← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الثاني، ويتصل بهذا الميل إلى جهة الشمال، ما طوله ثلثمائة واثنان وسبعون ذراعا، ثم يتصل به على نهاية هذا الطول، جدار يمرّ على استقامته إلى الحجر مبنيّ بالحجر طوله على استقامته إلى جهة الشرق، مائة ذراع، ثم ينخفض أيضا من حيث يتصل بهذا الجدار ما طوله، عشرون ذراعا، وقدر المنخفض منه ذراعان. وهذا المنخفض أيضا يسدّ بجسر حشيش يسمى: اللكبد، وطول بقية الجدار إلى نهايته من جهة الشمال، مائة وستة وثلاثون ذراعا، وقبالة هذا بطوله منه مبلط، وفيه قناطر مبنية بالحجر كانت قديما تردّ الماء إلى اليوم من الخليج القديم الذي عنده السدود اليوم، وكان عليها أبواب، وعدّتها عشر قناطر قديمة، فيكون جميع ذرع الجدار الأعظم من نهايته، سبعمائة واثنين وسبعين ذراعا بذراع العمل دون الجدار المعترض من الغرب إلى الشرق، ويمرّ هذا الجدار الأعظم من كلتا جهتيه جميعا، حتى يتصل بالجبل، فتوجد آثاره في القيظ مرورا على غير استقامة، وعرضه مختلف، وكلما انتهى إلى سطحه، قلّ عرضه، وعرض أعلاه مع الظاهر من أسفله جميعا ستة عشر ذراعا، وفيه منافس يخرج منه الماء، وهي برابخ زجاج ملوّثة بشبه المينا وأزرق وسليمانيّ. وهو من العجائب الحسنة في عظم البناء وإتقانه، لأنه من الأبنية اللاحقة بمنارة الإسكندرية، وبناء الأهرام، فمن معجزته أن النيل يمرّ عليه من عهد يوسف ﵇ إلى هذه الغاية، وما تغير عن مستقرّه، ويدخل الماء من هذا البحر في هذا الزمان إلى مدينة الفيوم من خليجها الأعظم ما بين أرض الضيعتين المعروفتين، بدمونة واللاهون، ومنه شرب هاتين الضيعتين وغيرهما سيحا، ومنه شرب كرومها بالدواليب على أعناق البقر، وإن قصر النيل عن الصعود إلى سوادها، سقيت منه على أعناق البقر وزرعت، وينتهي في الخليج الأعظم إلى خليج يعرف بخليج الأواسي، وليس عليه رسم في سدّ ولا فتح ولا تعديل، وينتهي إلى الضيعة المعروفة ببياض، فيملأ بركها وغيرها من البرك، وللبرك مقاسم يصل إلى كل مقسم منها لغايته، ومقدار شرب ما عليه، وينتهي إلى الضيعة المعروفة بالأوسية الكبرى (١)، فمنه شربها من مقسمين لها، وبرسمها باب، ومنه يشرب نخلها وشجرها، وعلى هذا الحدّ طاحونة تعمل بالماء. ثم ينتهي إلى ثلاثة مقاسم آخرها الضيعة المعروفة بمرطينة منها مقسم لها، ومقسم لقبالات عدّة، والمقسم الثالث يسقي أحد أحياء النخل، وبهذا الحيّ أسواق وبساتين قد خربت، وجميز دائر به، وكان بها بيوت في أقنية النخل، ثم ينتهي إلى حيّ ثان على ضفة الأوّل، ثم ينتهي إلى الضيعة المعروفة بالجوبة، فيملأ بركها وينتهي إلى ثلاثة مقاسم في

стр. 457

صف، وفوقها خليج معطل ويشرب من هذه المقاسم عدّة ضياع، ثم ينتهي الماء من هذا الخليج إلى البطس، وهو نهايته، وعلى الخليج الأعظم بعد هذا أباليز شربها منه من أفواه لها سيحا، فإذا نضب ماء النيل، نصب على أفواهها برسم صيد السمك شباك. ثم ينتهي الخليج الأعظم على يمنة من يريد الفيوم إلى خليج يعرف: بخليج سمسطوس (١). منه شرب سمسطوس وغيرها، وأباليز كثيرة تجاوز الصحراء من المشرق منه، ومن قبليه، وهي ما بين هذا الخليج، وخليج الأواسي. ثم ينتهي الخليج الأعظم أيضا إلى: خليج ذهالة. ومنه شرب عدّة ضياع وعليه يزرع الأرز وغيره. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى ثلاث خلج ثم ينتهي إلى خليج بينطاوة. وبهذا الخليج ثلاثة أبواب قديمة يوسفية سعة كل باب منها، ذراعان بذراع العمل، ويمرّ فيه الماء، وينتهي أيضا إلى بابين يوسفيين، ورسم هذا الخليج أن يسدّ هو وسائر المطاطية على استقبال عشر تخلو من هاتور إلى سلخه، ويفتح على استقبال كهيك إلى عشر تبقى منه، ثم يسدّ إلى عشر تخلو من طوبة، ثم يفتح ليلة الغيطاس إلى سلخ طوبة، ثم يسدّ على استقبال أمشير إلى عشرة تبقى منه، ثم يفتح لعشر تبقى منه إلى عشر تخلو من برمهات، ثم يفتح إلى عشر تخلو من برمودة، ثم يعدل في موضعه، وقد خرب ما على بحريه من الضياع، ويشرب منه عدّة ضياع، ولهذا الخليج مغيض معمول تحت الجبل بقبو يخرج منه الماء في زمان تكاثره. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى: خليج دله. وهو من المطاطية، وحكمه في السدّ، والفتح، والتعديل، والتحسين كما تقدّم، وهو على يسرة من يريد المدينة، وله بابان يوسفيان مبنيان بالحجر سعة كل منهما ذراعان وربع، ومنه شرب عدّة ضياع أمّهات وغيرها، وفي وسطه مفيض لزمان الاستبحار، يفتح فيفيض الماء إلى البركة العظمى، وفي أقصى هذه البركة أيضا مفيض له أبواب يقال: إنها كانت من حديد فإذا زادت فتحت الأبواب، فيمضي الماء إلى الغرب، وقيل: إنه يمرّ إلى سنترية، وكان على هذين الخليجين بساتين وكروم كثيرة تشرب على أعناق البقر. وينتهي الخليج الأعظم إلى خليج المجنونة. سمي بذلك لعظم ما يصير إليه من الماء، وحكمه في السدّ، وغيره على ما ذكر، ومنه شرب ضياع كثيرة، وبه تدار طواحين وإليه تصير مصالات مياه الضياع القبلية، وإلى بركة في أقصى مدينة الفيوم تجاور الجبل المعروف بأبي قطران، ويلقي ما ينصب من مصالات الضياع البحرية فيها، وهي البركة العظمى.

стр. 458

ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى: خليج تلاله. وله بابان يوسفيان متينان مبنيان بالحجر سعة كل منهما ذراعان وثلثا ذراع، وليس فيه رسم سدّ، ولا فتح ولا تعديل، ولا تحييز إلا في تقصير النيل، فإنه يحيز بحشيش، ومنه شرب طوائف المدينة، وعدّة أراض وضياع، وفيه فوهة خليج البطش الذي إليه مفاضل المياه، وفيه أبواب تسدّ حتى يصعد الماء إلى أراض مرتفعة بقدر معلوم، وإذا حدث بالسدّ حدث يفسده، كانت النفقة عليه من الضياع التي تشرب منه بقدر استحقاقها. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى خلجان من جانبيه في قبليه وبحريه ثم ينتهي إلى: خليج سموه. وهو على يمنة من يريد مدينة الفيوم، وهو من المطأطئة، وله بابان يوسفيان سعة كل منهما ذراعان ونصف، وحكمه حكم ما تقدّم، ومنه شرب طوائف كثيرة، وعدّة ضياع، وينتهي إلى أربعة مقاسم بأبواب، وإلى خلجان تسقي ضياعا كثيرة فيها. خليج تبدود: فيه عين حلوة فإذا سدّ هذا الخليج سقى منها أراضي ما جاورها، وظهرت هذه العين لما عدم الماء، وحفر هذا الموضع ليعمل بئرا، فظهرت منه هذه العين، فاكتفى بها، ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى خلجان بها شاذروانات، ومقاسم قديمة يوسفية، وبها أبواب يوسفية، بها رسوم في السدّ، والفتح يشرب منها ضياع كثيرة، ورسم الترع أن يسدّ جميعها على استقبال عشرة أيام تخلو من هاتور إلى سلخه، وتفتح على استقبال كيهك مدّة عشرين يوما، وتسدّ لعشر تبقى منه إلى الغطاس، وتفتح يوم الغطاس إلى سلخ طوبة، وتسدّ على استقبال أمشير عشرين يوما، ثم تفتح لعشر تبقى منه إلى عشرين من برمهات، وتفتح عشرة أيام تخلو من برمودة، ثم تعدّل فيهتم بعمارتها، ولهم في التعديل قسم تعطى منه كل ناحية شربها بالعدل بقوانين معروفة عندهم، وقد اختصرت أسماء الضياع التي ذكرها لخراب أكثرها الآن، واللّه أعلم. ذكر فتح الفيوم ومبلغ خراجها وما فيها من المرافق قال ابن عبد الحكم: فلما تمّ الفتح للمسلمين بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت الفيوم سنة لا يعلم المسلمون بمكانها، حتى أتاهم رجل، فذكرها لهم، فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفيّ فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئا، فهمّوا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا سيروا فإن كان قد كذب، فما أقدركم على ما أردتم، فلم يسيروا إلا قليلا، حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال، وألقوا بأيديهم. قال: ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفيّ، وهو صاحب الأشقر على فرسه

стр. 459

ينفض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو، فأخبره بذلك. قال: ويقال بل بعث عمرو بن العاص، قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سميت القيس، فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت، فركب فرسه، فأجاز عليه البحر، وكانت أنثى فأتاه بالخبر، ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم وكان يقال لفرسه: الأعمى، واللّه أعلم. وقال ابن الكنديّ في كتاب فضائل مصر: ومنها كورة الفيوم، وهي ثلثمائة وستون قرية دبرت على عدد أيام السنة لا تنقص عن الريّ، فإن قصر النيل في سنة من السنين مار بلد مصر، كل يوم قرية، وليس في الدنيا ما بني بالوحي غير هذه الكورة، ولا بالدنيا بلد أنفس منه، ولا أخصب، ولا أكثر خيرا، ولا أغزر أنهارا، ولو قايسنا بأنهار الفيوم، أنهار البصرة ودمشق، لكان لنا بذلك الفضل، ولقد عدّ جماعة من أهل العقل والمعرفة مرافق الفيوم وخيرها، فإذا هي لا تحصى، فتركوا ذلك، وعدّوا ما فيها من المباح مما ليس عليه ملك لأحد من مسلم، ولا معاهد يستعين به القويّ والضعيف، فإذا هو فوق السبعين صنفا. وقال ابن زولاق في كتاب الدلائل على أمراء مصر للكنديّ: وعقدت لكافور الإخشيديّ، الفيوم في هذه السنة يعني سنة ست وخمسين وثلثمائة، ستمائة ألف دينار ونيفا وعشرين ألف دينار. وقال القاضي الفاضل: في كتاب متجدّدات الحوادث، ومن خطه نقلت، أنّ الفيوم بلغت في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، مبلغ مائة ألف واثنين وخمسين ألف دينار، وسبعمائة وثلاثة دنانير. وقال البكريّ: والفيوم معروف هنالك يغلّ في كل يوم ألفي مثقال ذهبا. مدينة النحريرية (١) كانت أرضا مقطعة لعشرة من أجناد الحلقة من جملتهم، شمس الدين سنقرّ السعديّ، فأخذ قطعة من أراضي زراعتها، وجعلها اصطبلا لدوابه وخيله، فشكاه شركاؤه إلى السلطان الملك المنصور قلاون، فسأله عن ذلك فقال: أريد أن أجعله جامعا تقام فيه الخطبة، فأذن له السلطان في ذلك فابتدأ عمارته في أخريات سنة ثلاث وثمانين وستمائة، حتى كمل في سنة خمس وثمانين، فعمل له السلطان منبرا، وأقيمت به الجمعة، واستمرّت إلى يومنا هذا. وأنشأ السعديّ حوانيت حول الجامع، فلم تزل بيده حتى مات، وورثها ابناه:

стр. 460

عز الدين خليل، وركن الدين، عمر، فباعاها بعد مدّة للأمير: شيخو العمريّ، فجعلها مما وقفه على الخانكاه والجامع اللذين أنشأهما بخط صليبة جامع ابن طولون خارج القاهرة، فعمرت هذه الأرض بعمارة الجامع، وسكنها الناس، فصارت مدينة من مدائن أراضي مصر بحيث بلغت أنوال القزازين فيها (١)، وترقى سنقر السعديّ في الخدم حتى صار من الأمراء، وولي نقيب المماليك السلطانية، وأنشأ المدرسة السعدية خارج القاهرة قريبا من حدرة البقر، فيما بين قلعة الجبل، وبركة الفيل في سنة خمس عشرة وسبعمائة، وبنى أيضا رباطا للنساء، وكان شديد الرغبة في العمائر محبا للزراعة كثير المال ظاهر الغنى، ثم إنه أخرج إلى طرابلس، وبها مات سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. تم الجزء الأوّل، ويليه الجزء الثاني وأوله: «ذكر تاريخ الخليقة»

стр. 461

ذكر تاريخ الخليقة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم: أنه لما كانت الحوادث لا بدّ من ضبطها، وكان لا يضبط ما بين العصور، وبين أزمنة الحوادث إلاّ بالتاريخ المستعمل العام الذي لا ينكره الجماعة أو أكثرها، وذلك أنّ التاريخ المجمع عليه، لا يكون إلاّ من حادث عظيم يملأ ذكره الأسماع، وكانت زيادة ماء النيل، ونقصانه، إنما يعتبرهما أهل مصر، ويحسبون أيامهما بأشهر القبط، وكذلك خراج أراضي مصر إنما يحسبون أوقاته بذلك، وهكذا زراعات الأراضي، إنما يعتمدون في أوقاتها أيام الأشهر القبطية عادة، وسلكوا فيها سبيل أسلافهم، واقتفوا مناهج قدمائهم، وما برح الناس من قديم الدهر أسراء العوائد. احتيج في هذا الكتاب إلى إيراد جملة من تاريخ الخليقة لتعيين موقع تاريخ القبط منها، فإنّ بذكر ذلك يتمّ الغرض. فأقول: التاريخ عبارة عن يوم، ينسب إليه ما يأتي بعده، ويقال أيضا: التاريخ عبارة عن مدّة معلومة تعدّ من أوّل زمن مفروض لتعرف بها الأوقات المحدودة، ولا غنى عن التاريخ في جميع الأحوال الدنيوية، والأمور الدينية، ولكل أمّة من أمم البشر تاريخ تحتاج إليه في معاملاتها، وفي معرفة أزمنتها تنفرد به دون غيرها من بقية الأمم. وأوّل الأوائل القديمة وأشهرها هو، كون مبدأ البشر، ولأهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس في كيفيته، وسياقة التاريخ منه خلاف لا يجوز مثله في التواريخ، وكلّ ما تتعلق معرفته ببدء الخلق، وأحوال القرون السالفة، فإنه مختلط بتزويرات وأساطير لبعد العهد، وعجز المعتني به عن حفظه، وقد قال اللّه : ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللّهُ﴾ [إبراهيم/ ٩]. فالأولى أن لا يقبل من ذلك إلا ما يشهد به كتاب أنزل من عند اللّه يعتمد على صحته لم يرد فيه نسخ، ولا طرقه تبديل، أو خبر ينقله الثقات، وإذا نظرنا في التاريخ وجدنا فيه بين الأمم خلافا كثيرا، وسأتلو عليك من ذلك ما لا أظنك تجده مجموعا في كتاب، وأقدّم بين يدي هذا القول ما قيل في مدّة بقاء الدنيا.

