وهم نزول في البراري إلى قمونية ويعمونية القبط فأوقع بجميع تلك الطوائف وسبى ذراريهم كما فعل ببلاد الشرق فقيل له: من أجل ذلك سبأ ثم عاد إلى مصر ومضى فيها إلى الشام يريد الحجاز وأوصى ابنه بابليون عند رحيله اه:
ألا قل لبابليون والقول حكمة … ملكت زمام الشرق والغرب فأجمل
وخذ لبني حام من الأمر وسطه … فإن صدفوا يوما عن الحق فأقبل
وإن جنحوا بالقول للرفق طاعة … يريدون وجه الحق والعدل فأعدل
ولا تظهرنّ الرأي في الناس يجتروا … عليك به واجعله ضربة فيصل
ولا تأخذن المال في غير حقه … وإن جاء لا تدينه نحوك وابذل
وداوي ذوي الأحقاد بالسيف إنه … متى يلق منك العزم ذو الحقد يجمل
وجد لذوي الأحساب لينا وشدّة … ولا تك جبارا عليهم وأجمل
وكن لسؤال الناس غوثا ورحمة … ومن يك ذا عرف من الناس يسأل
وإياك والسفر القريب فإنه … سيغني بما يوليه في كل منهل
ثم عاد إلى اليمن، وبنى سد مأرب وهو سدّ فيه سبعون نهرا، ويصل إليه السيل من مسيرة ثلاثة أشهر في مثلها، ثم مات عن خمسمائة سنة، وقام من بعده ابنه حمير بن سبا فعتا بنو حام على بابليون وأرادوا تخريب مصر فاستدعى أخاه حمير لينجده عليهم فقدم عليه مصر، ومضى إلى بلاد المغرب فأقام بها مائة عام يبني المدائن، ويتخذ المصانع فمات بابليون بن سبأ بمصر. وولى بعده ابنه امرئ القيس بابليون ثم مات حمير بن سبأ عن أربعمائة سنة وخمس وأربعين سنة منها في الملك أربعمائة سنة، وأقام من بعده وائل بن حمير. ثم مات فقام من بعده ابنه السكسك بن وائل الذي يقال له: مقعقع الحمد وقد افترق ملك حمير، فحارب الثوار، وسار إلى الشام فلقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ بالرملة وقد ملك بعد أبيه وقدّم له هدية فأقرّه على مصر حتى قدم عليه إبراهيم الخليل ﵇ ووهبه هاجر.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم (١) في كتاب فتوح مصر وأخبارها عن عبد اللّه بن عباس ﵄ قال: كان لنوح ﵇ أربعة من الولد:
سام، وحام، ويافث، ويخطون، وأنّ نوحا رغب إلى اللّه وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذريته حين تكاملوا بالنماء والبركة فوعده ذلك فنادى نوح ولده وهم نيام عند السحر فنادى ساما فأجابه يسعى وصاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ابنه أرفخشد فانطلق به معه حتى أتياه فوضع نوح يمينه على سام وشماله على أرفخشد بن سام وسأل اللّه
стр. 37
أن يبارك في سام أفضل البركة وأن يجعل الملك والنبوّة في ولد أرفخشد، ثم نادى حاما وتلفت يمينا وشمالا فلم يجبه ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده فدعا اللّه نوح أن يجعل ولده أذلاء وأن يجعلهم عبيدا لولد سام، وكان مصر بن بنصر بن حام نائما إلى جنب جدّه فلما سمع دعاء نوح على جدّه وولده قام يسعى إلى نوح وقال: يا جدّي قد أجبتك إذ لم يجبك جدّي ولا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعائك ففرح نوح ووضع يده على رأسه وقال: اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد، وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا وأجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوّهم عليها، ثم دعا ابنه يافث فلم يجبه ولا أحد من ولده، فدعا اللّه عليهم أن يجعلهم شرار الخلق، وعاش سام مباركا إلى أن مات وعاش ابنه أرفخشد بن سام مباركا حتى مات وكان الملك الذي يحبه اللّه والنبوّة والبركة في ولد أرفخشد بن سام وكان أكبر ولد حام: كنعان بن حام، وهو الذي حمل به في الرجز في الفلك فدعا عليه نوح فخرج أسود وكان في ولده الملك والجبروت والجفاء وهو:
أبو السودان والحبش كلهم وابنه الثاني: كوش بن حام، وهو أبو السند والهند وابنه الثالث:
قوط بن حام وهو: أبو البربر وابنه الأصغر الرابع: بنصر بن حام، وهو أبو القبط كلهم فولد بنصر بن حام أربعة: مصر بن بنصر وهو أكبرهم والذي دعا له نوح بما دعا له. وفارق بن بنصر، وماح بن بنصر، وقيل: ولد مصر أربعة: قفط بن مصر، وأشمن بن مصر، وأتريب بن مصر، وصا بن مصر؛ وعن ابن لهيعة وعبد اللّه بن خالد أوّل من سكن مصر بنصر بن حام بن نوح ﵇ بعد أن أغرق اللّه تعالى قومه وأوّل مدينة عمرت بمصر منف فسكنها بنصر بولده وهم: ثلاثون نفسا منهم أربعة أولاد له قد بلغوا وتزوجوا وهم:
مصر، وفارق، وياح، وماح، وكان مصر أكبرهم فبنوا مصر، وكانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطم، ونقروا هناك منازل كثيرة، وكان نوح ﵇ قد دعا لمصر أن يسكنه اللّه الأرض الطيبة المباركة التي هي أمّ البلاد، وغوث العباد، ونهرها أفضل الأنهار، ويجعل له فيها أفضل البركات ويسخر له الأرض ولولده ويذللها لهم ويقوّيهم عليها، فسأله عنها فوصفها له وأخبره بها قالوا: وكان مصر بن بنصر مع نوح في السفينة لما دعا له وكان بنصر بن حام قد كبر وضعف فساق ولده مصر، وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها وبذلك سميت مصر فلما قرّ قرار بنصر وبنيه بمصر قال لمصر إخوته فارق وماح وياح وبنوا بنصر قد علمنا أنك أكبرنا وأفضلنا وأن هذه الأرض التي أسكنك إياها جدّك نوح، ونحن نضيق عليك أرضك، وذلك حين كثر ولده وأولادهم، ونحن نطلب إليك البركة التي جعلها فيك جدّنا نوح أن تبارك لنا في أرض نلحق بها ونسكنها وتكون لنا ولأولادنا، فقال: نعم عليكم بأقرب البلاد إليّ ولا تباعدوا مني فإنّ لي في بلادي مسيرة شهر من أربعة وجوه أحوزها لنفسي فتكون لي ولولدي ولأولادهم، فحاز مصر بن بنصر لنفسه ما بين الشجرتين التي بالعريش
стр. 38
إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا، وحاز فارق لنفسه ما بين برقة إلى إفريقية، وكان ولده الأفارقة ولذلك سميت إفريقية، وذلك مسيرة شهر، وحاز ماح ما بين الشجرتين من منتهى حدّ مصر إلى الجزيرة مسيرة شهر، وهو أبو قبط الشام، وحاز باح ما وراء الجزيرة كلّها ما بين البحر إلى الشرق مسيرة شهر، وهو أبو قبط العراق، ثم توفي بنصر بن حام، ودفن في موضع دير أبي هرميس غربيّ الأهرام، فهي أوّل مقبرة قبر فيها بأرض مصر، وكثر أولاد مصر وكان الأكابر منهم قفط، وأتريب، وأشمن، وصا، والقبط من ولد مصر هذا ويقال: إنّ قبط أخو قفط، وهو بلسانهم قفطيم وقبطيم ومصرايم، قال: ثم إنّ بنصر بن حام وتوفي واستخلف ابنه مصر، وحاز كل واحد من إخوة مصر: قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حازها لنفسه ولولده، فلما كثر ولد مصر وأولاد أولادهم قطع مصر لكل واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه ولولده، وقسم لهم هذا النيل فقطع لابنه قفط موضع قفط فسكنها وبه سميت قفط قفطا، وما فوقها إلى أسوان، وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب، وقطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف في الشرق والغرب فسكن أشمن أشمون فسميت به، وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا فسكن أتريبا فسميت به، وقطع لصا ما بين صا إلى البحر فسكن صا فسميت به فكانت مصر كلها على أربعة أجزاء: جزأين بالصعيد، وجزأين بأسفل الأرض.
قال البكري: ومصر مؤنثة قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف/ ٥١]، وقال:
﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾ [يوسف/ ٩٩]. وقال عامر بن أبي واثلة الكناني لمعاوية: أما عمرو بن العاص، فأقطعته مصر، وأما قوله سبحانه: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ [البقرة/ ٦١] فإنه أراد مصرا من الأمصار، وقرأ سليم الأعمش: اهبطوا مصر، وقال: هي مصر التي عليها سليم بن عليّ فلم يجرّها.
وقال القضاعي: وكان بنصر بن حام قد كبر، وضعف فساقه ولده مصر، وجميع إخوته إلى مصر، فنزلوها وبذلك سميت مصر، وهو اسم لا ينصرف في المعرفة لأنه اسم مذكر سميت به هذه المدينة فاجتمع فيها التأنيث والتعريف، فمعناها الصرف، ثم قيل: لكل مدينة عظيمة يطرقها السفار: مصر فإذا أريد مصر من الأمصار صرف لزوال إحدى العلتين، وهي التعريف، وأما قوله تعالى إخبارا عن موسى ﵇: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة/ ٦١] فإنه مصروف في قراءة سائر القراء، وفي قراءة الحسن والأعمش:
غير مصروف فمن صرفها فله وجهان: أحدهما: أنه أراد هبوط مصرا من الأمصار لأنهم كانوا يومئذ في التيه، والآخر: أنه أراد مصر هذه بعينها وصرفها لأنه جعل مصرا اسما للبلد، وهو اسم مذكر سمي به مذكّر فلم يمنعه الصرف، وأما من لم يصرفه فإنه أراد بمصر هذه المدينة، وكذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اَللّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف/ ٩٩]، وقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف/ ٥١] إنما يراد به مصر
стр. 39
هذه، فأما المصر في كلام العرب فهو الحدّ بين الأرضين، ويقال: إن أهل هجر يقولون:
اشتريت الدار بمصورها أي بحدودها.
وقال الجاحظ في كتاب مدح مصر: إنما سميت مصر بمصر لمصير الناس إليها، واجتماعهم بها. كما سمي مصير الجوف مصيرا ومصرانا لمصير الطعام إليه، قال: وجمع المصر من البلدان أمصار، وجمع مصير الطعام مصران، وليس لمصر هذه جمع لأنها واحدة قال: وقال الأخطل: هممت بالإسلام، ثم توقفت عنه، قيل: ولم ذلك؟ قال: أتيت امرأة لي وأنا جائع فقلت: أطعميني شيئا، فقالت: يا جارية ضعي لأبي مالك مصيرا في النار، ففعلت، فاستعجلتها بالطعام فقالت: يا جارية أين مصير أبي مالك؟ قالت: في النار، قال:
فتطيرت وهممت بأن أسلم فتوقفت.
وقال الجوهريّ (١) في كتاب الصحاح: مصر هي المدينة المعروفة تذكر وتؤنث عن ابن السراج والمصران الكوفة والبصرة، وقال ابن خالويه (٢): في كتاب ليس ليس أحد: فسّر لنا لم سميت مصر مقدونية قديما إلا في اللسان العبرانيّ، قال: مقدونية مغيث وإنما سميت مصر لما سكنها بنصر بن حام، وتزعم الروم أن بلاد مقدونية جميعا وقف على الكنيسة العظمى التي بالقسطنطينية، ويسمون بلاد مقدونية الأوصفية وهي عندهم الإسكندرية، وما يضاف إليها وهي مصر كلها بأسرها إلا الصعيد الأعلى، ويقال لمصر: أم خنور، وتفسيره النعمة والمصر الفرق بين الشيئين. قال الشاعر يصف اللّه تعالى:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به … بين النهار وبين الليل قد فصلا
هذا البيت قائله عديّ بن زيد العباديّ ويروى لأمية بن الصلت الثقفيّ وهو من أبيات أوّلها:
اسمع حديثا كما يوما تحدّثه … عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
كيف بدا ثم ربى اللّه نعمته … فيها وعلمنا آياته ألا ولا
كانت رياح وسيل ذو كرانية … وظلمة لم تدع فتقا ولا خللا
فآمر الظلمة السوداء فانكشفت … وعزل الماء عما كان قد شغلا
وبسط الأرض بسطا ثم قدّرها … تحت السّماء سواميل وما نقلا
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به … بين النهار وبين الليل قد فصلا
وفي السماء مصابيح تضيء لنا … ما إن تكلفنا زيتا ولا فتلا
قضى لستة أيام خليقته … وكان آخر شيء صوّر الرجلا
стр. 40
فأخذ اللّه من طين فصوّره … لما رأى أنه قد تم واعتدلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب له … فنفخ الروح في الجسم الذي جبلا
ثمة أورثه الفردوس يسكنها … وزوجه ضلعة من جنبه جعلا
لم ينهه ربه عن غير واحدة … من شجر طيب إن شم أو أكلا
وكانت الحية الرقشاء إذ خلقت … كما ترى ناقة في الخلق أو جملا
فلامها اللّه إذ أطغت خليفته … طول الليالي ولم يجعل لها أكلا
تمشي على بطنها في الأرض ما عمرت … والترب تأكله حزنا وإن سهلا
وقال الحافظ أبو الخطاب مجد الدين عمر بن دحية: ومصر أخصب بلاد اللّه وسماها اللّه بمصر وهي هذه دون غيرها بإجماع القرّاء على ترك صرفها، وهي اسم لا ينصرف في معرفة لأنه اسم مذكر سميت به هذه المدينة، واجتمع فيه التأنيث والتعريف فمنعاه الصرف، وهي عندنا مشتقة من مصرت الشاة إذا أخذت من ضرعها اللبن فسميت: مصر لكثرة ما فيها من الخير مما ليس في غيرها فلا يخلو ساكنها من خير يدرّ عليه منها كالشاة التي ينتفع بلبنها، وصوفها، وولادتها. وقال ابن الأعرابيّ: المصر الوعاء، ويقال للمعا المصير، وجمعه مصران ومصارين، وكذلك هي خزائن الأرض. قال أبو بصرة الغفاريّ من أصحاب رسول اللّه ﷺ : مصر خزائن الأرض كلها ألا ترى إلى قول يوسف ﵇: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف/ ٥٥] فأغاث اللّه بمصر يومئذ وخزائنها كل حاضر وباد ذكره الحوفيّ في تفسيره.
