فأقام ثلاثة أشهر حتى بنى رصيفا دك أساسه بالحجر والرصاص، وأعلاه بالحجر والكلس، وعمل فيه ثلاثين قنطرة، وأنشأ خانا ينزله الناس، ورتب فيه الخفراء ووقف على مصالحه رزقة، فبلغ مصروفه نحو الستين ألف دينار مصرية سوى ما أخذ من الحجارة التي بعضها من قصر قديم كان خارج الإسكندرية، وسوى ما وجده من الرصاص في سرب بأسفل هذا القصر ينتهي بمن يمشي فيه إلى قريب البحر، وسوى ما أنعم به عليه من الرصاص الموجود بالخليج، ولم يزل الخليج فيه الماء طول السنة إلى ما بعد سنة سبعين وسبعمائة، فانقطع الماء منه وصار الماء لا يدخل إليه إلا في أيام زيادة ماء النيل فقط ثم يجف عند نقصه فتلف من أجل هذا أكثر بساتين الإسكندرية وخربت وتلاشى كثير من القرى التي كانت على هذا الخليج.
وسبب انقطاع الماء عنه غلبة الروم على الأشتوم الذي كان يعبر منه ماء بحر الملح إلى بحيرة الإسكندرية حتى جفت، وصار الرمل تلقيه الرياح في الخليج فانطمّ منه وعلا قاعه، وقصد من أدركناه من ملوك مصر حفر هذا الخليج غير مرّة، فلم يتهيأ ذلك إلى أن كانت سلطنة الملك الأشرف، برسباي، فندب لحفره الأمير جرباش الكريمي المعروف بعاشق، فتوجه إليه وجمع له من قدر عليه من رجال النواحي فبلغت عدّتهم ثمانمائة وخمسة وسبعين رجلا ابتدؤوا في حفره من حادي عشر جمادى الأولى سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى حادي عشر شعبان لتمام تسعين يوما، فانتهى عملهم، ومشى الماء في الخليج، حتى انتهى إلى حدّه من مدينة الإسكندرية، وجرت فيه السفن، فسرّ الناس به سرورا كبيرا وجبى ما أنفق على العمال في الحفر من أرباب النواحي التي على الخليج، ومن أرباب البساتين بالإسكندرية، ولم يكن في حفره كبير شناعة مما جرت به عادة الولاة في مثل ذلك، وللّه الحمد، وعند ما انتهى قدم الأمير جرباش إلى قلعة الجبل، فخلع السلطان عليه وشكره، ثم عمله حاجب الحجاب، فلم يستمرّ ذلك إلا قليلا حتى انطمّ بالرمل وتعذر سلوك الخليج بالمراكب إلا في أيام النيل فقط.
ذكر جمل حوادث الإسكندريّة
وفي سنة تسع وتسعين ومائة، عظمت الحروب بديار مصر بين المطلب بن عبد اللّه الخزاعيّ (١) أمير مصر، وبين عبد العزيز بن الوزير الجرويّ، الثائر بتنيس، فعقد المطلب على الإسكندرية، لمحمد بن هبيرة بن هاشم بن خديج، فاستخلف محمد خاله، عمر بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، الذي يقال له: عمر بن ملاك،
стр. 317
ثم عزله المطلب بعد ثلاثة أشهر، بأخيه الفضل بن عبد اللّه بن مالك، وكانت بالإسكندرية مراكب الأندلسيين قد قفلوا من غزوهم، وكان سبب قدوم هذه المراكب ما جرى لأهل قرطبة بوقعة الربض مع الحكم بن هشام في سنة اثنتين وثمانين ومائة، فأخرج جماعة منهم، فوصلوا إلى صغر الإسكندرية، زيادة على عشرة آلاف، وكان سبب ثورتهم أنّ قصابا من الإسكندرية، رمى وجه رجل منهم بكرش، فأنفوا من ذلك وصاروا إلى ما صاروا إليه، وذلك لما نزلوا رمل الإسكندرية ليبتاعوا ما يصلحهم، وكذلك كانوا على الزمان، وكانت الأمراء لا تبيحهم دخول الإسكندرية إنما كان الناس يخرجون إليهم، فيبايعونهم، فلما عزل عمر بن ملاك كتب إليه عبد العزيز الجرويّ يأمره بالوثوب على الإسكندرية، والدعاء له بها، فبعث عمر بن ملاك إلى الأندلسيين، فدعاهم إلى القيام معه في إخراج الفضل عنها، فساروا معه، وأخرج الفضل، ودعا للجروي، فوثب أهل الإسكندرية على الأندلسيين وأخرجوهم وردّوا الفضل، وقتل من الأندلسيين نفر، وانهزم الباقون إلى مراكبهم، فعزل المطلب أخاه، وولى عليها إسحاق بن أبرهة بن الصباح، في شهر رمضان سنة تسع وتسعين، ثم عزله بأبي ذكر بن جنادة المعافري.
فلما اقتتل السري بن الحكم هو والمطلب بن عبد اللّه، وغلب السري على مصر، وثب عمر بن ملاك، على أبي بكر، وأخرجه من الإسكندرية، ودعا للجرويّ، وأقبل الأندلسيون إليه فأفسدوا، فأمرهم بالخروج إلى مراكبهم، فشق ذلك عليهم، وظهرت بالإسكندرية طائفة يسمون بالصوفية، يأمرون بالمعروف، ويعارضون السلطان في أموره، فترأس عليهم رجل منهم يقال له: أبو عبد الرحمن الصوفيّ، فصاروا مع الأندلسيين يدا واحدة، واعتضدوا بلخم، وكانت لخم أعز من في ناحية الإسكندرية، فخوصم أبو عبد الرحمن الصوفيّ إلى عمر بن ملاك في امرأة، فقضى على أبي عبد الرحمن، فوجد في نفسه من ذلك، وخرج إلى الأندلسيين فألّف بينهم وبين لخم، ورجا أهل الأندلس أن يدركوا ثارا من عمر بن ملاك، فساروا إلى عمر بن ملاك، وهم زهاء عشرة آلاف، فحصروه في قصره، وخشي أنّ القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يدخلوا عليه عنوة، فيفضح في حرمه، فاغتسل، وتحنط، وتكفن، وأمر أهله أن يدلوه إليهم، فدلي فأخذته السيوف، فقتل.
ثم ولي أخوه محمد بن عبد اللّه الذي يلقب: جيوس، فقتل، ثم ولي عليهم عبد اللّه البطال بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، فقتل، ثم ولي عليهم أخوه أبو هبيرة الحارث، فقتل، ثم ولي عليهم خديج بن عبد الواحد، فقتل، وانصرف القوم، وذلك في ذي القعدة، ثم فسد ما بين لخم والأندلسيين عند مقتل ابن ملاك واقتتلوا، فانهزمت لخم.
فظفر الأندلسيون بالإسكندرية في ذي الحجة، فولوها أبا عبد الرحمن الصوفيّ، فبلغ
стр. 318
من الفساد والنهب والقتل ما لم يسمع بمثله، فعزله الأندلسيون، وولوا رجلا منهم يعرف بالكنانيّ، ثم حاربت بنو مدلج الأندلسيين فظفر بهم الأندلسيون ونفروهم عن البلاد، فلم يقدر بنو مدلج على الرجوع إلى أرض الإسكندرية حتى طلب السريّ من الأندلسيين أن يردّوهم، فأذنوا لهم حينئذ ورجعوا، وكان أبو قبيل يقول: أنا على الإسكندرية من أربعين مركبا مسلمين وليسوا بمسلمين، تأتي في آخر الصيف أخوف مني عليها من الروم، فيقال له: ما هذه الأربعون مركبا في هذا الخلق، لو كانت نيرانا تضطرم، فيقول: اسكت ويلك منها، وممن فيها يكون خراب الإسكندرية وما حولها، وبلغ عبد العزيز الجرويّ قتل ابن ملاك، فسار في خمسين ألفا، حتى نزل على حصن الإسكندرية، وحصرها حتى أجهد من فيها، فبلغه: أن السري بن الحكم بعث إلى تنيس بعثا، فكرّ راجعا في المحرّم سنة إحدى ومائتين، فدعا الأندلسيون للسري، ثم لما خلع أهل مصر المأمون، ودعوا لإبراهيم بن المهديّ، وقام الجرويّ بذلك سار إلى الإسكندرية وحصر الأندلسيين حتى دخلها صلحا، ودعي له بها ثم سار عنها إلى الفسطاط، فحارب السري وقتل ابنه، ثم انصرف، فسار الأندلسيون بعامل الجرويّ، وأخرجوه من الإسكندرية وخلعوا الجرويّ، ودعوا للسريّ فسار إليهم الجرويّ في شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين، فعارضته القبط بسخا وأمدّتهم بنو مدلج، وهم في نحو من مائتي ألف فهزمهم، وبعث بجيوشه إلى الإسكندرية فحاصروها، وكانت بين السريّ وبين أهل الصعيد حروب، ثم إنّ الجرويّ سار إلى الإسكندرية سيره الرابع، وحاصرها ونصب عليها المجانيق سبعة أشهر، من أوّل شعبان سنة أربع ومائتين إلى سلخ صفر سنة خمس، فأصاب الجرويّ فلقة من حجر منجنيقة، فمات سلخ صفر سنة خمس ومائتين، وقام من بعده ابنه عليّ.
فلم تزل الفتن بالأندلسيين في الإسكندرية متصلة إلى أن قدم عبد اللّه بن طاهر إلى مصر من قبل أمير المؤمنين المأمون، وأخرج عبيد اللّه بن السريّ من مصر، وسار إلى الإسكندرية في قوّاد العجم من أهل خراسان مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين، فحاصرها بضع عشرة ليلة، حتى خرج إليه أهلها بأمان وصالحه الأندلسيون على أن يسيرهم من الإسكندرية حيث أحبوا، على أن لا يخرجوا في مراكبهم أحدا من أهل مصر، ولا عبدا ولا آبقا، فإن فعلوا فقد حلت له دماؤهم، ونكث عهدهم وتوجهوا، فبعث ابن طاهر، من يفتش عليهم مراكبهم، فوجدوا فيها جمعا من الذين اشترط عليهم أن لا يخرجوهم، فأمر بإحراق مراكبهم، فسألوه أن يردّهم إلى شرطهم، ففعل وساروا إلى جزيرة أقريطش، وملكوها، وكان الأمير معهم أبو حفص عمر بن عيسى، ثم ملكها ولده من بعده، وعمرها الأندلسيون إلى أن غزاها الروم سنة خمس وأربعين وثلثمائة، وملكها بعد حصار طويل، وولى على الإسكندرية إلياس بن أسد بن سامان، ورجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة، ثم سار إلى العراق، ولما انتقض أسفل الأرض في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين،
стр. 319
وحاربهم الأفشين ومعه عيسى بن منصور الرافقيّ أمير مصر، وبعث عبد اللّه بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ إلى الغربية، فانهزم إلى الإسكندرية، واستجاشت عليه بنو مدلج وحصروه في شوّال، فسار الأفشين وأوقع بمن في طريقه حتى قدم الإسكندرية في جنوده، فلقيته طائفة من بني مدلج، فهزمهم مرّتين وأسر منهم وقتل ودخل الإسكندرية لعشر بقين من ذي الحجة، ففرّ منه رؤساؤها.
وكان عليها معاوية بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، فأصلح أمرها، ثم خرج إلى أهل البشرود، فامتنعوا عليه حتى قدم المأمون إلى مصر، فصار إلى البشرود والأفشين قد أوقع بالقبط بها كما تقدّم ذكره.
ولما ولي إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب إفريقية في سنة إحدى وستين ومائتين حسنت سيرته، فكانت القوافل والتجار تسير في الطرق وهي آمنة وبنى الحصون، والمحارس على ساحل البحر حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية، فيصل الخبر منها إلى الإسكندرية في ليلة واحدة، وبينهما مسيرة أشهر.
وفي سنة اثنتين وثلثمائة دخل حباسة (١) في جيوش إفريقية إلى الإسكندرية في المحرّم، ومعه مائة ألف أو زيادة عليها، وقدمت الجيوش من المشرق، مددا لتكين أمير مصر، وسار حباسة من الإسكندرية ونودي بالنضير في الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة، فلم يتخلّف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصة والعامّة، إلا من عجز عن الحركة لمرض، أو عذر، وأتاهم حباسة فلقوه وهزموه، ثم دار عليهم، فقتل من أهل مصر نحوا من عشرة آلاف، ونهض حباسة إلى إفريقية، وأقاموا بمصر مضطربين.
فأقبل مؤنس الخادم من العراق في رمضان بجيوش كثيرة، فصرف تكين في ذي القعدة، وولى ذكاء الأعور (٢) في صفر سنة ثلاث وثلثمائة، فخرج في جيوشه إلى الإسكندرية، وتتبع كل من يومأ إليه بمكاتبة صاحب إفريقية، فسجن منهم، وقتل كثيرا وجلا أهل لوبية ومراقية إلى الإسكندرية في شوّال سنة أربع وثلثمائة، خوفا من صاحب برقة.
وفي سنة سبع وثلثمائة، سارت مقدّمة المهديّ، عبيد اللّه من إفريقية مع ابنه أبي القاسم إلى لوبية، فهرب أهل الإسكندرية وجلوا عنها، وخرج منها مظفر بن ذكاء الأعور في جيشه، ودخلت إليها العساكر يوم الجمعة لثمان خلون من صفر، وفرّ أهل القوّة من الفسطاط إلى الشأم، فخرج ذكاء أمير مصر إلى الجيزة، وعسكر بها، ثم مرض ومات على مصافه بالجيزة في ربيع الأوّل.
стр. 320
فولي تكين بعده ولايته الثانية من قبل المقتدر، ونزل الجيزة وأقبلت مراكب صاحب إفريقية إلى الإسكندرية عليها سليمان الخادم، فقدم ثمل الخادم صاحب مراكب طرسوس، فالتقيا برشيد في شوّال، فاقتتلا فبعث اللّه ريحا على مراكب سليمان ألقتها إلى البر فتكسر أكثرها، وأخذ من فيها أخذا باليد، وقتل أكثرهم، وأسر من بقي وسيقوا إلى الفسطاط فقتل منهم نحو سبعمائة رجل، وسار أبو القاسم بن المهدي من الإسكندرية إلى الفيوم، وملك جزيرة الأشمونين والفيوم، وأزال عنها جند مصر، فمضى ثمل الخادم في مراكبه إلى الإسكندرية، فقاتل من بها من أهل إفريقية، فظفر بهم، ونقل أهل الإسكندرية إلى رشيد وعاد إلى الفسطاط، ومضى في مراكبه إلى اللاهون، ولحقته العساكر، فدخلوا إلى الفيوم في صفر سنة سبع وثلثمائة، فخرج أبو القاسم بن المهدي إلى برقة، ولم يكن بينهما قتال، ورجعت العساكر إلى الفسطاط، وما زالت الإسكندرية وأعمالها في اضطراب إلى أن قدمت جيوش المعز لدين اللّه، مع القائد جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، فملكتها وما برحت إلى أن قام بها نزار بن المستنصر، وكان من أمره ما قد ذكر عند ذكر خزائن القصر.
وفي سنة اثنتي عشرة وستمائة، اجتمع بالإسكندرية ثلاثة آلاف من تجار الفرنج، وقدمت بطسة إلى المينا فيها من ملوك الفرنج، ملكان، فهموا أن يثوروا ويقتلوا أهل البلد، ويملكوها، فتوجه الملك العادل، أبو بكر بن أيوب، إليها وقبض على التجار المذكورين، وعلى من بالبطسة واستصفى أموالهم، وسجنهم وسجن الملكين، وجرت خطوب حتى أطلق السلطان نساءهم، وعاد إلى القاهرة.
وفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة، بنى الملك الصالح طلائع بن رزيك على بلبيس حصنا من لبن.
وفي سنة اثنتين وستين وخمسمائة، كانت وقعة البابين بين الوزير شاور، وأسد الدين شيركوه، فانهزم عسكر شيركوه، ومضى منهم طائفة إلى الإسكندرية، ثم كانت لشيركوه على شاور، فانهزم منه إلى القاهرة، ومضى شيركوه إلى الإسكندرية، فخرج إليه أهل الثغر، وفيهم: نجم الدين محمد بن مصال والي الثغر وقاضيه الأشرف بن الخباب، وناظره القاضي الرشيد بن الزبير، وسرّوا بقدومه وسلّموه المدينة؛ ثم سار منها يريد بلاد الصعيد.