стр. 462

ذكر ما قيل في مدّة أيام الدنيا ماضيها وباقيها اعلم: أنّ الناس قد اختلفوا قديما وحديثا في هذه المسألة، فقال قوم من القدماء الأول: بالأكوار والأدوار وهم الدهرية، وهؤلاء هم القائلون بعود العوالم كلها على ما كانت عليه بعد ألوف من السنين معدودة، وهم في ذلك غالطون من جهة طول أدوار النجوم، وذلك أنهم وجدوا قوما من الهند والفرس قد عملوا أدوارا للنجوم ليصححوا بها في كل وقت مواضع الكواكب فظنوا أنّ العدد المشترك لجميعها هو عدد سني العالم أو أيام العالم، وإنه كلما مضى ذلك العدد عادت الأشياء إلى حالها الأوّل. وقد وقع في هذا الظنّ ناس كثير مثل، أبي معشر وغيره، وتبع هؤلاء خلق وأنت تقف على فساد هذا الظن إن كنت تخبر من العدد شيئا ما، وذلك أنك إذا طلبت عددا مشتركا بعده أعداد معلومة، فإنك تقدر أن تضع لكل زيج أياما معلومة كالذي وضعه الهند والفرس، فهؤلاء حيث جهلوا صورة الحال في هذه الأدوار، ظنوا أنها عدد أيام العالم، فتفطن ترشد. وعند هؤلاء أنّ الدور هو أخذ الكواكب من نقطة وهي سائر حتى تعود إلى تلك النقطة، وأن الكور هو استئناف الكواكب في أدوارها سيرا آخر إلى أن تعود إلى مواضعها مرّة بعد أخرى. وزعم أهل هذه المقالة، أنّ الأدوار منحصرة في أنواع خمسة: الأوّل: أدوار الكواكب السيارة في أفلاك تداويرها. الثاني: أدوار مراكز أفلاك التدوير في أفلاكها الحاملة. الثالث: أدوار أفلاكها الحالة في فلك البروج. الرابع: أدوار الكواكب الثابتة في فلك البروج. الخامس: أدوار الفلك المحيط بالكل حول الأركان الأربعة، وهذه الأدوار المذكورة، منها ما يكون في كل زمان طويل مرّة واحدة، ومنها ما يكون في كل زمان قصير مرّة واحدة، فأقصر هذه الأدوار، أدوار الفلك المحيط بالكل حول الأركان الأربعة فإنه يدور في كل أربع وعشرين ساعة، دورة واحدة، وباقي الأدوار يكون في أزمنة أخر أطول من هذه لا حاجة بنا في هذه المسألة إلى ذكرها. قالوا: وأدوار الكواكب الثابتة في فلك البروج تكون في كلّ ستّة وثلاثين ألف سنة شمسية مرّة واحدة، وحينئذ تنتقل أوجات الكواكب، وجوز هراتها إلى مواضع حضيضها، ونوبهراتها وبالعكس، فيوجب ذلك عندهم، عود العوالم كلها إلى ما كانت عليه من الأحوال في الزمان والمكان والأشخاص والأوضاع، بحيث لا يتخالف ذرة واحدة، وهم مع ذلك

стр. 463

مختلفون في كمية ما مضى من أيام العالم، وما بقي. فقال البراهمة من الهند في ذلك قولا غريبا، وهو ما حكاه عنهم الأستاذ أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب القانون المسعوديّ: إنهم يسمون الطبيعة باسم ملك يقال له: إبراهيم، ويزعمون أنه محدث محصور الموت بين مبدأ وانتهاء عمره كعمرها مائة سنة برهموية، كل سنة منها ثلثمائة وستون يوما زمان النهار، منها بقدر مدّة دوران الأفلاك، والكواكب لإثارة الكون والفساد، وهذه المدّة بقدر ما بين كل اجتماعين للكواكب السبعة في أوّل برج الحمل بأوجاتها، وجوز هراتها، ومقدارها: أربعة آلاف ألف سنة، وثلثمائة ألف ألف سنة وعشرون ألف ألف سنة شمسية، وهو زمان اثني عشر ألف دورة للكواكب الثابتة على أنّ زمان الدورة الواحدة، ثلثمائة ألف سنة وستون ألف سنة شمسية، واسم هذا النهار بلغتهم الكلية، وزمان الليل عندهم كزمان النهار، وفي الليل تسكن المتحرّكات، وتستريح الطبيعة من إثارة الكون والفساد، ثم يثور في مبدأ اليوم الثاني بالحركة والتكوّن، فيكون زمان اليوم بليلته من سني الناس، ثمانية آلاف ألف سنة وستمائة ألف ألف سنة وأربعين ألف ألف سنة، فإذا ضربنا ذلك في ثلثمائة وستين تبلغ سنو أيام السنة البرهموية، ثلاثة آلاف ألف ألف ألف سنة، وعشرة آلاف ألف ألف سنة، وأربعمائة ألف ألف سنة شمسية، فإذا ضربناها في مائة يبلغ عمر الملك الطبيعيّ البرهمويّ من سني الناس، ثلثمائة ألف ألف ألف ألف سنة، وأحد عشر ألف ألف ألف سنة وأربعين ألف ألف سنة شمسية، فإذا تمت هذه السنون بطل العالم عن الحركة، والتكوين ما شاء اللّه، ثم يستأنف من جديد على الوضع المذكور. وقسموا زمان النهار المذكور إلى تسع وعشرين قطعة، سموا كل أربع عشرة قطعة منها نوبا، وسموا الخمس عشرة قطعة الباقية فصولا، وجعلوا كل نوبة محصورة بين فصلين، وكل فصل محصورا بين نوبتين، وقدّموا زمان الفصل على النوبة إلى تمام المدّة، وزمان الفصل هو خمسا الدور والدور جزء من ألف جزء من المدّة، فإذا قسمنا المدّة على ألف تحصل زمان الدور، أربعة آلاف ألف سنة، وثمانية وعشرون ألف سنة، وزمان النوبة عندهم أحد وسبعون دورا مقدارها من السنين ثلثمائة ألف ألف سنة، وستة آلاف ألف سنة وسبعمائة ألف سنة وعشرون ألف سنة. وقد قسّموا الدور أيضا بأربع قطع، أوّلها أعظمها، وهي مدّة الفصل المذكور وثانيها ثلاثة أرباع الفصل، ومدّتها ألف ألف سنة، ومائتا ألف سنة وستة وتسعون ألف سنة، وثالثها نصف الفصل، ومدّته ثمانمائة ألف سنة وأربعة وستون ألف سنة، ورابعها ربع الفصل، وهو عشر الدور المذكور، ومدّته أربعمائة ألف سنة واثنان وثلاثون ألف سنة. ولكل واحد من هذه القطع الأربع اسم يعرف به، فاسم القطعة الرابعة عندهم، كلكال

стр. 464

لأنهم يزعمون أنهم في زمانها، وإنّ الذي مضى من عمر الملك الطبيعيّ على زعم حكيمهم الأعظم المسمى عندهم: برهمكوت ثمان سنين وخمسة أشهر وأربعة أيام. ونحن الآن في نهار اليوم الخامس من الشهر السادس من السنة التاسعة، ومضى من النهار الخامس ست نوب، وسبعة فصول وسبعة وعشرون دورا من النوبة السابعة، وثلاث قطع من الدور المذكور أعني تسعة أعشاره، ومضى من القطعة الرابعة أعني من أوّل كلكال إلى هلاك، شككال عظيم ملوكهم الواقع في آخر سنة ثمان وثمانينة وثلثمائة للإسكندر ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وتسع وسبعون سنة، وقال: إنما عرفنا هذا الزمان من علم إلهيّ، وقع إلينا من عظماء أنبيائنا المتألهين برواياتهم جيلا بعد جيل على ممرّ الدهور والأزمان، وزعموا أن في مبدأ كل دور أو فصل أو قطعة أو نوبة، تتجدّد أزمنة العوالم، وتنتقل من حال إلى حال، وأن الماضي من أوّل كلكال إلى شككال ثلاثة آلاف، ومائة وتسع وسبعون سنة، والماضي من النهار المذكور إلى آخر سنة ثمان وثمانين وثلثمائة للإسكندر ألف ألف ألف سنة، وتسعمائة ألف ألف سنة، واثنان وسبعون ألف ألف سنة، وتسعمائة ألف سنة وسبعة وأربعون ألف سنة، ومائة سنة وسبع وسبعون سنة. فيكون الماضي من عمر الملك الطبيعيّ إلى آخر هذه السنة ستة، وعشرين ألف ألف ألف ألف سنة، وثلثمائة ألف ألف ألف سنة وخمسة عشر ألف ألف ألف سنة، وسبعمائة ألف ألف سنة، واثنين وثلاثين ألف ألف سنة، وتسعمائة ألف سنة، وسبعة وأربعين ألف سنة ومائة سنة وتسعا وسبعين سنة، فإذا زدنا عليها الباقي من تاريخ الإسكندر بعد نقصان السنين المذكورة منه تحصل الماضي من عمر الملك بالوقت المفروض، واللّه أعلم بحقيقة ذلك. وقال الخطا والايعز في ذلك قولا أعجب من قول الهند، وأغرب على ما نقلته من زيج أدوار الأنوار، وقد لخص هذا القول من كتب أهل الصين، وذلك أنهم جعلوا مبادي سنيهم مبنية على ثلاثة أدوار: الأوّل: يعرف بالعشريّ مدّته عشر سنين لكل سنة منها اسم يعرف به، والثاني: يعرف بالدور الاثني عشريّ، وهو أشهرها خصوصا في بلاد الترك يسمون سنيه بأسماء حيوانات بلغتي الخطا والايعز، والثالث: مركب من الدورين جميعا ومدّته ستون سنة، وبه يؤرخون سني العالم وأيامه ويقوم عندهم مقام أيام الأسبوع عند العرب وغيرها، واسم كل سنة منها مركب من اسميها في الدورين جميعا، وكذلك كل يوم من أيام السنة. ولهذا الدور ثلاثة أسماء، وهي: شانكون، وجونكون، وخاون، ويصير بحسبها مرّة أعظم ومرّة أوسط، ومرّة أصغر، فيقال: دور شانكون الأعظم، ودور: جونكون الأوسط، ودور: خاون الأصغر، وبهذه الأدوار يعتبرون سني العالم وأيامه، وجملتها مائة وثمانون

стр. 465

سنة، ثم تدور الأدوار الثلاثة عليها مرة أخرى. واتفق وقوع مبدأ الدور الأعظم في الشهر الأوّل من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة: ليزدجرد، واسمه بلغتهم: كادره، وبلغة العرب: سنة الغار، وكان دخول أوّل افرودين هذه السنة من سني العرب يوم الخميس، وهو بلغتهم: سن جن، ومن هذا اليوم وعلى هذا التاريخ تترتب مبادي سنيهم وأيامهم في الماضي والمستقبل، وشهورهم اثنا عشر شهرا، لكل شهر منها اسم بلغة: الخطا، وبلغة الايعز لا حاجة بنا هنا إلى ذكره. ويقسمون اليوم الأوّل بليلته اثني عشر قسما، كل قسم منها يقال له: جاغ، وكل جاغ ثمانية أقسام، كل قسم منها يقال له: كه، ويقسمون اليوم بليلته أيضا عشرة آلاف فنك، وكل فنك منها: مائة مياو، فيصيب كل جاغ: ثمانمائة وثلاثة وثلاثين فنكا وثلث فنك، وكل: كه مائة وأربعة أفناك وسدس فنك، وينسبون، كل جاغ إلى صورة من الصور الاثنتي عشرة، ومبدأ اليوم بليلته عندهم من نصف الليل، وفي منتصف جاغ كسكو يتغير أوّل النهار وآخره بحسب الطول والقصر من قبل أنّ كل جاغ ساعتان مستويتان، وفي منتصف النهار ينتصف جاغ يوند، وهم يكبسون في كل ثلاث سنين قمرية شهرا واحدا يسمونه: سيون ليحفظوا بالكبس مبادي سني الشمس في زمان واحد من سنة أخرى، ويكبسون أحد عشر شهرا في كل ثلاثين سنة قمرية، ولا يقع عندهم شهر الكبس في موضع واحد بعينه من السنة، بل يقع في كل موضع منها، وكل شهر عدّة أيامه إما ثلاثون يوما أو تسعة وعشرون يوما، ولا يمكن عندهم أكثر من ثلاثة أشهر متوالية تامّة، ولا أكثر من شهرين ناقصين. ومبادي شهورهم، يوم الاجتماع إن وقع اجتماع النيرين نهارا، فإن وقع الاجتماع ليلا كان أوّل الشهر في اليوم الذي بعد الاجتماع وزمان السنة الشمسية بحسب أرصادهم، ثلثمائة وخمسة وستون يوما وألفان وأربعمائة وستة وثلاثون فنكا، والسنة أربعة وعشرون قسما، كل قسم منها: خمسة عشر يوما وألفان ومائة وأربعة وثمانون فنكا وخمسة أسداس فنك، ولكل قسم من هذه الأقسام اسم، وكل ستة أقسام منها فصل من فصول السنة، فاسم أوّل قسم من فصولها الحن، وأوّله أبدا، حيث تكون الشمس في ست عشرة درجة من برج الدلو وهكذا أوائل كل فصل، إنما تكون في حدود أواسط البروج الثابتة، وكان بعد مدخل الحن من أوّل الدور الستينيّ في السنة المذكورة أحد عشر يوما، وسبعة آلاف وستمائة وستين فنكا، واسم مدخله بي خايني، وكان بعد دخول السنة الفارسية المذكورة بنحو عشرين يوما، ويبعد مدخله عن أوّل الدور الستينيّ، ويتفاضل البعد بينهما في كل سنة بقدر فضل سنة الشمس على سنة القمر التي هي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما، وثلاثة آلاف وستمائة واثنان وسبعون فتكا، ومقدار الفضل بينهما عشرة أيام وثمانية آلاف وسبعمائة وأربعة وستون فنكا، فإن زادت الأيام على زمان الشهر القمريّ الأوسط الذي هو تسعة وعشرون يوما، وخمسة آلاف وثمانمائة وستة أفناك، نقص منها هذا العدد، واحتسب بالباقي.

стр. 466

فإذا عرفت هذا من حسابهم، فاعلم أنّ عمر العالم عندهم ثلثمائة ألف ونّ وستون ألف ونّ، وكل ونّ: عشرة آلاف سنة. مضى من ذلك إلى أوّل سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ليزدجرد، وهي دور: شانكون الأعظم: ثمانية آلاف ونّ وثمانمائة ونّ وثلاثة وستون ونا، وتسعة آلاف وسبعمائة، وأربعون سنة، فتكون المدّة العظمى على هذا: ثلاثة آلاف ألف ألف ألف ألف سنة وستمائة ألف ألف ألف ألف سنة بهذه الصورة ٣٦٠٠٠٠٠٠٠٠ والماضي منها إلى السنة المذكورة: ثمانية، وثمانون ألف ألف سنة وستمائة ألف سنة وتسعة وثلاثون ألف سنة، وسبعمائة سنة وأربعون سنة بهذه الصورة ٨٨٦٣٩٧٤٠ وللّه غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله. وإنما ذكرت طرفا من حساب سني البراهمة، وطرفا من حساب سني الخطا والايعز المستخرج من حساب الصين ليعلم المنصف أنّ ذلك لم يضعه حكماؤهم عبثا، ولأمر ما جدع قصير أنفه، وكم من جاهل بالتعاليم إذا سمع أقوالهم في مدّة سني العالم يبادر إلى تكذيبهم من غير علم بدليلهم عليه، وطريق الحق أن يتوقف، فيما لا يعلمه حتى يتبين أحد طرفيه فيرجحه على الآخر، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون. وقال أصحاب السند هند: ومعناه: الدهر الداهر أنّ الكواكب وأوجاتها وجوز هراتها تجتمع كلها في أوّل برج الحمل عند كل أربعة آلاف ألف ألف سنة وثلثمائة ألف ألف سنة وعشرين ألف ألف سنة شمسية، وهذه مدّة سني العالم. قالوا: وإذا جمعت برأس الحمل فسدت المكوّنات الثلاث التي يحويها عالم الكون والفساد المعبر عنه بالحياة الدنيا، وهذه المكوّنات هي: المعدن والنبات والحيوان، فإذا فسدت بقي العالم السفليّ خرابا دهرا طويلا إلى أن تتفرّق الكواكب، والأوجات والجوزهرات في بروج الفلك، فإذا تفرّقت فيها بدأ الكون بعد الفساد، فعادت أحوال العالم السفليّ إلى الأمر الأوّل، وهذا يكون عودا بعد بدء إلى غير نهاية، قالوا: ولكل واحد من الكواكب والأوجات والجوزهرات عدّة أدوار في هذه المدّة يدل كل دور منها على شيء من المكوّنات، كما هو مذكور في كتبهم مما لا حاجة بنا هنا إلى ذكره، وهذا القول منتزع من قول البراهمة الذي تقدّم ذكره. وقال أصحاب الهازروان من قدماء الهند: إنّ كل ثلثمائة ألف سنة وستين ألف سنة شمسية: يهلك العالم بأسره ويبقى مثل هذه المدّة، ثم يعود بعينه، ويعقبه البدل، وهكذا أبدا يكون الحال لا إلى نهاية. قالوا: ومضى من أيام العالم المذكورة إلى طوفان نوح ﵇: مائة ألف وثمانون ألف سنة شمسية.

