← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

شكل الإنسان وغيره من الحيوان، وكتابة كثيرة بالقلم المجهول، وقلما ترى حجرا خلا عن كتابة أو نقش أو صورة. وفي هذه المدينة، المسلتان المشهورتان، وتسميان مسلتي فرعون وصفة المسلة قاعدة مربعة طولها عشرة أذرع في مثلها عرضا في نحوها سمكا، قد وضعت على أساس ثابت في الأرض، ثم أقيم عليها، عمود مثلث مخروط ينيف طوله على مائة ذراع، يبتدئ من القاعدة ببسطة، قطرها خمسة أذرع، وينتهي إلى نقطة، وقد لبّس رأسها بقلنسوة نحاس إلى نحو ثلاثة أذرع منها كالقمع، وقد تزنجر بالمطر، وطول المدّة، واخضرّ، وسال من خضرته على بسيط المسلة، وكلها عليها كتابات بذلك القلم، وكانت المسلتان قائمتين، ثم خربت إحداهما، وانصدعت من نصفها العظم الثقل، وأخذ النحاس من رأسها، ثم إنّ حولها من الأصنام شيئا كثيرا لا يحصى عدده على نصف تلك العظمى، أو يليها، وقلما يوجد في هذه المسال الصغار ما هو قطعة واحدة، بل فصوصها بعضها على بعض، وقد تهدّم أكثرها، وإنما بقيت قواعدها. وقال محمد بن إبراهيم الجزريّ في تاريخه: وفي رابع شهر رمضان، يعني من سنة ست وخمسين وستمائة: وقعت إحدى مسلتي فرعون التي بأراضي المطرية من ضواحي القاهرة، فوجدوا داخلها مائتي قنطار من نحاس، وأخذ من رأسها عشرة آلاف دينار. ويقال: إنّ عين شمس، بناها الوليد بن دومع من الملوك العماليق، وقيل: بناها الريان بن الوليد، وكانت سرير ملكه. والفرس تزعم: أنّ هرشيك بناها. ويقال: طول العمودين مائة ذراع، وقيل: أربعة وثمانون ذراعا، وقيل: خمسون ذراعا. ويقال: إنّ بخت نصر هو الذي خرّب عين شمس لما دخل إلى مصر. وقال القضاعيّ: وعين شمس، وهي هيكل الشمس بها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما، ولا من شأنهما، طولهما في السماء نحو من خمسين ذراعا، وهما محمولان على وجه الأرض، وبينهما صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين من نحاس، فإذا جاء النيل، قطر من رأسيهما ما تستبينه وتراه منهما واضحا ينبع حتى يجري من أسافلهما، فينبت في أصلهما العوسج وغيره، وإذا دخلت الشمس دقيقة من الجدي، وهو أقصر يوم في السنة، انتهت إلى الجنوبيّ منهما، فطلعت عليه على قمة رأسه، وهما منتهى الميلين وخط الاستواء في الواسطة منهما، ثم خطرت بينهما ذاهبة، وجائية سائر السنة، كذا يقول أهل العلم بذلك.

стр. 422

وقال ابن سعيد (١) في كتاب المغرب: وكانت عين شمس في قديم الزمان عظيمة الطول والعرض، متصلة البناء بمصر القديمة، حيث مدينة الفسطاط الآن، ولما قدم عمرو بن العاص، نازل عين شمس، وكان جمع القوم حتى فتحها. وقال جامع السيرة الطولونية: كان بعين شمس صنم بمقدار الرجل المعتدل الخلق، من كدّان أبيض محكم الصنعة يتخيل من استعرضه أنه ناطق، فوصف لأحمد بن طولون، فاشتاق إلى تأمّله، فنهاه ندوسة عنه، وقال: ما رآه وال قط إلا عزل، فركب إليه، وكان هذا في سنة ثمان وخمسين ومائتين، وتأمّله، ثم دعا بالقطاعين، وأمرهم باجتثاثه من الأرض، ولم يترك منه شيئا، ثم قال لندوسة خازنه: يا ندوسة من صرف منا صاحبه؟ فقال: أنت أيها الأمير، وعاش بعدها أحمد اثنتي عشرة سنة أميرا. وبنى العزيز بالله نزار بن المعز قصورا بعين شمس. وقال أبو عبيد البكريّ: عين شمس، بفتح الشين وإسكان ثانيه بعده سين مهملة، عين ماء معروفة. قال محمد بن حبيب: عين شمس حيث بنى فرعون الصرح، وزعم قوم: أنّ عين شمس إلى هذا الماء أضيف، وأوّل من سمى هذا الاسم، سبا بن يشجب. وذكر الكلبيّ: أن شمسا الذي تسموا به صنم قديم. وقال ابن خرداذبه: وأسطوانتين بعين شمس من أرض مصر، ومن بقايا أساطين كانت هناك في رأس كل أسطوانة: طوق من نحاس يقطر من إحداهما ماء من تحت الطوق إلى نصف الأسطوانة لا يجاوزه، ولا ينقطع قطره ليلا ولا نهارا، فموضعه من الأسطوانة أخضب رطب، ولا يصل الماء إلى الأرض، وهو من بناء أوسهنك. وذكر محمد بن عبد الرحيم (٢) في كتاب تحفة الألباب: أنّ هذا المنار مربع علوه: مائة ذراع قطعة واحدة محدّد الرأس على قاعدة من حجر، وعلى رأس المنار، غشاء من صفر كالذهب فيه صورة إنسان على كرسيّ، قد استقبل المشرق، ويخرج من تحت ذلك الغشاء الصفر، ماء يسيل، مقدار عشرة أذرع، وقد نبت منه شيء كالطحلب، فلا يبرح لمعان الماء على تلك الخضرة أبدا صيفا وشتاء، لا ينقطع ولا يصل إلى الأرض منه شيء،

стр. 423

وبعين شمس نبت يزرع كالقضبان يسمى البلسم، يتخذ منه دهن البلسان لا يعرف بمكان من الأرض إلا هناك، وتؤكل لحمى هذه القضبان، فيكون له طعم، وفيه حرارة، وحرافة لذيذة. وبناحية المطرية من حاضرة عين شمس، البلسان، وهو شجر قصار يسقى من ماء بئر هناك، وهذه البئر، تعظمها النصارى وتقصدها، وتغتسل بمائها، وتستشفي به، ويخرج لاعتصار البلسان أوان إدراكه من قبل السلطان، من يتولى ذلك، ويحفظه ويحمل إلى الخزانة السلطانية، ثم ينقل منه إلى قلاع الشام، والمارستانات لمعالجة المبرودين، ولا يؤخذ منه شيء إلا من خزانة السلطان بعد أخذ مرسوم بذلك، ولملوك النصارى من الحبشة والروم والفرنج فيه غلوّ عظيم، وهم يتهادونه من صاحب مصر، ويرون أنهم لا يصح عندهم لأحد أن يتنصر إلا أن ينغمس في ماء المعمودية، ويعتقدون أنه لا بدّ أن يكون في ماء المعمودية شيء من دهن البلسان، ويسمونه: الميرون. وكان في القديم، إذا وصل من الشام خبر انتهى إلى صاحب عين شمس، ثم يرد من عين شمس إلى الحصن الذي عرف بقصر الشمع حيث الآن مدينة مصر، ثم يرد من الحصر إلى مدينة منف، حيث كانت منف تحت الملك. وسبب تعظيم النصارى لدهن البلسان، ما ذكره في كتاب السنكسار، وهو يشتمل على أخبار النصارى: أنّ المسيح لما خرجت به أمّه، ومعهما يوسف النجار من بيت المقدس فرارا من هيرودس ملك اليهود، نزلت به أول موضع من أرض مصر، مدينة بسطة في رابع عشري بشنس، فلم يقبلهم أهلها، فنزلوا بظاهرها، وأقاموا أياما، ثم ساروا إلى مدينة سمنود، وعدّوا النيل إلى الغربية، ومشوا إلى مدينة الأشمونين، وكان بأعلاها إذ ذاك، شكل فرس من نحاس قائم على أربعة أعمدة، فإذا قدم إليها غريب صهل، فجاءوا ونظروا في أمر القادم، فعندما وصلت مريم بالمسيح ﵇، إلى المدينة سقط الفرس المذكور، وتكسر فدخلت به أمّه، وظهرت له ﵇ في الأشمونين آية، وهو أنّ: خمسة جمال محملة زاحمتهم في مرورهم، فصرخ فيها المسيح في الأشمونين، فصارت حجارة، ثم إنهم ساروا من الأشمونين، وأقاموا بقرية تسمى: فيلس مدّة أيام، ثم مضوا إلى مدينة تسمى: قس وقام، وهي التي يقال لها اليوم: القوصية، فنطق الشيطان من أجواف الأصنام التي بها، وقال: إنّ امرأة أتت، ومعها ولدها يريدون أن يخربوا بيوت معابدكم، فخرج إليهم مائة رجل بسلاحهم، وطردوهم عن المدينة، فمضوا إلى ناحية ميرة في غربيّ القوصية، ونزلوا في الموضع الذي يعرف اليوم بدير المحرق، وأقاموا به ستة أشهر وأياما، فرأى يوسف النجار في منامه قائلا يخبره بموت هيرودس، ويأمره أن يرجع بالمسيح إلى القدس، فعادوا من ميرة حتى نزلوا حيث الموضع الذي يعرف اليوم في مدينة مصر بقصر الشمع، وأقاموا بمغارة تعرف اليوم بكنيسة بوسرجة، ثم خرجوا منها إلى عين شمس، فاستراحوا هناك

стр. 424

بجوار ماء، فغسلت مريم من ذلك الماء ثياب المسيح، وقد اتسخت، وصبت غسالتها بتلك الأراضي، فأنبت اللّه هنالك البلسان، وكان إذ ذاك بالأردن، فانقطع من هناك، وبقي بهذه الأرض، وغمرت هذه البئر التي هي الآن موجودة هناك على ذلك الماء الذي غسلت منه مريم، وبلغني أنها إلى الآن إذا اعتبرت يوجد ماؤها عينا جارية في أسفلها، فهذا سبب تعظيم النصارى لهذه البئر وللبلسان، فإنه إنما سقي منها، واللّه أعلم. المنصورة (١) هذه البلدة على رأس بحر أشموم تجاه ناحية طلخا (٢) بناها: السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، في سنة ست عشرة وستمائة عند ما ملك الفرنج، مدينة دمياط، فنزل في موضع هذه البلدة، وخيم به، وبنى قصرا لسكناه، وأمر من معه من الأمراء والعساكر بالبناء، فبنى هناك عدّة دور ونصبت الأسواق وأدار عليها سورا مما يلي البحر، وستره بالآلات الحربية والستائر، وتسمى هذه المنزلة المنصورة، ولم يزل بها حتى استرجع مدينة دمياط، كما تقدّم ذكره عند ذكر مدينة دمياط من كتابنا هذا، فصارت مدينة كبيرة بها الحمامات والفنادق والأسواق، ولما استنقذ الملك الكامل دمياط من الفرنج، ورحل الفرنج إلى بلادهم جلس بقصره في المنصورة وبين يديه إخوته الملك المعظم عيسى صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى صاحب بلاد الشرق وغيرهما من أهله، وخواصه، فأمر الملك الأشرف جاريته، فغنت على عودها: ولما طغى فرعون عكا وقومه … وجاء إلى مصر ليفسد في الأرض أتى نحوهم موسى وفي يده العصا … فأغرقهم في اليم بعضا على بعض فطرب الأشرف، وقال لها: بالله كرّري، فشق ذلك على الملك الكامل، وأسكتها، وقال لجاريته: غني أنت فأخذت العود، وغنت: أيا أهل دين الكفرة قوموا لتنظروا … لما قد جرى في وقتنا وتجدّدا أعباد عيسى إن عيسى وحزبه … وموسى جميعا ينصران محمدا وهذا البيت من قصيدة لشرف الدين بن حبارة أوّلها: (أبى الوجد إلا أن أبيت مسهدا) فأعجب ذلك الملك الكامل، وأمر لكل من الجاريتين، بخمسمائة دينار، فنهض القاضي الصدر الأجل الرئيس هبة اللّه بن محاسن قاضي غزة وكان من جملة الجلساء على قدميه وأنشد يقول:

стр. 425

هنيئا فإنّ السعد جاء مخلدا … وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله الخلق فتحا لنا بدا … مبينا وإنعاما وعزا مؤبدا تهلل وجه الأرض بعد قطوبه … وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا ولما طغى البحر الخضمّ بأهله ال … طغاة وأضحى بالمراكب مزبدا أقام لهذا الدين من سلّ عزمه … صقيلا كما سلّ الحسام المهندا فلم ينج إلا كل شلو مجدّل … ثوى منهم أو من تراه مقيدا ونادى لسان الكون في الأرض رافعا … عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى إنّ عيسى وحزبه … وموسى جميعا ينصران محمدا فكانت هذه الليلة بالمنصورة، من أحسن ليلة مرّت لملك من الملوك، وكان عند إنشاده يشير إذا قال عيسى إلى عيسى المعظم، وإذا قال موسى إلى موسى الأشرف، وإذا قال محمدا إلى السلطان الملك الكامل، وقد قيل: إنّ الذي أنشد هذه الأبيات إنما هو راجح المحلي الشاعر. العباسة (١) هذه القرية فيما بين بلبيس والصالحية، من أرض السدير لم يزل منتزها لملوك مصر، وبها ولد العباس بن أحمد بن طولون، فسماه لذلك أبوه العباس، وولد بها أيضا الملك الأمجد تقيّ الدين عباس بن العادل أبي بكر بن أيوب، وكان الملك الكامل محمد بن العادل يقيم بها كثيرا، ويقول: هذه تعلو مصر إذا أقمت بها أصطاد الطير من السماء، والسمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل الخبز من قلعة الجبل إليّ بها في قلعتي، وهو سخن، وبنى بها آدرا ومناظر وبساتين، وبنى أمراؤه بها أيضا عدّة مساكن في البساتين، ولم تزل العباسة على ذلك حتى أنشأ الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، المنزلة الصالحية، فتلاشى حينئذ أمر العباسة، وخربت المناظر في سلطنة الملك المعز أيبك. فلما كانت سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، مرّ على السدير، وهو فم الوادي، فأعجب به وبنى في موضع اختاره منه قرية سماها الظاهرية، وأنشأ بها جامعا، وذلك في سنة ست وستين وستمائة. وسميت: بالعباسة بنت أحمد بن طولون، فإنها خرجت إلى هذا الموضع مودّعة لبنت أخيها، قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، لما حملت إلى المعتضد، وضربت

