← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال ابن سعيد: وصارت مصر والشام بعد بخت نصر في مملكة الفرس، فوليها منهم: كشرجوش الفارسيّ باني قصر الشمع، وبعده طخارست الطويل الولاية، وتوالت بعده نوّاب الفرس إلى ظهور الإسكندر، وقال غيره: إن الذي بناه طخشاشت أحد ملوك الفرس عند ما سار لمحاربة أهل مصر، فلما غلب قسطو ملك مصر الذي يعرف بفرعون سابان، وفرّ منه إلى مقدونية غلب على ملك مصر، واستولى عليها وبنى للفرس قصرا، وجعل فيه بيت نار على شاطئ النيل الشرقيّ، وعرف بقصر الشمع لأنه كان له باب يقال له: باب الشمع، وجعل في القصر بيت نار وهو باق. وقال ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد: وكانت الفرس قد أسست بناء الحصن الذي يقال له: باب اليون (١)، وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم، فلما انكشفت جموع فارس عن الروم، وأخرجتهم الروم من الشام أتمت بناء ذلك الحصن، وأقامت به، فلم تزل مصر في ملك الروم حتى فتحها اللّه تعالى على المسلمين قال: وكان أبو الأسود نصر بن عبد الجبار يقولها بالميم، يعني باب اليوم، ويقال: إنما سمي كذا لأنهم كانوا يقولون: من يقاتل اليوم. وقال القضاعيّ: ذكر الحصن المعروف بقصر الشمع يقال: إن فارس لما ظهرت على الروم وملكت عليهم الشام، وملكت مصر بدأت ببناء هذا القصر، وبنت فيه هيكلا لبيت النار، ولم يتم بناؤه على أيديهم إلى أن ظهرت الروم عليهم، فتممت بناءه وحصنته، ولم تزل فيه إلى حين الفتح، وهيكل الناس هو القبة المعروفة اليوم بقبة الدخان، وبحضرتها مسجد معلق أحدثه المسلمون. وقال أبو عبيد البكريّ: باب اليون بمصر إن كان عربيا، فإنه مثل يوم، ويوح مما فاؤه ياء، وعينه واو، وقد يجوز أن يكون فعلا من بين، وهو اسم موضع على مذهب أبي الحسن في فعل من البيع بوع قال: وليست الألف واللام فيه للتعريف، فعلى هذا يجب أن تثبت في الرسم. وقال أبو صخر: وحلوا تهامي أرضنا وتبدّلوا … بمكة باب اليون والربط بالعصب والرواية في شعر كثير عزّة في قوله: جرى بين باب اليون والعصب دونه … رياح أشفت بالنقي وأشمت بالباء، وبفتح النون غير مجرور للعجمة على أن همزته مقطوعة، وصلها للضرورة. وقال الحازميّ: باب البون بالباء اسم مدينة مصر فتحها المسلمون، وسموها

стр. 527

الفسطاط، وقال عبد الملك بن هشام بابليون المنسوب إليه مصر هو: بابليون بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأن من ولده عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبا، وهو الملك على مصر لما قدم إليها إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليه، والقبط تسمي عمرا هذا: طوطيس، ومن ولده حلوان بن بابليون بن عمرو بن امرئ القيس، وبه سميت حلوان. وقال القاضي القضاعيّ: في ظاهر الفسطاط القصر المعروف بباب ليون بالشرف، ليون اسم بلد مصر بلغة السودان والروم، وقد بقيت من بنائه بقية مبنية بالحجارة على طرف الجبل بالشرف، وعليه اليوم مسجد. قال المؤلف: فهذا كما ترى صريح في أن قصر باب اليون غير قصر الشمع، فإنّ قصر الشمع في داخل الفسطاط، وقصر باب اليون هذا عند القضاعيّ على الجبل المعروف بالشرف، والشرف خارج الفسطاط، وهو خلاف ما قاله ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر، واللّه أعلم. ويقال: إنّ في زمن ناحور بن شاروع، وهو الثامن عشر من آدم ملك مصر رجل اسمه: أفطوطس مدّة اثنتين وثلاثين سنة، وأنه أوّل من أظهر علم الحساب والسحر، وحمل كتب ذلك من بلاد الكلدانيين إلى مصر، وفي ذلك الزمان بنيت بابليون على بحر النيل بمصر، وذلك لتمام ثلاثة آلاف وثلثمائة وتسعين للعالم، وقال ابن سعيد في كتاب المعرب: وأما فسطاط مصر، فإنّ مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام، وبها بناء يعرف: بالقصر حوله مساكن، وعليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، وهذا وهم من ابن سعيد، فإنّ فسطاط عمرو إنما كان مضروبا عند درب حمام شموط بخط الجامع هكذا هو بخط الشريف محمد بن أسعد الجواني (١) النسابة، وهو أقعد بخطط مصر، وأعرف من ابن سعيد، وأما موضع الجامع، فكان كروما وجنانا، وحاز موضعه قيسبة التجيبيّ، ثم تصدّق به على المسلمين، فعمل المسجد، وستقف على هذا إن شاء اللّه تعالى في ذكر جامع عمرو عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب. وقال ابن المتوّج: خط قصر الشمع هذا الخط يعرف بقصر الشمع، وفيه قصر الروم وفيه أزقة ودروب، قال: وكنيسة المعلقة بمصر بباب القصر، وهو قصر الروم. وقال ابن عبد الحكم: وأقرّ عمرو بن العاص القصر لم يقسمه ووقفه. وقال أبو عمرو الكنديّ في كتاب الأمراء: وقد ذكر قيام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن

стр. 528

الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وطروق المسجد في إمارة يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة على مصر، وورد كتاب أبي جعفر المنصور على يزيد بن حاتم يأمره بالتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الديوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ست وأربعين ومائة، واللّه أعلم.

