← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال بعض الحكماء: رأيت البرابي وأخذت أتأملها، فوجدتها مستحكمة على جميع أشكال الفلك، والذي ظهر لي أنه لم يعملها حكيم واحد بل تولى عملها قوم بعد قوم، حتى تكاملت في دور كامل. وهو ستة وثلاثون ألف سنة شمسية، لأنّ مثل هذه الأعمال لا تعمل إلا بالأرصاد، ولا يتكامل رصد المجموع في أقل من هذه المدّة المذكورة، وكانوا يجعلون الكتاب حفرا، ونقرا في الصخور، ونقشا في الحجارة، وحلقة مركبة في البنيان، وربما كان الكتاب هو الحفر إذا كان متضمنا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره. وقد كتب غير المصريين كذلك كما كتبوا على قبة غمدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المستقرّ، وعلى الأبلق المفرد، وعلى باب الرها، وكانوا يعمدون إلى الأماكن الشريفة، والمواضع المذكورة فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس، وأجدر أن يراها من مرّ بها، ولا ينسى على طول الدهر. وقال المسعوديّ: واتخذت دلوكة بمصر البرابي والصور وأحكمت آلات السحر، وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ودوابهم إبلا كانت أو خيلا، وصورت فيها من يرد من البحر في المراكب من بحر الغرب، والشام وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة، وخواص الأحجار، والنباتات والحيوانات، وجعلت ذلك في أوقات فلكية واتصالها بالمؤثرات العلوية، وكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز، واليمن عوّرت تلك الصور التي في البريا من الإبل وغيرها فيتعوّر ما في ذلك الجيش وينقطع عنهم ناسه، وحيوانه وإذا كان الجيش من نحو الشام فعل في تلك الصور التي من تلك الجهة التي أقبل منها جيش الشام ما فعل بما وصفنا. فيحدث في ذلك الجيش من الآفات في ناسه وحيوانه ما صنع في تلك الصور التي من تلك الجهة، وكذلك من ورد من جيوش الغرب، ومن ورد في البحر من رومية والشام، وغير ذلك من الممالك. فهابهم الملوك والأمم ومنعوا ناحيتهم من عدوّهم واتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز وإتقانها لزمّ أقطار المملكة وأحكامها السياسية. وقد تكلم من سلف وخلف في هذه الخواص وأسرار الطبيعة التي كانت ببلاد مصر وهذا الخبر من فعل العجوز مستفيض لا يشكون فيه والبرابي بمصر من صعيدها وغيره باقية إلى هذا الوقت وفيها أنواع الصور مما إذا صوّرت في بعض الأشياء أحدثت أفعالا على حسب ما رسمت له، وصنعت من أجله على حسب قولهم في الطبائع واللّه أعلم بكيفية ذلك. قال: وأخبرني غير واحد من بلاد اخميم من صعيد مصر عن أبي الفيض ذي النون بن

стр. 72

إبراهيم المصريّ (١) الإخميميّ الزاهد: وكان حكيما وكانت له طريقة يأتيها، ونحلة يقصدها، وكان ممن يقرّ على أخبار هذه البرابي وامتحن كثيرا مما صوّر فيها ورسم عليها من الكتابة، والصور، قال: رأيت في بعض البرابي كتابا تدبرته فإذا هو: احذر العبيد المعتقين، والأحداث والجند المتعبدين، والنبط المستعربين، ورأيت في بعضها كتابا تدبرته فإذا فيه: يقدّر المقدّر والقضاء يضحك. وفي آخره كتابة تثبتها في ذلك العلوم فوجدتها: تدبر بالنجوم ولست تدري … ورب النجم يفعل ما يريد قال: وكانت هذه الأمة التي اتخذت هذه البرابي لهجة بالنظر في أحكام النجوم من المواظبين على معرفة أسرار الطبيعة، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم: أنّ طوفانا سيكون في الأرض، ولم يقطع على ذلك الطوفان ما هو؟ أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها؟ أو ماء يغرقها، أو سيف يبيد أهلها، فخافت دثور العلوم، وفناءها بفناء أهلها، فاتخذت هذه البرابي ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين طينا وحجارة وفرزت ما بني بالطين مما بني بالحجارة، وقالت: إن كان هذا الطوفان نارا استحجر ما بني بالطين، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما بنينا بالطين، ويبقى ما بني بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفا بقي كل من النوعين مما هو من الطين وما هو من الحجر. وهذا ما قيل، واللّه أعلم. إنه كان قبل الطوفان، وإنّ الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يعينوه أنار هو أم ماء أم سيف. كان سيفا أتى على جميع أهل مصر من أمّة غشيتها، وملك نزل عليها فأباد أهلها. ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباء عمّ أهلها. ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المتقذرة من الناس من صغير وكبير، وذكر وأنثى، كالجبال العظام، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بذات الكوم، وما يوجد ببلاد مصر، وصعيدها من الناس المنكسين بعضهم على بعض في الكهوف والغيران والنواويس، ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم، فلا النصارى تخبر عنهم أنهم من أسلافهم، ولا اليهود تقول إنهم من أوائلهم ولا المسلمون يدرون من هؤلاء، ولا تاريخ ينبئ عن حالهم، وعليهم أثوابهم وكثيرا ما يوجد في تلك البرابي والجبال من حليتهم. والبرابي ببلاد مصر بنيان قاتم عجيب كالبربا التي بأخميم والتي بسمنود وغير ذلك.

стр. 73

ذكر الدفائن والكنوز التي تسميها أهل مصر المطالب الأصل في جواز تتبع الدفائن ما رواه أبو عمرو بن عبد البر والبيهقيّ في الدلائل من حديث ابن عباس. أن رسول اللّه ﷺ ، لما انصرف من الطائف مرّ بقبر أبي رغال (١) فقال: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف». كان إذا هلك قوم صاح في الحرم فمنعه اللّه. فلما خرج من الحرم رماه بقارعة، وآية ذلك أنه دفن معه عمود من ذهب فابتدر المسلمون قبره فنبشوه واستخرجوا العمود منه. ومن حديث عبد اللّه بن عمر سمعت رسول اللّه ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: «هذا قبر أبي رغال وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما أخرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه عصا من ذهب إن نبشتم عليه أصبتموه معه»، فابتدره الناس فأخرجوا العصا الذي كان معه. وبمصر كنوز يوسف ﵇، وكنوز الملوك من قبله، والملوك من بعده لأنه كان يكنز ما يفضل عن النفقات، والمؤن لنوائب الدهر، وهو قول اللّه : ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ﴾ [الشعراء/ ٥٨] ويقال: إن علم الكنوز في كنيسة القسطنطينية نقلت إليها من طليطلة. ويقال: إنّ الروم لما خرجت من الشام ومصر، اكتنزت كثيرا من أموالها في مواضع أعدّتها لذلك، وكتبت كتبا بأعلام مواضعها، وطرق الوصول إليها، وأودعت هذه الكتب قسطنطينية، ومنها يستفاد معرفة ذلك، وقيل: إن الروم لم تكتب، وإنما ظفرت بكتب معالم كنوز من ملك قبلها من اليونانيين، والكلدانيين، والقبط. فلما خرجوا من مصر والشام، حملوا تلك الكتب معهم، وجعلوها في الكنيسة وقيل: إنه لا يعطى من ذلك أحد حتى يخدم الكنيسة مدّة. فيدفع إليه ورقة تكون حظه. قال المسعوديّ: ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن والبنيان، وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض، وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض. وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا.

стр. 74

(فمن أخبارها) ما ذكره يحيى بن بكير قال: كان عبد العزيز بن مروان، عاملا على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان، فأتاه رجل متنصح فسأله عن نصحه فقال: بالقبة الفلانية كنز عظيم. قال عبد العزيز: وما مصداق ذلك. قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام عند يسير من الحفر. ثم ينتهي بنا الحفر إلى باب من الصفر تحته عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدنيا، وجناحاه مضرجان بالياقوت، والزمرد (١) ورأسه على صفائح من الذهب على أعلى ذلك العمود، فأمر له عبد العزيز بنفقة لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل فيه. وكان هناك تل عظيم، فاحتفروا حفيرة عظيمة في الأرض، والدلائل المقدّم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر فازداد عبد العزيز حرصا على ذلك، وأوسع في النفقة وأكثر من الرجالة، ثم انتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم. لما في عينيه من الياقوت، ثم بان جناحاه، ثم بانت قوائمه، وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع الحجارة، والرخام وقناطر مقنطرة، وطاقات على أبواب معقودة، ولاحت منها تماثيل، وصور أشخاص من أنواع الصور الذهب وأجرنة من الأحجار قد أطبق عليها أغطيتها، وسبكت. فركب عبد العزيز بن مروان، حتى أشرف على الموضع، فنظر إلى ما ظهر من ذلك فأسرع بعضهم، ووضع قدمه على درجة من نحاس ينتهي إلى ما هناك، فلما استقرّت قدماه على المرقاة ظهر سيفان عاديان عن يمين الدرجة، وشمالها فالتقيا على الرجل فلم يدرك حتى جزآه قطعا وهوى جسمه سفلا. فلما استقرّ جسمه على بعض الدرج اهتز العمود، وصفر الديك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد من هناك، وحرّك جناحيه، وظهرت من تحته أصوات عجيبة، قد عملت بالكواكب والحركات إذا مال وقع على بعض تلك الدرج شيء أو ماسها شيء انقلبت فتهاوى من هناك من الرجال إلى أسفل تلك الحفرة، وكان فيها ممن يحفر ويعمل وينقل التراب، وينظر ويحوّل ويأمر وينهي نحو ألف رجل. فهلكوا جميعا، فخرج عبد العزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النيل نعوذ بالله منه وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من هناك من التراب على من هلك من الناس. فكان الموضع قبرا لهم. قال المسعودي: وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن قد اعتنى وأغرى بحفر الحفائر، وطلب الكنوز وذخائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، قد وقع إليهم كتاب ببعض الأقلام السالفة فيه وصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام بأن فيه مطلبا عجيبا، فأخبروا الإخشيد محمد بن طفج (٢) بذلك

стр. 75

فأمرهم بحفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه، فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوّفة في صخرة منقورة فيها تماثيل قائمة على أرجلها من الخشب قد طلي بالأطلية المانعة من سرعة البلاء وتفرّق الأجزاء والصور مختلفة فيها صور شيوخ وشبان ونساء وأطفال. أعينهم من أنواع الجواهر كالياقوت والزمرد والزبرجد والفيروزج، ومنها ما وجوهها ذهب، وفضة فكسر بعض تلك التماثيل فوجدوا في أجوافها رمما بالية، وأجساما فانية، وإلى جانب كل تمثال منها نوع من الأبنية كالبراني وغيرها من المرمر والرخام، وفيه من الطلي الذي قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في التماثيل الخشب والطلاء دواء مسحوق، وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فجعل منه على النار شيء ففاح منه ريح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من أنواع الطيب. وقد جعل كل تمثال من الخشب على صورة ما فيه من الناس على اختلاف أسنانهم، ومقادير أعمارهم، وتباين صورهم، وبإزاء كل تمثال تمثال من الحجر المرمر، أو من الرخام الأخضر على هيئة الصنم على حسب عبادتهم للتماثيل والصور. عليها أنواع من الكتابات لم يقف أحد على استخراجها من أهل الملل، وزعم قوم من أهل الدراية أن لذلك القلم منذ فقد من أرض مصر. أربعة آلاف سنة، وفيما ذكرناه دلالة على أن هؤلاء ليسوا بيهود ولا نصارى ولم يؤدّهم الحفر إلا لما ذكرناه من هذه التماثيل، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وقد كان من سلف وخلف من ولاة مصر. من أحمد بن طولون وغيره، إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، لهم أخبار عجيبة فيما استخرج في أيامهم من الدفائن، والأموال والجواهر، وما أصيب في هذه المطالب من القبور، وقد أتينا على ذكرها فيما تقدّم من تصنيفنا. (وركب) أحمد (١) بن طولون يوما إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم عليهم ثياب صوف، ومعهم المساحي والمعاول، فسألهم عن ما يعملون فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب، فقال لهم: لا تخرجوا بعدها إلا بمشورتي أو رجل من قبلي وأخبروه أنّ في سمت الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه فضم إليهم الرافقي وتقدّم إلى عامل الجيزة في إعانتهم بالرجال والنفقات، وانصرف فأقاموا مدّة يعملون حتى ظهر لهم، فركب أحمد بن طولون إليهم وهم يحفرون، فكشفوا عن حوض مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبربطية فأحضر من قرأه: فإذا فيه أنا فلان بن فلان الملك الذي ميز الذهب من غشه ودنسه فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره، فإن مخلص الذهب من الغش مخلص في حياته وبعد وفاته، فقال أحمد بن طولون: الحمد للّه أنّ ما

стр. 76

نبهتني عليه هذه الكتابة أحبّ إليّ من المال، ثم أمر لكل من القوم المطالبية بمائتي دينار منه ولكل من الصناع بخمسة دنانير بعد توفية أجرة عمله، وللرافقي بثلاثمائة دينار، ولنسيم الخادم بألف دينار وحمل باقي الدنانير، فوجدها أجود من كل عيار، وشدّد من حينئذ في العيار بمصر. حتى صار عيار ديناره الذي عرف بالأحمديّ أجود عيار، وكان لا يطلى إلا به. ذكر هلاك أموال أهل مصر قال اللّه : ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا اَلْعَذابَ اَلْأَلِيمَ * قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ [يونس/ ٨٨ - ٨٩] هذا دعاء من موسى ﵇، على فرعون وقومه من أهل مصر، لكفرهم أن يهلك اللّه أموالهم. قال الزجاج: طمس الشيء: إذهابه عن صورته. وعن عبد اللّه بن عباس ﵄، وعن محمد بن كعب القرظي أنهما قالا: صارت أموال أهل مصر ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا، وأثلاثا وأنصافا، فلم يبق معدن إلا طمس اللّه عليه فلم ينتفع به أحد بعدهم. وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد: وعطية أهلكها اللّه تعالى حتى لا ترى يقال: عين مطموسة أي ذاهبة، وطمس الموضع: إذا عفا ودرس. وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة. وقال محمد بن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله وفراشه وقد صارا حجرين. قال: وقد سألني عمر بن عبد العزيز، فذكرت ذلك فدعا بخريطة أصيبت بمصر، فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة. وقال محمد بن شهاب الزهري: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال: يا غلام ائتني بالخريطة. فجاء بخريطة نثر ما فيها، فإذا فيها دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول. فقال: كل يا ابن شهاب فأهويت فإذا هو حجارة فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا مما أصاب عبد العزيز بن مروان في مصر إذ كان عليها واليا وهو مما طمس اللّه عليه من أموالهم. وقال المضارب بن عبد اللّه الشامي: أخبرني من رأى النخلة بمصر مصروعة وإنها لحجر. ولقد رأيت ناسا كثيرا قياما وقعودا في أعمالهم لو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنو منهم إنهم أناس وإنهم لحجارة. ولقد رأيت الرجل من رقيقهم وإنه لحارث على ثورين وإنه وثوريه لحجارة. ونقل وسمة بن موسى في قصص الأنبياء: أن فرعون لما هلك وقومه وآمنت بنو إسرائيل غائلته ندب موسى ﵇؛ من نقبائه الاثني عشر نقيبين: أحدهما: كالب بن موقيا، والآخر: يوشع بن نون، مع كل واحد من سبطه اثنا عشر ألفا وأرسلهما إلى