واستخلف ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على الثغر في ألف فارس، فنزل عليه شاور، ومعه: مري ملك الفرنج، فقام معه أهل الثغر، واستعدّوا لقتال شاور، فكان ما أخرجوه أربعة وعشرين ألف فرس، فوعدهم شاور أن يضع عنهم المكوس والواجبات، ويعطيهم الخمس إذا سلموه صلاح الدين، فأبوا ذلك، وألحوا في قتاله، فحصرهم حتى قلّ الطعام عندهم، فتوجه إليهم شيركوه وقد حشد من العربان جموعا كثيرة، فبعث إليه شاور
стр. 321
وبذل له خمسة آلاف دينار على أن يرجع إلى الشأم، فأجابه إلى ذلك، وفتحت المدينة، وخرج صلاح الدين إلى مري ملك الفرنج، وجلس معه، فما زال به شاور أن يسلمه صلاح الدين، فلم يوافقه، بل سيره إلى عمه شيركوه من البحر على عكا بمن معه إلى دمشق، ودخل شاور إلى الإسكندرية في سابع عشر شوّال، فاستتر ابن مصال، وفرّ إلى الشأم، وقبض على ابن الخباب، وعوقب حتى فداه أهله بمال جزيل، ولم يقدر على ابن الزبير، وخرج إلى رشيد.
هذا وقد امتنع الفقيه أبو الطاهر بن عوف، وجماعة كثيرة بالمنار فوقف عليهم شاور، فقال له ابن عوف: اعذرنا يا أمير الجيوش، وسامحنا بما فعلناه، فعفا عنهم، وولي القاضي الأشرف أبا القاسم عبد الرحمن بن منصور بن نجا، ناظرا على الأموال، وخرج ومعه مري ملك الفرنج إلى القاهرة، ثم توجه مري إلى بلاده.
وفي سنة إحدى وسبعين وستمائة، ورد الخبر بحركة الفرنج إلى ثغور مصر، فاهتم الملك الظاهر بيبرس بأمر الشواني، ونصب على أسوار الإسكندرية نحو مائة منجنيق.
وفي يوم الخميس شهر رجب سنة سبع وعشرين، خرج بعض تجار الفرنج إلى ظاهر باب البحر حيث تجتمع العامّة للفرجة، وتعرّض إلى صبيّ أمرد يراوده عن نفسه، فأنكر ذلك بعض من هناك من المسلمين، وقال: هذا ما يحل، فأخذ الفرنجي خفا كان بيده، وضربه على وجهه، فصاح بالناس، فأتوه، فقام الفرنج مع صاحبهم، واتسع الخرق إلى أن ركب متولي الثغر، وأغلق أبواب المدينة، وطلب من أثار الفتنة ففرّوا، وعاد إلى داره، وترك الأبواب مغلقة، وكان بظاهر المدينة خلق كثيرة قد توجهوا على عادتهم في حوائجهم فحيل بينهم وبين بيوتهم، وجاء الليل وهم قيام على الأبواب يضجون ويصيحون، فمضى أعيان البلد إلى المتولي، وما زالوا به، حتى فتح لهم، فدخلوا مبادرين وهم يزدحمون، فمات منهم زيادة على عشرة أنفس، وتلفت أعضاء جماعة، وذهب من عمائم الناس ومناديلهم، وغير ذلك شيء كثير؛ وعظم البكاء والصراخ طول الليل، فلما كان من الغد، ركب الوالي لكشف أحوال الناس، فتكاثروا عليه ورجموه، فانهزم منهم إلى داره فتبعوه وقاتلوه، فقاتلهم من أعلى الدار حتى سفكت بينهما دماء كثيرة، وأحرقوا بابه، ونهبوا دورا بجانبه.
فكتب يستنجد والي دمنهور ومن حوله من العربان، فأتوه واحتاطوا بالمدينة، وسرّح الطائر إلى السلطان بخروج أهل الإسكندرية عن الطاعة، فاشتدّ غضبه وخشي من إطلاقهم الأمراء المسجونين، وبعث إلى القضاة فجمعهم واستفتاهم في قتالهم، فكتبوا بما يجب، وخرج إليهم الوزير مغلطاي الجماليّ، وطوغان شادّ الدواوين، وأيدمر أمير جندار، وعدّة من المماليك السلطانية، وناظر الخاص، ومع الوزير تذكرة بإراقة دماء أهل الفساد،
стр. 322
ومصادرة جماعة وأخذ أموال أهل البلد، والقبض على الأسلحة المعدّة بها للغزاة وإمساك القاضي والشهود وحمل الأمراء المسجونين إلى القاهرة، فساروا في عاشره، وقدموا الثغر بعد ثلاثة أيام، ونزل الوزير بالخيس، وفرض على الناس خمسمائة ألف دينار مصرية، وأحضر قاضي القضاة، عماد الدين ونائبه في الحديد، وأنكر عليهما كونهما شهرا النداء في البلد بالغزاة في سبيل اللّه، فأنكرا وقوع هذا منهما، وأنهما لم يكن في قدرتهما ردّ السواد الأعظم، فضرب نائبه ابن الشيبي ضربا مبرّحا، وألزمه بحمل ستمائة ألف درهم، وألزم القاضي بخمسمائة ألف درهم، وكان قد رسم بشنقه، فتلطف في مكاتبة السلطان، واعتذر عنه وبرّأه حتى عفا عنه، وتتبع العامّة فوسط منهم ثلاثين رجلا في يوم الجمعة، ثالث عشره، فتسارع الناس إلى دورهم من الخوف، فذهبت عدّة عمائم واشتدّ الخوف مدّة عشرين يوما، وكتب السلطان تتوالى بالإيقاع بأهل الثغر، وأخذ أموالهم والوزير يحسن في الجواب إلى أن جهز الأمراء المسجونين، وسار من الثغر، وقد استعرض ما به من السلاح، فوجد ستة آلاف عدّة كاملة جعلها جميعها في قاعة وختم عليها، وبلغت الجباية من الناس ما ينيف على مائتين وستين ألف دينار، فكانت هذه من المحن العظيمة، والحوادث الشنيعة، وللّه الأمر من قبل ومن بعد.
ذكر مدينة أتريب
هذه المدينة بناها أتريب بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. قال ابن وصيف شاه: وكان أتريب قد انتقل إلى حيزه بعد موت أبيه قبطيم، وهي المدينة التي كان أبوه بناها له، وكان طولها اثني عشر ميلا، ولها اثنا عشر بابا، وجعل في شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على أعمدة بعضها فوق بعض منها قبة في وسط المدينة، وقبتان في طرفيها، وجعل على كل قبة مرقبا كبيرا وفي كل ناحية منها ملعبا، ومجالس ومنتزهات تشرق، وشق في غربيها نهرا وعقد عليه قناطر، وجعل من فوقها مجالس متصلة، وحولها المنازل تدور بالخليج متصلة بالقناطر على رياض مزروعة من خلفها الجنان والبساتين، وعلى كل باب من الأبواب، أعجوبة من تماثيل وأصنام متحرّكة، وأصنام تمنع من يؤذي، وجعل في داخل كل باب صورة شيطانين من صفر، فإذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشيطان الذي عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الشرّ بكى الشيطان الذي عن يسرة الباب، وجعل في كل منتزه منها من الوحش الآلف والطيور المغرّدة كل مستحسن، وفوق قباب المدينة صورا تصفر إذا هبت الرياح، ونصب مرآة ترى البلاد البعيدة، وبنى حذاءها في الشرق مدينة، وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة في صور مختلفة، وفي وسطها بركة إذا مرّ بها الطير سقط عليها، فلا يبرح حتى يؤخذ وجعل لها حصنا، باثني عشر بابا، على كل باب تمثال يعمل بأعجوبة، وعمل حواليها جنانا، وجعل بالقرب منها في ناحية الشرق مجلسا منقوشا على ثماني أساطين، وفوقه قبة عليها طائر منشور الجناحين يصفر في كل يوم ثلاث
стр. 323
تصفيرات، بكرة ونصف النهار وعند غروب الشمس، وأقام فيها أصناما وعجائب كثيرة، وبنى مدنا كثيرة، وأقام فيها رجلا يقال له: برسان، يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير في كل دينار، سبعة مثاقيل عليها صورته، وعاش أتريب ملكا ثلثمائة وستين سنة، وبلغ من العمر خمسمائة سنة، وعمل له ناوس في جبل بالشرق، حفر له تحته سرب بطن بالزجاج والمرمر، وجعل على سرير من ذهب مرصع، وحملت إليه ذخائره وجعلوا على بابه صورة تنين لا يدنو منه أحد إلا أهلكه، وسوّروا عليه الرمال، وزبروا عليه اسمه وتاريخ وقته.
وقال ابن الكنديّ: أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها، ولا تحت السماء لهنّ نظير: كورة الفيوم، وكورة أتريب، وكورة سمنود، وكورة أنصنا؛ وكورة أتريب من جملة كور أسفل الأرض، وهي مائة وثماني قرى.
وكان يقال: مدائن السحرة من ديار مصر سبع وهي: أرمنت، وبيا، وبوصير، وأنصنا، وصان، وأتريب، وصا.
ذكر مدينة تنيس (١)
تنيس: بكسر التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وكسر النون المشدّدة وياء آخر الحروف وسين مهملة: بلدة من بلاد مصر في وسط الماء، وهي من كورة الخليج سميت بتنيس بن حام بن نوح، ويقال: بناها قليمون من ولد أتريب بن قبطيم، أحد ملوك القبط في القديم.
قال ابن وصيف شاه: وملكت بعد أتريب، ابنته، فدبرت الملك وساسته بأيد وقوّة خمسا وثلاثين سنة، وماتت، فقام بالملك من بعدها، ابن أختها، قليمون الملك، فردّ الوزراء إلى مراتبهم، وأقام الكهان على مواضعهم ولم يخرج الأمر عن رأيهم، وجدّ في العمارات وطلب الحكم.
وفي أيامه بنيت تنيس الأولى التي غرّقها البحر، وكان بينه وبينها شيء كثير وحولها الزرع والشجر والكروم وقرى ومعاصر للخمر وعمارة لم يكن أحسن منها، فأمر الملك أن يبنى له في وسطها مجالس، وينصب له عليها قباب وتزين بأحسن الزينة والنقوش، وأمر بفرشها وإصلاحها، وكان إذا بدا النيل يجري، انتقل الملك إليها، فأقام بها إلى النوروز، ورجع وكان للملك بها أمناء يقسمون المياه، ويعطون كل قرية قسطها، وكان على تلك القرى، حصن يدور بقناطر، وكان كل ملك يأتي يأمر بعمارتها والزيادة فيها ويجعلها له منتزها.
стр. 324
ويقال: إنّ الجنتين اللتين ذكرهما اللّه تعالى في كتابه العزيز إذ يقول: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ [الكهف/ ٣٢] الآيات، كانتا لأخوين من بيت الملك أقطعهما ذلك الموضع، فأحسنا عمارته وهندسته وبنيانه، وكان الملك يتنزه فيهما، ويؤتي منهما بغرائب الفواكه والبقول، ويعمل له من الأطعمة والأشربة ما يستطيبه، فعجب بذلك المكان أحد الأخوين، وكان كثير الضيافة والصدقة، ففرّق ماله في وجوه البرّ، وكان الآخر ممسكا يسخر من أخيه إذا فرّق ماله، وكلما باع من قسمه شيئا اشتراه منه حتى بقي لا يملك شيئا، وصارت تلك الجنة لأخيه واحتاج إلى سؤاله، فانتهره وطرده، وعيره بالتبذير، وقال: قد كنت أنصحك بصيانة مالك، فلم تفعل، ونفعني إمساكي فصرت أكثر منك مالا وولدا، وولى عنه مسرورا بماله وجنته، فأمر اللّه تعالى البحر، فركب تلك القرى، وغرّقها جميعها، فأقبل صاحبها يولول ويدعو بالثبور ويقول: يا ليتني لم أشرك بي أحدا، قال اللّه ﷻ : ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ﴾ [الكهف/ ٤٣].
وفي زمان قليمون الملك، بنيت دمياط، وملك قليمون تسعين سنة، وعمل لنفسه ناوسا في الجبل الشرقيّ، وحوّل إليه الأموال والجواهر وسائر الذخائر، وجعل من داخله تماثيل تدور بلواليب في أيديها سيوف من دخل قطعته، وجعل عن يمينه ويساره، أسدين من نحاس مذهب بلوالب، من أتاه حطماه، وزبر عليه: هذا قبر قليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصر عمّر دهرا، وأتاه الموت فما استطاع له دفعا، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه وليأخذ من بين يديه.
ويقال: إنّ تنيس أخ لدمياط.
وقال المسعوديّ في كتاب مروج الذهب وغيره: تنيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها استواء وطيب تربة، وكانت جنانا ونخلا وكرما وشجرا ومزارع، وكانت فيها مجار على ارتفاع من الأرض، ولم ير الناس بلدا أحسن من هذه الأرض، ولا أحسن اتصالا من جنانها وكرومها، ولم يكن بمصر كورة يقال إنها تشبهها إلا الفيوم، وكان الماء منحدرا إليها لا ينقطع عنها صيفا ولا شتاء يسقون جنانهم إذا شاءوا، وكذلك زروعهم وسائره يصب إلى البحر من جميع خلجانه، ومن الموضع المعروف بالأشتوم، وقد كان بين البحر وبين هذه الأرض مسيرة يوم، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس، طريق مسلوك إلى قبرس، تسلكه الدواب يبسا ولم يكن بين العريش وجزيرة قبرس في البحر سير طويل، حتى علا الماء الطريق الذي كان بين العريش وقبرس، فلما مضت لدقلطيانوس من ملكه مائتا وإحدى وخمسون سنة، هجم الماء من البحر على بعض المواضع التي تسمى اليوم: بحيرة تنيس، فأغرقه وصار يزيد في كل عام، حتى أغرقها بأجمعها، فما كان من القرى التي في قرارها غرق، وأما الذي كان منها على ارتفاع من الأرض فبقي منه تونة وبورا وغير ذلك مما هو
стр. 325
باق إلى هذا الوقت، والماء محيط بها، وكان أهل القرى التي في هذه البحيرة ينقلون موتاهم إلى تنيس، فنبشوهم واحدا بعد واحد، وكان استحكام غرق هذه الأرض بأجمعها قبل أن تفتح مصر بمائة سنة. قال: وقد كان لملك من الملوك التي كانت دارها، الفرما مع أركون من أراكنة: البلينا، وما اتصل بها من الأرض، حروب عملت فيها خنادق وخلجان فتحت من النيل إلى البحر يمتنع بها كل واحد من الآخر، وكان ذلك داعيا لتشعب الماء من النيل واستيلائه على هذه الأرض.
وقال في كتاب أخبار الزمان: وكانت تنيس عظيمة لها مائة باب، وقال ابن بطلان:
تنيس بلد صغير على جزيرة في وسط البحر، ميله إلى الجنوب عن وسط الإقليم الرابع، خمس درج، وأرضه سبخة، وهواؤه مختلف، وشرب أهله من مياه مخزونة في صهاريج تملأ في كل سنة عند عذوبة مياه البحر بدخول ماء النيل إليها، وجميع حاجاتها مجلوبة إليها في المراكب، وأكثر أغذية أهلها السمك والجبن وألبان البقر، فإنّ ضمان الجبن السلطانيّ سبعمائة دينار حسابا عن كل ألف قالب دينار ونصف، وضمان السمك عشرة آلاف دينار، وأخلاق أهلها سهلة منقادة، وطبائعهم مائلة إلى الرطوبة والأنوثة.