стр. 529

ذكر حصار المسلمين للقصر وفتح مصر اختلف الناس في فتح مصر، فقال محمد بن إسحاق، وأبو معشر، ومحمد بن عمرو الواقديّ، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو عمرو الكنديّ: فتحت سنة عشرين، وقال سيف بن عمر: فتحت سنة ست عشرة، وقيل: فتحت سنة ست وعشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، والأوّل أصح وأشهر. قال ابن عبد الحكم: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁، الجابية قام إليه عمرو بن العاص، فخلا به، فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أسير إلى مصر، وحرّضه عليها، وقال: إنك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين، وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا، وأعجز عن القتال والحرب. فتخوّف عمر بن الخطاب، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر بن الخطاب، ويخبره بحالها، ويهوّن عليه فتحها حتى ركن لذلك، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلّهم من عك، ويقال: بل ثلاثة آلاف وخمسمائة، وقال له عمر: سر وأنا مستخير اللّه في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء اللّه تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئا من أرضها، فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره. فسار عمرو بن العاص من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر اللّه، فكأنه تخوّف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك عمرا الكتاب إذ هو برفج (١) فتخوّف عمرو إن هو أخذ الكتاب، وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفج والعريش، فسأل عنها فقيل: إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني إن لحقني كتابه،

стр. 530

ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا، وامضوا على بركة اللّه. ويقال: بل كان عمرو بفلسطين، فتقدّم عمرو بأصحابه إلى مصر بغير إذن، فكتب فيه إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر وهو دون العريش، فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش، فقرأه فإذا فيه من عمر بن الخطاب إلى العاصي ابن العاصي: أما بعد، فإنك سرت إلى مصر، ومن معك وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمري لو نكل بك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر، فارجع. فقال عمرو: الحمد للّه أية أرض هذه؟ قالوا: من مصر فتقدّم كما هو، ويقال: بل كان عمرو في جنده على قيسارية مع من كان بها من أجناد المسلمين، وعمر بن الخطاب ﵁ إذ ذاك بالجابية، فكتب سرّا فاستأذن أن يسير إلى مصر، وأمر أصحابه، فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتنحوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل، ورأوا أن قد غدر، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر إلى العاصي ابن العاصي: أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابي، ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك، وقد دخلت فامض، واعلم أنّي ممدّك. ويقال: إنّ عمر بن الخطاب ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به، وبعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو، ثم إنّ عثمان بن عفان ﵁ دخل على عمر بن الخطاب، فقال عمر: كتبت إلى عمرو بن العاص يسير إلى مصر من الشام، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين إنّ عمر لجريء وفيه إقدام وحبّ للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة، فيعرّض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا؟ فندم عمر على كتابه إلى عمرو، وأشفق مما قال عثمان، فكتب إليه: إن أدركك كتابي قبل أن تدخل إلى مصر، فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت، فامض لوجهك. فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى موضع الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش، وكان على القصر رجل من الروم يقال له: الأعيرج، واليا عليه، وكان تحت المقوقس، وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الجلال نفرت معه راشدة، وقبائل من لخم فتوجه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النحر، فضحى عن أصحابه يومئذ بكبش، وتقدّم، فكان أوّل موضع قوتل فيه الفرما (١) قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح

стр. 531

٢ للّه عليه، وكان عبد اللّه بن سعد على ميمنة عمرو منذ توجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه، وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو إلى مصر كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وإنّ ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو. فيقال: إنّ القبط الذين كانوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعوانا، ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى نزل القواصر، فسمع رجل من لخم نفرا من القبط يقول بعضهم لبعض: ألا تعجبون من هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم، وإنما هم في قلة من الناس، فأجابه رجل منهم فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلاّ ظهروا عليه، حتى يقتلوا خيرهم، وتقدّم عمرو لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحوا من الشهر حتى فتح اللّه عليه، ثم مضى لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى أتى أم دنين (١)، فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمدّه فأمدّه بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف، وقيل: بل أمدّه باثني عشر ألفا، فوصلوا إليه أرسالا يتبع بعضهم بعضا. فكان فيهم أربعة آلاف عليهم أربعة: الزبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد. وقيل: إنّ الرابع: خارجة بن حذافة دون مسلمة، ثم أحاط المسلمون بالحصن، وأميره يومئذ المندقور الذي يقال له: الأعيرج من قبل المقوقس بن قرقت اليونانيّ، وكان المقوقس ينزل الإسكندرية وهو في سلطان هرقل غير أنه كان حاضرا لحصن حين حاصره المسلمون، فقاتل عمرو بن العاص من بالحصن، وجاء رجل إلى عمرو فقال: اندب معي خيلا حتى آتي من دياراتهم عند القتال، فأخرج معه خمسمائة فارس عليهم: خارجة بن حذافة في قول، فساروا من وراء الجبل حتى دخلوا مغار بني وائل قبل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقا، وجعلوا له أبوابا، وبنوا في أفنيتها حسك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرج خارجة من ورائهم، فانهزموا حتى دخلوا الحصن، وكانوا قد خندقوا حوله، فنزل عمرو على الحصن، وقاتلهم قتالا شديدا يصبحهم ويمسيهم، وقيل: إنه لما أبطأ الفتح على عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب يستمدّه، ويعلمه بذلك، فأمدّه بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم مقام الألف الزبير بن العوّام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وقيل: بل خارجة بن حذافة لا يعدّون مسلمة. وقال عمر: إعلم أنّ معك اثني عشر ألفا، ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة. وقيل: قدم الزبير في اثني عشر ألفا، وإن عمرا لما قدم من الشام كان في عدّة قليلة،

стр. 532

فكان يفرّق أصحابه ليرى العدوّ أنهم أكثر مما هم، فلما انتهى إلى الخندق نادوه أن قد رأينا ما صنعت، وإنما معك من أصحابك كذا وكذا، فلم يخطئوا برجل واحد، فأقام عمرو على ذلك أياما يغدو في السحر، فيصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح، فبينا هو على ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوام، أنه قدم في اثني عشر ألفا، فتلقاه عمرو، ثم أقبلا يسيران، ثم لم يلبث الزبير أن ركب، ثم طاف بالخندق، ثم فرّق الرجال حول الخندق، وألح عمرو على القصر، ووضع عليه المنجنيق، ودخل عمرو إلى صاحب الحصن، فتناظرا في شيء مما هم فيه، فقال عمرو: أخرج وأستشير أصحابي، وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي على الباب إذا مرّ به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله، فمرّ عمرو، وهو يريد الخروج برجل من العرب، فقال له: قد دخلت، فانظر كيف تخرج؟ فرجع عمرو إلى صاحب الحصن، فقال له: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب إليّ من قتل واحد. وأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره به من قتل عمرو أن لا يتعرّض له، رجاء أن يأتيه بأصحابه، فيقتلهم، فخرج عمرو وعبادة بن الصامت في ناحية يصلي وفرسه عنده، فرآه قوم من الرّوم، فخرجوا إليه، وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلّم من صلاته، ووثب على فرسه، ثم حمل عليهم، فلما رأوه ولّوا راجعين فأتبعهم، فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم، ليشغلوه بذلك عن طلبهم، وهو لا يلتفت إليه حتى دخلوا الحصن، ورمى عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع، ولم يتعرّض لشيء مما طرحوا من متاعهم حتى رجع إلى موضعه الذي كان به، فاستقبل الصلاة، وخرج الروم إلى متاعهم يجمعونه، فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير: إني أهب اللّه نفسي، أرجو أن يفتح اللّه بذلك على المسلمين، فوضع سلّما إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، ثم صعد، فأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا، فما شعروا إلاّ والزبير على رأس الحسن يكبر، ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم، حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر، وكبر الزبير، فكبرت الناس معه، وأجابهم المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعا، فهربوا، وعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن، ففتحوه، واقتحم المسلمون الحصن، فخاف المقوقس على نفسه، ومن معه. فحينئذ سأل عمرو بن العاص الصلح، ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على القبط دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر، قال: وقد سمعت في فتح القصر وجها آخر، هو أنّ المسلمين لما حصروا باب اليون كان به جماعة من الروم، وأكابر القبط ورؤسائهم، وعليهم المقوقس، فقاتلوهم شهرا، فلما رأى القوم الجدّ من العرب على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال، ورغبتهم فيه خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر

стр. 533

القبط، وخرجوا من باب القصر القبليّ، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة موضع الصناعة، وأمروا بقطع الجسر، وذلك في جري النيل. ويقال: إنّ الأعيرج تخلف في الحصن بعد المقوقس، وقيل: خرج معهم، فلما خاف فتح الحصن ركب هو وأهل القوّة والشرف، وكانت سفنهم ملصقة بالحصن، ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة، فأرسل المقوقس إلى عمرو: إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا وطال مقامكم في أرضنا، وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام، ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم، ورجائكم فابعثوا إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضي نحن وهم به من شيء. فلما أتت عمرو بن العاص رسل المقوقس، حبسهم عنده يومين وليلتين، حتى خاف عليهم المقوقس، فقال لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل، ويستحلون ذلك في دينهم؟ وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين فردّ عليهم عمرو مع رسله، أنه ليس بيني وبينكم إلاّ إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم في الإسلام، فكنتم إخواننا، وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين، فلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة، ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم، فقال عند ذلك المقوقس: والذي يحلف به لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم، وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبوا بعد اليوم إذ أمكنتهم الأرض، وقووا على الخروج من موضعهم، فردّ إليهم المقوقس رسله: ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم. فبعث عمرو بن العاص: عشرة نفر، أحدهم: عبادة بن الصامت، وكان طوله عشرة أشبار، وأمره أن يكون متكلم القوم، ولا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلاّ إحدى هذه الثلاث خصال، فإن أمير المؤمنين قد تقدّم إليّ في ذلك، وأمرني أن لا أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال، وكان عبادة أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس، ودخلوا عليه تقدّم

стр. 534

عبادة، فهابه المقوقس لسواده، وقال: نحوا عني هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلمني، فقالوا جميعا: إنّ هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدّم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا أن لا نخالف رأيه وقوله، قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا، فقال المقوقس لعبادة: تقدّم يا أسود، وكلمني برفق، فإني أهاب سوادكم وإن اشتدّ كلامك عليّ ازددت لك هيبة، فتقدّم عليه عبادة، فقال: قد سمعت مقالتك، وإنّ فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشدّ سوادا مني وأفظع منظرا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد ولّيت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد اللّه، ما أهاب مائة رجل من عدوّي لو استقبلوني جميعا، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في اللّه، وإتباع رضوانه، وليس غزونا عدوّنا ممن حارب اللّه لرغبة في دنيا، ولا طلب للاستكثار منها إلا أنّ اللّه ، قد أحل لنا ذلك، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا، وما يبالي أحدنا إن كان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهما، لأنّ غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعه لليلة (١) ونهاره وشملة يلتحفها، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة اللّه، واقتصر على هذا الذي بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا اللّه، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا أن لا تكون همة أحدنا من الدنيا إلاّ ما يمسك جوعته، ويستر عورته، تكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوّه. فلما سمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإنّ قوله لأهيب عندي من منظره، إنّ هذا وأصحابه أخرجهم اللّه لخراب الأرض ما أظنّ ملكهم إلاّ سيغلب على الأرض كلها، ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت، فقال له: أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلاّ بما ذكرت، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا، ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم، ما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة والشدّة ما يبالي أحدهم من لقي، ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقدروا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا، وأنتم في ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم، وقلة ما بين أيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين،

стр. 535

ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام (١) لكم به. فقال عبادة بن الصامت: يا هذا لا تغرنّ نفسك، ولا أصحابك أمّا ما تخوّفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي تخوّفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه، وإن كان ما قلتم حقا، فذلك واللّه أرغب ما يكون في قتالهم، وأشدّ لحرصنا عليهم لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما شيء أقرّ لأعيننا، ولا أحب لنا من ذلك، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين: إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، ولأنها أحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن اللّه قال لنا في كتابه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّهِ وَاَللّهُ مَعَ اَلصّابِرِينَ﴾ [البقرة/ ٢٤٩]. وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وأن لا يردّه إلى بلده، ولا إلى أرضه، ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا همّ فيمات خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربّه أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا، وأما قولك: إنا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلها لنا، ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه، فانظر الذي تريد فيه فبينه لنا، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك، ولا نجيبك إليها إلاّ خصلة من ثلاث، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول اللّه ﷺ من قبل (٢) إلينا، إما إن أجبتم (٣) إلى الإسلام الذي هو الدين القيم الذي لا يقبل اللّه غيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته، أمرنا اللّه تعالى أن نقاتل من خالفه، ورغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا، وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين اللّه، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم، ولا التعرّض لكم، وإن أبيتم إلاّ الجزية، فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وأن نعاملكم على شيء نرضى به نحن، وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا، وبقيتم ونقاتل عنكم من ناواكم، وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلاّ المحاكمة بالسيف، حتى نموت من آخرنا أو نصيب ما نريد منكم، هذا ديننا الذي ندين اللّه تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم. فقال المقوقس: هذا ما لا يكون أبدا ما تريدون إلاّ أن تتخذونا عبيدا ما كانت الدنيا.