стр. 426

هناك فساطيطها، ثم بنت قرية، فسميت باسمها. ذكر مدينة قفط (١) بصعيد مصر هذه المدينة عرفت: بقفطريم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وكانت في الدهر الأوّل، مدينة الإقليم، وإنما بدا خرابها بعد الأربعمائة من تاريخ الهجرة النبوية، وآخر ما كان فيها بعد السبعمائة من سني الهجرة، أربعون مسبكا للسكر، وست معاصر للقصب، ويقال: كان فيها قباب بأعالي دورها، وكانت إشارة من ملك من أهلها عشرة آلاف دينار أن يجعل في داره قبة، وبالقرب منها معدن الزمرّذ، ولم يبطل إلا من قريب، فإنّ قفطريم ولي الملك بعد أبيه قبطيم. قال ابن وصيف شاه: كان أكبر ولد أبيه، وكان جبارا عظيم الخلق، وهو الذي وضع أساسات الأهرام الدهشورية وغيرها، وهو الذي بنى مدينة دندرة (٢)، ومدينة الأصنام، وهلكت عاد بالريح في آخر أيامه، وأثار من المعادن ما لم يثره غيره، وكان يتخذ من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزبرجد مثل الأسطوانة، ومن الإسبادشم في صحراء الغرب كالقلة، وعمل من العجائب شيئا كثيرا. وبنى منارا عاليا على جبل قفط، يرى منه البحر الشرقيّ، ووجد هناك معدن زئبق، فعمل منه تمثالا كالعمود لا ينحلّ، ولا يذوب. وعمل البركة التي سماها صيادة الطير إذا مرّ عليها طائر سقط فيها، ولم يقدر على الحركة، حتى يؤخذ، وهذه البركة يقال: إنها هناك إلى الآن، وأما المنار فسقط، وعمل عجائب كثيرة، وفي أيامه أثار عبادة الأصنام التي كان الطوفان غرّقها وزين الشيطان أمرها وعبادتها، ويقال: إنه بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائب، وبنى غربيّ النيل، وخلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة، ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها، فما يستطيع أحد أن يدنو إليها ولا يدخلها، إلا أن يعمل قرابين لأولئك الروحانيين، وأقام قفطريم ملكا أربعمائة وثمانين سنة، وأكثر العجائب عملت في وقته، ووقت ابنه، البودسير، ولذلك كان الصعيد أكثر عجائب من أسفل، لأنّ حيز قفطريم فيه. ولما حضر قفطريم الوفاة عمل ناوسا في الجبل الغربيّ قرب مدينة الكهان في سرب تحت الأرض معقود على آزاج إلى الأرض، ونقر تحت الجبل، دارا واسعة، وجعل دورها

стр. 427

خزائن منقورة، وفي سقفها مسارب للرياح، وبلط السرب، وجميع الدار بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان مصفحا بالزجاج الملوّن المسبوك، وجعل في سقفه جواهر تسرج، وجعل في كل ركن من أركان المجلس، تمثالا من الذهب بيده كالبوق الذي يبوق به، وتحت القبة دكة مصفحة بذهب، ولها حواف من زبرجد، وفوق الدكة فرش من حرير، وجعل عليها جسد بعد أن لطخ بالأدوية المجففة، ووضع في جانبه آلات كافور، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج مكلل، وعن جوانب الدكة أربعة تماثيل مجوّفات من زجاج مسبوك في صور النساء بأيديهنّ مراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب، سيف فاخر قائمته من زبرجد، وجعل في تلك الخزائن من الذخائر وسبائك الذهب، والتيجان والجوهر، وبرابي الحكم، وأصناف العقاقير والطلسمات ومصاحف العلوم، ما لا يحصى كثرة، وجعل على باب المجلس: ديكا من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين، مزبورا عليه آيات مانعة، وجعل على كل مدخل أزج، صورتين من نحاس بأيديهما سيفان، وقدّامهما بلاطة، تحتها لوالب من وطئها، ضرباه بأسيافهما، فقتلاه، وفي سقف كل أزج، كرة وعليها الطوخ مدبر يسرج، فيقد طول الزمان، وسدّ باب الأزج بالأساطين المرصصة، ورصوا على سقفه البلاط العظام، وردموا فوقها الرمال، وزبروا على باب الأزج، هذا المدخل إلى جسد الملك المعظم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذي الأيد والفخر والغلبة والقهر، وأفل نجمه، وبقي ذكره وعلمه، فلا يصل أحد إليه ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك بعد سبعمائة وسبعين ودورات مضت من السنين. وقال المسعوديّ: ومعدن الزمرّد في عمل الصعيد الأعلى، من مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي هو فيه يعرف: بالخربة، وهي مفازة وجبال، والبجة تحمي هذا المكان المعروف بالخربة، وإليها يؤدّي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرّذ، ووجدت جماعة من صعيد مصر من ذوي الدراية ممن اتصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النوع من الجوهر يخبرون أنه يكثر، ويقلّ في فصول السنة، فيكثر في قوّة موادّ الهواء، وهبوب نوع من الرياح الأربع، وتقوى الخضرة فيه، والشعاع النوريّ في أوائل الشهر، والزيادة في نور القمر، وبين الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن الزمرّذ، وبين ما اتصل من العمارة، وقرب منه من الديار مسيرة سبعة أيام، وهي قفط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة النيل، وبين النيل وقفط نحو من ميلين. ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في بدء عمارتهما، وما كان في أيام القبط من أخبارهما إلا أنّ مدينة قفط في هذا الوقت، متداعية للخراب، وقوص أعمر والناس فيها أكثر، وكان بقفط بربا موكل بها روحانيّ في صورة جارية سوداء تحمل صبيا أسود صغيرا، حكي أنها رئيت بها مرارا، ومعدن الزمرّذ في البرّ المتصل بأسوان، وكان له ديوان فيه شهود

стр. 428

وكتاب، وينفق على العمال به، وتنال لهم المؤن لحفره، واستخراج الزمرّذ منه، وهو في جبال مرملة يحفر فيه، وربما سقط على الجماعة به فماتوا. وكان يجمع ما يخرج منه، ويحمل إلى الفسطاط، ومنه يحمل إلى البلاد، وقد كان الناس يسيرون من قوص إلى معدن الزمرّذ، في ثمانية أيام بالسير المعتدل. وكانت البجاه، تنزل حوله وقريبا منه لأجل القيام بحفره، وحفظه وهذا المعدن في الجبل الآخذ على شرقيّ النيل في بحريّ قطعة عظيمة من هذا الجبل تسمى: اقرشندة، وليس هناك من الجبال أعلى منها، وهو في منقطع من البرّ لا عمارة عنده، ولا حوله ولا قريبا منه، والماء عنه مسيرة نصف يوم أو أزيد، وهو ما يتحصل من المطر، ويعرف بغدير أعين يكثر بكثرة المطر، ويقلّ بقلته، وهذا المعدن في صدر مفازة طويلة في حجر أبيض يستخرج منه الزمرّذ، وهذا الحجر الأبيض، ثلاثة أنواع أحدها يقال له: طلق كافوريّ، والثاني يقال له: طلق فضيّ، والثالث يقال له: حجر جرويّ، ويضرب في هذه الحجارة، حتى يخرج الزمرّذ، وهو كالغريق فيه، وأنواعه الريانيّ، وهو أقلّ من القليل لا يخرج إلا في النادر، وإذا استخرج ألقي في الزيت الحار، ثم يحط في قطن، ويصرّ ذلك القطن في خرق خام أو نحوها، وكان الاحتراز على هذا المعدن كثير جدّا، ويفتش الفعلة عند الخروج منه كل يوم، حتى تفتش عوراتهم، ومع ذلك فيختلسون منه بصناعات لهم في ذلك، ولم يزل هذا المعدن يستخرج منه الزمرّذ إلى أن أبطل العمل منه الوزير الصاحب علم الدين عبد اللّه بن زنبور في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في سنة بضع وستين وسبعمائة. وفي سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كانت فتنة كبيرة بمدينة قفط، سببها أنّ داعيا من بني عبد القوي، ادّعى أنه داود بن العاضد، فاجتمع الناس عليه، فبعث السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، أخاه الملك العادل أبا بكر بن أيوب على جيش، فقتل من أهل قفط نحو ثلاثة آلاف، وصلبهم على شجرها ظاهر قفط بعمائمهم، وطيالستهم. ذكر مدينة دندرة هي إحدى مدن الصعيد الأعلى القديمة بناها قفطريم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وكا فيها بربا عظيمة، فيها: مائة وثمانون كوّة تدخل الشمس في كل يوم من كوّة، حتى تأتي على آخرها، ثم تكرّ راجعة إلى حيث بدأت، وكانت روحانيتها الموكلة بها تظهر في هيئة إنسان له رأس أسد بقرنين، وكان بها أيضا شجرة تعرف بشجرة العباس متوسطة، وأوراقها خضر مستديرة، إذا قال الإنسان عندها: يا شجرة العباس، جاءك الفاس، تجتمع أوراقها، وتحزن لوقتها، ثم تعود كما كانت، وبين دندرة، وبين قوص بريد واحد، وكانت بربا دندرة أعظم من بربا إخميم.

стр. 429

ذكر الواحات الداخلة الواحات منقطعة وراء الوجه القبليّ في مغاربه، ولا تعدّ في الولايات، ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان وال وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها. وبلاد الواحات بين مصر، والإسكندرية، والصعيد، والنوبة، والحبشة بعضها داخل ببعض، وهو بلد قائم بنفسه غير متصل بغيره، ولا يفتقر إلى سواه، وأرضها شبية وزاجية، وعيون حامضة الطعم تستعمل كاستعمال الخل، وعيون مختلفة الطعوم من الحامض، والقابض، والمالح، ولكل نوع منها خاصية ومنفعة، وهي على قسمين، واحات داخلة، وواحات خارجة جملتها أربع واحات. ويقال: إنّ الواحات ولدوا حويلا بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وإنّ أخر سبا بن كوش، أبو الحبش، وأبو شنبا بن كوش، أبو زغاوة، وأبو شفحيا بن كوش: أبو الحبش الرمرم. قال ابن وصيف شاه ويقال: إنّ قفطريم بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائب منها الماء القائم كالعمود، لا ينحلّ، ولا يذوب والبركة التي تسمى فلسطين، أي صيادة الطير، إذا مرّ عليها الطير سقط فيها، ولم يمكنه الخروج منها، حتى يؤخذ، وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر إذا قرب الأسد أو الحيات أو غيرها من الأشياء المضرّة من تلك المدينة صفر تصفيرا عاليا، فترجع تلك الدواب هاربة، وعمل على أربعة أبواب هذه المدينة، أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب إلا ألقي عليه النوم، والسبات، فينام عندها، ولا يبرح حتى يأتيه أهل المدينة، وينفخون في وجهه ليقوم، وإن لم يفعلوا ذلك لا يزال نائما عند الأصنام، حتى يهلك. وعمل منارا لطيفا من زجاج ملوّن على قاعدة من نحاس، وعمل على رأس المنار صورة صنم من أخلاط كثيرة، وفي يده كالقوس كأنه يرمي عنها، فإن عاينه غريب وقف في موضعه، ولم يبرح حتى ينحيه أهل المدينة، وكان ذلك الصنم، يتوجه إلى مهب الرياح الأربع من نفسه، وقيل: إن هذا الصنم على حاله إلى الآن، وإنّ الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفا من ذلك الصنم أن تقع عين إنسان عليه، فلا يزال قائما حتى يتلف، وكان بعض الملوك، عمل على قلعه فما أمكنه، وهلك لذلك خلق كثير. ويقال: إنه عمل في بعض المدائن الداخلة مرآة، يرى فيها جميع ما يسأل الإنسان عنه، وبنى غربيّ النيل، وخلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة، ووكل الروحانيين بها الذين يمنعون منها، فما يستطيع أحد أن يدنو إليها ولا يدخلها، أو يعمل

стр. 430

قرابين أولئك الروحانيين، فيصل إليها حينئذ، ويأخذ من كنوزها ما أب من غير مشقة، ولا ضرر، وبنى الملك صا بن الساد، وقيل: صا بن مرقونس بداخل الواحات مدينة، وغرس حولها نخلا كثيرا، وكان يسكن منف، وملك الأحياز كلها، وعمل عجائب وطلسمات، وردّ الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهيين، وأهل الشرّ ممن كان يصحب الساد بن مرقونس، وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجري في حدودهم، وعمل على غربيّ النيل مناير يوقد عليها إذا حزبهم أمر، أو قصدهم قاصد. وكان لما ملك البلد بأسره، جمع الحكماء إليه، ونظر في نجومه، وكان بها حاذقا، فرأى أن بلده لا بدّ أن تغرق بالطوفان من نيلها، ورأى أنها تخرب على يد رجل يأتي من ناحية الشام، فجمع كل فاعل بمصر، وبنى في ألواح الأقصى مدينة، جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعا، وأودعها جميع الحكم، والأموال، وهي المدينة التي وقع عليها، موسى بن نصير في زمن بني أمية، لما قدم من المغرب، فلما دخل مصر أخذ على ألواح الأقصى، وكان عنده علم منها، فأقام سبعة أيام يسير في رمال بين الغرب والجنوب، فظهرت له مدينة عليها حصن وأبواب من حديد، فلم يمكنه فتح الأبواب، وكان إذا صعد إليها الرجال، وعلوا الحصن، وأشرفوا على المدينة ألقوا أنفسهم فيها، فلما أعياه أمرها مضى وهلك من أصحابه عدّة. قال: وفي تلك الصحارى كانت منتزهات القوم، ومدنهم العجيبة، وكنوزهم إلا أنّ الرمال غلبت عليها، ولم يبق يملك ملك إلا وقد عمل للرمل طلسما لدفعه، ففسدت طلسماتها لقدم الزمان، قال: ولا ينبغي لأحد أن ينكر كثرة بنيانهم، ولا مدائنهم، ولا ما نصبوه من الأعلام العظام، فقد كان للقوم بطش لم يكن لغيرهم، وإنّ آثارهم لبينة مثل الأهرام والأعلام والإسكندرية، وما في صحارى الشرق والجبال المنحوتة التي جعلوا كنوزهم فيها، والأودية المنحوتة، ومثل ما بالصعيد من البرابي وما نقشوه عليها من حكمتهم، فلو تعاطى جميع ملوك الأرض أن يبنوا مثل الهرمين، ما تهيأ لهم، وكذلك أن ينقشوا بربا لطال بهم الأمد ولم يمكنهم. وحكي عن قوم من البنائين في ضياع الغرب، أنّ عاملا عندهم عنف بهم، ففرّوا في صحراء الغرب، ومعهم زاد إلى أن تنصلح أحوالهم، ويرجعوا، فلما كانوا على مسيرة يوم وبعض آخر قدموا إلى سفح جبل، فوجدوا عيرا أهليا قد خرج من بعض الشعاب، فتبعه بعضهم، فانتهى إلى مساكن وأشجار، ونخل ومياه تطرد وقوم هناك يرعون، ولهم مساكن، وكلمهم وأعجب بهم، فجاء إلى أصحابه، وقدم بهم على أولئك القوم، فسألوهم عن حالهم فأخبروهم، وأقاموا عندهم حتى صلحت أحوالهم وخرجوا ليأتوا بأهاليهم ومواشيهم، ويقيموا عندهم، فساروا مدّة، وهم لا يعرفون الطريق، ولا يتأتى لهم العود فأسفوا على ما فاتهم.