стр. 77

مصر. وقد خلت من حاميها لغرق أهلها مع فرعون فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه، وعادوا إلى موسى. فذلك توريثهم أرض مصر يعني قول اللّه عن قوم فرعون: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء/ ٥٨]، ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان/ ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ اَلْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا اَلَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف/ ١٣٧] يعني أرض مصر أورثناها بني إسرائيل لأنهم هم المستضعفون الذين كانوا فيها بدليل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [القصص/ ٥]. قال جامعه ومؤلفه رحمه اللّه تعالى: أخبرني داود بن رزق بن عبد اللّه وكانت له سياحات كثيرة بأرض مصر أنه عبر إلى واد بالقرب من القلمون بالوجه القبلي فرأى فيه مقاتات كثيرة ما بين بطيخ وقثاء وتفاح وكلها حجارة وكان قد أخبرني قديما بعض الأعيان أنه شاهد في سفره إلى البلاد من أرض مصر بطيخا كثيرا كله حجارة وكذلك البطيخ من الصنف الذي يقال له العبدلي. ذكر أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم قال أبو الحسن عليّ بن رضوان (١) الطبيب: مصر، اسم فيما نقلت الرواة يدل على أحد أولاد نوح النبي ﵇، فإنهم ذكروا أنّ مصر هذا نزل بهذه الأرض فانسل فيها، وعمرها فسميت باسمه، والذي يدل عليه هذا الاسم اليوم هو الأرض التي يفيض عليها النيل، ويحيط بها حدود أربعة؛ وهي: أنّ الشمس تشرق على أقصى العمارة بالشرق قبل أن تغيب عن آخر العمارة بالغرب بثلاث ساعات، وثلثي ساعة. فيجب من ذلك أن تكون هذه الأرض في النصف الغربيّ من الربع العامر، والنصف الغربيّ من الربع العامر على ما قال أبقراط، وبطليموس: أقل حرارة وأكثر رطوبة من النصف الشرقيّ. لأنه قسم كوكب القمر، والنصف الشرقيّ في قسم كوكب الشمس، وذلك أن الشمس تشرق على النصف الشرقيّ قبل شروقها على النصف الغربيّ، والقمر يهل على النصف الغربيّ قبل النصف الشرقيّ. وقد زعم قوم من القدماء أنّ أرض مصر في وسط الربع من المعمور من الأرض بالطبع، فأما بالقياس فعلى ما ذكرنا من أنها في النصف الغربيّ، والحدّ الثالث هو أن أوّل بعد هذه الأرض عن خط الاستواء في جهة الجنوب أسوان وبعدها عن خط الاستواء اثنان وعشرون درجة ونصف، فالشمس تسامت رؤوس أهلها مرّتين في السنة عند كونها في آخر الجوزاء، أو في أوّل السرطان، وفي هذين الوقتين لا يكون للقائم بأسوان نصف النهار ظل أصلا، فالحرارة واليبس والإحراق غالب على مزاجها لأنّ الشمس تنشف رطوبتها، ولذلك صارت ألوانهم سودا وشعورهم جعدة لاحتراق أرضهم.

стр. 78

والحدّ الرابع هو: أن آخر بعد أرض مصر عن خط الاستواء في جهة الشمال طرف بحر الروم، وعليه من أرض مصر بلدان كثيرة كالإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والفرما. وبعد دمياط عن خط الاستواء في الشمال أحد وثلاثون جزءا وثلث، وهذا البعد هو آخر الإقليم الثالث، وأوّل الإقليم الرابع. فالشمس لا تبعد عنهم كل البعد، ولا تقرب منهم كل القرب فالغالب عليهم الاعتدال مع ميل يسير إلى الحرارة فإن الموضع المعتدل على الصحة من البلدان العامة وهو أوّل وسط الإقليم الرابع، وأيضا فمجاورة دمياط للبحر وإحاطته بها تجعلها معتدلة بين الحرّ والبرد خارجة عن الاعتدال إلى الرطوبة، فيكون الغالب عليها المزاج الرطب الذي ليس بحارّ ولا بارد، ولذلك صارت ألوانهم سمرا وأخلاقهم سهلة وشعورهم سبطة، وإذا كان أوّل مصر من جهة الجنوب الغالب عليه الاحتراق وآخرها من جهة الشمال الغالب عليها الاعتدال مع ميل يسير نحو الحرارة فما بين هذين الموضعين من أرض مصر الغالب عليه الحرارة، وتكون قوّة حرارته بقدر بعده من أسوان، وقربه من بحر الروم. ومن أجل هذا قال أبقراط وجالينوس: إن المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة قال: وجبل لوقا في مشرق هذه الأرض يعوق عنها ريح الصبا، فإنه لم يوجد بفسطاط مصر صبا خالصة، لكن متى هبت الصبا عندهم، هبت نكبا بين المشرق والشمال، أو المشرق والجنوب، وهذه الرياح يابسة مانعة من العفن. وقد عدمت أهل مصر هذه الفضيلة ومن أجل ذلك صارت المواضع التي تهب فيها ريح الصبا من أرض مصر أحسن حالا من غيرها كالإسكندرية وتنيس، ويعوّق (١) أيضا هذا الجبل إشراق الشمس على أرض مصر إذا كانت على الأفق فيكون زمان لبث الشعاع على هذه الأرض أقل من الطبيعيّ. ومثل هذه الحال سبب لركود الهواء وغلظه. وأرض مصر أرض كثيرة الحيوان والنبات جدّا لا تكاد تجد فيها موضعا خلوا من الحيوان والنبات. وهي أرض متخلخلة فإنك تراها عند انصراف النيل بمنزلة الحمأة، فإذا حلّت الحرارة ما فيها من الرطوبة تشققت شقوقا عظاما، والمواضع الكثيرة الحيوان والنبات أرض كثيرة العفونة، وقد اجتمع على أرض مصر حرارة مزاجها وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات، فأوجب ذلك احتراقها وسواد طينها، فصارت أرضا سوداء. وما قرب منها من الجبل سبخ إما بورقيّ أو مالح. ويظهر من أرض مصر بالعشيات بخار أسود أو أغبر وخاصة في أيام الصيف. وأرض مصر ذات أجزاء كثيرة ويختص كل جزء منها بشيء دون غيره، وعلة ذلك ضيق عرضها واشتمال طولها على عرض الإقليم الثاني والثالث، فإن الصعيد فيه من النخل والسنط وآجام القصب والبردي ومواضع إحراق الفحم وغير ذلك شيء كثير.

стр. 79

والفيوم فيه من النقائع وآجام القصب ومواضع تعطين الكتان شيء كثير. وأسفل أرض مصر فيه من النبات أنواع كثيرة كالقلقاس والموز وغير ذلك. وبالجملة؛ فكل بقعة من أرض مصر لها أشياء تختص بها وتتفضل عن غيرها. قال: والنيل يرطب يبس الصيف والخريف فقد استبان أنّ المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة والرطوبة الفصلية وإنها ذات أجزاء كثيرة. وأنّ هواءها وماءها رديئان، وقد بيّن الأوائل أن المواضع الكثيرة العفن يتحلل منها في الهواء فضول كثيرة لا تدعه يستقرّ على حال لاختلاف تصعدها. وقد كان استبان أنّ هواء أرض مصر يسرع إليه التغير لأنّ الشمس لا يثبت على أرض مصر شعاعها المدّة الطبيعية، فمن أجل هذين كثر اختلاف هواء أرض مصر، فصار يوجد في اليوم الواحد على حالات مختلفة مرّة حرّ، ومرّة برد، ومرّة يابس، وأخرى رطب، ومرّة متحرّك، وأخرى ساكن، ومرّة الشمس صاحية، ومرّة قد سترها الغيم. وبالجملة هواء مصر كثير الاختلاف غير لازم لطريقة واحدة فيصير من أجل ذلك في الأوعية والعروق من أخلاط البدن لا يلزم حدّا واحدا. وأيضا فإنّ ما يتحلل كل يوم من البخار الرطب بأرض مصر يعوقه اختلاف الهواء وقلة سمك الجبال، وكثرة حرارة الأرض عن الاجتماع في الجوّ، فإذا برد الهواء ببرد الليل انحدر هذا البخار على وجه الأرض فيتولد عنه الضباب الذي يحدث عنه الطل والندا، وربما تحلل هذا البخار بالتحلل الخفي فإذا يتحلل كل يوم ما كان اجتمع من البخار في اليوم الذي قبله فمن أجل هذا لا يجتمع الغيم الممطر بأرض مصر إلا في الندرة. وظاهر أيضا، أنّ أرض مصر يترطب هواؤها في كل يوم بما يترقى إليه من البخار الرطب وما يتحلل. وقد قال بعض الناس: أنّ الضباب يتكوّن من استحالة الهواء إلى طبيعة الماء فإذا انضاف هذا إلى ما قلناه كان أزيد في بيان سرعة تغير الهواء بأرض مصر، وكثرة العفونة فيها وقد استبان أنّ أرض مصر كثيرة الاختلاف كثيرة الرطوبة الفضلية التي يسرع إليها العفن. والعلة القصوى في جميع ذلك هو أن أخص الأوقات بالجفاف في الأرض كلها يكثر فيه بمصر الرطوبة لأنها تترطب في الصيف والخريف بمدّ النيل وفيضه. وهذا بخلاف ما عليه البلدان الأخر. وقد علّمنا أبقراط أنّ رطوبة الصيف والخريف فضيلة أعني: خارجة عن المجرى الطبيعيّ كرطوبة المطر الحادث في الصيف، ومن أجل هذه قلنا: إن رطوبة مصر فضلية، وذلك أن الحرارة واليبس هو بالحقيقة مزاج مصر الطبيعيّ، وإنما عرض له ما أخرجه عن اليبس إلى الرطوبة الفضيلة بمدّ النيل في الصيف والخريف. ولذلك كثرت العفونات بهذه الأرض فهذا هو السبب الأعظم في أن صارت أرض مصر على ما هي عليه من سخافة

стр. 80

الأرض، وكثرة العفن، ورداءة الماء، والهواء. إلا أن هذه الأشياء لا تحدث في أبدان المصريين استحالة محسوسة إذا جرت على عادتها من أجل إلف المصريين لهذه الحال، ومشاكلة أبدانهم لها، فإن كل ما يتولد بأرض مصر من الحيوان والنبات مشابه لما عليه مصر في سخافة الأبدان وضعف القوى، وكثرة التغير وسرعة الوقوع في الأمراض، وقصر المدّة كالحنطة بمصر فإنها وشيكة الزوال سريع إليها العفن في المدّة اليسيرة ولا مطعن أن أبدان الناس وغيرهم تخالف ما عليه الحنطة من سرعة الاستحالة، وكيف لا يكون الأمر كذلك وأبدانهم مبنية من هذه الأشياء فحال ما يتولد بأرض مصر من النبات، والحيوان في السخافة، وكثرة الفضول، والعفن وسرعة الوقوع في الأمراض كحال سخافة أرضها وعفنها، وفضولها وسرعة استحالتها لأنّ النسبة واحدة. ولذلك أمكن حياة الحيوان فيها ونبات النبات بها فإن هذه الأشياء من حيث ناسبتها ولم تبعد من مشاكلتها أمكن حياتها. فأما الأشياء الغريبة فإنها إذا دخلت إلى مصر تغيرت في أوّل لقائها لهذا الهواء حتى إذا استقرّت وألّفت الهواء، واستمرّت عليه صحت مشاكلة لأرض مصر. قال: وأما جنس ما يؤكل، ويشرب بأرض مصر. فإنّ الغلات سريعة التغير سخيفة متخلخلة تفسد في الزمان اليسير كالحنطة والشعير والعدس والحمص والباقلاء والجلبان. فإنّ هذه تسوّس في المدّة القليلة ليس لشيء من الأغذية التي تعمل منها لذاذة ما لنظيره في البلدان الأخر. وذلك أنّ الخبز المعمول من الحنطة بمصر متى لبث يوما واحدا بليلته لا يؤكل وإن أكل لم يوجد له لذاذة ولا تماسك لبعضه ببعض ولا يوجد فيه علوكة، ولكنه يتكرّج في الزمان اليسير وكذلك الدقيق، وهذا خلاف أخبار البلدان الأخر، وكذلك الحال في جميع غلات مصر وفواكهها، وما يعمل فيها فإنها وشيكة الزوال سريعة الاستحالة والتغير. فأما ما يحمل من هذه إلى مصر فظاهر أنّ مزاجها يتبدّل باختلاف الهواء عليها ويستحيل عما كانت عليه إلى مشاكلة أرض مصر إلا أنّ ما كان حديثا قريب العهد بالسفر، فقد بقيت فيه من جودته بقايا صالحة فهذا حال الغلات. وأما الحيوان الذي يأكله الناس، فالبلدي منه مزاجه مشاكل لمزاج الناس بهذه الأراضي في السخافة وسرعة الاستحالة فهو على هذا ملائم لطبائعهم، والمجلوب كالكباش البرقية فالسفر يحدث في أبدانها قحلا ويبسا وأخلاطا لا تشاكل أخلاط المصريين. ولها إذا دخلت مصر مرض أكثرها. فإذا استقرّت زمانا صالحا تبدّل مزاجها ووافق مزاج المصريين. وأهل مصر يشرب الجمهور منهم من ماء النيل وقد قلنا في ماء النيل ما فيه كفاية وبعضهم يشرب مياه الأبار، وهي قريبة من مشاكلتهم والمياه المخزونة فقلّ من يشربها بأرض مصر. وأجود الأشربة عندهم الشمسيّ: لأنّ العسل الذي فيه يحفظ قوّته ولا يدعه يتغير بسرعة والزمان