стр. 467

ومضى من الطوفان إلى سنة الهجرة المحمدية ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاث وعشرون سنة، وأربعة أشهر وأيام. وبقي من سني العالم حتى يبتدئ ويفنى مائة ألف وبضع وسبعون ألف سنة شمسية، أوّلها تاريخ الهجرة الذي يؤرخ به أهل الإسلام. وقال أصحاب الأزجهير: مدّة العالم التي تجتمع فيها الكواكب برأس الحمل هي وأوجاتها وجوزهراتها: جزء من ألف جزء من مدّة: السند هند، وهذا أيضا منتزع من قول البراهمة. وقال أبو معشر، وابن بو بخت: إنّ بعض الفرس يرى أنّ عمر الدنيا اثنا عشر ألف سنة بعدّة البروج، لكل برج ألف سنة، فكان ابتداء أمر الدنيا في أوّل ألف الحمل، لأنّ الحمل والثور والجوزاء تسمى: أشرف الشرف، وينسب إلى الحمل: الفصل، وفيها تكون الشمس في شرفها، وعلوّها، وطول نهارها، ولذلك كانت الدنيا كانت إلى ثلاثة آلاف سنة: علوية روحانية طاهرة، ولأن السرطان والأسد والسنبلة: منتقصة، فإنّ الشمس تنحط من علوّها في أوّل دقيقة من السرطان، وكان قدر الدنيا وأبنائا منحطا في الثلاثة آلاف الثانية، ولأن الميزان أهبط الهبوط، وبئر الآبار، وضدّ البرج الذي فيه شرف الشمس دل على أنه أصابت الدنيا واكتسب أهلها المعصية، والميزان والعقرب والقوس إذا نزلتها الشمس لم تزدد إلاّ انحطاطا، والأيام إلاّ نقصانا. فلذلك دلت على البلايا والضيق، والشدّة والشرّ، وحيث تبلغ الآلاف إلى أوّل الجدي الذي فيه أوّل ارتفاع الشمس، وإشرافها على شرفها، وفيه تزداد الأيام طولا، والدلو والحوت اللذان تزداد الشمس فيهما صعودا، حتى تصل لشرفها فيدل على ظهور الخير، وضعف الشرّ، وثبات الدين والعقل والعمل بالحق والعدل، ومعرفة فضل العلم والأدب في تلك الثلاثة الآلاف سنة، وما يكون في ذلك فعلى قدر صاحب الألف والمائة والعشرة، وعلى حسب اتفاق الكواكب في أوّل سلطان صاحب الألف، فلا يزال ذلك في زيادة حتى يعود أمر الدنيا في آخرها إلى مثل ما كان عليه ابتداؤها، وهي في ألف الحمل وكلما تقارب آخر كل ألف من هذه الألوف اشتدّ الزمان، وكثرت البلايا لأنّ أواخر البرج في حدود النحوس، وكذلك في آخر المئين والعشرات، فعلى هذا الانقضاء للدنيا إذا كان الزمان يعود إلى الحمل كما بدأ أوّل مرّة. وزعموا أن ابتداء الخلق بالتحرّك كان والشمس في ابتداء المسير، فدار الفلك، وجرت المياه، وهبت الرياح، واتقدت النيران، وتحرّك سائر الخلائق بما هم عليه من خير وشرّ، والطالع تلك الساعة تسع عشرة درجة من برج السرطان، وفيه المشتري، وفي البيت الرابع الذي هو بيت العافية، وهو برج الميزان زحل، وكان الذنب في القوس، والمرّيخ والجدي والزهرة وعطارد في الحوت، ووسط السماء برج الحمل، وفي أوّل دقيقة منه

стр. 468

الشمس، وكان القمر في الثور وفي بيت السعادة، وكان الرأس في برج الجوزاء، وهو بيت الشقاء، وفي تلك الدقيقة من الساعة كان استقبال أمر الدنيا، فكان خيرها وشرّها وانحطاطها وارتفاعها، وسائر ما فيها على قدر مجاري البروج والنجوم، وولاية أصحاب الألوف، وغير ذلك من أحوالها. ولأنّ المشتري كان في السرطان في شرفه وزحل في الميزان في شرفه والمرّيخ والشمس والقمر في إشرافها دلت على كائنة جليلة، فكان نشوء العالم، وانبرز زحل. فتولى الألف هو والميزان وكان المشتري في الطالع مقبولا. وكذلك جميع الكواكب كانت مقبولة، فدل على نماء العالم وحسن نشوءه، وكان زحل هو المستولي والعالي في الفلك والبرج طويل المطالع، فطالت أعمار تلك الألف وقويت أبدانهم، وكثرت مياههم وكون الميزان تحت الأرض دل على خفاء أوّل حدوث العالم، وعلى أنّ أهل ذلك الزمان ينظرون في عمارة الأرضين وتشييد البنيان. ثم ولي الألف الثاني العقرب والمريخ، وكان في الطالع المرّيخ، فدل على القتل في ذلك الألف وسفك الدماء، والسبي والظلم والجور والخوف والهمّ والأحزان والفساد وجور الملوك، وولي الألف الثالث القوس وشاركه عطارد والزهرة بطلوعهما، وكان الذنب في القوس، فدل المشتري على النجدة في تلك الألف والشدّة والجلد والبأس والرياسة والعدل، وتقسيم الملوك الدنيا، وسفك الدماء بسبب ذلك، ودلت الزهرة على ظهور بيت العبادة وعلى الأنبياء، ودل عطارد على ظهور العقل والأدب والكلام، وكون البرج مجسدا دلّ على انقلاب الخير والشرّ في تلك الألف مرّات، وعلى ظهور ألوان من آيات الحق والعدل والجور. ثم ولي الألف الرابع الجدي، وكان فيه المرّيخ فدل على ما كان في تلك الألف من إهراق الدماء، ودلت الشمس على ظهور الخير والعلم، ومعرفة اللّه تعالى، وعبادته وطاعته وطاعة أنبيائه، والرغبة في الدين مع الشجاعة والجلد، وكون البرج منقلبا هو والبرج الذي فيه الشمس دلّ على انقلاب ذلك في آخرها، وظهور الشرّ والتفرّق والقسم والقتل وسفك الدماء والغصب في أصناف كثيرة، وتحوّل ذلك وتلوّنه، وكون الجدي منحطا دلّ على أنه يظهر في آخر تلك الألف الحسن الشبيه بصفة زحل والمريخ وانقطاع العظماء والحكماء، وبوارهم وارتفاع السفلة، وخراب العامر، وعمارة الخراب، وكثرة تلوّن الأشياء، وولي الألف الخامس الدلو بطلوع القمر، وكان القمر في الثور، فدل الدلو لبرودته وعسره على سقوط العماء وعطلة أمرهم، وارتفاع السفلة والعبيد، ومحمدة البخلاء، وظهور الجيش الأسود والسواد، وعلى كثرة التفتيش، والتفكر وظهور الكلام في الأديان ومحبة الخصومات وكون القمر في شرفه يدل على قهر الملوك، وظهور ولاة الحق، ونفاذ الخير، وظهور بيوت العبادة والكف عن الدماء، والراحة والسعادة في العامّة وثبات ما يكون من العدل والخير، وطول المدّة فيه وكون البرج مائيا يدل على كثرة الأمطار والغرق وآفة من البرد يهلك فيها

стр. 469

الكثير، ويلي الألف السادس برج الحوت بطلوع المشتري والرأس فيدل على المحمدة في الناس عامّة وعلى الصلاح والخير والسرور، وذهاب الشرّ، وحسن العيش، ولكل واحد من الكواكب ولاية ألف سنة، فصار عطارد خاتما في برج السنبلة. وزعم ابن بوبخت: أنّ من يوم سارت الشمس إلى تمام خمس وعشرين من ملك أنوشروان ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبع وستون سنة، وذلك في ألف الجدي وتدبير الشمس، ومنه إلى اليوم الأوّل من الهجرة سبع وثمانون سنة شمسية وستة وعشرون يوما، ومن الهجرة إلى قيام يزدجرد تسع سنين وثلثمائة وسبعة وثلاثون يوما فذلك الجميع إلى أن قام يزدجرد ثلاثة آلاف وتسعمائة وست وستون سنة. وقال أبو معشر: وزعم قوم من الفرس أنّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بعدّة الكواكب السبعة. وزعم أبو معشر: أنّ عمر الدنيا ثلثمائة ألف سنة وستون ألف سنة، وأنّ الطوفان كان في النصف من ذلك على رأس مائة ألف وثمانين ألف سنة. وقال قوم: عمر الدنيا تسعة آلاف سنة لكل كوكب من الكواكب السبعة السيارة ألف سنة، وللرأس ألف سنة، وللذنب ألف سنة وشرّها ألف الذنب، وإنّ الأعمار طالت في تدبير آلاف الثلاثة العلوية، وقصرت في آلاف الكواكب السفلية. وقال قوم: عمر الدنيا تسعة عشر ألف سنة بعدد البروج الاثني عشر لكل برج ألف سنة وبعدد الكواكب السبعة السيارة لكل كوكب ألف سنة. وقال قوم: عمر الدنيا أحد وعشرون ألف سنة بزيادة ألف للرأس، وألف للذنب. وقال قوم: عمر الدنيا ثمانية وسبعون ألف سنة في تدبير برج الحمل اثنا عشر ألف سنة، وفي تدبير برج الثور أحد عشر ألف سنة، وفي تدبير الجوزاء عشرة آلاف سنة، فكانت الأعمار في هذا الربع أطول، والزمان أجدّ، ثم تدبير الربع الثاني مدّة أربعة وعشرين ألف سنة، فتكون الأعمار دون ما كانت في الربع الأوّل، وتدبير الربع الثالث خمسة عشر ألف سنة، وتدبير الربع الرابع ستة آلاف سنة. وقال قوم: كانت المدّة من آدم إلى الطوفان ألفين وثمانين سنة وأربعة أشهر وخمسة عشر يوما، ومن الطوفان إلى إبراهيم ﵇ تسعمائة واثنتين وأربعين سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما، فذلك ثلاثة آلاف، ومائتان وثلاث وعشرون سنة. وقال قوم من اليهود: عمر الدنيا سبعون ألف سنة منحصرة في ألف جيل ولفقوا ذلك من قول موسى ﵇ في صلاته: إنّ الجيل سبعون سنة، ومن قوله في الزبور: إنّ إبراهيم ﵇ قطع معه اللّه تعالى عهد البقاء البشر ألف جيل، فجاء من ذلك أنّ مدّة الدنيا سبعون ألف سنة، واستظهروا لقولهم هذا بما في التوراة من قوله، واعلم أنّ اللّه إلهك

стр. 470

هو القادر المهيمن الحافظ العهد والفضل لمحبيه وحافظي وصاياه لألف جيل. وذكر أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعوديّ في كتاب أخبار الزمان عن الأوائل: أنهم قالوا: كان في الأرض ثمان وعشرون ذات أرواح وأيد وبطش وصور مختلفات بعدد منازل القمر لكل منزلة أمّة منفردة تعرف بها تلك الأمّة، ويزعمون أن تلك الأمم كانت الكواكب الثابتة تدبرها، وكانوا يعبدونها، ويقال: لما خلق اللّه تعالى البروج الاثني عشر قسم دوامها في سلطانها، فجعل للحمل اثني عشر ألف عام، وللثور أحد عشر ألف عام، وللجوزاء عشرة آلاف عام، وللسرطان تسعة آلاف عام، وللأسد ثمانية آلاف عام، وللسنبلة سبعة آلاف عام، وللميزان ستة آلاف عام، وللعقرب خمسة آلاف عام، وللقوس أربعة آلاف عام، وللجدي ثلاثة آلاف عام، وللدلو ألفي عام، وللحوت ألف عام، فصار الجميع ثمانية وسبعين ألف عام، فلم يكن في عالم الحمل والثور والجوزاء حيوان، وذلك ثلاثة وثلاثون ألف عام، فلما كان عالم السرطان تكوّنت دواب الماء وهوامّ الأرض. فلما كان عالم الأسد تكوّنت ذوات الأربع من الوحش والبهائم، وذلك بعد تسعة آلاف عام من خلق دواب الماء والهوام، فلما كان عالم السنبلة، تكوّن الإنسانان الأوّلان، وهما: أدمانوس، وحنوانواس، وذلك لتمام سبعة عشر ألف عام لخلق دواب الماء، وهوامّ الأرض ولتمام ثمانية آلاف عام من خلق ذوات الأرض، وخلقت الأرض في عالم الميزان، ويقال: بل خلقت الأرض أوّلا، وأقامت خالية ثلاثة وثلاثين ألف عام ليس فيها حيوان ولا عالم روحانيّ، ثم خلق اللّه تعالى هوامّ الماء، ودواب الأرض، وما بعد ذلك على ما تقدّم ذكره، فلما تمّ أربعة وعشرون ألف عام لخلق دواب الماء وهوامّ الأرض، ولتمام خمسة عشر ألف عام من خلق ذوات الأربع، ولتتمة سبعة آلاف عام من لدن تكوّن الإنسانين خلقت الطيور. ويقال: إنّ مدّة مقام الإنسانين ونسلهما في الأرض مائة ألف وثلاثة وثلاثون ألف عام منها لزحل: ستة وخمسون ألف عام، وللمشتري أربعة وأربعون ألف عام، وللمرّيخ ثلاثة وثلاثون ألف عام، ويقال: إنّ الأمم المخلوقات قبل آدم هي كانت الجبلة الأولى، وهي ثمان وعشرون أمّة بإزاء منازل القمر خلقت من أمزجة مختلفة أصلها: الماء، والهواء، والأرض، والنار، فتباين خلقها، فمنها أمّة خلقت طوالا زرقا ذوات أجنحة كلامهم قرقعة على صفة الأسود، ومنها أمّة أبدانهم أبدان الأسود ورؤوسهم رؤوس الطير لهم شعور، وآذان طوال، وكلامهم دويّ، ومنها أمّة لها وجهان: وجه أمامها، ووجه خلفها، ولها أرجل كثيرة، وكلامهم كلام الطير، ومنها أمّة ضعيفة في صور الكلاب لها أذناب، وكلامهم همهمة لا يعرف، ومنها أمّة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون إذا تكلموا تصفيرا، ومنها أمّة يشبهون نصف إنسان لهم عين واحدة، ورجل يقفزون بها قفزا، ويصيحون كصياح الطير، ومنها أمّة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف في رؤوسهم قرون