стр. 431

وضلّ آخرون عن الطريق في الغرب فوقعوا على مدينة عامرة كثيرة الناس، والمواشي والنخل والشجر، فأضافوهم وأطعموهم وسقوهم وباتوا في طاحونة، فسكروا من الشراب، وناموا فلم ينتبهوا إلا من حرّ الشمس، فإذا هم في مدينة خراب ليس فيها أحد، فخافوا، وخرجوا، وظلوا يومهم سائرين إلى المساء، فظهرت لهم مدينة أكبر من الأولى، وأعمر وأكثر أهلا، وشجرا ومواشي، فأنسوا بهم، وأخبروهم بخبر المدينة الأولى، فجعلوا يعجبون منهم، ويضحكون وانطلقوا بهم إلى وليمة لبعض أهل المدينة، فأكلوا وشربوا وعنوا بهم، حتى سكروا، فلما كان من الغد انتبهوا فإذا هم في مدينة عظيمة ليس فيها أحد وحولها نخل قد تساقط ثمره، وتكدّس، فخرجوا وهم يجدون ريح الشراب، ومبادي الخمار، فساروا يوما إلى المساء وإذا راع يرعى غنما، فسألوه عن الطريق؟ فدلهم، فساروا بعض يوم من الغد، فوصلوا مدينة الأشمونين بالصعيد. قال: وهذه مدائن القوم الداخلة القديمة قد غلب عليها الجانّ، ومنها ما سترته عن العيون، فلا ينظر إليها أحد، وقال: إنّ البودسير بن قفطريم بن قبطيم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ في أيامه بنيت بصحراء الغرب مناير ومنتزهات، وحوّل إليها جماعة من أهل بيته، فعمروا تلك النواحي، وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب عامرة كلها، وأقامت على ذلك مدّة كثيرة، فخالطهم البربر، ونكحوا منهم، ثم تحاسدوا، فكانت بينهم حروب خربت فيها تلك الجهات، وبادت إلا بقية منازل تسمى: الواحات. ذكر مدينة سنتريّة (١) ومدينة سنتريّة: من جملة الواحات بناها: مناقيوش باني مدينة إخميم، كان أحد ملوك القبط القدماء، قال ابن وصيف شاه: وكان في حزم أبيه، وحنكته تعظم في أعين أهل مصر، وهو أوّل من عمل الميدان وأمر أصحابه برياضة أنفسهم فيه. وأوّل من عمل المارستان لعلاج المرضى، والزمنى، وأودعه العقاقير، ورتب فيه الأطباء، وأجرى عليهم ما يسعهم، وأقام الأمناء على ذلك، وصنع لنفسه عيدا، فكان الناس يجتمعون إليه فيه، وسماه عيد الملك في يوم من السنة، فيأكلون، ويشربون سبعة أيام، وهو مشرف عليهم من مجلس على عمد، قد طوّقت بالذهب، وألبست فاخر الثياب المنسوجة بالذهب، وعليه قبة مصفحة من داخل بالرخام والزجاج والذهب، وفي أيامه بنيت: سنترية في صحراء الواحات، عملها من حجر أبيض مربعة، وفي كل حائط باب في وسطه شارع

стр. 432

إلى حائط محاذ له، وجعل في كل شارع يمنة ويسرة أبوابا تنتهي طرقاتها إلى داخل المدينة. وفي وسط المدينة، ملعب يدور به من كل ناحية سبع درج، وعليه قبة من خشب مدهون على عمد عظيمة من رخام، وفي وسطه: منار من رخام عليه، صنم من صوّان أسود يدور مع الشمس بدورانها، وبسائر نواحي القبة، صورة معلقة تصفر، وتصيح بلغات مختلفة، فكان الملك يجلس على الدرجة العالية من الملعب، وحوله بنوه وأقاربه، وأبناء الملوك، وعلى الدرجة الثانية، رؤساء الكهنة والوزراء، والثالثة رؤساء الجيش، وعلى الرابعة الفلاسفة والمنجمون والأطباء وأرباب العلوم، وعلى الخامسة أصحاب العمارات، وعلى السادسة أصحاب المهن، وعلى السابعة العامّة. فيقال: لكل صنف منهم انظروا إلى من دونكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم لا تلحقونهم، وهذا ضرب من التأديب، وقتلته امرأته بسكين، فمات، وكان ملكه ستين سنة. وسنترية الآن بلد صغير يسكنه نحو ستمائة رجل من البرّ يعرفون سيوة، ولغتهم تعرف بالسيوية تقرب من لغة زنانة، وبها حدائق نخل وأشجار من زيتون وتين وغير ذلك وكرم كثير، وبها الآن نحو العشرين عينا تسيح بماء عذب، ومسافتها من الإسكندرية أحد عشر يوما، ومن جيزة مصر أربعة عشر يوما وهي قرية يصيب أهلها الحمى كثيرا، وثمرها غاية في الجودة، وتعبث الجنّ بأهلها كثيرا، وتختطف من انفرد منهم، وتسمع الناس بها عزيف الجنّ!. ذكر الواحات الخارجة بناها أحد ملوك القبط الأول، ويقال له: البودسير بن قفطيم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، قال ابن وصيف شاه: وأراد البودسير أن يسير مغرّبا لينظر إلى ما هنالك، فوقع على أرض واسعة متخرّقة بالمياه والعيون، كثيرة العشب، فبنى فيها مناير ومنتزهات، وأقام فيها جماعة من أهل بيته، فعمروا تلك النواحي، وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب عمارة كلها، وأقامت كذلك مدّة كثيرة، وخالطهم البربر، فنكح بعضهم من بعض، ثم إنهم تحاسدوا، وبغى بعضهم على بعض، فكانت بينهم حروب، فخرب ذلك البلد، وباد أهله إلا بقية منازل تسمى الواحات. وقال المسعوديّ: وأما بلاد الواحات فهي بين بلاد مصر والإسكندرية وصعيد مصر والغرب وأرض الأحابش من النوبة وغيرهم، وبها أرض شبية وزاجية، وعيون حامضة، وغير ذلك من الطعوم. وصاحب الواحات في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، عبد الملك بن

стр. 433

مروان، وهو رجل من لواتة إلا أنه مروانيّ الذهب، ويركب في آلاف من الناس خيلا ونجبا، وبينه وبين الأحابش نحو من ستة أيام، وكذلك بينه وبين سائر ما ذكرنا من العمائر هذا المقدار من المسافة، وفي أرضه خواص وعجائب، وهو بلد قائم بنفسه غير متصل بغيره، ولا يفتقر إليه، ويحمل من أرضه التمر والزبيب والعناب. وحدّثني وكيل أبي الشيخ المعز حسام الدين عمرو بن محمد بن زنكي الشهرزوري: أنه سمع ببلاد الواحات، أنّ فيها شجرة تاريخ يقطف منها في سنة واحدة أربعة عشر ألف حبة نارنج صفراء، سوى ما يتناثر، وسوى ما هو أخضر، فلم أصدّق ذلك لغرابته، وقمت حتى شاهدت الشجرة المذكورة، فإذا هي كأعظم ما يكون من شجر الجميز بمصر وأكبر، وسألت مستوفي البلد عنها، فأحضر إليّ جرائد حسباناته وتصفحها حتى أوقفني على أن منها في سنة كذا قطف من النارنجة اللانية، أربعة عشر ألف حبة نارنج مستوية صفراء، سوى ما بقي عليها من الأخضر، وسوى ما تناثر منها وهو صغير. وبالواحات الشبّ الأبيض بواد تجاه مدينة أدفو (١) كان في زمن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر، وفي زمن ابنه الصالح نجم الدين أيوب على مقطعي الواحات حمل ألف قنطار شب أبيض في كل سنة إلى القاهرة، ويطلق لهم في نظير ذلك جوالي الواحات، ثم أهمل هذا فبطل. وفي سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، سار ملك النوبة في جيش عظيم إلى الواحات، فأوقع بأهلها، وقتل منها، وأسر كثيرا. ذكر مدينة قوص اعلم: أنّ قوص أعظم مدائن الصعيد، وهي على النيل بنيت بعد قفط في أيام ملك من ملوك القبط الأول يقال له: سدان بن عديم بن البودسير بن قفطريم. قيل: سميت باسم قوص بن قفط بن أخميم بن سيفاف بن أشمن بن مصر، قال ابن وصيف شاه: سدان بن عديم، هو الذي بنى الأهرام الدهشورية من الحجارة التي قطعت في زمان أبيه، وعمل مصاحف النيرنجات، وهيكل أرمنت، وعمل في المدائن الداخلة من أنصنا هيكلا، وأقام فيه في أتريب، وهيكلا في شرقيّ الإسكندرية، وبنى في الجانب الشرقيّ مدائن، وفي أيامه بنيت قوص العالية، وأسكن فيها قوما من أهل الحكمة، وأهل الصناعات، وكان الحبش والسودان، قد عاثوا في بلده، فأخرج لهم، ابنه منقاوش في جيش عظيم، فقتل منهم، وسبى، واستعبد الذين سباهم، وصار ذلك سبّة لهم، واقتطع معدن

стр. 434

الذهب من أرضهم، وأقام ذلك السبي يعملون فيه، ويحملون الذهب إليه، وهو أوّل من أحب الصيد، واتخذ الجوارح، وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل من العجائب والطلسمات لكل فنّ ما لا يحصى كثرة. وقال الأدفويّ في تاريخ الصعيد: وقوص بجانب قفط، حكى بعض المؤرخين: أنها شرعت في العمارة، وشرعت قفط في الخراب من سنة أربعمائة. قيل: إنه حضر مرّة قاضي قوص، فخرج من أسوان أربعمائة راكب بغلة إلى لقائه. وفي شهر رمضان سنة اثنتين وستين وستمائة، أحضر إلى الملك الظاهر بيبرس فلوس، وجدت مدفونة بقوص، فأخذ منها فلس، فإذا على أحد وجهيه، صورة ملك واقف، وفي يده اليمنى ميزان، وفي اليسرى سيف، وعلى الوجه الآخر رأس فيه أذن كبيرة، وعين مفتوحة، وبدائر الفلس، كتابة، فقرأها راهب يونانيّ، فكان تاريخه، إلى وقت قراءته، ألفين وثلثمائة سنة، وفيه أنا غلياث الملك ميزان العدل والكرم في يميني لمن أطاع، والسيف في يساري لمن عصى، وفي الوجه الآخر، أنا غلياث الملك، أذني مفتوحة لسماع المظلوم، وعيني مفتوحة أنظر بها مصالح ملكي. وقوص، كثيرة العقارب والسام أبرص، وبها صنف من العقارب القتالات، حتى إنه كان يقال بها أكلة العقرب لأنه كان لا يرجى لمن لسعته حياة، واجتمع بها مرّة في يوم صائف على حائط الجامع سبعون سام أبرص صفا واحدا، وكان الواحد من أهلها إذا مشى في الصيف ليلا خارج داره، يأخذ بإحدى يديه مسرجة تضيء له، وبالأخرى مشك من حديد يشك به العقارب، ثم إنها تلاشت بعد سنة ثمانمائة. فلما كانت الحوادث والمحن، مات بها سبعة عشر ألف إنسان في سنة ست وثمانمائة، وكانت من العمارة بحيث إنه تعطل منها في شراقي البلاد سنة ست وسبعين وسبعمائة، مائة وخمسون مغلقا، والمغلق عندهم بستان من عشرين فدّانا فصاعدا، وله ساقية بأربعة وجوه، وذلك سوى ما تعطل مما هو دون ذلك، وهو كثير جدّا. ذكر مدينة أسنا (١) قال الأدفويّ: وذكر أنّ أسنا في سنة حصل منها، أربعون ألف إردب تمر، واثنا عشر ألف إردب زبيب، وأسنا تشمل على ما يقارب ثلاثة عشر ألف منزل، وقيل: إنه كان بها في وقت سبعون شاعرا.

стр. 435

ذكر مدينة أدفو ومدينة أدفو يقال بالدال المهملة، ويقال أيضا بالتاء المثناة من فوق. قال الأدفويّ: أخبرني الخطيب العدل أبو بكر خطيب أدفو: أن جمارة طرحت، ثلاثة شماريخ في كل شمروخ تمرة واحدة، وأنه قلع الجمارة بأصلها، ووزنها فجاءت خمسة وعشرين درهما، كلها بجريدها وخشبها، وذلك بأدفو. ولما كان بعد سنة سبعمائة، حفر صناع الطوب، فظهرت صورة شخص من حجر شكل امرأة متربعة على كرسيّ، وعليها مثال شبكة، وفي ظهرها لوح مكتوب بالقلم اليونانيّ، رأيتها على هذه الحالة في مدينة أدفو. إهناس (١) هي كورة من كور الصعيد يقال: إنّ عيسى ابن مريم ﵇، ولد بها، وإن نخلة مريم ﵍ التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ [مريم/ ٢٥] لم تزل بها إلى آخر أيام بني أمية، والذي عليه الجماهرة أنّ عيسى ﵇ إنما ولد بقرية بيت لحم من مدينة بيت المقدس وبإهناس شجر البنج. ذكر مدينة البهنسا (٢) هذه المدينة في جهة الغرب من النيل بها تعمل الستور البهنسية، وينسج المطرّز والمقاطع السلطانية، والمضارب الكبار، والثياب المحبرة، وكان يعمل بها من الستور، ما يبلغ طول الستر الواحد ثلاثين ذراعا، وقيمة الزوج مائتا مثقال ذهب، وإذا صنع بها شيء من الستور والأكسية، والثياب من الصوف أو القطن، فلا بدّ أن يكون فيها اسم المتخذ له مكتوبا على ذلك مضوا جيلا بعد جيل. وقبط مصر، مجمعون على أنّ المسيح وأمّه مريم كانا بالبهنسا، ثم انتقلا عنها إلى القدس. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى عن المسيح وأمّه: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون/ ٥٠]، الربوة، البهنسا، وهذه المدينة بناها ملك من القبط يقال له: مناوش بن منقاوش.