стр. 81

الذي يعمل فيه خالص الحرّ فهو ينضجه والزبيب الذي يعمل منه مجلوب من بلاد أجود هواء. وأما الخمر فقلّ من يعتصرها إلا ويلقي معها عسلا وهي معتصرة من كرومهم، فتكون مشاكلة لهم، ولهذا صاروا يختارون الشمسيّ عليها وما عدا الشمسيّ والخمر من الشراب بأرض مصر فرديء لا خير فيه لسرعة استحالته من فساد مادّته، كالنبيذ التمري، والمطبوخ والمزر المعمول من الحنطة. وأغذية أهل مصر مختلفة فإنّ أهل الصعيد يغتذون كثيرا بتمر النخل، والحلاوة المعمولة من قصب السكر، ويحملونها إلى الفسطاط وغيرها. فتباع هناك وتؤكل، وأهل أسفل الأرض يغتذون كثيرا بالقلقاس والجلبان ويحملون ذلك إلى مدينة الفسطاط وغيرها. فتباع هناك وتؤكل وكثير من أهل مصر يكثرون أكل السمك طريا ومالحا وكثير يكثرون أكل الألبان، وما يعمل منها وعند فلاحيهم نوع من الخبز يدعى كعكا يعمل من جريش الحنطة، ويجفف وهو أكثر أكلهم السنة كلها. وبالجملة فكل قوم قد ابتنت أبدانهم من أشياء بأعيانها وألفتها. ونشأت عليها إلا أن الغالب على أهل مصر الأغذية الرديئة وليست تغير مزاجهم ما دامت جارية على العادة. وهذا أيضا مما يؤكد أمرهم في السخافة وسرعة الوقوع في الأمراض. وأهل الريف أكثر حركة رياضة من أهل المدن ولذلك هم أصح أبدانا لأنّ الرياضة تصلب أعضاءهم، وتقوّيها وأهل الصعيد أخلاطهم أرق وأكثر دخانية وتخلخلا وسخافة لشدّة حرارة أرضهم من أسفل الأرض، وأهل أسفل الأرض بمصر أكثر استفراغ فضولهم، بالبراز والبول لفتور حرارة أرضهم واستعمالهم للأشياء الباردة، والغليظة كالقلقاس. وأما أخلاط المصريين فبعضها شبيه ببعض لأنّ قوى النفس تابعة لمزاج البدن، وأبدانهم سخيفة سريعة التغير قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء والدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة في العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكذب والسعي إلى السلطان وذمّ الناس. وبالجملة فيغلب عليهم الشرور الدنية التي تكون من دناءة الأنفس وليس هذه الشرور عامّة فيهم ولكنها موجودة في أكثرهم، ومنهم: من خصه اللّه بالفضل وحسن الخلق وبرّأه من الشرور، ومن أجل توليد أرض مصر، الجبن والشرور الدنيئة في النفس لم تسكنها الأسد وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل وكلابها أقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان. وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر ما خلا ما كان منها في طبعه ملائمة لهذه الحال كالحمار والأرنب. وقال: إنّ جالينوس يرى أن فصل الربيع طبيعته الاعتدال، ويناقض من ظنّ أنه حار رطب، ومن شأن هذا الفصل أن تصح فيه الأبدان، ويجود هضمها وتنتشر الحرارة لغريزية فيه، ويصفو الروح الحيواني لاعتدال الهواء وصفائه ومساواة ليله لنهاره، وغلبة الدم والهواء المعتدل هو الذي لا يحس فيه ببرد ظاهر ولا حرّ ولا رطوبة ولا يبس، ويكون في نفسه

стр. 82

صافيا نقيا فيقوى فيه الروح الحيواني لهذا السبب، وتصح الأبدان ويكثر نشاط الحيوان وتنمو الأشياء وتزيد وتتوالد. وإذا طلبنا بأرض مصر مثل هذا الهواء لم نجده في وقت من السنة إلا في امشير وبرمهات وبرمودة وبشنس، عندما تكون الشمس في النصف الأخير من الدلو والحوت والحمل والثور. فإنا نجد بمصر في هذا الزمان أياما معتدلة نقية صافية لا يحس فيها بحرّ ظاهر، ولا برد ولا رطوبة ولا يبوسة، وتكون الشمس فيها نقية من الغيوم، والهواء ساكنا لا يتحرّك إلا أن يكون ذلك في برمودة وبشنس فإنه يحتاج إلى أن تهب ريح الشمال ليعتدل ببردها حرّ الشمس. وفي هذا الزمان تكثر حركة الحيوان وسفاده وتحسن أصواته، وتورق الأشجار ويعقد الزهر، وتقوى القوة المولدة ويغلب كيموس الدم. وهذا الفصل في أرض مصر يتقدّم زمانه الطبيعيّ بمقدار ما ينقص عن آخره، وعلة ذلك قوّة حرارة هذه الأرض، وقد يعرض في أوّل هذا الفصل أيام شديدة البرود وذلك في أمشير إذا هبت ريح الشمال، وكانت الشمس غير نقية من الغيوم، وعلة ذلك دخول فصل الربيع في فصل الشتاء. فإذا هبت ريح الشمال برد ببردها الهواء، فأعادته بعد الاعتدال إلى البرد ولكثرة ما يصعد من الأرض في هذا الزمان من البخار الرطب يرطب الهواء، ويعود إلى حاله في فصل الشتاء، وربما برد الهواء من هبوب رياح أخر فإن ريح الجنوب التي هي أشدّ الرياح حرارة إذا هبت في هذا الزمان اكتسبت برودة من الأرض، والماء الذين قد بردّهما هواء الشتاء. فإذا مرّت بشيء بردّته ببرودتها العرضية حتى إذا دام هبوبها أياما كثيرة متوالية عادت إلى حرارتها، وأسخنت الهواء، وأحدثت فيه يبسا. والدليل على أن برد رياح الجنوب التي تعرفها المصريون بالمريسي يتولد من برد مياه مصر، وأرضها لا بشيء طبيعي لها أنه لا يجتمع في الجوّ في أيام هبوبها الضباب الذي يجتمع من تحليل الحرارة للبخار الرطب بالنهار. وجمع البرودة له بالليل. فحرارة ريح الجنوب تفرّق البرودة عن جمعه، وتبدّده في الهواء، وإذا دام هبوب هذه الريح أسخنت الماء، والأرض وعادت إلى طبيعتها في الحرارة. وإذا كان فصل الربيع يتقدّم زمانه الطبيعي، ويختلف هذا الاختلاف. والهواء في الأصل بمصر يختلف بكثرة استحالته، وما يرقى إليه من البخار فما ظنك بغيره من الفصول ولذلك كثرت فيه الرياح. وأخر الأطباء فيه سقي الأدوية المسهلة إلى أن يستقرّ أمره في شمس الحمل مع الثور، ثم يدخل فصل الصيف في آخر بشنس (١) وبؤنة (٢) وأبيب (٣) وبعض مسرى (٤). عند ما تكون الشمس في الجوزاء والسرطان والأسد وبعض السنبلة، فيشتدّ الحرّ واليبس في هذا الزمان وتجف الغلات وتنضج الثمار ويجتمع من أكلها في الأبدان كيموسات رديئة وإذا نزلت

стр. 83

الشمس في السرطان أخذ النيل في الزيادة، والفيض على أرض مصر. فيتغير مزاج الصيف الطبيعي بكثرة ما يترقى إلى الهواء من بخار الماء، ويوجد في أوّل هذا الفصل عند ما تكون الشمس في الجوزاء أيام يشاكل هواؤها هواء الربيع عندما تكون الشمس مستورة بالغيوم أو تكون الريح الشمال هاوية. ولهذا يغلط كثير من الأطباء ويسقي الأدوية المسهلة في هذا الزمان، لظنه أن فصل الربيع لم يخرج إلا من كان منهم أحذق فهو يختار ما كان من هذه الأيام أسكن حرارة والأكثر لا يشعرون البتة بهذه الحال. وفي آخر الصيف يكون فيض النيل فظاهر أن هذا الفصل يتقدّم دخوله الزمان الطبيعيّ بقدر ما يتقدم آخره وأنه كثير الاضطراب بكثرة ما يرقى إليه من بخار الأرض. فلولا استمرار أبدانهم على هذا الاختلاف، ومشاكلتهم لهذه الحال لحدثت فيهم الأمراض التي ذكر أبقراط: أنها تحدث إذا كان الصيف رطبا. ثم يدخل فصل الخريف وطبيعته يابسة من النصف الأخير من مسرى ثم توت (١) وبابة وبعض أيام هاتور. وتكون الشمس في آخر السنبلة والميزان والعقرب، فتكمل زيادة النيل في أوّل هذا الفصل ويطلق على الأرضين فيطبق أرض مصر ويرتفع منه في الجوّ بخار كثير، فينتقل مزاج الخريف عن اليبس إلى الرطوبة حتى أنه ربما وقع فيه الأمطار، وكثرة الغيم في الجوّ. ويوجد في هذا الفصل أيام شديدة الحرّ لأنها على الحقيقة صيفية. فإذا نقي الجوّ من البخار الرطب عادت إلى طبيعتها من الحرارة. وفيه أيضا أيام شديدة الشبه بأيام الربيع تكون عند ما يساوي الليل النهار ويرطب الماء يبس الهواء، ويشتدّ في هذا الفصل اضطراب الهواء بكثرة ما يرتقى إليه من البخار الرطب، فيكون مرّة حارّا أو أخرى باردا ومرّة يابسا، وأكثر أوقاته يغلب عليه الرطوبة فلا يزال كذلك يتمزج حتى يغلب عليه رطوبة الماء في آخر الأمر ويصاد في أيام الخريف من النيل أسماك كثيرة جدا يولد أكلها في الأبدان أخلاطا لزجة. وكثيرا ما يستحيل إلى الصفر إذا صادفت في البدن خلطا صفراويا. فمن أجل ذلك يضطرب ما في الأبدان من الروح الحيوانيّ، وتهيج الأخلاط، ويفسد الهضم في البطون والأوعية والعروق ويتولد من ذلك كيموسات رديئة كثيرة الأخلاط بعضها مرّة صفراء وبعضها مرّة سوداء وبعضها بلغم لزج وبعضها خلط خام وبعضها مرّة محترقة، وكثير منها يتركب من هذه الأشياء فتثير الأمراض حتى إذا انصرف النيل في آخر الخريف، وانكشفت الأرض وبرد الهواء، وكثرت الأسماك واحتقن البخار، وكثر ما يرتفع به من الأرض من العفونة، واستحكم عند ذلك وجود العفن تزايدت الأمراض. ولولا إلف أهل مصر لهذه الأشياء لكان ما يحدث فيهم من الأمراض أكثر من ذلك. ثم يدخل فصل الشتاء، وطبيعته باردة رطبة من النصف الآخر من هاتور ثم

стр. 84

كيهك (١) وطوبة، وذلك عند ما تكون الشمس في القوس والجدي، وبعض الدلو وذلك أقل من ثلاثة أشهر والعلة في ذلك قوّة حرارة أرض مصر، وكون الأبدان مضطربة، وتنكشف الأرض في أوّل هذا الفصل وتحرث وتعفن بالجملة لكثرة ما يلقي فيها من البزور وما فيها من أزبال الحيوان، وفضولها ولأنها سخيفة. وهي كالحمأة في هذا الزمان فيتولد فيها من أنواع الفار والدود والنبات والعشب وغير ذلك ما لا يحصى كثرة. وينحل منها في الجوّ أبخرة كثيرة حتى يصير الضباب بالغدوات ساترا للأبصار عن الألوان القريبة، ويصاد أيضا من الأسماك المحبوسة في المياه المخزونة شيء كثير، وقد داخلها العفن لقلة حركتها فيولد أكلها في الأبدان فضولا كثيرة لزجة شديدة الاستعداد للعفن فتقوي الأمراض في أوّل هذا الفصل. حتى إذا اشتدّ البرد، وقوي الهضم في الأبدان، واستقرّ الهواء على شيء واحد، وعادت الحرارة الغريزية إلى داخل، وتطبقت الأرض بالنبات، وسكنت عفونتها صحت عند ذلك الأبدان. وهذا يكون في آخر كيهك أو في طوبة فقد استبان أن الفصول بأرض مصر كثيرة الاختلاف وإن أردأ أوقات السنة عندهم وأكثرها أمراضا هو آخر الخريف وأوّل الشتاء وذلك في شهر هاتور وكيهك، فإذا اختلاف الفصول مشاكل لما عليه أرضهم من الرداءة. فمضرة الفصول إذا بالأبدان في أرض مصر أقل منها في البلدان الأخر إذا اختلفت هذا الاختلاف، واستبان أيضا أن السبب الأول في ذلك هو: مدّ النيل في أيام الصيف، وتطبيقه الأرض في أيام الخريف بخلاف ما عليه مياه الأنهار في العمارة كلها فإنها إنما تمتدّ في أخص الأوقات بالرطوبة وهو الشتاء والربيع. قال: وقد استبان مما تقدم أن الرطوبة الفضيلة بأرض مصر كثيرة وظاهر أن أمراضهم البلدية تكون من نوع هذه الرطوبة. فإني أنا قلما رأيت أمراضهم البلدية تكون من نوع هذه كلها لا يشوبها في أول أمرها البلغم والخلط الخام. والأمراض كلها تحدث عندهم في الأوقات كلها كما قال أبقراط، وأكثر أمراضهم هي الفضيلة، أعني العفنة من أخلاط صفراوية وبلغمية على ما يشاكل كل مزاج أرضهم. وما ذكرناه فيما تقدّم يوجب حدوث الأمراض كثيرا إلا أن مشاكلة هذه بعضها بعضا واتفاقها في سنة واحدة تمنع من أن تكون في أنفسها ممرضة متى لزمت العادة فأما إذا خرجت عن عادتها فهي تحدث مرضا. وخروجها عن عادتها بمصر هو الذي أعدّه اختلافا ممرضا لا الاختلاف الموجود فيها على الدائم، والنيل ليس يحدث في الأبدان كل سنة مرضا، ولكنه إذا أفرطت زيادته ودام مدّة تزيد على العادة كان ذلك سببا لحدوث المرض الوافد. فإن قيل: إذا كانت أبدان الناس بأرض مصر من السخافة على ما ذكرت فلعلها في مرض دائم. فالجواب: لسنا نبالي بهذا كيف كان، لأن المرض هو ما يضرّ بالفعل ضررا