وقال البكري: أمّ خنور بفتح أوّله وتشديد ثانيه وبالراء المهملة اسم لمصر، وقال أرطاة بن شهبة: يا آل ذبيان! ذودوا عن دمائكم، ولا تكونوا كقوم أم خنور. يقول: لا تكونوا أذلاء ينالكم من أراد، يجب التأمل في هذه الجملة، وهي أم خنور. قال كراع: أم خنور:
النعمة ولذلك سميت مصر أم خنور لكثرة خيرها. وقال عليّ بن حمزة: سميت أم خنور لأنها يساق إليها القصار الأعمار، ويقال للضبع: خنور وخنوز بالراء والزاي، وقال ابن قتيبة في غرائب الحديث: ومصر الحدّ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم اشترى فلان الدار بمصورها كلها أي بحدودها، وقال عديّ بن زيد:
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به … بين النهار وبين الليل قد فصلا
أي حدّا.
ذكر طرف من فضائل مصر
ولمصر فضائل كثيرة منها: أنّ اللّه ذكرها في كتابه العزيز بضعا وعشرين مرّة تارة بصريح الذكر وتارة إيماء. قال تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة/ ٦١].
قال أبو محمد عبد الحق بن عطية في تفسيره: وجمهور الناس يقرءون مصرا بالتنوين وهو
стр. 41
خط المصاحف إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان ﵁، وقال مجاهد وغيره:
من صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه، وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها واستدلوا بما في القرآن أن اللّه تعالى أورث بني إسرائيل ديار فرعون وآثاره، وأجازوا صرفها. قال الأخفش: لخفتها وشبهها بهند ودعد، وسيبويه لا يجير هذا.
وقال غير الأخفش: أراد المكان فصرف. وقرأ الحسن وأبان بن ثعلب وغيرهما: اهبطوا مصر بترك الصرف؛ وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب. وقال: هي مصر فرعون. قال الأعمش (١): هي مصر التي عليها صالح بن علي، وقال أشهب: قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون، قال تعالى: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اَللّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف/ ٩٩]. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن فرقد الشيخي.
قال: خرج يوسف ﵇ يتلقى يعقوب ﵇، وركب أهل مصر مع يوسف، وكانوا يعظمونه فلما دنا أحدهما من صاحبه وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على رجل من ولده يقال له: يهوذا فنظر يعقوب إلى الخيل، وإلى الناس، فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه قال يعقوب ﵇: عليك يا ذاهب الأحزان عني. هكذا قال: يا ذاهب الأحزان عني.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا اَلصَّلاةَ﴾ [يونس/ ٨٧]. قال الطبري (٢) عن ابن عباس وغيره: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلون فيها. قال قتادة: وذلك حين منعهم فرعون الصلاة فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم وأن يوجهوا نحو القبلة، وعن مجاهد: بيوتكم قبلة قال: نحو الكعبة حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرّا، وعن مجاهد في قوله: ﴿أَنْ تَبَوَّءا ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ [يونس/ ٨٧] قال: مصر: الإسكندرية.
وقال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف/ ٥١]. قال ابن عبد الحكم، وأبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، وغيرهما عن أبي رهم السماعي أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف/ ٥١] قال: ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من
стр. 42
ملك مصر، وكان جميع أهل الأرضيين يحتاجون إلى مصر، وأما الأنهار فكانت قناطر وجسورا بتقدير وتدبير حتى أن الماء يجري من تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه كيف شاءوا، فهذا ما ذكره اللّه سبحانه في مصر من آي الكتاب العزيز بصريح الذكر.
(وأما) ما وقعت إليه الإشارة فيه من الآيات فعدّة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس/ ٩٣]، وقال تعالى:
﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون/ ٥٠]. قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، ووهب بن منبه: هي مصر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: هي الإسكندرية، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء/ ٥٧]، وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الدخان/ ٢٥]. قال ابن يونس في قول اللّه سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء/ ٥٧]. قال أبو رهم: كانت الجنات بحافتي النيل من أوّله إلى آخره من الجانبين ما بين أسوان إلى رشيد، وسبعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء وزروع ما بين الجبلين كله من أوّل مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء، وكان جميع أرض مصر كلها تروي يومئذ من ستة عشر ذراعا لما قد دبروا من قناطرها، وجسورها. قال: والمقام الكريم: المنابر كان بها ألف منبر. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: المقام الكريم: المنابر، وقال قتادة: ومقام كريم أي حسن ونعمة كانوا فيها فاكهين ناعمين. قال: أي واللّه أخرجه اللّه من جنانه، وعيونه، وزروعه حتى ورطه في البحر. وقال سعيد بن كثير بن عفير: كنا بقبة الهواء عند المأمون لما قدم مصر فقال لنا:
ما أدري ما أعجب فرعون من مصر حيث يقول: أليس لي ملك مصر؟ فقلت: أقول: يا أمير المؤمنين، فقال: قل يا سعيد، فقلت: إنّ الذي ترى بقية مدمّر لأنّ اللّه يقول:
﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف/ ١٣٧] قال: صدقت، ثم أمسك، وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص/ ٥]، وقال تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال: ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [غافر/ ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ اَلْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف/ ١٣٧]، وقال تعالى مخبرا عن قوم فرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الأعراف/ ١٢٧] يعني أرض مصر، وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇ أنه ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف/ ٥٥]. روى ابن يونس عن أبي نضرة الغفاريّ ﵁ قال: مصر خزائن الأرض كلها، وسلطانها سلطان الأرض كلها ألا
стр. 43
ترى إلى قول يوسف ﵇ لملك مصر: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ﴾ ففعل فأغيث بمصر وخزائنها يومئذ كل حاضر، وباد من جميع الأرض، وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ [يوسف/ ٥٦]، فكان ليوسف بسلطانه بمصر جميع سلطان الأرض كلها لحاجتهم إليه، وإلى ما تحت يديه، وقال تعالى مخبرا عن موسى ﵇ أنه قال: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا اَلْعَذابَ اَلْأَلِيمَ﴾ [يونس/ ٨٨]، وقال تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف/ ١٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسادَ﴾ [غافر/ ٢٦] يعني أرض مصر، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص/ ٤] يعني أرض مصر، وقال تعالى حكاية عن بعض إخوة يوسف ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ اَلْأَرْضَ﴾ [يوسف/ ٨٠] يعني أرض مصر، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلّا أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص/ ١٩] يعني أرض مصر. قال ابن عباس ﵁: سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن، فهذا ما يحضرني مما ذكرت فيه مصر من آي كتاب اللّه العزيز.
وقد جاء في فضل مصر أحاديث: روى عبد اللّه بن لهيعة من حديث عمرو بن العاص أنه قال: حدّثني عمر أمير المؤمنين ﵁ أنه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إذا فتح اللّه عليكم بعدي مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض». قال أبو بكر ﵁: ولم ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة». وعن عمرو بن الحمق (١): أن رسول اللّه ﷺ قال: « … تكون فتنة أسلم الناس فيها أو خير الناس فيها الجند الغربيّ … ». قال: فلذلك قدمت عليكم مصر، وعن تبيع بن عامر الكلاعيّ قال: أقبلت من الصائفة فلقيت أبا موسى الأشعريّ ﵁ فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل مصر، قال: من الجند العربيّ؟ فقلت: نعم، قال: الجند الضعيف؟ قال:
قلت: أهو الضعيف؟ قال: نعم، قال: أما إنه ما كادهم أحد إلا كفاهم اللّه مؤنته، اذهب إلى معاذ بن جبل حتى يحدّثك قال: فذهبت إلى معاذ بن جبل فقال لي: ما قال لك الشيخ فأخبرته، فقال لي: وأيّ شيء تذهب به إلى بلادك أحسن من هذا الحديث، أكتبت في أسفل ألواحك، فلما رجعت إلى معاذ أخبرني أن بذلك أخبره رسول اللّه ﷺ ، وروى ابن وهب من حديث صفوان بن عسال قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: « … فتح اللّه بابا للتوبة في الغرب عرضه سبعون عاما لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه … ». وروى ابن لهيعة من حديث عمرو بن العاص: حدّثني عمر أمير المؤمنين ﵁، أنه سمع
стр. 44
رسول اللّه ﷺ يقول: «إن اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإنّ لهم منكم صهرا وذمّة … ». وروى ابن وهب قال: أخبرني حرملة بن عمران التجيبي عن عبد الرحمن بن شماسة المهريّ قال: سمعت أبا ذر ﵁ يقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإنّ لهم ذمّة ورحما فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فأخرجوا منها … ». قال: فمرّ بربيعة وعبد الرحمن ابني شرحبيل يتنازعان في موضع لبنة فخرج منها، وفي رواية:
«ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط فإذا افتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمّة ورحما أو قال: ذمّة وصهرا» الحديث، ورواه مالك، والليث وزاد: فاستوصوا بالقبط خيرا. أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي الطاهر عن ابن وهب. قال ابن شهاب: وكان يقال إنّ أمّ إسماعيل منهم، قال الليث بن سعد: قلت لابن شهاب: ما رحمهم، قال: إن أمّ إسماعيل بن إبراهيم صلوات اللّه عليهما منهم، وقال محمد بن إسحاق (١): قلت للزهريّ (٢): ما الرحم التي ذكر رسول اللّه ﷺ ؟ قال: كانت هاجر أمّ إسماعيل منهم، وروى ابن لهيعة من حديث أبي سالم الجيشاني: أن بعض أصحاب رسول اللّه ﷺ أخبره أنه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إنكم ستكونون أجنادا وإن خير أجنادكم أهل الغرب منكم فاتقوا اللّه في القبط لا تأكلوهم أكل الخضر»، وعن مسلم بن يسار: أن رسول اللّه ﷺ قال: «استوصوا بالقبط خيرا فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال العدوّ»، وعن يزيد بن أبي حبيب: أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن حدّثه أن رسول اللّه ﷺ أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب، وقال: «اللّه اللّه في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدّة، وأعوانا في سبيل اللّه»، وروى ابن وهب عن موسى بن أيوب الغافقي عن رجل من الرّند: أن رسول اللّه ﷺ مرض فأغمي عليه ثم أفاق فقال: «استوصوا بالأدم الجعد» ثم أغمي عليه الثانية، ثم أفاق فقال مثل ذلك، ثم أغمي عليه الثالثة، فقال مثل ذلك، فقال القوم: لو سألنا رسول اللّه ﷺ من الأدم الجعد، فأفاق فسألوه، فقال: «قبط مصر، فإنهم أخوال، وأصهار، وهم أعوانكم على عدوّكم وأعوانكم على دينكم»، قالوا: كيف يكونون أعواننا على ديننا يا رسول اللّه؟ قال: «يكفونكم أعمال الدنيا وتتفرّغون للعبادة فالراضي بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم والكاره لما يؤتى إليهم من الظلم كالمتنزه عنهم»، وعن عمرو بن حريب وأبي عبد الرحمن الحلبي أن رسول اللّه ﷺ قال: «إنكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم فاستوصوا بهم خيرا فإنهم قوّة لكم وبلاغ إلى عدوّكم بإذن اللّه» يعني قبط مصر.
стр. 45
وعن ابن لهيعة: حدّثني مولى عفرة، أن رسول اللّه ﷺ قال: «اللّه اللّه في أهل المدرة السوداء السجم الجعاد فإن لهم نسبا وصهرا»، قال عمرو مولى عفرة صهرهم أن رسول اللّه ﷺ تسرّى فيهم، ونسبهم أن أمّ إسماعيل ﵈ منهم. قال ابن وهب:
فأخبرني ابن لهيعة أن أمّ إسماعيل هاجر من أمّ العرب قرية كانت أمام الفرما من مصر وقال مروان القصاص: صاهر إلى القبط من الأنبياء ثلاثة: إبراهيم خليل الرحمن ﵇ تسرّى هاجر، ويوسف تزوّج بنت صاحب عين شمس، ورسول اللّه ﷺ تسرّى مارية. وقال يزيد بن أبي حبيب: قرية هاجر باق التي عندها أمّ دنين، وقال هشام: العرب تقول:
هاجر، وآجر، فيبدلون من الهاء الألف كما قالوا: هراق الماء، وأراق الماء، ونحوه.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الأمصار سبعة. فالمدينة مصر، والشأم مصر، ومصر، والجزيرة، والبحرين، والبصرة، والكوفة. وقال مكحول: أول الأرض خرابا أرمينة، ثم مصر. وقال عبد اللّه بن عمر: وقبطة مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب عامة، وبقريش خاصة، ومن أراد أن يذكر الفردوس، أو ينظر إلى مثلها في الدنيا فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها وتنور ثمارها. وقال كعب الأحبار (١): من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا أخرقت، وفي رواية: إذا أزهرت.
(ومن فضائل مصر): أنه كان من أهلها السحرة، وقد آمنوا جميعا في ساعة واحدة، ولا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وكانوا في قول يزيد بن أبي حبيب، وغيره اثني عشر ساحرا رؤساء، تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا، تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرؤساء، والعرفاء، فلما عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء وأن السحر لا يقوم لأمر اللّه فخرّ الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجدا، فأتبعهم العرفاء، واتبع العرفاء من بقي، وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. قال تبيع: كانوا من أصحاب موسى ﵇ ولم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل. قال تبيع: ما آمن جماعة قط في ساعة واحدة مثل جماعة القبط، وقال كعب الأحبار: مثل قبط مصر كالغيضة كلما قطعت نبتت حتى يخرّب اللّه بهم وبصناعتهم جزائر الروم، وقال عبد اللّه بن عمرو: خلقت الدنيا على خمس صور: على صورة الطير برأسه، وصدره، وجناحيه، وذنبه. فالرأس مكة، والمدينة، واليمن. والصدر الشأم، ومصر والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمّة يقال لها: واق، وخلف واق أمّة يقال
стр. 46
لها: واق واق وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا اللّه ، والجناح الأيسر السند، وخلف السند الهند، وخلف الهند أمّة يقال لها: ناسك، وخلف ناسك أمّة يقال لها:
منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا اللّه ، والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشرّ ما في الطير الذنب، وقال الجاحظ: الأمصار عشرة: الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والتحنيث ببغداد، والعيّ بالري، والجفا بنيسابور، والحسن بهراة، والطرمذة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتجارة بمصر، والبخل بمرو، الطرمذة: كلام ليس له فعل، وعن يحيى بن داخر الغافريّ أنه سمع عمرو بن العاص يقول في خطبته:
واعملوا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لمكث الأعداء حولكم، ولإشراف قلوبهم إليكم، وإلى داركم معدن الزرع، والمال، والخير الواسع، والبركة النامية.