стр. 536

فقال له عبادة: هو ذاك، فاختر لنفسك ما شئت. فقال المقوقس: أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال؟ فرفع عبادة يديه إلى السماء فقال: لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل شيء ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم. فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال: قد فرغ القوم، فما ترون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أمّا ما أرادوا من دخولنا في دينهم، فهذا لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح ابن مريم، وندخل في دين غيره لا نعرفه، وأمّا ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا، فالموت أيسر من ذلك لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا. فقال المقوقس لعبادة: قد أبى القوم، فما ترى فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرّتكم هذه، ما تمنيتم وتنصرفون، فقال عبادة وأصحابه: لا، فقال المقوقس عند ذلك: أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فو اللّه ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين، فقالوا: وأيّ خصلة تجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم، أمّا دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به، وأمّا قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولا بدّ من الثالثة، قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا؟ قال: نعم تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا من آخركم، وتكونوا عبيدا تباعوا، وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدا أنتم، وأهليكم وذراريكم، قالوا: فالموت أهون علينا، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط، وبالجزيرة وبالقصر من جمع القبط والروم كثير. فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من بالقصر حتى ظفروا بهم، وأمكن اللّه منهم، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من أسر وانجرّت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون يراقبونهم، وقد أحدق بهم الماء من كل وجه لا يقدرون على أن ينفذوا نحو الصعيد، ولا إلى غير ذلك من المدن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم (١) وأخافه عليكم! ما تنتظرون! فو اللّه لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرها، فأطيعوني من قبل أن تندموا، فلما رأوا منهم ما رأوا، وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه. وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: إني لم أزل حريصا على إجابتكم إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إليّ بها، فأبى عليّ من حضرني من الروم والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم، وقد عرفوا نصحي لهم، وحبي صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت، أنا في نفر من أصحابي، وأنت في نفر من

стр. 537

أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تمّ ذلك جميعا، وإن لم يتمّ رجعنا إلى ما كنا عليه. فاستشار عمرو أصحابه في ذلك فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح اللّه علينا، وتصير الأرض كلها لنا فيئا وغنيمة، كما صار لنا القصر وما فيه، فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إليّ أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليّ فيها أجبتهم إليها، وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا، وبين ما نريد من قتالهم فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض لهم على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران عن كل نفس شريفهم ووضيعهم، ممن بلغ منهم الحلم ليس على الشيخ الفاني، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شيء، وعلى أن للمسلمين عليهم لنزل بجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأنّ لهم أرضهم وأموالهم لا تعرّض لهم في شيء منها، فشرط ذلك كله على القبط خاصة، وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة من بلغ منهم الجزية، وفرض عليهم الديناران، رفع ذلك عرفاؤهم بالإيمان المؤكدة، فكان جميع من أحصى يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط فيما أحصوا، وكتبوا ورفعوا أكثر من ستة آلاف ألف (١) نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف ألف (٢) دينار في كل سنة. وقال ابن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرميّ: لما فتح عمرو مصر صالح عن جميع من فيها من الرجال من القبط، ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس فيهم امرأة، ولا شيخ ولا صبيّ، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين، فبلغت عدّتهم ثمانية آلاف ألف، قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا، أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه ممن أقام بالإسكندرية، وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة، حتى يكتب إلى ملك الروم، ويعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك، ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعا على ما كانوا عليه، وكتبوا به كتابا، وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتابا يعلمه بالأمر كله. فكتب إليه ملك الروم: يقبح رأيه، ويعجزه ويردّ عليه ما فعل، ويقول في كتابه: إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال، وأحبوا أداء الجزية إلى العرب، واختاروهم علينا، فإن عندكم بمصر من الروم وبالإسكندرية، ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدّة والقوّة والعرب وحالهم،

стр. 538

وضعفهم على ما قد رأيت، فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم في حال القبط أذلاء فقاتلهم أنت ومن معك من الروم، حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم على قدر كثرتكم، وقوّتكم وعلى قدر قلتهم، وضعفهم كاكلة، ناهضهم القتال، ولا يكن لك رأي غير ذلك، وكتب ملك الروم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الروم، فقال المقوقس لما أتاه كتاب ملك الروم: واللّه أعلم إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منا على قوّتنا، وكثرتنا إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة يقاتل الرجل منهم، وهو مستقبل يتمنى أن لا يرجع إلى أهله ولا بلده، ولا ولده ويرون أن لهم أجرا عظيما فيمن قتلوه منا، ويقولون أنهم إن قتلوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلاّ قدر بلغة العيش من الطعام، واللباس، ونحن قوم نكره الموت، ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء؟ وكيف صبرنا معهم، واعلموا معشر الروم، واللّه إني لا أخرج مما دخلت فيه، ولا صالحت العرب عليه، وإني لأعلم أنكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني، وذلك أني قد عاينت ورأيت، وعرفت ما لم يعاين الملك، ولم يره، ولم يعرفه أما يرضى أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه، وماله وولده بدينارين في السنة. ثم أقبل المقوقس إلى عمرو، فقال له: إنّ الملك قد كره ما فعلت، وعجّزني وكتب إليّ وإلى جماعة الروم: أن لا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج عما دخلت فيه، وعاقدتك عليه، وإنما سلطاني على نفسي، ومن أطاعني وقد تمّ صلح القبط فيما بينك وبينهم، ولم يأت من قبلهم نقض، وأنا متمّ لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاقدتهم، وأمّا الروم فأنا منهم بريء، وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال، لا تنقض بالقبط، وأدخلني معهم، وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاقدتك عليه، فهم متمون لك على ما تحب، وأمّا الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم، فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئا وعبيدا، فإنهم أهل ذلك لأني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت لهم، فاتهموني وأما الثالثة: أطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم أن يدفنوني بجسر الإسكندرية، فأنعم له عمرو بذلك، وأجابه إلى ما طلب على أن يضمنوا له الجسرين جميعا، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة، والأسواق والجسور، ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا. وصارت لهم القبط أعوانا كما جاء في الحديث. وقال ابن وهب في حديثه عن عبد الرحمن بن شريح: فسار عمرو بمن معه حتى نزل على الحصن، فحاصرهم حتى سألوه أن يسير منهم بضعة عشر أهل بيت، ويفتحوا له الحصن، ففعل ذلك ففرض عليهم عمرو لكل رجل من أصحابه دينارا وجبة وبرنسا وعمامة وخفين، وسألوه: أن يأذن لهم أن يهيئوا له ولأصحابه صنيعا، ففعل، وأمر عمرو أصحابه فتهيئوا ولبسوا البرود، ثم أقبلوا فلما فرغوا