стр. 85

محسوسا من غير توسط. فمن أجل ذلك ليس أبدان المصريين في مرض دائم ولكنها كثيرة الاستعداد نحو الأمراض. قال: أما أمراض مصر البلدية فقد ذكرنا من أمرها ما فيه كفاية وظهر أن أكثرها الأمراض الفضيلة التي يشوبها صفراء وخام على أن باقي الأمراض تحدث عندهم بسرعة، وقرب وخاصة في آخر الخريف وأوّل الشتاء. وأما الأمراض الوافدة: ومعنى المرض الوافد: هو ما يعمّ خلقا كثيرا في بلد واحد وزمان واحد ومنه نوع يقال له: الموتان؛ وهو الذي يكثر معه الموت، وحدوث الأمراض الوافدة تكون عن أسباب كثيرة يجتمع في أجناس أربعة وهي تغير كيفية الهواء، وتغير كيفية الماء، وتغير كيفية الأغذية، وتغير كيفية الأحداث النفسانية. فالهواء تغير كيفيته على ضربين: أحدهما تغيره الذي جرت به العادة، وهذا لا يحث مرضا وافدا، وليس تغيرا ممرضا. والثاني: التغير الخارج عن مجرى العادة وهذا هو الذي يحدث المرض الوافد. وكذلك الحال في الأجناس الباقية وخروج تغير الهواء عن عادته يكون: إما بأن يسخن أكثر، أو يبرد أو يرطب، أو يجفف أو يخالطه حال عفنة، والحالة العفنة إما أن تكون قريبة أو بعيدة. فإن أبقراط وجالينوس يقولان: إنه ليس يمنع مانع من أن يحدث ببلد اليونانيين مرض وافد عن عفونة اجتمعت في بلاد الحبشة، وتراقت إلى الجوّ وانحدرت على اليونانيين، فأحدثت فيهم المرض الوافد. وقد يتغير أيضا مزاج الهواء عن العادة بأن يصل وفد كثير قد أنهك أبدانهم طول السفر، وساءت أخلاطهم فيخالط الهواء منها شيء كثير، ويقع الأعداء في الناس، ويظهر المرض الوافد. والماء ضا قد يحدث المرض الوافد إما بأن يفرط مقداره في الزيادة أو النقصان، أو يخالطه حال عفنة ويضطرّ الناس إلى شربه، ويعفن به أيضا الهواء المحيط بأبدانهم، وهذه الحال تخالطه إما قريبا أو بعيدا بمنزلة ما يمرّ في جريانه بموضع خرب قد اجتمع فيه من جيف الموتى شيء كثير، أو بمياه تقاطع عفنة فيحذرها معه ويخالط جسمه، والأغذية تحدث المرض الوافد. إما إذا لحقها اليرقان، وارتفعت أسعارها، واضطرّ الناس إلى أكلها، وإما إذا أكثر الناس منها في وقت واحد، كالذي يكون في الأعياد فيكثر فيهم التخم، ويمرضون مرضا متشابها. وإما من قبيل فساد مرعى الحيوان الذي يؤكل، أو فساد الماء الذي يشرب، والأحداث النفسانية تحدث المرض الوافد متى حدث في الناس خوف عام من بعض الملوك فيطول سفرهم وتفكرهم في الخلاص منه، وفي وقوع البلاء، فيسوء هضمهم وتتغير حرارتهم الغريزية. وربما اضطروا إلى حركة عنيفة في هذه الحال، أو يتوقعوا قحط بعض السنين فيكثرون الحركة والاجتهاد في ادّخار الأشياء، ويشتد غمهم بما سيحدث. فجميع هذه الأشياء تحدث في أبدان الناس المرض الوافد متى كان المتعرض لها خلق كثير في بلد واحد ووقت واحد. وظاهر أنه إذا كثر في وقت واحد المرضى بمدينة واحدة؛ ارتفع من أبدانهم بخار كثير فيتغير مزاج الهواء فإذا صادف بدنا مستعدّا أمرضه، وإن

стр. 86

كان صاحبه لم يتعرّض لما يتعرّض إليه الناس. فالأمراض الوافدة بمصر تحدث إما عن فساد لم تجر به العادة يعرض للهواء سواء كان مادّة فساده من أرض مصر، أو من البلاد التي تجاورها كالسودان والحجاز والشام وبرقة، أو يعرض للنيل بأن تفرط زيادته، فتكثر زيادة الرطوبة والعفن، أو تقل زيادته جدّا فيجف الهواء عن مقدار العادة، ويضطرّ الناس إلى شرب مياه رديئة أو يخالطه عفونة تحدث عن جرب يكون بأرض مصر أو ببلاد السودان أو غيرها يموت فيها خلق كثير، ويرتفع بخار جيفهم في الهواء فيعفنه، ويتصل عفنه إليهم، أو يسيل الماء، ويحمل معه العفن، أو يغلو السعر أو يلحق الغلات آفة، أو يدخل على الكباش ونحوها مضرة أو يحلق الناس خوف عام أو قنوط. وكل واحد من هذه الأسباب يحدث في أرض مصر مرضا وافدا يكون قوّته بمقدار قوّة السبب المحدث له وإن كان أكثر من سبب واحد كان ذلك المرض أشدّ وأقوى وأسرع في القتل. قال: فمزاج أرض مصر حار رطب بالرطوبة الفضلية، وما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن، وأقل عفنا في ماء النيل مما كان منها في الشمال، ولا سيما من كان في شمال الفسطاط. مثل أهل البشمور فإن طباعهم أغلظ، والبله عليهم أغلب، وذلك أنهم يستعملون أغذية غليظة جدّا ويشربون من الماء الرديء. وأما إسكندرية وتنيس وأمثال هذه، فقربها من البحر، وسكون الحرارة، والبرد عنهم، وظهور الصبا فيهم مما يصلح أمرهم، ويرق طباعهم، ويرفع هممهم ولا يعرض لهم ما يعرض لأهل البشمور من غلظ الطبع، والجمادية وإحاطة البحر بمدينة تنيس، توجب غلبة الرطوبة عليها وما يسر أخلاق أهلها قال: إنه لما كانت أرض مصر، وجميع ما فيها سخيفة الأجسام سريعا إليها التغير، والعفن وجب على الطبيب أن يختار من الأغذية، والأدوية ما كان قريب العهد حديثا. لأنّ قوّته بعد باقية عليه، لم تتغير كل التغير، وأن يجعل علاجه ملائما لما عليه الأبدان بأرض مصر، ويجتهد في أن يجعل ذلك إلى الجهة المضادة أميل قليلا، ويتجنب الأدوية القوية الإسهال، وكل ما له قوّة مفرطة. وإن نكاية هذه الأبدان سريعة. سيما وأبدان المصريين سريعة الوقوع في النكايات، ويختار ما يكون من الأدوية المسهلة، وغيرها ألين قوّة حتى لا يكون على طبيعة المصريين منها كلفة، ولا يلحق أبدانهم مضرّة، ولا يقدم على الأدوية الموجودة في كتب أطباء اليونانيين والفرس. فإن أكثرها عملت لأبدان قويّة البنية عظيمة الأخلاط، وهذه الأشياء قلما توجد بمصر. فلذلك يجب، على الطبيب أن يتوقف في إعطاء هذه الأدوية للمرضى، ويختار ألينها وينقص عن مقدار شرباتها ويبدل كثيرا منها بما يقوم مقامه، ويكون ألين منه، فيتخذ السكنجبين السكريّ في مقام العسلي، والجلاب بدلا من ماء العسل. واعلم أن هواء مصر

стр. 87

يعمل في المعجونات، وسائر الأدوية ضعفا في قوتها فأعمار الأدوية المفردة والمركبة المعجون منها، وغير المعجون بمصر أقصر من أعمارها في غير مصر. فيحتاج الطبيب بمصر إلى تقدير ذلك وتمييزه حتى لا يشتبه عليه شيء مما يحتاج إليه. وإذا لم يكتف في تنقية البدن بالدواء المسهل دفعة واحدة، فلا بأس بإعادته بعد أيام، فإن ذلك أحمد من إيراد الدواء الشديد القوّة في دفعة واحدة. قال: ولكون أرض مصر تولد في الأجسام سخافة، وسرعة قبول للمرض وجب أن تكون الأبدان على الهيئة الفاضلة بأرض مصر قليلة جدا. فأما الأبدان الباقية فكثيرة وأن تكون الصحة التامّة عندهم على الأمر الأكثر في القريبة من الهيئة الفاضلة، والطريق الأولى التي تدبر بها الأبدان في الهيئة الفاضلة يحتاج فيها بأرض مصر إلى أن يدبر الهواء، والغذاء والماء وسائر الأشياء تدبيرا يصير به في غاية الاعتدال. ولأنّ الهضم كثيرا ما يسوء بأرض مصر. وكذلك الروح الحيواني، فيجب صرف العناية إلى مراعاة أمر القلب والدماغ والكبد والمعدة والعروق وسائر الأعضاء الباطنة في تجويد الهضم، وإصلاح أمر الروح الحيواني وتنظيف الأوساخ الأححة. وقال في شرح كتاب الأربع لبطليموس: وأما سائر أجزاء الربع الذي يميل إلى وسط جميع الأرض المسكونة أعني بلاد برقة، وسواحل البحر من مريوط إلى الإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والفرما، وأسفل الأرض بمصر، ونواحي مدينة منف ومدينة الفسطاط، وما يلي شرقي النيل من صعيد مصر والفيوم إلى أعلى الصعيد مما في غرب النيل وأرض الواحات، وأرض النوبة والبجة والأرض التي على البحر في شرقي بلاد النوبة، والحبشة. فإن هذه البلاد موضوعة في الزاوية التي تؤثر في جميع الربع الموضوع فيما بين الدبور والجنوب. وهي من جملة النصف الغربي من الربع المعمور والكواكب الخمسة المتحيرة تشترك في تدبيرها. فصار أهلها محبين للّه، ويعظمون الجنّ، ويحبون النوح، ويدفنون موتاهم في الأرض، ويخفونهم ويستعملون سننا مختلفة، وعادات وآراء شتى لميلهم إلى الأسرار التي تدعو كل طائفة منهم إلى أمر من الأمور الخفية، فيعتقده ويوافقه جماعة ومن أجل هذه الأسرار كان المستخرج للعلوم الدقيقة، كالهندسة والنجوم وغيرها في الزمان الأول أهل مصر، ومنهم تفرقت في العالم وإذا ساسهم غيرهم كانوا أذلاّء. والغالب عليهم الجبن والاستحذاء في الكلام وإذا ساسوا غيرهم كانت أنفسهم طيبة، وهممهم كثيرة، ورجالهم يتخذون نساء كثيرة، وكذلك نساؤهم يتخذن عدة رجال. وهم منهمكون في الجماع، ورجالهم كثيرو النسل، ونساؤهم سريعات الحمل، وكثير من ذكرانهم تكون أنفسهم ضعيفة مؤنثة. وقال أبو الصلت: وأما سكان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفوا الأصناف والأجناس من قبط وروم وعرب وأكراد وديلم وحبشان، وغير ذلك من الأصناف إلا أن جمهورهم قبط قالوا: والسبب في اختلاطهم تداول المالكين لها، والمتغلبين عليها من

стр. 88

العمالقة واليونانيين والروم، وغيرهم. فلهذا اختلطت أنسابهم، واقتصروا من التعريف بأنفسهم على الإشارة إلى مواضعهم، والانتماء إلى مساقطهم فيها. وحكى أنهم كانوا في الزمن السالف عباد أصنام ومدبري هياكل إلى أن ظهر دين النصرانية، وغلب على أرض مصر. فتنصروا وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون، فأسلم بعضهم، وبقي بعضهم على دين النصرانية. وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات والانهماك في اللذات والاشتغال بالترهات والتصديق بالمحالات وضعف المرائر والعزمات، ولهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوّة عليه وتلطف فيه وهداية إليه لما في أخلاقهم من الملق والبشاشة التي أربوا فيها على من تقدّم وتأخر. وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم. حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا والمثل بهم مضروبا وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس: محضتكم يا أهل مصر نصيحتي … ألا فخذوا من ناصح بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحية … أكول لحيات البلاد شروب فإن يك باق أفك فرعون فيكم … فإن عصا موسى بكف خصيب قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: وقد مرّ لي قديما أن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر. فلذلك يتحدّثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون وينذرون بالأمور المستقبلة. ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة. قال ابن الطوير: وقد ذكر استيلاء الفرنج على مدينة صور، فعاد الحفظ والحراسة على مدينة عسقلان فما زالت محمية بالأبدال المجرّدة إليها من العساكر والأساطيل. والدولة تضعف أوّلا فأوّلا باختلاف الآراء فثقلت على الأجناد وكبر أمرها عندهم، واشتغلوا عنها فضايقها الفرنج حتى أخذوها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ولقد سمعت رجلا قبل ذلك بسنين يحدّث بهذه الأمور ويقول في سنة ثمان تؤخذ عسقلان بالأمان. ومن هذا الباب واقعة الكنائس التي للنصارى، وذلك أنه لما كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة؛ والناس في صلاة الجمعة كأنما نودي في إقليم مصر كله من قوص إلى الإسكندرية بهدم الكنائس. فهدم في تلك الساعة بهذه المسافة الكبيرة عدد كثير من الكنائس كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، عند ذكر كنائس النصارى. ومن هذا الباب واقعة ألدمر وذلك: أنه خرج الأمير ألدمر (١) أمير جندار يريد الحج

стр. 89

من القاهرة في سنة ثلاثين وسبعمائة؛ وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة ومصر وقلعة الجبل بأنّ وقعة كانت بمكة قتل فيها ألدمر فطار هذا الخبر في ريف مصر واشتهر، فلم يكترث الملك الناصر محمد بن قلاوون (١) بهذا الخبر. فلما قدم المبشرون على العادة أخبروا بالواقعة. وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة. قال جامع السيرة الناصرية: كنت مع الأمير علم الدين الخازن في الغربية وقد خرج إليها كاشفا، فلما صليت أنا وهو صلاة الجمعة، وعدنا إلى البيت قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنه أشيع بأن فتنة كانت بمكة، قتل فيها جماعة من الأجناد، وقتل فيها الأمير ألدمر أمير جندار. فقال له الأمير علم الدين: هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر؟ قال: لا، فقال: ويحك، الناس ما تحضر من منى بمكة إلا ثالث يوم بعد عيد النحر، فكيف سمعتم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل؟ فقال: قد استفيض ذلك وكان الأمر كما أشيع. ووقع لي في شهر رمضان من شهور سنة إحدى وتسعين وسبعمائة؛ أني مررت في الشارع بين القصرين بالقاهرة بعد العتمة فإذا العامّة تتحدّث بأن الملك الظاهر (٢) برقوق خرج من سجنه بالكرك واجتمع عليه الناس فضبطت ذلك، فكان اليوم الذي خرج فيه من السجن وفي هذا الباب من هذا كثير. ومن أخلاق أهل مصر: قلة الغيرة وكفاك ما قصه اللّه من خبر يوسف ﵇ ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه، وشهادة شاهد من أهلها عليها بما بيّن لزوجها منها السوء، فلم يعاقبها على ذلك بسوى قوله: ﴿اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اَلْخاطِئِينَ﴾ [يوسف/ ٢٩]. وقال ابن عبد الحكم: وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم، مع فرعون ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبروا عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها، وتتزوّجه. وتتزوّج الأخرى أجيرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنهنّ، فأجابوهنّ إلى ذلك. فكان أمر النساء على الرجال. فحدّثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب: أن نساء القبط على ذلك إلى اليوم إتباعا