стр. 471

طوال لا يفهم كلامهم، ومنها أمّة مدوّرة الوجوه لهم شعور بيض، وأذناب كأذناب البقر ورؤوسهم في صدورهم لهم شعور وثديّ، وهم أناس كلهنّ ليس فيهنّ ذكر يلقحن من الريح، ويلدن أمثالهنّ، ولهنّ أصوات مطربة يجتمع إليهنّ كثير من هذه الأمم لحسن أصواتهنّ، ومنها أمّة على خلق بني آدم سود وجوههم، ورؤوسهم كرؤوس الغربان، ومنها أمّة في خلق الهوام والحشرات إلا أنها عظيمة الأجسام تأكل، وتشرب مثل الأنعام، ومنها أمّة كوجوه دواب البحر لها أنياب كأنياب الخنازير، وآذان طوال، ويقال: إنّ هذه الثمانية والعشرين أمّة تناكحت، فصارت مائة وعشرين أمّة. وسئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁: هل كان في الأرض خلق قبل آدم يعبدون اللّه تعالى؟ فقال: نعم خلق اللّه الأرض، وخلق فيها الجنّ يسبحون اللّه ويقدّسونه لا يفترون، وكانوا يطيرون إلى السماء، ويلقون الملائكة، ويسلمون عليهم ويستعملون منهم خبر ما في السماء، ثم إنّ طائفة منهم تمرّدت، وعتت عن أمر ربها، وبغت في الأرض بغير الحق، وعدا بعضهم على بعض، وجحدوا الربوبية، وكفروا بالله، وعبدوا ما سواه، وتغايروا على الملك حتى سفكوا الدماء، وأظهروا في الأرض الفساد، وكثر تقاتلهم، وعلا بعضهم على بعض، وأقام المطيعون للّه تعالى على دينهم، وكان إبليس من الطائفة المطيعة للّه والمسبحين له، وكان يصعد إلى السماء، فلا يحجب عنها لحسن طاعته. ويروى: أنّ الجنّ كانت تفترق على إحدى وعشرين قبيلة، وأنّ بعد خمسة آلاف سنة ملكوا عليهم ملكا يقال له: شملال بن ارس، ثم افترقوا فملكوا عليهم: خمسة ملوك، وأقاموا على ذلك دهرا طويلا، ثم أغار بعضهم على بعض، وتحاسدوا، فكانت بينهم وقائع كثيرة، فأهبط اللّه تعالى إليهم إبليس، وكان اسمه بالعربية: الحارث، وكنيته أبو مرّة، ومعه عدد كثير من الملائكة، فهزمهم وقتلهم، وصار إبليس ملكا على وجه الأرض، فتكبر وطغى، وكان من امتناعه من السجود لآدم ما كان، فأهبطه اللّه تعالى إلى الأرض، فسكن البحر، وجعل عرشه على الماء، فألقيت عليه شهوة الجماع، وجعل لقاحه لقاح الطير وبيضه. ويقال: إنّ قبائل الجنّ من الشياطين خمس وثلاثون قبيلة، خمس عشرة قبيلة تطير في الهواء وعشر قبائل مع لهب النار، وثلاثون قبيلة يسترقون السمع من السماء، ولكل قبيلة ملك موكل بدفع شرّها، ومنهم صنف من السعالي (١) يتصوّرون في صور النساء الحسان، ويتزوّجن برجال الأنس ويلدن منهم، ومنهم صنف على صور الحيات إذا قتل أحد منهم واحدة هلك من وقته، فإن كانت صغيرة هلك ولده أو عزيز عنده. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنّ الكلاب من الجنّ فإذا رأوكم تأكلون،

стр. 472

فألقوا إليهم من طعامكم، فإنّ لهم أنفسا يعني إنهم يأخذون بالعين. وقد روي: أنّ الأرض كانت معمورة بأمم كثيرة منهم: الطمّ، والرمّ، والجنّ، والبن، والحسن، والبسن، وأنّ اللّه تعالى لما خلق السماء عمّرها بالملائكة، ولما خلق اللّه الأرض عمرها بالجنّ، فعاثوا وسفكوا الدماء، فأنزل اللّه إليهم جندا من الملائكة، فأتوا على أكثرهم قتلا وأسرا، فكان ممن أسر إبليس، وكان اسمه عزازيل، فلما صعد به إلى السماء أخذ نفسه بالاجتهاد في العبادة والطاعة رجاء أن يتوب اللّه عليه، فلما لم يجد ذلك عليه شيئا خامر الملائكة القنوط، فأراط اللّه أن يظهر لهم خبث طويته، وفساد نيته، فخلق آدم فامتحنه بالسجود له ليظهر للملائكة تكبره، وإبانة ما خفي عنهم من مكتوم أنبائه، وإلى عمارة الأرض قبل آدم ممن أفسد فيها أشار بقوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ اَلدِّماءَ﴾ [البقرة/ ٣٠] يعنون كما فعل بها من قبل، واللّه أعلم بمراده. وقال أبو بكر بن أحمد بن عليّ بن وحشية في كتاب الفلاحة: إنه عرّب هذا الكتاب، ونقله من لسان الكلدانيين إلى اللغة العربية، وإنه وجده من وضع ثلاثة حكماء قدماء وهم: صعريت وسوساد وفوقاي ابتدأه الأوّل، وكان ظهوره في الألف السابعة من سبعة آلاف سني زحل، وهي الألف التي يشارك فيها زحل القمر، وتممه الثاني، وكان ظهوره في آخر هذه الألف، وأكمله الثالث، وكان ظهوره بعد مضيّ أربعة آلاف سنة من دور الشمس الذي هو سبعة آلاف سنة، وإنه نظر إلى ما بين زمان الأوّل والثالث، فكان ثمانية عشر ألف سنة شمسية، وبعض الألف التاسعة عشر، وقد اختلف أهل الإسلام في هذه المسألة أيضا، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، واليوم ألف سنة، فذلك سبعة آلاف سنة، وروى سفيان عن الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب الأحبار: الدنيا ستة آلاف سنة. وعن وهب بن منبه أنه قال: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة إني لأعرف كل زمان منها، ومن فيه من الأنبياء، فقيل له: فكم الدنيا؟ قال: ستة آلاف سنة. وروى عبد اللّه بن دينار عن عبد اللّه بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس». وفي حديث أبي هريرة: الحقب ثمانون عاما اليوم منها سدس الدنيا، والحقب هنا بكسر الحاء وضمها. قال أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانيّ في كتاب الإكليل: وكأن الدنيا جزء من أربعة آلاف وسبعمائة وثلاثة وعشرين جزءا وثلث جزء من الحقب، على أنّ السنة القمرية ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم، فإذا كانت الدنيا ستة آلاف سنة، واليوم ألف سنة تكون سنين قمرية ستة آلاف ألف سنة، فإذا جعلناه جزءا وضربناه في أجزاء

стр. 473

الحقب، وهي أربعة آلاف وسبعمائة سنة وثلاث وعشرون وثلث خرج من السنين: ثمانية وعشرون ألف ألف ألف وثلثمائة ألف ألف وأربعون ألف ألف، وإذا كانت جمعة من جمع الآخرة زدنا مع هذا العدد مثل سدسه، وهذا عدد الحقب. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ: الصواب من القول ما دل على صحته الخبر الوارد، فذكر قوله ﵇: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس»، وقوله ﵇: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى، وقوله ﵇: «بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني». قال: فمعلوم إن كان اليوم أوّله طلوع الشمس، وآخره غروب الشمس، وكان صحيحا عن النبيّ ﷺ قوله: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس»، وقوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى، وكان قدر ما بين أوسط أوقات العصر، وذلك إذا صار ظل كل شيء مثليه على التحرّي إنما يكون قدر نصف سبع اليوم يزيد قليلا أو ينقص قليلا، وكذلك فضل ما بين الوسطى والسبابة، إنما يكون نحوا من ذلك، وكان صحيحا مع ذلك قوله ﵇: «لن يعجز اللّه أن يؤخر هذه الأمّة نصف يوم» يعني نصف اليوم الذي مقداره ألف سنة، فأولى القولين اللذين أحدهما عن ابن عباس والآخر عن كعب. قول ابن عباس: إنّ الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف، وإذا كان كذلك، وكان قد جاء عنه ﵇: أنّ الباقي من ذلك في حياته نصف يوم، وذلك خمسمائة عام إذا كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر الواحد منها ألف عام كان معلوما أنّ الماضي من الدنيا إلى وقت قوله ﵇: «ستة آلاف سنة وخمسمائة سنة» أو نحو ذلك، وقد جاء عنه ﵇ خبر يدل على صحة قول من قال: إنّ الدنيا كلها ستة آلاف سنة لو كان صحيحا لم يعد القول به إلى غيره، وهو حديث أبي هريرة يرفعه الحقب ثمانون عاما اليوم منها سدس الدنيا، فتبين من هذا الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، وذلك أنه حيث كان اليوم الذي هو من أيام الآخرة مقداره ألف سنة من سني الدنيا، وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا، كان معلوما أن جميعها ستة أيام من أيام الآخرة، وذلك ستة آلاف سنة، وقال أبو القاسم السهيليّ (١): وقد مضت الخمسمائة من وفاته ﷺ إلى اليوم بنيف عليها، وليس في قوله: لن يعجز اللّه أن يؤخّر هذه الأمّة نصف يوم، ما ينفي الزيادة على النصف، ولا في قوله: بعثت أنا والساعة كهاتين، ما يقطع به على صحة تأويله، يعني الطبري، فقد نقل في تأويله غير هذا وهو أنه ليس بينه وبين الساعة نبيّ، ولا شرعة غير شرعته مع التقريب لحينها، كما قال تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ اَلسّاعَةُ﴾ [القمر/ ١]، وقال: ﴿أَتى أَمْرُ اَللّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل/ ١] ولكن إذا قلنا: إنه ﵇ إنما بعث في الألف الآخر بعد ما مضت منه سنون

стр. 474

ونظرنا إلى الحروف المقطعة في أوائل السور وجدناها أربعة عشر حرفا يجمعها قولك. (ألم يسطع نص حق كره). ثم تأخذ العدد على حساب أبي جاد، فيجيء تسعمائة وثلاثة، ولم يسمّ اللّه تعالى أوائل السور إلا هذه الحروف، فليس يبعد أن يكون من بعض مقتضياتها، وبعض فوائدها الإشارة إلى هذا العدد من السنين لما قدّمناه من حديث الألف السابع الذي بعث ﵇ فيه غير أن الحساب يحتمل أن يكون من مبعثه أو من وفاته أو من هجرته وكل قريب بعضه من بعض، فقد جاء أشراطها، ولكن لا تأتيكم إلا بغتة، وقد روى أنه ﵇ قال: «إن أحسنت أمّتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة» وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم. ففي الحديث تتميم للحديث المتقدّم، وبيان له، إذ قد نقضت الخمسمائة والأمة باقية، وقال شادان البلخيّ المنجم: مدّة ملة الإسلام ثلثمائة وعشرين سنين، وقد ظهر كذب قوله وللّه الحمد، وقال أبو معشر: يظهر بعد المائة والخمسين من سني الهجرة اختلاف كثير. وقال حراس: إنّ المنجمين أخبروا كسرى أنوشروان بتملك العرب، وظهور النبوّة فيهم، وأنّ دليلهم الزهرة، وهي في شرفها، والزهرة دليل العرب، فتكون مدّة ملك نبوّتهم ألفا وستين سنة، ولأنّ طالع القرآن الدال على ذلك برج الميزان والزهرة صاحبته في شرفها، قال: وسأل كسرى وزيره بزرجمهر عن ذلك، فأعلمه أن الملك يخرج من فارس، وينتقل إلى العرب، وتكون ولادة القائم بإمرة العرب لخمس وأربعين سنة من وقت القران، وأنّ العرب تملك المشرق والمغرب من أجل أن المشتري دليل فارس قد قبل تدبير الزهرة دليل العرب، والقران قد انتقل من المثلثة الهوائية إلى المثلثة المائية، وإلى برج العقرب منها، وهو دليل العرب أيضا، وهذه الأدلة تقتضي بقاء الملة الإسلامية بقدر دور الزهرة، وهو ألف وستون سنة شمسية. وقال نفيل الروميّ: وكان في أيام بني أمية تبقى ملة الإسلام، بقدر مدّة القران الكبيرة، وهي تسعمائة وستون سنة شمسية، فإذا عاد القران بعد هذه المدة إلى برج العقرب كما كان في ابتداء الملة، وتغير وضع تشكيل الفلك عن هيئته في الابتداء، فحينئذ يفتر العمل، ويتجدّد ما يوجب خلاف الظنّ. قال: واتفقوا على أنّ خراب العالم يكون باستيلاء الماء والنار حتى تهلك المكوّنات بأسرها، وذلك إذا قطع قلب الأسد أربعا وعشرين درجة من برج الأسد الذي هو حدّ المرّيخ بعد تسعمائة وستين سنة شمسية من قران الملة، ويقال: إنّ ملك رابلستان وهي عزبة بعث إلى عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون بحكيم اسمه دوبان في جملة هدية، فأعجب به المأمون، وسأله عن مدّة ملك بني العباس، فأخبره بخروج الملك عن عقبه، واتصاله في عقب أخيه، وأنّ العجم تغلبهم على الخلافة، فيتغلب الديلم أوّلا ثم يسوء حالهم، حتى يظهر الترك من

стр. 475

شمال المشرق، فيملكون الفرات والروم والشام، وقال يعقوب بن إسحاق الكنديّ: مدّة ملة الإسلام ستمائة وثلاث وتسعون سنة. وقال الفقيه الحافظ أبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم (١): وأما اختلاف الناس في التاريخ، فإنّ اليهود يقولون: أربعة آلاف سنة، والنصارى يقولون: الدنيا خمسة آلاف سنة، وأما نحن يعني أهل الإسلام، فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا، ومن ادّعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقلّ فقد قال ما لم يأت قط عن رسول اللّه ﷺ فيه لفظة تصح، بل صح عنه ﵇ خلافه، بل نقطع على أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف/ ٥١]، وقال رسول اللّه ﷺ : «ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود والشعرة السوداء في الثور الأبيض». وهذه نسبة من تدبرها، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، وإنه الأكثر علم أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا اللّه تعالى، وكذلك قوله ﵇: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضم أصبعيه المقدّستين السبابة والوسطى، وقد جاء النص: بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا اللّه تعالى لا أحد سواه، فصح أنه ﷺ ، إنما عني شدّة القرب لا فضل السبابة على السباحة إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الإصبعين، ونسب من طول الأصبع، فكان يعلم بذلك متى تقوم الساعة، وهذا باطل وأيضا فكان تكون نسبته ﷺ إيانا من قبلنا بأننا كالشعرة في الثور كذبا، ومعاذ اللّه من ذلك، فصح أنه ﵇، إنما أراد شدّة القرب، وله ﷺ منذ بعث أربعمائة عام ونيف، واللّه تعالى أعلم بما بقي للدنيا، فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما سلف لقتله، وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى، فهو الذي قاله ﷺ من أننا فيمن مضى كالشعرة في الثور أو الرقمة في ذراع الحمار. وقد رأيت بخط الأمير أبي محمد عبد اللّه بن الناصر قال: حدّثني محمد بن معاوية القرشيّ أنه رأى بالهند بلدا له اثنتان وسبعون ألف سنة، وقد وجد محمود بن سبكتكين بالهند مدينة يؤرخون بأربعمائة ألف سنة، قال أبو محمد: إلا أن لكل ذلك أوّلا، ولا بدّ ونهاية لم يكن شيء من العالم موجودا قبله، وللّه الأمر من قبل ومن بعد، واللّه أعلم. ذكر التواريخ التي كانت للأمم قبل تاريخ القبط التاريخ: كلمة فارسية أصلها: ماروز، ثم عرّب. قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخيّ في كتاب مفاتيح العلوم، وهو