وعن عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ: أنه قدم من الشأم إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال: ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: كنت تحدّثني أن مصر أسرع الأرض خرابا ثم أراك قد اتخذت منها، وبنيت فيها القصور، واطمأننت فيها، قال: إن مصر قد أوفت خرابها حطّمها البخت نصر، فلم يدع فيها إلا السباع، والضباع، فهي اليوم أطيب الأرضين ترابا، وأبعدها خرابا، ولا يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرض بركة، ويقال: مصر متوسطة الدنيا، قد سلمت من حرّ الإقليم الأوّل والثاني، ومن برد الإقليم السادس والسابع، ووقعت في الإقليم الثالث، فطاب هواها، وضعف حرّها، وخف بردها، وسلم أهلها من مشاتي الأهواز، ومصايف عمان، وصواعق تهامة، ودماميل الجزيرة، وجرب اليمن، وطواعين الشأم، وبرسام العراق، وعقارب عسكر مكرم، وطحال البحرين، وحمى خيبر، وأمنوا من غارات الترك، وجيوش الروم، وهجوم العرب، ومكايد الدّيلم، وسرايا القرامطة، ونزف الأنهار، وقحط الأمطار، وبها ثمانون كورة ما فيها كورة إلا وبها طرائف، وعجاب من أنواع البرّ، والأبنية، والطعام، والشراب، والفاكهة، وسائر ما تنتفع به الناس، وتدخره الملوك يعرف بكل كورة، وجهاتها وينسب كل لون إلى كورة، فصعيدها أرض حجازية حرّة حرّ العراق، وينبت النخل، والأراك، والقرظ، والدوم، والعشر، وأسفل أرضها شامي يمطر مطر الشأم، وينبت ثمار الشأم من الكروم، والزيتون، واللوز، والتين، والجوز، وسائر الفواكه، والبقول، والرياحين، ويقع به الثلج، والبرد.
وكورة الإسكندرية، ولوبية، ومراقيه براري، وجبال، وغياض تنبت الزيتون، والإعناب، وهي بلاد إبل، وماشية، وعسل، ولبن. وفي كل كورة من كور مصر مدينة، في كل مدينة منها آثار كريمة من الأبنية، والصخور، والرخام، والعجائب، وفي نيلها السفن التي تحمل السفينة الواحدة منها ما يحمله خمسمائة بعير، وكل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة يؤيد ذلك قول اللّه : ﴿وَاِبْعَثْ فِي اَلْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء/ ٣٦]، ويعمل بمصر معامل كالتنانير يعمل بها البيض بصنعة يوقد عليه، فيحاكي نار
стр. 47
الطبيعة في حضانة الدجاجة لبيضها، ويخرج من تلك المعامل الفراريج، وهي معظم دجاج مصر، ولا يتم عمل هذا بغير مصر. وقال عمر بن ميمون: خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل، فلما أصبح فرعون أمر بشاة، فأتى بها فأمر بها أن تذبح، ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمس مائة ألف من القبط، فاجتمعوا إليه، فقال لهم فرعون: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وكان أصحاب موسى ﵇ ستمائة ألف وسبعين ألفا.
ووصف بعضهم مصر، فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء، فأما اللؤلؤة البيضاء، فإن مصر في أشهر أبيب ومسرى وبوت يركبها الماء، فترى الدنيا بيضاء، وضياعها على روابي، وتلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه، فلا سبيل إلى قرية من قراها إلا في الزوارق، وأما المسكة السوداء، فإن في أشهر بابه، وهاتور، وكيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضا سوداء، وفي هذه الأشهر تقع الزراعات، وأما الزمرذة الخضراء فإن في أشهر طوبه وامشير وبرمهات يكثر نبات الأرض، وربيعها فتصير خضراء كأنها زمرذة، وأما السبيكة الحمراء فإن في أشهر برمودة وبشنس وبؤنة يتورد العشب، ويبلغ الزرع الحصاد، فيكون كالسبيكة التي من الذهب منظرا ومنفعة، وسأل بعض الخلفاء الليث بن سعد عن الوقت الذي تطيب فيه مصر؟ فقال: إذا غاض ماؤها، وارتفع وباها وجف ثراها وأمكن مرعاها، وقال آخر: نيلها عجب، وأرضها ذهب، وخيرها جلب، وملكها سلب، ومالها رغب، وفي أهلها صخب، وطاعتهم رهب، وسلامهم شعب، وحربهم حرب، وهي لمن غلب. وقال آخر: مصر من سادات القرى ورؤساء المدن، وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة/ ٢٦٥] هي: مصر إن لم يصبها مطر أزكت، وإن أصلبها مطرا ضعفت، قاله المسعودي في تاريخه، ويقال: لما خلق اللّه آدم ﵇ مثل له الدنيا شرقها، وغربها، وسهلها، وجبلها، وأنهارها، وبحارها، وبناءها، وخرابها، ومن يسكنها من الأمم ومن يملكها من الملوك، فلما رأى مصر أرضا سهلة ذات نهر جار مادّته من الجنة تنحدر فيه البركة، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة في سفحه أشجار مثمرة، وفروعها في الجنة تسقى بماء الرحمة، فدعا آدم ﵇ في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة، والبرّ والتقوى، وبارك في نيلها وجبلها سبع مرّات وقال: يا أيها الجبل المرحوم: سفحك جنة، وتربتك مسكة يدفن فيها غراس الجنة أرض حافظة مطيعة رحيمة لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ ولا زال منك ملك وعزيا أرض مصر فيك الخبايا، والكنوز، ولك البرّ والثروة، وسال نهرك عسلا كثر اللّه زرعك، ودرّ ضرعك، وزكى نباتك وعظمت بركتك، وخصبت ولا زال فيك خير ما لم تتجبري وتتكبري، أو تخوني فإذا فعلت ذلك عد النشر، ثم يغور خيرك، فكان آدم أوّل من دعا لها بالرحمة، والخصب والرأفة والبركة.
стр. 48
وعن ابن عباس: أن نوحا ﵇ دعا لمصر بن بيصر بن حام فقال: اللهمّ إنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد، وغوث العباد التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض، وذللها لهم وقوّهم عليها.
وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر فقيل له: لم؟ فقال: لأنها بلد معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء أكبه اللّه على وجهه وهو بلد مبارك لأهله فيه. وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن ابن أبي هلال: أن كعب الأحبار كان يقول: إني لأحب مصر وأهلها، لأن مصر بلد معافاة وأهلها أصحاب عافية، وهم بذلك مفارقون، ويقال: إن في بعض الكتب الإلهية: مصر خزائن الأرض كلها فمن أرادها بسوء قصمه اللّه تعالى.
وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة يعني إذا جمع الخراج مع الإمارة، وقال أحمد بن مدبر: تحتاج مصر إلى ثمانية وعشرين ألف ألف فدان، وإنما يعمر منها ألف ألف فدّان، وقد كشفت أرض مصر، فوجدت غامرها أضعاف عامرها، ولو اشتغل السلطان بعمارتها لوفت له بخراج الدنيا. وقال بعضهم: إنّ خراج العراق لم يكن قط أوفر منه في أيام عمر بن عبد العزيز، فإنه بلغ ألف ألف درهم وسبعة عشر ألف ألف درهم، ولم تكن مصر قط أقل من خراجها في أيام عمرو بن العاص، وأنه بلغ اثني عشر ألف ألف دينار، وكانت الشامات بأربعة عشر ألف ألف سوى الثغور. ومن فضائل مصر: أنه ولد بها من الأنبياء موسى، وهارون، ويوشع ﵈، ويقال: إن عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه أخذ على سفح الجبل المقطم، وهو سائر إلى الشام، فالتفت إلى أمّه وقال: يا أمّاه هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ ، ويذكر أنه ولد في قرية اهناس من نواحي صعيد مصر وأنه كانت به نخلة يقال: إنها النخلة المذكورة في القرآن بقوله : ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ﴾ [مريم/ ٢٥] وهذا القول وهم، فإنه لا خلاف بين علماء الأخبار من أهل الكتاب، ومن يعتمد عليه من علماء المسلمين أن عيسى صلوات اللّه عليه ولد بقرية بيت لحم من بيت المقدس، ودخل مصر من الأنبياء، إبراهيم خليل الرحمن، وقد ذكر خبر ذلك عند ذكر خليج القاهرة من هذا الكتاب. ودخلها أيضا يعقوب ويوسف والأسباط، وقد ذكر ذلك في خبر الفيوم، ودخلها أرميا، وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذي أثنى عليه اللّه ﷻ في القرآن.
ويقال: إنه ابن فرعون لصلبه، وأظنه أنه غير صحيح، وكان منها جلساء فرعون الذين أبان اللّه فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسى وهارون ﵉، لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ﴾
стр. 49
﴿أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ * قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي اَلْمَدائِنِ حاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء/ ٣٤ - ٣٧]، وأين هذا من قول أصحاب النمرود في إبراهيم صلوات اللّه عليه، حيث أشاروا بقتله قال تعالى حكاية عنهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء/ ٦٨] ومن أهل مصر، امرأة فرعون التي مدحها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله:
﴿وَضَرَبَ اَللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظّالِمِينَ﴾ [التحريم/ ١١] ومن أهلها، ماشطة بنت فرعون وآمنت بموسى ﵇، فمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتان، وهي ثابتة على إيمانها بالله.
وقال صاعد اللغوي (١) في كتاب طبقات الأمم: إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأوّل الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية، والحركات النجومية، وهو أوّل من ابتنى الهياكل، ومجد اللّه فيها، وأوّل من نظر في علم الطب، وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية والسماوية، وقالوا: إنه أوّل من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء، والنار فخاف ذهاب العلم، واندراس الصنائع فبنى الأهرام، والبرابي (٢) التي في صعيد مصر الأعلى، وصوّر فيها جميع الصنائع، والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصا على تخليدها لمن بعده، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم، وهرمس هذا هو: إدريس ﵇.
وقال أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن الفرات في أخبار مصر: إن الخضر جاز البحر مع موسى ﵇، وكان مقدّما عنده، وكان بمصر من الحكماء جماعة ممن عمرت الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم، وكان من علومهم علم الطب، وعلم النجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وعلم الطلسمات، ويقال: كانت مصر في الزمن الأوّل يسير إليها طلاب العلوم لتزكو عقولهم، وتجود أذهانهم ويتميز عندهم الذكاء وتدق الفطنة.
ومن فضائل مصر: أنها تمير أهل الحرمين وتوسع عليهم ومصر فرضة الدنيا يحمل خيرها إلى ما سواها، فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين واليمن والهند والصين وعمان والسند والشحر، وساحلها من جهة تنيس ودمياط والفرما فرضة بلاد الروم،
стр. 50
والإفرنج، وسواحل الشام والثغور إلى حدود العراق، وثغر إسكندرية فرضة أقريطس وصقلية وبلاد المغرب، ومن جهة الصعيد يحمل إلى بلاد الغرب والنوبة والبجة والحبشة والحجاز واليمن، وبمصر عدّة من الثغور المعدّة للرباط في سبيل اللّه تعالى وهي: البراس ورشيد والإسكندرية وذات الحمام والبحيرة واخنا ودمياط وشطا وتنيس والأشتوم والفرما والواردة والعريش وأسوان وقوص والواحات، فيغزى من هذه الثغور الروم والفرنج والبربر والنوبة والحبشة والسودان. وبمصر عدّة مشاهد وكثير من المساجد، وبها النيل، والأهرام والبرابي والأديار والكنائس وأهلها يستغنون بها عن كل بلد حتى أنه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسوره لاستغنى أهلها بما فيها عن جميع البلاد. وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته، وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر، وتعتني به وملوك النصرانية تترامى على طلبه، والنصارى كافة تعتقد تعظيمه وترى أنه لا يتم تنصر نصرانيّ إلا بوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها، وبها السقنقور ومنافعه لا تنكر وبها النمس والعرس، ولهما في أكل الثعابين فضيلة لا تنكر فقد قيل: لولا العرس والنمس لما سكنت مصر من كثرة الثعابين، وبها السمكة الرعادة ونفعها في البرء من الحمى إذا علقت على المحموم عجيب، وبمصر حطب السنط، ولا نظير له في معناه فلو وقد منه تحت قدر يوما كاملا لما بقي منه رماد، وهو مع ذلك صلب الكسر سريع الاشتعال بطيء الخمود. ويقال:
إنه أبنوس غيرته بقعة مصر فصار أحمر. وبها الأفيون عصارة الخشخاش، ولا يجهل منافعه إلا جاهل، وبها البنج وهو ثمر قدر اللوز الأخضر كان من محاسن مصر إلا أنه انقطع قبل سنة سبعمائة من الهجرة؛ وبها الأترج. قال أبو داود (١) صاحب السير في كتاب الزكاة:
شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرا، ورأيت أترجة على بعير قطعتين، وصيرت مثل عدلين.
قال المسعودي في التاريخ: والأترج المدوّر حمل من أرض الهند بعد الثلاثمائة من سني الهجرة، وزرع بعمان، ثم نقل منها إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثر في دور الناس بطرسوس، وغيرها من الثغور الشامية، وفي أنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كان يعهد ولا يعرف فعدمت منه الأراهج الحمراء الطيبة، واللون الحسن الذي كان فيه بأرض الهند لعدم ذلك الهواء والتربة وخاصية البلد. وفي مصر معدن الزمرد، ومعدن النفط والشب والبرام ومقاطع الرخام، ويقال: كان بمصر من المعادن ثلاثون معدنا؛ وأهل مصر يأكلون صيد بحر الروم، وصيد بحر اليمن طريا لأن بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم، والفرما، وذلك يوم وليلة، وهو الحاجز المذكور في القرآن قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ [النمل/ ٦١] قيل: هما بحر الروم، وبحر القلزم، وقال تعالى: ﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن/ ١٩]. قال بعض المفسرين: البرزخ ما بين القلزم والفرما.