стр. 90

لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال: استأمر امرأتي. وقال: إن فرعون لما غرق ومعه أشراف مصر. لم يبق من الرجال من يصلح للمملكة، فعدّ الناس في مراتبهم بنت الملك؛ ملكة وبنت الوزير وزيرة وبنت الوالي وبنت الحاكم على هذا الحكم، وكذلك بنات القوّاد، والأجناد فاستولت النساء على المملكة مدّة سنين وتزوّجن بالعبيد واشترطن عليهم أن الحكم والتصرف لهنّ. فاستمرّ ذلك مدّة من الزمان، ولهذا صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق، واستولدوهنّ؟!. وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركيّ رحمه اللّه تعالى: أنه مذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه وترخصا لأهله ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة، ومما لم نزل نسمعه دائما بين الناس إن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه. ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان بل يتناولون أغذية كل يوم من الأسواق بكرة وعشيا. ومن أخلاقهم: الانهماك في الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه اللّه تعالى: أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب. وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان، وأخلاق سكانها فقال: إن اللّه تعالى لما خلق الأشياء جعل كل شيء لشيء فقال العقل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك. ويقال: لما خلق اللّه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغنى والفقر والذل والشقاء، فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك. وقالت النجدة: أنا لا حقة بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك. وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك. وعن ابن عباس ﵄: المكر عشرة أجزاء. تسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس. ويقال: أربعة لا تعرف في أربعة: السخاء في الروم، والوفاء في الترك، والشجاعة في القبط، والعمر في الزنج. ووصف ابن العربية (١) أهل مصر فقال: عبيد لمن غلب. أكيس الناس صغارا،

стр. 91

وأجلهم كبارا. وقال المسعودي: لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر، وغير ذلك، كتب إلى حكيم من حكماء العصر: إنا لناس عرب قد فتح اللّه علينا البلاد، ونريد أن نتبوّأ الأرض، ونسكن البلاد، والأمصار. فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما تؤثره الترب والأهوية في سكانها. فكتب إليه: وأما أرض مصر؛ فأرض قوراء غوراء ديار الفراعنة، ومساكن الجبابرة ذمّها أكثر من مدحها، هواؤها كدر، وحرّها زائد، وشرّها مائد تكدر الألوان والفطن وتركب الإحن وهي معدن الذهب والجوهر، ومغارس الغلات. غير أنها تسمن الأبدان وتسودّ الإنسان وتنمو فيها الأعمار وفي أهلها مكر ورياء وخبث ودهاء وخديعة. وهي بلدة مكسب ليست بلدة مسكن لترادف فتنها واتصال شرورها. وقال عمر بن شبه: ذكر ابن عبيدة في كتاب أخبار البصرة عن كعب الأحبار: خير نساء على وجه الأرض: نساء أهل البصرة إلا ما ذكر النبيّ ﷺ من نساء قريش، وشرّ نساء على وجه الأرض: نساء أهل مصر. وقال عبد اللّه بن عمرو: لما أهبط إبليس، وضع قدمه بالبصرة، وفرخ بمصر. وقال كعب الأحبار: ومصر أرض نجسة كالمرأة العاذل يطهرها النيل كل عام. وقال معاوية بن أبي سفيان: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: فثلث ناس، وثلث يشبه الناس، وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم الناس: فالعرب، والثلث الذين يشبهون الناس: فالموالي، والثلث الذين لا ناس: المسالمة - يعني القبط -.

стр. 92

ذكر شيء من فضائل النيل أخرج مسلم من حديث أنس ﵁ في حديث المعراج: أنّ النبيّ ﷺ قال: «ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قلت: ما ذا يا جبريل؟ قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات». وفي التوراة: وخلق فردوسا في عدن، وجعل الإنسان فيه وأخرج منه نهران فقسمهما أربعة أجزاء: جيحون المحيط بأرض حويلا، وسيحون المحيط بأرض كوش وهو نيل مصر ودجلة الأخذ إلى العراق والفرات. وروى ابن عبد الحكم عن عبد اللّه بن عمر ﵄ أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار سخر اللّه له كل نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد اللّه أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمدّه فتمدّه الأنهار بمائها وفجر اللّه له الأرض عيونا فأجرته إلى ما أراد اللّه . فإذا انتهت جريته أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وعن يزيد بن أبي حبيب: أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ سأل كعب الأحبار: هل تجد لهذا النيل في كتاب اللّه خبرا؟ قال: أي والذي فلق البحر لموسى إني لأجده في كتاب اللّه إن اللّه يوحي إليه في كل عام مرّتين يوحي إليه عند جريته أن اللّه يأمرك أن تجري فيجري ما كتب اللّه له، ثم يوحي إليه بعد ذلك يا نيل عد حميدا. وعن كعب الأحبار أنه قال: أربعة أنهار من الجنة وضعها اللّه في الدنيا: النيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. وقال المسعودي: نهر النيل من سادات الأنهار وأشراف البحار لأنه يرج من الجنة على ما ورد به خبر الشريعة. وقد قال: إن النيل إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والآبار، وإذا غاض زادت فزيادته من غيضها وغيضه من زيادتها وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرا غير نيل مصر لكبره واستبحاره. وقال ابن قتيبة (١) في كتاب غريب الحديث: وفي حديثه ﵇: «نهران مؤمنان،

стр. 93

ونهران كافران. أما المؤمنان: فالنيل والفرات، وأما الكافران: فدجلة ونهر بلخ». إنما جعل النيل والفرات مؤمنين على التشبيه لأنهما يفيضان على الأرض ويسقيان الحرث، والشجر بلا تعب في ذلك ولا مؤنة، وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين لأنهما لا يفيضان على الأرض ولا يسقيان إلا شيئا قليلا، وذلك القليل بتعب ومؤنة فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين، وهذان في قلة الخير والنفع كالكافرين. ذكر مخرج النيل وانبعاثه اعلم أن البحر المحيط بالمعمور إذا خرج منه نهر الهند، افترق قطعا كما تقدّم وكان منه قطعة تسمى بحر الزنج (١) وهي مما يلي: بلاد اليمن وبحر بربر. وفي هذه القطعة عدّة جزائر منها: جزيرة القمر - بضم القاف وإسكان الميم وراء مهملة -. ويقال لهذه الجزيرة أيضا: جزيرة ملاي، وطولها أربعة أشهر في عرض عشرين يوما إلى أقل من ذلك؛ وهذه الجزيرة تحاذي جزيرة سرنديب، وفيها عدة بلاد كثيرة منها قمرية، وإليها ينسب الطائر القمري، ويقال: إن بهذه الجزيرة خشب ينحت من الخشبة ساق طوله ستون ذراعا يجذف على ظهره مائة وستون رجلا، وإن هذه الجزيرة ضاقت بأهلها فبنوا على الساحل محلات يسكنونها في سفح جبل يعرف بهم يقال له: جبل القمر. واعلم أن الجبال كلها متشعبة من الجبل المستدير بغالب معمور الأرض، وهو المسمى بجبل قاف وهو أم الجبال، كلها تتشعب منه فيتصل في موضع، وينقطع في آخر، وهو كالدائرة لا يعرف له أوّل إذ كان كالحلقة المستديرة لا يعرف طرفاها وإن لم يكن استدارة كريه ولكنها استدارة إحاطة. وزعم قوم أن أمّهات الجبال جبلان: خرج أحدهما من البحر المحيط في المغرب آخذا جنوبا، وخرج الآخر من البحر الرومي آخذا شمالا، حتى تلاقيا عند السدّ، وسموا الجنوبيّ قاف، وسموا الشمالي قاقونا، والأظهر أنه جبل واحد، ومحيط بغالب بسيط المعمور، وأنه هو الذي يسمى بجبل قاف، فيعرف بذلك في الجنوب ويعرف في الشمال بجبل قاقونا. ومبدأ هذا الجبل المحيط من كتف السدّ آخذا من وراء صنم الخط المشجوج إلى شعبته الخارجة منه المعمول بها باب الصين أخذا على غربي صين الصين، ثم ينعطف على جنوبه مستقيما في نهاية الشرق على جانب البحر المحيط، مع الفرجة المنفرجة بينه وبين البحر الهندي الداخلة، ثم ينقطع عند مخرج البحر الهنديّ المحيط مع خط الاستواء. حيث الطول مائة وسبعون درجة، ثم يتصل من شعبة البحر الهندي الملاقي لشعبة المحيط الخارجة إلى بحر الظلمات من الشرق بجنوب كثير من وراء مخرج البحر الهندي في

стр. 94

الجنوب؛ وتبقى الظلمات من هاتين الشعبتين شعبة المحيط الجائية على جنوب الظلمات شرقا مغربا؛ ومخرج البحر الهندي الجائية على الظلمات حتى تتلاقى الشعبتان عند مخرج هذا الجبل كتفصيل السراويل؛ ثم ينفرج برأس البحرين شعبتان على مبدأ هذا الجبل، ويبقى الجبل بينهما كأنه خارج من نفس الماء. ومبدأ هذا الجبل هنا وراء قبة أرين عن شرقيها، وبعده منها خمس عشرة درجة. ويقال لهذا الجبل في أوّله: المجرّد، ثم يمتد حتى ينتهي في القسم الغربي إلى طوله إلى خمس وستين درجة؛ من أوّل المغرب وهناك يتشعب من الجبل المذكور جبل القمر، وينصب منه النيل وبه أحجار برّاقة كالفضة تتلألأ تسمى: ضحكة الباهت كل من نظرها ضحك، والتصق بها حتى يموت ويسمى: مغناطيس الناس. ويتشعب منه شعب تسمى: أسيفي أهله كالوحوش، ثم ينفرج منه فرجة ويمرّ منه شعب إلى نهاية المغرب في البحر المحيط يسمى: جبل وحشية به سباع لها قرون طوال لا تطاق، وينطف دون تلك الفرجة من جبل قاف شعاب منها شعبتان إلى خط الاستواء يكتنفان مجرى النيل من الشرق والغرب، فالشرقي يعرف: بجبل قاقول، وينقطع عند خط الاستواء. والغربي يعرف: بأدمرية يجري عليه نيل السودان المسمى ببحر الدمادم، وينقطع تلقاء مجالات الحبشة ما بين مدينة سفرة وحيمى وراء هذه الشعبة يمتدّ منه شعبة هي الأم من الموضع المعروف فيه الجبل بأسيفي المذكور إلى خط الاستواء حيث الطول هناك عشرون درجة، ويعرف هناك بجبل كرسقابه، وبه وحوش ضارية ثم ينتهي إلى البحر المحيط، وينقطع دونه بفرجة. وذلك وراء التكرور عند مدينة قلمتبور أو وراء هذا الجبل سودان يقال لهم: تمتم يأكلون الناس، ثم تتصل الأم من ساحل البحر الشامي في شماله شرقي رومية الكبرى مسامتا للشعبة المسماة أدمدمه المنقطعة بين سمعرة، وحيمي لا يكاد يخطوها حيث الطول خمس وثلاثون درجة، ويقع منشأ اتصال هذه الأم على عرض خمسين درجة، وكذلك تقطع شعبها الآخذة في الجنوب على عرض خمسين درجة عند آخرها ما بين سردانة وبلنسية (١) وتتناهى، وصلة هذه الأم إلى البحر المحيط في نهاية الشمال قبالة جزيرة بركانية. وتبقى سوسية داخل الجبل. ثم تمتد هذه الأم بعد انقطاع لطيف، وينعطف انعطاف خرجة البحر المحيط في المغرب على الصقلب المسماة ببحر الأنفلشين، ممتدا إلى غاية المشرق ويسمى هناك بجبل قاقونا ويبقى وراءه البحر جامدا لشدة البرد، ثم ينعطف من الشمال إلى المشرق جنوبا بتغريب إلى كتف السدّ الشمالي فيتلاقى هناك الطرفان وبينهما في الفرجة المنفرجة سوّى ذو القرنين بين الصدفين.

стр. 95

وفي جزيرة القمر، ثلاثة أنهار: أحدها في شرقيها من قنطورا ومعلا، وثانيها في غربيها ينصب من جبل قدم آدم على مدينة سبا، ويأخذ مارا على مدينة فردرا، وينجر هناك بحيرة في جنوبها مدينة كيما، حيث محل السودان الذين يأكلون الناس. وثالثها في غربيها أيضا ويخرج من الجبل المشبه ماء محدودب الذيل يطوف بمدينة دهما فتبقى مدينة دهما في جزيرة بينهما يكون هو محيطا بها شرقا وجنوبا وغربا ويصير لذلك كالجزيرة، ويتصل شمالها بالبحر الهندي، وتقع مدينة قوارة في غربيه، حيث يصب في البحر الهندي. ومن جبل القمر يخرج نهر النيل، وقد كان يتبدّد على وجه الأرض فلما قدم نقراوش الحدار بن مصريم الأوّل ابن مركابيل ابن دوابيل بن عرباب ابن آدم ﵇ إلى أرض مصر ومعه عدّة من بني عرباب، واستوطنوها، وبنوا بها مدينة أمسوس وغيرها من المدائن حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري بل ينبطح، ويتفرّق في الأرض حتى وجه إلى النوبة الملك نقراوش، فهندسوه وساقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، وساقوا منه نهرا إلى مدينة أمسوس، ثم لما خربت أرض مصر بالطوفان، وكانت أيام البودشيرين قفط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ عدل جانبي النيل تعديلا ثانيا بعدما أتلفه الطوفان. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه فملك البودشير، وتجبر، وهو أوّل من تكهن، وعمل بالسحر، واحتجب عن العيون وقد كانت أعمامه أشمن وأتريب وصا ملوكا على أحيازهم. إلا أنه قهرهم بجبروته، وقوّته فكان الذكر له كما تجبر أبوه على من قبله لأنه كان أكبرهم ولذلك أغضوا عنه فيقال: إنه أرسل هرمس - الكاهن المصري - إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته، حتى عمل هناك التماثيل النحاس، وعدل البطيحة التي ينصب فيها ماء النيل. ويقال: إنه الذي عدل جانبي النيل، وقد كان يفيض وربما انقطع في مواضع. وهذا القصر الذي فيه تماثيل النحاس يشتمل على خمس وثمانين صورة جعلها هرمس جامعة لما يخرج من ماء النيل بمعاقد ومصاب مدورة وقنوات يجري فيها الماء وينصب إليها إذا خرج من تحت جبل القمر حتى يدخل من تلك الصور، ويخرج من حلوقها، وجعل لها قياسا معلوما بمقاطع، وأذرع مقدّرة، وجعل ما يخرج من هذه الصور من الماء ينصب إلى الأنهار ثم يصير منها إلى بطيحتين، ويخرج منهما حتى ينتهي إلى البطيحة الجامعة للماء الذي يخرج من تحت الجبل، وعمل لتلك الصور مقادير من الماء الذي يكون معه الصلاح بأرض مصر. وينتفع به أهلها دون الفساد، وذلك الانتهاء المصلح ثمانية عشر ذراعا بالذراع الذي مقداره اثنان وثلاثون إصبعا. وما فضل عن ذلك عدل عن يمين تلك الصور، وشمالها إلى مسارب يخرج، ويصب في رمال وغياض لا ينتفع بها من خلف خط الاستواء. ولولا ذلك لغرّق ماء النيل البلدان التي يمر عليها.