стр. 436

قال ابن وصيف شاه: واستخلف مناوش الملك فطلب الحكمة مثل أبيه، واستخرج كتبها، وأكرم أهلها، وبذل فيهم الجوائز، وطلب الأغراب في عمل العجائب، وكان كل من ملوكهم يجهد جهده في أن يعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله، وثبت في كتبهم، وزبر على الحجارة في تواريخهم. وهو أوّل من عبد البقر من أهل مصر، وكان السبب في ذلك أنه اعتلّ، علة يئس منه فيها، فرأى في منامه صورة روحانيّ عظيم، يقول له: إنه لا يخرجك من علتك إلا عبادتك البقر، لأنّ الطالع كان وقت حلولها بك صورة ثور بقرنين، ففعل ذلك، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلسا في قصره، وسقفه بقبة مذهبة، فكان ينجره، ويطيب موضعه، وكل به سائسا يقوم به، ويكنس تحته، ويعبد سرا من أهل مملكته، فبرأ من علته. وهو أوّل من عمل العجل في علته، فكان يركب عليها البيوت من فوقها قباب الخشب، وعمل ذلك من أحب من نسائه، وخدمه إلى المواضع، والمنتزهات، وكان البقر يجرّه، فإذا مرّ بمكان نزهة أقام فيه وإذا مرّ بمكان خراب أمر بعمارته، فيقال: إنه نظر إلى ثور من البقر الذي يجرّ عجلته أبلق حسن الشية، فأمر بترفيهه، وسوقه بين يديه إعجابا به، وجعل عليه جلا من ديباج، فلما كان في يوم وقد خلا في موضع صار إليه، وقد انفرد عن عبيده وخدمه، والثور قائم إذ خاطبه الثور، وقال له: لو رفهني الملك عن السير معه، وجعلني في هيكل وعبدني، وأمر أهل مملكته بعبادتي، كفيته جميع ما يريد، وعاونته على أمره، وقوّيته في مملكته، وأزلت عنه جميع علله، فارتاع لذلك، وأمر بالثور، فغسل وطيب، وأدخل في هيكل، وأمر بعبادته، فأقام ذلك الثور يعبد مدّة، وصار فيه آية وهو أنه لا يبول ولا يروث ولا يأكل إلا أطراف ورق القصب الأخضر في كل شهر مرّة، فافتتن الناس به، وصار ذلك أصلا لعبادة البقر، وبنى مواضع كنز فيها كنوزا، وأقام عليها أعلاما، وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس وأقام فيها منارا، ودفن حولها كنوزا. ويقال: إن هذه المدينة قائمة، وإنّ قوما، جازوا بها من نواحي الغرب، وقد ضلوا الطريق، فسمعوا بها، عزيف الجنّ، ورأوا ضوءا يتراءى بها، وفي بعض كتبهم أنّ ذلك الثور بعد مدّة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف، ويؤخذ من رأسه شعرات، ومن ذنبه ومن نحاتة قرونه وأظلافه، ويجعل في التمثال المذكور، وعرّفهم أنه يلحق بعالمه، وأمرهم أن يجعلوا جسده في جرن من حجر أحمر، ويدفن في الهيكل، وينصب تمثاله عليه، وزحل في شرفه، والشمس تنظر إليه من تثليث القمر زائد النور، وينقش على التمثال علامات الكواكب السبعة، ففعلوا ذلك، وكلّلوه بجميع الأصناف من الجواهر، وجعلوا عينيه جزعتين، وغرسوا في الهيكل عليه شجرة بعد ما دفنوه في الجرن الأحمر، وبنوا منارا طوله ثمانون ذراعا على رأسه قبة تتلوّن كل يوم لونا، حتى تمضي سبعة

стр. 437

أيام، ثم تعود إلى اللون الأوّل، وكسوا الهيكل ألوان الثياب، وشقوا نهرا من النيل إلى الهيكل، وجعل حوله طلسمات رؤوسها رؤوس القرود على أبدان اناس، كل واحد منها لدفع مضرّة، وجلب منفعة، وأقام عند الهيكل، أربعة أصنام على أربعة أبواب، ودفن تحت كل صنم صنفا من الكنوز، وكتب عليها قربانها، وبخورها وأسكنها الشجرة، فكانت تعرف بمدينة الشجرة، ومنها كانت أصناف الشجر تخرج وهو أوّل من عمل النيروز بمصر، وفي زمانه بنيت البهنسا، وأقم بها أسطوانات وجعل فيما فوقها مجلسا من زجاج أصفر عليه قبة مذهبة إذا طلعت الشمس ألقت شعاعها على المدينة. ويقال: إنه ملكهم ثمانمائة وثلاثين سنة، ودفن في أحد الأهرام الصغار القبلية، وقيل: في غربيّ الأشمونين، ودفن معه من المال والجواهر والعجائب شيء كثير، وأصناف الكواكب السبعة التي يرى الدفين والحية، وألف سرج ذهبا وفضة، وعشرة آلاف جام وغضار من ذهب وفضة وزجاج، وألف عقاقير لفنون الأعمال، وزبروا عليه اسمه ومدّة ملكه، ووقت موته. وفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ظهر بالأشمونين في واد بين جبلين، فساقي (١) مربعة مملوءة ماء عذبا صافيا، فمشى شخص على حافتها طول يوم وليلة، فلم يبلغ آخرها. ويقال: إنها من عمل سوريد باني الأهرام لتكون عدّة لما كانوا قد توقعوه من حدوث طوفان ناريّ، فردم هذا الوادي بعد ذلك خوفا من تلاف الناس. يقول الشيخ الإمام محمد بن أحمد الغريانيّ: حدّثني عليّ بن حسن بن خالد الشعريّ، ثلاث مرّات لم يختلف قوله عليّ فيها، قال: حدّثني رجل من فزارة، الساكنين بكورة البهنسا قال: خرجت أنا ورجل رفيق لي نرتاد البلاد، ونطلب الرزق في الأرض، وذلك بعد سنة عشر وثمانمائة، فقطعنا الجبل الغربيّ من ناحية البهنسا، وسرنا متوكلين على اللّه تعالى، فأقمنا أياما، ونحن نمشي ما بين الغرب والجنوب، فوقعنا في واد كثير الشجر والنبات والماء والكلأ ليس فيه أنيس، وهو واد واسع في الطول والعرض، نحو يوم في الطول، ويوم في العرض، كله أعين وبساتين نخل وزيتون كثير الإبل والمعز، والذئب والضبع به كثير، والإبل به متوحشة، وكذلك المعز قد صارت به وحشية بعد أن كانت آنسة به، وليس بالوادي لا رائح، ولا غاد من الناس قال: فأخبرني أنهما أقاما بالوادي نحوا من شهرين أو ثلاثة، وإنهما رأيا في وسط الوادي، مدينة حصينة منيعة عالية السور شامخة القصور فإذا تقرّبا من سورها سمعا ضجيجا عظيما، وأصواتا مهولة مخوفة، ورأيا دخانا يرتفع إلى جوّ السماء، حتى يغطي سور المدينة، وجميع ما فيها، وإنّ تلك الإبل الوحشية

стр. 438

عدت على رواحلهما الإنسية، فآذتها، وقتلتها فتحيل عند ذلك الرجلان الفزاريان بحيل، وفتلا حبالا وأشراكا شباكا من ليف النخل، وقيدا تلك الإبل الوحشية، وفتلا خوصا، وضفرا قفاصا من الخوص لزادهما، وملآها تمرا، وزللا من تلك الإبل الوحشية مكان رواحلهما عوضا عنها، وركباها متوجهين نحو الشرق، وحملا معهما من الجريد أعني جريد النخل ما يعرفان به الطريق التي بينهما وبينها، ويجعلان ذلك أمارات لمرورهما إليها، فكانا كلما مرّا على شرف جعلا عليه، جريدتين علما، حتى وصلا إلى الجبل الغربيّ من مصر، فنزلا إلى البهنسا، فعرّفا قومهما، وتحملا بأهاليهما، فلما علوا سطح الجبل الغربيّ، وجدا كلّ ما فرقاه من جريد النخل على رؤوس الآكام مجتمعا في مكان واحد في أعلى الجبل، فرجعا عند ذلك لأهاليهما، ومن معهم إلى أرض البهنسا، وهذا ما حدّثني به، واللّه أعلم. ذكر مدينة الأشمونين كانت من أعظم مدن الصعيد، يقال: إنها من بناء أشمون بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وقال ابن وصيف شاه: كان أشمون أعدل ولد أبيه، وأرغبهم في صنعة تبقى، ويبقى ذكرها، وهو الذي بنى المجالس المصفحة بالزجاج الملوّن وسط النيل، وتقول القبط: إنه بنى سربا تحت الأرض من الأشمونين إلى أنصنا تحت النيل، وقيل: إنه حفره، وعمله لبناته لأنهنّ كنّ يمضين إلى هيكل الشمس، وكان هذا السرب مبلط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج الثخين الملوّن. وقيل: إنّ أشمون كان أطول إخوته ملكا. وقال أهل الأثر: إنه ملك ثمانمائة سنة، وإنّ قوم عاد انتزعوا منه الملك بعد ستمائة من ملكه، وأقاموا تسعين سنة واستولوا على البلد، فانتقلوا إلى الدثنية (١) من طريق الحجاز إلى وادي القرى، فعمروها، واتخذوا بها المنازل، والمصانع وسلط اللّه عليهم الذر، فأهلكهم، وعاد ملك مصر إلى أشموم. ويقال: إنه عمل على باب الأشمونين أوزة من نحاس، فكان الغريب إذا جاء ليدخل المدينة، صاحت الأوزة وصفقت بجناحيها، فيعلم به فإن أحبوا منعوه، وإن أحبوا تركوه، وكثرت الحيات في وقته، فكانوا يصيدونها، ويعملون من لحومها، أدوية وترياقات، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادي الحيات في جبال لوبية ومراقية، فسجنوها هناك. وقال في كتاب هروشيش: إنّ أشمون بن قبط أوّل ملوك المصريين، وإنّه كان في

стр. 439

زمان شاروح بن راغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وإن سنيّ الدنيا صارت إلى زمان شاروح، ألفين وتسعمائة وخمس سنين يكون ذلك بعد الطوفان بستمائة وثلاث وستين سنة، وبها كانت فرهة الخيل، والبغال والحمير، وكان يعمل بها فرش القرمز الذي يشبه الأرمني. وكان ينزل بأرض الأشمونين عدّة بطون من بني جعفر بن أبي طالب ﵁، وكانوا بادية أصحاب شوكة، وكان معهم بنو مسلمة بن عبد الملك بن مروان خلفاء لهم، ومعهم بطن آخر يقال لهم: إنّ أباهم كان مولى لعبد الملك بن مروان، ويزعمون أنهم من بني أمية صلبية، وكان معهم أيضا حلفاء لهم بنو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ينزلون، أرض دلجة عند أشمون. ذكر مدينة إخميم ضبطها البكري (١): بكسر الهمزة، وإسكان الخاء، ثم ميم وياء وميم على بناء إفعيل، وهي في الجانب الشرقيّ من النيل، والذي بناها مناقيوش أحد ملوك القبط الأول. قال ابن وصيف شاه: كان جلدا محتكما، فاستأنف العمارة وبنى القرى، ونصب الأعلام، وجمع الحكم، ومصاحف الملوك والحكماء، وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة انفرد بها، وعمل عليها حصنا، ونصب عليه أربعة أعلام في كل ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنما من نحاس، وأخلاط في أيديهما السلاح، وزبر على صدرها آياتها. وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة من أعلم الناس بالسحر، وأبصرهم بأخذ التماسيح والسباع، وكان يعلم الغلمان السحر، فإذا حذقوا علّم غيرهم، فأمر الملك أن يبني له مدينة، ويحوّل إليها وهي إخميم، فملكهم مناقيوش نيفا وأربعين سنة ومات، فدفن في الهرم المحاذي لأطفيح، ومعه شيء كثير من المال والجوهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه، والوقت الذي هلك فيه، قال: وذكر أهل إخميم: أنّ رجلا أتى من الشرق وكان يلزم البربا، ويأتي إليه كل يوم ببخور، وخلوق فيبخر، ويطيب صورة في عضادة الباب، فيجد تحتها دينارا، فيأخذه، وينصرف ففعل ذلك مدّة حتى وشى به غلام له إلى عامل البلد، فقبض عليه، فبذل مالا وخرج عن البلد. وكانت بربا إخميم من أعجب البرابي، وأعظمها قد بنيت لخزن برّهم فإنهم قضوا على أهل مصر بالطوفان قبل وقته بقرائن، لكنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: تكون نار

стр. 440

فتحرق ماء على جميع وجه الأرض، وقال آخرون: بل يكون ماء، فعملوا هذه البرابي قبل الطوفان، وكان في هذه البربا صور الملوك الذين يملكون مصر، وكانت مبنية بحجر المرمر، وطول كل حجر منها، خمسة أذرع في سمك ذراعين، وهي سبعة دهاليز سقوفها حجارة طول الحجر منها ثمانية عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع مدهونة باللازورد، وغيره من الأصباغ التي يحسبها الناظر، كأنما فرغ الدّهان منها الآن لجدتها، وكان كل دهليز منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة السيارة، وجدران هذه الدهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير، فيها رموز علوم القبط من الكيمياء، والسيمياء، والطلسمات، والطب والنجوم، والهندسة وغير ذلك، أودعوها تلك الصور. وذكر ابن جبير في رحلته: أنّ طول هذه البربا مائتا وعشرون ذراعا، وسعتها مائة وسبعون ذراعا، وأنها قائمة على أربعين، سارية سوى الحيطان دور كل سارية خمسون شبرا، وبين كل ساريتين ثلاثون شبرا، ورؤوسها في نهاية العظم كلها منقشة من أسفلها إلى أعلاها، ومن رأس كل سارية إلى الأخرى لوح عظيم من الحجر المنحوت، فيها ما ذرعه ستة وخمسون شبرا طولا في عرض عشرة أشبار، وارتفاع ثمانية أشبار، وسطحها من ألواح الحجارة كأنها فرش واحد فيه التصاوير البديعة، والأصبغة الغربية كهيئة الطيور والآدميين، وغير ذلك في داخلها وخارجها، وعرض حائط البربا ثمانية عشر شبرا من حجارة مرصوصة، كذا قاسها ابن جبير في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. ويقال: إنّ ذا النون عرف منها، علم الكيمياء، وما زالت هذه البربا قائمة إلى سنة ثمانين وسبعمائة، فخرّبها رجل من أهل إخميم يعرف: بالخطيب كمال الدين بن بكر الخطيب علم الدين عليّ، ونال منها مالا، فلم تطل حياته، ومات، ومن حينئذ تلاشى أمر إخميم إلى أن خربت، وقد ذكر جماعة أنّ بربا إخميم كانت في هيئة غلام أمرد عريان، وإنّ قوما دخلوها مرّة فتبعهم، وأخذ يضربهم ضربا وجيعا، حتى خرجوا هاربين، وحكى مثل ذلك عمن دخل الأهرام أيضا. وقد حكي أنّ رجلا ألصق على صورة من بربا إخميم شمعة، فكان إذا تركها في موضع التجأت العقارب إليها، وإذا وضع الشمعة في تابوت اجتمعت العقارب حوله. ويقال: إنه كان في بربا إخميم شيطان قائم على رجل واحدة، وله يد واحدة، وقد رفعها إلى الهواء، وفي جبهته وحواليه كتابة، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط، وكان يذكر أنّ من احتال، حتى ينقب على ذلك الإحليل حتى يخرجه، من غير أن ينكسر، ويعلقه على وسطه، فإنه لا يزال منغطا إلى أن ينزعه، ويجامع ما أحب، ولا يفتر ما دام معلقا عليه، وإنّ بعض من ولي إخميم اقتلعه، فوجد منه شيئا عجيبا من ذلك، وكانت الأنطاع تجلب من إخميم، وبها تعمل.