стр. 51
ومن محاسن مصر: أنه يوجد بها في كل شهر من شهور السنة القبطية صنف من المأكول والمشموم دون ما عداه من بقية الشهور فيقال: رطب توت، ورمان بابه، وموزها تور، وسمك كيهك، وماء طوبة، وخروف امشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤنة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ومنها: أن صيفها خريف لكثرة فواكهه وشتاءها ربيع لما يكون بمصر حينئذ من القرظ والكنان.
ومن محاسنها: أن الذي ينقطع من الفواكه في سائر البلدان أيام الشتاء يوجد حينئذ بمصر. ومنها: أن أهل مصر لا يحتاجون في حرّ الصيف إلى استعمال الخيش والدخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد، ولا يحتاجون في برد الشتاء إلى لبس الفرو، والاصطلاء بالنار الذي لا يستغني عنه أهل الشام. كما أنهم أيضا في الصيف غير محتاجين إلى استعمال الثلج، ويقال: زبرجد مصر، وقباطي مصر، وحمير مصر، وثعابين مصر، ومنافعها في الدرياق جليلة.
ومن فضائل مصر: أن الرخامة التي في الحجر من الكعبة من مصر بعث بها محمد بن طريف مولى العباس بن محمد في سنة إحدى وأربعين ومائتين، مع رخامة أخرى خضراء هدية للحجر، فجعلت إحدى الرخامتين على سطح جدر الكعبة، وهما من أحسن الرخام في المسجد خضرة وكان المتولي عليهما عبد اللّه بن محمد بن داود، ذرعها ذراع وثلاث أصابع. قاله الفاكهي في أخبار مكة.
ومن فضائل مصر: أنّ رسول اللّه ﷺ تسرّى من أهلها، وولد له ﷺ من نساء مصر، ولم يولد له ولد من غير نساء العرب إلا من نساء مصر. قال ابن عبد الحكم: لما كانت سنة ست من مهاجر رسول اللّه ﷺ ؛ ورجع رسول اللّه ﷺ من الحديبية بعث إلى الملوك، فمضى حاطب بن أبي بلتعة بكتاب رسول اللّه ﷺ ، فلما انتهى إلى الإسكندرية، وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر، فركب البحر فلما حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول اللّه ﷺ بين أصبعيه، فلما رآه أمر بالكتاب فقبض وأمر به فأوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو عليّ فيسلط عليّ. فقال له حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به، ويفعل، فوجم ساعة، ثم استعادها، فأعادها عليه حاطب فسكت فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلى فانتقم اللّه به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا تعتبر بك، وإن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير فيه، وهو الإسلام الكافي لنبيه عمّا سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلى كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به.
ثم قرأ الكتاب فإذا فيه: (بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللّه إلى المقوقس
стр. 52
عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام فأسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) فلما قرأه أخذه فجعله في حق من عاج وختم عليه. وعن أبان بن صالح قال:
أرسل المقوقس (١) إلى حاطب ليلة وليس عنده أحد إلا الترجمان فقال له: ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فإني أعلم أن صاحبك قد تخيرك حين بعثك، قلت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك، قال: إلى ما يدعو محمد؟ قال: إلى أن تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصلاة. قال: فكم تصلون؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة، والدم. قال: من أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه، وغيرهم. قال: وهل يقبل قوله؟ قال: نعم، قال: صفه لي؟ قال: فوصفته بصفة من صفته، ولم آت عليها، قال: قد بقيت أشياء لم أرك ذكرتها في عينيه حمرة قلّ ما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النبوّة يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزي بالتمرات والكسر لا يبالي من لاقى من عمّ ولا ابن عمّ، قلت: هذه صفته، قال: قد كنت أعلم أن نبيا بقي وقد كنت أظنّ أن مخرجه الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب في أرض جهد، وبؤس، والقبط لا تطاوعني في أتباعه، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك وسيظهر على البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا فارجع إلى صاحبك. قال: ثم دعي كاتبا يكتب بالعربية فكتب: (لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط سلام. أما بعد:
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي وقد كنت أظن أن نبيا يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام).
وعن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: لما مضى حاطب بكتاب رسول اللّه ﷺ ؛ قبل المقوقس الكتاب، وأكرم حاطبا وأحسن نزله، ثم سرّحه إلى رسول اللّه ﷺ وأهدى له كسوة، وبغلة بسرجها، وجاريتين إحداهما أمّ إبراهيم، ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدري، فهي أمّ زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر ويقال: بل وهبها رسول اللّه ﷺ لمحمد بن مسلمة الأنصاريّ، ويقال: بل لدحية بن خليفة الكلبي، وقيل: بل لحسان بن ثابت.
стр. 53
وعن يزيد بن أبي حبيب (١): أن المقوقس لما أتاه كتاب رسول اللّه ﷺ ضمه إلى صدره، وقال: هذا زمان يخرج فيه النبيّ الذي نجد نعته وصفته في كتاب اللّه تعالى، وإنا لنجد صفته أنه لا يجمع بين أختين في ملك يمين، ولا نكاح، وأنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وأن جلساءه المساكين وإن خاتم النبوّة بين كتفيه، ثم دعا رجلا عاقلا، ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها، وهما من أهل جفن بفتح أوّله وسكون ثانيه ثم نون بعده من كورة انصنا، فبعث بهما إلى رسول اللّه ﷺ ، وأهدى له بغلة شهباء وحمارا أشهب، وثيابا من قباطي مصر، وعسلا من عسل بنها، وبعث إليه بمال صدقة.
ويقال: إن المقوقس أهدى إلى رسول اللّه ﷺ أربع جواري، وقيل: جاريتين، وبغلة اسمها الدلدل، وحمارا اسمه يعفور، وقبأ وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا من قباطي مصر، وخصيا يسمى مايور، ويقال: إنه ابن عمّ مارية، وفرسا يقال له: الكرّار، وقدحا من زجاج، وعسلا من عسل بنها، فأعجب النبيّ ﷺ ، ودعا فيه بالبركة، وقال: ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه، فإن المقوقس قال خيرا وأكرم حاطب ابن أبي بلتعة وقارب الأمر ولم يسلم.
وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الواقديّ: أنبأنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبيّ ﷺ في سنة سبع من الهجرة، مارية وأختها سيرين، وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا، وبغلته الدلدل، وحماره عفيرا، وخصيا يقال له: مابور فعرض حاطب على مارية الإسلام فأسلمت هي وأختها، ثم أسلم الخصي بعد وكان الذي بعثه المقوقس، مع مارية اسمه جبرين بن عبد اللّه القبطي. مولى بني عفار. قال ابن عبد الحكم: وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه وينظر إلى ظهره هل يرى شامة كبيرة ذات شعر ففعل ذلك الرسول، فلما قدم على رسول اللّه ﷺ قدّم إليه الأختين والدابتين، والعسل والثياب، وأعلمه أن ذلك كله هدية، فقبل رسول اللّه ﷺ الهدية، وكان لا يردّها من أحد من الناس. قال: فلما نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى فقال:
«اللهم اختر لنبيك»، فاختار اللّه له مارية. وذلك أنه لما قال لهما: «اشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا عبده ورسوله»، فبادرت مارية فشهدت وآمنت قبل أختها، ومكثت أختها ساعة، ثم تشهدت وآمنت، فوهب رسول اللّه ﷺ أختها لمحمد (٢) بن مسلمة الأنصاريّ، وقال
стр. 54
بعضهم: بل وهبها لدحية (١) بن خليفة الكلبيّ.
وعن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شامة المهري عن عبد اللّه بن عمر قال:
دخل رسول اللّه ﷺ على أمّ إبراهيم أمّ ولده القبطية، فوجد عندها نسيبا لها كان قدم معها من مصر، وكان كثيرا ما يدخل عليها، فوقع في نفسه شيء فرجع، فلقيه عمر بن الخطاب ﵁، فعرف ذلك في وجهه، فسأله فأخبره، فأخذ عمر السيف، ثم دخل على مارية وقريبها عندها، فأهوى إليه بالسيف فلما رأى ذلك كشف عن نفسه، وكان مجبوبا ليس بين رجليه شيء. فلما رآه عمر رجع إلى رسول اللّه ﷺ ، فأخبره فقال رسول اللّه ﷺ : «إن جبريل أتاني فأخبرني أن اللّه قد برّأها وقريبها وإن في بطنها غلاما مني وأنه أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم».
وقال الزهري عن أنس: لما ولدت أمّ إبراهيم إبراهيم كأنه وقع في نفس النبيّ ﷺ منه شيء حتى جاءه جبريل، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، ويقال: إن المقوقس بعث معها بخصيّ كان يأوي إليها، وقيل: إن المقوقس أهدى لرسول اللّه ﷺ جواري منهنّ أمّ إبراهيم وواحدة وهبها رسول اللّه ﷺ لأبي جهم بن حذيفة وواحدة وهبها لحسان بن ثابت فولدت مارية لرسول اللّه ﷺ إبراهيم. وكان أحب الناس إليه حتى مات فوجد به وكان سنه يوم مات ستة عشر شهرا، وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه وسمى البغلة الدلدل، وسمى الحمار يعفورا، وأعجبه العسل، فدعا في عسل بنها بالبركة، وبقيت تلك الثياب حتى كفن في بعضها ﷺ ، وكان اسم أخت مارية قيصر، وقيل: بل كان اسمها سيرين، وقيل: حمنة.
وكلم الحسن بن عليّ معاوية بن أبي سفيان في أن يضع الجزية عن جميع قرية أمّ إبراهيم لحرمتها ففعل، ووضع الخراج عنهم فلم يكن على أحد منهم خراج، وكان جميع أهل القرية من أهلها وأقربائها فانقطعوا. ويروى عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: «لو بقي إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية»، وماتت مارية في محرّم سنة خمس عشرة بالمدينة.
وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، وابن لهيعة عن عقيل عن الزهريّ عن يعقوب بن عبد اللّه بن المغيرة بن الأخفش عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ قال: «دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها، ثم دخل الشام فطردوه حتى دخل جبل شاق، ثم دخل مصر فباض فيها وفرّخ وبسط عبقريه» حديث صحيح غريب، وقد عاب بعضهم مصر فقال:
محاسنها مجلوبة إليها حتى العناصر الأربعة؛ الماء وهو في النيل مجلوب من الجنوب، والتراب مجلوب في حمل الماء، وإلا فهي رمل محض لا تنبت الزرع، والنار لا يوجد بها شجرها، والهواء لا يهب بها إلا من أحد البحرين، إما من الروميّ، وإما من القلزم، وقد
стр. 55
زاد هذا في تحامله. وقال كعب الأحبار: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة والكوفة آمنة من الخراب حتى تكون الملحمة.
ذكر العجائب التي كانت بمصر من الطلسمات والبرابي ونحو ذلك
ذكر في كتاب عجائب الحكايات وغرائب الماجزيات أنه كان بمصر حجر من جمع كفيه عليه تقيأ جميع ما في جوده. قال القضاعي: ذكر الجاحظ وغيره: أنّ عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة منها بسائر الدنيا عشر أعجوبات، وهي مسجد دمشق، وكنيسة الرّها، وقنطرة سنجر، وقصر غمدان، وكنيسة رومية، وصنم الزيتون، وإيوان كسرى بالمدائن، وبيت الريح بتدمر، والخورنق، والسدير بالحيرة، والثلاثة الأحجار ببعلبك، وذكر أنها بيت المشتري والزهرة، وأنه كان لكل كوكب من السبعة بيت فيها، فتهدّمت.
(ومنها بمصر عشرون أعجوبة) فمن ذلك الهرمان، وهما أطول بناء وأعجبه ليس على وجه الدنيا بناء باليد حجر على حجر أطول منهما، وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان، ولذلك قال بعض من رآهما: ليس من شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمين فإني لأرحم الدهر منهما.
ومن ذلك صنم الهرمين، وهو بلهوية ويقال بلهيت (١) ويقال: إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على إبليز الجيزة.
ومن ذلك بربا سمنود، وهو من أعاجيبها وذكر عن أبي عمرو الكنديّ أنه قال: رأيته وقد خزن فيه بعض عمالها قرظا فرأيت الجمل إذا دناه من بابه بحمله وأراد أن يدخله سقط كل دبيب في القرظ لم يدخل منه شيء إلى البربا، ثم خرب عند الخمسين والثلاثمائة.
ومن ذلك: بربا اخميم عجب من العجائب بما فيه من الصور، وأعاجيب وصور الملوك الذين يملكون مصر، وكان ذو النون الإخميمي يقرأ البرابي، فرأى فيها حكما عظيمة فأفسد أكثرها.
ومن ذلك بربا دندره، وهو بربا عجيب فيه ثمانون ومائة كوّة تدخل الشمس كل يوم من كوّة منها، ثم الثانية حتى تنتهي إلى آخرها، ثم تكرّر راجعة إلى موضع بدائها.
ومن ذلك حائط العجوز من العريش إلى أسوان يحيط بأرض مصر شرقا وغربا.
ومن ذلك الإسكندرية وما فيها من العجائب فمن عجائبها المنارة، والسواري، والمعلب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة، ثم يرمون بكرة فلا تقع في حجر أحد
стр. 56
إلا ملك مصر، وحضر عيدا من أعيادهم عمرو بن العاص، فوقعت الكرة في حجره فملك البلد بعد ذلك في الإسلام، ثم يحضر هذا الملعب ألف ألف من الناس فلا يكون فيهم أحد إلا وهو ينظر في وجه صاحبه، ثم إن قرئ كتاب سمعوه جميعا أو لعب نوع من أنواع اللعب رأوه عن آخرهم لا يتطاولون فيه بأكثر من المراتب العلية والسفلية.
ومن عجائبها: المسلتان وهما: جبلان قائمان على سرطانات نجاس في أركانها كل ركن على سرطان، فلو أراد مريد أن يدخل تحتها شيئا حتى يعبره من جانبه الآخر لفعل.
ومن عجائبها: عمودا الأعيا، وهما عمودان ملقيان وراء كل عمود منهما جبل حصبا كصبر الجمار بمنى يقبل المعنى التعب النصب بسبع حصيات حتى يلتقي على أحدهما، ثم يرمي وراءه السبع، ويقوم ولا يلتفت ويمضي لطيته فكأنما يحمل حملا لا يحس بشيء من تعبه.
ومن عجائبها: القبة الخضراء وهي: أعجب قبة ملبسة نحاسا كأنه الذهب الإبريز لا يبليه القدم ولا يخلقه الدهر.