قال أبو السريّ الطبيب: إنه كان يولد بها في كل سنة مائتا مخنث، وهم يحبون النظافة والدماثة والغناء واللذة، وأكثرهم يبيتون سكارى، وهم قليلو الرياضة لضيق البلد، وأبدانهم ممتلئة الأخلاط وحصل بها مرض يقال له: الفواق التنيسيّ، فلما فتحت دمياط، سار إليها المسلمون، فبرز إليهم نحو عشرين ألفا من العرب المتنصرة والقبط والروم، فكانت بينهم حروب آلت إلى وقوع أبي ثور في أيدي المسلمين، وانهزام أصحابه، فدخل المسلمون البلد وبنوا كنيستها جامعا، وقسموا الغنائم وساروا إلى الفرما، فلم تزل تنيس بيد المسلمين، إلى أن كانت إمرة بشر بن صفوان الكلبيّ على مصر من قبل يزيد بن عبد الملك في شهر رمضان سنة إحدى ومائة، فنزل الروم تنيس، فقتل مزاحم بن مسلمة المراديّ أميرها في جمع من الموالي، وفيهم يقول الشاعر:
ألم تربع فيخبرك الرجال … بما لاقى بتنيس الموالي
وكانت تنيس مدينة كبيرة، وفيها آثار كثيرة للأوائل، وكان أهلها مياسير أصحاب ثراء، وأكثرهم حاجة، وبها يحاك ثياب الشروب التي لا يصنع مثلها في الدنيا، وكان يصنع فيها للخليفة ثوب يقال له: البدنة لا يدخل فيه من الغزل سداء ولحمة غير أوقيتين، وينسج باقيه بالذهب بصناعة محكمة لا تحوج إلى تفصيل ولا خياطة تبلغ قيمته ألف دينار، وليس في الدنيا طراز ثوب كتان يبلغ الثوب منه، وهو سادج بغير ذهب مائة دينار عينا، غير طراز تنيس ودمياط، وكان النيل إذا أطلق يشرب منه من بمشارق الفرما من ناحية جرجير، وفاقوس من خليج تنيس، فكانت من أجلّ مدن مصر، وإن كانت شطا، وديفو، ودميرة،
стр. 326
وتونة، وما قاربها من تلك الجزائر يعمل بها الرفيع فليس ذلك يقارب التنيسيّ والدمياطيّ، وكان الحمل منها إلى ما بعد سنة ستين وثلثمائة، يبلغ من عشرين ألف دينار إلى ثلاثين ألف دينار لجهاز العراق، فلما تولى الوزير يعقوب بن كلس تدبير المال استأصل ذلك بالنوائب، وكان يسكن بمدينة تنيس ودمياط نصارى تحت الذمّة، وكان أهل تنيس يصيدون السماني وغير ذلك من الطير على أبواب دورهم، والسماني طائر يخرج من البحر، فيقع في تلك الشباك، وكانت السفن تركب من تنيس إلى الفرما وهي على ساحل البحر.
ولما مات هارون الرشيد، وقام من بعده ابنه محمد الأمين، وأراد الغدر والنكث بالمأمون، كان على مصر، حاتم بن هرثمة بن أعين من قبل الأمين، فلما ثار عليه أهل تنو، ونمي بعث إليهم السريّ بن الحكم، وعبد العزيز بن الوزير الجرويّ، فغلبا بعد الثمانية من شوّال سنة أربع وتسعين ومائة، ثم ولي الأمير جابر بن الأشعث الطائيّ مصر، وصرف حاتم بن هرثمة، وكان جابر لينا، فلما تباعد ما بين محمد الأمين وبين أخيه عبد اللّه المأمون، وخلع محمد أخاه من ولاية العهد، وترك الدعاء له على المنابر، وعهد إلى ابنه موسى، ولقبه بالشديد ودعى له، تكلم الجند بمصر بينهم في خلع محمد غضبا للمأمون، فبعث إليهم جابر ينهاهم عن ذلك، ويخوّفهم عواقب الفتن، وأقبل السريّ بن الحكم يدعو الناس، إلى خلع محمد، وكان ممن دخل إلى مصر في أيام الرشيد من جند، الليث بن الفضل، وكان خاملا فارتفع ذكره بقيامه في خلع محمد الأمين.
وكتب المأمون إلى أشراف مصر يدعوهم إلى القيام بدعوته، فأجابوه وبايعوا المأمون في رجب سنة ست وتسعين ومائة، ووثبوا بجابر، فأخرجوه وولوا عباد بن محمد، فبلغ ذلك محمد الأمين، فكتب إلى رؤساء الحوف بولاية ربيعة بن قيس الجرشيّ، وكان رئيس قيس الحوف، فانقاد أهل الحوف كلهم معه، يمنها وقيسها، وأظهروا دعوة الأمين، وخلع المأمون، وساروا إلى الفسطاط لمحاربة أهلها واقتتلوا، فكانت بينهما قتلى، ثم انصرفوا وعادوا مرارا إلى الحرب، فعقد عباد بن محمد لعبد العزيز الجرويّ، وسيره في جيش ليحارب القوم في دارهم، فخرج في ذي القعدة سنة سبع وتسعين ومائة، وحاربهم بعمريط، فانهزم الجرويّ، ومضى في قومه من لخم وجذام إلى فاقوس، فقال له قومه: لم لا تدعو لنفسك فما أنت بدون هؤلاء الذين غلبوا على الأرض؟ فمضى فيهم إلى تنيس، فنزلها ثم بعث بعماله يجبون الخراج من أسفل الأرض، فبعث ربيعة بن قيس يمنعه من الجباية، وسار أهل الحوف في المحرّم سنة ثمان وتسعين إلى الفسطاط، فاقتتلوا، وقتل جمع من الفريقين، وبلغ أهل الحوف قتل الأمين، فتفرّقوا.
وولي إمرة مصر، مطلب بن عبد اللّه الخزاعيّ من قبل المأمون، فدخلها في ربيع الأوّل، وولى عبد العزيز الجرويّ شرطته، ثم عزله وعقد له على حرب أسفل الأرض، ثم
стр. 327
صرف المطلب، وولى العباس بن موسى بن عيسى في شوّال، فولي عبد العزيز الشرطة، فلما ثار الجند وأعادوا المطلب في المحرّم سنة تسع وتسعين، هرب الجرويّ إلى تنيس، وأقبل العباس بن موسى بن عيسى من مكة إلى الحوف، فنزل ببلبيس، ودعا قيسا إلى نصرته، ثم مضى إلى الجرويّ بتنيس، فأشار عليه أن ينزل دار قيس، فرجع إلى بلبيس في جمادى الآخرة، وبها مات مسموما في طعام دسه إليه المطلب على يد قيس، فدان أهل الأحواف للمطلب، وبايعوه، وسارعوا إلى جب عميرة وسالموه عند ما لقوه، وبعث إلى الجرويّ يأمره بالشخوص إلى الفسطاط فامتنع من ذلك، وسار في مراكبه حتى نزل شطنوف، فبعث إليه المطلب السريّ بن الحكم في جمع من الجند يسألونه الصلح، فأجابهم إليه، ثم اجتهد في الغدر بهم، فتيقظوا له، فمضى راجعا إلى بنا، فاتبعوه وحاربوه.
ثم عاد، فدعاهم إلى الصلح ولاطف السريّ، فخرج إليه في زلاج وخرج الجرويّ في مثله، فالتقيا في وسط النيل مقابل سندفا، وقد أعدّ الجرويّ في باطن زلاجة الحبال، وأمر أصحابه بسندفا إذا لصق بزلاج السريّ، أن يجرّوا الحبال إليهم، فلصق الجرويّ بزلاج السريّ، فربطه في زلاجه، وجرّ الحبال، وأسر السريّ، ومضى به إلى تنيس، فسجنه بها، وذلك في جمادى الأولى، ثم كرّ الجرويّ وقاتل، فلقيه جموع المطلب بسفط سليط في رجب، فظفر، ولما عزل عمر بن ملاك عن الإسكندرية، ثار بالأندلسيين، ودعا للجرويّ، فأقبل عبد اللّه بن موسى بن عيسى إلى مصر طالبا بدم أخيه العباس في المحرّم سنة مائتين، فنزل على عبد العزيز الجرويّ، فسار معه في جيوش كثيرة العدد في البرّ والبحر حتى نزل الجيزة، فخرج إليه المطلب في أهل مصر، فحاربوه في صفر، فرجع الجرويّ إلى شرقيون، ومضى عبد اللّه بن موسى إلى الحجاز، وظهر المطلب على أنّ أبا حرملة فرجا الأسود، هو الذي كاتب عبد اللّه بن موسى، وحرّضه على المسير، فطلبه ففرّ إلى الجرويّ، وجدّ المطلب في أمر الجرويّ، فأخرج الجرويّ السريّ بن الحكم من السجن، وعاهده وعاقده على أن يثور بالمطلب ويخلعه، فعاهده السريّ على ذلك فأطلقه، وألقى إلى أهل مصر أنّ كتاب ورد بولايته فاستقبله الجند من أهل خراسان، وعقدوا له عليهم وامتنع المصريون من ولايته، فنزل داره بالحمراء، وأمدّه قيس بجمع منهم وحارب المصريين فهزمهم، وقتل منهم، فطلب المطلب منه الأمان، فأمنه، وخرج من مصر.
واستبدّ السريّ بن الحكم، بأمر مصر في مستهل شهر رمضان (١)، فلما قتل الأندلسيون، عمر بن ملاك بالإسكندرية، سار إليها الجرويّ في خمسين ألفا، فبعث السريّ إلى تنيس بعثا، فكرّ الجرويّ راجعا إلى تنيس في محرّم سنة إحدى ومائتين، فلما ثار الجند بالسريّ في شهر ربيع الأوّل، وبايعوا سليمان بن غالب، قام عباد بن محمد عليه وخلعه،
стр. 328
وقام بالأمر عليّ بن حمزة بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، في مستهل شعبان، فامتنع عباد أن يبايعه، ولحق بالجرويّ، ثم لحق به أيضا سليمان بن غالب، فكان معه وعاد السريّ إلى ولايته مصر، في شعبان وقوي سلطانه.
فلما كان في المحرّم سنة اثنتين مائتين، ورد كتاب المأمون إليه يأمره، بالبيعة لوليّ عهده عليّ بن موسى (١) الرضى، فبويع له بمصر، وقام في فساد ذلك إبراهيم بن المهديّ ببغداد، وكتب إلى وجوه الجند بمصر، يأمرهم بخلع المأمون، ووليّ عهده وبالوثوب على السريّ، فقام بذلك الحارث بن زرعة بن محرّم بالفسطاط، وعبد العزيز بن الوزير الجرويّ بأسفل الأرض، ومسلمة بن عبد الملك الطحاويّ الأزديّ بالصعيد، وخالفوا السريّ، ودعوا إلى إبراهيم بن المهديّ، وعقدوا على ذلك الأمر لعبد العزيز بن عبد الرحمن الأزديّ، فحاربه السريّ، وظفر به في صفر ولحق كل من كره بيعة عليّ الرضى بالجرويّ، لمنعته بتنيس وشدّة سلطانه، فسار إلى الإسكندرية، وملكها ودعى له بها وببلاد الصعيد، ثم سار في جمع كبير لمحاربة السريّ، واستعدّ كل منهما لصاحبه بأعظم ما قدر عليه، فبعث إليه السريّ ابنه ميمونا، فالتقيا بشطنوف، فقتل ميمون في جمادى الأولى سنة ثلاث ومائتين، وأقبل الجرويّ على مراكبه إلى الفسطاط ليحرقها، فخرج إليه أهل المسجد، وسألوه الكف، فانصرف عنها وحارب الإسكندرية غير مرّة، وقتل بها من حجر أصابه من منجنيقه في آخر صفر سنة خمس ومائتين.
ومات السريّ بعده بثلاثة أشهر في آخر جمادى الأولى، وقام بعده الجرويّ ابنه عليّ بن عبد العزيز الجرويّ، فحارب أبا نصر محمد بن السريّ أمير مصر بعد أبيه بشطنوف، ثم التقيا بدمنهور، فيقال: إنّ القتلى بينهما يومئذ كانوا سبعة آلاف، وانهزم ابن السريّ إلى الفسطاط، فتبعته مراكب ابن الجوريّ، ثم عادت فدخل أبو حرملة فرج بينهما حتى اصطلحا، ومات ابن السريّ في شعبان سنة ست ومائتين، فولي بعده أخوه عبيد اللّه بن السريّ، فكف عن ابن الجرويّ.
وبعث المأمون، مخلد بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ إلى مصر في جيش من ربيعة، فامتنع عبيد اللّه بن السريّ من التسليم له، ومانعه فاقتتلوا، وانضم عليّ بن الجرويّ إلى خالد بن يزيد، وأقام له الأنزال وأغاثه، وسار حتى نزل على خندق عبيد اللّه بن السريّ، فاقتتلا في شهر ربيع الأوّل سنة سبع ومائتين، وجرت بينهما حروب بعد ذلك آلت إلى ترفع خالد إلى أرض الحوف، فكره ذلك ابن الجرويّ، ومكر به حتى أخرجه من عمله إلى غربيّ النيل فنزل نهيا، وانصرف ابن الجرويّ إلى تنيس، فصار خالد في ضرّ وجهد، وعسكر له
стр. 329
ابن السريّ في شهر رمضان وأسره وأخرجه من مصر إلى مكة في البحر.
وبعث المأمون، بولاية عبيد اللّه بن السريّ، على ما في يده وهو فسطاط مصر، وصعيدها وغربيها، وبولاية عليّ بن عبد العزيز الجرويّ تنيس مع الحوف الشرقيّ، وضمنه خراجه، وأقبل ابن الجرويّ على استخراج خراجه من أهل الحوف فمانعوه، وكتبوا إلى ابن السريّ يستمدّونه عليه، فأمدّهم بأخيه، فالتقيا بكورة بنا في بلقينة، فاقتتلوا في صفر سنة تسع ومائتين، وامتدّت الحروب بينهما إلى أثناء ربيع الأوّل وهم منتصفون، فانصرف ابن الجرويّ فيمن معه إلى دمياط، فسار ابن السريّ إلى محلة شريقون، ونهبها وبعث إلى تنيس ودمياط فملكها، ولحق ابن الجرويّ بالفرما، وسار منها إلى العريش، فنزل فيما بينها وبين غزة، ثم عاد وأغار على الفرما في جمادى الآخرة، ففرّ أصحاب ابن السريّ من تنيس، وسار ابن الجرويّ إلى شطنوف، فخرج إليه ابن السريّ، واقتتلا، فكانت لابن الجرويّ في أوّل النهار، ثم أتاه كمين ابن السريّ فانهزم، وذلك في رجب، فمضى إلى العريش، وسار ابن السريّ إلى تنيس ودمياط، ثم أقبل ابن الجرويّ في المحرّم سنة عشر ومائتين، وملك تنيس ودمياط بغير قتال، فبعث إليه ابن السريّ البعوث فحاربهم.
فبينما هم في ذلك إذ قدم عبد اللّه بن طاهر، فتلقاه ابن الجرويّ بالأموال والأنزال، وانضم إليه ونزل معه ببلبيس، فامتنع ابن السريّ، ودافع ابن طاهر، فتراخى له وبعث، فجبى المال، ونزل زفتا، وبعث إلى شطنوف عيسى الجلوديّ على جسر عقده من زفتا، وجعل ابن الجرويّ على سفنه التي جاءته من الشام لمعرفته بالحرب، فهزم مراكب ابن السريّ في المحرّم سنة إحدى عشرة، وصالح ابن طاهر عبيد اللّه بن السريّ في صفر، وخلع عليه، وأجازه بعشرة آلاف دينار، وأقرّه بالخروج إلى المأمون، فسكنت فتن مصر بعبد اللّه بن طاهر.
وفي سنة سبع وسبعين وثلثمائة، ولدت بتنيس، معزى جديا له قرون عدّة، ورأسه مع صدره وبدنه، ومقدّمه بصوف أبيض، ومؤخره بشعر أسود، وذنبه ذنب شاة.
وولدت امرأة سخلة لها رأس مدوّر، ولها يدان ورجلان وذنب.
ولثلاث بقين من ذي الحجة من هذه السنة، حدث بتنيس رعد وبرق وريح شديدة وسواد عظيم في الجوّ، ثم ظهر وقت السحر في السماء عمود نار احمرّت منه السماء والأرض أشدّ حمرة وخرج غبار ودخان يأخذ بالأنفس، فلم يزل إلى الرابعة من النهار حتى ظهرت الشمس، ولم يزل كذلك خمسة أيام.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، حضر عند قاضي تنيس أبي محمد عبد اللّه بن أبي الريس رجل وامرأة فطالبت المرأة الرجل بفرض واجب عليه، فقال الرجل: تزوّجت
стр. 330
بها منذ خمسة أيام، فوجدت لها ما للرجال وما للنساء! فبعث إليها القاضي امرأة لتشرف عليها، فأخبرت أن لها فوق القبل: ذكرا بخصيتين، والفرج تحتها، والذكر أقلف، وإنها رائعة الحسن، فطلقها الزوج.