стр. 441

ويقال: إنه كان بها اثنا عشر ألف عريف على السحرة، وكان بها شجر البنج، ويقال: إنّ الذي بنى بربا إخميم اسمه دومريا، وإنه جعل هذه البربا مثلا للأمم الآتية بعده، وكتب فيها تواريخ الأمم والأجيال ومفاخرهم التي يفتخرون بها، وصوّر فيها الأنبياء والحكماء، وكتب فيها من يأتي من الملوك إلى آخر الدهر، وكان بناؤه إياها والنسر برأس الحمل، والنسر يقيم عندهم في كل برج ثلاثة آلاف سنة. قلت: والنسر في زماننا بآخر باب برج الجدي، فيكون على ذلك لهذه البربا منذ بنيت نحو الثلاثين ألف سنة. وذكر أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحيم القيسيّ (١) في كتاب تحفة الألباب: أن هذه البربا مربعة من حجارة منحوتة، ولها أربعة أبواب يفضي كل باب إلى بيت له أربعة أبواب كلها مظلمة، ويصعد منها إلى بيوت كالغرف على قدرها. ذكر مدينة العقاب قال المسعوديّ: مدينة العقاب غربيّ أهرام أبو صير بالجيزة على مسيرة خمسة أيام بلياليها للراكب المجدّ، وقد عوّر طريقها، وعمي المسلك إليها، والسمت الذي يؤدّي نحوها، وفيها عجائب البنيان والجواهر، والأموال. وقال ابن وصيف شاه: وكان الوليد بن دومع العمليقيّ، قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان، ويقهر ملوكها، فلما صار بالشام، وجه غلاما له يقال له: عون، فسار إلى مصر، وفتحها، ثم سار، فتلقاه عون ودخل مصر، فاستباح أهلها. ثم سنح له أن يقف على مصب النيل، فخرج في جيش كثيف، واستخلف عونا على مصر، وأقام في غيبته أربعين سنة، وإنّ عونا بعد سبع سنين من مسيرة تجبر، وادّعى أنه الملك، وأنكر أن يكون غلام الوليد وإنما هو أخوه، وغلب بالسحر، وسبى الحرائر فمال الناس إليه، ولم يدع امرأة من بنات ملوك مصر، إلا نكحها، ولا مالا إلا أخذه وقتل صاحبه، وهو مع ذلك يكرم الكهنة، ويعظم الهياكل، فاتفق أنه رأى الوليد في منامه، وهو يقول له: من أمرك أن تتسمى باسم الملك؟ وقد علمت أنه من فعل ذلك استحق القتل، ونكحت بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب، ثم أمر بقدر ملئت زيتا، وأحميت حتى غلت، ونزع ثيابه ليلقيه فيها، فأتاه عقاب، فاختطفه، وحلق به في الجوّ، وجعله في هوّة على رأس جبل، فسقط إلى واد فيه حمأة منتنة، فانتبه مرعوبا، وقص ذلك على كهنته، فقالوا: نحن نخلصك منه بأن تعمل عقابا وتعبده، فإنه الذي خلصك في نومك، فقال:

стр. 442

أشهد لقد قال لي: إعرف لي هذا المقام، ولا تنسه، فعمل عقابا من ذهب، وجعل عينيه جوهرتين، ووشحه بالجوهر، وعمل له هيكلا لطيفا، وأرخى عليه ستور الحرير، وأقبلوا على تبخيره وقربانه، حتى نطق لهم، فأقبل عون على عبادته، ودعا الناس إلى ذلك، فأجابوه، ثم أمر فجمع له كل صانع بمصر، وأخرج أصحابه إلى صحراء الغرب لطلب أرض سهلة حسنة الاستواء يدخل إليها من مواضع صعبة، وجبال وعرة بحيث تقرب من مغيض الماء التي هي اليوم: الفيوم، وكانت مغيضا لماء النيل، حتى أصلحها يوسف ﵇ ليجري الماء منها إلى المدينة، فخرجوا، وأقاموا شهرا يطوفون حتى وجدوا بغيته، فلم يبق بمصر فاعل، ولا مهندس، ولا أحد له بصر بالبناء، وقطع الصخور، ونحتها، إلاّ وجّه إليها، وأنفذ ألف رجل من الجيش، وسبعمائة ساحر لمعاونتهم، وأنفذ معهم الآلات والأزواد على العجل وطريق هذه العجل إلى الفيوم في صحراء الغرب واضحة من خلف الأهرام. فلما تكامل له ما أراد من نحت الحجارة، خطوا المدينة فرسخين في مثلهما، وحفروا في الوسط بئرا جعلوا فيها تمثال خنزير من نحاس بأخلاط، ونصبوه على قاعدة نحاس، ووجهه إلى الشرق، وذلك بطالع بيت زحل واستقامته وسلامته، وكان في شرفه، وذبحوا خنزيرا، ولطخوا التمثال بدمه في وجهه، وبخروه بشيء من شعره، وحشوا جوفه بدمه، وشعره وعظامه ولحمه ومرارته، وجعلوا في أذنيه من مرارته، وحرّقوا بقية الخنزير، وجعلوا رماده في قلة من نحاس بين يدي التمثال، ونقشوه بآيات زحل، ثم شقوا في البئر من الجهات الأربع في كل جهة، سربا إلى حيطان المدينة، وعملوا على أفواهها منافس تجذب الهواء، وسدّوا البئر من الجهات الأربع قبة على عمد مرتفعة على حيطان المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتصل كل شارع بباب من أبواب المدينة، وفصلوها بالطرقات والمنازل، وجعلوا حول القبة تماثيل فرسان من نحاس بأيديهما حراب، ووجوهها تجاه الأبواب، وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، فوقه حجر أحمر، عليه حجر أصفر، من فوقه حجر أخضر، وفوق الجميع حجر أبيض يشف، وكلها مبنية بالرصاص المصبوب بين الحجارة، وفي قلوبها أعمدة من حديد على بناء الأهرام، وجعلوا طول حصنها ستين ذراعا في عرض عشرين، وعلى رأس كل باب حصن بأعلاه، عقاب كبير من صفر وأخلاط، قد نشر جناحيه، وهو أجوف، وعلى كل ركن فارس بيده حربة، ووجهه إلى خارج المدينة، وساق الماء إلى الباب الشرقيّ ينحدر في صبه إلى الباب الغربيّ، ويخرج إلى صهاريج، وكذلك من الباب الجنوبيّ إلى الشماليّ، وقرّب للعقاب، عقبانا ذكورا، واجتلب الرياح إلى أفواه التماثيل، فصار يسمع لها أصوات هائلة، ووكل بها أرواحا تمنع الداخل إليها، إلا أن يكون من أهلها. ونصب العقاب الذي يتعبد له تحت القبة في وسط المدينة على قاعدة بأربعة أركان

стр. 443

على كل ركن، وجه شيطان، وجعلها على عمود يديرها، فكان العقاب يدور إلى الجهات، فيقيم في كل جهة ربع السنة، فلما تمّ ذلك نقل إلى المدينة الأموال والجواهر التي بمصر من عهد الملوك، والتماثيل والحكم، وتراب الفضة والعقاقير والسلاح، وحوّل إليها كبار السحرة والكهنة، وأصحاب الصنائع، والتجار وقسم المساكن بينهم، فلا يختلط أهل صناعة بسواهم وعمل بها ربضا (١) لأصحاب المهن والزراعة، وعقد على تلك الأنهار قناطر يمشي عليها الداخل إلى المدينة، وجعل الماء يدور حول الربض، ونصب عليها أعلاما وحرسا، ثم غرس وراء ذلك مما يتصل بالبرية النخل والكرم، وجميع أصناف الشجر على أقسام مقسومة، ومن وراء ذلك كله مزارع الغلات من كل جهة، كل ذلك خوفا من الوليد. قال: وبين هذه المدينة، وبين منف ثلاثة أيام، وكان يقيم فيها ويخرج إليها، ثم يعود إلى منف وكان لها أربعة أعياد في السنة، وهي: الأوقات التي يتحوّل العقاب فيها، فلما تمّ لعون ذلك، اطمأنّ قلبه، إلى أن وافى إليه كتاب الوليد من النوبة يأمره بحمل الأزواد، ونصب الأسواق، فوجه إليه في البرّ والبحر، بما أراد وحوّل أهله ومن اصطفاه من بنات الملوك والكبراء إلى المدينة. فلما قرب الوليد، خرج إليها وتحصن فيها، واستخلف على منف، فقدم الوليد، وقد سمع ما فعله عون، فغضب، وهمّ أن يبعث إليه جيشا، فعرّف بخبر المدينة ومنعتها، وخبر السحرة، فكتب إليه أن يقدم عليه، ويحذره عاقبة التخلف، فأجابه ما على الملك مني مؤنة ولا تعرّض، ولا عيب في بلده لأني عبده، وأنا له ردء في هذا المكان من كل عدوّ يأتيه من الغرب، ولا أقدر على المسير إليه لخوفي منه، فليقرّني الملك بحالي كأحد عماله، وأوجه إليه ما يلزمني من خراجه وهداياه، وبعث إليه بأموال جليلة، وجوهر نفيس، فكف عنه، وأقام الوليد بمصر حتى مات. ذكر مدينة الفيوم (٢) اعلم: أن موضع الفيوم كان مغيض ماء النيل، فلما ولي السيد يوسف الصدّيق ﵇ تدبير، أمور مصر عمّرها. قال ابن وصيف شاه: ثم ملك الريان بن الوليد، وهو فرعون وسف، والقبط تسميه: نهر أوش، فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا متمكنا، فوعد بالجميل، وأسقط عن الناس خراج ثلاث سنين، وفرّق المال في الخاص والعامّ.

стр. 444

وملك على البلد رجلا من أهل بيته يقال له: أطفين، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز فأمر أن ينصب له في قصر الملك سرير من فضة يجلس عليه، ويغدو فيه، ويروح إلى باب الملك، ويخرج العمال والكتاب بين يديه، فكفى نهراوش، ما خلف ستره، وقام بجميع أموره، وخلاه للذته، فانغمس نهر أوش في لهوه، ولم ينظر في عمل، ولا ظهر للناس حينا، والبلد عامر، وهو لا يسأل عن شيء، وعمل له مجالس من زجاج ملوّن، وحولها ماء فيه أسماك مفرطة وبلور ملوّن، فكان إذا وقعت عليه الشمس، ظهر له شعاع عجيب، وعملت له عدّة منتزهات على عدد أيام السنة، فكان كل يوم في موضع منها، وعمل له في كل موضع من الآنية والفرش ما ليس لغيره، فاتصل بملوك النواحي تشاغله بلذاته، وتدبير أطفين. فسار ملك من العماليق يقال له: أبو قابوس عاكر بن ينحوم إلى مصر، ونزل على حدودها، فجهز إليه العزيز جيشا عليه قائد يقال له: بريانس، فأقام يحاربه ثلاث سنين، فظفر به العمليقيّ وقتله، وهدم الأعلام والمصانع، وقوي طعمه في البلد، فاجتمع الناس إلى قصر الملك، واستغاثوا، فخرج إليهم وعرض جيوشه، وخرج في ستمائة ألف مقاتل سوى الأتباع، فالتقوا من وراء الحوف، وكان بينهما قتال شديد، فانهزم العمليقيّ، وتبعه نهراوش إلى حدّ الشام، وقتل خلقا من أصحابه، وأفسد زروعهم، وأشجارهم، وحرّق وصلب، ونصب أعلاما على الأماكن التي وصلها وزبر عليها، أنى لمن تجاوز هذا المكان بالمرصاد. وقيل: إنه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشام خراجا، وبنى عند العريش مدينة لطيفة، وشحنها بالرجال، ورجع إلى مصر، فحشد من جميع الأعمال جنودا، واستعدّ لغزو ملك الغرب، وخرج في سبعمائة ألف، فمرّ بأرض البربر، وأجلى كثيرا منها، وجهز قائدا في السفن من ناحية رقودة إلى جزائر بني يافث، فعاث فيها، وخرج من ناحية أرض البربر، فقتل وصالح بعضهم على مال حملوه إليه، ومضى إلى إفريقية وقرطاجنة، فصالحوه على مال، ومرّ حتى بلغ مصب البحر الأخضر إلى بحر الروم، وهو موضع أصنام النحاس، فأقام هناك صنما زبر عليه، اسمه، وتاريخ خروجه، وضرب على أهل تلك النواحي الخراج، وعدّى إلى الأرض الكبيرة. وسار إلى الأندلس، فحاربه ملكها أياما، ثم صالحه على مال وأن يمنع من يغزو مصر من ناحيته، وانصرف على غير البحر مشرّقا في بلاد البربر، فلم يمرّ بأمّه إلا ودخلت في طاعته، ومرّ في الجنوب، فقتل خلقا وبعث قائدا إلى مدينة على البحر الأسود، فخرج إليه ملكها، وذكر له حال الريان ومصالحة الملوك له، فقال: ما بلغنا أحد قط، وسأله القائد عن البحر هل ركبه أحد قط؟ فقال: ما يقدر أحد على ركوبه، وربما أظله غمام، فلا يرى أياما.

стр. 445

وقدم الريان، فحملوا الهدايا إليه وفاكهة أكثرها الموز، وحجارة سوداء إذا جعلت في الماء صارت بيضاء، ثم سار الملك على أمم السودان إلى مملكة الدمدام (١) الذين يأكلون الناس، فخرجوا إليه عراة، فهزمهم وظفر بهم، ومرّ على البحر المظلم، فغشيهم منه غمام، فترجع شمالا حتى انتهى إلى تمثال من حجر أحمر يومئ بيده ارجعوا، وعلى صدره مزبور ما ورائي أحد، فسار إلى مدينة النحاس، فلم يصل إليها ومضى إلى الوادي المظلم، فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون أحدا لشدّة ظلمته، وسار إلى وادي الرمل، فرأى على معبره أصناما عليها أسماء الملوك، فأقام عليه صنما زبر عليه اسمه، فلما أثبت الرمل جاز عليه إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود، فرأى سباعا يزأر بعضها على بعض، فحكم أنه لا مذهب له من ورائها، فرجع وعدّى وادي الرمل، ومرّ بأرض العقارب فهلك بعض أصحابه، ودفعوا عن أنفسهم أذاها بالرقي وجازها إلى مدينة الحكماء، وتعرف بمدينة الكند، ففرّوا منه إلى جبل. فأقام عليه أياما حتى كاد يهلك جيشه عطشا، فنزل إليه من الجبل رجل من أفاضل الحكماء، وقد لبس شعره جسده، فقال للملك: أين تريد أيها المغرور الممدود له في الأجل المرزوق فوق الكفاية أتعبت نفسك، وجيشك ألا اجترأت بما تملكه، واتكلت على خالقك، وربحت الراحة، وتركت العناء والغرر بهذا الخلق؟ فعجب من قوله وسأله عن الماء، فدله عليه، وسأله عن موضعهم فقال: موضع لا يصل إليه أحد ولا بلغه قبلك أحد، فقال: ما عيشك؟ قال: من أصول النبات نقنع به، ويكفينا اليسير، قال: فمن أين تشربون؟ قال: من الأمطار والثلوج، قال: فلم هربتم منا؟ قال: زهادة في مخالطتكم وإلا فليس لنا ما نخافكم عليه، قال: فكيف بكم إذا حميت الشمس؟ قال: نأوي إلى غيران تحت هذا الجبل، قال: فهل لكم في مال أخلفه لكم؟ قال: إنما يريد المال أهل الترف، ونحن لا نستعمل منه شيئا استغنينا عنه بما قد اكتفينا به، وعندنا منه ما لو رأيته لاحتقرت ما عندك، قال: فأرنيه، فانطلق بنفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان ذهب ناتئة، وأراهم واديا لهم في حافتيه حجارة زبرجد، وفيروز فأمر نهراوش أصحابه أن يحملوا من كبار تلك الحجارة، ففعلوا. ورأى الحكيم جماعة الملك يصلون إلى صنم يحملونه معهم، فسأل الملك: أن لا يقيم بأرضهم، وخوّفه من عبادة الأصنام، فودّعه وسار، فلم يمرّ بأمّه إلا أثر فيها حتى بلغ النوبة، فصالحهم على مال، وأقام على دنقلة (٢) صنما، وزبر عليه اسمه ومسيره، وسار يريد مدينة منف، فكان أهل كل مدينة من مدائن مصر يتلقونه بالفرح والسرور والرياحين