стр. 476

كتاب جليل القدر، وهذا اشتقاق بعيد لولا أنّ الرواية جاءت به، وقال قدامة بن جعفر في كتاب الخراج: تاريخ كل شيء آخره، وهو في الوقت غايته، يقال: فلان تاريخ قومه، أي إليه ينتهي شرفهم، ويقال: ورّخت الكتاب توريخا وأرخته تأريخا، اللغة الأولى لتميم، والثانية لقيس، ولكل أهل ملة تاريخ، فكانت الأمم تؤرخ أوّلا بتاريخ الخليقة، وهو ابتداء كون النسل من آدم ﵇، ثم أرخت بالطوفان، وأرخت ببخت نصر، وأرخت بفيلبس، وأرخت بالإسكندر، ثم بأغشطش، ثم بأنطيس، ثم بدقلطيانوس، وبه تؤرخ القبط، لم يكن بعد تاريخ القبط إلا تاريخ الهجرة، ثم تاريخ يزدجرد، فهذه تواريخ الأمم المشهورة، وللناس تواريخ أخر قد انقطع ذكرها. فأما تاريخ الخليقة، ويقال له: ابتداء كون النسل، وبعضهم يقول: بدو التحرّك، فإنّ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس في كيفيته، وسياقة التاريخ منه خلافا كثيرا، قال المجوس والفرس: عمر العالم اثنا عشر ألف عام على عدد بروج الفلك وشهور السنة، وزعموا أنّ زرادشت صاحب شريعتهم قال: إن الماضي من الدنيا إلى وقت ظهوره ثلاثة آلاف ومائتا سنة وثمان وخمسون سنة، وإذا حسبنا من أوّل يوم كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأوّل، وجمعنا مدّة كل من ملك بعده، فإنّ الملك ملصق فيهم غير منقطع عنهم، كان العدد منه إلى الإسكندرية ثلاثة آلاف وثلثمائة وأربعا وخمسين سنة، فإذا لم يتفق التفصيل مع الجملة، وقال قوم: الثلاثة الآلاف الماضية إنما هي من خلق كيومرت فإنه مضى قبله ألف سنة، والفلك فيها واقف غير متحرّك، والطبائع غير مستحيلة، والأمّهات غير متمازجة، والكون والفساد غير موجود فيها، والأرض غير عامرة، فلما تحرّك الفلك حدث الإنسان الأوّل في معدن النهار، وتولد الحيوان وتوالد وتناسل الإنس فكثروا، وامتزجت أجزاء العناصر للكون والفساد، فعمرت الدنيا، وانتظم العالم. وقال اليهود: الماضي من آدم إلى الإسكندرية ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمان وأربعون سنة. وقال النصارى: المدّة بينهما خمسة آلاف ومائة وثمانون سنة، وزعموا أن اليهود نقصوها، ليقع خروج عيسى ابن مريم ﵇ في الألف الرابع وسط السبعة آلاف التي هي مقدار العالم عندهم، حتى تخالف ذلك الوقت الذي سبقت البشارة من الأنبياء الذين كانوا بعد موسى بن عمران ﵇، بولادة المسيح عيسى، وإذا جمع ما في التوراة التي بيد اليهود من المدّة التي بين آدم ﵇، وبين الطوفان، كانت ألفا وستمائة وستا وخمسين سنة، وعند النصارى في إنجيلهم ألفان ومائتا سنة واثنتان وأربعون سنة، وتزعم اليهود أن توراتهم بعيدة عن التخاليط، وتزعم النصارى: أن توراة السبعين التي هي بأيديهم لم يقع فيها تحريف، ولا تبديل، وتقول اليهود: فيها خلاف ذلك، وتقول السامرية: بأنّ

стр. 477

توارثهم هي الحقّ، وما عداها باطل، ولس في اختلافهم ما يزيل الشك بل يقوّي الجالبة له، وهذا الاختلاف بعينه بين النصارى أيضا في الإنجيل، وذلك أنّ له عند النصارى أربع نسخ مجموعة في مصحف واحد، أحدهما إنجيل متى، والثاني لمارقوس، والثالث للوقا، والرابع ليوحنا، قد ألف كل من هؤلاء الأربعة إنجيلا على حسب دعوته في بلاده، وهي مختلفة اختلافا كثيرا، حتى في صفات المسيح ﵇، وأيام دعوته، ووقت الصلب بزعمهم، وفي نسبه أيضا، وهذا الاختلاف لا يحتمل مثله، ومع هذا فعند كل من أصحاب مرقيون، وأصحاب ابن ديصان إنجيل يخالف بعضه هذا الأناجيل، ولأصحاب ماني إنجيل على حدة يخالف ما عليه النصارى من أوّله إلى آخره، ويزعمون أنه هو الصحيح، وما عداه باطل. ولهم أيضا إنجيل يسمى: إنجيل السبعين ينسب إلى تلامس، والنصارى وغيرهم ينكرونه، وإذا كان الأمر من الاختلاف بين أهل الكتاب، كما قد رأيت ولم يكن للقياس والرأي مدخل في تمييز حق ذلك من باطله امتنع الوقوف على حقيقة ذلك من قبلهم، ولم يعوّل على شيء من أقوالهم فيه، وأما غير أهل الكتاب، فإنهم أيضا مختلفون في ذلك. قال أسوش: بين خلق آدم وبين ليلة الجمعة أوّل الطوفان ألفا سنة ومائتا سنة وست وعشرون سنة وثلاثة وعشرون يوما وأربع ساعات، وقال ما شاه: واسمه منشا بن أثري منجم المنصور والمأمون في كتاب القرانات: أوّل قران وقع بين زحل والمشتري في بدء التحرّك، يعني ابتداء النسل من آدم كان على مضيّ خمسمائة وتسع سنين وشهرين وأربعة وعشرين يوما مضت من ألف المريخ، فوقع القران في برج الثور من المثلثة الأرضية على سبع درج واثنتين وأربعين دقيقة، وكان انتقال الممرّ من برج الميزان، ومثلثته الهوائية إلى برج العقرب، ومثلثته المائية بعد ذلك بألفي سنة وأربعمائة سنة واثنتي عشرة سنة وستة أشهر وستة وعشرين يوما، ووقع الطوفان في الشهر الخامس من السنة الأولى من القران الثاني من قرانات هذه المثلثة المائية، وكان بين وقت القران الأوّل الكائن في بدء التحرّك، وبين الشهر الذي كان فيه الطوفان ألفان وأربعمائة وثلاث وعشرون سنة وستة أشهر واثنا عشر يوما، قال: وفي كل سبعة آلاف سنة وسنتين وعشرة أشهر وستة أيام يرجع القران إلى موضعه من برج الثور الذي كان في بدء التحرّك، وهذا القول أعزك اللّه هو الذي اشتهر، حتى ظنّ كثير من الملل، أنّ مدّة بقاء الدنيا سبعة آلاف سنة فلا تغترّ به، وتنبه إلى أصله تجده أوهى من بيت العنكبوت فاطرحه. وقيل: كان بين آدم وبين الطوفان ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وثلاثون سنة، وقيل: كانت بينهما مدّة ألفين ومائتين وست وخمسين سنة، وقيل: ألفان وثمانون سنة. وأما تاريخ الطوفان: فإنه يتلو تاريخ الخليقة، وفيه من الاختلاف ما لا يطمع في حقيقته من أجل الاختلاف فيما بين آدم وبينه وفيما بينه وبين تاريخ الإسكندر، فإن اليهود

стр. 478

عندهم أنّ بين الطوفان، وبين الإسكندر ألفا وسبعمائة واثنتين وتسعين سنة، وعند النصارى بينهما ألفا سنة وتسعمائة وثمان وثلاثون سنة، والفرس وسائر المجوس، والكلدانيون أهل بابل، والهند، وأهل الصين، وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان، وأقرّ به بعض الفرس، لكنهم قالوا: لم يكن الطوفان بسوى الشام والمغرب، ولم يعمّ العمران كله ولا غرّق إلا بعض الناس، ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولا بلغ إلى ممالك المشرق، قالوا: ووقع في زمان طمهورت، وإنّ أهل المغرب لما أنذر حكماؤهم بالطوفان اتخذوا المباني العظيمة كالهرمين بمصر، ونحوهما ليدخلوا فيها عند حدوثه، ولما بلغ طمهورت الإنذار بالطوفان قبل كونه بمائة وإحدى وثلاثين سنة، أمر باختيار مواضع في مملكته صحيحة الهواء والتربة، فوجد ذلك بأصبهان (١)، فأمر بتجليد العلوم، ودفنها فيها في أسلم المواضع، ويشهد لهذا ما وجد بعد الثلاثمائة من سني الهجرة في حيّ من مدينة أصبهان من التلال التي انشقت عن بيوت مملوءة أعد الأعدّة كثيرة قد ملئت من لحاء الشجر التي تلبس بها القسيّ (٢)، وتسمى: التور مكتوبة بكتابة لم يدر أحد ما هي؟. وأما المنجمون: فإنهم صححوا هذه السنين من القران الأوّل من قرانات العلويين: زحل والمشتري التي أثبت علماء أهل بابل، والكلدانيين مثلها إذا كان الطوفان ظهوره من ناحيتهم، فإنّ السفينة استقرّت على الجوديّ (٣) وهو غير بعيد من تلك النواحي، قالوا: وكان هذا القران قبل الطوفان بمائتين وعشرين سنة ومائة وثمانية أيام، واعتنوا بأمرها وصححوا ما بعدها، فوجدوا ما بين الطوفان، وبين أوّل ملك بخت نصر الأوّل ألفي سنة وستمائة وأربع سنين، وبين بخت نصر هذا، وبين الإسكندر أربعمائة وست وثلاثون سنة، وعلى ذلك بنى أبو معشر أوساط الكواكب في زيجه، وقال: كان الطوفان عند اجتماع الكواكب في آخر برج الحوت، وأوّل برج الحمل، وكان بين وقت الطوفان، وبين تاريخ الإسكندر قدر ألفي سنة وسبعمائة وتسعين سنة مكبوسة وسبعة أشهر وستة وعشرين يوما، وبينه وبين يوم الخميس أوّل المحرّم من السنة الأولى من سني الهجرة النبوية ألف ألف يوم وثلثمائة ألف يوم وتسعة وخمسون ألف يوم وتسعمائة يوم وثلاثة وسبعون يوما، يكون من السنين الفارسية المصرية ثلاثة آلاف سنة، وسبعمائة وخمسا وعشرين سنة، وثلثمائة يوم وثمانية وأربعين يوما. ومنهم من يرى أنّ الطوفان كان يوم الجمعة، وعند أبي معشر أنه كان يوم الخميس، ولما تقرّر عنده الجملة المذكورة، وخرجت له المدّة التي تسمى: أدوار الكواكب، وهي بزعمهم ثلثمائة ألف وستون ألف سنة شمسية، وأوّلها متقدّم على وقت الطوفان بمائة ألف

стр. 479

وثمانين ألف سنة شمسية، حكم بأنّ الطوفان كان في مائة ألف وثمانين ألف سنة، وسيكون فيما بعد كذلك، ومثل هذا لا يقبل إلاّ بحجة أو من معصوم. وأما تاريخ بخت نصر: فإنه على سني القبط، وعليه يعمل في استخراج مواضع الكواكب من كتاب المجسطي، ثم أدوار قالليس، وأوّل أدواره في سنة ثماني عشرة وأربعمائة لبخت نصر، وكل دور منها ست وسبعون سنة شمسية، وكان قالليس من جلّة أصحاب التعاليم، وبخت نصر هذا ليس هو الذي خرّب بيت المقدس، وإنما هو آخر كان قبل بخت نصر مخرّب بيت المقدس، بمائة وثلاث وأربعين سنة، وهو اسم فارسيّ أصله بخت برسي، ومعناه كثير البكاء والأنين، ويقال له بالعبرانية: نصار، وقيل تفسيره: عطارد، وهو ينطق وذلك لتحيبه على الحكمة، وتغريب أهلها ثم عرّب فقيل: بخت نصر. وأما تاريخ فيلبس: فإنه على سني القبط، وكثيرا ما يستعمل هذا التاريخ من موت الإسكندر البناء المقدونيّ، وكلا الأمرين سواء، فإن القائم بعد البناء هو فيلبس فسواء كان من موت الأوّل أو من قيام الآخر، فإن الحالة المؤرخة هي كالفصل المشترك بينهما، وفيلبس هذا هو أبو الإسكندر المقدونيّ، ويعرف هذا التاريخ: بتاريخ الإسكندرانيين، وعله بنى تاون الإسكندرانيّ في تاريخه المعروف بالقانون، وأعلم. وأما تاريخ الإسكندرية فإنه على سني الروم عليه يعمل أكثر الأمم إلى وقتنا هذا من أهل الشام، وأهل بلاد الروم، وأهل المغرب والأندلس، والفرنج واليهود، وقد تقدّم الكلام عليه عند ذكر الإسكندرية من هذا الكتاب. وأما تاريخ أغشطش (١) فإنه لا يعرف اليوم أحد يستعمله، وأغشطش هذا هو أوّل القياصرة، ومعنى قيصر بالرومية شقّ عنه، فإنّ أغشطش هذا لما حملت به أمّه ماتت في المخاض، فشق بطنها حتى أخرج منه، فقيل: قيصر، وبه يلقب من بعده من ملوك الروم، ويزعم النصارى أنّ المسيح ﵇: ولد لأربعين سنة من ملكه، وفي هذا القول نظر، فإنه لا يصح عند سياقه السنين، والتواريخ بل يجيء تعديل ولادته ﵇ في السنة السابعة عشر من ملكه. وأما تاريخ أنطينس: فإن بطليموس صحح الكواكب الثابتة في كتابه المعروف بالمجسطيّ لأوّل ملكه على الروم وسنو هذا التاريخ رومية. ذكر تاريخ القبط إعلم: أن السنة الشمسية عبارة عن عود الشمس في فلك البروج إذا تحرّكت على

стр. 480

خلاف حركة الكل إلى أيّ نقطة فرضت، ابتداء حركتها، وذلك أنها تستوفي الأزمنة الأربعة التي هي الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، وتحوز طبائعها الأربع، وتنتهي إلى حيث بدأت، وفي هذه المدّة يستوفي القمر اثنتي عشرة عودة، وأقلّ من نصف عودة، ويستهل اثنتي عشرة مرّة، فجعلت المدّة التي فيها عودات القمر الاثنتا عشرة في فلك البروج سنة للقمر على جهة الاصطلاح، وأسقط الكسر الذي هو أحد عشر يوما بالتقريب، فصارت السنة على قسمين: سنة شمسية، وسنة قمرية، وجميع من على وجه الأرض من الأمم أخذوا تواريخ سنيهم من مسير الشمس والقمر، فالآخذون بسير الشمس خمس أمم وهم: اليونانيون، والسريانيون، والقبط، والروم، والفرس، والآخذون بسير القمر خمس أمم هم: الهند، والعرب، واليهود، والنصارى، والمسلمون. فأهل قسنطينية والإسكندرية، وسائر الروم والسريانيون والكلدانيون، وأهل مصر، ومن يعمل برأي المعتضد أخذوا بالسنة الشمسية التي هي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم بالتقريب، وصيروا السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوما، وألحقوا الأرباع بها في كل أربع سنين يوما حتى انجبرت السنة، وسمّوا تلك السنة كبيسة لانكباس الأرباع فيها. وأما قبط مصر القدماء: فإنهم كانوا يتركون الأرباع حتى يجتمع منها أيام سنة تامّة، وذلك في كل ألف وأربعمائة وستين سنة، ثم يكبسونها سنة واحدة، ويتفقون حينئذ في أوّل تلك السنة مع أهل الإسكندرية وقسطنطينية. وأما الفرس: فإنهم جعلوا السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوما من غير كبس حتى اجتمع لهم من ربع اليوم في مائة وعشرين سنة أيام شهر تامّ، ومن خمس الساعة الذي يتبع ربع اليوم عندهم، يوم واحد، فألحقوا الشهر التامّ بها في كل مائة وست عشرة سنة، واقتفى أثرهم في هذا أهل خوارزم القدماء والصفد، ومن دان بدين فارس، وكانت الملوك البيشدادية منهم، وهم الذين ملكوا الدنيا بحذافيرها يعملون السنة ثلثمائة وخمسة وستين يوما كل شهر منها: ثلاثون يوما سواء، وكانوا يكبسون السنة كل ست سنين بيوم، ويسمونها كبيسة، وكل مائة وعشرين سنة بشهرين أحدهما بسبب خمسة الأيام، والثاني بسبب ربع اليوم، وكانوا يعظمون تلك السنة ويسمونها المباركة. وأما قدماء القبط: وأهل فارس في الإسلام، وأهل خوارزم والصفد فتركوا الكسور أعني الربع، وما يتبعه أصلا. وأما العبرانيون، وجميع بني إسرائيل، والصابئون، والحرّانيون فإنهم أخذوا السنة من مسير الشمس، وشهورها من مسير القمر لتكون أعيادهم، وصيامهم على حساب قمريّ، وتكون مع ذلك حافظة لأوقاتها من السنة، فكبسوا كل تسع عشرة سنة قمرية بستة أشهر، ووافقهم النصارى في صومهم، وبعض أعيادهم لأن مدار أمرهم على نسخ اليهود، وخالفوهم في الشهور إلى مذهب الروم والسريانيين، وكانت