ومن عجائبها: منية عقبة وقصر فارس وكنيسة أسفل الأرض، ثم هي مدينة على مدينة ليس على وجه الأرض مدينة بهذه الصفة سواها، ويقال: إنها إرم ذات العماد؛ سميت بذلك لأن عمدها ورخامها من البدنجنا والاصطنيدس المخطط طولا وعرضا.
ومن عجائب مصر أيضا: الجبال التي هي بصعيدها على نيلها وهي ثلاثة أجبل؛ فمنها جبل الكهف، ويقال: الكف، ومنها الطبلمون، ومنها جبل زماجيز الساحرة. يقال: إن فيه حلقة من الجبل ظاهرة مشرفة على النيل لا يصل إليها أحد يلوح فيها خط مخلوق باسمك اللهم.
ومن عجائبها: شعب (١) البوقيرات بناحية اشمون من أرض الصعيد، وهو شعب في جبل فيه صدع تأتيه البوقيرات في يوم من السنة كان معروفا فتعرض أنفسها على الصدع فكلما أدخل بوقير منها منقاره في الصدع مضى لسبيله، فلا يزال يفعل ذلك حتى يلتقي الصدع على بوقير منها، فتحبسه وتمضي كلها ولا يزال ذلك الذي يحبسه متعلقا حتى يتساقط ويتلاشى.
ومن عجائبها: عين شمس وهي هيكل الشمس وبها العمودان اللذان لم ير أعجب
стр. 57
منهما، ولا من شأنهما. طولهما في السماء نحو من خمسين ذراعا، وهما محمولان على وجه الأرض وفيهما صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين من نحاس، فإذا جاء النيل قطر من رأسهما ماء وتستبينه وتراه منهما واضحا ينبع حتى يجري في أسفلهما فينبت في أصلهما العوسج، وغيره، وإذا حلت الشمس دقيقة من الجدي وهو أقصر يوم في السنة انتهت إلى الجنوبيّ منها فطلعت عليه على قمة رأسه وهي منتهى الميلين، وخط الاستواء في الواسطة منهما، ثم خطرت بينهما ذاهبة وجاثية سائر السنة كذا يقول أهل العلم بذلك.
ومن عجائبها: منف، وعجائبها وأصنامها وأبنيتها ودفائنها وكنوزها، وما يذكر فيها أكثر من أن يحصى من آثار الملوك والحكماء، والأنبياء لا يدفع ذلك.
ومن عجائبها: الفرما وهي أكثر عجائبا وأكثر آثارا.
ومن عجائبها: الفيوم.
ومن عجائبها: نيلها. ومن عجائبها: الحجر المعروف بحجر الخل يطفو على الخل، ويسبح فيه كأنه سمكة وكان يوجد بها حجر، إذا أمسكه الإنسان بكلتا يديه تقيأ كل شيء في بطنه، وكان بها خرزة، تجعلها المرأة على حقوها فلا تحبل وكان بها حجر؛ يوضع على حرف التنور فيتساقط خبزه، وكان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تكسر فتتقد كالمصابيح.
ومن عجائبها: حوض كان بدلالات تدور من حجارة يركب فيها الواحد والأربعة، ويحرّكون الماء بشيء فيعبرون من جانب إلى جانب لا يعلم من عمله، فأخذه كافور الإخشيديّ إلى مصر فنظر إليه، ثم أخرج من الماء فألقي في البرّ وكان في أسفله كتابة لا يدري ما هي ثم بطل.
ومن عجائبها: أن بصعيدها ضيعة تعرف بدشنى، فيها سنطة إذا تهدّدت بالقطع تدبل، وتجتمع وتضمر فيقال لها: قد عفونا عنك، وتركناك فتتراجع، والمشهور وهو الموجود الآن سنطة في الصعيد إذا نزلت اليد عليها دبلت، وإذا رفعت عنها تراجعت وقد حملت إلى مصر، وشوهدت. وبها نوع من الخشب يرسب في الماء كالأبنوس وبها الخشب السنط الذي يوقد منه القدر الكثير في الزمن الطويل فلا يوجد له رماد.
وذكر ابن نصر المصري: أنه كان على باب القصر الكبير الذي يقال له باب الريحان عند الكنيسة المعلقة صنم من نحاس على خلقة الجمل، وعليه رجل راكب عليه عمامة منتكب قوسا عربية، وفي رجليه نعلان كانت الروم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم، واعتدى بعضهم على بعض تجاروا إليه حتى يقفوا بين يدي ذلك الجمل، فيقول المظلوم للظالم: انصفني قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل، فيأخذ الحق لي منك شئت أم أبيت يعنون بالراكب النبيّ محمدا ﷺ .
стр. 58
فلما قدم عمرو بن العاص غيبت الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم. قال ابن لهيعة: بلغني أن تلك الصورة في ذلك الموضع قد أتى الآن عليها سنين لا يدرى من عملها.
قال القضاعيّ: فهذه عشرون أعجوبة من جملتها ما يتضمن عدّة عجائب، فلو بسطت لجاء منها عدد كثير، ويقال: ليس من بلد فيه شيء غريب إلا وفي مصر مثله أو شبيه به. ثم تفضل مصر على البلدان بعجائبها التي ليست في بلد سواها.
وفي كتاب تحفة الألباب: أنه كان بمصر بيت تحت الأرض فيه رهبان من النصارى، وفي البيت سرير صغير من خشب تحت صبيّ ميت ملفوف في نطع أديم مشدود بحبل، وعلى السرير مثل الباطية فيها أنبوب من نحاس فيه فتيل إذا اشتعل الفتيل بالنار وصار سراجا خرج من ذلك الأنبوب الزيت الصافي الحسن الفائق حتى تمتلئ تلك الباطية، وينطفي السراج بكثرة الزيت فإذا انطفأ لم يخرج من الدهن شيء، فإذا خرج الصبي الميت من تحت السرير لم يخرج من الزيت شيء والباطية يريقها الإنسان فلا يرى تحتها شيئا، ولا موضعا فيه ثقب، وأولئك الرهبان يتعيشون من ذلك الزيت يشتريه الناس منهم فينتفعون به.
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف (١) شاه: عديم الملك ابن تقطريم كان جبارا لا يطاق عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون، وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء، وكانا في بئر يقال له افتارة، وكانا يعلمان أهل مصر السحر.
وكان يقال: إن الملك عديم بن البودشير استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى بابل، وأهل مصر من القبط يقولون: إنهم شيطانان يقال لهما: مهلة وبهالة، وليس هما الملكين والملكان ببابل في بئر هناك يغشاها السحرة إلى أن تقوم الساعة. ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام وقال قوم: كان الشيطان يظهر وينصبها لهم. وقال قوم: أوّل من نصبها بدوره وأوّل صنم أقامه صنم الشمس، وقال آخرون: بل النمرود الأوّل أمر الملوك بنصبها، وعبادتها وعديم أول من صلب، وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات، وكان لها زوج من أصحاب الملك، فأمر بصلبهما على منارين، وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر الآخر وزبر على المنارين اسمهما وما فعلاه، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزنى وبنى أربع مداين، وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطلسمات، وكنز فيها كنوزا كثيرة وعمل في الشرق منارا وأقام على رأسه صنما موجها إلى الشرق مادّا يديه يمنع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حدّه، وزبر في صدره تاريخ الوقت
стр. 59
الذي نصبه فيه ويقال: إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا. ولولا هذا لغلب الماء الملح من البحر الشرقيّ على أرض مصر وعمل على النيل قنطرة في أول بلد النوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجهة إلى أربع جهات الدنيا في يدي كل واحد من الأصنام حربتان يضرب بهما إذا أتاهم آت من تلك الجهة فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى ﵇، وعمل البربا على باب النوبة، وهو هناك إلى وقتنا هذا، وعمل في إحدى المدائن الأربع التي ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوء ماء لا ينقص طول الدهر، ولا يتغيّر ماؤه لأنه اجتلب إليه من رطوبة الهواء، وكان أهل تلك الناحية، وأهل تلك المدينة يشربون منه ولا ينقص ماؤه، وعمل ذلك لبعدهم عن النيل.
وذكر بعض كهنة القبط أن ذلك الماء ثم لقربه من البحر الملح فإن الشمس ترفع بحرّها بخار البحر فينحصر من ذلك البخار جزء بالهندسة، أو بالسحر، وتجعله ينحط ذلك في ذلك الموضع بالجوهر مثل الظل، وتمدّه بالهواء فلا ينقص بذلك ماؤه على الدهر، ولو شرب منه العالم وعمل قدحا لطيفا على مثل هذا العمل، وأهداه حوميل الملك إلى إسكندر اليوناني وملكهم عديم مائة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبعمائة وثلاثين سنة، ودفن في إحدى المدائن ذات العجائب وقيل: في صحراء قفط.
وذكر بعض القبط أن ناووس عديم عمل في صحراء قفط على وجه الأرض تحت قبة عظيمة من زجاج أخضر برّاق معقود على رأسها كرة من ذهب عليها طائر من ذهب موشح بجوهر منشور الجناحين يمنع من الدخول إلى القبة، وكان قطرهما مائة ذراع في مثلها وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبك، وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بالذهب المغروز بالجوهر المنظوم، وطول القبة أربعون ذراعا، وجعل في القبة مائة وسبعين مصحفا من مصاحف الحكمة وسبع موائد بأوانيها. منها مائدة من درّ رماني أحمر وأوانيها منها ومائدة من ذهب قلموني أوانيها منها، ومائدة من حجر الشمس المضيء بآنيتها وهو الزبرجد الذي إذا نظرت إليه الأفاعي سالت أعينها ومادة من كبريت أحمر مدبر بآنيتها، ومائدة من ملح أبيض مدبر برّاق بآنيتها ومائدة من زئبق معقود وجعل في القبة جواهر كثيرة وبرابي صنعة مدبرة، وحوله سبعة أسياف، وأتراس من حديد أبيض مدبر، وتماثيل أفراس من ذهب عليها سروج من ذهب، وسبعة توابيت من دنانير عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية في برابي من حجارة، وقد ذكر من رأى هذه القبة أنهم أقاموا أياما فما قدروا على الوصول إليها وأنهم إذا قصدوها، وكانوا منها على ثمانية أذرع دارت القبة عن أيمانهم أو عن شمائلهم.
ومن أعجب ما ذكروه أنهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا (١) أزجا فلا يرون غير الصورة
стр. 60
التي يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنهم رأوا وجه الملك قدر ذراع ونصف بالكبير ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدّروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة، وذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم خرجوا لحاجة، فوجدوها اتفاقا. وأنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا أحدا يعرفها سوى شيخ منهم.
وأوصى عديم الملك ابنه شداب بن عديم أن ينصب في كل حيز من أحياز ولايته منارا، ويزبر عليه اسمه فانحدر إلى الأشمونين، وعمل مناراتها وزبر عليها اسمه، وعمل بها ملاعب وعمل في صحرائها منارا أقام عليه صنما برأسين على اسم كوكبين كانا مقترنين في الوقت الذي خرج فيه إلى اتريب وبنى فيها قبة عظيمة مرتفعة على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وعلى رأسها صنما صغيرا من ذهب، وعمل هيكلا للكواكب، ومضى إلى حيز صا فعمل فيه منارا على رأسه مرآة من أخلاط تورى الأقاليم، ورجع وعمل شداب بن عديم هيكل ارمنت. وأقام فيه أصناما بأسماء الكواكب من جميع المعادن وزينه بأحسن الزينة، ونقشه بالجواهر والزجاج الملوّن وكساه الوشي والديباج، وعمل في المدائن الداخلة من أنصنا هيكلا وأقام فيه باتريب، وهيكلا شرقيّ الإسكندرية، وأقام صنما من صوّان أسود باسم زحل على عبرة النيل من الجانب الغربيّ وبنى في الجانب الشرقيّ مداين في إحداها صورة صنم قائم، وله إحليل إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر ذكره فمسحه بكلتي يديه انتشر ذكره، وقوي على الباه وفي إحداها بقرة، لها ضرعان كبيران إذا انعقد لبن امرأة أتتها ومسحتها بيديها فإنه يدر لبنها، وجمع التماسيح بطلسم عمله بناحية أسيوط، فكانت تنصب من النيل إلى اخميم انصبابا فيقتلها ويستعملها جلودا في السفن وغيرها.
وعمل منقاوس الملك بيتا تدور به تماثيل بجميع العلل، وكتب على رأس كل تمثال ما يصلح من العلاج، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك وعمل صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همه ونسيه فكان الناس يتناوبونها، ويطوفون حولها ثم عبدوها من جملة ما عبدوه بعد ذلك.
وعمل تمثالا من صفر مذهب بجناحين لا يمرّ به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده، وكان الناس يمتحنون به الزناة فامتنعوا من الزنا فرقا منه. فلما ملك كلكن عشقت حظية عنده رجلا من خدمه، وخافت أن تمتحن بذلك الصنم. فأخذت في ذكر الزواني مع الملك وأكثرت من سبهنّ وذمّهنّ فذكر كلكن ذلك الصنم، وما فيه من المنافع. فقالت: صدق الملك غير أن منقاوس لم يصب في أمره لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لإصلاح العامة دون نفسه، وكان حكم هذا أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه فإن اقترفت إحداهنّ ذنبا علم بها فيكون رادعا لهنّ متى عرض بقلوبهنّ شيء من الشهوة فقال:
стр. 61
كلكن صدقت، وظنّ أن هذا منها نصح، فأمر بنزع الصنم من موضعه ونقله إلى داره، فبطل عمله وعملت المرأة ما كانت همت به.
وبنى هيكلا على جبل القصير للسحرة، فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلا بضريبة يأخذونها منهم للملك.
وبنى مناوس بن منقاوس في صحراء الغرب مدينة بالقرب من مدينة السحرة تعرف:
بقنطرة ذات عجائب، وجعل بوسطها قبة عليها كالسحابة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبة مطهرة فيها ماء أخضر يداوي به من كل داء فيبريه، وعمل في شرقيها بربا لطيفا له أربعة أبواب لكل باب عضادتان في كل عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منهما صاحبه بما يحدث في يومه فمن دخل البربا على غير طهارة نفخا في وجهه فأصابه رعدة فظيعة لا تفارقه حتى يموت. وكانوا يقولون: إن في وسطه مهبط النور في صورة العمود من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شيء من الروحانية وسمع كلامهم، ورأى ما يعملون، وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علم من العلوم. فمن أحب معرفة ذلك العلم أتى تلك الصورة، فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره فيثبت ذلك العلم في صدره. ويقال: إن هاتين المدينتين بنيتا على اسم هرمس، وهو عطارد وأنهما بحالهما (وحكي عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو أمير مصر، فعرّفه أنه تاه في صحراء الشرق، فوقع على مدينة خراب فيها شجرة تحمل كل صنف من الفاكهة، وأنه أكل منها وتزوّد فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتي هرمس، وفيها كنوز كثيرة فوجه عبد العزيز معه جماعة معهم ماء وزاد، فأقاموا يطوفون تلك الصحاري شهرا فلم يقفوا لها على أثر.