قال أبو عمرو الكنديّ: حدّثني أبو نصر أحمد بن عليّ، قال: حدّثني يس بن عبد الأحد قال: سمعت أبي يقول: لما دخل عبد اللّه بن طاهر مصر كنت فيمن دخل عليه، فقال: حدّثنا عبد اللّه بن لهيعة عن أبي قبيل عن سبيع، قال: يا أهل مصر كيف بكم إذا كان في بلدكم فتن، فوليكم فيها الأعرج، ثم الأصفر، ثم الأمرد، ثم يأتي رجل من ولد الحسين لا يدفع، ولا يمنع تبلغ راياته البحر الأخضر، يملأها عدلا، فقلت: كان ذلك، كانت الفتنة، فوليها السريّ وهو الأعرج، والأصفر ابنه أبو النصر، والأمرد عبيد اللّه بن السريّ، وأنت عبد اللّه بن طاهر بن الحسين، ثم إن عبد اللّه بن طاهر سار إلى الإسكندرية، وأصلح أمرها، وأخرج ابن الجرويّ إلى العراق، ثم قدم بالأفشين إلى مصر في ذي الحجة سنة خمس عشرة، وقد أمر الأفشين أن يطالبه بالأموال التي عنده، فإن دفعها إليه وإلا قتله، فطالبه، فلم يدفع إليه شيئا، فقدّمه بعد الأضحى بثلاث فقتله.
وفي جمادى الآخرة سنة تسع عشرة ومائتين، ثار يحيى بن الوزير في تنيس، فخرج إليه المظفر بن كندر أمير مصر، فقاتله في بحيرة تنيس، وأسره وتفرّق عنه أصحابه.
وفي سنة تسع وثلاثين ومائتين، أمر المتوكل ببناء حصن على البحر بتنيس، فتولى عمارته، عنبسة بن إسحاق أمير مصر، وأنفق فيه وفي حصن دمياط والفرما مالا عظيما.
وفي سنة تسع وأربعين ومائتين عذبت بحيرة تنيس صيفا وشتاء، ثم عادت ملحا صيفا وشتاء، وكانت قبل ذلك تقيم ستة أشهر عذبة وستة أشهر مالحة.
وفي سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، وصلت مراكب من صقلية، فنهبوا مدينة تنيس. وفي سنة ثمان وسبعين وثلثمائة، صيد بأشتوم تنيس حوت طوله ثمانية وعشرون ذراعا ونصف من ذلك، طول رأسه، تسعة أذرع، ودائر بطنه مع ظهره، خمسة عشر ذراعا، وفتحة فمه، تسعة وعشرون شبرا، وعرض ذنبه، خمسة أذرع ونصف، وله يدان يجذف بهما طول كل يد، ثلاثة أذرع، وهو أملس أغبر غليظ الجلد مخطط البطن ببياض وسواد ولسانه أحمر، وفيه خمل كالريش طوله نحو الذراع يعمل منه أمساط شبه الذبل، وله عينان كعيني البقر.
فأمر أمير تنيس أبو إسحاق بن لوبة به فشق بطنه، وملح بمائة أردب ملح ورفع فكه الأعلى بعود خشب طويل، وكان الرجل يدخل إلى جوفه بقفاف الملح، وهو قائم غير منحن وحمل إلى القصر حتى رآه العزيز بالله. وفي ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثلثمائة، شاهد أهل تنيس، تسعة أعمدة من نار تلتهب في آفاق السماء من ناحية الشمال، فخرج الناس إلى ظاهر البلد يدعون اللّه تعالى، حتى أصبحوا فخبت تلك النيران، وفيها صيد
стр. 331
ببحيرة تنيس، حوت طوله ذراع ونصفه الأعلى فيه، رأس وعينان وعنق وصدره على صورة أسد ويداه في صدره بمخالبه ونصفه الأدنى صورة حوت بغير قشر فحمل إلى القاهرة. وفي سنة سبع وتسعين وثلثمائة ولدت جارية بنتا برأسين، أحدهما بوجه أبيض مستدير، والآخر بوجه أسمر فيه سهولة في كل وجه عينان، فكانت ترضعهما، وكلاهما مركب على عنق واحد في جسد واحد بيدين ورجلين وفرج ودبر، فحملت إلى العزيز حتى رآها ووهب لأمها جملة من المال، ثم عادت إلى تنيس وماتت بعد شهور.
وفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وصل إلى تنيس من شواني صقلية نحو أربعين مركبا، فحصروها يومين، وأقلعوا ثم وصل إليها من صقلية أيضا في سنة ثلاث وسبعين نحو أربعين مركبا فقاتلوا أهل تنيس حتى ملكوها. وكان محمد بن إسحاق صاحب الأسطول قد حيل بينه وبين مراكبه، فتحيز في طائفة من المسلمين إلى مصلى تنيس، فلما اجنهم الليل، هجم بمن معه البلد على الفرنج، وهم في غفلة، فأخذ منهم مائة وعشرين، فقطع رؤوسهم، فأصبح الفرنج إلى المصلى وقاتلوا من بها من المسلمين، فقتل من المسلمين نحو السبعين، وسار من بقي منهم إلى دمياط، فمال الفرنج على تنيس وألقوا فيها النار، فأحرقوها، وساروا وقد امتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى إلى جهة الإسكندرية بعد ما أقاموا بتنيس، أربعة أيام.
ثم لما كانت سنة ست وسبعين وخمسمائة نزل فرنج عسقلان في عشر حراريق (١) على أعمال تنيس، وعليها رجل منهم، يقال له: المعز، فأسر جماعة، وكان على مصر، الملك العادل من قبل أخيه الملك الناصر، صلاح الدين يوسف، عند ما سار إلى بلاد الشام، ثم مضى المعز، وعاد فأسر ونهب، فثار به المسلمون، وقاتلوه فظفرهم اللّه به وقبضوا عليه، وقطعوا يديه ورجليه وصلبوه.
وفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة، انتدب السلطان لعمارة قلعة تنيس، وتجديد الآلات بها عندما اشتدّ خوف أهل تنيس من الإقامة بها، فقدّر لعمارة سورها القديم على أساساته الباقية مبلغ ثلاثة آلاف دينار عن ثمن أصناف وآجر.
وفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، كتب بإخلاء تنيس، ونقل أهلها إلى دمياط، فأخليت في صفر من الذراري والأثقال، ولم يبق بها سوى المقاتلة في قلعتها.
وفي شوّال من سنة أربع وعشرين وستمائة، أمر الملك الكامل، محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، بهدم مدينة تنيس، وكان من المدن الجليلة تعمل بها الثياب السرية، وتصنع بها كسوة الكعبة.
стр. 332
قال الفاكهيّ في كتاب أخبار مكة: ورأيت كسوة مما يلي الركن الغربيّ، يعني من الكعبة، مكتوبا عليها، مما أمر به السريّ بن الحكم وعبد العزيز بن الوزير الجرويّ، بأمر الفضل بن سهل ذي الرياستين (١)، وطاهر بن الحسين سنة سبع وتسعين ومائة، ورأيت شقة من قباطي مصر في وسطها إلا أنهم كتبوا في أركان البيت بخط دقيق أسود، مما أمر به أمير المؤمنين، المأمون سنة ست ومائتين، ورأيت كسوة من كسا المهديّ مكتوبا عليها: بسم اللّه بركة من اللّه لعبد اللّه المهديّ محمد أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، مما أمر به إسماعيل بن إبراهيم أن يصنع في طراز تنيس على يد الحكم بن عبيدة سنة اثنتين وستين ومائة، ورأيت كسوة من قباطي مصر مكتوبا عليها: بسم اللّه، بركة من اللّه مما أمر به عبد اللّه المهديّ محمد أمير المؤمنين أصلحه اللّه محمد بن سليمان أن يصنع في طراز تنيس كسوة الكعبة على يد الخطاب بن مسلمة عامله سنة تسع وخمسين ومائة.
قال المسبحيّ في حوادث سنة أربع وثمانين وثلثمائة: وفي ذي القعدة ورد يحيى بن اليمان من تنيس ودمياط والفرما بهديته، وهي أسفاط وتخوت وصناديق مال، وخيل وبغال وحمير وثلاث مظال، وكسوتان للكعبة.
وفي ذي الحجة سنة اثنتين وأربعمائة وردت هدية تنيس الواردة في كل سنة منها خمس نوق مزينة ومائة رأس من الخيل بسروجها ولجمها وتجافيف وصناعات عدّة، وثلاث قباب دبيقية بمراتبها، ومتحرقات وبنود، وما جرى الرسم بحمله من المتاع والمال والبز.
ولما قدم الحاكم استدعت أخته، السيدة سيدة الملك إلى عامل تنيس عن الحاكم بأن يحمل مالا كان اجتمع قبله، ويعجل توجيهه، وقيل: إنه كان ألف ألف دينار، وألفي ألف درهم اجتمعت من ارتفاع البلد لثلاث سنين، وأمره الحاكم بتركها عنده، فحمل ذلك إليها وبه استعانت على ما دبرت.
وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة ورد الخبر على الخليفة الظاهر لإعزاز دين اللّه، أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه: أن السودان وغيرهم ثاروا بتنيس، وطلبوا أرزاقهم وضيقوا على العامل، حتى هرب، وأنهم عاثوا في البلد وأفسدوا، ومدّوا أيديهم إلى الناس، وقطعوا الطرقات وأخذوا من المودع ألفا وخمسمائة دينار، فقام الجرجراي وقعد، وقال:
كيف يفعل هذا بخزانة السلطان؟ وساءنا فعل هذا بتنيس، أو بيت المال وسير خمسين فارسا للقبض على الجناة، وما زالت تنيس مدينة عامرة ليس بأرض مصر مدينة أحسن منها، ولا أحصن من عمارتها إلى أن خرّبها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب في سنة أربع وعشرين وستمائة، فاستمرّت خرابا، ولم يبق منها إلا رسومها في وسط البحيرة، وكان
стр. 333
من جملة كورة تنيس: بورا، ومنها، وإيوان، وشطا، وبحيرتها الآن يصاد منها السمك، وهي قليلة العمق يسار فيها بالعاديّ وتلتقي السفينتان هذه صاعدة، وهذه نازلة بريح واحدة، وقلع كل واحدة منها مملوء بالريح سيرهما في السرعة مستو توسط البحيرة عدّة جزائر تعرف اليوم بالعزب، جمع عزبة، بضم العين المهملة وزاء ثم باء موحدة، سكنها طائفة من الصيادين، وفي بعضها ملاحات يؤخذ منها ملح عذب لذيذ ملوحته، وماؤها ملح، وقد يحلو أيام النيل.
تونة: وكان من جملة عمل مدينة تنيس قرية يقال لها: تونة يعمل بها طراز تنيس، ويصنع بها من جملة الطراز كسوة الكعبة أحيانا.
قال الفاكهي: ورأيت أيضا كسوة لهارون الرشيد من قباطي مصر مكتوبا عليها:
بسم اللّه، بركة من اللّه للخليفة الرشيد عبد اللّه هارون أمير المؤمنين أكرمه اللّه مما أمر به الفضل بن الربيع أن يعمل في طراز تونة سنة تسعين ومائة.
سمناي: قرية من قرى تنيس غلبت عليها بحيرة تنيس، فصارت جزيرة، فلما كان في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، كشف عن حجارة وآجرّ بها، فإذا عضادات زجاج كثيرة مكتوب على بعضها اسم الإمام المعز لدين اللّه، وعلى بعضها اسم الإمام العزيز بالله نزار، ومنها ما عليه اسم الإمام الحاكم بأمر اللّه، ومنها ما عليه اسم الإمام الظاهر لإعزاز دين اللّه، ومنها ما عليه اسم المستنصر، وهو أكثرها؛ أخبرني بذلك من شاهده ورآه.
بورا: كانت فيما بين تنيس ودمياط، وإليها ينسب السمك الذي يقال له: البوريّ، وإليها ينسب أيضا بنو البوريّ، الذين كانوا بالقاهرة والإسكندرية.
وفي سنة عشر وستمائة، وصل العدوّ إليها بشوانية، وسباها فقدمت إليها القطائع التي كانت على رشيد، فسار عنها العدوّ.
القيس: بفتح القاف وبعدها سين مهملة، بلد ينسب إليها الثياب القيسية آثارها إلى اليوم باقية على البحر الملح فيما بين السوادة والواردة، وبعدها من مدينة الفرما قريب من ستة برد في البرّ، وهناك تل عظيم من رمل خارج في البحر الشاميّ يقطع الفرنج عنده الطريق على المارة، وبالقرب من التل سباخ ينبت فيه ملح يحمله العربان إلى غزة والرملة، وبقرب هذا السباخ آبار يزرع عندها مقاثي لعربان تلك البوادي.
ذكر مدينة صا
قال ابن وصيف شاه: ولما قسم قبطيم بن مصرايم الأرض بين أشمون وأتريب وقفط وصا، انتقل كل واحد إلى قسمه وحيزه، فخرج صا بأهله وولده وحشمه إلى حيزه، وهو بلد البحيرة والإسكندرية حتى انتهى إلى برقة، ونزل مدينة صا قبل أن تبنى الإسكندرية، وكان
стр. 334
صا أصغر ولد أبيه وأحبهم إليه، فلما ملك حيزه أمر بالنظر في العمارات وبناء المدائن والبلدان والهياكل، وإظهار العجائب كما صنع إخوته وطلب الزيادة في ذلك.
وقال مرهون الهنديّ: صاحب بانة فبنى من حدّ صا إلى حدّ لوبية، ومراقيه على البحر أعلاما، وجعل على رؤوس تلك الأعلام مرائي من أخلاط شتى، فكان منها ما يمنع من دواب البحر وأذاها، ومنها ما إذا قصدتم عدوّ من الجزائر وأصابها الشمس، ألقت شعاعا على مراكبهم، فأحرقتها، ومنها ما يرى المدائن التي تحاذيهم من عدوة البحر، وما يعمله أهلها، ومنها ما ينظر فيها إلى إقليم مصر فيعلم منه ما يخصب، وما يجدب في كل سنة، وجعل فيها حمامات تقدمن نفسها، وجعل مستشرفات ومنتزهات، وكان ينزل كل يوم منها في موضع بمن يخصه من خدمه وحشمه، وجعل حواليها بساتين وسرح فيها الطيور المغرّدة، والوحش المستأمن، والأنهار المطردة والرياض المونقة، وجعل شرفات قصوره من حجارة ملوّنة تلمع إذا أصابتها الشمس، فينشر شعاعها على ما حولها، ولم يدع شيئا من آلة النعمة والرفاهية إلا استعمله، فكانت العمارة ممتدّة في رمال رشيد ورمال الإسكندرية إلى برقة، وكان الرجل يسافر في أرض مصر لا يحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات، ولا يسير إلا في ظلال تستره من الشمس، وعمل في تلك الصحاري قصورا، وغرس فيها غروسا، وساق إليها من النيل أنهارا، فكان يسلك من الجانب الغربيّ إلى حدّ الغرب في عمارة متصلة، فلما انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم في تلك الصحاري، وخربت تلك المنازل وباد أهلها، ولا يزال من دخل تلك الصحاري يحكي ما رآه فيها من الآثار والعجائب.
قال مؤلفه ﵀: حدّثني الثقة، عمن دخل مدينة صا، ومشى في خرابها فإذا هو بلبنة طولها أربعة أشبار، فتناولها وأخذ يتأملها، ثم كسرها فإذا فيها سنبلة قدر شبر وافر، كأنها كما حصدت، وفركها بيده فخرج منها قمح أبيض، كبار حبه جدّا في قدر حب اللوبيا، فأكله كله فلم يجد فيه تغيرا، ودخل آخر إليها قبيل سنة تسعين وسبعمائة، وأخذ منها لبنة طولها ذراع ونصف في عرض ذراع، فكسرها فإذا فيها سنبلة قمح ثخن كل قمحة منها في مقدار ما يكون أكبر من الحمص، فلم يطق كسره إلا بعد ما رضه بالحجارة رضا، ووجد بصا: صنم لطيف طول أصبع فاتفق أنه ألقي في خابية ماء فصار خمرا، وكان ذلك عند رجل من تنيس، فصلحت حاله من بيعه ذلك الخمر، فطلبه الأمير الأوحد مستولي تنيس، وما زال به حتى أخذ الصنم منه.