стр. 96

قال: وكان الوليد بن دومع العمليقي، قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان، ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها. فلما صار إلى الشام انتهى إليه خبر مصر، وعظم قدرها وإن أمرها قد صار إلى النساء، وباد ملوكها. فوجه غلاما له يقال له: عون إلى مصر، وسار إليها بعده، واستباح أهلها وأخذ الأموال، وقتل جماعة من كهنتها، ثم سنح له أن يخرج ليقف على مصب النيل. فيعرف ما بحافتيه من الأمم فأقام ثلاث سنين يستعدّ لخروجه وخرج في جيش عظيم فلم يمرّ بأمّة إلا أبادها، ومرّ على أمم السودان، وجاوزهم ومرّ على أرض الذهب، فرأى فيها قضبانا نابتة من ذهب، ولم يزل يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصب ماء النيل فيها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر. وسار حتى بلغ البطيحة هيكل الشمس، وتجاوزه حتى بلغ جبل القمر، وهو جبل عال وإنما سمي: جبل القمر لأنّ القمر لا يطلع عليه لأنه خارج من تحت خط الاستواء، ونظر إلى النيل يخرج من تحته فيمرّ في طريق وأنهار دقاق حتى ينتهي إلى حظيرتين، ثم يخرج منهما في نهرين حتى ينتهي إلى حظيرة أخرى، فإذا جاوز خط الاستواء مدّته عين تخرج من ناحية نهر مكران بالهند؛ وتلك العين أيضا تخرج من تحت جبل القمر إلى ذلك الوجه. ويقال: إن نهر مكران، مثل النيل يزيد وينقص، وفيه التماسيح والأسماك التي مثل أسماك النيل. ووجد الوليد بن دومع: القصر الذي فيه التماثيل النحاس التي عملها هرمس الأوّل في وقت البودشير بن قنطريم بن قبطيم ابن مصرايم. وقد ذكر قوم من أهل الأثر أن الأنهار الأربعة تخرج من أصل واحد من قبة في أرض الذهب التي من وراء البحر المظلم وهي سيحون، وجيحون، والفرات، والنيل. وأن تلك الأرض من أرض الجنة. وأن تلك القبة من زبرجد، وأنها قبل أن تسلك البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور. وممن جاء بهذا رجل من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ وصل إلى تلك القبة؛ وقطع البحر المظلم وكان يقال له: حايد، وقال آخرون: تنقسم هذه الأنهار على اثنين وسبعين قسما حذاء اثنين وسبعين لسانا للأمم. وقال آخرون: هذه الأنهار من ثلوج تتكاثف ويذيبها الحرّ، فتسيل إلى هذه الأنهار وتسقي من عليها لما يريد اللّه من تدبير خلقه قالوا: ولما بلغ الوليد جبل القمر، رأى جبلا عاليا؛ فعمل حيلة إلى أن صعد إليه ليرى ما خلفه، فأشرف على البحر الأسود الزفتي المنتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالأنهار الدقاق. فأتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من أجلها، فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك. وذكر قوم: أنهم لم يروا هناك شمسا ولا قمرا إلا نورا أحمر كنور الشمس عند غيابها. وأما ما ذكر عن حايد وقطعه البحر المظلم ماشيا عليه لا يلصق بقدمه منه شيء؛ وكان فيما يذكر نبيا وأوتي حكمة وأنه سأل اللّه تعالى: أن يريه منتهى النيل، فأعطاه قوّة على ذلك

стр. 97

فيقال: إنه أقام يمشي عليه ثلاثين سنة في عمران وعشرين سنة في خراب. قالوا: وأقام الوليد في غيبته أربعين سنة، وعاد ودخل منف، وأقام بمصر فاستعبد أهلها واستباح حريمهم وأموالهم وملكهم مائة وعشرين سنة؛ فأبغضوه وسئموه إلى أن ركب في بعض أيامه متصيدا فألقاه فرسه في وهدة فقتله، واستراح الناس منه. وقال قدامة بن جعفر (١) في كتاب الخراج: انبعاث النيل من جبل القمر وراء خط الاستواء من عين تجري منها عشرة أنهار كل خمسة منها تصب إلى بطيحة، ثم يخرج من كل بطيحة نهران، وتجري الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة في الإقليم الأوّل، ومن هذه البطيحة (٢) يخرج نهر النيل. وقال في كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق: إن هذه البحيرة تسمى بحيرة كوري منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها. متوحشين يأكلون من وقع إليهم من الناس، ومن هذه البحيرة يخرج لهم نهر غانة وبحر الحبشة، فإذا خرج النيل منها يشق بلاد كوري، وبلادينه. وهم طائفة من السودان بين كاتم والنوبة فإذا بلغ دنقلة مدينة النوبة عطف من غربيها، وانحدر إلى الإقليم الثاني فيكون على شطيه عمارة النوبة. وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى ثم يشرق إلى الجنادل. وقال المسعودي رحمه اللّه تعالى: رأيت في كتاب جغرافيا: النيل مصوّرا ظاهرا من تحت جبل القمر، ومنبعه ومبدأ ظهوره من اثني عشرة عينا؛ فتصب تلك المياه إلى بحيرتين هنالك كالبطائح ثم يجتمع الماء منهما جاريا فيمرّ برمال هنالك وجبال، ويخرق أرض السودان فيما يلي بلاد الزنج، فيتشعب منه خليج يصب في بحر الزنج، ويجري على وجه الأرض تسعمائة فرسخ. وقيل: ألف فرسخ في عامر وغامر من عمران، وخراب حتى يأتي أسوان من صعيد مصر. وقال في كتاب هردسوس: نهر النيل مخرجه من ريف بحر القلزم، ثم يميل إلى ناحية الغرب فيصير في وسطه جزيرة، وآخر ذلك يميل إلى ناحية الشمال فيسقي أرض مصر. وقيل: إن مخرجه من عين فيما يجاوز الجبل، ثم يغيب في الرمال ثم يخرج غير بعيد فيصير له محبس عظيم، ثم يساير البحر المحيط على قفار الحبشة، ثم يميل على اليسار إلى أرض مصر، فيحق ما يظن بهذا النهر أنه عظيم إذ كان مجراه على ما حكيناه. قال: ونهر النيل وهو الذي يسمى بلون مخرجه خفيّ ولكن ظاهر إقباله من أرض الحبشة، ويصير له هناك محبس عظيم مجراه إليه مائتا ميل وذكر مخرجه حتى ينتهي إلى

стр. 98

البحر قال: وكثيرا ما يوجد في نهر النيل التماسيح، وإقبال النيل من أرض الحبشة ليس يختلف فيه أحد، وعدّة أمياله من مخرجه المعروف إلى موقفه مائة ألف وتسعون ألفا وتسعمائة وثلاثون ميلا. وماء النيل عكر مرمل عذب وفيّ، انتهى. والنيل إذا وصل إلى الجنادل كان عند انتهاء مراكب النوبة انحدار أو مراكب الصعيد إقلاعا. وهناك حجارة مضرسة لا مرور للمراكب عليها إلا في أيام زيادة النيل. ثم يأخذ على الشمال فيكون على شرقيه أسوان من الصعيد الأعلى، ويمرّ بين جبلين يكتنفان أعمال مصر أحدهما شرقيّ والآخر غربي، حتى يأتي مدينة فسطاط مصر، فتكون في بره الشرقيّ. فإذا تجاوز فسطاط مصر بمسافة يوم صار فرقتين: فرقة تمرّ حتى تصب في بحر الروم عند دمياط، وتسمى هذه الفرقة: بحر الشرق، والفرقة الأخرى هي: عمود النيل ومعظمه يقال لها: بحر الغرب تمرّ حتى تصب في بحر الروم أيضا عند رشيد، وكانت مدينة كبيرة في قديم الزمان. ويقال: إن مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب في البحر عند رشيد سبعمائة وثمانية وأربعون فرسخا. وأنه يجري في الخراب أربعة أشهر، وفي بلاد السودان شهرين، وفي بلاد الإسلام مسافة شهر. وذهب بعضهم إلى أن زيادة ماء النيل إنما تكون بسبب المدّ الذي يكون في البحر فإذا فاض ماؤه تراجع النيل، وفاض على الأراضي ووضع في ذلك كتابا حاصله: إن حركة البحر التي يقال لها المدّ والجزر، توجد في كل يوم وليلة مرّتين، وفي كل شهر قمريّ مرّتين، وفي كل سنة مرّتين. فالمدّ والجزر اليوميّ تابع لقرص القمر، ويخرج الشعاع عنه من جنبتي جرم الماء. فإذا كان القمر وسط السماء كان البحر في غاية المدّ، وكذا إذا كان القمر في وتد الأرض فإذا بزغ القمر طالعا من الشرق أو غرب كان الجزر. والمدّ الشهري يكون عند استقبال القمر للشمس في نصف الشهر، ويقال له: الامتلاء أيضا عند الاجتماع، ويقال له: السرار. والجزر يكون أيضا في وقتين عند تربيع القمر للشمس في سابع الشهر، وفي ثاني عشريه. والمدّ السنوي يكون أيضا في وقتين: أحدهما عند حلول الشمس آخر برج السنبلة، والآخر عند حلول الشمس بآخر برج الحوت، فإن اتفق أن يكون ذلك في وقت الامتلاء أو الاجتماع، فإنه حينئذ يجتمع الامتلاءان الشهريّ والسنويّ، ويكون عند ذلك البحر في غاية الفيض لا سيما إن وقع الاجتماع أو الامتلاء في وسط السماء، ووقع مع النيرين أو مع أحدهما أحد الكواكب السيارة فإنه يعظم الفيض. فإن وقع كوكب فصاعدا مع أحد النيرين، تزايد عظم الفيض، وكانت زيادة النيل تلك السنة عظيمة جدا، وزاد أيضا نهر مهران. فإن كان الاجتماع أو الامتلاء زائلا عن وسط السماء، وليس مع أحد النيرين كوكب فإن النيل ونهر مهران لا يبلغان غاية زيادتهما لعدم الأنوار التي تثير المياه.

стр. 99

ويكون بمصر في السنة الغلاء والجزء السنوي يكون عند حلول الشمس برأسي الجدي والسرطان. فأما المدّ اليوميّ الدافع من البحر المحيط فإنه لا ينتهي في البحر الخارج من المحيط أكثر من درجة واحدة فلكية، ومساحتها من الأرض نحو من ستين ميلا ثم ينصرف، وانصرافه هو الجزر وكذلك الأودية إذا كانت الأرض وهدة، والمدّ الشهري ينتهي إلى أقاصي البحار، وهو يمسكها حتى لا تنصب في البحر المحيط، وحيث ينتهي المدّ الشهريّ فهناك منتهى ذلك البحر وطرفه. وأما المدّ السنوي فإنه يزيد في البحار الخارجة عن البحر المحيط زيادة بينة، ومن هذه الزيادة تكون زيادة النيل وامتلاؤه، وامتلاء نهر مهران، والديتلو الذي ببلاد السند. قال: ولما جاء أرسطو إلى مصر مع الإسكندر ورأى مصب النيل، وعلم أن من المحال أن يكون النيل في أسوان واد من الأودية. وكلما استحل اتسع حتى أن عرضه في أسفل ديار مصر لينتهي إلى مائة ميل عند غاية الفيض، وله أفواه كثيرة شارعه في البحر تسع كل ما يهبط من الميزان في ذلك الصنع، فرأى محالا أن يكون الوادي بحيث يضيق أسفله عن حمل ما يأتي به أعلاه مع ضيق أعلاه وسعة أسفله. فلما رأى ذلك قال: إن رياحا تستقبل جرية الماء وتردعه، فيفيض لذلك. وقال الإسكندر: إن من المحال أن يكون الريح يردع الماء السائل في الوادي حتى يفيض أكثر من مائة ميل، ولو كانت الريح تفعل ذلك لكان الماء السائل ينفلت من أسفل الوادي، ويسيل إلى البحر، لأن البحر لا يمسك إلا أعلاه؛ ولكن الرياح تقذف الرمل في أفواه تلك الشوارع التي تفضي إلى البحر، فيعثر بها شبه الردم فيفيض. قال: وأغفل أن الرمل جسم متخلخل، فالماء يتخلله وينفذه سائلا إلى البحر، مع أن الرمل لم يعتل اعتلاء يظهر للحسن، والماء سائل في كل حين على حلق تنيس ودمياط وحلق رشيد وحلق الإسكندرية، ففطنوا لاستحالة كونه سائلا عن سيل حامل ونسبوا توقفه إلى الريح والرمل. وهم استقصوا الهواء واستقصوا الأرض وأغفلوا الاستقصاء الثالث الذي هو الماء لأنهم لم يعرفوا حركة البحر السنوية لأنها لا تبلغ الغاية إلا في ثلاثة أشهر فلا يظهر مقدار صعودها في كل يوم للحس. ولذلك وضع أمير مصر المقياس بديار مصر. قال: والمدّ كله واحد وهو أن القمر يقابل الماء كما تقابل الشمس الأرض، فنور القمر إذا قابل كرة الأرض سخنها كما تسخن الشمس الهواء المحيط فيعتري الهواء المحيط بالماء بعض تسخين يذيب الماء، فيفيض وينمى بخاصته كالمرآة المحرقة الملهبة للجوّ حتى تحرق القطنة الموضوعة بين المرآة والشمس. فهذا مثاله في المقابلة ومثاله في المسرار كون الزجاجة المملوءة ما يلقى الشعاع إلى حلقها، فتحترق القطنة أيضا. فالقمر جسم نوريّ باكتسابه ذلك من الشمس. فإذا حال بين الشمس والأرض خرج عن جانبي الماء شعاع نافذ يمرّ مع جنبي الماء فيسخن ما قابله فينمو. والماء جسم شفاف عن جانبيه يخرج الشعاع كما

стр. 100

يخرج عن جانبي الزجاجة، فيحدث لها نور يسخن الهواء الذي يحيط بالزجاجة أو بالأرض، فيقترف الماء شبه تسخين ينمي به ويزيد وذلك قبالة القرص، وقبالة مخرج الشعاع من قبالة وتد القمر، فهذا هو المدّ دائما، ويستدير باستدارة الفلك، وتدويره لفلك القمر وتدوير فلك القمر للقمر. والمدّ الشهريّ هو أن يقابل القمر الشمس أو يستتر تحتها. لأنه ليس إلا كون القمر قبالة الشمس لكونه في تربيع الشمس أضعف وفي المقابلة أقوى، وكذلك إذا قابلها على وسط كرة الأرض بحيث تكون الحركة أشدّ، والاكتناف للماء والأرض أعم فذلك هو المدّ السنوي. فصل في الردّ على من اعتقد أن النيل من سيل يفيض أما العامة فليس عندهم ما يجيء على وجه الأرض أنه سيل، ومن تفطن إلى عظمه واتساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض، ولا هواء. نسب ذلك إلى الخيال المحض. كما فعل صاحب كتاب المسالك والممالك: الذي زعم أن الماء يسافر من كل أرض، وموطن إلى النيل تحت الأرض فيمدّه لأن النيل إنما يفيض في الخريف. والعيون والآبار في ذلك الوقت يقل ماؤها، والنيل يكثر فرأوا كثرة وقلة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال، ومما يدلك على أنه ليس عن سيل يفيض أن السيل يكون في غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر، فيصل السيل ويمرّ نحو البحر، فلا يردعه رادع .. ومنها: أن فيض النيل على تدريج مدّة ثلاثة أشهر من حلول الشمس رأس السرطان إلى حلولها بآخر برج السنبلة، والناس يحسبون به قبل فيضه بمدّة شهرين ولعامل مصر في وسط النيل مقياس موضوع، وهو سارية فيها خطوط يسمونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كل يوم .. ومنها: أن فيضه أبدا في وقت واحد، فلو كان بالسيل لاختلف بعض الاختلاف. ومنها: أنه قد يجيء السيل في غير هذا الوقت فلا يفيض. ومنها: أن الحذاق بمصر إذا رأوا الحر يزيد علموا أن النيل سيزيد لأنّ شدّة الحرّ تذيب الهواء فيذوب الماء، ولا يكون إلا عن زيادة كوكب، ودنوّ نور. ومنها: أن موضع مصبه من أسوان إنما هو واد من الأودية وما أسحل اتسع حتى يكون عرض اتساعه نحوا من مائة ميل وأسوان هو منتهى بلوغ الردع، فما ظنك بسيل مسيره نصف شهر لا نسبة بين مصب أعلاه وأسفله، كيف كان يكون أعلاه لو كان امتلاء أسفله عن