стр. 539

من طعامهم سألهم عمرو: كم أنفقتم؟ قالوا: عشرين ألف دينار، قال عمرو: لا حاجة لنا بصنيعكم بعد اليوم أدّوا إلينا عشرين ألف دينار، فجاءه النفر من القبط، فاستأذنوه إلى قراهم وأهليهم، فقال لهم عمرو: كيف رأيتم أمرنا؟ قالوا: لم نر إلاّ حسنا، فقال الرجل الذي قال في المرّة الأولى: إنكم لن تزالوا تظهرون على كل من لقيتم حتى تقتلوا خيركم رجلا، فغضب عمرو، وأمر به فطلب إليه أصحابه، وأخبروه أنه لا يدري ما يقول، حتى خلصوه. فلما بلغ عمرا قتل عمر بن الخطاب ﵁، أرسل في طلب ذلك القبطيّ، فوجدوه قد هلك، فعجب عمرو من قوله ويقال: إنّ عمرو بن العاص قال: فلما طعن عمر بن الخطاب، قلت هو ما قال القبطيّ، فلما حدّثت أنه إنما قتله أبو لؤلؤة رجل نصرانيّ قلت: لم يعن هذا إنما عنى من قتله المسلمون، فلما قتل عثمان عرفت أن ما قال الرجل حق، فلما فرغ القبط من صنيعهم، أمر عمرو بن العاص بطعام، فصنع لهم وأمرهم أن يحضروا لذلك، فصنع لهم الثريد والعراق، وأمر أصحابه بلباس الأكسية، واشتمال الصمّاء والقعود على الركب، فلما حضرت الروم، وضعوا كراسي الديباج، فجلسوا عليها، وجلست العرب إلى جوانبهم، فجعل الرجل من العرب يلتقم اللقمة العظيمة من الثريد، وينهش من ذلك اللحم، فيتطاير على من إلى جنبه من الروم، فبشعت الروم ذلك، وقالت: أين أولئك الذين كانوا أتونا قبل؟ فقيل لهم: أولئك أصحاب المشورة، وهؤلاء أصحاب الحرب. وقال الكنديّ: وذكر يزيد بن أبي حبيب: أنّ عدد الجيش الذين كانوا مع عمرو بن العاص خمسة عشر ألفا وخمسمائة، وذكر عبد الرحمن بن سعيد بن مقلاص: أنّ الذي جرت سهمانهم في الحصن من المسلمين اثنا عشر ألفا وثلثمائة بعد من أصيب منهم في الحصار بالقتل والموت، ويقال: إنّ الذين قتلوا في هذا الحصار من المسلمين دفنوا في أصل الحصن. وذكر القضاعيّ: أنّ مصر فتحت يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين، وقيل: فتحت سنة ست عشرة، وهو قول الواقديّ، وقيل: فتحت والإسكندرية سنة خمس وعشرين، والأكثر على أنها فتحت قبل عام الرّمادة، وكانت الرّمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول ثمان عشرة. ذكر ما قيل في مصر هل فتحت بصلح أو عنوة؟ وقد اختلف في فتح مصر، فقال قوم: فتحت صلحا، وقال آخرون: إنما فتحت عنوة، فأمّا الذين قالوا كان فتح مصر بصلح، فإنّ حسين بن شفي قال: لما فتح عمرو بن

стр. 540

العاص الإسكندرية بقي من الأسارى بها ممن بلغ الخراج، وأحصي يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان، فاختلف الناس على عمرو في قسمهم، فكان أكثر المسلمين يريد قسمها، فقال عمرو: لا أقدر على قسمها، حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها، وأنّ المسلمين طلبوا قسمها، فكتب إليه عمر ﵁: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين، وقوّة لهم على جهاد عدوّهم، فأقرّها عمرو، وأحصى أهلها، وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر كلها صلحا بفريضة: دينارين دينارين، إلاّ أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع إلاّ الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم، لأنّ الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد، ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة. وقال الليث عن يزيد بن أبي حبيب: مصر كلها صلح إلاّ الإسكندرية فإنها فتحت عنوة. وقال عبد اللّه بن أبي جعفر: حدّثني رجل ممن أدرك عمرو بن العاص قال: للقبط عهد عند فلان، وعهد عن فلان، فسمي ثلاثة نفر، وفي رواية: إنّ عهد أهل مصر كان عند كبرائهم، وفي رواية: سألت شيخا من القدماء عن فتح مصر، قلت له: فإن ناسا يذكرون أنه لم يكن لهم عهد، فقال: ما يبالي أن لا يصلي من قال: إنه ليس لهم عهد، فقلت: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند ظلما صاحب إخنا، وكتاب عند قرمان صاحب رشيد، وكتاب عند بحنس صاحب البرلس؛ قلت: كيف كان صلحهم؟ قال: دينارين على كل إنسان جزية، وأرزاق المسلمين، قلت: فتعلم ما كان من الشروط؟ قال: نعم، ستة شروط: لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع نساؤهم، ولا كفورهم، ولا أراضيهم، ولا يزاد عليهم. وقال يزيد بن أبي حبيب عن أبي جمعة مولى عقبة قال: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁: يسأله أرضا يسترفق بها عند قرية عقبة، فكتب له معاوية: بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مولى له كان عنده: انظر أصلحك اللّه أرضا صالحة، فقال له عقبة: ليس لنا ذلك إنّ في عهدهم شروطا ستة لا يؤخذ من أنفسهم شيء، ولا من نسائهم، ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم، ويدفع عنهم موضع الخوف من عدوّهم، وأنا شاهد لهم بذلك. وعن يزيد بن أبي حبيب عن عوف بن حطان: أنه كان لقريات من مصر منهنّ: أم دنين وبلهيت عهد، وإنّ عمر بن الخطاب ﵁ لما سمع بذلك، كتب إلى عمرو يأمره أن يخبرهم، فإن دخلوا في الإسلام فذاك، وإن كرهوا فارددهم إلى قراهم، وقال يحيى بن أيوب وخالد بن حميد: ففتح اللّه أرض مصر كلها بصلح غير الإسكندرية، وثلاث

стр. 541

قريات ظاهرت الروم على المسلمين سلطيس (١) ومصيل (٢) وبلهيت (٣)، فإنه كان للروم جمع، فظاهروا الروم على المسلمين، فلما ظهر عليها المسلمون استحلوها، وقالوا: هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية، فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر: أن يجعل الإسكندرية، وهؤلاء الثلاث قريات ذمّة للمسلمين، ويضربون عليهم الخراج، ويكون خراجهم، وما صالح عليه القبط كله قوّة للمسلمين لا يجعلون فيئا، ولا عبيدا، ففعلوا ذلك إلى اليوم. وقال آخرون: بل فتحت مصر عنوة بلا عهد، ولا عقد. قال سفيان بن وهب الخولانيّ: لما افتتحنا مصر بغير عهد، ولا عقد، قام الزبير بن العوّام فقال: اقسمها يا عمرو بن العاص، فقال عمرو: واللّه لا أقسمها، فقال الزبير: واللّه لنقسمنها، كما قسم رسول اللّه ﷺ خيبر، فقال عمرو: واللّه لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: أقرّها حتى يغزو منها حبل الحبلة، وصولح الزبير على شيء أرضي به، وقال ابن لهيعة عن عبد اللّه بن هبيرة: إنّ مصر فتحت عنوة، وعن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: سمعت أشياخنا يقولون: إنّ مصر فتحت عنوة بغير عهد، ولا عقد منهم، أبي يحدّثنا عن أبيه، وكان فيمن شهد فتح مصر، وعن أبي الأسود عن عروة: إنّ مصر فتحت عنوة، وعن عمرو بن العاص أنه قال: لقد قعدت مقعدي هذا، وما لأحد من قبط مصر عليّ عهد، ولا عقد إلاّ أهل أنطابلس (٤) كان لهم عهد يوفي به إن شئت قبلت، وإن شئت خمست، وإن شئت بعت. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنّ عمرو بن العاص فتح مصر بغير عهد، ولا عقد، وأنّ عمر بن الخطاب ﵁ حبس درها وضرعها أن يخرج منه شيء نظرا للإسلام وأهله. وعن يزيد بن أسلم قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد، فمن أسلم منهم أقامه ومن أقام منهم قوّمه، وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتي القبط على أحيائهم، فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك: ما سمعت لهم بعهد ولا عقد، وإنما أخذوا عنوة بمنزلة العبيد، فكتب عمر إلى حيّان: أن يجعل جزية موتي القبط على أحيائهم، وقال يحيى بن عبد اللّه بن بكير: خرج أبو سلمة بن عبد الرحمن يريد الإسكندرية في سفينة، فاحتاج إلى رجل يجذف، فسخر رجلا من القبط، فكلم في