رمل الغرابي
اعلم أنّ هذا الرمل ممتدّ في الأرض ويسميه بعضهم: الرمل الهبير، وطوله من وراء جبل طي إلى أن يتصل مشرقا بالبحر، ويمضي من وراء جبل طي إلى أرض مصر، ثم إلى
стр. 335
بلد النوبة، ويمتدّ إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر، ومنه عرق يضرب من القادسية إلى البحرين، فيعبر البحرين فيمرّ على مشارق خورستان وفارس إلى أن يرد سجستان ويمرّ مشرقا إلى مرو آخذا على جيحون في برّية خوارزم، ويأخذ في بلاد الحدلحية إلى الصين والبحر المحيط في جهة الشرق، وهو على ما وصفته وسقته من المحيط بالمشرق إلى المحيط بالمغرب، وفيه جبال عظام لا ترتقى، وبعضه في أرض سهلة ينتقل من مكان إلى مكان، ومنه أصفر لين اللمس وأحمر وأزرق سماويّ وأسود حالك وأكحل مشبع كالنيل وأبيض كالثلج، ومنه ما يحكي الغبار نعومة، ومنه خشن جريش اللمس، وزعم بعضهم أن رمل الغرابيّ، وما يتصل به من حدّ العريش إلى أرض العباسة حادث.
وذكر في سبب كونه، خبر فيه معتبر، وهو أنّ شدّاد بن هدّاد بن شدّاد بن عاد، أحد الملوك العادية، قدم إلى مصر، وغلب بكثرة جيوشه أشمون بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ملك مصر، وهدم ما بناه هو وآباؤه، وبنى لنفسه أهراما ونصب أعلاما زبر عليها الطلسمات، واختط موضع الإسكندرية، وأقام هناك دهرا إلى أن نزل به وبقومه وباء، فخرجوا من أرض مصر إلى جهة وادي القرى فيما بين المدينة النبوية، وأرض الشام، وعمروا الملاعب والمصانع لحبس المياه التي تجتمع من الأمطار والسيول، فكان سعة كل مصنع ميلا في ميل، وغرسوا النخل وغيره، وزرعوا أصناف الزراعات، فيما بين راية وأيلة إلى البحر الغربيّ، وامتدّت منازلهم من الدثنة إلى العريش والجفار في أرض سهلة ذات عيون تجري وأشجار مثمرة، وزروع كثيرة، فأقاموا بهذه الأرض دهرا طويلا، حتى عثوا وبغوا وتجبروا وطغوا، وقالوا: نحن الأكثرون قوّة الأشدّون الأغلبون، فسلط اللّه عليهم الريح فأهلكتهم ونسفت مصانعهم وديارهم، حتى سحلتها رملا فما تراه من هذه الرمال التي بأرض الجفار، ما بين العباسة حيث المنزلة التي تعرف اليوم بالصالحية إلى العريش من رمل مصانع العادية، وسالة صخورهم لما أهلكهم اللّه بالريح ودمّرهم تدميرا، وإياك وإنكار ذلك لغرابته، ففي القرآن الكريم ما يشهد لصحته، قال تعالى: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ * ما تَذَرُ مِنْ شَيْ ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات/ ٤١] أي كالشيء الهالك البالي، وقيل: الرميم: نبات الأرض إذا يبس، وديس، وقيل: الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم، والرميم: الخلق البالي من كل شيء.
مراقية: مدينة مراقية، كورة من كور مصر الغربية، وهي آخر حدّ أرض مصر، وفي آخر أرض مراقية تلقي أرض انطابلس، وهي برقة وبعدها من مدينة سنترية نحو من بريدين، وكان قطرا كبيرا به نخل كثير ومزارع، وبه عيون جارية، وبها إلى اليوم بقية، وثمرها جيد إلى الغاية وزرعها إذا بذر ينبت من الحبة الواحدة من القمح، مائة سنبلة، وأقل ما تنبت تسعون سنبلة، وكذلك الأرز بها فإنه جيد زاك وبها إلى اليوم بساتين متعدّدة، وكانت مراقية في القديم من الزمان سكنها البربر الذين نفاهم داود ﵇ من أرض فلسطين، فنزلها
стр. 336
منهم خلائق، ومنها تفرّقت البربر، فنزلت زناتة ومغيلة وضريسة الجبال، ونزلت لواتة أرض برقة، ونزلت هوّارة طرابلس المغرب، ثم انتشرت البربر إلى السويس، فلما كان في شوّال سنة أربع وثلثمائة من سني الهجرة المحمدية جلى أهل لوبية ومراقية إلى الإسكندرية خوفا من صاحب برقة، ولم تزل في اختلال إلى أن تلاشت في زمننا، وبها بعد ذلك بقية جيدة.
كوم شريك: هذا المكان بالقرب من الإسكندرية، له ذكر في الأخبار عرف بشريك بن سميّ بن عبد يغوث بن جزء المراديّ القطيفيّ، من الصحابة ﵃، وكان على مقدّمة عمرو بن العاص في فتح الإسكندرية الثاني، فعند ما كثرت جمائع الروم انحاز شريك إلى هذا الكوم بأصحابه، ودافع الروم حتى أدركه عمرو، وكوم شريك هذا من جملة حوف رمسيس.
غيفة: قرية تقارب مدينة بلبيس، من الفسطاط إليها مرحلتان، كانت منزلة قافلة الحاج، ويقال: إنّ صواع الملك الذي فقد من مدينة مصر وجد في رحال إخوة يوسف ﵇، بغيفة هذه.
سمنود: كان بها بربا عليه هيئة درقة، فيها كتابة حكى ابن زولاق عن أبي القاسم مأمون العدل: أنه نسخ الكتابة في قرطاس وصوّره على درقة، قال: فما كنت أستقبل به أحدا، إلا ولى هاربا، وكان بها أيضا تماثيل وصور من يملك مصر، فيهم قوم عليهم شاسيات، وبأيديهم الحراب، وعليهم مكتوب هؤلاء يملكون مدينة مصر.
ذكر مدينة بلبيس
وسميت في التوراة: أرض حاشان، وفيها نزل يعقوب لما قدم على ولده يوسف ﵉، فأنزله بأرض حاشان، وهي: بلبيس إلى العلاقمة من أجل مواشيهم. قال ابن سعيد: بلبيس واليها يصل حكمه إلى الواردة وهي آخر حدّ مصر، وإليها تنتهي المعادلة بفضة السواد، ويصير الناس يتعاملون بالفلوس بعدها إلى العريش، وهي أوّل الشام، وقيل:
هي آخر مصر.
وقال أبو عبيد البكريّ: بلبيس، فتح أوّله وإسكان ثانيه بعده باء مثل الأولى مفتوحة أيضا وياء ساكنة وسين مهملة، وهو موضع قريب مصر معروف، وذكر ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك: أن بين بلبيس، ومدينة فسطاط مصر، أربعة وعشرين ميلا.
وذكر الواقديّ: أنّ المقوقس زوّج ابنته أرمانوسة من قسطنطين بن هرقل، وجهزها بأموالها وجواريها وغلمانها وحشمها لتسير إليه حتى يبني عليها في مدينة فيسارية، وهم محاصرون لها، فخرجت إلى بلبيس، وأقامت بها، وبعثت حاجبها الكبير في ألفي فارس إلى الفرما ليحفظ الطريق، ولا يدع أحدا من الروم ولا غيرهم يعبر إلى مصر، وبعث
стр. 337
المقوقس رسله إلى أطراف بلاده مما يلي الشام، أن لا يتركوا أحدا يدخل أرض مصر مخافة أن يتحدّثوا بغلبة المسلمين على الشام، فيدخل الرعب في قلوب عساكره، فلما قدم عمر بن الخطاب الجابية، وسار عمرو بن العاص إلى مصر، نزل على بلبيس، وبها أرمانوسة ابنة المقوقس، فقاتل من بها وقتل منهم زهاء ألف فارس، وأسر ثلاثة آلاف، وانهزم من بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسة وجميع مالها وسائر ما كان للقبط في بلبيس، فأحب عمرو ملاطفة المقوقس، فسيّر إليه ابنته أرمانوسة مكرمة في جميع مالها مع قيس بن أبي العاص السهميّ، فسرّ بقدومها، ثم سار عمرو إلى القصر، ولم تزل من مدائن مصر الكبار، حتى نزل عليها مري ملك الفرنج، وأخذها عنوة بعد حصار طويل، وقتل منها آلافا، ولها أخبار كثيرة وقد خربت منذ عهد الحوادث بديار مصر، بعد سنة ست وثمانمائة بعد ما أدركناه، وبها عمارة كثيرة، وفيها عدّة بساتين وأهلها أصحاب يسار ونعم سنية.
ذكر بلد الورادة
الورادة من جملة الجفار. قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك: وصفة الطريق والأرض من الرملة إلى أردود، اثنا عشر ميلا، ثم إلى غزة عشرون ميلا، ثم إلى العريش أربعة وعشرون ميلا في رمل، ثم الورادة ثمانية عشر ميلا، ثم إلى الغريب عشرون ميلا، ثم إلى الفرما أربعة وعشرون ميلا.
قال الخليفة المأمون:
لليلك كان بالميدا … ن أقصر منه بالفرما
غريب في قرى مصر … يقاسي الهم والسدما
ثم إلى جرير ثلاثون ميلا، ثم إلى القاصرة أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى مسجد قضاعة ثمانية عشر ميلا، ثم إلى بلبيس أحد وعشرون ميلا، ثم إلى فسطاط مدينة مصر أربعة وعشرون ميلا.
وقال جامع تاريخ دمياط: ولما افتتح المسلمون الفرما، بعد ما افتتحوا دمياط وتنيس، ساروا إلى البقارة فأسلم من بها، وساروا منها إلى الورادة، فدخل أهلها في الإسلام وما حولها إلى عسقلان.
وقال القاضي الفاضل في متجدّدات شهر المحرّم سبع وستين وخمسمائة: وصابحنا الورادة فبتنا على مينا الورادة، ودخلنا الورادة فرأيت تاريخ منارة جامعها سنة ثمان وأربعمائة، واسم الحاكم بأمر اللّه عليها، والورادة من جملة الجفار، ويقال: أخذ اسمها من الورود، ولم يزل جامعها عامرا تقام به الجمعة إلى ما بعد السبعمائة، وبلد الورّادة القديمة في شرقيّ المنزلة التي يقال لها اليوم: الصالحية، وبها آثار عمائر ونخل قليل.
стр. 338
الصالحية: هذه البلدة اختطها الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شادي، بأرض المسانح والعلاقمة في أوّل الرمل الذي بين مصر والشام، وأنشأ بها قصورا وجامعا وسوقا لتكون منزلة العساكر إذا خرجوا من الرمل، وذلك في سنة أربع وأربعين وستمائة.
ذكر مدينة أيلة
ذكر ابن حبيب: أنّ أثال، بضم أوّله ثم ثاء مثلثة، وادي أيلة، وأيلة، بفتح أوّله على وزن فعلة، مدينة على شاطئ البحر فيما بين مصر ومكة سميت: بأيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇، وأيلة، أوّل حدّ الحجاز، وقد كانت مدينة جليلة القدر على ساحل البحر الملح، بها التجارة الكثيرة وأهلها أخلاط من الناس، وكانت حدّ مملكة الروم في الزمن الغابر، وعلى ميل منها باب معقود لقيصر، قد كان فيه مسلحته، يأخذون المكس، وبين أيلة والقدس، ست مراحل.
والطور الذي كلم اللّه عليه موسى ﵇، على يوم وليلة من أيلة، وكانت في الإسلام منزلا لبني أمية، وأكثرهم موالي عثمان بن عفان، وكانوا سقاة الحاج، وكان بها علم كثير، وآداب ومتاجر وأسواق عامرة، وكانت كثيرة النخل والزروع، وعقبة أيلة لا يصعد إليها من هو راكب، وأصلحها فائق مولى خمارويه بن أحمد بن طولون، وسوّى طريقها، ورمّ ما استرم منها، وكان بأيلة مساجد عديدة، وبها كثير من اليهود، ويزعمون أن عندهم برد النبيّ ﷺ ، وأنه بعثه إليهم أمانا وكانوا يخرجونه رداء عدنيا ملفوفا في الثياب قد أبرز منه قدر شبر فقط، ويقال: إنّ أيلة هي القرية التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه حيث قال:
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف/ ١٦٣].
وقد اختلف في تعيين هذه القرية، فقال ابن عباس ﵄: وعكرمة والسديّ، هي أيلة؛ وعن ابن عباس أيضا: أنها مدينة بين أيلة والطور؛ وعن الزهريّ: إنها طبرية؛ وقال قتادة وزيد بن أسلم: هي ساحل من سواحل الشام بين مدين وعينونة، يقال لها: معناة، وسئل الحسين بن الفضل، هل تجد في كتاب اللّه الحلال لا يأتيك إلا قوتا والحرام يأتيك جزافا؟ قال: نعم في قصة أيلة: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف/ ١٦٣].
وكان من خبر أهل القرية أنهم كانوا من بني إسرائيل، وقد حرّم اللّه عليهم العمل في يوم السبت، فزين لهم إبليس الحيلة، وقال: إنما نهيتم عن أخذ الحيتان يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة، فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد.
стр. 339
وقيل: كان الرجل يأخذ خيطا، ويضع فيه وهقه، ويلقيه في ذنب الحوت، وهو بتحريك الهاء وإسكانها، حبل كالطول، ويجعل في الطرف الآخر من الخيط وتدا، ويتركه كذلك إلى يوم الأحد، ثم تطرّق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلي حتى كثر الصيد للحيتان، ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فقامت طائفة من بني إسرائيل، وجاهرت بالنهي، واعتزلت وقالت: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار، فأصبح الناهون، ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس لشأنا، فعلوا على الجدار فإذا هم قردة، فدخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، فجعلت تأتيهم فتشم ثيابهم، وتبكي، فيقول الناهون للقردة: ألم ننهكم، فتقول برأسها: نعم. قال قتادة:
فصارت الشباب قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم.
وقيل: إنّ ذلك كان في زمن نبيّ اللّه داود ﵇، وقيل: إنّ أيلة أصلها أيليالية، وقد وقع ذكرها في التوراة كذلك، وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ: دكالة من البربر، بطن من المصامدة، وقالت طائفة: إنّ دكالة ولد أيلة، ويقال: أيل الذي سميت به عقبة أيلة، وأخر، أنهم من دغفل بن أيلة، وأنهم يعزون إلى البربر، ويقولون: نحن من ربيعة الفرس، وفي ذلك خلاف عظيم.
وذكر المسعوديّ: أن يوشع بن نون ﵇ حارب السميدع بن هزبر بن مالك العمليقيّ، ملك الشام، ببلد أيلة نحو مدين وقتله، واحتوى على ملكه، وفي ذلك يقول عون بن سعيد الجرهميّ:
ألم تر أن العملقيّ بن هرمز … بأيلة أمسى لحمه قد تمزعا
تداعت عليه من يهود جحافل … ثمانون ألفا حاسرين ودرّعا
وهي أبيات كثيرة. وقال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول اللّه ﷺ إلى تبوك، أتاه تحية بن روبة صاحب أيلة فصالحه، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، وكتب لهم كتابا فهو عندهم، وكتب لتحية بن روبة: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا أمنة من اللّه ومحمد النبيّ رسوله لتحية بن روبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البرّ والبحر لهم ذمّة اللّه وذمّة النبيّ، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ما يريدونه ولا طريقا يريدونه من برّ أو بحر». هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة، بإذن رسول اللّه ﷺ ، وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة، ولم تزل مدينة أيلة عامرة آهلة.
وفي سنة خمس عشرة وأربعمائة، طرق عبد اللّه بن إدريس الجعفري أيلة ومعه بعض بني الجرّاح ونهبها وأخذ منها ثلاثة آلاف دينار، وعدّة غلال، وسبى النساء والأطفال، ثم
стр. 340
إنه صرف عن ولاية وادي القرى، فسارت إليه سرية من القاهرة لمحاربته.
قال القاضي الفاضل: وفي سنة ست وستين وخمسمائة، أنشأ الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، مراكب مفصلة وحملها على الجمال، وسار بها من القاهرة في عسكر كبير لمحاربة قلعة أيلة، وكانت قد ملكها الفرنج، وامتنعوا بها، فنازلها في ربيع الأوّل، وأقام المراكب وأصلحها وطرحها في البحر، وشحنها بالمقاتلة والأسلحة، وقاتل قلعة أيلة في البرّ والبحر حتى فتحها في العشرين من شهر ربيع الآخر، وقتل من بها من الفرنج وأسرهم، وأسكن بها جماعة من ثقاته، وقوّاهم بما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، وعاد إلى القاهرة في آخر جمادى الأولى.