وعملت أم ميلاطس الملك بركة عظيمة في صحراء الغرب، وجعلت في وسطها عمودا طوله ثلاثون ذراعا، وفي أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فلا ينقص أبدا.
وجعلت حول البركة أصناما من حجارة ملونة على صور الحيوانات من الوحش، والطير والبهائم، فكان كل جنس يأتي إلى صورته ويألفها فيؤخذ باليد وينتفع به.
وعملت لابنها منتزها لأنه كان يحب الصيد، فجعلت فيه مجالس مركبة على أساطين من مرمر مصفّح بالذهب مرصع بالجوهر، والزجاج الملوّن وزخرفته بالتصاوير العجيبة، والنقوش فكان الماء يطلع من فوّارات وينصب إلى أنهار قد صفحت بالفضة تجري إلى حدائق فيها بديع الفروشات، وقد أقيم حولها تماثيل تصفر بأنواع اللغات، وأرخت على المجلس ستورا من ديباج، واختارت لابنها من حسان بنات عمه وبنات الملوك وزوجته وحولته إلى هذه الجنة وبنت حول الجنة مجالس للوزراء، والكهنة، وأشراف أهل الصناعات، فكانوا يرفعون إليه جميع ما يعملونه، فإذا فرغوا من أعمالهم حمل إليهم الطعام
стр. 62
والشراب، وكان ميلاطس تقلد الملك بعد أبيه مرقوه وهو صبيّ وكانت أمه مدبرة الملك، وهي حازمة مجرّبة فأجرت الأمور على ما كانت عليه في حياة أبيه وأحسنت وعدلت في الرعية ووضعت عنهم بعض الخراج، وكانت أيامه سعيدة كلها في الخصب الكثير والسعة للناس والعدل، وكان له يوم يخرج فيه إلى الصيد، ويرجع إلى جنته فيأمر لكل من معه بالجوائز والأطعمة ويجلس للنظر يوما في مصالح الناس وقضاء حوائجهم ويخلو يوما بنسائه. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة، وجدّر فمات.
وعمل فرسون بن قيلمون بن أتريب منارا على بحر القلزم، وعلى رأسه مرآة تجتذب بها المراكب إلى شاطئ البحر فلا يمكنها أن تبرح إلا أن تعشر فإذا عشرت سترت المرآة حتى تجوز المراكب، وأقام فرسون مائتي سنة وستين سنة؛ وعمل لنفسه ناووسا خلف الجبل الأسود الشرقي في وسطه قبة حولها اثنا عشر بيتا في كل بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى، وزبر عليها اسمه ومدة ملكه.
وكا مرقونس الملك حكيما محبا للنجوم، والعلوم والحكمة، فعمل في أيامه درهما إذا ابتاع به صاحبه شيئا اشترط أن يزن له ما يبتاعه منه بوزن الدرهم، ولا يطلب عليه زيادة فيغترّ البائع بذلك ويقبل الشرط فإذا تم ذلك بينهما وقع في وزن الدرهم أرطال كثيرة تساوي عشرة أضعافه، وكان إذا أحب أن يدخل في وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل، وقد وجد هذا الدرهم في كنوزهم ثم في خزائن بني أمية وكان الناس يتعجبون منه ووجدوا دراهم أخر، قيل: إنها عملت في وقته أيضا فيكون الدرهم منها في ميزان الرجل فإذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ ذلك الدرهم، وقبله وقال: اذكر العهد وابتاع به ما أراد فإذا أخذ السلعة ومضى إلى بيته وجد الدرهم قد سبقه إلى منزله، ويجد البائع موضع ذلك الدرهم، ورقة آس أو قرطاسا أو مثل ذلك بدور الدرهم، وفي وقته عملت الآنية الزجاج التي توزن فإذا ملئت ماء أو غيره، ثم وزنت لم تزد عن وزنها الأوّل شيئا وعمل في وقته الآنية التي إذا جعل فيها الماء صار خمرا في لونه ورائحته وفعله، وقد وجد من هذه الآنية باطفيح في أمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون شربة جزع بعروة زرقاء ببياض، وكان الذي وجدها أبو الحسن الصائغ الخراساني هو ونفر معه، فأكلوا على شاطئ النيل وشربوا بها الماء فوجدوه خمرا سكروا منه وقاموا ليرقصوا فوقعت الشربة، فانكسرت عدّة قطع؛ فاغتم الرجل وجاء بها إلى هارون فأسف عليها، وقال: لو كانت صحيحة لاشتريتها ببعض ملكي.
وأما الآنية النحاسية التي تجعل الماء خمرا، فإنها منسوبة إلى قلوبطرة (١) بنت بطليموس ملكة الإسكندرية فكثير، وفي وقته عملت الصور الحيثمية من الضفادع والخنافس
стр. 63
والذباب والعقارب وسائر الحشرات، وكانت إذا جعلت في موضع اجتمع إليها ذلك الجنس، ولا يقدر على مفارقة تلك الصورة حتى يقتل، وكأنه يعمل أعماله كلها بصور درج الفلك وأسمائها، وطوالعها فيتم له من ذلك ما يريده.
وعمل في صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملوّن في وسطه قبة من زجاج أخضر صافي اللون. فإذا طلعت عليه الشمس ألقت شعاعها على مواضع بعيدة وعمل في جوانبه الأربعة أربعة مجالس عالية من زجاج كل مجلس لون ونقش عليها بغير لونها طلسمات عجيبة، ونقوشات غريبة وصورا بديعة كل ذلك من زجاج مطلق يشف، وكان يقيم في هذا الملعب الأيام وعمل له ثلاثة أعياد في كل سنة. فكان الناس يحجون إليه في كل عيد ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة أيام، ولم يزل هذا الملعب تقصده الأمم فإنه لم يكن له نظير، ولا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لعجزه عن عمل مثله.
وكانت أم مرقونس ابنة ملك النوبة وكان أبوها يعبد الكوكب الذي يقال له السها ويسميه إلها. سألت ابنها أن يعمل لها هيكلا يفردها به، فعمله وصفحه بالذهب والفضة، وأقام فيه صنما وأرخى عليه الستور الحرير، فكانت تدخل إليه بجواريها وحشمها وتسجد له في كل يوم ثلاث مرّات، وعملت لكل شهر عيدا تقرّب له قرابين وتبخره ليله ونهاره، ونصبت له كاهنا من النوبة يقوم به ويقرّب له ويبخره، ولم تزل بابنها حتى سجد له، ودعي إلى عبادته. فلما رأى الكاهن الأمر في عبادة الكواكب قد تم وأحكم من جهة الملك أحب أن يكون لكوكب السّها مثالا في الأرض على صورة حيوان يتعبد له، فأقام بعمل الحيلة في ذلك إلى أن اتفق أن العقبان كثرت بمصر، وأضرّت بالناس فأحضر الملك هذا الكاهن وسأله عن سبب كثرتها، فقال: إن إلهك أرسلها لتعمل لها نظيرا ليسجد له.
فقال مرقونس: إن كان يرضيه ذلك، فأنا فاعله. فقال: إن ذلك رضاه، فأمر بعمل عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك وعمل عينيه من ياقوتتين، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر أخضر، وفي منقاره درة معلقة وسرو له بالدرّ الأحمر، وأقامه على قاعدة من فضة منقوشة قد ركبت على قائمة زجاج أزرق، وجعله في أزج عن يمين الهيكل، وألقى عليه ستور الحرير وجعل له دخنة من جميع الأفاويه والصموغ وقرّب له عجلا أسود، وبكارة الفراريج، وباكورة الفواكه والرياحين. فلما تمت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود إليه؛ فأجابه الناس، ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادة العقاب وعمل له عيدا. فلما تم لذلك أربعون يوما نطق الشيطان من جوفه. وكان أوّل ما دعاهم إليه أن ينجز له في إنصاف الشهور بالمندل، ويرش الهيكل بالخمر العتيقة التي تؤخذ من رؤوس الخوابي، وعرّفهم أنه قد أزال عنهم العقبان وضررها، وكذلك يفعل في غيرها مما يخافون. فسرّ الكاهن بذلك، وتوجه إلى أمّ الملك يعرّفها ذلك، فسارت إلى الهيكل
стр. 64
وسمعت كلام العقاب فسرّها ذلك وأعظمته. وبلغ الملك فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه فسجد له، وأقام له سدنة وأمر أن يزين بأصناف الزينة، وكان مرقونس يقوم بهذا الهيكل ويسجد لتلك الصورة، ويسألها عما يريد فتخبره. وعمل من الكيمياء ما لم يعمله أحد من الملوك فيقال: إنه دفن في صحراء الغرب خمسمائة دفين؛ ويقال: إنه عمل على باب مدينة صا عمودا عليه صنم في صورة امرأة جالسة وفي يدها مرآة تنظر إليها، وكان العليل يأتي إلى هذه المرأة وينظر فيها أو ينظر له أحد فيها فإن كان يموت من علته تلك رؤي ميّتا وإن كان يعيش رآه حيا، وينظر فيها أيضا للمسافر فإن رأوه مقبلا بوجهه علموا أنه راجع، وإن رأوه موليا علموا أنه يتمادى في سفره، وإن كان مريضا أو ميتا رأوه كذلك في المرآة.
وعمل بالإسكندرية صورة راهب جالس على قاعدة وعلى رأسه كالبرنس وفي يده كالعكاز فإذا مرّ به تاجر جعل بين يديه شيئا من المال على قدر بضاعته فإن تجاوزه ولو عن بعد من غير أن يضع بين يديه المال لم يقدر على الجواز وثبت قائما مكانه فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرّق في الزمنى، والضعفاء والفقراء.
وعمل في زمنه كل أعجوبة ظريفة وأمر أن يزبر اسمه عليها وعلى كل علم وكل طلسم وكل صنم.
وعمل لنفسه ناووسا (١) في داخل الأرض عند جبل يقال له: سدام وعمل تحته أزجا يقال: إن طوله مائة ذراع وارتفاعه ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا، وصفحه بالمرمر، والزجاج الملوّن وسقفه بالحجارة، وعمل فيها دائرة مساطب مبلطة بزجاج على كل مسطبة أعجوبة وفي وسط الأزج دكة من زجاج على كل ركن من أركانها صورة تمنع الدنوّ إليها وبين كل صورتين منارة عليها حجر مضيء وفي وسط الدكة حوض من ذهب فيه جسده بعدما ضمده بالأدوية الماسكة، ونقل إليه ذخائره من الذهب والجوهر وغيره، وسدّ باب الأزج بالصخور والرصاص، وهيل عليها الرمال وكان ملكه ثلاثا وسبعين سنة وعمره مائتين وأربعين سنة، وكان جميلا ذا وفرة حسنة، فتنسكت نساؤه ولزمن الهيكل من بعده. وملك بعده ابنه إيساد، ثم صا بن إيساد. وقيل: صا بن مرقونس أخو إيساد فعمل مرآة في مدينة منف تري الأوقات التي تخصب فيها مصر وتجدب وبنى بداخل الواحات مدينة، ونصب قرب البحر أعلاما كثيرة.
وعمل خلف المقطم صنما يقال له: صنم الحيلة، فكان كل من تعذر عليه أمر يأتيه ويبخره فيتيسر ذلك الأمر له، وجعل بحافة البحر الملح منارا يعلم منه أمر البحر،
стр. 65
وما يحدث فيه من أقصى ما يصل إليه البصر على مسيرة أيام. وهو أوّل من اتخذها ويقال:
إنه بنى أكثر مدينة منف وكل بنيان عظيم بالإسكندرية.
ولما ملك بدارس بن صا الأحياز كلها بعد أبيه، وصفا له ملك مصر بنى في غربي مدينة منف بيتا عظيما لكوكب الزهرة، وأقام فيه صنما عظيما من لازورد مذهب، وتوجّه بذهب يلوح بزرقة وسوّره بسوارين من زبرجد أخضر، وكان الصنم في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر. وفي رجليها خلخالان من حجر أحمر شفاف، ونعلان من ذهب وبيدها قضيب مرجان، وهي تشير بسبابتها كأنها مسلمة على من في الهيكل، وجعل بحذائها تمثال بقرة ذات قرنين، وضرعين من نحاس أحمر مموّه بذهب موشحة بحجر اللازورد، ووجّه البقرة تجاه وجه الزهرة، وبينهما مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود رخام مجزع، وفي المطهرة ماء مدبر يستنشق به من كل داء وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها في كل سبعة أيام، وجعل في الهيكل كراسي للكهنة قد صفحت بالذهب والفضة، وقرّب لهذا الصنم ألف رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف به وفرش الهيكل وستره، وجعل فيه تحت قبة صورة رجل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة في سنانها رأس إنسان معلق.
ولم يزل هذا الهيكل إلى أن هدمه بخت نصر في أيام ماليق بن تدارس، وكان موحدا على دين قبطيم ومصرايم خرج في جيش عظيم في البر والبحر فغزا البربر، وأرض إفريقية، وبلاد الأندلس وأرض الإفرنج إلى البحر، وعمل في البحر أعلا ما زبر عليها اسمه ومسيره، ورجع فهابه ملوك الأرض وكان في غربي مصر مدينة يقال لها: قرميدة بها قوم قد ملكوا عليهم امرأة ساحرة فغزاهم، فلم ينل منهم قصدا، ورجع فأرادت ملكتهم إفساد مصر، فعملت من سحرها وأمرت، فألقي في النيل ففاض الماء على المزارع حتى أفسدها وكثرت التماسيح والضفادع، وفشت الأمراض في الناس، وانبثت فيهم الثعابين والعقارب، فأحضر ماليق الكهنة والحكماء في دار حكمتهم وألزمهم بالنظر لذلك. فنظروا في نجومهم فرأوا أن هذه الآفة أتتهم من ناحية الغرب، وإنّ امرأة عملته وألقته في النيل، فعلموا حينئذ أنه من فعل تلك الساحرة، واجتهدوا في دفع ذلك بما عندهم من العلم حتى انكشف عنهم الماء الفاسد، وهلكت الدواب المضرة وجهزوا قائدا في جيش إلى المدينة فلم يجدوا بها غير رجل واحد فأخذوا من الأموال والجواهر والأصنام ما لا يحصى.
