصر في سنة تسع وثلاثين ومائتين، عند ما بنى حصن دمياط، وحصن تنيس، وأنفق فيها مالا عظيما، ولما فتح عمرو بن العاص، عين شمس، أنفذ إلى الفرماء، أبرهة بن الصباح، فصالحه أهلها على خمسمائة دينار هرقلية، وأربعمائة ناقة، وألف رأس من الغنم، فرحل عنهم إلى البقارة. وفي سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة، نزل الروم عليها، فنفر الناس إليهم، وقتلوا منهم رجلين، ثم نزلوا في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلثمائة، فخرج إليهم المسلمون،

стр. 388

وأخذوا منهم مركبا، وقتلوا من فيه وأسروا عشرة. وقال اليعقوبيّ (١): الفرما، أوّل مدن مصر من جهة الشمال، وبها أخلاط من الناس، وبينها وبين البحر الأخضر، ثلاثة أميال. وقال ابن الكنديّ: ومنها الفرما، وهي أكثر عجائب، وأقدم آثارا، ويذكر أهل مصر: أنه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس في البرّ، فغلب عليها البحر، ويقولون: إنه كان فيما غلب عليه البحر مقطع الرخام الأبلق، وإنّ مقطع الأبيض بلوبية. وقال يحيى بن عثمان: كنت أرابط في الفرما، وكان بينها وبين البحر قريب من يوم يخرج الناس والمرابطون في أخصاص على الساحل، ثم علا البحر على ذلك كله. وقال ابن قديد: وجّه ابن المدبر، وكان بتنيس، إلى الفرما في هدم أبواب من حجارة شرقيّ الحصن، احتاج أن يعمل منها جيرا، فلما قلع منها حجر، أو حجران، خرج أهل الفرما بالسلاح، فمنعوا من قلعها، وقالوا: هذه الأبواب التي قال اللّه فيها على لسان يعقوب ﵇: ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف/ ٦٧] والفرما بها النخل العجيب الذي يثمر حين ينقطع البسر والرطب من سائر الدنيا، فيبتدئ هذا الرطب من حين يلد النخل في الكوانين، فلا ينقطع أربعة أشهر، حتى يجيء البلح في الربيع، وهذا لا يوجد في بلد من البلدان لا بالبصرة ولا بالحجاز ولا باليمن، ولا بغيرها من البلدان، ويكون في هذا البسر، ما وزن البسرة الواحدة فوق العشرين درهما، وفيه ما طول البسرة نحو الشبر والفتر. وقال ابن المأمون البطائحي في حوادث سنة تسع وخمسمائة: ووصلت النجابون من والي الشرقية تخبر بأنّ بغدوين ملك الفرنج، وصل إلى أعمال الفرما، فسيّر الأفضل بن أمير الجيوش للوقت إلى والي الشرقية بأن يسير المركزية والمقطعين بها، وسيّر الراجل من العطوفية، وأن يسير الوالي بنفسه بعد أن يتقدّم إلى العربان بأسرهم بأن يكونوا في الطوالع، ويطاردوا الفرنج، ويشارفوهم بالليل قبل وصول العساكر إليه، فاعتمد ذلك، ثم أمر بإخراج الخيام، وتجهيز الأصحاب والحواشي، فلما تواصلت العساكر وتقدّمها العربان، وطاردوا الفرنج، وعلم بغدوين ملك الفرنج أنّ العساكر متواصلة إليه، وتحقق أن الإقامة لا تمكنه أمر أصحابه بالنهب والتخريب والإحراق وهدم المساجد، فأحرق جامعها ومساجدها وجميع البلد، وعزم على الرحيل، فأخذه اللّه ، وعجل بنفسه إلى النار، فكتم أصحابه موته، وساروا بعد أن شقوا بطن بغدوين، وملأوه ملحا حتى بقي إلى بلاده، فدفنوه بها.