وفي سنة سبع وسبعين، وصل كتاب النائب بقلعة أيلة: أنّ المراكب على تحفظ وخوف شديد من الفرنج، ثم وصل الإيريس، لعنه اللّه، إلى أيلة، وربط العقبة وسير عسكره إلى ناحية تبوك وربط جانب الشام لخوفه من عسكر يطلبه من الشام أو مصر، فلما كان في شعبان من السنة المذكورة كثر المطر بالجبل المقابل للقلعة بأيلة، حتى صارت به مياه استغنى بها أهل القلعة عن ورود العين مدّة شهرين، وتأثرت بيوت القلعة لتتابع المطر، ووهت لضعف أساسها فتداركها أصحابها وأصلحوها.
وذكر أبو الحسن المسعوديّ في كتاب أخبار الزمان: ومن أباده الحدثان: الكوكة، وهم أمّة لهم أربعة ملوك، ملكوا أرض أيلة والحجاز وبنى كل واحد منهم مدينة سماها باسمه، وجعلوا سائر الأرض خيمات، وقسموها على ثلاثين كورة وجعلوها أربعة أعمال لكل عمل، ملك يجلس على منبر ذهب في مدينته، وعمل بربا وهي بيت الحكمة وعمل هيكلا لأخذ الكواكب، وجعل فيه أصناما من ذهب كل صنم له مرتبة، وكانت الإسكندرية واسمها رقودة، فجعلوا لها خمس عشرة كورة، وجعلوا فيها كبار الكهنة، ونصبوا في هياكلها من أصنام الذهب أكثر مما في غيرها، وكان فيها مائتا صنم من ذهب وقسموا الصعيد على ثمانين كورة، وجعلوا أربعة أقسام، وكان عدد مدن أهل مصر الداخلة في كورها، ثلاثين مدينة فيها العجائب.
وقيل: إنّ حمير الأكبر واسمه العرنجح بن سبأ الأكبر واسمه عامر ويعرف بعبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، لما ملك بعد أبيه جمع جيوشه، وسار يطأ الأمم ويدوس الممالك، كما فعل أبوه فأمعن في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشمس، ثم قفل نحو المغرب، فجاءه قبائل من أهل اليمن من بني هود بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، يشكون من ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وما نزل بهم من ظلمهم، فأمر برفعهم من أرض اليمن، وأنزلهم أيلة فعمروها من أيلة إلى ذات الآصال إلى أطراف جبل نجد، فقطعت ثمود هناك الصخور، ونحتوا من الجبال
стр. 341
البيوت، وتكبروا وطغوا، فبعث اللّه فيهم صالحا نبيا ورسولا، فكذبوه وسألوه، أن يخرج لهم ناقة من صخرة، فأخرجها لهم، فعقروها، فأهلكهم اللّه بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
وقد ذكر أنّ موسى ﵇، سار ببني إسرائيل بعد موت أخيه هارون إلى أرض أولاد العيص وهي التي تعرف بجبال السراة جنب بلد الشوبك، ثم مرّ فيها إلى أيلة، وتوجه بعد أيام إلى برّية باب حيث بلاد الكرك، حتى حارب تلك الأمم، وكان إلى جانب أيلة مدينة يقال لها: عصبون جليلة عظيمة.
مربوط: كورة من كور الإسكندرية، كانت لشدّة بياضها لا يكاد يبين فيها دخول الليل إلا بعد وقت، وكان الناس يمشون فيها، وفي أيديهم خرق سود خوفا على أبصارهم، ومن شدّة بياضها لبس الرهبان السواد، وكانت بلاد مربوط في نهاية العمارة والجنان المتصلة بأرض برقة، وهي اليوم من قرى الإسكندرية يزرع بها الفواكه وغيرها، وقد وقفها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، على جهات برّ بالجامع الحاكمي من القاهرة وبها جامع عمر في سنة ست وستين وستمائة، ثم استأجرها الملك المؤيد شيخ المحمودي في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وجدّد عمارة بستانها، وقد خرب لترداد عرب لبدة وبرقة إليه، فاستمرّت في ديوان السلطان.
وادي هبيب: هذا الوادي بالجانب الغربيّ من أرض مصر، فيما بين مربوط والفيوم، يجلب منه الملح والنطرون عرف بهبيب بن محمد بن معقل بن الواقعة بن حزام بن عفان الغفاريّ، أحد أصحاب رسول اللّه ﷺ شهد فتح مكة، وروى عنه أبو تميم الجيشانيّ، وأسلم مولى تجيب وسعيد بن عبد الرحمن الغفاريّ، وكان قد اعتزل عند فتنة عثمان ﵁ بهذا الوادي، فعرف به، وكان يقول: لا يفرق بين قضاء دين رمضان، ويجمع بين الصلاتين في السفر، ويقال لهذا الوادي أيضا: وادي الملوك، ووادي النطرون، وبرّية شهاب، وبرّية الإسقيط، وميزان القلوب، وكان به مائة دير للنصارى، وبقي به سبعة ديورة، وقد ذكرت عند ذكر الأديار من هذا الكتاب، وهو واد كثير الفوائد فيه النطرون، ويتحصل منه مال كثير وفيه الملح الأندرانيّ والملح السلطانيّ، وهو على هيئة ألواح الرخام، وفيه:
الوكت والكحل الأسود، ومعمل الزجاج وفيه الماسكة، وهو طين أصفر في داخل حجر أسود يحك في الماء، ويشرب لوجع المعدة، وفيه البرديّ لعمل الحصر، وفيه عين الغراب وهو ماء في هيئة البركة وطولها نحو خمسة عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع في مغار بالجبل لا يعلم من أين يأتي، ولا إلى أين يذهب وهو حلو رائق.
ويذكر أنه خرج منه سبعون ألف راهب، بيد كل واحد عكاز، فتلقوا عمرو بن العاص بالطرّانة مرجعه من الإسكندرية يطلبون، أمانة لهم على أنفسهم وأديارهم، فكتب لهم بذلك
стр. 342
أمانا بقي عندهم، وكتب لهم أيضا بجراية الوجه البحري، فاستمرّت بأيديهم، وإنّ جرايتهم جاءت في سنة زيادة على خمسة آلاف أردب وهي الآن لا تبلغ مائة أردب.
ذكر مدينة مدين
اعلم أن مدين أمّة شعيب هم: بنو مديان (١) بن إبراهيم ﵇، وأمهم قنطوراء (٢) ابنة يقطان الكنعانية، ولدت له (٣) ثمانية من الولد، تناسلت منهم أمم، ومدين على بحر القلزم تحاذي تبوك على نحو ست مراحل وهي أكبر من تبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب، وعمل عليها بيت.
قال الفرّاء: مدين اسم بلد وقطر، وقيل: اسم قبيلة سميت باسم أبيها مدين.
ويقال له: مديان بن إبراهيم، قاله مقاتل وغيره، والجمهور على أنّ مدين أعجميّ، وقيل: عربيّ، فإن كان عربيا فإنه يحتمل أن يكون فعيلا من مدّن بالمكان، أقام به، وهو بناء نادر، وقيل: مهمل أو مفعلا من دان فتصحيحه شاذ، وهو ممنوع الصرف على كل حال، سواء كان اسم الأرض أو اسم القبيلة عجميا أو عربيا.
وقال المسعوديّ: قد تنازع أهل الشرائع في قوم شعيب بن نوفل بن رعويل بن مرّ بن عيقا بن مدين بن إبراهيم ﵇، وكان لسانه العربية، فمنهم من رأى أنهم من العرب الدائرة والأمم البائدة، وبعض من ذكرنا من الأجيال الخالية، ومنهم من رأى أنهم من ولد المحصن بن جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم الخليل، وأنّ شعيبا آخرهم في النسب، وقد كانوا عدّة ملوك تفرّقوا في ممالك متصلة، فمنهم المسمى: بأبجد، وهوّز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، وهم على ما ذكرنا بنو المحصن بن جندل.
وأحرف الجمل هي: أسماء هؤلاء الملوك وهي الاثنان والعشرون حرفا التي عليها حساب الجمل، وقد قيل في هذه الحروف غير ما ذكرنا من الوجوه، فكان أبجد، ملك مكة، وما يليها من الحجاز، وكان هوّز وحطي، ملكين ببلادوج، وهي الطائف وما اتصل بذلك من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشت، ملوك بمدين، وقيل: ببلاد مصر، وكان كلمن على ملك مدين، ومن الناس من رأى أنه كان ملك جميع من سمينا مشاعا متصلا على ما ذكرنا، وإنّ عذاب يوم الظلة كان في ملك، كلمن منهم، وإنّ شعيبا دعاهم، فكذبوه وعدهم بعذاب يوم الظلة، ففتح عليهم باب من السماء من نار، ونجا شعيب بمن آمن معه إلى الموضع المعروف بأيلة، وهي غيضة نحو مدين، فلما أحس القوم بالبلاء واشتدّ عليهم الحرّ، وأيقنوا بالهلاك طلبوا شعيبا، ومن آمن معه، وقد أظلتهم سحابة بيضاء طيبة النسيم
стр. 343
والهواء لا يجدون فيها ألم العذاب، فأخرجوا شعيبا ومن آمن معه من مواضعهم، وأزالوهم عن أماكنهم، وتوهموا أن ذلك ينجيهم مما نزل بهم، فجعلها اللّه عليهم نارا، فأتت عليهم فرثت جارية بنت كلمن أباها، وكانت بالحجاز فقالت:
كلمن هدّم ركني … هلكه وسط المحله
سيد القوم أتاه ال … حتف نارا وسط ظله
كوّنت نارا فأضحت … دار قومي مضمحله
وقال المتنصر بن المنذر المدينيّ:
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة … أبدت بها عمرا وتحيي بني عمرو
هم ملكوا أرض الحجاز بأوجه … كمثل شعاع الشمس في صورة البدر
وهم قطنوا البيت الحرام وزينوا … قطورا وفازوا بالمكارم والفخر
ملوك بني حطي وسعفص ذي الندى … وهوّز أرباب الثنية والحجر
قال المسعوديّ: ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلبهم على هذه الممالك، وتملكهم عليها وإبادتهم من كان فيها قبلهم من الأمم، وقيل: إنّ الأيكة المذكورة في قوله : ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ اَلْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء/ ١٧٦]، وفي قوله : ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ [الحجر/ ٧٨] هي مدين، وقيل: من ساحل البحر إلى مدين، وقيل: هي غيضة نحو مدين، وقيل: بل أصحاب الأيكة، الذين بعث إليهم شعيب كانوا بتبوك بين الحجر، وأوّل الشام، ولم يكن شعيب منهم، وإنما كان من مدين.
وقال أبو عبيد البكريّ: الأيكة المذكورة في كتاب اللّه تعالى التي كانت منازل قوم شعيب، روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فيها روايتان، إحداهما: إنّ الأيكة من مدين إلى شعيب، والرواية الثانية: إنها من ساحل البحر إلى مدين، وكان شجرهم المقل والأيكة عند أهل اللغة الشجر الملتف، وكانوا أصحاب شجر ملتف، وقال قوم: الأيكة:
الغيضة، وليكة: اسم البلد وما حولها كما قيل: مكة، وبكة.
وقال أبو جعفر النحاس: ولا يعلم ليكة اسم البلد، وقال ابن قتيبة: وكان بعضهم يزعم أن بكة، هو موضع المسجد وما حولها مكة كما فرق بين الأيكة وليكة، فقيل:
الأيكة: الغيضة، وليكة البلد: حولها.
وقال البكريّ: مدين بلد بالشام معلوم تلقاء غزة، وهو المذكور في كتاب اللّه تعالى، وهذا وهم، بل مدين من أرض مصر، وبعث رسول اللّه ﷺ ، سرية إلى مدينة مدين، أميرهم: زيد بن حارثة ﵁، فأصاب سبيا من أهل ميتا. قال ابن إسحاق: وميتا هي السواحل، فبيعوا وفرّق بين الأمهات والأولاد، فخرج رسول اللّه ﷺ وهم يبكون فقال:
стр. 344
«ما لهم»؟ فأخبر خبرهم، فقال: «لا تبيعوهم إلاّ جميعا». ومدين من منازل جذام بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عزيب بن زيد بن كهلان.
وشعيب (١) النبيّ المبعوث إلى أهل مدينة أحد بني وائل (٢) بن جذام.
وقد روي أن رسول اللّه ﷺ قال لوفد جذام: «مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى ولا تقوم الساعة حتى يتزوّج فيكم المسيح ويولد له».
وقال محمد بن سهل الأحول: مدين من أعراض المدينة مثل فدك والفرع ورهاط.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: وكان بأرض مدين، عدّة مدائن كثيرة قد باد أهلها، وخربت، وبقي منها إلى يومنا هذا، وهو سنة خمس وعشرين وثمانمائة نحو الأربعين مدينة قائمة منها ما يعرف اسمه، ومنها ما قد جهل اسمه، فمما يعرف اسمه فيما بين أرض الحجاز، وبلاد فلسطين، وديار مصر، ست عشرة مدينة منها: في ناحية فلسطين، عشر مدائن، وهي الخلصة، والسنيطة، والمدرة، والمنية، والأعوج، والخويرق، والبئرين، والماءين، والسبع، والمعلق، وأعظم هذه المدائن العشر: الخلصة والسنيطة، وكثيرا ما تنقل حجارتها إلى غزة ويبنى بها هناك، ومن مدائن مدين بناحية بحر القلزم والطور مدينة فاران، ومدينة الرقة، ومدينة القلزم، ومدينة أيلة، ومدينة مدين، وبمدينة مدين إلى الآن آثار عجيبة وعمد عظيمة.
ووجد في مدينة الأعوج، أعوام بضع وستين وسبعمائة جب بقلعتها بعيد المهوى يبلغ عمقه نحو مائة ذراع، وبقاعه عدة أسفار على رفوف حمل منها سفر طوله، ذراعان وأزيد، قد غلف بلوحين من خشب، وكتابته بالقلم المسند، طول الألف واللام، نحو شبر، فوجد ببلاد الكرك من قرأه، فإذا هو سفر من عشرة أسفار قد ابتدأه، بحمد اللّه، ثم قال: خروج موسى من أرض مصر إلى بلاد مدين، وملوك بني مدين فيما بعد شعيب، فذكر لموسى ﵇، عدّة أسماء منها، اسمه بالعربية: موسى بن عمران، وبالعبرانية: موشي، وبالفارسية: داران، وبالقبطية: هروسيس، وذكر أنه تزوّج ابنة شعيب، وأنه أقام بمدينة ثماني حجج، ثم قال لابن شعيب: قد أتممت لك شرطك، وسأزيدك سنتين فضلا مني.
بقية خبر مدينة مدين (٣)
قال: وخرج موسى متوجها إلى مصر، والملك يومئذ على مدين أبجد. قال: وقوي
стр. 345
أمر أبجد، فطغى حتى ملك الحجاز واليمن، وكان له خمسة أولاد هم: هوّز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، فأقام أبجد ملكا باليمن، مائة سنة. ومات وقد استخلف من بعده ابنه: كلمن باليمن، وجعل ابنه هوّز على الحجاز، وابنه حطي على أرض مصر، وابنه سعفص على الجزيرة، وبلادها حيث الموصل وحرّان إلى أرض العراق، وابنه قرشت على العراق ومشارفها من خراسان، وكان قرشت هو الجبار فيهم، وكان سعفص وهوّز وكلمن أهل عدل وحلم، وكان حطي صاحب بطش وجرأة.
وكان بنو إسرائيل إذ ذاك بالشام، فلم يملك أولاد أبجد أرض الشام، ولا احتووا عليها، وكانت مدّة ملكهم نحوا من مائة وخمسين سنة، فتم لهم بدولة أبيهم أبجد ثلثمائة سنة وأزيد.
ثم ملك بعدهم على بني إسرائيل، روزيت بن هوّز، وعرزيت بن حطي بن أبجد نحو سبع سنين، ثم خرجت الدولة عن أولاد أبجد، وأقام هذا الكتاب عندهم زمانا، ثم أعادوه إلى الجبّ من قلعة الأعوج.
حدّثني بهذا الخبر، الحافظ المتقن الضابط أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الغريانيّ التونسيّ المالكيّ، قال: حدثني به شتر بن غنيم العامريّ شيخ لقيه بأرض فلسطين، أنه شاهد الكتاب المذكور، وهو شاب، وحفظ منه ما تقدّم ذكره.