فمن ذلك صورة كاهن من زبرجد أخضر على قائمة من حجر الأسباديم، وصورة روحانيّ من ذهب رأسه من جوهر أحمر، وله جناحان من دور في يده مصحف فيه كثير من علومهم في دفتين مرصعتين بجوهر، ومطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة زجاج أخضر فيها ماء لدفع الأسقام، وفرس من فضة إذا عزم عليه بعزائمه ودخن بدخنته وركبه أحد طار به
стр. 66
فأحضر ذلك وغيره من عجائب السحرة وأصنامهم والأموال والجواهر إلى مصر، ومعهم الرجل، فسأله الملك عن أعجب أعمالهم قال: قصدهم بعض ملوك البربر بجمع كثيف، وتخاييل هائلة. فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ولجوا إلى الأصنام، فأتى الكاهن إلى بركة عظيمة بعيدة القعر كانوا يشربون منها، فجلس على حافتها وأحاط رؤساء الكهنة بها. وأخذ يزمزم على الماء حتى فار وخرج من وسطه نار في وسطها وجه كدارة الشمس لها ضوء فخرّ الجماعة لها سجودا، وتلك الصورة تعظم حتى صعدت وخرقت القبة، وسمع منها قد كفيتم شرّ عدوّكم، فقاموا وإذا بعدوّهم قد هلك وسائر من معه وذلك أن صورة الشمس التي ظهرت من الماء مرّت فصاحت عليهم صيحة هلكوا بها.
ولما ملك كلكن مصر بعد أبيه خريبا؛ كان النمرود في وقته، فاتصل بنمرود خبر حكمته وسحره فاستزاره، ووجه إليه أن يلقاه، وكان النمرود يسكن سواد العراق وغلب على كثير من الأمم فأقبل كلكن على أربعة أفراس تحمله لها أجنحة قد أحاطب به كالنار، وحوله صور هائلة؛ فدخل بها وهو متوشح بثعبان ومحزم ببعضه وذلك التنين فأغرفاه، ومعه قضيب آس أخضر كلما حرّك التنين رأسه ضربه بالقضيب، فلما رأى النمرود ذلك هاله، واعترف له بجليل الحكم.
وتقول القبط: إن كلكن كان يرتفع فيجلس على الهرم الغربيّ في قبة تلوح على رأسه، وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم، ويقولون: إنه ربما أقام على رأس الهرم أياما لا يأكل ولا يشرب، ثم إنه استتر مدّة حتى توهموا أنه هلك فطمع الملوك في مصر.
وقصدها ملك من المغرب. يقال له: سادوم في جيش عظيم إلى أن بلغ وادي هيبب، فأقبل كلكن وجللهم من سحره بشيء كالغمام شديد الحرارة، وهم تحته أياما لا يدرون أين يتوجهون، ثم ارتفع وصار بمصر يعرّفهم ما عمل وأمرهم، فخرجوا. فإذا بالقوم ودوابهم قد ماتوا فهابه جميع الكهنة وصوّروه في سائر الهياكل وبنى هيكلا لزحل من صوان أسود في ناحية الغرب وجعل له عيدا.
(وفي أيام دارم بن الريان) وهو الفرعون الرابع الذي يقال له عند القبط: دريموش، ظهر معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل فأثاروا منه شيئا عظيما وعمل صنما على اسم القمر لأن طالعه كان برج السرطان، ونصبه على القصر الرخام الذي بناه أبوه في شرقيّ النيل، ونصب حوله أصناما كلها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصنم عيدا كلما دخل برج السرطان. ولمّا ولى اكسايس الملك بعد أبيه معدان بن معاديوس بن دارم بن دريموس وهو الفرعون السادس أقام أعلاما كثيرة حول منف، وجعل عليها أساطين يمشي من بعضها إلى بعض، وعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد، وأسفل الأرض أعلاما، ومنائر للوقود،
стр. 67
وطلسمات كثيرة، وعمل كودة من فضة ونقش عليها صورة الكواكب ودهنها بالدهن الصينيّ، وأقامها على منار في وسط منف، وعمل في هيكل أبيه روحاني زحل من ذهب أسود مدبر، وعمل في وقته ميزانا يعتبر به الناس كفتاه من ذهب، وعلاقته من فضة، وسلاسله من ذهب فكان معلقا في هيكل الشمس، وكتب على إحدى كفتيه: حق، والأخرى: باطل، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء الكواكب، فيدخل الظالم والمظلوم يأخذ كل منهما فصا من تلك الفصوص ويسمى عليه ما يريده، ويجعل أحد الفصين في كفة، والآخر في كفة، فتثقل كفة الظالم، وترتفع كفة المظلوم، ومن أراد سفرا أخذ فصين وذكر على أحدهما اسم السفر، وعلى الآخر الإقامة، وجعل كل واحد في كفة فإن ثقلا جميعا ولم يرتفع أحدهما على الآخر لم يسافر، وإن ارتفعا سافر، وإن ارتفع أحدهما أخر السفر، ثم سافر وكذا من عليه دين ومن له غائب أو ينظر في صلاح أمره وفساده.
ويقال: إن بخت نصر لمّا دخل إلى مصر حمل هذا الميزان معه فيما حمل إلى بابل، وجعله في بيت من بيوت النار. وعمل في أيامه تنورا أيضا يشوي فيه من غير نار، ويطبخ فيه بغير نار، وسكينا تنصب فإذا رآها شيء من البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها. وعمل ماء يستحيل نارا وزجاجا يستحيل هواء، وشيئا من النيرنجيات والنواسيس.
(وأما البرابي) فذكر ابن وصف شاه: أن سوريد الذي بنى الأهرام هو الذي بنى البرابي كلها، وعمل فيها الكنوز وزبر عليها علوما ووكل بها روحانية تحفظها ممن يقصدها.
وقال في كتاب الفهرست: وبمصر أبنية يقال لها: البرابي من الحجارة العظيمة الكبيرة، وهي على أشكال مختلفة، وفيها مواضع الصحن والسحق والحل والعقد والتقطير تدل على أنها عملت لصناعة الكيمياء، وفي هذه الأبنية نقوش وكتابات لا يدرى ما هي وقد أصيبت تحت الأرض فيها هذه العلوم مكتوبة في التوز، وهي صفائح الذهب والنحاس وفي الحجارة.
وذكر الحسن بن أحمد الهمداني أن برابي مصر تنسب إلى براب بن الدرمسيل بن نحويل بن خنوخ بن قار بن آدم ﵇.
وذكر أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، في كتاب الإشارات الباقية عن القرون الخالية: أن كنيسة في بعض قرى مصر قد شاهدها الموثوق بقولهم المأخوذ برأيهم المأمون من جهتهم الرواية عنهم فيها سرداب ينزل إليه بنيف وعشرين مرقاة، وفيه سرير تحته رجل وصبيّ مشدودين في نطع وفوقه ثور رخام في جوفه باطية زجاج يدخلها قنينة من نحاس في جوفها فتيلة كتان توقد فيصب فيها زيت فلا يلبث إلا أن تمتلئ الباطية الزجاج زيتا، وتفيض إلى الثور الرخام، فينفق على تلك الكنيسة وقناديلها.
стр. 68
وذكر الجهانيّ: أنه صار إليه من وثق به ورفع الباطية عن الثور وأفرغ الزيت من الباطية والثور جميعا وأطفأ النار وأعادها جميعا إلا الزيت فإنه صبّ زيتا من عنده وأبدله فتيلة أخرى وأشعلها، فما لبث الزيت أن فاض إلى الباطية الزجاج ثم فاض إلى الثور الرخام من غير مدد ولا عنصر.
وذكر الجهانيّ: أنه إذا أخرج الميت من تحت السرير انطفأت النار، ولم يفض الزيت.
وذكر عن أهل القرية: أن المرأة المتوهمة في نفسها حملا تحمل ذلك الصبيّ، وتضعه في حجرها فيتحرّك ولدها في البطن إن كان الحمل حقيقة، أو تيأس إن لم تحس بحركة.
قال المؤلف ﵀: أخبرني داود بن رزق اللّه بن عبد اللّه وكانت له سياحات كثيرة بأراضي مصر ومعرفة أحوالها أنه عبر في مغارة كبيرة يقال لها: مغارة شقلقيل بالوجه القبلي فإذا فيها كوم عظيم من سندروس وأنه تخطاه ومضى فإذا شيء كثير إلى الغاية من السمك، وجميعها ملفوفة بثياب كأنها قد كفنت بعد الموت، وأنه أخذ منها سمكة وفتشها فإذا في فمها دينار عليه كتابة لا يحسن قراءتها. وأنه صار يأخذها سمكة سمكة، ويخرج من فم كل واحدة دينارا حتى اجتمع له من ذلك عدّة دنانير. وأنه أخذ تلك الدنانير ورجع ليخرج حتى جاء إلى الكوم السندروس، وإذا به ارتفع حتى سدّ عليه الموضع، فعاد إلى السمك، وأعاد الدنانير إلى مواضعها، وخرج فإذا السندروس كما كان أوّلا بحيث يتجاوزه، ويخرج. فعاد وأخذ الدنانير، ومشى يخرج بها فإذا السندروس قد ارتفع حتى سدّ عليه الموضع. فعاد إلى السمك، وأعاد الدنانير إلى موضعها، وخرج فإذا السندروس على حاله كما كان أوّلا بحيث يتجاوزه ويخرج. وأنه كرّر أخذ الدنانير، وإعادتها مرارا.
والحال على ما ذكر حتى خشي الهلاك، فتركها وخرج. فلما كان مدّة سكن موضعها، فرأى حجلا في جدار، وقد قوّر، ووضع حجر آخر فحاول الحجر الآخر حتى رفعه فإذا تحته ستة دنانير من تلك الدنانير التي وجدها في أفواه السمك، فأخذ منها واحدا وترك البقية في موضعها، وأعاد الحجر على الحجر، وقدّر اللّه بعد ذلك أنه ركب النيل ليعدّي من البرّ الشرقيّ إلى البرّ الغربيّ.
قال: فلما توسط البحر وإذا بالأسماك تثب من الماء، وتلقي أنفسها في المركب حتى كدنا نغرق من كثرتها، فصاح الركاب خوفا من الهلاك قال: فتذكرت الدينار الذي معي، وأنّ هذا ربما كان بسببه فأخرجته من جيبي وألقيته في الماء فتواثبت الأسماك من المركب، وألقت نفسها في الماء حتى لم يبق منها شيء.
стр. 69
قلت: وأخبرني قديما بعض من لا أتهمه أنه، ظفر بطلسم من هذا المعنى، وأنه عنده وأراد أن يريني السمك يثب من الماء فلم يقدر لي أن أرى ذلك.
قال ابن عبد الحكم: لما أغرق اللّه آل فرعون، بقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد. ولم يبق بها إلا العبيد، والأجراء والنساء. فاتفق من بمصر من النساء أن يولين منهم أحدا، وأجمع رأيهنّ أن يولينّ امرأة منهنّ يقال لها: دلوكة بنت زبا، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت في شرف منهنّ وموضع وهي يومئذ بنت مائة وستين سنة.
فملكوها، فخافت أن يتناولها الملوك فجمعت نساء الأشراف، وقالت لهنّ: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد ولا يمدّ عينه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم، وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس، فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلها، المزارع والمدائن والقرى، وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء، وأقامت القناطر والترع، وجعلت فيه محارس ومسالح على كل ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار على كل ميل، وجعلت في كل محرس رجالا وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض الأجراس، فأتاهم الخبر من أي وجه كان في ساعة واحدة، فنظروا في ذلك فمنعت بذلك مصر من أرادها وفرغت من بنائه في ستة أشهر، وهو الجدار الذي يقال له: جدار العجوز بمصر، وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كثيرة.
قال المسعودي وقيل: إنما ينته خوفا على ولدها، وكان كثير القنص فخافت عليه سباع البرّ والبحر، واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي، فحوّطت الحائط من التماسيح، وغيرها. وقد قيل غير ما وصفنا. فملكتهم ثلاثين سنة في قول. قال المؤلف ﵀: قد بقي من حائط العجوز هذا في بلاد الصعيد بقايا. أخبرني الشيخ المعمر محمد بن المسعودي: أنه سار في بلاد الصعيد على حائط العجوز ومعه رفقة فاقتلع أحدهم منها لبنة فإذا هي كبيرة جدا تخالف المعهود الآن من اللبن في المقدار، فتناولها القوم واحدا بعد واحد يتأمّلونها، وبينما هم في رؤيتها إذ سقطت إلى الأرض، فانفلقت عن حبة فول في غاية الكبر الذي يتعجب منه لعدم مثله في زماننا، فقشروا ما عليها فوجدوها سالمة من السوس، والعيب، كأنها قريبة عهد بحصادها لم يتغير فيها شيء البتة فأكلها الجماعة قطعة قطعة. وكأنها إنما خبئت لهم من الزمن القديم، والأعصر الخالية. إنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها.
قال ابن عبد الحكم: وكان ثم عجوز ساحرة يقال لها: بدور وكانت السحرة تعظمها، وتقدّمها في علمهم وسحرهم فبعثت إليها دلوكة ابنة زبا: إنا قد احتجنا إلى سحرك، وفزعنا
стр. 70
إليك، ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك، فاعملي لنا شيئا نغلب به من حولنا. فقد كان فرعون يحتاج إليك، فكيف وقد ذهب أكابرنا، يعني في الغرق مع فرعون موسى وبقي أقلنا، فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف، وجعلت لها أربعة أبواب كل باب منها إلى جهة القبلة، والبحر والغرب والشرق، وصوّرت فيه صور الخيل، والبغال والحمير والسفن والرجال، وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أرادكم من كل جهة تؤتون منها برّا أو بحرا، وهذا يغنيكم عن الحصن، ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجالة، تحركت هذه الصور من جهتهم التي يأتون منها فما فعلتم بالصور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم. فلما بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء، طمعوا فيهم، وتوجهوا إليهم، فلما دنوا من عمل مصر تحرّكت تلك الصور التي في البربا فطفقوا لا يهيجون تلك الصور بشيء، ولا يفعلون بها شيئا إلا أصاب ذلك الجيش الذي كان أقبل إليهم مثله إن كان خيلا. فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة في البربا من قطع رؤوسها أو سوقها أو فقء عيونها أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم، وإن كانت سفنا أو رجالة، فمثل ذلك وكانوا أعلم الناس بالسحر، وأقواهم عليه وانتشر ذلك فتبادرهم الناس، وكان نساء أهل مصر حين غرق فرعون وقومه، ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال. فطفقت المرأة تعتق عبدها، وتتزوّجه وتتزوّج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنهنّ، فأجابوهنّ في ذلك فكان أمر النساء على الرجال.