стр. 542

ذلك، فقال: إنما هم بمنزلة العبيد إن احتجنا إليهم. وقال ابن لهيعة عن الصلت بن أبي عاصم: إنه قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح: أنّ مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد. وعن عبيد اللّه بن أبي جعفر: أن كاتب حيان حدّثه: أنه احتيج إلى خشب لصناعة الجزيرة، فكتب حيان إلى عمر بن عبد العزيز يذكر ذلك له، وأنه وجد خشبا عند بعض أهل الذمّة، وأنه كره أن يأخذها منهم حتى يعلمه، فكتب إليه عمر: خذها منهم بقيمة عدل، فإني لم أجد لأهل مصر عهدا أفي لهم به، وقال عمر بن عبد العزيز لسالم: أنت تقول ليس لأهل مصر عهد؟ قال: نعم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنّ عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في رهبان يترهبون بمصر، فيموت أحدهم، وليس له وارث، فكتب إليه عمر: أن من كان منهم له عقب، فادفع ميراثه إلى عقبه، فإن لم يكن له عقب، فاجعل ماله في بيت مال المسلمين، فإن ولاءه للمسلمين. وقال ابن شهاب: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمّة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب ﵁ جميعها ذمّة، وحملهم على ذلك، فمضى ذلك فيهم إلى اليوم، واشترى الليث بن سعد شيئا من أرض مصر لأنه كان يحدّث عن يزيد بن أبي حبيب: أن مصر صلح، وكان مالك بن أنس ينكر على الليث ذلك، وأنكر عليه أيضا عبد اللّه بن لهيعة، ونافع بن يزيد لأنّ مصر عندهم كانت عنوة. ذكر من شهد فتح مصر من الصحابة ﵃ قال ابن عبد الحكم: وكان من حفظ من الذين شهدوا فتح مصر من أصحاب رسول اللّه ﷺ من قريش وغيرهم، وممن لم يكن له برسول اللّه ﷺ صحبة الزبير بن العوّام، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وكان أمير القوم، وعبد اللّه بن عمرو، وخارجة ابن حذاقة العدويّ، وعبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وقيس بن أبي العاص السهميّ، والمقداد بن الأسود، وعبد اللّه بن أبي سعد بن أبي سرح العامري، ونافع بن عبد قيس الفهريّ، ويقال: بل هو عقبة بن نافع، وأبو عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهريّ، وأبو رافع مولى رسول اللّه ﷺ ، وابن عبدة، وابن عبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة، ووردان مولى عمرو بن العاص، وكان حامل لواء عمرو بن العاص وقد اختلف في سعد بن أبي وقاص، فقيل: إنما دخلها بعد الفتح، وشهد الفتح من الأنصار عبادة بن الصامت، وقد شهد بدرا وبيعة العقبة، ومحمد بن مسلمة الأنصاريّ، وقد شهد بدرا وهو الذي بعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى مصر، فقاسم عمرو بن العاص ماله، وهو أحد من كان صعد الحصن مع الزبير بن العوّام، ومسلمة بن مخلد الأنصاريّ، يقال له: صحبة، وأبو أيوب خالد بن زيد الأنصاريّ، وأبو الدرداء عويمر بن عامر، وقيل: عويمر بن زيد، ومن أحياء

стр. 543

القبائل أبو نصرة جميل بن نصرة الغفاريّ، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاريّ، وشهد الفتح مع عمرو بن العاص: هبيب بن معقل، وإليه ينسب وادي هبيب الذي بالمغرب، وعبد اللّه ابن الحارث ابن جزء الزبيديّ، وكعب بن ضبة العبسيّ، ويقال: كعب بن يسار بن ضبة، وعقبة بن عامر الجهنيّ، وهو كان رسول عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص حين كتب إليه يأمره أن يرجع إلى لم يكن دخل أرض مصر، وأبو زمعة البلويّ وبرح بن حسكل (١) ويقال: برح بن عسكر. وشهد فتح مصر واختط بها، وجنادة بن أبي أمية الأزديّ، وسفيان بن وهب الخولانيّ، وله صحبة، ومعاوية بن خديج الكنديّ، وهو كان رسول عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، وقد اختلف فيه، فقال قوم: له صحبة، وقال آخرون: ليست له صحبة، وعامر مولى حمل الذي يقال له: عامر حمل شهد الفتح، وهو مملوك، وعمار بن يسار، ولكن دخل بعد الفتح في أيام عثمان وجهه إليها في بعض أموره. وقال ابن عبد الحكم: منهم من اختط بالبلد، فذكرنا خطته، ومنهم من لم يذكر له خطة، قال: فاختط عمرو بن العاص داره التي عند باب المسجد بينهما الطريق، وداره الأخرى اللاصقة إلى جنبها، وفيها دفن عبد اللّه بن عمرو، فيما زعم بعض مشايخ البلد لحدث كان يومئذ في البلد، والحمام الذي يقال له حمام الفار، وإنما قيل له: حمام الفار لأنّ حمامات الروم كانت ديماسات كبارا، فلما نبي هذا الحمام، ورأوا صغره قالوا: من يدخل هذا؟ هذا حمام الفار. ذكر السبب في تسمية مدينة مصر بالفسطاط قال ابن عبد الحكم عن يزد بن أبي حبيب: أنّ عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، ورأى بيوتها، وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها، وقال: مساكن قد كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل، فكتب عمر إلى عمرو: إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف، فتحوّل عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط، قال: وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص، وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص، وهو نازل بالإسكندرية: أن لا تجعلوا بيني وبينكم ماء متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت، فتحوّل سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه، فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط.