стр. 481

العرب في جهالتها تنظر إلى فضل ما بين سنتهم، وسنة القمر، وهو عشرة أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمس ساعة، فيلحقون ذلك بها شهرا كلما تمّ منها ما يستوفي أيام شهر، ولكنهم كانوا يعملون على أنه عشرة أيام وعشرون ساعة، وكان يتولى ذلك النّسأة من بني كنانة المعروفون بالقلامس، وأحدهم قلمس، وهو البحر الغزير، وهو أبو تمام جنادة بن عوف بن أمية بن قلع، وأوّل من فعل ذلك منهم: حذيفة بن عبد فقيم، وآخر من فعله أبو تمامة، وأخذ العرب الكبس من اليهود قبل مجيء دين الإسلام بنحو المائتي سنة، وكانوا يكبسون في كل أربعة وعشرين سنة، تسعة أشهر حتى تبقى أشهر السنة ثابتة مع الأزمنة على حالة واحدة لا تتأخر عن أوقاتها، ولا تتقدّم إلى أن حج رسول اللّه ﷺ ، وأنزل اللّه تعالى عليه: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اَللّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اَللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاَللّهُ لا يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكافِرِينَ﴾ [التوبة/ ٣٧]، فخطب ﷺ وقال: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض فبطل النسيء، وزالت شهور العرب عما كانت عليه، وصارت أسماؤها غير دالة على معانيها». وأما أهل الهند فإنهم يستعملون رؤية الأهلة في شهورهم، ويكبسون كل تسعمائة سنة وسبعين يوما بشهر قمريّ، ويجعلون ابتداء تاريخهم: اتفاق اجتماع في أوّل دقيقة من برج ما، وأكثر طلبهم لهذا الاجتماع أن يتفق في إحدى نقطتي الاعتدالين، ويسمون السنة الكبيسة بذمات فهذه آراء الخليقة في السنة. وأما اليوم فإنه عبارة عن عود الشمس بدوران الكل إلى دائرة قد فرضت، وقد اختلف فيه فجعله العرب من غروب الشمس إلى غروبها من الغد، ومن أجل أنّ شهور العرب مبنية على مسير القمر، وأوائلها مقيدة برؤية الهلال، والهلال يرى لدن غروب الشمس، صارت الليلة عندهم قبل النهار، وعند الفرس والروم، اليوم بليلته من طلوع الشمس بارزة من أفق المشرق إلى وقت طلوعها من الغد، فصار النهار عندهم قبل الليل، واحتجوا على قولهم: بأنّ النور وجود، والظلمة عدم، والحركة تغلب على السكون لأنها وجود لا عدم، وحياة لا موت، والسماء أفضل من الأرض، والعامل الشاب أصح، والماء الجاري لا يقبل عفونة كالراكد، واحتج الآخرون بأن الظلمة أقدم من النور، والنور طارئ عليها، فالأقدم يبدأ به، وغلبوا السكون على الحركة بإضافة الراحة والدعة إليه، وقالوا: الحركة إنما هي الحاجة والضرورة، والتعب تنتجه الحركة، والسكون إذا دام في الاستقصاءات مدّة لم يولد فسادا، فإذا دامت الحركة في الاستقصاءات واستحكمت أفسدت، وذلك كالزلازل والعواصف، والأمواج وشبهها، وعند أصحاب التنجيم أن اليوم بليلته من موافاة الشمس فلك نصف النهار إلى موافاتها إياه في الغد، وذلك من وقت الظهر إلى وقت العصر، وبنوا على ذلك حساب أزياجهم، وبعضهم ابتدأ باليوم من نصف الليل، وهو صاحب زيج شهر بارازانساه،

стр. 482

وهذا هو حدّ اليوم على الإطلاق إذا اشترط الليلة في التركيب فأمّا على التفصيل: فاليوم بانفراده، والنهار بمعنى واحد، وهو من طلوع جرم الشمس إلى غروب جرمها، والليل خلاف ذلك وعكسه، وحدّ بعضهم أوّل النهار بطلوع الفجر وآخره بغروب الشمس لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيامَ إِلَى اَللَّيْلِ﴾ [البقرة/ ١٨٧] وقال: هذان الحدّان هما طرفا النهار، وعورض بأنّ الآية إنما فيها بيان طرفي الصوم لا تعريف أوّل النهار، وبأن الشفق من جهة المغرب نظير الفجر من جهة المشرق، وهما متساويان في العلة، فلو كان طلوع الفجر أوّل النهار، لكان غروب الشفق آخره، وقد التزم ذلك بعض الشيعة، فإذا تقرّر ذلك، فنقول تاريخ القبط يعرف عند نصارى مصر الآن بتاريخ الشهداء، ويسميه بعضهم، تاريخ دقلطيانوس. ذكر دقلطيانوس (١) الذي يعرف تاريخ القبط به إعلم: أنّ دقلطيانوس هذا: أحد ملوك الروم المعروفين بالقياصرة ملك في منتصف سنة خمس وتسعين وخمسمائة من سني الإسكندر، وكان من غير بيت الملك، فلما ملك تجبر وامتدّ ملكه إلى مدائن الأكاسرة، ومدينة بابل، فاستخلف ابنه على مملكة رومة، واتخذ تخت ملكه بمدينة أنطاكية، وجعل لنفسه بلاد الشام ومصر إلى أقصى المغرب، فلما كان في السنة التاسعة عشر من ملكه، وقيل: الثانية عشر خالف عليه أهل مصر، والإسكندرية، فبعث إليهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وأوقع بالنصارى فاستباح دماءهم وغلق كنائسهم، ومنع من دين النصارى، وحمل الناس على عبادة الأصنام، وبالغ في الإسراف في قتل النصارى، وأقام ملكا إحدى وعشرين سنة، وهلك بعد علل صبعة دوّد منها بدنه، وسقطت أسنانه، وهو آخر من عبد الأصنام من ملوك الروم، وكل من ملك بعده فإنما كان على دين النصرانية، فإن الذي ملك بعده ابنه سنة واحدة، وقيل: أكثر من ذلك، ثم ملك قسطنطين الأكبر، فأظهر دين النصرانية، ونشره في الأرض، ويقال: إن رجلا ثار بمصر، يقال له: أجله، وخرج عن طاعة الروم، فسار إليه دقلطيانوس وحصر الإسكندرية دار الملك يومئذ ثمانية أشهر، حتى أخذ أجله وقتله، وعمّ أرض مصر كلها بالسبي والقتل، وبعث قائده، فحارب سابور ملك فارس، وقتل أكثر عسكره، وهزمه وأسر امرأته وإخوته وأثخن في بلاده، وعاد بأسرى كثيرة من رجال فارس، ثم أوقع بعامّة بلاد رومة، فأكثر في قتلهم وسبيهم، فكانت أيامه شنعة، قتل فيها من أصناف الأمم، وهدم من بيوت العبادات ما لا يدخل تحت حصر، وكانت واقعته بالنصارى هي الشدّة العاشرة، وهي أشنع شدائدهم،

стр. 483

وأطولها لأنها دامت عليهم مدّة عشر سنين لا يفتر يوما واحدا يحرق فيها كنائسهم، ويعذب رجالهم، ويطلب من استتر منهم أو هرب ليقتل، يريد بذلك قطع أثر النصارى، وإبطال دين النصرانية من الأرض، فلهذا اتخذوا ابتداء ملك دقلطيانوس تاريخا، وكان ابتداء ملكه يوم الجمعة، وبينه وبين يوم الاثنين أوّل يوم من توت، وهو أوّل أيام ملك الإسكندر بن فيلبس المقدونيّ خمسمائة وأربع وتسعون سنة، وأحد عشر شهرا، وثلاثة أيام، وبين يوم الجمعة أوّل يوم من تاريخ دقلطيانوس، وبين يوم الخميس أوّل يوم من سنة الهجرة النبوية ثلثمائة وثمان وثلاثون سنة قمرية وتسعة وثلاثون يوما، وجعلوا شهور السنة القبطية اثني عشر شهرا كل شهر منها عدده ثلاثون يوما سواء، فإذا تمت الأشهر الاثنا عشر أتبعوها بخمسة أيام زيادة على عدد أيامها، وسموا هذه الخمسة الأيام أبو عمنا، وتعرف اليوم: بأيام النسيء، فيكون الحال في النسيء على ذلك ثلاث سنين متواليات، فإذا كان في السنة الرابعة جعلوا النسيء ستة أيام، فتكون سنوهم ثلاث سنين متواليات كل سنة ثلثمائة وخمسة وستون يوما والرابعة يصير عددها ثلثمائة وستة وستين يوما، ويرجع حكم سنتهم إلى حكم سنة اليونانيين بأن تصير سنتهم الوسطى ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم إلا أن الكبس يختلف، فإذا كان كبس القبط في سنة كان كبس اليونانيين في السنة الداخلة. وأسماء شهور القبط (١): توت، بابه. هتور، كهيك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى؛ فهذه اثنا عشر شهرا كل شهر منها عدده ثلاثون يوما، وإذا كانت عدّة شهر مسري، وهو الشهر الثاني عشر زادوا أيام النسيء بعد ذلك، وعملوا النوروز أوّل يوم من شهر توت. ذكر أسابيع الأيام إعلم: أن القدماء من الفرس والصفد وقبط مصر الأول يم يكونوا يستعملون الأسابيع من الأيام في الشهور، وأوّل من استعملها أهل الجانب الغربيّ من الأرض لا سيما أهل الشام، وما حواليه من أجل ظهور الأنبياء ﵈ فيما هنا لك، وأخبارهم عن الأسبوع الأوّل وبدء العالم فيه، وإنّ اللّه خلق السماوات والأرض في ستة أيام من الأسبوع، ثم انتشر ذلك منهم في سائر الأمم، واستعملته العرب العاربة بسبب تجاوز ديارهم، وديار أهل الشام، فإنهم كانوا قبل تحوّلهم إلى اليمن ببابل، وعندهم أخبار نوح ﵇، ثم بعث اللّه تعالى إليهم هودا، ثم صالحا ﵉، وأنزل فيهم إبراهيم خليل الرحمن ابنه إسماعيل ﵉، فتعرّب إسماعيل، وكانت القبط الأول تستعمل أسماء الأيام الثلاثين من كل شهر، فتجعل لكل يوم منها اسما، كما هو العمل في تاريخ الفرس،

стр. 484

وما زالت القبط على هذا إلى أن ملك مصر أغشطش بن بوحس، فأراد أن يحملهم على كبس السنين ليوافقوا الروم أبدا فيها، فوجدوا الباقي حينئذ إلى تمام السنة الكبيسة الكبرى خمس سنين، فانتظر حتى مضى من ملكه خمس سنين، ثم حملهم على كبس الشهور في كل أربع سنين بيوم، كما تفعل الروم، فترك القبط من حينئذ استعمال أسماء الأيام الثلاثين، لاحتياجهم في يوم الكبس إلى اسم يخصه، وانقرض بعد ذلك مستعملو أسماء الأيام الثلاثين من أهل مصر، والعارفون بها، ولم يبق لها ذكر يعرف في العالم بين الناس، بل دثرت كما دثر غيرها من أسماء الرسوم القديمة، والعادات الأول سنة اللّه في الذين خلوا من قبل، وكانت أسماء شهور القبط في الزمن القديم: توت، بؤوني، أتور، سواق، طوبى، ماكير، فامينوت، برموتي، باحون، باوني، افيعي، ابيقا؛ وكل شهر منها ثلاثون يوما، ولكل يوم اسم يخصه، ثم أحدث بعض رؤساء القبط بعد استعمالهم الكبس الأسماء التي هي اليوم متداولة بين الناس بمصر، إلا أن من الناس من يسمى كيهك كياك، ويقول في برمهات برمهوط، وفي بشنس بشانس، وفي مسري ماسوري، ومن الناس من يسمى الخمسة الأيام الزائدة أيام النسيء، ومنهم من يسميها أبو عمنا، ومعنى ذلك الشهر الصغير، وهي كما تقدّم تلحق في آخر مسرى، وفيه يزاد اليوم الكبيس، فيكون أبو عمنا ستة أيام حينئذ، ويسمون السنة الكبيسة النقط، ومعناه العلامة، ومن خرافات القبط أنّ شهورهم هي شهور سني نوح وشيث وآدم منذ ابتداء العالم، وإنها لم تزل على ذلك إلى أن خرج موسى ببني إسرائيل من مصر، فعملوا أوّل سنتهم خامس عشر نيسان، كما أمروه به في التوراة إلى أن نقل الإسكندر رأس سنتهم إلى أوّل تشرين، وكذلك المصريون نقل بعض ملوكهم أوّل سنتهم إلى أوّل يوم من ملكه، فصار أوّل توت عندهم يتقدّم أوّل يوم خلق فيه العالم بمائتين وثمانية أيام أوّلها يوم الثلاثاء، وآخرها يوم السبت، وكان توت أوّله في ذلك الوقت يوم الأحد، وهو أوّل يوم خلق اللّه فيه العالم الذي يقال له الآن: تاسع عشري برمهات وذلك أنّ أوّل من ملك على الأرض بعد الطوفان نمرود بن كنعان بن حام بن نوح، فعمر بابل، وهو أبو الكلدانيين، وملك بنو مصرايم بن حام بن نوح ﵇: متش فبنى منف بمصر على النيل، وسماها باسم جدّه مصرايم، وهو ثاني ملك ملك على الأرض، وهذان الملكان استعملا تاريخ جدّهما نوح ﵇، واستن بسنتهم من جاء بعدهم حتى تغيرت كما تقدّم. ذكر أعياد القبط من النصارى بديار مصر روى يونس عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: اجتنبوا عيد اليهود والنصارى، فإنّ السخط ينزل عليهم في مجامعهم، ولا تتعلموا رطانتهم فتخلقوا ببعض خلقهم. وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا﴾