стр. 446

والطيب إلى أن بلغ منف، فخرج أهلها إليه مع العزيز بأصناف الرياحين، والطيب، وكان العزيز قد بنى له مجلسا من زجاج ملوّن وفرشه بأحسن فرش، وغرس حوله الأشجار والرياحين، وجعل فيه بحرة من زجاج سماويّ، وفي أرضه شبه السمك من زجاج أبيض، فنزل الملك فيه، وأقام الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة، وتفقد جيشه، ففقد منهم سبعين ألفا، ووجد فيهم ممن أسره نيفا وخمسين ألفا، فكانت مدّة غيبته عن مصرفي مسيرة هذه، إحدى عشرة سنة. فلما بلغ الملوك قدومه هابوه، واشتدّ بأسه، وتجبر وبنى في الجانب الشرقيّ قصورا من رخام، ونصب عليها أعلاما، وأمر بالعمارة، وإصلاح الجسور، واستنباط الأراضي حتى زاد الخراج على مائة ألف ألف دينار. ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته، وباعوه، وكانت قوافل الشام تعرّس بناحية الموقف اليوم، فوقف الغلام، ونودي عليه، وهو: يوسف الصدّيق ابن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليهم وسلامه، فاشتراه إطفين ليهديه إلى الملك. فلما أتي به قصره، رأته امرأته زليخا، وهي ابنة عمه، فقالت: اتركه لنا نربيه لينفعنا، وكان من أمرها ما قصه اللّه تعالى في القرآن، فكانت تكتم حبه حتى غلبت، فخلت به وتزينت له، وعرّفته أنها تحبه، وأنه وإن واتاها على ما تريده منه حبته بمال عظيم، فامتنع من ذلك، ورأت أن تغلبه، فما زالت تعاركه، وهو ممتنع منها إلى أن وافى زوجها وراءه، وهو هارب منها، وكان العزيز عنينا لا يأتي النساء، فجعل يوسف يعتذر إليه وقالت: إني كنت نائمة، فأتاني يراودني عن نفسي، وتبين من شاهد أهلها أن الأمر من قبل امرأته، فقال ليوسف: أعرض عن هذا، أي عن اعتذارك، وقال لها: استغفر لذنبك، وقد كان خبر أطفين، والغلام بلغ الملك، وكان نهراوش عاود العكوف على اللهو والاحتجاب عن الناس، واتصل خبر زليخا ويوسف بنساء الخاصة، فعيرنها بذلك، فدعت جماعة منهنّ، وصنعت لهنّ طعاما وشرابا، وعملت مجلسين مذهبين وفرشتهما بديباج أصفر مذهب، وأرخت عليهما ستور الديباج، وأمرت المواشط بتزين يوسف وإخراجه من المجلس الذي يحاذي المجلس الذي كانت مع النسوة فيه، وكان المجلس محاذيا للشمس، فأخذته المواشط، ونظمن شعره بأصناف الجواهر، وألبسنه ثوب ديباج أصفر، قد نسج بدارات حمر مذهبة فيها أطيار صغار خضر مبطن ببطانة خضراء، ومن تحته غلالة حمراء، وعلى رأسه تاج قد نظم بالدرّ والجوهر، وأخرجن من تحت التاج أطراف شعره على جبهته، ورددن ذوائبه على صدره، وجعلن جبهته مكشوفة، والتاج محيط بها، وفي أذنيه قرطي جوهر، ومن خلف طوق القباء شعر مسبل بين كتفيه منظوم مشبك بالذهب والجوهر، وفي عنقه

стр. 447

طوق منظوم بذهب مشدّد بجوهر أحمر ودرّ فاخر، وفي وسطه منطقة ذهب فيها لوالب جوهر ملوّن، ولها معاليق منظومة، وألبسنه خفين أبيضين منقوشين بأخضر على نقوش ذهب، وجعلن للقباء الذي عليه وشاحين وإفراور يحيط بأسفله وكميه من جوهر أخضر، وعقرين صدغيه على خديه، وكحلن عينيه، ودفعن إليه مذبة شعرها أخضر. فلما فرغ النساء من طعامهنّ، وشربن أقداحا قدّمت إليهنّ سكاكين قبضهنّ من جوهر ليقطعن بها الفاكهة، فيقال: إنهنّ أخذن أترجا، وهنّ يقطعنه إذ قالت لهنّ: قد بلغني حديثكنّ في أمري مع عبدي، فقلن لها: الأمر كما بلغك لأنك أعلى قدرا من هذا، ومثلك يرتفع عن أولاد الملوك لحسنك وشرفك، فكيف ترضين بغلامك؟ فقالت: لم يبلغكنّ الصدق، ولا هو عندي بهذا، وأو مأت إلى المواشط أن يخرجن يوسف، فرفعن الستور عن المجلس الذي يحاذي مجلسها، وبرز منه يوسف محاذيا بوجهه الشمس، فأشرق المجلس، وما فيه من وجه يوسف، وأقبل بالمذبة، وهنّ يرمقنه. فوقف على رأس زليخا يذب عنها، فاشتغل النساء برؤيته، وجعلن يقطعن أيديهنّ موضع الفاكهة التي كانت معهنّ، ولا يعين الكلام ذهولا منهنّ بما رأين من حسن يوسف! فقالت لهنّ زليخا ما لكنّ قد اشتغلتن عن خطابي بالنظر إلى عبدي؟ فقلن: معاذ اللّه ما هذا عبدك؟ إن هذا إلاّ ملك كريم، ولم يبق منهنّ امرأة إلا حاضت، وأنزلت شهوة من محبته (١)، فقالت زليخا عند ذلك: فهذا الذي لمتني فيه، فقلن: ما ينبغي لأحد أن يلومك في هذا، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه، قالت: قد فعلت، فأبى عليّ، فخاطبنه لي. فكانت كل واحدة منهنّ تخاطبه وتدعوه سرّا إلى نفسها، وتبتذل له، وهو يمتنع عليها فإذا يئست منه أن يجيبها لنفسها خاطبته من جهة زليخا، وقالت: مولاتك تحبك وأنت تكرهها، ما ينبغي أن تخالفها، فقال: ما لي بذلك حاجة، فلما رأين ذلك أجمعن على أخذه غصبا، فقالت زليخا: لا يجوز هذا لكنه إن لم يفعل لأمنعنه اللذات ولأسجننه وأنتزع جميع ما أعطيته، فقال يوسف: رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه، فأقسمت بإلهها وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد إنه إن لم يفعل لتعجلن له ذلك. ثم أمرت بنزع ثيابه، وألبسته الصوف، وسألت العزيز حبسه ليزول ما قذفها به، فأمر به فحبس، ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه، فقال له: إن فلانا وفلانا قد عزما على قتلك يريد صاحبي طعامه وشرابه، فلما أصبح قرّرهما فاعترفا له، وقيل: اعترف أحدهما، وأنكر الآخر فأمر بحبسهما، وكان اسم صاحب الطعم راسان، واسم صاحب الشراب مرطس،

стр. 448

وكان يوسف ﵇ وهو في السجن رؤوفا بمن فيه، ويعدهم الفرج، فأخبره صاحبا طعام الملك وشرابه برؤياهما التي قصها اللّه في كتابه، فوقع كما قصه يوسف، ورأى الملك البقرات والسنابل، فعرّفه الساقي خبر يوسف، فمضى إليه، وقصها عليه. فلما عاد إلى الملك قال: جيئوني به، فقال يوسف: ما أخرج أو يكشف أمر النسوة اللاتي من أجلهنّ حبست، فكشف عن ذلك، فاعترفت زليخا بالقصة، ووجه إليه، فأخرج وغسل من درن السجن، وألبس ما يليق بالدخول على الملوك، فلما رآه امتلأ قلبه من حبه وإكباره، وسأله عن الرؤيا ففسرها كما قال اللّه تعالى. فقال الملك: ومن يقوم لي بذلك؟ قال: أنا، فخلع عليه خلع الملوك، وألبسه تاجا وأمر أن يطاف به وركب الجيش معه، وتردد إلى قصر الملك، وجلس على سرير العزيز، واستخلفه الملك على ملكه مكانه. ويقال: إنّ العزيز إطفين، كان قد مات، فزوّجه امرأته، وقال لها يوسف: هذا أصلح مما أردت، فقالت: اعذرني إنّ زوجي كان عنينا، ولم ترك امرأة إلاّ صبا قلبها إليك من حسنك، وجاءت سنّو خصب في مصر، فجمع يوسف الغلال، وخزنها وأكثر منها، فلما جاءت سنّو الجدب بدأ النيل في النقصان، وكان ينقص كل سنة أكثر من التي قبلها، فقحط البلد حتى بيع القمح بالمال والجوهر والدواب والثياب والآنية والعقار، وكاد أهل مصر يرحلون عنها لولا تدبير يوسف، وقحط الشام أيضا، وكان من مجيء إخوة يوسف ما قصه اللّه تعالى، ووجه إلى أبيه، فحمل إلى مصر وجميع أهله، وخرج في وجوه أهل مصر، فتلقاه وأدخله على الملك، وكان يعقوب مهابا، فأعظمه الملك، وسأله عن سنه وصناعته وعبادته فقال: سني عشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم ترعى ننتفع بها، وأعبد رب العالمين الذي خلقك وخلقني، وهو إله آبائي وإلهك وإله كل شيء. وكان في مجلس الملك، كاهن جليل القدر، فقال للملك: إني أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا، فقال له الملك: فأنّى لنا خبره، فقال الكاهن ليعقوب: أرني إلهك أيها الشيخ، قال: إلهي أعظم من أن يرى، قال: فإنا نرى آلهتنا، قال: إن آلهتكم من ذهب وفضة وحجارة وجوهر ونحاس وخشب، مما يعمله بنو آدم، وهم عبيد، إلهي لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم، قال الكاهن: إنّ كل شيء لا تراه العيون ليس بشيء، فغضب يعقوب وكذبه، وقال: إنّ اللّه شيء لا كالأشياء وهو خالق كل شيء لا إله إلا هو، قال: فصفه لنا، قال: إنما يوصف المخلوق لكنه خالق واحد قديم مدبر أزليّ يرى ولا يرى، وقام يعقوب مغضبا، فأجلسه الملك وأمر الكاهن، فكف عنه، فقال الكاهن: إنا نجد في كتبنا أنّ خراب مصر يجري على أيدي هؤلاء؟ فقال الملك: هذا يكون في أيامنا؟ قال: لا، ولا إلى مدّة كثيرة، والصواب: أن يقتله الملك ولا يبقى من ذريته أحدا، فقال الملك: إن كان الأمر كما تقول، فلا يمكننا أن ندفعه، ولا نقدر على قتل هؤلاء، وأنزل يعقوب ومن معه بوادي

стр. 449

السدير (١) إلى أن مات، فحمل إلى قرية إبراهيم ﵇ ودفن عنده. ويقال: إنّ نهراوش الملك آمن، وكتم إيمانه خوفا من فساد أمره، وأقام ملكا مائة وعشرين سنة. وفي وقته عمل يوسف الفيوم، فإنّ أهل مصر كانوا وشوا به إلى الملك، وقالوا: قد كبر ونقص نفعه، فاختبره فقال له: إني وهبت هذه الناحية لابنتي، وكانت مغايض للماء، فدبرها لها، فعملها يوسف، واحتال للمياه حتى أخرجها، وقلع أو حالها وساق المنهي، وبنى اللاهون، وجعل الماء فيها مقسوما موزونا، وفرغ منها في شهور أربعة، فعجبوا من حكمته. ويقال: إنه أول من هندس بمصر، ومات نهراوش: فخلف ابنه در مجوش وسمته أهل الأثر: دارم بن الريان، وهو الفرعون الرابع عندهم، فحالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، فقبل منه بعضا وخالفه في البعض، فمات يوسف في أيامه، وله مائة وعشرون سنة، فكفن وجعل في تابوت من رخام، ودفن في الجانب الغربيّ، فأخصب ونقص الشرقيّ، فحوّل إليه، فأخصب ونقص الغربيّ، فاتفقوا على أن يجعلوه في الشرقيّ عاما وفي الغربيّ عاما، ثم حدث لهم من الرأي أن يجعلوا له حلقا وثاقا، ويشدّوا التابوت في وسط النيل، فأخصب الجانبان كلاهما. وقال ابن عبد الحكم: فملكهم الريان بن الوليد بن دومع، وهو صاحب يوسف النبيّ ﷺ ، فلما رأى الملك رؤياه التي رأى، وعبره يوسف أرسل إليه الملك، فأخرجه من السجن. قال ابن عباس ﵄: فأتاه الرسول، فقال: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثيابا جددا، وقم إلى الملك، فدعا له أهل السجن، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما أتاه رأى غلاما حدثا، فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا تعلمها السحرة والكهنة؟ وأقعده قدّامه، وقال له: لا تخف، قال: فلما استنطقه، وسأله عظم في عينيه، وجعل إليه أمره فدفع إليه خاتمه، وولاه ما خلف بابه وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك، وضرب بالطبل بمصر: إنّ يوسف خليفة الملك. وعن عكرمة: أن فرعون قال ليوسف: قد سلطنتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع، قال يوسف: نعم وأجلسه على السرير، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوّض أمر مصر كلها إليه، فبسبب عبارة رؤيا الملك ملك يوسف مصر.