стр. 544

قال: وإنما سميت الفسطاط لأنّ عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرّخ، فقال عمرو: لقد تحرّم منا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي كان خلفه، وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصار عند دار عمرو الصغيرة. قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ: كان فسطاط عمرو عند درب حمام شمول بخط الجامع، وقال ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث في حديث النبيّ ﷺ أنه قال: «عليكم بالجماعة فإنّ يد اللّه على الفسطاط» يرويه سويد بن عبد العزيز عن النعمان بن المنذر عن مكحول عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ . والفسطاط: المدينة، وكل مدينة: فسطاط، ولذلك قيل لمصر: فسطاط. وقال البكريّ: الفسطاط بضم أوّله وكسره وإسكان ثانيه: اسم لمصر، ويقال: فسطاط وبسطاط. قال المطرّزي: وفصطاد، وفستاد، وبكسر أوائل جميعها، فهي عشر لغات. وقال ابن قتيبة: كل مدينة فسطاط، وذكر حديث: عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط، وأخبرني أبو حاتم عن الأصمعيّ أنه قال: حدّثني رجل من بني تميم قال: قرأت في كتاب رجل من قريش: هذا ما اشترى فلان بن فلان من عجلان مولى زياد، اشترى منه خمسمائة جريب (١) حيال الفسطاط، يريد البصرة، ومنه قول الشعبيّ في الآبق إذا أخذ في الفسطاط عشرة، وإذا أخذ خارجا عن الفسطاط أربعون، وأراد أن يد اللّه على أهل الأمصار وأنّ من شذ عنهم، وفارقهم في الرأي فقد خرج عن يد اللّه، وفي ذلك آثار، واللّه أعلم. ذكر الخطط التي كانت بمدينة الفسطاط اعلم: أنّ الخطط التي كانت بمدينة فسطاط مصر، بمنزلة الحارات التي هي اليوم بالقاهرة، فقيل لتلك في مصر: خطة، وقيل لها في القاهرة: حارة. قال القضاعيّ: ولما رجع عمرو من الإسكندرية، ونزل موضع فسطاطه، انضمت القبائل بعضها إلى بعض، وتنافسوا في المواضع، فولى عمرو على الخطط: معاوية بن خديج التجيبيّ، وشريك بن سميّ الغطيفيّ، وعمرو بن قحزم الخولانيّ، وحيويل بن ناشزة المغافريّ، وكانوا هم الذين أنزلوا الناس، وفصلوا بين القبائل، وذلك في سنة إحدى وعشرين.

стр. 545

خطة أهل الراية: أهل الراية جماعة من قريش، والأنصار وخزاعة، وأسلم، وغفار، ومزينة، وأشجع، وجهينة، وثقيف، ودوس، وعبس بن بغيض، وحرش من بني كنانة، وليث بن بكر، والعتقاء منهم إلا أنّ منزل العتقاء في غير الراية، وإنما سموا أهل الراية، ونسبت الخطة إليهم لأنهم جماعة لم يكن لكل بطن منهم من العدد ما ينفرد بدعوة من الديوان، فكره كل بطن منهم أن يدعى باسم قبيلة غير قبيلته، فجعل لهم عمرو بن العاص راية، ولم ينسبها إلى أحد فقال: يكون موقفكم تحتها، فكانت لهم كالنسب الجامع، وكان ديوانهم عليها، وكان اجتماع هذه القبائل لما عقده رسول اللّه ﷺ من الولاية بينهم، وهذه الخطة محيطة بالجامع من جميع جوانبه، ابتدأوا من المصف الذي كانوا عليه في حصارهم الحصن، وهو باب الحصن الذي يقال له: باب الشمع، ثم مضوا بخطتهم إلى حمام الفار، وشرعوا بغربيها إلى النيل، فإذا بلغت إلى النحاسين، فالجانبان لأهل الراية إلى باب المسجد الجامع المعروف: بباب الوراقين، ثم يسلك على حمام شمول، وفي هذه الخطة زقاق القناديل إلى تربة عفان إلى سوق الحمام إلى باب القصر الذي بدأنا بذكره. خطة مهرة: بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير: وخطة مهرة هذه قبليّ خطة الراية، واختطت مهرة أيضا على سفح الجبل الذي يقال له: جبل يشكر مما يلي الخندق إلى شرقيّ العسكر إلى جنان بني مسكين، ومن جملة خطة مهرة الموضع الذي يعرف اليوم بمساطب الطباخ، واسمه حمد، ويقال: إنّ الخطة التي لهم قبليّ الراية كانت حوزا لهم يربطون فيها خيلهم إذا رجعوا إلى الجمعة، ثم انقطعوا إليها، وتركوا منازلهم بيشكر. خطة تجيب: وتجيب هم بنو عديّ، وسعد ابني الأشرس بن شبيب بن السكن بن الأشرس بن كندة، فمن كان من ولد عديّ، وسعد يقال لهم: تجيب، وتجيب: أمّهم، وهذه الخطة تلي خطة مهرة، وفيها درب الممصوصة آخره حائط من الحصن الشرقيّ. وخطط لخم في موضعين: فمنها خطة لخم بن عديّ بن مرّة بن أدد، ومن خالطها من جذام، فابتدأت لخم بخطتها من الذي انتهت إليه خطة الراية وأصعدت ذات الشمال، وفي هذه الخطة سوق بربر، وشارعه مختلط فيما بين لخم، والراية ولهم خطتان أخريان، إحداهما منسوبة إلى بني رية بن عمرو بن الحارث بن وائل بن راشدة من لخم، وأوّلها شرقيّ الكنيسة المعروفة: بمكائيل التي عند خليج بني وائل، وهذا الموضع اليوم وراقات يعمل فيها الورق بالقرب من باب القنطرة خارج مصر، والخطة الثانية: خطة راشدة بن أدب بن جزيلة من لخم، وهي متاخمة للخطة التي قبلها، وفي هذه الخطة جامع راشدة، وجنان كهمس بن معمر الذي عرف: بالمادرانيّ، ثم عرف بجنان الأمير تميم، وهو اليوم يقال له: المعشوق بجوار الآثار النبوية، ولهم مواضع مع اللفيف، وخطط أيضا بالحمراء.