стр. 389

وأما العساكر الإسلامية فإنهم شنوا الغارات على بلاد العدوّ، وعادوا بعد أن خيموا على ظاهر عسقلان، وكتب إلى الأمير ظهير الدين طفدكين صاحب دمشق بأن يتوجه إلى بلاد الفرنج، فسار إلى عسقلان، وحملت إليه الضيافات وطولع بخبر وصوله، فأمر بحمل الخيام، وعدّة وافرة من الخيل والكسوات والبنود والأعلام، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، وطوق ذهب، وبدلة طقم، وخيمة كبيرة مكملة ومرتبة ملوكية وفرشها وجميع آلاتها، وما تحتاج إليه من آلات الفضة، وسير برسم شمس الخواص، وهو مقدم كبير خلعة مذهبة ومنطقة ذهب وسيف، وسير برسم المميزين من الواصلين، خلع وسيوف، وسلم ذلك بثبت لأحد الحجاب، وسير معه فرّاشان برسم الخيام، وأمر بضرب الخيمة الكبيرة وفرشها، وأن يركب والي عسقلان وظهير الدين وشمس الخواص وجميع الأمراء الواصلين والمقيمين بعسقلان إلى باب الخيمة ويقبلوه، ثم إلى بساطها والمرتبة المنصوبة، ثم يجلس الوالي وظهير الدين وشمس الخواص والمقدّمون، ويقف الناس بأجمعهم إجلالا وتعظيما، ويخلع على الأمير ظهير الدين، وشمس الخواص، وتشدّ المناطق في أوساطهما، ويقلدا بالسيوف ويخلع بعدهما على المميزين، ثم يسير ظهير الدين والمقدّمون بالتشريف والأعلام، والرايات المسيرة إليهم إلى أن يصلوا إلى الخيام التي ضربت لهم، فإذا كان كل يوم يركب الوالي، والأميران والمقدّمون والعساكر إلى الخيمة الملوكية، ويتفاوضون فيما يجب من تدبير العساكر، فامتثل ذلك، وتواصلت الغارات على بلاد العدوّ وأسروا وقتلوا، فسير إليهم الخلع ثانيا، وجعل الشمس الخواص خاصة في هذه السفرة عشرة آلاف دينار، وتسلم ظهير الدين الخيمة الكبيرة بما فيها، وكان تقدير ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف دينار وبلغ المنفق في هذه النوبة وعلى ذهاب بغدوين وهلاكه مائة ألف دينار. وفي شهر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة، نزل الفرنج على الفرما في جمع كبير، وأحرقوها ونهبوا أهلها، وآخر أمرها أنّ الوزير شاور خرّبها لما خرج منها متوليها، ملهم أخو الضرغام في سنة (١)، فاستمرّت خرابا لم تعمر بعد ذلك، وكان بالفرما والبقارة والورادة عرب من جذام يقال لهم: القاطع، وهو جري بن عوف بن مالك بن شنوءة بن بديل بن جشم بن جذام منهم: عبد العزيز بن الوزير بن صابي بن مالك بن عامر بن عديّ بن حرش بن بقر بن نصر بن القاطع، مات في صفر سنة خمس ومائتين، وللسرويّ والجرويّ هنا أخبار كثيرة، نبهنا عليها في كتاب عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط. وقال ابن الكنديّ: وبها مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره اللّه ، فقال: ﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن/ ١٩] وقال: وجعل بين البحرين

стр. 390

حاجزا وهما بحر الروم وبحر الصين، والحاجز بينهما مسيرة ليلة، ما بين القلزم والفرما، وليس يتقاربان في بلد من البلدان أقرب منهما بهذا الموضع، وبينهما في السفر مسيرة شهور. ذكر مدينة القلزم (١) القلزم: بضم القاف وسكون اللام وضم الزاي وميم، بلدة كانت على ساحل بحر اليمن في أقصاه من جهة مصر، وهي كورة من كور مصر، وإليها ينسب بحر القلزم، وبالقرب منها غرق فرعون، وبينها وبين مدينة مصر ثلاثة أيام، وقد خربت ويعرف اليوم موضعها بالسويس تجاه عجرود، ولم يكن بالقلزم ماء ولا شجر ولا زرع، وإنما يحمل الماء إليها من آبار بعيدة، وكان بها فرضة مصر والشام، ومنها تحمل الحمولات إلى الحجاز واليمن، ولم يكن بين القلزم وفاران قرية ولا مدينة، وهي نخل يسير فيه صيادو السمك، وكذلك من فاران وجيلان إلى أيلة. قال ابن الطوير (٢): والبلد المعروف بالقلزم، أكثرها باق إلى اليوم، ويراها الراكب السائر من مصر إلى الحجاز، وكانت في القديم ساحلا من سواحل الديار المصرية، ورأيت شيئا من حسابه من جهة مستخدميه في حواصل القصر، وما ينفق على واليه وقاضيه وداعيه وخطيبه، والأجناد المركزين به لحفظه وقربه وجامعه ومساجده، وكان مسكونا مأهولا. قال المسبحي في حوادث سنة سبع وثمانين وثلثمائة وفي شهر رمضان: سامح أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أهل مدينة القلزم، مما كان يؤخذ من مكوس المراكب. وقال ابن خرداذبة عن التجار، فيركبون في البحر الغربيّ، ويخرجون بالفرماء، ويحملون تجاراتهم على الظهر إلى القلزم، وبينهما خمسة وعشرون فرسخا، ثم يركبون البحر الشرقيّ، من القلزم إلى تجار جدّة، ثم يمضون إلى السند والهند والصين، ومن القلزم ينزل الناس في بريّة وصحراء، ست مراحل إلى أيلة، ويتزوّدون من الماء لهذه المراحل الست، ويقال: إنّ بين القلزم وبحر الروم ثلاث مراحل، وإنّ ما بينهما هو البرزخ الذي ذكره تعالى بقوله: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن/ ١٩]. ذكر التيه هو أرض بالقرب من أيلة بينهما عقبة، لا يكاد الراكب يصعدها لصعوبتها، إلا أنها
следующие страницы →