стр. 450

وعن الليث بن سعد قال: حدّثني مشيخة لنا قالوا: اشتدّ الجوع على أهل مصر، فاشتروا الطعام بالذهب حتى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضة، حتى لم يجدوا فضة، فاشتروا بأغنامهم، حتى لم يجدوا غنما، فلم يزل يبيعهم الطعام حتى لم يبق لهم فضة ولا ذهب، ولا شاة ولا بقرة في تلك السنين، فأتوه في الثالثة فقالوا: لم يبق لنا إلا أنفسنا، وأهلونا وأرضونا، فاشترى يوسف أرضهم كلها لفرعون، ثم أعطاهم يوسف طعاما يزرعونه على أن لفرعون الخمس. ويقال في خبر بناء يوسف ﵇: مدينة الفيوم أنه لما وزر لفرعون ثلاثين سنة عزله، فقال: لم عزلتني؟ فقال: لم أعزلك لريبة، ولا أنسى بركتك، ولكن آبائي عهدوا إليّ أن لا يتولى لنا وزير أكثر من ثلاثن سنة، وإنا نخشى أن يتأصل الوزير حتى يدبر على الملك، فقال له يوسف: قد علمت نصحي لك، حتى صيرت ديار مصر كلها ملكا لك، فأقطعني أرضا تكون لقوتي وقوت أهلي وعشيرتي، فقال له فرعون: اختر حيث شئت، فمشى يوسف في قفار الأرض حتى رأى أرض الفيوم، وفيها جبل حائل بين النيل وبينها، فوزن ماء النيل حتى رأى أن قاعها يركبه النيل، فحرق خرقا في ذلك الجبل، وساق الماء فيه إلى الفيوم، فسقى الأرض، وعمل في جوانب الماء، ثلثمائة وستين قرية على عدد أيام السنة، وشحنها بالغلال، والأقوات التي ازدرعها، فكان إذا نقص النيل، ووقع الجوع بأرض مصر، باع كل يوم، ما جمعه في قرية من قرى الفيوم، حتى ملك مصر لنفسه، كما جمعها للملك، فعظم شأن يوسف، وكثر ماله، فردّه الملك بعد مدّة إلى وزارته، وتوفي وهو وزير، فأوصى بخروج جثته إلى الأرض المقدّسة، فخرج بها هارون بن إفراييم بن يوسف في مائة ألف من بني إسرائيل، فهزمته الجبابرة فيما بين مصر والشام، وهلك أكثر من معه، وعاد بمن بقي معه إلى مصر، فأقاموا بها، حتى بعث اللّه موسى بن عمران ﵇ إلى فرعون رسولا، فخرج ببني إسرائيل من مصر، ومعه جثة يوسف ﵇. وفي ذلك الزمان استنبطت الفيوم، وقيل: كان سبب ذلك، أنّ يوسف ﵇ لما ملك مصر، وعظمت منزلته من فرعون، وجاوز سنه مائة سنة، قال وزراء الملك له: إنّ يوسف قلّ عمله، وتغير عقله، ونفدت حكمته، فعنفهم فرعون، وردّ عليهم مقالتهم وأساء اللفظ لهم، فكفوا، ثم عاودوه بذلك القول بعد سنين، فقال لهم: هلموا ما شئتم من أيّ شيء أختبره به. وكان بلد الفيوم يومئذ يدعى الجوبة، وإنما كانت لمصالة ماء الصعيد، وفضوله فاجتمع رأيهم على أن تكون هي المحنة التي يمتحنون بها يوسف، فقالوا لفرعون: سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها، ويخرجه منها، فتزداد بلدا إلى بلدك وخراجا إلى خراجك، فدعا يوسف فقال: تعلم مكان ابنتي فلانة مني وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها

стр. 451

بلدا، وإني لم أصب لها إلا الجوبة، وذلك إنه بلد بعيد قريب لا يرى بوجه من الوجوه إلا من غابة أو صحراء، وكذلك ليست هي تؤتى من ناحية من النواحي من مصر إلا من مفازة وصحراء، فالفيوم وسط مصر كمثل مصر في وسط البلاد، لأنّ مصر لا تؤتى من ناحية من النواحي إلاّ من صحراء أو مفازة قال: وقد اقتطعتها إياها، فلا تتركن وجها، ولا نظرا إلا بلغته، فقال يوسف: نعم أيها الملك، متى أردت ذلك فابعث إليّ، فإني إن شاء اللّه فاعل ذلك، قال: إنّ أحبه إليّ وأرفعه، وأعجله، فأوحى إلى يوسف، أن تحفر ثلاثة خلج، خليجا من أعلى الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا شرقيا من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا غريبا من موضع كذا إلى موضع كذا. فوضع يوسف العمال، فحفر خليج المنهى من أعلى أشمون (١) إلى اللاهون (٢)، وأمر البنائين أن يحفروا اللاهون، وحفر خليج الفيوم، وهو الخليج الشرقيّ، وحفر خليجا بقرية يقال لها: بنهمت، من قرى الفيوم، وهو الخليج الغربيّ، فخرج ماؤها من الخليج الشرقيّ، فصب في النيل وخرج من الخليج الغربيّ، فصب في صحراء بنهمت إلى الغرب، فلم يبق في الجوبة ماء، ثم أدخلها الفعلة، فقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء، وأخرجه منها، وكان ذلك ابتداء جري النيل، وقد صارت أرض الجوبة نقية برية، وارتفع ماء النيل، فدخل في رأس المنهي، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون، فقطعه إلى الفيوم، فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجة من النيل، وخرج إليها الملك ووزراؤه وكان هذا كله في سبعين يوما. فلما نظر إليها الملك قال لوزرائه: أولئك هذا عمل ألف يوم، فسميت: الفيوم، وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر. قال: وقد سمعت في استخراج الفيوم غير هذا، أنّ يوسف ﵇ ملك مصر، وهو ابن ثلاثين، فأقام يدبرها أربعين سنة، فقال أهل مصر: قد كبر يوسف واختلف رأيه، فعزلوه وقالوا: اختر لنفسك من الموات أرضا تقطعها لنفسك، وتصلحها وتعمل رأيك فيها، فإن رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنك في زيادة من عقلك رددناك إلى ملكك، فاعترض البريّة في نواحي مصر، فاختار موضع الفيوم، فأعطيها فشق إليها خليج المنهي من النيل، حتى أدخله الفيوم كلها، وفرغ من حفر ذلك كله في سنة. قال يزيد بن أبي حبيب: وبلغنا أنه إنما عمل ذلك بالوحي وقوي على ذلك بكثرة

стр. 452

الفعلة والأعوان، فنظروا، فإذا الذي أحياه يوسف من الفيوم لا يعلمون له بمصر كلها مثلا ولا نظيرا، فقالوا: ما كان يوسف قط أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم، فردّوا إليه الملك، فأقام ستين سنة أخرى تمام مائة سنة، حتى مات، وهو ابن ثلاثين ومائة سنة. قال: ثم بلغ يوسف قول وزراء الملك، وإنه إنما كان ذلك على المحنة منهم له، فقال للملك: عندي من الحكمة والتدبير غير ما رأيت، فقال له الملك: وما ذاك؟ قال: أنزل الفيوم من كل كورة من كور مصر أهل بيت، وآمر أهل كل بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية، وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر، فإذا فرغوا من بناء قراهم، صيرت لكل قرية من الماء بقدر ما أصير لها من الأرض لا يكون في ذلك زيادة، ولا نقص، وأصير لكل قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلاّ فيه، وأصير مطأطئا للمرتفع، ومرتفعا للمطأطئ بأوقات من الساعات في الليل والنهار، وأصير لها قبضات، فلا يقصر بأحد دون حقه، ولا يزداد فوق قدره، فقال له فرعون: هذا من ملكوت السماء؟ قال: نعم، فبدأ يوسف، فأمر ببنيان القرى وحدّد لها حدودا، وكانت أوّل قرية عمرت بالفيوم قرية يقال لها سانة، وهي القرية التي كانت تنزلها بنت فرعون، ثم أمر بحفر الخليج، وبنيان القناطر، فلما فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض، ووزن الماء، ومن يومئذ حدثت الهندسة، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك، وكان أوّل من قاس النيل بمصر، يوسف، ووضع مقياسا بمنف. قال جامعه: وفي التوراة: أن فرعون ألزم بني إسرائيل البناء، وضرب اللبن، فبنوا له عدّة مدن محصنة منها فيثوم وعرمسيس. قال الشارح: هي الفيوم، وحوف رمسيس، وفي زمان الريان بن الوليد، دخل يعقوب ﵇، وولده مصر، وهم ثلاثة وسبعون نفسا ما بين رجل وامرأة، فأنزلهم يوسف ما بين عين شمس إلى الفرما، وهي أرض ريفية بريّة، وكان يعقوب لما دنا من مصر أرسل، يهودا إلى يوسف، فخرج إليه يوسف، فلقيه فالتزمه وبكى. فلما دخل يعقوب على فرعون كلمه، وكان يعقوب شيخا كبيرا حليما حسن الوجه واللحية جهير الصوت، فقال له فرعون: أيها الشيخ كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومائة، وكان بهمن ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى صلوات اللّه عليهم في كتبه، وأخبر أن خراب مصر، وهلاك أهلها يكون على أيديهم، ووضع البربايات وصفات من تخرب مصر على يديه. فلما رأى يعقوب، قام إلى مجلسه، فكان أول ما سأله عنه أن قال: من تعبد أيها الشيخ؟ قال له يعقوب: أعبد اللّه إله كل شيء، فقال: فكيف تعبد من لا ترى؟ قال يعقوب: إنه أعظم وأجلّ من أن يراه أحد، قال: فنحن نرى آلهتنا؟ قال يعقوب: إن آلهتكم من عمل أيدي بني آدم من يموت ويبلى، وإنّ إلهي لأعظم وأرفع، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فنظر بهمن إلى فرعون فقال: هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه؟

стр. 453

قال فرعون: أفي أيامنا أو في أيام غيرنا؟ قال: ليس في أيامك ولا أيام بنيك، قال الملك: فهل تجد هذا فيما قضى به إلهكم؟ قال: نعم، قال: فكيف تقدر أن تقيل من يريد إلهه هلاك قومه على يديه؟ فلا يعبأ بهذا الكلام. وعن كعب: أنّ يعقوب عاش في أرض مصر ست عشرة سنة، فلما أحضرته الوفاة قال ليوسف: لا تدفني بمصر، فإذا مت فاحملوني فادفنوني في مغارة جبل جيرون، وجيرون مسجد إبراهيم الخليل ﵇، وبينه وبين بيت المقدس، ثمانية عشر ميلا. قال: فلما مات لطخوه بمرّ وصبر وجعلوه في تابوت من ساج، فكانوا يفعلون به ذلك أربعين يوما، حتى كلم يوسف فرعون، فأعلمه: أنّ أباه قد مات، وإنه سأله أن يقبره في أرض كنعان، فأذن له وخرج معه أشراف أهل مصر، حتى دفنه، وانصرف. وقيل: قبر يعقوب بمصر، فأقام بها نحوا من ثلاث سنين، ثم حمل إلى بيت المقدس، وأوصاهم بذلك عند موته. قال: ثم مات الريان بن الوليد، فملكهم من بعده ابنه دارم بن الريان، وفي زمانه توفي يوسف ﵇، فلما حضرته الوفاة قال: إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم، فاحملوا عظامي معكم، فمات فجعلوه في تابوت، ودفنوه في أحد جانبي النيل، فأخصب الجانب الذي كان فيه، وأجدب الجانب الآخر، فحوّلوه إلى الجانب الآخر، فأخصب الجانب الذي حوّلوه إليه، وأجدب الآخر. فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه، فجعلوها في صندوق من حديد، وجعلوا فيه سلسلة، وأقاموا عمودا على شاطئ النيل، وجعلوا في أصله سكة من حديد، وجعلوا السلسلة في السكة، وألقوا الصندوق في وسط النيل، فأخصب الجانبان جميعا. وكان سبب حمل عظام يوسف من مصر إلى الشام أنّ سارة ابنة أسر بن يعقوب عمّرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر، فلما سرى موسى ﵇ ببني إسرائيل غشيتهم ضبابة، حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه، وقيل لموسى: لن تعبر إلاّ ومعك عظام يوسف، قال: ومن يدري أين موضعها؟ قالوا: عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها في الديار، فرجع موسى، فلما سمعت حسه قالت: ما ردّك؟ قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف، قالت: ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم، قال: دليني على عظام يوسف، فدلته عليها، فأخذ عظام يوسف معه إلى التيه (١). يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم: خليل الرحمن صلوات اللّه عليهم أحد

стр. 454

الأسباط الاثني عشر ولد بأرض كنعان من بلاد الشام، ورأى الأحد عشر كوكبا، والشمس والقمر له ساجدين، وعمره سبع عشرة سنة، وكاد إخوته على ذلك، وباعوه من قوم مدنيين، فساروا به إلى مصر، وباعوه لقائد فرعون، فأقام في منزله اثني عشر شهرا، ثم راودته امرأة العزيز عن نفسه، فاعتصم، وكذبت عليه، إلى أن حبس، ومكث في السجن عشر سنين، وقيل غير ذلك، فلم يزل في السجن إلى أن رأى الساقي والخباز ذينك المنامين، وفسّر لهما يوسف وخرجا فأنسي الساقي يوسف سنتين إلى أن رأى الملك البقر والسنابل، فذكره، وأتاه فقص عليه الرؤيا وعبرها، فأخرج من السجن، وله حينئذ ثلاثون سنة، فاستوزره الملك، ومن ذلك الوقت إلى أن صار يعقوب إلى مصر تسع سنين منها، سبع سنين من سني الشبع، وسنتان من سني الجوع، وكان ليعقوب في السنة التي صار فيها إلى مصر، مائة سنة وثلاثون سنة، وكان أهل بيته حينئذ سبعين نفسا، ومنذ سار إلى مصر إلى أن ولد موسى ﵇، مائة وثلاثون سنة أخرى. فلما مضى له بمصر، سبع عشرة سنة توفي وعمره مائة وسبع وأربعون سنة، فخاف الأسباط حينئذ مقابلة يوسف إياهم، فقالوا: إنّ أباك أوصى أن تغفر ذنب إخوتك، فإنك وهم عبيد اللّه، إله أبيك، فبكى يوسف، وقال لهم: لا تحتاجون إلى ذلك، ووعدهم بخير تممه لهم، ومات يوسف وله مائة سنة وعشر سنين، واللّه أعلم. ذكر ما قيل في الفيوم وخلجانها وضياعها قال اليعقوبيّ: كان يقال، في متقدّم الأيام مصر والفيوم لجلالة الفيوم، وكثرة عمارتها، وبها القمح الموصوف، وبها يعمل الخيش. وحكى المسعوديّ: أنّ معنى الفيوم، ألف يوم. قال القضاعيّ: الفيوم وهي مدينة دبرها يوسف النبيّ ﵇ بالوحي، وكانت ثلثمائة وستين ضيعة، تمير كل ضيعة منها مصر يوما واحدا، فكانت تمير مصر السنة، وكانت تروى من اثني عشر ذراعا، ولا يستبحر ما زاد على ذلك، فإنّ يوسف ﵇ اتخذ لهم مجرى ورتبه ليدوم لهم دخول الماء فيه، وقوّمه بالحجارة المنضدة، وبنى به اللاّهون. وقال ابن رضوان (١): الفيوم يخزن فيه ماء النيل، ويزرع عليه مرّات في السنة، حتى إنك ترى هذا الماء إذا خلى يغير لون النيل، وطعمه وأكثر ما تحسن هذه الحالة في البحيرة