стр. 101

السيل! ومنها: أن أهل أسوان إنما يرقبون بلوغ الردع إليهم مراقبة، ويحافظون عليه بالنهار محافظة، فإذا جنّ الليل أخذوا حقة خزف، فوضعوا فيها مصباحا، ثم يضعونه على حجر معدّ عندهم لذلك. وجعلوا يرقبونه فإذا طفئ المصباح يطفو الماء عليه علموا أن الردع قد وصل غايته المعهودة عندهم بأخذه في الجزر فيكتبوا بذلك إلى أمير مصر يعلموه أن الردع قد وصل غايته المعهودة عندهم وأنهم قد أخذوا بقسطهم من الشرب. فحينئذ يأمر بكسر الأسداد التي على أفواه قرص المشارب، فيفيض الماء على أرض مصر دفعة واحدة. ومنها: أن جميع تلك المشارب تسدّ عند ابتداء النيل بالخشب، والتراب ليجتمع ما يسيل من الماء العذب في النيل، ويكثر ويعم جميع أرضهم ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه. فلو كان سيلا ما احتاج إلى ذلك، ولفتحت له أفواه قرص المشارب عند ابتداء ظهوره. ومنها: أن الخلجان إذا سدّت ولم يكن لها رادع من البحر كان السيل من جنبه إلى البحر إذ أسفل النيل أوسع وأخفض من أعلاه. ومنها: أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنيس ودمياط، كما يفعل في سائر الأودية التي تدخل المدّ والجزر، فلو كان النيل خاليا من الماء العذب، وصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع، لأن الماء يطلب بطبعه ما انخفض من الأرض وأن يكون في صفحة كرة مستوية الخطوط الخارجة من النقطة إلى المحيط متساوية. ومنها: أنها إذا فتحت تلك الأسداد، وكسرت الخلج، وفاض النيل على بطائح أرض مصر. شعر بذلك أهل أسوان للحين، وقالوا في هذه الساعة كسرت الخلج، وفاض ماء النيل على أرض مصر، لأن ذلك يتبين لهم بتحوّل الماء دفعة، فلو كان سيلا وهم على أعلى المصب لقالوا: قد ارتفع المطر عن الأرض التي يسيل منها السيل. ومنها: أن قسميه الذي يمرّ ببلاد الحبشة المنبعث وإياه من جبل القمر لا يفيض كمدّة فيض النيل ثلاثة أشهر، ولا يقيم على وجه الأرض مدّة مقامه. لكنه إذا كثر فيه السيل غمر جوانبه على قدر انبساطها، وإذا نصبت مادّته أردع عليه، فلو كان فيض النيل عن السيل وهما من شعب واحد لكان شأنهما واحدا، ولا نقول: إن فيض النيل بسبب فيض البحر فقط إذ لولا كونه سيل ماء لما دخل ردع البحر إليه ولكان شاطئ ديار مصر كسائر السواحل المجاورة له. ولولا السيل السائل فيه لردمه البحر إذ عادة البحر ردم السواحل، وإنما دخل الشك على أهل مصر في أيام النيل، لأنهم لم يشاهدوا منشأه، ولا عاينوا مبدأه من جبل القمر. لأنه في موضع لا ساكن عليه، ولا تحققوا المدّ السنويّ الرادع له، فلم يتحققوا شيئا من أمره، لأنه بعيد من أذهان العامّة أن يعلموا: أن ماء البحر يعظم في أيام الصيف، لأن المعهود عندهم في البحر أن يعظم في أيام الشتاء، وطمو البحر في الشتاء إنما يكون عن

стр. 102

الرياح الهابة عليه من أحد جانبيه، فيفيض ويخرج إلى الجانب الآخر، إلا ما كان من البحر المحيط فإنه يتحرّك أبدا من داخل البحر إلى البر. وهو أن المحيط يطلب بطبعه أن يكون على وجه الأرض، والأرض ليست بسيطة، فهي تمانعه بما فيها من التركيب فهو يطلب أبدا أن يعلوها ويركبها ببردها. قال: والسبب في عظم المدّ والجزر كثرة الأشعة. فإذا زاحمت الشمس والقمر، الكواكب السيارة عظم فيض البحر، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السيارة ارتفع البخار، وصعد إلى كورة الزمهرير، ونزل المطر فإذا فارق القمر الكواكب ارتفع المطر لكثرة التحليل. كما يكون في نصف النهار عند توسط الشمس لرؤوس الخلق، وكما يكون عند حلول الكواكب الكبيرة على وسط خط أرين، واللّه تعالى أعلم بالصواب. قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: الذي تحصل من هذا القول إن النيل مخرجه من جبل القمر. وأن زيادته إنما هي من فيض البحر عند المدّ فأما كون مخرجه من جبل القمر فمسلم، إذ لا نزاع في ذلك. وأما كون زيادته لا تكون إلا من ردع البحر له بما حصل فيه من المدّ فليس كذلك. نعم توالى هبوب الرياح الشمالية على وفور الزيادة، وردع البحر له إعانة على الزيادة، ومن تأمل النيل علم أن سيلا سال فيه، ولا بد فإنه لا يزال أيام الشتاء، وأوائل فصل الربيع ماؤه صافيا من الكدرة فإذا فرغت أيام زيادته، وكان في غاية نقصه تغير طعمه، ومال لونه إلى الخضرة، وصار بحيث إذا وضع في إناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب. وسبب ذلك: أن البطيحة التي في أعالي الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتى يتغير ماؤها فإذا كثرت أمطار الجنوب في فصل الصيف، وعظمت السيول الهابطة في هذه البطيحة، فاض منها ما تغير من الماء وجرى إلى أرض مصر فيقال عند ذلك: توحم النيل، ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغير، ويزاد عكره بزيادة الماء، فإذا وضع منه أيام الزيادة شيء في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيام الزيادة وهذا الطين هو الذي تحمله السيول التي تنصب في النيل حتى تكون زيادته منها وفيه يكون الزرع بعد هبوط النيل، وإلا فأرض مصر سبخة لا تنبت، ولا ينبت منها إلا ما مرّ عليه ماء النيل، وركد منه هذا الطين وقوله: إن السيل يكون في غير وقت فيض البحر ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر فيصل السيل، ويمرّ نحو البحر، فلا يردعه رادع غير مسلم وإن العادة أن السيول التي عليها زيادة ماء النيل لا تكون إلا عن غزارة الأمطار ببلاد الجنوب وأمطار الجنوب لا تكون إلا في أيام الصيف، ولم يعهد قط زيادة النيل في الشتاء. وأول دليل على أن كون زيادته عن سيل يسيل فيه إنما يزيد بتدريج على قدر ما يهبط فيه من السيول. وأما استدلاله بصب النيل في أسوان واتساعه أسفل الأرض فإنما ذلك لأنه يصب من

стр. 103

علو في منخرق بين جبلين، يقال لهما: الجنادل وينبطح في الأرض حتى يصب في البحر، فاتساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الانبساط. وأما قوله: إن الأسداد إذا كثرت فاض الماء على الأرض دفعة فليس كذلك؟ بل يصير الماء عند كسر كل سدّ من الأسداد في خليج، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلى ما على جانبه من الأراضي حتى يروى. فمن تلك الأراضي ما يروى سريعا، ومنها ما يروى بعد أيام، ومنها ما لا يروى لعلوّه. وأما قوله: إن جميع تلك المشارب تستدّ عند ابتداء صعود النيل ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل، ويكثر فيعم جميع أرضهم، ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه، فغير مسلّم أن تكون السداد كما ذكر. بل أراضي مصر أقسام كثيرة منها: عال لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة، ومنها: منخفض يروى من يسير الزيادة والأراضي متفاوتة في الارتفاع والانخفاض تفاوتا كثيرا. ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر الترع. وفي أسفل الأرض إلى عمل الجسور حتى يحبس الماء ليروي أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج. وإلا فهو يزيد أولا في غير سقي الأراضي حتى إذا اجتمع من زيادته المقدار الذي هو كفاية الأراضي في وقت خلوّ الأراضي من الغلال. وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح سدّ الخليج حتى يجري فيه الماء إلى حدّ معلوم، ووقف حتى يروي ما تحت ذلك الحدّ الذي وقف عنده الماء من الأرض. ثم فتح ذلك الحدّ في يوم النيروز (١) حتى يجري إلى حدّ آخر، ويقف عنده حتى يروي ما تحت هذا الحدّ الثاني من الأراضي، ثم يفتح هذا الحدّ في يوم عيد (٢) الصليب بعد النوروز بسبعة عشر يوما حتى يجري الماء، ويقف على حدّ ثالث حتى يروي ما تحت هذا الحدّ من الأراضي، ثم يفتح هذا الحدّ فيجري الماء، ويروي ما هنالك من الأراضي، ويصب في البحر الملح. هذا هو الحال في سدود أراضي مصر وقوله: إن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنيس ودمياط فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع فنقول: هذا قول من لم يعرف أرض مصر، فإن النيل عند مصبه بأعالي أسوان يكون أعلى منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة. فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل، وربما غلب ماء البحر ماء النيل في أيام نقصان النيل حتى يملح ماء النيل فيما بين دمياط وفارس كور. وأما في أيام زيادة النيل، فإني شاهدت مصب النيل في البحر من دمياط وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه حتى صارا متمانعين عبرة لمن اعتبر. وقوله: إن الأسداد إذا فتحت

стр. 104

علم أهل أسوان بذلك في الحال غير مسلم، بل لم نزل نشاهد النيل في الأعوام الكثيرة إذا فتح منه خليج أو انقطع مقطع فأغرق ماؤه أراضي كثيرة لا يظهر النقص فيه إلا فيما قرب من ذلك الموضع، وما برح المفرد يخرج من قوص ببشارة وفاء النيل. وقد أوفى عندهم ستة عشر ذراعا، فلا يوفي ذلك المقياس بمصر إلا بعد ثلاثة أيام ونحوها. وأما قوله: إن ما كان من النيل يمرّ ببلاد الحبشة يخالفه فليس كذلك، بل الزيادة في النيل أيام زيادته تكون ببلاد النوبة، وما وراءها في الجنوب كما تكون في أرض مصر، ولا فرق بينهما إلا في شيئين: أحدهما: أنه في أرض مصر يجري في حدود وهناك يتبدّد على الأراضي، والثاني: أن زيادته تعتبر بالقياس في أرض مصر، وهناك لا يمكن قياسه لتبدّده ومن عرف أخبار مصر علم أن زيادة ماء النيل تكون عن أمطار الجنوب. ويقال: إن النيل ينصب من عشرة أنهار من جبل القمر المتقدّم ذكره. كل خمسة أنهار من شعبة، ثم تتبحر تلك الأنهار العشرة في بحرين، كل خمسة أنهار تتبحر بحيرة بذاتها، ثم يخرج من البحيرة الشرقية بحر لطيف يأخذ شرقا على جبل قاقولي، ويمتدّ إلى مدن هناك، ثم يصب في البحر الهندي. ويخرج من البحيرتين ستة أنهار من كل بحيرة ثلاثة أنهار، وتجتمع الأنهار الستة في بحيرة متسعة تسمى البطيحة، وفيها جبل يفرّق الماء نصفين يخرج أحدهما من غرب البطيحة، وهو نيل السودان، ويصير نهرا يسمى بحر الدمادم، ويأخذ مغربا ما بين سمغرة وغانة على جنوبيّ سمغرة وشماليّ غانة، ثم ينعطف هناك. منه فرقة ترجع جنوبا إلى غانة، ثم تمرّ على مدينة برنسة، وتأخذ تحت جبل في جنوبها خارج خط الاستواء إلى زفيلة، ثم تتبحر في بحيرة هناك وتستمرّ الفرقة الثانية مغرّبة إلى بلاد مالي والتكرور، حتى تنصب في البحر المحيط شماليّ مدينة قلبتو، ويخرج النصف الآخر متشاملا آخذا على الشمال إلى شرقيّ مدينة حيما، ثم يتشعب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرت. ثم ترجع جنوبا ثم تعطف شرقا بجنوب إلى مدينة سحرتة، ثم إلى مدينة مركة. وينتهي إلى خط الاستواء حيث الطول خمس وستون درجة، ويتبحر هناك بحيرة ويسمى: عمود النيل من قبالة تلك الشعبة شرقيّ مدينة شيمي متشاملا آخذا على أطراف بلاد الحبشة، ثم يتشامل على بلاد السودان إلى مدينة دنفلة حتى يرمي على الجنادل إلى أسوان، وينحدر وهو يشق بلاد الصعيد إلى مدينة فسطاط مصر، ويمرّ حتى يصب في البحر الشاميّ، وقد استفيض ببلاد السودان أن النيل ينحدر من جبال سود يبين على بعد كأن عليها الغمام ثم يتفرّق نهرين يصب أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظلمة الجنوبيّ، والآخر يتصل إلى مصر حتى يصب في البحر الشاميّ. ويقال: إنه في الجنوب يتفرّق سبعة أنهار تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع الأنهار السبعة، وتخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا في بلاد السودان.