стр. 485

﴿كِراماً﴾ [الفرقان/ ٧٢] قال: أعياد المشركين، فقيل له: أو ما هذا في الشهادة بالزور، فقال: لا إنما أية شهادة الزور، ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا. اعلم: أنّ نصارى مصر من القبط ينحلون مذهب اليعقوبية كما تقدّم ذكره، وأعيادهم الآن التي هي مشهورة بديار مصر أربعة عشر عيدا في كل سنة من سنيهم القبطية منها سبعة أعياد يسمونها أعيادا كبارا، وسبعة يسمونها أعيادا صغارا. فالأعياد الكبار عندهم: عيد البشارة، وعيد الزيتونة، وعيد الفصح، وعيد خميس الأربعين، وعيد الخميس، وعيد الميلاد، وعيد الغطاس. والأعياد الصغار: عيد الختان، وعيد الأربعين، وخميس العهد، وسبت النور، وأحد الحدود، والتجلي، وعيد الصليب، ولهم مواسم أخر ليست هي عندهم من الأعياد الشرعية لكنها عندهم من المواسم العادية، وهو يوم النوروز، وسأذكر من خبر هذه الأعياد ما لا تجده مجموعا في غير هذا الكتاب على ما استخرجته من كتب النصارى، وتواريخ أهل الإسلام. عيد البشارة: هذا العيد عيد النصارى أصله بشارة جبريل مريم بميلاد المسيح ﵉، وهم يسمون جبريل غبريال، ويقولون: مارت مريم، ويسمون المسيح: ياشوع، وربما قالوا: السيد يشوع، وهذا العيد تعمله نصارى مصر في اليوم التاسع والعشرين من شهر برمهات (١). عيد الزيتونة: ويعرف عندهم: بعيد الشعانين، ومعناه التسبيح، ويكون في سابع أحد من صومهم وسنتهم في عيد الشعانين أن يخرجوا سعف النخل من الكنيسة، ويرون أنه يوم ركوب المسيح العنو، وهو الحمار في القدس، ودخوله إلى صهيون، وهو راكب والناس بين يديه يسبحون، وهو يأمر بالمعروف، ويحث على عمل الخير، وينهى عن المنكر، ويباعد عنه، وكان عيد الشعانين من مواسم النصارى بمصر التي تزين فيها كنائسهم، فلما كان لعشر خلون من شهر رجب سنة ثمان وسبعين وثلثمائة، كان عيد الشعانين فمنع الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور بن العزيز بالله النصارى من تزيين كنائسهم، وحملهم الخوص على ما كانت عادتهم، وقبض على عدّة ممن وجد معه شيئا من ذلك، وأمر بالقبض على ما هو محبس على الكنائس من الأملاك، وأدخلها في الديوان، وكتب لسائر الأعمال بذلك، وأحرقت عدّة من صلبانهم على باب الجامع العتيق والشرطة. عيد الفصح: هذا العيد عندهم هو العيد الكبير، ويزعمون أنّ المسيح ﵇،

стр. 486

لما تمالأ اليهود عليه، واجتمعوا على تضليله وقتله، قبضوا عليه، وأحضروه إلى خشبة ليصلب عليها، فصلب على خشبة عليها لصان، وعندنا وهو الحق أنّ اللّه تعالى رفعه إليه، ولم يصلب، ولم يقتل وأنّ الذي صلب على الخشبة مع اللصين غير المسيح ألقى اللّه عليه شبه المسيح، قالوا: واقتسم الجند ثيابه، وغشي الأرض ظلمة من الساعة السادسة من النهار إلى الساعة التاسعة من يوم الجمعة خامس عشر هلال نيسان للعبرانيين، وتاسع عشري برمهات، وخامس عشري آذار سنة (١) ودفن الشبيه آخر النهار بقبر، وأطبق عليه حجر عظيم، وختم عليه رؤساء اليهود، وأقاموا عليه الحرس باكر يوم السبت، كيلا يسرق فزعموا أنّ المقبور قام من القبر ليلة الأحد سحرا، ومضى بطرس، ويوحنا التلميذان إلى القبر، وإذا الثياب التي كانت على المقبور بغير ميت، وعلى القبر ملاك اللّه بثياب بيض، فأخبرهما بقيام المقبور من القبر، قالوا: وفي عشية يوم الأحد هذا، دخل المسيح على تلاميذه، وسلّم عليهم، وأكل معهم، وكلمهم وأوصاهم، وأمرهم بأمور قد تضمنها إنجيلهم، وهذا العيد عندهم بعد عيد الصلبوت بثلاثة أيام. خميس الأربعين: ويعرف عند أهل الشام بالمسلاق، ويقال له أيضا: عيد الصعود، وهو الثاني والأربعون من الفطر، ويزعمون أنّ المسيح ﵇ بعد أربعين يوما من قيامته خرج إلى بيت عينا، والتلاميذ معه، فرفع يديه وبارك عليهم، وصعد إلى السماء، وذلك عند إكماله ثلاثا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، فرجع التلامذة إلى أوراسليم يعني بيت المقدس، وقد وعدهم باشتهار أمرهم، وغير ذلك مما هو معروف عندهم، فهذا اعتقادهم في كيفية رفع المسيح، ومن أصدق من اللّه حديثا. عيد الخميس: وهو العنصرة، ويعملونه بعد خمسين يوما من يوم القيام، وزعموا أن بعد عشرة أيام من الصعود وخمسين يوما من قيامة المسيح، اجتمع التلاميذ في علية صهيون، فتجلى لهم روح القدس في شبه ألسنة من نار، فامتلأوا من روح القدس، وتكلموا بجميع الألسن، وظهرت على أيديهم آيات كثيرة، فعاداهم اليهود، وحبسوهم فنجاهم اللّه منهم، وخرجوا من السجن، فساروا في الأرض متفرّقين يدعون الناس إلى دين المسيح. عيد الميلاد: يزعمون أنه اليوم الذي ولد فيه المسيح، وهو يوم الاثنين فيحيون عشية ليلة الميلاد، وسنتهم فيه كثرة الوقود بالكنائس، وتزيينها، ويعملونه بمصر في التاسع والعشرين من كيهك (٢) ولم يزل بديار مصر من المواسم المشهورة، فكان يفرّق فيه أيام الدولة الفاطمية على أرباب الرسوم من الأستاذين المحنكين، والأمراء المطوّقين، وسائر الموالي من الكتاب وغيرهم، الجامات من الحلاوة القاهرية، والمثارد التي فيها السميذ،

стр. 487

وقربات الجلاب، وطمافير الزلابية، والسمك المعروف بالبوريّ، ومن رسم النصارى في الميلاد اللعب بالنار. ومن أحسن ما قيل: ما اللعب بالنار في الميلاد من سفه … وإنما فيه للإسلام مقصود ففيه بهت النصارى أنّ ربهم … عيسى ابن مريم مخلوق ومولود وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر، وسائر إقليم مصر موسما جليلا يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة، والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، وكانوا يسمونها: الفوانيس، واحدها فانوس، ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة، ويتنافس الناس في المغالات في أثمانها حتى لقد أدركت شمعة عملت فبلغ مصروفها: ألف درهم وخمسمائة درهم فضة عنها يومئذ ما ينيف على سبعين مثقالا من الذهب واعرف السؤال في الطرقات أيام هذه المواسم، وهم يسألون اللّه أن يتصدّق عليهم بفانوس، فيشتري لهم من صغار الفوانيس، ما يبلغ ثمنه الدرهم، وما حوله ثم لما اختلت أمور مصر، كان من جملة ما بطل من عوايد الترف، عمل الفوانيس في الميلاد إلاّ قليلا. الغطاس: ويعمل بمصر في اليوم الحادي عشر من شهر طوبه (١)، وأصله عند النصارى، أنّ يحيى بن زكرياء ﵉ المعروف عندهم بيوحنا المعمدانيّ: عمّد المسيح أي غسله في بحيرة الأردن، وعندما خرج المسيح ﵇ من الماء، اتصل به روح القدس، فصار النصارى لذلك يغمسون أولادهم في الماء في هذا اليوم، وينزلون فيه بأجمعهم، ولا يكون ذلك إلا في شدّة البرد، ويسمونه يوم الغطاس، وكان له بمصر موسم عظيم إلى الغاية. قال المسعوديّ: ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام الناس فيها، وهي ليلة الحادي عشر من طوبه، ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلثمائة ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن طفج أمير مصر في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة للنيل، والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة، وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر بشاطئ النيل في تلك الليلة آلاف من الناس من المسلمين، ومن النصارى منهم في الزواريق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على سائر الشطوط لا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس، وآلات الذهب والفضة، والجوهر والملاهي، والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر، وأشملها سرورا، ولا تغلق فيها الدروب، ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشزة للداء.

стр. 488

وقال المسبحيّ في تاريخه: من حوادث سنة سبع وستين وثلثمائة: منع النّصارى من إظهار ما كانوا يفعلونه في الغطاس من الاجتماع، ونزول الماء، وإظهار الملاهي، ونودي أن من عمل ذلك نفي من الحضرة، وقال في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة: كان الغطاس فضربت الخيام والمضارب والأسرّة في عدّة مواضع على شاطئ النيل، ونصبت أسرّة للرئيس فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان (١)، وأوقدت له الشموع والمشاعل، وحضر المغنون والملهون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان وقت الغطاس، فغطس وانصرف. وقال: في سنة إحدى وأربعمائة، وفي ثامن عشري جمادى الأولى، وهو عاشر طوبه منع النصارى من الغطاس، فلم يغطس أحد منهم في البحر، وقال: في حوادث سنة خمس عشرة وأربعمائة، وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة، كان غطاس النصارى، فجرى الرسم من الناس في شراء الفواكه والضأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين اللّه لقصر جدّه العزيز بالله في مصر، لنظر الغطاس، ومعه الحرم، ونودي أن لا يختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم في البحر في النيل، وضرب بدر الدولة الخادم الأسود متولي الشرطتين، خيمة عند الجسر، وجلس فيها وأمر أمير المؤمنين بأن توقد النار والمشاعل في الليل، وكان وقيدا كثيرا، وحضر الرهبان والقسوس بالصلبان والنيران، فقسسوا هناك طويلا إلى أن غطسوا، وقال ابن المأمون في تاريخه: من حوادث سنة سبع عشرة وخمسمائة، وذكر الغطاس، ففرّق أهل الدولة ما جرت به العادة لأهل الرسوم من الأترج والنارنج والليمون في المراكب، وأطنان القصب والبوري بحسب الرسوم المقرّرة بالديوان لكل واحد. الختان: يعمل في سادس شهر بؤونة (٢)، ويزعمون أنّ المسيح ختن في هذا اليوم، وهو الثامن من الميلاد، والقبط من دون النصارى تختن بخلاف غيرهم. الأربعون: وهو عندهم دخول المسيح الهيكل، ويزعمون أنّ سمعان الكاهن: دخل بالمسيح مع أمّه، وبارك عليه، ويعمل في ثامن شهر أمشير (٣). خميس العهد: ويعمل قبل الفصح بثلاثة أيام، وسنتهم فيه أن يملئوا إناء من ماء، ويزمزمون عليه، ثم يغسل للتبرّك به أرجل سائر النصارى، ويزعمون أنّ المسيح فعل هذا بتلامذته في مثل هذا اليوم كي يعلمهم التواضع، ثم أخذ عليهم العهد أن لا يتفرّقوا، وأن

стр. 489

يتواضع بعضهم لبعض، وعوامّ أهل مصر في وقتنا يقولون: خميس العدس من أجل أنّ النصارى تطبخ فيه العدس المصفى، ويقول أهل الشام: خميس الأرز وخميس البيض، ويقول أهل الأندلس: خميس أبريل، وأبريل اسم شهر من شهورهم، وكان في الدولة الفاطمية تضرب في خميس العدس هذا خمسمائة دينار، فتعمل خراريب تفرّق في أهل الدولة برسوم مفردة كما ذكر في أخبار القصر من القاهرة عند ذكر دار الضرب من هذا الكتاب، وأدركنا خميس العدس هذا في القاهرة ومصر، وأعمالها من جملة المواسم العظيمة، فيباع في أسواق القاهرة من البيض المصبوغ عدّة ألوان ما يتجاوز حدّ الكثرة، فيقامر به العبيد والصبيان والغوغاء، وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يردعهم في بعض الأحيان، ويهادي النصارى بعضهم بعضا، ويهدون إلى المسلمين أنواع السمك المنوّع مع العدس المصفى، والبيض، وقد بطل ذلك لما حلّ بالناس وبقيت منه بقية. سبت النور: وهو قبل الفصح بيوم، ويزعمون: أنّ النور يظهر على قبر المسيح بزعمهم في هذا اليوم بكنيسة القيامة من القدس، فتشعل مصابيح الكنيسة كلها، وقد وقف أهل الفصح، والتفتيش على أنّ هذا من جملة مخاريق النصارى، لصناعة يعملونها، وكان بمصر هذا اليوم من جملة المواسم، ويكون ثالث يوم من خميس العدس، ومن توابعه. حدّ الحدود: وهو بعد الفصح بثمانية أيام فيعمل أوّل أحد بعد الفطر لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم، وفيه يجدّون الآلات والأثاث واللباس، ويأخذون في المعاملات، والأمور الدنيوية والمعاش. عيد التجلي: يعمل في ثالث عشر شهر مسرى (١) يزعمون أن المسيح تجلى لتلاميذه بعد ما رفع، وتمنوا عليه أن يحضر لهم إيلياء، وموسى ﵉، فأحضرهما إليهم بمصلى بيت المقدس، ثم صعد إلى السماء وتركهم. عيد الصليب: ويعمل في اليوم السابع عشر من شهر توت (٢)، وهو من الأعياد المحدثة، وسببه ظهور الصليب بزعمهم على يد هيلانة أم قسطنطين، وله خبر طويل عندهم ملخصه ما أنت تراه. ذكر قسطنطين: وقسطنطين هذا: هو ابن قسطنش بن وليطنوش بن أرشميوش بن دقبون بن كلوديش بن عايش بن كتبيان اعسب الأعظم الملقب قيصر، وهو أوّل من ثبت دين النصرانية، وأمر بقطع الأوثان، وهدم هياكلها، وبنيان البيع، وآمن من الملوك بالمسيح، وكانت أمّه هيلانة من مدينة الرها، فنشأ بها مع أمّه، وتعلم العلوم، ولم يزل في غاية من

стр. 490

الظفر والسعادة معانا منصورا على كل من حاربه، وكان في أوّل أمره على دين المجوس شديدا على النصارى ماقتا لدينهم، وكان سبب رجوعه عن ذلك إلى دين النصرانية أنه ابتلي بجذام ظهر عليه، فاغتمّ لذلك غما شديدا، وجمع الحذاق من الأطباء، فاتفقوا على أدوية دبّروها له، وأوجبوا أن يستنقع بعد أخذ تلك الأدوية في صهريج مملوء من دماء أطفال رضع ساعة يسيل منهم، فتقدّم أمره بجمع جملة من أطفال الناس، وأمر بذبحهم في صهريج ليستنقع في دمائهم، وهي طرية، فجمعت الأطفال لذلك، وبرز ليمضي فيهم ما تقدّم به من ذبحهم، فسمع ضجيج النساء اللاّتي أخذ أولادهنّ، فرحمهنّ وأمر فدفع لكل واحدة ابنها، وقال: احتمال علّتي أولى بي، وأوجب من هلاك هذه العدّة العظيمة من البشر، فانصرف النساء بأولادهنّ، وقد سررن سرورا كثيرا، فلما صار من الليل إلى مضجعه رأى في منامه شيخا يقول له: إنك رحمت الأطفال وأمّهاتهم، ورأيت احتمال علتك أولى من ذبحهم، فقد رحمك اللّه، ووهبك السلامة من علتك، فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى: شلبشقر، قد فرّ خوفا منك، وقف عندما يأمرك به، والتزم ما يخصك عليه تتم لك العافية، فانتبه مذعورا، وبعث في طلب شلبشقر الأسقف، فأتي به إليه وهو يظنّ أنه يريد قتله، لما عهده من غلظته على النصارى، ومقته لدينهم، فعندما رآه تلقاه بالبشر، وأعلمه بما رآه في منامه، قفص عليه دين النصرانية، وكانت له معه أخبار طويلة مذكورة عندهم، فبعث قسطنطين في جمع الأساقفة المنفيين، والمسيرين والتزم دين النصرانية، وشفاه اللّه من الجذام، فأيد الديانة، أعلن بالإيمان بدين المسيح، وبينا هو في ذلك إذ توقع وثوب أهل رومة عليه، وإيقاعهم به، فخرج عنها وبنى مدينة قسطنطينية (١) بنيانا جليلا فعرفت به، وسكنها فصارت موضع تخت الملك من عهده، وقد كان النصارى من لدن زمان بيرون الملك الذي قبل الحواريين، ومن بعده ممن ملك رومة في كل وقت يقتلون، ويحبسون ويشرّدون بالنفي، فلما سكن قسطنطين مدينة قسطنطينية جمع إلى نفسه أهل المسيح، وقوّى وجوههم وأذلّ عبّاد الأوثان، فشق ذلك على أهل رومة، وخلعوا طاعته، وقدّموا عليهم ملكا، فأهمه ذلك، ومرّت له معهم عدّة أخبار مذكورة في تاريخ رومة، ثم إنه خرج من قسطنطينية يريد رومة، وقد استعدّوا لحربه، فلما قاربهم أذعنوا له، والتزموا طاعته، فدخلها فأقام إلى أن رجع لحرب الفرس، وخرج إليهم، فقهرهم ودانت له أكثر ممالك الدنيا، فلما كان في عشرين سنة من دولته، خرجت الفرس على بعض أطرافه، فغزاهم وأخرجهم عن بلاده، ورأي في منامه كأن بنودا شبه الصليب قد رفعت، وقائلا يقول له: إن أردت أن تظفر بمن خالفك، فاجعل هذه العلامات على جميع بركك، وسكك، فما انتبه أمر بتجهيز أمه هيلانة إلى بيت المقدس في طلب آثار المسيح ﵇، وبناء الكنائس، وإقامة شعائر النصرانية، فسارت إلى بيت المقدس، وبنت الكنائس، فيقال: إنّ الأسقف مقاريوس دلّها على الخشبة