стр. 455

التي تكون في أيام القيظ سفط ونهيا، وصاعدا إلى ما يلي الفيوم، وهذه حالة تزيد في رداءة أهل المدينة يعني مصر، ولا سيما إذا هبت ريح الجنوب، فإنّ الفيوم في جنوب مدينة مصر على مسافة بعيدة من أرضها. وقال القاضي السعيد أبو الحسن عليّ بن القاضي المؤتمن، بقية الدولة أبي عمرو عثمان بن يوسف القرشيّ المخزوميّ في كتاب المنهاج في علم الخراج: وهذه الأعمال من أحسن الأشياء تدبيرا وأوسعها أرضا وأجودها قطرا، وإنما غلب على بعضها الخراب لخلوّها من أهلها، واستيلاء الرمل على كثير من أرضها، وقد وقفت على دستور عمله أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن الحسن بن إسحاق لذكر خلجان الأعمال المدثورة، وما عليها من الضياع، وقد أوردته ههنا، وإن كان منه ما قد دثر، ومنه ما تغيرت أسماؤه، ومنه ما جهلت مواضعه بالدثور، ولكن أوردته ليعلم منه حال العامر الآن، ويستقصي به من له رغبة في عمارة ما يقذر عليه من الغامر، وفي إيراده مصلحة ليعلم شرب كل موضع ونسخته. دستور: على ما أوضحه الكشف من حال الخلج الأمّهات بمدينة الفيوم، وما لها من المواضع وشرب كل ضيعة منها، ورسمها في السدّ والفتح والتعديل والتحرير، وزمان ذلك عمل في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، تبتدئ بعون اللّه وحسن توفيقه بذكر حال البحر الأعظم الذي منه هذه الخلج، فنذكر مادّته التي صلاحه بصلاحها. خليج الفيوم الأعظم: يصل الماء إلى هذا الخليج من البحر الصغير المعروف بالنهي ذي الحجر اليوسفيّ، وفوقه هذا البحر عند الجبل المعروف: بكرسيّ الساحرة من أعمال الأشمونين، ومنه شرب بعض الضياع الأشمونية، والقيسية، والأهناسية وعلى جانبيه ضياع كثيرة شربها منه، وشرب كروم ما له كروم منها. قال الحجر اليوسفيّ: والحجر اليوسفيّ جدار مبنيّ بالطوب، والجير المعروف عند المتقدّمين بالصاروج، وهو الجير والزيت، وبناؤه من جهة الشمال إلى الجنوب، ويتصل من نهايته من الجنوب بجدار بناؤه مثل بنائه على استقامة من الغرب إلى الشرق، ويحصره ميلان منه في نهايته، وطوله مائتا ذراع بذراع العمل، ويتصل بهذا الجدار على طول ثمانين ذراعا منه من جهة الغرب نهاية الجدار الأعظم من الجنوب. وفائدة بناء الجدار الأعظم ردّ الماء إذا انتهى إلى حدود اثنتي عشرة ذراعا إلى مدينة الفيوم، وطول ما يتصل منه الجدار الذي من جهة الغرب إلى الشرق، ثم يتصل بالميل، ثم ينخفض من حدود هذا الميل إلى ميل مثله يقابله من جهة الشمال خمسون ذراعا، وبعد ما بين هذين الميلين، وهو المنخفض مائة ذراع وعشرة أذرع، ومقدار المنخفض منه، أربعة أذرع، وهذا المنخفض هو الذي يسدّ بجسر من حشيش يسمى لبشا، وعرض ما يجري عليه الماء، وهو موضع اللبش وما قابله إلى جهة الشرق، أربعون ذراعا، وعليه مسك اللبش

стр. 456

الثاني، ويتصل بهذا الميل إلى جهة الشمال، ما طوله ثلثمائة واثنان وسبعون ذراعا، ثم يتصل به على نهاية هذا الطول، جدار يمرّ على استقامته إلى الحجر مبنيّ بالحجر طوله على استقامته إلى جهة الشرق، مائة ذراع، ثم ينخفض أيضا من حيث يتصل بهذا الجدار ما طوله، عشرون ذراعا، وقدر المنخفض منه ذراعان. وهذا المنخفض أيضا يسدّ بجسر حشيش يسمى: اللكبد، وطول بقية الجدار إلى نهايته من جهة الشمال، مائة وستة وثلاثون ذراعا، وقبالة هذا بطوله منه مبلط، وفيه قناطر مبنية بالحجر كانت قديما تردّ الماء إلى اليوم من الخليج القديم الذي عنده السدود اليوم، وكان عليها أبواب، وعدّتها عشر قناطر قديمة، فيكون جميع ذرع الجدار الأعظم من نهايته، سبعمائة واثنين وسبعين ذراعا بذراع العمل دون الجدار المعترض من الغرب إلى الشرق، ويمرّ هذا الجدار الأعظم من كلتا جهتيه جميعا، حتى يتصل بالجبل، فتوجد آثاره في القيظ مرورا على غير استقامة، وعرضه مختلف، وكلما انتهى إلى سطحه، قلّ عرضه، وعرض أعلاه مع الظاهر من أسفله جميعا ستة عشر ذراعا، وفيه منافس يخرج منه الماء، وهي برابخ زجاج ملوّثة بشبه المينا وأزرق وسليمانيّ. وهو من العجائب الحسنة في عظم البناء وإتقانه، لأنه من الأبنية اللاحقة بمنارة الإسكندرية، وبناء الأهرام، فمن معجزته أن النيل يمرّ عليه من عهد يوسف ﵇ إلى هذه الغاية، وما تغير عن مستقرّه، ويدخل الماء من هذا البحر في هذا الزمان إلى مدينة الفيوم من خليجها الأعظم ما بين أرض الضيعتين المعروفتين، بدمونة واللاهون، ومنه شرب هاتين الضيعتين وغيرهما سيحا، ومنه شرب كرومها بالدواليب على أعناق البقر، وإن قصر النيل عن الصعود إلى سوادها، سقيت منه على أعناق البقر وزرعت، وينتهي في الخليج الأعظم إلى خليج يعرف بخليج الأواسي، وليس عليه رسم في سدّ ولا فتح ولا تعديل، وينتهي إلى الضيعة المعروفة ببياض، فيملأ بركها وغيرها من البرك، وللبرك مقاسم يصل إلى كل مقسم منها لغايته، ومقدار شرب ما عليه، وينتهي إلى الضيعة المعروفة بالأوسية الكبرى (١)، فمنه شربها من مقسمين لها، وبرسمها باب، ومنه يشرب نخلها وشجرها، وعلى هذا الحدّ طاحونة تعمل بالماء. ثم ينتهي إلى ثلاثة مقاسم آخرها الضيعة المعروفة بمرطينة منها مقسم لها، ومقسم لقبالات عدّة، والمقسم الثالث يسقي أحد أحياء النخل، وبهذا الحيّ أسواق وبساتين قد خربت، وجميز دائر به، وكان بها بيوت في أقنية النخل، ثم ينتهي إلى حيّ ثان على ضفة الأوّل، ثم ينتهي إلى الضيعة المعروفة بالجوبة، فيملأ بركها وينتهي إلى ثلاثة مقاسم في

стр. 457

صف، وفوقها خليج معطل ويشرب من هذه المقاسم عدّة ضياع، ثم ينتهي الماء من هذا الخليج إلى البطس، وهو نهايته، وعلى الخليج الأعظم بعد هذا أباليز شربها منه من أفواه لها سيحا، فإذا نضب ماء النيل، نصب على أفواهها برسم صيد السمك شباك. ثم ينتهي الخليج الأعظم على يمنة من يريد الفيوم إلى خليج يعرف: بخليج سمسطوس (١). منه شرب سمسطوس وغيرها، وأباليز كثيرة تجاوز الصحراء من المشرق منه، ومن قبليه، وهي ما بين هذا الخليج، وخليج الأواسي. ثم ينتهي الخليج الأعظم أيضا إلى: خليج ذهالة. ومنه شرب عدّة ضياع وعليه يزرع الأرز وغيره. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى ثلاث خلج ثم ينتهي إلى خليج بينطاوة. وبهذا الخليج ثلاثة أبواب قديمة يوسفية سعة كل باب منها، ذراعان بذراع العمل، ويمرّ فيه الماء، وينتهي أيضا إلى بابين يوسفيين، ورسم هذا الخليج أن يسدّ هو وسائر المطاطية على استقبال عشر تخلو من هاتور إلى سلخه، ويفتح على استقبال كهيك إلى عشر تبقى منه، ثم يسدّ إلى عشر تخلو من طوبة، ثم يفتح ليلة الغيطاس إلى سلخ طوبة، ثم يسدّ على استقبال أمشير إلى عشرة تبقى منه، ثم يفتح لعشر تبقى منه إلى عشر تخلو من برمهات، ثم يفتح إلى عشر تخلو من برمودة، ثم يعدل في موضعه، وقد خرب ما على بحريه من الضياع، ويشرب منه عدّة ضياع، ولهذا الخليج مغيض معمول تحت الجبل بقبو يخرج منه الماء في زمان تكاثره. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى: خليج دله. وهو من المطاطية، وحكمه في السدّ، والفتح، والتعديل، والتحسين كما تقدّم، وهو على يسرة من يريد المدينة، وله بابان يوسفيان مبنيان بالحجر سعة كل منهما ذراعان وربع، ومنه شرب عدّة ضياع أمّهات وغيرها، وفي وسطه مفيض لزمان الاستبحار، يفتح فيفيض الماء إلى البركة العظمى، وفي أقصى هذه البركة أيضا مفيض له أبواب يقال: إنها كانت من حديد فإذا زادت فتحت الأبواب، فيمضي الماء إلى الغرب، وقيل: إنه يمرّ إلى سنترية، وكان على هذين الخليجين بساتين وكروم كثيرة تشرب على أعناق البقر. وينتهي الخليج الأعظم إلى خليج المجنونة. سمي بذلك لعظم ما يصير إليه من الماء، وحكمه في السدّ، وغيره على ما ذكر، ومنه شرب ضياع كثيرة، وبه تدار طواحين وإليه تصير مصالات مياه الضياع القبلية، وإلى بركة في أقصى مدينة الفيوم تجاور الجبل المعروف بأبي قطران، ويلقي ما ينصب من مصالات الضياع البحرية فيها، وهي البركة العظمى.

стр. 458

ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى: خليج تلاله. وله بابان يوسفيان متينان مبنيان بالحجر سعة كل منهما ذراعان وثلثا ذراع، وليس فيه رسم سدّ، ولا فتح ولا تعديل، ولا تحييز إلا في تقصير النيل، فإنه يحيز بحشيش، ومنه شرب طوائف المدينة، وعدّة أراض وضياع، وفيه فوهة خليج البطش الذي إليه مفاضل المياه، وفيه أبواب تسدّ حتى يصعد الماء إلى أراض مرتفعة بقدر معلوم، وإذا حدث بالسدّ حدث يفسده، كانت النفقة عليه من الضياع التي تشرب منه بقدر استحقاقها. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى خلجان من جانبيه في قبليه وبحريه ثم ينتهي إلى: خليج سموه. وهو على يمنة من يريد مدينة الفيوم، وهو من المطأطئة، وله بابان يوسفيان سعة كل منهما ذراعان ونصف، وحكمه حكم ما تقدّم، ومنه شرب طوائف كثيرة، وعدّة ضياع، وينتهي إلى أربعة مقاسم بأبواب، وإلى خلجان تسقي ضياعا كثيرة فيها. خليج تبدود: فيه عين حلوة فإذا سدّ هذا الخليج سقى منها أراضي ما جاورها، وظهرت هذه العين لما عدم الماء، وحفر هذا الموضع ليعمل بئرا، فظهرت منه هذه العين، فاكتفى بها، ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى خلجان بها شاذروانات، ومقاسم قديمة يوسفية، وبها أبواب يوسفية، بها رسوم في السدّ، والفتح يشرب منها ضياع كثيرة، ورسم الترع أن يسدّ جميعها على استقبال عشرة أيام تخلو من هاتور إلى سلخه، وتفتح على استقبال كيهك مدّة عشرين يوما، وتسدّ لعشر تبقى منه إلى الغطاس، وتفتح يوم الغطاس إلى سلخ طوبة، وتسدّ على استقبال أمشير عشرين يوما، ثم تفتح لعشر تبقى منه إلى عشرين من برمهات، وتفتح عشرة أيام تخلو من برمودة، ثم تعدّل فيهتم بعمارتها، ولهم في التعديل قسم تعطى منه كل ناحية شربها بالعدل بقوانين معروفة عندهم، وقد اختصرت أسماء الضياع التي ذكرها لخراب أكثرها الآن، واللّه أعلم. ذكر فتح الفيوم ومبلغ خراجها وما فيها من المرافق قال ابن عبد الحكم: فلما تمّ الفتح للمسلمين بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت الفيوم سنة لا يعلم المسلمون بمكانها، حتى أتاهم رجل، فذكرها لهم، فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفيّ فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئا، فهمّوا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا سيروا فإن كان قد كذب، فما أقدركم على ما أردتم، فلم يسيروا إلا قليلا، حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال، وألقوا بأيديهم. قال: ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفيّ، وهو صاحب الأشقر على فرسه

стр. 459

ينفض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو، فأخبره بذلك. قال: ويقال بل بعث عمرو بن العاص، قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سميت القيس، فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت، فركب فرسه، فأجاز عليه البحر، وكانت أنثى فأتاه بالخبر، ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم وكان يقال لفرسه: الأعمى، واللّه أعلم. وقال ابن الكنديّ في كتاب فضائل مصر: ومنها كورة الفيوم، وهي ثلثمائة وستون قرية دبرت على عدد أيام السنة لا تنقص عن الريّ، فإن قصر النيل في سنة من السنين مار بلد مصر، كل يوم قرية، وليس في الدنيا ما بني بالوحي غير هذه الكورة، ولا بالدنيا بلد أنفس منه، ولا أخصب، ولا أكثر خيرا، ولا أغزر أنهارا، ولو قايسنا بأنهار الفيوم، أنهار البصرة ودمشق، لكان لنا بذلك الفضل، ولقد عدّ جماعة من أهل العقل والمعرفة مرافق الفيوم وخيرها، فإذا هي لا تحصى، فتركوا ذلك، وعدّوا ما فيها من المباح مما ليس عليه ملك لأحد من مسلم، ولا معاهد يستعين به القويّ والضعيف، فإذا هو فوق السبعين صنفا. وقال ابن زولاق في كتاب الدلائل على أمراء مصر للكنديّ: وعقدت لكافور الإخشيديّ، الفيوم في هذه السنة يعني سنة ست وخمسين وثلثمائة، ستمائة ألف دينار ونيفا وعشرين ألف دينار. وقال القاضي الفاضل: في كتاب متجدّدات الحوادث، ومن خطه نقلت، أنّ الفيوم بلغت في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، مبلغ مائة ألف واثنين وخمسين ألف دينار، وسبعمائة وثلاثة دنانير. وقال البكريّ: والفيوم معروف هنالك يغلّ في كل يوم ألفي مثقال ذهبا. مدينة النحريرية (١) كانت أرضا مقطعة لعشرة من أجناد الحلقة من جملتهم، شمس الدين سنقرّ السعديّ، فأخذ قطعة من أراضي زراعتها، وجعلها اصطبلا لدوابه وخيله، فشكاه شركاؤه إلى السلطان الملك المنصور قلاون، فسأله عن ذلك فقال: أريد أن أجعله جامعا تقام فيه الخطبة، فأذن له السلطان في ذلك فابتدأ عمارته في أخريات سنة ثلاث وثمانين وستمائة، حتى كمل في سنة خمس وثمانين، فعمل له السلطان منبرا، وأقيمت به الجمعة، واستمرّت إلى يومنا هذا. وأنشأ السعديّ حوانيت حول الجامع، فلم تزل بيده حتى مات، وورثها ابناه:

стр. 460

عز الدين خليل، وركن الدين، عمر، فباعاها بعد مدّة للأمير: شيخو العمريّ، فجعلها مما وقفه على الخانكاه والجامع اللذين أنشأهما بخط صليبة جامع ابن طولون خارج القاهرة، فعمرت هذه الأرض بعمارة الجامع، وسكنها الناس، فصارت مدينة من مدائن أراضي مصر بحيث بلغت أنوال القزازين فيها (١)، وترقى سنقر السعديّ في الخدم حتى صار من الأمراء، وولي نقيب المماليك السلطانية، وأنشأ المدرسة السعدية خارج القاهرة قريبا من حدرة البقر، فيما بين قلعة الجبل، وبركة الفيل في سنة خمس عشرة وسبعمائة، وبنى أيضا رباطا للنساء، وكان شديد الرغبة في العمائر محبا للزراعة كثير المال ظاهر الغنى، ثم إنه أخرج إلى طرابلس، وبها مات سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. تم الجزء الأوّل، ويليه الجزء الثاني وأوله: «ذكر تاريخ الخليقة»
следующие страницы →