وقيل: إنّ مالك بن دعر بن حجر بن جديلة بن لخم كان له أربعة وعشرون ولدا ذكرا، فكثرت أولادهم، حتى بنوا المدائن والقرى والحصون، وعمروا بلاد مدين كلها، وغلبوا على بلاد الشام ومصر والحجاز، وغيرها خمسمائة سنة، وقيل: إنما كان استيلاء ملوك مدين على مصر، خمسمائة سنة بعد غرق فرعون موسى، وهلاكه دلوكة بنت زفان، حتى أخرجهم منها نبيّ اللّه سليمان بن داود، فعاد الملك إلى القبط بعدهم.
ذكر مدينة فاران (١)
هذه المدينة بساحل بحر القلزم، وهي من مدن العماليق على تل بين جبلين، وفي الجبلين ثقوب كثيرة لا تحصى مملوءة أمواتا، ومن هناك إلى بحر القلزم، مرحلة واحدة، ويقال له هناك ساحل بحر فاران، وهو البحر الذي أغرق اللّه فيه فرعون، وبين مدينة فاران، والتيه مرحلتان، ويذكر أنّ فاران اسم لجبال مكة، وقيل: اسم لجبال الحجاز، وهي التي ذكرت في التوراة، والتحقيق أنّ فاران والطور كورتان من كور مصر القبلية، وهي غير فاران المذكورة في التوراة، وقيل: إنّ فاران بن عمرو بن عمليق هو الذي نسب إليه جبال الحرم،
стр. 346
فقيل: جبال فاران، وبعضهم يقول: جبال فران وكانت مدينة فاران من جملة مدائن، مدين إلى اليوم، وبها نخل كثير مثمر، أكلت من ثمره، وبها نهر عظيم، وهي خراب يمرّ بها العربان.
ذكر أرض الجفار (١)
اعلم أنّ الجفار اسم لخمس مدائن، وهي: الفرما، والبقارة، والورادة، والعريش، ورفج، والجفار كله رمل وسمي بالجفار لشدّة المشي فيه على الناس، والدواب من كثرة رمله، وبعد مراحله، والجفار تجفر فيه الإبل، فاتخذ له هذا الاسم كما قيل للحبل الذي يهجر به البعير، هجار، وللذي يحجر به حجار، وللذي يعقل به عقال، وللذي يبطن به بطان، وللذي يخطم به خطام، وللذي يزم به زمام، واشتقت البقارة من البقر، والواردة من الوريد، والعريش أخذ من العريش، وقيل: إن رفج اسم جبل.
وكان يسكن الجفار في القديم خذام بن العريان.
ويقال: إنّ أرض الجفار كانت في الدهر الأوّل والزمن الغابر متصلة العمارة، كثيرة البركات مشهورة بالخيرات لكثرة زراعة أهلها الزعفران والعصفر وقصب السكر، وكان ماؤها غزيرا عذبا، ثم صار بها نخل يحدق بها من كل النواحي إلى أن دمرها اللّه تدميرا، فصارت إلى اليوم ذات رمل عظيم يسلك فيه إلى العريش، وإلى رفج كله قفر تعرف بقعته برمل الغرابيّ قليل الماء عديم المرعى، لا أنيس به، فسبحان محيل الأحوال.
ذكر صعيد مصر
الصعيد: المرتفع من الأرض، وقيل: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة، وقيل:
ما لم يخالطه رمل ولا سبخة، وقيل: هو وجه الأرض، وقيل: الأرض الطيبة، وقيل: هو كل تراب طيب، وتسمية هذه الجهة من أرض مصر بهذا الاسم إنما حدث في الإسلام، سماها العرب بذلك لأنها جهة مرتفعة عما دونها من أرض مصر، ولذلك يقال فيها: أعلى الأرض، ولأنها أرض ليس فيها رمل ولا سباخ، بل كلها أرض طيبة مباركة، ويقال للصعيد أيضا: الوجه القبليّ.
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: ولما حضرت مصرايم الوفاة، عهد إلى ابنه قبطيم، وكان قد قسم أرض مصر بين بنيه.
стр. 347
فجعل لقبطيم من بلد إلى أسوان، ولأشمون، من بلد أشمون إلى منف، ولأتريب، الحوف كله، ولصا من ناحية صا البحيرة إلى قرب برقة، وقال لأخيه فارق لك من برقة إلى الغرب، فهو صاحب إفريقية وولده الأفارق، وأمر كلّ واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه.
وقال ابن عبد الحكم: فلما كثر ولد مصر وأولاد أولادهم، قطع مصر لكل واحد منهم قطعة يحوزها لنفسه ولولده، وقسم لهم هذا النيل، فقطع لابنه قفط، موضع قفط فسكنها، وبه سميت: قفط قفطا، وما فوقها إلى أسوان، وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب، وقطع لأشمون من أشمون فما دونها في الشرق والغرب إلى منف، فسكن أشمون أشمون، فسميت به، وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا فسكن أتريب فسميت به، وقطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن صا فسميت به، فكانت مصر كلها على أربعة أجزاء: جزأين بالصعيد، وجزأين بأسفل الأرض.
وقال أبو الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر الأدفوي (١) في كتاب الطالع السعيد في تاريخ الصعيد: مسافة إقليم الصعيد الأعلى مسيرة اثني عشر يوما بسير الجمال، وعرضه ثلاث ساعات، وأكثر بحسب الأماكن العامرة، ويتصل عرضه في الكورة الشرقية بالبحر الملح وأراضي البجة، وفي الغربية، بألواح وهي كورتان: شرقية، وغربية، والنيل بينهما فاصل، وأوّل الشرقية من مرج بني هميم المتصلة أرضها بأراضي جرجا من عمل أخميم، وآخرها من قبليّ الهو ويليها أوّل أراضي النوبة، وفي هذه الكورة تيج، وقفط وقوص، وأوّل الكورة الغربية، برديس تتصل أرضها بأرض جرجا، وفي هذه الكورة الغربية سمهود، وآخر الكورة الغربية أسوان وبحافته أكثر النخل من الجانبين، تكون مساحة الأراضي التي فيها النخل والبساتين تقارب عشرين ألف فدّان، والمستولي على إقليم الصعيد المشتري.
ويقال: كان بصعيد مصر، نخلة تحمل عشرة أرادب تمرا، فغصبها بعض الولاة فلم تحمل في ذلك العام ولا تمرة واحدة، وكانت هذه النخلة في الجانب الغربيّ، وبيع منها في الغلاء كل ويبة بدينار.
ويقال: لما صوّرت الدنيا لأمير المؤمنين هارون بن محمد الرشيد لم يستحسن إلا كورة سيوط من صعيد مصر، فإنها ثلاثون ألف فدّان في استواء من الأرض لو وقعت فيها قطرة ماء لانتشرت في جميعها.
стр. 348
وبالصعيد بقايا سحر قديم، حكى الأمير طقطبا والي قوص في أيام الناصر محمد بن قلاون قال: أمسكت امرأة ساحرة، فقلت لها: أريد أن أبصر شيئا من سحرك؟ فقالت:
أجود عملي أن أسحر العقرب على اسم شخص بعينه، فلا بدّ أن تقع عليه ويصيبه سمها، فتقتله. فقلت: أريني هذا واقصديني بسحرك؟ فأخذت عقربا وعملت ما أحبت، ثم أرسلت العقرب فتبعني! وأنا أتنحى عنه، وهو يقصدني فجلست على تخت وضعته على بركة ماء، فأقبل العقرب إلى ذلك الماء، وأخذ في التوصل إليّ، فلم يطق ذلك، فمرّ إلى الحائط وصعد فيه، وأنا أشاهده، حتى وصل إلى السقف ومرّ فيه إلى أن صار فوقي وألقى نفسه صوبي، وسعى نحوي حتى قرب مني، فضربته فقتلته، ثم قتلت الساحرة أيضا.
وأرض الصعيد كثيرة المواشي من الضأن وغير ذلك لكثرة نتاجه، حتى أن الرأس الواحد من نعاج الضأن، يتولد عنه في عشر سنين، ألف وأربع وعشرون رأسا! وذلك بتقدير السلامة، وأن تلد كلها أناثا، وتلدّ مرّة واحدة في كل سنة، ولا تلد في كل بطن غير رأس واحد، وإلا فإن ولدت في السنة مرّتين، وكان في كل بطن رأسان تضاعف العدد، وتأمل حساب ما قلناه تجده صحيحا، وقد شوهد كثيرا أنّ من أغنام الصعيد، ما يلد في السنة ثلاث مرّات ويلد في البطن الواحد، ثلاثة أرؤس.
وكانت الكثرة والغلبة ببلاد الصعيد لست قبائل، وهم: بنو هلال، وبلى، وجهينة، وقريش، ولواته، وبنو كلاب، وكان ينزل مع هؤلاء عدّة قبائل سواهم من الأنصار، ومن مزينة، وبني دراج وبني كلاب وثعلبة وجذام.
وبلغ من عمارة الصعيد، أن الرجل في أيام الناصر، محمد بن قلاون، وما بعدها كان يمرّ من القاهرة إلى أسوان، فلا يحتاج إلى نفقة، بل يجد بكل بلد وناحية، عدّة دور للضيافة، إذا دخل دارا منها، أحضر لدابته علفها، وجيء له بما يليق به من الأكل ونحوه، وآل أمره الآن إلى أن لا يجد الرجل أحدا فيما بين القاهرة وأسوان يضيفه لضيق الحال، ثم تلاشى أمر بلاد الصعيد منذ سنة الشراقي في أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاون سنة ست وسبعين وسبعمائة، وتزايد تلاشيه في أيام الظاهر برقوق لجور الولاة، ولم يزل في إدبار، إلى أن كانت سنة ست وثمانمائة، وشرقت مصر بقصور مدّ النيل، فدهي أهل الصعيد من ذلك بما لا يوصف، حتى أنه مات من مدينة قوص سبعة عشر ألف إنسان، وذلك كله سوى الطرحى على الطرقات، ومن لا يعرف من الغرباء ونحوهم، ثم دمّر في أيام المؤيد شيخ، فلم يبق منه إلا رسوم تبذل الولاة الجهد في محوها، نسأل اللّه حسن الخاتمة.
стр. 349
ذكر الجنادل (١) ولمع من أخبار أرض النّوبة
الجندل: ما يقلّ الرجل من الحجارة، وقيل: هو الحجر كله، الواحدة، جندلة، والجندل: الجنادل.
قال سيبويه: وقالوا جندل يعنون: الجنادل، وصرفوه لنقصان البناء عما لا ينصرف، وأرض جندلة، ذات جندل وقيل: الجندل، المكان الغليظ فيه حجارة، ومكان جندل، كثير الجندل.
قال عبد اللّه بن أحمد بن سليم الأسوانيّ في كتاب أخبار النوبة: والمقرة وعلوة والبجة والنيل، وأوّل بلد النوبة، قرية تعرف بالقصر من أسوان إليها خمسة أميال، وآخر حصن للمسلمين، جزيرة تعرف ببلاق، بينها وبين قرية النوبة ميل، وهو ساحل بلد النوبة، ومن أسوان إلى هذا الموضع، جنادل كثيرة الحجر لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة، ودلالة من يخبر بذلك من الصيادين الذين يصيدون هناك، لأنّ هذه الجنادل متقطعة وشعاب معترضة في النيل، ولانصبابه فيها خرير عظيم ودويّ يسمع من بعد، وبهذه القرية مسلحة، وباب إلى بلد النوبة، ومنها إلى الجنادل الأولى من بلد النوبة، عشر مراحل، وهي الناحية التي يتصرّف فيها المسلمون، ولهم فيما قرب أملاك ويتجرون في أعلاها، وفيها جماعة من المسلمين قاطنون، لا يفصح أحدهم بالعربية، وشجرها كثير، وهي ناحية ضيقة شظفة كثيرة الجبال، وما تخرج عن النيل، وقراها متسطرة على شاطئه وشجرها النخل والمقل، وأعلاها أوسع من أدناها، وفي أعلاها الكروم، والنيل لا يروي مزارعها لارتفاع أرضها، وزرعها، الفدّان والفدّانان والثلاثة على أعناق البقر بالدواليب، والقمح عندهم قليل والشعير أكثر والسلت، ويعتقبون الأرض لضيقها، فيزرعونها في الصيف بعد تطريتها بالزبل والتراب.
الدخن والذرة والجاورس والسمسم واللوبيا.
وهذه الناحية نجراش مدينة المريس، وقلعة ابريم، وقلعة أخرى دونها، وبها مينا تعرف بأدواء ينسب إليها، لقمان الحكيم، وذو النون، وبها بربا عجيب، ولهذه الناحية وال من قبل عظيم النوبة يعرف بصاحب الجبل من أجلّ ولاتهم لقربه من أرض الإسلام، ومن يخرج إلى بلد النوبة من المسلمين فمعاملته معه في تجارة أو هدية إليه، أو إلى مولاه يقبل الجميع، ويكافئ عليه بالرقيق، ولا يطلق لأحد الصعود إلى مولاه لمسلم ولا لغيره.
стр. 350
وأوّل الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوى، هي ساحل، وإليها تنتهي مراكب النوبة المصعدة من القصر أوّل بلدهم، ولا تتجاوزها المراكب، ولا يطلق لأحد من المسلمين، ولا من غيرهم الصعود منها إلا بإذن من صاحب جبلهم، ومنها إلى المقس الأعلى، ست مراحل، وهي جنادل كلها، وشرّ ناحية رأيتها لهم لصعوبتها، وضيقها ومشقة مسالكها، أما بحرها، فجنادل وجبال معترضة فيه، حتى إن النيل ينصب من شعاب ويضيق في مواضع، حتى يكون سعة ما بين الجانبين، خمسين ذراعا، وبرّها مجاوب ضيقة، وجبال شاهقة، وطرقات ضيقة، حتى لا يمكن الراكب أن يصعد منها، والراجل الضعيف يعجز عن سلوكها، ورمال في غربها وشرقها، وهذه الجبال حصنهم، وإليها يفزع أهل الناحية التي قبلها المتصلة بأرض الإسلام، وفي جزائرها نخل يسير وزرع حقير، وأكثر أكلهم السمك ويدّهنون بشحمه، وهي من أرض مريس، وصاحب الجبل واليهم، والمسلحة بالمقس الأعلى صاحبها من قبل كبيرهم شديد الضبط لها، حتى أنّ عظيمهم إذا صار بها وقف به المسلحي، وأوهم أنه يفتش عليه، حتى يجد الطريق إلى ولده ووزيره، فمن دونهما ولا يجوزها دينار ولا درهم إذ كانوا لا يتبايعون بذلك إلا دون الجنادل مع المسلمين، وما فوق ذلك لا بيع بينهم ولا شراء، وإنما هي معاوضة بالرقيق والمواشي والحبال والحديد والحبوب، ولا يطلق لأحد أن يجوزها إلا بإذن الملك، ومن خالف كان جزاؤه القتل كائنا من كان، وبهذا الاحتياط تنكتم أخبارهم حتى إنّ العسكر منهم يهجم على البلد إلى البادية وغيرهم، فلا يعلمون به، والسنباد الذي يخرط به الجوهر، يخرج من النيل في هذه المواضع، يغطس عليه فيوجد جسمه باردا مخالفا للحجارة فإذا أشكل عليه نفخ فيه بالفم فيعرق، ومن هذه المسلحة إلى قرية تعرف: بساي، جنادل أيضا، وهي آخر كرسيهم، ولهم فيها أسقف وفيها بربا.
ثم ناحية سقلودا وتفسيرها السبع ولاة، وهي أشبه الأرض بالأرض المتاخمة لأرض الإسلام في السعة والضيق في مواضع، والنخل والكرم والزرع وشجر المقل، وفيها شيء من شجر القطن، ويعمل منه ثياب وخشة، وبها شجر الزيتون، وواليها من قبل كبيرهم وتحت يده ولاة يتصرّفون، وفيها قلعة تعرف: بأصطنون، وهي أوّل الجنادل الثلاثة، وهي أشدّ الجنادل صعوبة لأنّ فيها جبلا معترضا من الشرق إلى الغرب في النيل، والماء ينصب من ثلاثة أبواب، وربما رجع إلى ما بين عند انحساره شديد الخرير عجيب المنظر يتحدّر الماء عليه من علو الجبل وقبليّة فرش حجارة في النيل نحو ثلاثة برد إلى قرية تعرف:
بيستو، وهي آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة، ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي، وهي آخر عمل متملكهم، ثم ناحية بقون، وتفسيرها بالعجب، وهي عند اسمها لحسنها، وما رأيت على النيل أوسع منها، وقدّرت أن سعة النيل فيها من الشرق إلى الغرب مسيرة خمس مراحل، الجزائر تقطعه والأنهار منه تجري بينها على أرض منخفضة، وقرى
стр. 351
متصلة، وعمارة حسنة بأبرجة حمام، ومواش وأنعام وأكثر ميرة مدينتهم منها، وطيورها النقيط والنوبي والببغاء، وغير ذلك من الطيور الحسان، وأكثر نزهة كيبرهم في هذه الناحية.