стр. 105

ذكر مقاييس النيل وزيادته قال ابن عبد الحكم: أوّل من قاس النيل بمصر، يوسف ﵇، وضع مقياسا بمنف ثم وضعت العجوز دلوكة ابنة زبا وهي صاحبة حائط العجوز مقياسا بأنصنا (١). وهو صغير الذرع، ومقياسا بإخميم (٢)، ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان (٣)، وهو صغير ووضع أسامة بن زيد التنوخيّ في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة (٤)، وهو أكبرها. قال يحيى بن بكير: أدركت القياس يقيس في مقياس منف (٥) ويدخل بزيادته إلى الفسطاط. وقال القضاعيّ: كان أوّل من قاس النيل بمصر، يوسف ﵇ وبنى مقياسا بمنف وهو أوّل مقياس وضعه ﵇. وقيل: إن النيل كان يقاس بمصر بأرض علوة إلى أن بنى مقياس منف. وأن القبط كانت تقيس عليه إلى أن بطل ومن بعده دلوكة العجوز بنت مقياسا بانصنا، وهو صغير الذرع وآخر بأخميم وهي التي بنت الحائط المحيط بمصر. وقيل: إنهم كانوا يقيسون الماء قبل أن يوضع المقياس بالرصاصة فلم يزل المقياس فيما مضى قبل الفتح بقيسارية الأكسية ومعالمه هناك إلى أن ابتنى المسلمون بين الحصن، والبحر أبنيتهم الباقية الآن. وكان للروم أيضا مقياس بالقصر خلف الباب يمنة من دخل منه في داخل الزقاق أثره قائم إلى اليوم وقد بني عليه وحواليه. ثم بنى عمرو بن العاص عند فتحه مصر مقياسا بأسوان ثم بنى بموضع يقال له: دندرة، ثم بنى في أيام معاوية مقياس بانصنا، فلم يزل يقاس عليه إلى أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وكانت منزله، وكان هذا المقياس صغير الذرع. فأمّا المقياس القديم الذي بنى في الجزيرة فالذي وضعه أسامة بن زيد. وقيل: إنه كسر فيه ألفي أوقية، وهو الذي بنى بيت المال بمصر. ثم كتب أسامة بن زيد التنوخيّ، عامل خراج مصر لسليمان بن عبد الملك ببطلانه، فكتب إليه سليمان بأن يبني مقياسا في الجزيرة فبناه في سنة سبع

стр. 106

وتسعين، ثم بنى المتوكل فيها مقياسا في أوّل سنة سبع وأربعين ومائتين في ولاية يزيد بن عبد اللّه التركيّ على مصر. وهو المقياس الكبير المعروف بالجديد وأمر بأن يعزل النصارى عن قياسه، فجعل يزيد بن عبد اللّه التركيّ على المقياس أبا الردّاد المعلم واسمه: عبد اللّه بن عبد السلام بن عبد اللّه بن أبي الردّاد المؤذن. كان يقول القميّ: أصله بالبصرة قدم مصر وحدث بها وجعل على قياس النيل، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ سبعة دنانير في كل شهر فلم يزل المقياس من ذلك الوقت في يد أبي الردّاد وولده إلى اليوم، وتوفي أبو الردّاد سنة ست وستين ومائتين. ثم ركب أحمد بن طولون سنة تسع وخمسين ومائتين، ومعه أبو أيوب صاحب خراجه، وبكار بن قتيبة القاضي فنظر إلى المقياس، وأمر بإصلاحه وقدّر له ألف دينار فعمرو بني الحارث في الصناعة مقياسا وأثره باق لا يعتمد عليه. وقال ابن عبد الحكم: ولما فتح عمرو بن العاص مصر، أتى أهلها إلى عمرو حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها. فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحليّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم عمر: وإن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى، وهو لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك فكتب إليه عمر: أن قد أصبت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة، فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب إلى عمرو فتح البطاقة فإذا فيها: من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، وأصبحوا يوم الصليب، وقد أجراه اللّه تعالى ستة عشر ذراعا في ليله، وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر. وذكر بعضهم: أن جاحلا الصدفيّ هو الذي جاء ببطاقة عمر ﵁ إلى النيل حين توقف، فجرى بإذن اللّه تعالى. وقال يزيد بن أبي حبيب: أن موسى ﵇ دعا على آل فرعون، فحبس اللّه عنهم النيل حتى أرادوا الجلاء، فطلبوا إلى موسى أن يدعو اللّه، فدعا اللّه رجاء أن يؤمنوا، وذلك ليلة الصليب، فأصبحوا، وقد أجراه اللّه في تلك الساعة ستة عشر ذراعا، فاستجاب اللّه بطوله لعمر بن الخطاب كما استجاب لنبيه موسى ﵇. قال القضاعي: ووجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم، قال: لما

стр. 107

فتحت العرب مصر عرف عمر بن الخطاب ﵁: ما يلقي أهلها من الغلاء عند وقوف النيل عن حدّه في مقياس لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، وأن الاحتكار يدعو إلى تصاعد الأسعار بغير قحط، فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه: إني وجدت ما تروي به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحدّ الذي يروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم، ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستئجار اثنا عشر ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة هذا، والبلد في ذلك الوقت محفور الأنهار معقود الجسور عند ما تسلموه من القبط، وخميرة العمارة فيه. فاستشار أمير المؤمنين عمر ﵁، عليا ﵁ في ذلك فأمره أن يكتب إليه أن يبني مقياسا وأن ينقص ذراعين من اثني عشر ذراعا، وأن يقرّ ما بعدها على الأصل، وأن ينقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين، ففعل ذلك، وبناه بحلوان فاجتمع له بذلك كل ما أراد من حل الإرجاف، وزوال ما منه كان يخاف بأن جعل الاثني عشر ذراعا أربع عشرة لأن كل ذراع أربع وعشرون إصبعا، فجعلها ثمانيا وعشرين من أوّلها إلى الاثني عشر ذراعا يكون مبلغ الزيادة على الاثني عشر ثمانيا وأربعين إصبعا وهي الذراعان، وجعل الأربع عشرة ست عشرة والست عشرة ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين. قال القضاعيّ: وفي هذا الحساب نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال وشاهد ذلك: أن المقاييس القديمة الصعيدية من أوّلها إلى آخرها أربع وعشرون إصبعا، كل ذراع، والمقاييس الإسلامية على ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن زيد التنوخي بالجزيرة، وهو الذي هدمه الماء وبنى المأمون آخر بأسفل الأرض بالبروذات وبنى المتوكل آخر بالجزيرة، وهو الذي يقاس عليه الماء الآن وقد تقدّم ذكره. قال ابن عفير (١) عن القبط المتقدّمين إذا كان الماء في اثني عشر يوما من مسرى اثنتي عشرة ذراعا فهي سنة ماء. وإلا فالماء ناقص، وإذا تمّ ست عشرة ذراعا قبل النوروز فالماء يتم فاعلم ذلك. وقال أبو الصلت: وأما النيل وينبوعه فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنه يبتدئ في التزايد في شهر أبيب، والمصريون يقولون: إذا دخل أبيب كان للماء دبيب، وعند ابتدائه في التزايد يتغير جميع كيفياته، ويفسد. والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه آجنة يخالطها فيجتلبها معه إلى غير ذلك مما يحتمله فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا وزاد من السادس عشر إصبعا واحدا كسر الخليج، ولكسره يوم معدود، ومقام مشهود، ومجتمع خاص يحضره العام والخاص، فإذا كسر فتحت الترع وهي فوهات

стр. 108

الخلجان ففاض الماء، وساح وغمر القيعان والبطاح، وانضم الناس إلى أعالي مساكنهم من الضياع والمنازل وهي على آكام وربا لا ينتهي الماء إليها ولا يتسلط السيل عليها، فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامرا لما بين جبليها ريثما يبلغ الحدّ المحدود في مشيئة اللّه له، وأكثر ذلك يحوم حول ثماني عشرة ذراعا، ثم يأخذ عائدا في صبه إلى مجرى النيل ومسربه، فينضب أوّلا عما كان من الأرض عاليا ويصير فيما كان منها متطامنا، فيترك كل قرارة كالدرهم، ويغادر كل ملقة كالبرد المسهم. وقال القاضي أبو الحسن عليّ بن محمد الماورديّ (١) في كتاب الأحكام السلطانية: وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبع، وأوّل من وضعها أمير المؤمنين هارون الرشيد قدّرها بذراع خادم أسود كان على رأسه قائما، وهي التي تتعامل الناس بها في ذرع البز والتجارة والأبنية، وقياس نيل مصر. وأكثر ما وجد في القياس من النقصان سنة سبع وتسعين ومائة وجد في المقياس تسعة أذرع وأحد وعشرون أصبعا. وأقل ما وجد منه سنة خمس وستين ومائة فإنه وجد فيه ذراع واحد وعشر أصابع، وأكثر ما بلغ في الزيادة سنة تسع وتسعين ومائة فإنه بلغ ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا، وأقل ما كان في سنة ست وخمسين وثلثمائة الهلالية فإنه بلغ اثني عشر ذراعا وتسع عشرة أصبعا، وهي أيام كافور الإخشيدي. والمقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه، وهذا العمود مفصل على اثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مفصل على أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع ما عدا الاثني عشر ذراعا الأولى، فإنها مفصلة على ثمان وعشرين أصبعا كل ذراع. وقال المسعوديّ: قالت الهند: زيادة النيل ونقصانه بالسيول ونحن نعرف ذلك بتوالي الأنواء وكثرة الأمطار. وقالت الروم: لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته، ونقصانه من عيون كثرت واتصلت. وقالت القبط: زيادته ونقصانه من عيون في شاطئه يراها من سافر ولحق بأعاليه. وقيل: لم يزد قط وإنما زيادته بريح الشمال إذا كثرت، واتصلت تحبسه، فيفيض على وجه الأرض. وقال قوم: سبب زيادته هبوب ريح تسمى ريح الملتن، وذلك أنها تحمل السحاب

стр. 109

الماطر من خلف خط الاستواء فيمطر ببلاد السودان، والحبشة، والنوبة فيأتي مدده إلى أرض مصر بزيادة النيل، ومع ذلك فإن البحر الملح يقف ماؤه على وجه النيل، فيتوقف حتى يروي البلاد وفي ذلك يقول (١): فاسمع فللسامع أعلى يدا … عندي وأسمى من يد المحسن فالنيل ذو فضل ولكنه … الشكر في ذلك للملتن ويبتدئ النيل بالتنفس، والزيادة بقية بؤنة وهو حزيران، وأبيب وهو تموز، ومسرى وهو آب، فإذا كان الماء زائدا زاد شهر توت كله، وهو أيلول إلى انقضائه. فإذا انتهت الزيادة إلى الذراع الثامن عشر؛ ففيه تمام الخراج وخصب الأرض وهو ضارّ بالبهائم لعدم الرعي والكلا. وأتمّ الزيادات كلها العامّة النفع للبلد كله سبعة عشر ذراعا وفي ذلك كفايتها وريّ جميع أرضها، وإذا زاد على ذلك، وبلغ ثمانية عشر ذراعا، وغلقها استبحر من أرض مصر الربع. وفي ذلك ضرر لبعض الضياع لما ذكرنا من الاستبحار، وإذا كانت الزيادة على ثمانية عشر ذراعا كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعا. وقد بلغ في خلافة عمر بن عبد العزيز اثني عشر ذراعا، ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثنتي عشرة ذراعا، ثمان وعشرون أصبعا، ومن اثنتي عشرة ذراعا إلى ما فوق ذلك يكون الذراع أربعا وعشرين أصبعا، وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أذرع، وفي تلك السنة يكون الماء قليلا، والأذرع التي يستسقى عليها بمصر هي ذراعان تسميان منكرا ونكيرا، وهي الذراع الثالث عشر، والذراع الرابع عشر، فإذا انصرف الماء عن هذين الذراعين وزيادة نصف ذراع من الخمس عشرة استستقى الناس بمصر. فكان الضرر الشامل لكل البلدان، وإذا تمّ خمس عشرة ودخل في ست عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقى فيه وكان ذلك نقصا من خراج السلطان، والنبيذ يتخذ بمصر من ماء طوبة، وهو كانون الثاني بعد الغطاس، وهو لعشرة تمضي من طوبة، وأصفى ما يكون ماء النيل في ذلك الوقت، وأهل مصر يفتخرون بصفاء ماء النيل في هذا الوقت، وفيه يخزن الماء أهل تنيس ودمياط وتونة وسائر قرى البحيرة. وقد كانت مصر كلها تروي من ست عشرة ذراعا، غامرها وعامرها لما أحكموا من جسورها وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع، دخل خليج المنهي، وخليج الفيوم، وخليج سردوس، وخليج سخا. قال: والمعمول عليه في وقتنا هذا، وهو سنة خمس وأربعين وثلثمائة إنه إن زاد على

стр. 110

الستة عشر ذراعا أو نقص عنها نقص من خراج السلطان، وقد تغير في زماننا هذا عامة ما تقدّم ذكره لفساد حال الجسور والترع والخلجان وقانون اليوم: أنه يزيد في القيظ إذا حلت الشمس برج السرطان والأسد والسنبلة حين تنقص عامة الأنهار التي في المعمور، ولذلك قيل: إن الأنهار تمدّه بمائها عند غيضها، فتكون زيادته وتبتدئ الزيادة من خامس بؤنة (١)، وتظهر في ثاني عشره، وأول دفعه في الثاني من أبيب (٢) وتنتهي زيادته في ثامن بابه (٣)، ويؤخذ في النقصان من العشرين منه. فتكون مدّة زيادته من ابتدائها إلى أن ينقص ثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوما. وهي: أبيب ومسرى (٤) وتوت (٥) وعشرون يوما من بابه، ومدّة مكثه بعد انتهاء زيادته اثنا عشر يوما ثم يأخذ في النقصان. ومن العادة أن ينادى عليه دائما في اليوم السابع والعشرين من بؤنة بعد ما يؤخذ قاعه، وهو ما بقي من الماء القديم في ثالث عشر بؤنة، وبفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا وأدركت الناس يقولون: نعوذ بالله من أصبع من عشرين وكنا نعهد الماء إذا بلغ أصابع من عشرين ذراعا فاض ماء النيل، وغرّق الضياع والبساتين وفارت البلاليع، وها نحن في زمن منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة إذا بلغ الماء في سنة أصبعا من عشرين لا يعم الأرض كلها لما قد فسد من الجسور، وكان إلى ما بعد الخمسمائة من الهجرة قانون النيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة، وهي في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا؛ وكانوا يقولون: إذا زاد على ذلك ذراعا واحدة؛ زاد خراج مصر مائة ألف دينار لما يروي من الأراضي العالية؛ فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية القصوى، فإن الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة اثنان وعشرون ذراعا في الصعيد الأعلى؛ فإن زاد على الثمانية عشر ذراعا واحدا نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من الأرض المنخفضة. قال ابن ميسر في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وبلغ الماء الباب الجديد أوّل الشارع خارج القاهرة، وكان الناس يتوجهون إلى القاهرة من مصر من ناحية المقابر، فلما بلغ الخليفة الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن محمد أن الماء وصل إلى الباب الجديد أظهر الحزن، والانقطاع فدخل إليه بعض خواصه، وسأله عن السبب، فأخرج له كتابا فإذا فيه: إذا وصل الماء بالباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد، ثم قال: هذا الكتاب الذي تعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا،
следующие страницы →