قال يزيد بن حبيب: إنّ نساء القبط على ذلك إلى اليوم اتباعا لمن مضى منهم. لا يبيع أحد منهم، ولا يشتري إلا قال: استأمر امرأتي فملكتهم دلوكة بنت زبا عشرين سنة. تدبر أمرهم بمصر حتى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم، وأشرافهم يقال له: دركون بن بلوطس، فملكوه عليهم فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة.
وكلما انهدم من ذلك البربا الذي صوّر فيه الصور لم يقدر أحد على إصلاحه إلا تلك العجوز، وولدها وولد ولدها، وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم فانقطع أهل ذلك البيت، وانهدم من البربا موضع في زمان لقاس بن مرنيوس. فلم يقدر أحد على إصلاحه، ومعرفة علمه وبقي على حاله وانقطع ما كان يقهرون به الناس. وبقوا كغيرهم إلا أنّ الجمع كثير والمال عندهم. فلما قدم بخت نصر بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل، وسباهم، وخرج بهم إلى أرض بابل قصد مصر، وخرب مدائنها، وقراها، وسبى جميع أهلها ولم يترك بها شيئا، حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن يجري نيلها ويذهب لا ينتفع به ثم ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمروها ولم تزل مقهورة من يومئذ.
стр. 71
وقال بعض الحكماء: رأيت البرابي وأخذت أتأملها، فوجدتها مستحكمة على جميع أشكال الفلك، والذي ظهر لي أنه لم يعملها حكيم واحد بل تولى عملها قوم بعد قوم، حتى تكاملت في دور كامل. وهو ستة وثلاثون ألف سنة شمسية، لأنّ مثل هذه الأعمال لا تعمل إلا بالأرصاد، ولا يتكامل رصد المجموع في أقل من هذه المدّة المذكورة، وكانوا يجعلون الكتاب حفرا، ونقرا في الصخور، ونقشا في الحجارة، وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الحفر إذا كان متضمنا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره.
وقد كتب غير المصريين كذلك كما كتبوا على قبة غمدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المستقرّ، وعلى الأبلق المفرد، وعلى باب الرها، وكانوا يعمدون إلى الأماكن الشريفة، والمواضع المذكورة فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس، وأجدر أن يراها من مرّ بها، ولا ينسى على طول الدهر.
وقال المسعوديّ: واتخذت دلوكة بمصر البرابي والصور وأحكمت آلات السحر، وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ودوابهم إبلا كانت أو خيلا، وصورت فيها من يرد من البحر في المراكب من بحر الغرب، والشام وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة، وخواص الأحجار، والنباتات والحيوانات، وجعلت ذلك في أوقات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية، وكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز، واليمن عوّرت تلك الصور التي في البريا من الإبل وغيرها فيتعوّر ما في ذلك الجيش وينقطع عنهم ناسه، وحيوانه وإذا كان الجيش من نحو الشام فعل في تلك الصور التي من تلك الجهة التي أقبل منها جيش الشام ما فعل بما وصفنا. فيحدث في ذلك الجيش من الآفات في ناسه وحيوانه ما صنع في تلك الصور التي من تلك الجهة، وكذلك من ورد من جيوش الغرب، ومن ورد في البحر من رومية والشام، وغير ذلك من الممالك. فهابهم الملوك والأمم ومنعوا ناحيتهم من عدوّهم واتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز وإتقانها لزمّ أقطار المملكة وأحكامها السياسية.
وقد تكلم من سلف وخلف في هذه الخواص وأسرار الطبيعة التي كانت ببلاد مصر وهذا الخبر من فعل العجوز مستفيض لا يشكون فيه والبرابي بمصر من صعيدها وغيره باقية إلى هذا الوقت وفيها أنواع الصور مما إذا صوّرت في بعض الأشياء أحدثت أفعالا على حسب ما رسمت له، وصنعت من أجله على حسب قولهم في الطبائع واللّه أعلم بكيفية ذلك.
قال: وأخبرني غير واحد من بلاد اخميم من صعيد مصر عن أبي الفيض ذي النون بن
стр. 72
إبراهيم المصريّ (١) الإخميميّ الزاهد: وكان حكيما وكانت له طريقة يأتيها، ونحلة يقصدها، وكان ممن يقرّ على أخبار هذه البرابي وامتحن كثيرا مما صوّر فيها ورسم عليها من الكتابة، والصور، قال: رأيت في بعض البرابي كتابا تدبرته فإذا هو: احذر العبيد المعتقين، والأحداث والجند المتعبدين، والنبط المستعربين، ورأيت في بعضها كتابا تدبرته فإذا فيه: يقدّر المقدّر والقضاء يضحك. وفي آخره كتابة تثبتها في ذلك العلوم فوجدتها:
تدبر بالنجوم ولست تدري … ورب النجم يفعل ما يريد
قال: وكانت هذه الأمة التي اتخذت هذه البرابي لهجة بالنظر في أحكام النجوم من المواظبين على معرفة أسرار الطبيعة، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم: أنّ طوفانا سيكون في الأرض، ولم يقطع على ذلك الطوفان ما هو؟ أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها؟ أو ماء يغرقها، أو سيف يبيد أهلها، فخافت دثور العلوم، وفناءها بفناء أهلها، فاتخذت هذه البرابي ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين طينا وحجارة وفرزت ما بني بالطين مما بني بالحجارة، وقالت: إن كان هذا الطوفان نارا استحجر ما بني بالطين، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما بنينا بالطين، ويبقى ما بني بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفا بقي كل من النوعين مما هو من الطين وما هو من الحجر. وهذا ما قيل، واللّه أعلم. إنه كان قبل الطوفان، وإنّ الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يعينوه أنار هو أم ماء أم سيف. كان سيفا أتى على جميع أهل مصر من أمّة غشيتها، وملك نزل عليها فأباد أهلها.
ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباء عمّ أهلها. ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المتقذرة من الناس من صغير وكبير، وذكر وأنثى، كالجبال العظام، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بذات الكوم، وما يوجد ببلاد مصر، وصعيدها من الناس المنكسين بعضهم على بعض في الكهوف والغيران والنواويس، ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم، فلا النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم، ولا اليهود تقول إنهم من أوائلهم ولا المسلمون يدرون من هؤلاء، ولا تاريخ ينبئ عن حالهم، وعليهم أثوابهم وكثيرا ما يوجد في تلك البرابي والجبال من حليتهم. والبرابي ببلاد مصر بنيان قاتم عجيب كالبربا التي بأخميم والتي بسمنود وغير ذلك.
стр. 73
ذكر الدفائن والكنوز التي تسميها أهل مصر المطالب
الأصل في جواز تتبع الدفائن ما رواه أبو عمرو بن عبد البر والبيهقيّ في الدلائل من حديث ابن عباس.
أن رسول اللّه ﷺ ، لما انصرف من الطائف مرّ بقبر أبي رغال (١) فقال: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف». كان إذا هلك قوم صاح في الحرم فمنعه اللّه. فلما خرج من الحرم رماه بقارعة، وآية ذلك أنه دفن معه عمود من ذهب فابتدر المسلمون قبره فنبشوه واستخرجوا العمود منه.
ومن حديث عبد اللّه بن عمر سمعت رسول اللّه ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: «هذا قبر أبي رغال وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما أخرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه عصا من ذهب إن نبشتم عليه أصبتموه معه»، فابتدره الناس فأخرجوا العصا الذي كان معه.
وبمصر كنوز يوسف ﵇، وكنوز الملوك من قبله، والملوك من بعده لأنه كان يكنز ما يفضل عن النفقات، والمؤن لنوائب الدهر، وهو قول اللّه : ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ﴾ [الشعراء/ ٥٨] ويقال: إن علم الكنوز في كنيسة القسطنطينية نقلت إليها من طليطلة.
ويقال: إنّ الروم لما خرجت من الشام ومصر، اكتنزت كثيرا من أموالها في مواضع أعدّتها لذلك، وكتبت كتبا بأعلام مواضعها، وطرق الوصول إليها، وأودعت هذه الكتب قسطنطينية، ومنها يستفاد معرفة ذلك، وقيل: إن الروم لم تكتب، وإنما ظفرت بكتب معالم كنوز من ملك قبلها من اليونانيين، والكلدانيين، والقبط. فلما خرجوا من مصر والشام، حملوا تلك الكتب معهم، وجعلوها في الكنيسة وقيل: إنه لا يعطى من ذلك أحد حتى يخدم الكنيسة مدّة. فيدفع إليه ورقة تكون حظه.
قال المسعوديّ: ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن والبنيان، وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض، وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض. وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.
стр. 74
(فمن أخبارها) ما ذكره يحيى بن بكير قال: كان عبد العزيز بن مروان، عاملا على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان، فأتاه رجل متنصح فسأله عن نصحه فقال: بالقبة الفلانية كنز عظيم. قال عبد العزيز: وما مصداق ذلك. قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام عند يسير من الحفر. ثم ينتهي بنا الحفر إلى باب من الصفر تحته عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدنيا، وجناحاه مضرجان بالياقوت، والزمرد (١) ورأسه على صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود، فأمر له عبد العزيز بنفقة لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل فيه. وكان هناك تل عظيم، فاحتفروا حفيرة عظيمة في الأرض، والدلائل المقدّم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر فازداد عبد العزيز حرصا على ذلك، وأوسع في النفقة وأكثر من الرجالة، ثم انتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم. لما في عينيه من الياقوت، ثم بان جناحاه، ثم بانت قوائمه، وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع الحجارة، والرخام وقناطر مقنطرة، وطاقات على أبواب معقودة، ولاحت منها تماثيل، وصور أشخاص من أنواع الصور الذهب وأجرنة من الأحجار قد أطبق عليها أغطيتها، وسبكت.
فركب عبد العزيز بن مروان، حتى أشرف على الموضع، فنظر إلى ما ظهر من ذلك فأسرع بعضهم، ووضع قدمه على درجة من نحاس ينتهي إلى ما هناك، فلما استقرّت قدماه على المرقاة ظهر سيفان عاديان عن يمين الدرجة، وشمالها فالتقيا على الرجل فلم يدرك حتى جزآه قطعا وهوى جسمه سفلا. فلما استقرّ جسمه على بعض الدرج اهتز العمود، وصفر الديك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد من هناك، وحرّك جناحيه، وظهرت من تحته أصوات عجيبة، قد عملت بالكواكب والحركات إذا مال وقع على بعض تلك الدرج شيء أو ماسها شيء انقلبت فتهاوى من هناك من الرجال إلى أسفل تلك الحفرة، وكان فيها ممن يحفر ويعمل وينقل التراب، وينظر ويحوّل ويأمر وينهي نحو ألف رجل. فهلكوا جميعا، فخرج عبد العزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النيل نعوذ بالله منه وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من هناك من التراب على من هلك من الناس. فكان الموضع قبرا لهم.
قال المسعودي: وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن قد اعتنى وأغرى بحفر الحفائر، وطلب الكنوز وذخائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، قد وقع إليهم كتاب ببعض الأقلام السالفة فيه وصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام بأن فيه مطلبا عجيبا، فأخبروا الإخشيد محمد بن طفج (٢) بذلك
стр. 75
فأمرهم بحفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه، فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوّفة في صخرة منقورة فيها تماثيل قائمة على أرجلها من الخشب قد طلي بالأطلية المانعة من سرعة البلاء وتفرّق الأجزاء والصور مختلفة فيها صور شيوخ وشبان ونساء وأطفال. أعينهم من أنواع الجواهر كالياقوت والزمرد والزبرجد والفيروزج، ومنها ما وجوهها ذهب، وفضة فكسر بعض تلك التماثيل فوجدوا في أجوافها رمما بالية، وأجساما فانية، وإلى جانب كل تمثال منها نوع من الأبنية كالبراني وغيرها من المرمر والرخام، وفيه من الطلي الذي قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في التماثيل الخشب والطلاء دواء مسحوق، وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فجعل منه على النار شيء ففاح منه ريح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من أنواع الطيب. وقد جعل كل تمثال من الخشب على صورة ما فيه من الناس على اختلاف أسنانهم، ومقادير أعمارهم، وتباين صورهم، وبإزاء كل تمثال تمثال من الحجر المرمر، أو من الرخام الأخضر على هيئة الصنم على حسب عبادتهم للتماثيل والصور. عليها أنواع من الكتابات لم يقف أحد على استخراجها من أهل الملل، وزعم قوم من أهل الدراية أن لذلك القلم منذ فقد من أرض مصر. أربعة آلاف سنة، وفيما ذكرناه دلالة على أن هؤلاء ليسوا بيهود ولا نصارى ولم يؤدّهم الحفر إلا لما ذكرناه من هذه التماثيل، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وقد كان من سلف وخلف من ولاة مصر. من أحمد بن طولون وغيره، إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، لهم أخبار عجيبة فيما استخرج في أيامهم من الدفائن، والأموال والجواهر، وما أصيب في هذه المطالب من القبور، وقد أتينا على ذكرها فيما تقدّم من تصنيفنا.
(وركب) أحمد (١) بن طولون يوما إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم عليهم ثياب صوف، ومعهم المساحي والمعاول، فسألهم عن ما يعملون فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب، فقال لهم: لا تخرجوا بعدها إلا بمشورتي أو رجل من قبلي وأخبروه أنّ في سمت الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه فضم إليهم الرافقي وتقدّم إلى عامل الجيزة في إعانتهم بالرجال والنفقات، وانصرف فأقاموا مدّة يعملون حتى ظهر لهم، فركب أحمد بن طولون إليهم وهم يحفرون، فكشفوا عن حوض مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبربطية فأحضر من قرأه: فإذا فيه أنا فلان بن فلان الملك الذي ميز الذهب من غشه ودنسه فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره، فإن مخلص الذهب من الغش مخلص في حياته وبعد وفاته، فقال أحمد بن طولون: الحمد للّه أنّ ما