قال: وكنت معه في بعض الأوقات، فكان سيرنا في ظل شجر من الحافتين في الخلجان الضيقة، وقيل: إنّ التمساح لا يضرّ هناك، ورأيتهم يعبرون أكثر هذه الأنهار سباحة، ثم سفد بقل، وهي ناحية ضيقة شبيهة بأوّل بلادهم إلا أنّ فيها جزائر حسانا، وفيها دون المرحلتين نحو، ثلاثين قرية بالأبنية الحسان، والكنائس والأديار والنخل الكثير والكروم والبساتين والزرع، ومروج كبار فيها إبل وجمال صهب مؤبلة للنتاج، وكبيرهم يكثر الدخول إليها لأنّ طرفها القبليّ يحاذي دنقلة مدينتهم، ومن مدينة دنقلة دار المملكة إلى أسوان، خمسون مرحلة، وذكر صفتها، ثم قال: إنهم يسقفون مجالسهم بخشب السنط، وبخشب الساج الذي يأتي به النيل في وقت الزيادة سقالات منحوتة لا يدري من أين تأتي.
ولقد رأيت على بعضها علامة غريبة، ومسافة ما بين دنقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر مما بينها وبين أسوان، وفي ذلك من القرى والضياع والجزائر والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم، أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام، وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام، فيها الجبال والوحش والسباع، ومفاوز يخاف فيها العطش، والنيل يعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس، وإلى مغربها مسيرة أيام، حتى يصير المصعد كالمنحدر، وهي الناحية التي تبلغ العطوف من النيل إلى المعدن المعروف: بالشلة، وهو بلد يعرف بشنقير، ومنه خرج العمري، وتغلب على هذه الناحية إلى أن كان من أمره ما كان، وفرس البحر، يكثر في هذه المواضع، ومن هذه الموضع طرق إلى سواكن وباصع ودهلك وجزائر البحر، ومنها عبر من نجا من بني أمية عند هربهم إلى النوبة، وفيها خلق من البجة يعرفون بالرنافج انتقلوا إلى النوبة قديما وقطنوا هناك وهم على حدتهم في الرعي واللغة، لا يخالطون النوبة، ولا يسكنون قراهم، وعليهم وال من قبل النوبة.
ذكر تشعب النيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم
اعلم أنّ النوبة والمقرة جنسان بلسانين، كلاهما على النيل، فالنوبة هم: المريس المجاورون لأرض الإسلام، وبين أوّل بلدهم، وبين أسوان خمسة أميال، ويقال: إنّ سلها جدّ النوبة، ومقري جدّ المقرة من اليمن.
وقيل: النوبة ومقري من حمير، وأكثر أهل الأنساب على أنهم جميعا من ولد حام بن نوح، وكان بين النوبة والمقرة حروب قبل النصرانية، وأوّل أرض المقرة قرية تعرف بنافة على مرحلة من أسوان، ومدينة ملكهم، يقال لها: نجراش، على أقل من عشر مراحل من أسوان، ويقال: إن موسى صلوات اللّه عليه، غزاهم قبل مبعثه في أيام فرعون، فأخرب نافة، وكانوا صابئة يعبدون الكواكب، وينصبون التماثيل لهم، ثم تنصروا جميعا النوبة
стр. 352
والمقرة، ومدينة دنقلة، وهي دار مملكتهم، وأوّل بلاد علوة، قرى في الشرق على شاطئ النيل تعرف بالأبواب، ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوة يعرف بالرحراح.
والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار، فمنها نهر يأتي من ناحية المشرق كدر الماء يجف في الصيف حتى يسكن بطنه، فإذا كان وقت زيادة النيل نبع فيه الماء، وزادت البرك التي فيه، وأقبل المطر والسيول في سائر البلد، فوقعت الزيادة في النيل، وقيل: إنّ آخر هذا النهر، عين عظيمة تأتي من جبل.
قال مؤرخ النوبة: وحدّثني سيمون صاحب عهد بلد علوة، أنه يوجد في بطن هذا النهر، حوت لا قشر له ليس هو من جنس ما في النيل، يحفر عليه قامة وأكثر، حتى يخرج، وهو كبير وعليه جنس مولد بين العلوة والبجة، يقال لهم: الديجيون، وجنس يقال لهم:
بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين، وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة، ثم النيل الأبيض، وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن.
قال: وقد سألت من طرق بلاد السودان من المغاربة عن النيل الذي عندهم، وعن لونه، فذكر أنه يخرج من جبال الرمل، أو جبل الرمل وأنه يجتمع في بلد السودان في برك عظام، ثم ينصب إلى ما لا يعرف، وإنه ليس بأبيض، فإمّا أن يكون اكتسب ذلك اللون، مما يمرّ عليه أو من نهر آخر ينصب إليه، وعليه أجناس من جانبيه، ثم النيل الأخضر، وهو نهر يأتي من القبلة مما يلي الشرق شديد الخضرة، صافي اللون جدّا، يرى ما في قعره من السمك، وطعمه مخالف لطعم النيل، يعطش الشارب منه بسرعة، وحيتان الجميع واحدة، غير أنّ الطعم مختلف، ويأتي فيه وقت الزيادة خشب الساج والبقم والغثاء، وخشب له رائحة كرائحة اللبان، وخشب غليظ ينحت ويعمل منه مقدام، وعلى شاطئه ينبت هذا الخشب أيضا، وقيل: إنه وجد فيه عود البخور.
قال: وقد رأيت على بعض سقالات الساج المنحوتة التي تأتي فيه وقت الزيادة، علامة غريبة، ويجتمع هذان النهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملك بلد علوة، ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة، ثم يختلطان بعد ذلك، وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما.
قال: وأخبرني من نقل النيل الأبيض، وصبه في النيل الأخضر فبقي فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا، وبين هذين النهرين، جزيرة لا يعرف لها غاية، وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية، فأوّلهما يعرف عرضه، ثم يتسع فيصير مسافة شهر، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض، لأنّ فيهما أجناسا كثيرة وخلقا عظيما، قال:
وبلغني أنّ بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها، فلم يأت عليه بعد سنين، وإنّ في طرفها القبليّ جنسا يسكنون ودوابهم في بيوت تحت الأرض مثل السراديب بالنهار من شدّة
стр. 353
حرّ الشمس، ويسرحون في الليل، وفيهم قوم عراة، والأنهار الأربعة الباقية، تأتي أيضا من القبلة مما يلي الشرق أيضا في وقت واحد، ولا يعرف لها نهاية أيضا، وهي دون النهرين الأبيض والأخضر في العرض، وكثرة الخلجان والجزائر، وجميع الأنهار الأربعة تنصب في الأخضر، وكذلك الأوّل الذي قدّمت ذكره، ثم يجتمع مع الأبيض، وكلها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسفن وغيرها، وأحد هذه الأربعة يأتي مرّة من بلاد الحبشة.
قال: ولقد أكثرت السؤال عنها، واستكشفتها من قوم عن قوم، فما وجدت مخبرا يقول إنه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار، والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب، وأنه يأتي في وقت الزيادة في هذه الأنهار، آلة مراكب وأبواب وغير ذلك، فيدل على عمارة بعد الخراب، فأمّا الزيادة فيجمعون أنها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها، والدليل على ذلك النهر الذي يجف ويسكن بطنه، ثم ينبع وقت الزيادة.
ومن عجائبه: أنّ زيادته في أنهار مجتمعة، وسائر النواحي والبلدان في مصر وما يليها والصعيد وأسوان وبلد النوبة وعلوة، وما وراء ذلك في زمان واحد، وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنه ربما وجدت مثلا بأسوان، ولا توجد بقوص، ثم تأتي بعد فإذا كثرت الأمطار عندهم واتصلت السيول، علم أنها سنة ريّ، وإذا قصرت الأمطار علم أنها سنة ظمأ، قال:
وأما من طرق بلاد الزنج فإنهم أخبروني عن مسيرهم في بحر الصين إلى بلاد الزنج بالريح الشماليّ، مساحلين للجانب الشرقيّ من جزيرة مصر، حتى ينتهوا إلى موضع يعرف برأس حفري، وهو عندهم آخر جزيرة مصر، فينظرون كوكبا يهتدون به، فيقصدون الغرب، ثم يعودون إلى البحري، ويصير الشمال في وجوههم، حتى يأتوا إلى قبيلة من بلاد الزنج وهي مدينة متملكهم، وتصير قبلتهم للصلاة إلى جدّة.
قال: وبعض الأنهار الأربعة يأتي، من بلاد الزنج لأنه يأتي فيه الخشب الزنجيّ، وسوبة مدينة العلوي شرقيّ الجزيرة الكبرى التي بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشماليّ منها عند مجتمعهما، وشرقيها، النهر الذي يجف، ويسكن بطنه، وفيها أبنية حسان ودور واسعة، وكنائس كثيرة الذهب، وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين، ومتملك علوة أكثر مالا من متملك المقرة، وأعظم جيشا، وعنده من الخيل ما ليس عند المقري، وبلده أخصب وأوسع، والنخل والكرم عندهم يسير وأكثر حبوبهم الذرة البيضاء التي مثل الأرز منها، خبزهم ومزرهم واللحم عندهم كثير لكثرة المواشي، والمروج الواسعة العظيمة السعة، حتى أنه لا يوصل إلى الجبل إلا في أيام، وعندهم خيل عتاق، وجمال صهب عراب، ودينهم النصرانية يعاقبة، وأساقفتهم من قبل صاحب الإسكندرية كالنوبة، وكتبهم بالرومية يفسرونها بلسانهم، وهم أقل فهما من النوبة، وملكهم يسترق من شاء من رعيته بجرم، وبغير جرم، ولا ينكرون ذلك عليه، بل يسجدون له ولا يعصون أمره على
стр. 354
المكروه الواقع بهم، وينادون الملك يعيش فليكن أمره، وهو يتتوّج بالذهب، والذهب كثير في بلده.
ومما في بلده من العجائب: أنّ في الجزيرة الكبرى التي بين البحرين جنسا يعرف:
بالكرنينا، لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر، فإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم بما عنده من البذر، واختط على مقدار ما معه وزرع في أربعة أركان الخطة يسيرا، وجعل البذر في وسطه الخطة وشيئا من المزر، وانصرف عنه فإذا أصبح وجد ما اختط، قد زرع وشرب المزر، فإذا كان وقت الحصاد، حصد يسيرا منه ووضعه في موضع أراده ومعه مزر، وينصرف، فيجد الزرع قد حصد بأسره، وجرّن فإذا أراد دراسه وتذريته فعل به كذلك، وربما أراد أحدهم أن ينقي زرعه من الحشيش، فيلفظ بقلع شيء من الزرع فيصبح، وقد قلع جميع الزرع، وهذه الناحية التي فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد، وميرة بلد، علوة ومتملكهم من هذه الناحية، فيوجهون المراكب، فتوسق، وربما وقع بينهم حرب.
قال: وهذه الحكاية صحيحة معروفة مشهورة عند جميع النوبة والعلوة، وكل من يطرق ذلك البلد من تجار المسلمين لا يشكون فيه ولا يرتابون به، ولولا أنّ اشتهاره وانتشاره مما لا يجوز التواطؤ على مثله، لما ذكرت شيئا منه لشناعته، فأما أهل الناحية، فيزعمون أن الجنّ تفعل ذلك، وأنها تظهر لبعضهم، وتخدمهم بحجارة ينطاعون لهم بها، وتعمل لهم عجائب، وأنّ السحاب يطيعهم؟!.
قال: ومن عجائب ما حدّثني به متملك المقرة للنوبة، أنهم يمطرون في الجبال، ويلتقطون منه للوقت سمكا على وجه الأرض، وسألتهم عن جنسه، فذكروا أنه صغير القدر بأذناب حمر، قال: وقد رأيت جماعة وأجناسا ممن تقدّم ذكر أكثرهم يعترفون بالباري ، ويتقرّبون إليه بالشمس والقمر والكواكب، ومنهم من لا يعرف الباري ويعبد الشمس والنار، ومنهم من يعبد كل ما استحسنه من شجرة أو بهيمة، وذكر أنه رأى رجلا في مجلس عظيم المقرة سأله عن بلده؟ فقال: مسافته إلى النيل ثلاثة أهلة، وسأله عن دينه؟ فقال: ربي وربك اللّه، وربّ الملك، وربّ الناس كلهم واحد، وإنه قال له: فأين يكون؟ قال: في السماء وحده، وقال: إنه إذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء، أو وقع بدوابهم آفة صعدوا الجبل، ودعوا اللّه، فيجابون للوقت وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوه، وسأله هل أرسل فيكم رسول؟ قال: لا، فذكر له بعثة موسى وعيسى ومحمد صلوات اللّه عليهم وسلامه، وما أبدوا به من المعجزات، فقال: إذا كانوا فعلوا هذا، فقد صدقوا، ثم قال: قد صدّقتهم إن كانوا فعلوا.
قال مؤلفه ﵀: وقد غلب أولاد، كنز الدولة على النوبة وملكوها (من
стр. 355
سنة) (١) وبنى بدنقلة جامع يأوي إليه الغرباء، واعلم أنّ على ضفة النيل أيضا، الكانم، وملكها مسلم، وبينه وبين بلاد مالي مسافة بعيدة جدّا، وقاعدة ملكه بلدة اسمها حميمي، وأوّل مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زرلا، وآخرها طولا بلدة يقال لها: كاكا، وبينهما نحو ثلاثة أشهر، وهم يتلثمون، وملكهم متحجب لا يرى إلا يومي العيدين بكرة، وعند العصر، وطول السنة لا يكلمه أحد إلا من وراء حجاب، وغالب عيشهم الأرز، وهو ينبت من غير بذر، وعندهم القمح والذرة والتين والليمون والباذنجان واللفت والرطب، ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه: دندي طول كل ثوب، عشرة أذرع، يشترون به من ربع ذراع فأكثر، ويتعاملون أيضا بالودع والخرز والنحاس المكسر والورق، وجميع ذلك بسعر ذلك القماش، وفي جنوبها شعارى وصحارى، فيها أشخاص متوحشة كالفيول قريبة من شكل الآدميّ لا يلحقها الفارس تؤذي الناس، ويظهر في الليل أيضا شبه نار تضيء، فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه، ولو جرى إليها لا يصل إليها بل لا تزال أمامه فإذا رماها بحجر، فأصابها تشظى منها شرر، وتعظم عندهم اليقطينة حتى تصنع منها مراكب يعبر فيها في النيل.
وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدّة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط، وهي بلاد قحطان وشطن (٢) وسوء مزاج، وأوّل من بث بها الإسلام، الهادي العثمانيّ، ادّعى أنه من ولد عثمان بن عفان ﵁، وصارت بعده، لليزنيين من بني سيف بن ذي يزن، وهم على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀، والعدل قائم بينهم، وهم يابسون في الدين لا يلينون، وبنوا بمدينة مصر مدرسة للمالكية عرفت بمدرسة ابن رشيق في سني أربعين وستمائة، وصارت وفودهم تنزل بها، وسيرد ذكرها في المدارس إن شاء اللّه تعالى.
ذكر البجة ويقال إنهم من البربر
اعلم أنّ أول بلد البجة من قرية تعرف بالحزبة معدن الزمرّذ في صحراء قوص، وبين هذا الموضع، وبين قوص نحو من ثلاث مراحل، وذكر الجاحظ أنه ليس في الدنيا معدن للزمرّذ غير هذا الموضع، وهو يوجد في مغاير بعيدة مظلمة يدخل إليها بالمصابيح، وبحبال يستدل بها على الرجوع خوف الضلال، ويحفر عليه بالمعاول، فيوجد في وسط الحجارة، وحوله غشيم دونه في الصبغ والجوهر، وآخر بلاد البجة، أوّل بلاد الحبشة، وهم في بطن هذه الجزيرة أعني جزيرة مصر إلى سيف البحر الملح مما يلي جزائر سواكن، وباضع، ودهلك، وهم بادية يتبعون الكلأ، حيثما كان الرعي بأخبية من جلود.