стр. 491

التي زعموا أن المسيح صلب عليها، وقد قص عليها ما عمل به اليهود، فحفرت فإذا قبر وثلاث خشبات على شكل الصليب، فزعموا أنهم ألقوا الثلاث خشبات على ميت واحدة بعد واحدة، فقام حيّا عندما وضعت عليه الخشبة الثالثة منها، فاتخذوا ذلك اليوم عيدا، وسمّوه: عيد الصليب، وكان في اليوم الرابع عشر من أيلول والسابع عشر من توت، وذلك بعد ولادة المسيح بثلاثمائة وثمان وعشرين سنة، وجعلت هيلانة لخشبات الصليب غلافا من ذهب، وبنت كنيسة القيامة (١) ببيت المقدس على قبر المسيح بزعمهم، وكانت لها مع اليهود أخبار كثيرة قد ذكرت عندهم، ثم انصرفت بالصليب معها إلى ابنها، وما زال قسطنطين على ممالك الروم إلى أن مات بعد أربع وعشرين سنة من ولايته، فقام من بعده بممالك الروم ابنه قسطنطين الأصغر، وقد كان لعيد الصليب بمصر موسم عظيم يخرج الناس فيه إلى بني وائل بظاهر فسطاط مصر، ويتظاهرون في ذلك اليوم بالمنكرات من أنواع المحرّمات، ويمرّ لهم فيه ما يتجاوز الحدّ، فلما قدمت الدولة الفاطمية إلى ديار مصر، وبنوا القاهرة، واستوطنوها، وكانت خلافة أمير المؤمنين العزيز بالله أمر في رابع شهر رجب في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وهو يوم الصليب، فمنع الناس من الخروج إلى بني وائل وضبط الطرق والدروب، ثم لما كان عيد الصليب في اليوم الرابع عشر من شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة خرج الناس فيه إلى بني وائل، وجروا على عادتهم في الاجتماع واللهو، وفي صفر سنة اثنتين وأربعمائة قرئ في سابعه سجل بالجامع العتيق وفي الطرقات كتب عن الحاكم بأمر اللّه يشتمل على منع النصارى من الاجتماع على عمل عيد الصليب، وأن لا يظهروا بزينتهم فيه، ولا يقربوا كنائسهم، وأن يمنعوا منها ثم بطل ذلك، حتى لم يكد يعرف اليوم بديار مصر البتة. النيروز: هو أوّل السنة القبطية بمصر، وهو أوّل يوم من توت، وسنتهم فيه إشعال النيران، والتراش بالماء، وكان من مواسم لهم المصريين قديما وحديثا. قال ابن وهب: بردت النار في الليلة التي ألقي فيها إبراهيم، وفي صبيحتها على الأرض كلها، فلم ينتفع بها أحد في الدنيا تلك الليلة، وذلك الصباح، فمن أجل ذلك بات الناس على النار في تلك الليلة التي رمي فيها إبراهيم ﵇، ووثبوا عليها، وتبخروا بها، وسموا تلك الليلة: نيروزا، والنيروز في اللسان السرياني: العيد. وسئل ابن عباس عن النيروز لم اتخذوه عيدا، فقال: إنه أوّل السنة المستأنفة وآخر السنة المنقطعة، فكانوا يستحبون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطرف، والهدايا، فاتخذته الأعاجم سنّة. قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر في تاريخ دمشق من طريق ابن عباس رضي اللّه

стр. 492

عنهما، قال: إنّ فرعون لما قال للملأ من قومه: إن هذا لساحر عليم، قالوا له: ابعث إلى السحرة، فقال فرعون لموسى: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن، ولا أنت، فتجتمع أنت وهارون وتجتمع السحرة، فقال موسى: موعدكم يوم الزينة، قال: ووافق ذلك يوم السبت في أوّل يوم من السنة، وهو يوم النيروز، وفي رواية: أن السحرة قالوا لفرعون: أيها الملك واعد الرجل، فقال: قد واعدته يوم الزينة، وهو عيدكم الأكبر، ووافق ذلك يوم السبت، فخرج الناس لذلك اليوم، قال: والنوروز أوّل سنة الفرس، وهو الرابع عشر من آذار، وفي شهر برمهات، ويقال: أوّل من أحدثه جمشيد (١) من ملوك الفرس، وإنه ملك الأقاليم السبعة، فلما كمل ملكه، ولم يبق له عدوّ اتخذ ذلك اليوم عيدا، وسماه نوروزا في اليوم الجديد، وقيل: إن سليمان بن داود ﵉، أوّل من وضعه في اليوم الذي رجع إليه فيه خاتمه، وقيل: هو اليوم الذي شفي فيه أيوب ﵇، وقال اللّه له: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ [ص/ ٤٢] فجعل ذلك اليوم عيدا، وسنّوا فيه رش الماء، ويقال: كان بالشام سبط من بني إسرائيل أصابهم الطاعون، فخرجوا إلى العراق، فبلغ ملك العجم خبرهم، فأمر أن تبنى عليهم حظيرة يجعلون فيها، فلما صاروا فيها ماتوا، وكانوا أربعة آلاف رجل، ثم إن اللّه تعالى أوحى إلى نبيّ ذلك الزمان أرأيت بلاد كذا وكذا، فحاربهم بسبط بني فلان، فقال: يا رب كيف أحارب بهم، وقد ماتوا، فأوحى اللّه إليه: إني أحييهم لك، فأمطرهم اللّه ليلة من الليالي في الحظيرة، فأصبحوا أحياء فهم الذين قال اللّه فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اَللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة/ ٢٤٣] فرفع أمرهم إلى ملك فارس، فقال: تبرّكوا بهذا اليوم، وليصب بعضكم على بعض الماء، فكان ذلك اليوم يوم النوروز، فصارت سنّة إلى اليوم، وسئل الخليفة المأمون عن رش الماء في النوروز، فقال قول اللّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اَللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة/ ٢٤٣] هؤلاء قوم أجدبوا تقول مات فلان هزالا فغيثوا في هذا اليوم برشة من مطر فعاشوا، فأخصب بلدهم، فلما أحياهم اللّه بالغيث، والغيث يسمى الحيا جعلوا صب الماء في مثل هذا اليوم سنّة يتبرّكون بها إلى يومنا هذا. وقد روي: أن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون، وقيل: أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم اللّه ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل في خبر طويل قد ذكره أهل التفسير.

стр. 493

وقال عليّ بن حمزة الأصفهانيّ (١) في كتاب أعياد الفرس: إنّ أوّل من اتخذ النيروز، جمشيد، ويقال: جمشاد أحد ملوك الفرس الأول، ومعنى النوروز اليوم الجديد، والنوروز عند الفرس يكون يوم الاعتدال الربيعيّ، كما أنّ المهرجان أوّل الاعتدال الخريفيّ، ويزعمون أن النوروز أقدم من المهرجان، فيقولون: إن المهرجان كان في أيام أفريدون، وإنه أوّل من عمله لما قتل الضحاك، وهو بيوراست، فجعل يوم قتله عيدا سماه المهرجان، وكان حدوثه بعد النوروز بألفي سنة وعشرين سنة. وقال ابن وصيف شاه في ذكر مناوش بن منقاوش أحد ملوك القبط في الدهر القديم: وهو أوّل من عمل النوروز بمصر، فكانوا يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكراما للكواكب. وقال ابن رضوان: ولمّا كان النيل هو السبب الأعظم في عمارة أرض مصر، رأى المصريون القدماء، وخاصة الذين كانوا في عهد قلديانوس الملك أن يجعلوا أوّل السنة في أوّل الخريف عند استكمال النيل الحاجة في الأمر الأكثر، فجعلوا أوّل شهورهم توت، ثم بابه ثم هاتور، وعلى هذا الولاء بحسب المشهور من ترتيب هذه الشهور. وقال ابن زولاق: وفي هذه السنة، يعني سنة ثلاث وستين وثلثمائة، منع أمير المؤمنين المعز لدين اللّه من وقود النيران ليلة النوروز في السكك، ومن صبّ الماء يوم النوروز. وقال: في سنة أربع وستين، وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء، ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق، وعملوا فيه وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، ولعبوا ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات والحلي في الأسواق، ثم أمر المعز بالنداء بالكف، وأن لا توقد نار، ولا يصب ماء، وأخذ قوم فحبسوا، وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال. وقال ابن المأمون في تاريخه: وحلّ موسم النوروز في اليوم التاسع من رجب سنة سبع عشرة وخمسمائة، ووصلت الكسوة المختصة بالنوروز من الطراز، وثغر الإسكندرية مع ما يتبعها من الآلات المذهبة، والحريري والسوادج، وأطلق جميع ما هو مستقرّ من الكسوات الرجالية والنسائية والعين والورق، وجميع الأصناف المختصة بالموسم على اختلافها بتفصيلها، وأسماء أربابها، وأصناف النوروز البطيخ والرمان، وعناقيد الموز، وأفراد البسر، وأقفاص التمر القوصي، وأقفاص السفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدجاج، ومن لحم الضأن، ومن لحم

стр. 494

البقر من كل لون بكلة مع حبرير مارق، قال: وأحضر كاتب الدفتر الحسابات بما جرت به العادة من إطلاق العين والورق، والكسوات على اختلافها في يوم النوروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو أربعة آلاف دينار ذهبا وخمسة عشر ألف درهم فضة، والكسوات عدّة كثيرة من شقق ديبقية مذهبات وحريريات، ومعاجر وعصائب نسائيات ملوّنات وسقولاد مذهب وحريري، ومسفع، وفوط ديبقية حريرية، فأما العين والورق والكسوات، فذلك لا يخرج عمن تحوزه القصور، ودار الوزارة والشيوخ والأصحاب، والحواشي والمستخدمين ورؤساء العشاريات، وبحاريها، ولم يكن لأحد من الأمراء على اختلاف درجاتهم في ذلك نصيب. وأما الأصناف من البطيخ والرّمان والبسر والموز والسفرجل والعناب والهرائس على اختلافها، فيشمل ذلك جميع من تقدّم ذكرهم، ويشركهم فيه جميع الأمراء أرباب الأطواق والإنصاف وغيرهم من الأماثل، والأعيان من له جاه، ورسم في الدولة. وقال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة أربع وثمانين وخمسمائة يوم الثلاثاء رابع عشر رجب يوم النوروز القبطيّ، وهو مستهلّ توت، وتوت أوّل سنتهم، وقد كان بمصر في الأيام الماضية والدولة الخالية من مواسم بطالاتهم، ومواقيت ضلالاتهم، فكانت المنكرات ظاهرة فيه، والفواحش صريحة فيه، ويركب فيه أمير موسوم بأمير النوروز، ومه جمع كثير، ويتسلط على الناس في طلب رسم رتبه، ويرسم على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير، ويندب مرسمين كل ذلك يخرج مخرج الطير، ويقنع بالميسور من الهبات، ويجتمع المغنون، والفاسقات تحت قصر اللؤلؤ بحيث يشاهدهم الخليفة، وبأيديهم الملاهي، وترتفع الأصوات، ويشرب الخمر والمزر شربا ظاهرا بينهم، وفي الطرقات، ويتراش الناس بالماء، وبالماء والخمر، وبالماء ممزوجا بالأقذار، وإن غلط مستور، وخرج من بيته لقيه من يرشه، ويفسد ثيابه، ويستخف بحرمته، فإمّا أن يفدي نفسه، وإمّا أن يفضح، ولم يجر الحال على هذا، ولكن قد رش الماء في الحارات، وقد أحيى المنكرات في الدور أرباب الخسارات. وقال في متجدّدات سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: وجرى الأمر في النوروز على العادة من رش الماء، واستجدّ فيه هذا العام التراجم بالبيض، والتصافع بالأنطاع، وانقطع الناس عن التصرّف، ومن ظفر به في الطريق رش بمياه نجسة، وخرق به، وما زال يوم النوروز يعمل فيه ما ذكر من التراش بالماء، والتصافع بالجلود، وغيرها إلى أن كانت أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، وأمر الدولة بديار مصر، وتدبيرها إلى الأمير الكبير برقوق (١) قبل

стр. 495

أن يجلس على سرير الملك، ويتسمى بالسلطان، فمنع من لعب النوروز، وهدّد من لعبه بالعقوبة، فانكف الناس عن اللعب في القاهرة، وصاروا يعملون شيئا من ذلك في الخلجان، والبرك، ونحوها من مواضع التنزه، بعد ما كانت أسواق القاهرة تتعطل في يوم النوروز زمن البيع والشراء، ويتعاطى الناس فيه من اللهو واللعب ما يخرجون عن حدّ الحياء والحشمة إلى الغاية من الفجور والعهور، وقلما انقضى يوم نوروز إلاّ وقتل فيه قتيل أو أكثر، ولم يبق الآن للناس من الفراغ ما يقتضي ذلك، ولا من الرفه والبطر ما يوجب لهم عمله، وما أحسن قول بعضهم: كيف ابتهاجك بالنوروز يا سكني … وكل ما فيه يحكيني وأحكيه فتارة كلهيب النار في كبدي … وتارة كتوالي دمعتي فيه وقال آخر: نوروز الناس ونورزت ولكن بدموعي وذكت نارهم والنار ما بين ضلوعي وقال آخر: ولما أتى النوروز يا غاية المنى … وأنت على الأعراض والهجر والصدّ بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحشا … فنورزت صبحا بالدموع على الخدّ ذكر ما يوافق أيام الشهور القبطية من الأعمال في الزراعات، وزيادة النيل، وغير ذلك على ما نقله أهل مصر عن قدمائهم واعتمدوا عليه في أمورهم اعلم: أنّ المصريين القدماء اعتمدوا في تاريخهم السنة الشمسية كما تقدّم ذكره ليصير الزمان محفوظا، وأعمالهم واقعة في أوقات معلومة من كل سنة، لا يتغير وقت عمل من أعمالهم بتقديم ولا تأخير البتة. توت: بالقبطيّ هو أيلول، وكانت عادة مصر مذ عهد فراعنتها في استخراج خراجها، وجباية أموالها إنه لا يستتم استيفاء الخراج من أهلها، إلاّ عند تمام الماء، وافتراشه على سائر أرضها، ويقع إتمامه في شهر توت، فإذا كان كذلك، وربما كانت زيادة عن ذلك أطلق الماء في جميع نواحيها من ترعها، ثم لا يزال يترجح في الزيادة والنقصان، حتى يفرغ توت، وفي أوّل يكون يوم النوروز، ورابعه أوّل أيلول، وسابعه يلقط الزيتون، وثاني عشره
следующие страницы →