стр. 546

خطط اللفيف: إنما سموا بذلك لالتفات بعضهم ببعض، وسبب ذلك: أنّ عمرو بن العاص، لما فتح الإسكندرية أخبر أنّ مراكب الروم قد توجهت إلى الإسكندرية لقتال المسلمين، فبعث عمرو بعمرو بن جمالة الأزديّ الحجريّ ليأتيه بالخبر، فمضى وأسرعت هذه القبائل التي تدعى اللفيف، وتعاقدوا على اللحاق به، واستأذنوا عمرو بن العاص في ذلك، فأذن لهم وهم جمع كثير، فلما رآهم عمرو بن جمالة استكثرهم، وقال: تاللّه ما رأيت قوما قد سدّوا الأفق مثلكم، وإنكم كما قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء/ ١٠٤] فبذلك سموا من يومئذ اللفيف، وسألوا عمرو بن العاص: أن يفرد لهم دعوة فامتنعت عشائرهم من ذلك، فقالوا لعمرو: فإنا نجتمع في المنزل حيث كنا، فأجابهم إلى ذلك، فكانوا مجتمعين في المنزل متفرّقين في الديوان إذا دعي كل بطن منهم، انضم إلى بني أبيه. قال قتادة ومجاهد والضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء/ ١٠٤] قال: جميعا، وكان عامتهم من الأزد من الحجر، ومن غسان، ومن شجاعة، والتف بهم نفر من جذام ولخم والزحاف، وتنوخ من قضاعة، فهم مجتمعون في المنزل متفرّقون في الديوان، وهذه الخطة أوّلها مما يلي الراية سالكا ذات الشمال إلى نقاشي البلاط، وفيها دار ابن عشرات إلى نحو من سوق وردان. خطط أهل الظاهر: إنما سمي هذا المنزل بالظاهر، لأنّ القبائل التي نزلته كانت بالإسكندرية، ثم قفلت بعد قفول عمرو بن العاص، وبعد أن اختط الناس خططهم، فخاصمت إلى عمرو، فقال لهم معاوية بن خديج: وكان ممن يتولى الخطط يومئذ أرى لكم أن تظهروا على أهل هذه القبائل، فتتخذوا منزلا فسمي الظاهر بذلك، وكانت القبائل التي نزلت الظاهر العتقاء، وهم جماع من القبائل، كانوا يقطعون على أيام النبيّ ﷺ ، فبعث إليهم، فأتى بهم أسرى، فأعتقهم، فقيل لهم: العتقاء، وديوانهم مع أهل الراية، وخطتهم بالظاهر متوسطة فيه، وكان فيهم طوائف من الأزد وفهم، وأوّل هذه الخطة من شرقيّ خطة لخم، وتتصل بموضع العسكر، ومن هذه الخطة سويقة العراقيين، وعرفت بذلك ونّ زيادا لما ولاه معاوية بن أبي سفيان البصرة، غرّب جماعة من الأزد إلى مصر، وبها مسلمة بن مخلد في سنة ثلاث وخمسين، فنزل منهم هنا نحو من مائة وثلاثين، فقيل لموضعهم من خطة الظاهر: سويقة العراقيين. خطط غافق: هو غافق بن الحارث بن عك بن عدنان بن عبد اللّه بن الأزد، وهذه الخطة تلي خطة لخم إلى خطة الظاهر، بجوار درب الأعلام. خطط الصدف: واسمه مالك بن سهل بن عمرو بن قيس بن حمير، ودعوتهم مع كندة.

стр. 547

خطط الفارسيين: واستبدّ بخطة خولان من حضر فتح مصر من الفارسيين، وهم بقايا جند باذان عامل كسرى على اليمن قبل الإسلام، أسلموا بالشأم، ورغبوا في الجهاد، فنفروا مع عمرو بن العاص إلى مصر، فاختطوا بها، وأخذوا في سفح الجبل الذي يقال له: جبل باب البون، وهذا الجبل اليوم شرقيّ من وراء خطة جامع ابن طولون تعرف أرضه بالأرض الصفراء، وهي من جملة العسكر. خطة مذحج: بالحاء قبل الجيم، وهو مالك بن مرّة بن أدد بن زيد بن كهلان. خطة غطيف: بن مراد. خطة وعلان: بن قرن بن ناجية بن مراد، وكلهم من مذحج، فاختطت وعلان من الزقاق الذي فيه الصنم المعروف بسرية فرعون، وهذا الزقاق أوّله باب السوق الكبير، واختطت أيضا بجولان، ثم انفردت وعلان بخططها مقابل المسجد المعروف: بالدينوريّ، وأسندت إلى خولان، وهذه الخطة اليوم: كيمان تطلّ على قبر القاضي بكار. خطة يحصب: بن مالك بن أسلم بن زيد بن غوث، وهذه الخطة موضعها: كيمان، وهي تتصل بالشرف الذي يعرف اليوم: بالرصد المطلّ على راشدة. خطة رعين: بن زيد بن سهل. خطة ذي الكلاع: بن شرحبيل بن سعد من حمير. خطة المغافر: بن يعفر بن مرّة بن أدد، وهذه الخطة من الرصد إلى قاية بن طولون، وهي القناطر التي تطلّ على عفصة، وتفصل بين القرافتين والقناطر للمغافر، ولهم إلى مصلى خولان، وإلى الكوم المشرف على المصلى. خطة سبا وخطة الرحبة: بن زرعة بن كعب. خطة السلف بن سعد: فيما بين الكوم المطلّ على القاضي بكار، وبين المغافر. خطة بني وائل: بن زيد مناة بن أفصى بن إياس بن حرام بن جذام بن عديّ، وهي من سفح الشرف المعروف بالرصد إلى خطة الجولان. خطة القبض: بالتحريك، بن مرثد، وهي بجانب خطة بني وائل إلى نحو بركة الحبش، قال: وكان سبب نزول بني وائل، والقبض ورية وراشدة والفارسيين هذه المواضع أنهم كانوا في طوالع عمرو بن العاص، فنزلوا في مقدّمة الناس، وحازوا هذه المواضع قبل الفتح. خطط الحمراوات الثلاث: قال الكنديّ: وكانت الحمراء على ثلاثة: بنو نبه وروبيل

стр. 548

والأزرق، وكانوا ممن سار مع عمرو بن العاص من الشام إلى مصر من عجم الشأم ممن كان رغب في الإسلام من قبل اليرموك، ومن أهل قيسارية وغيرهم. قال القضاعيّ: وإنما قيل الحمراء لنزول الروم بها، وهط خطط بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة وفهم وعدوان، وبعض الأزد وهم ثراد، وبني بحر، وبني سلامان ويشكر بن لخم وهذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وبني نبه، وبني الأزرق، وهم من الروم، وبني روبيل، وكان يهوديا، فأسلم. فأوّل ذلك الحمراء الدنيا خطة بليّ بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ومنها خطة ثراد من الأزد، وخطة فهم بن عمرو بن قيس عيلان، ومنها خطة بني بحر بن سوادة من الأزد. ومن ذلك الحمراء الوسطى: منها خطة بني نبه، وهم قوم من الروم حضر الفتح منهم مائة رجل، ومنها خطة هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومنها خطة بني سلامان من الأزد، ومنها خطة عدوان. ومن ذلك الحمراء القصوى، وهي خطة بني الأزرق، وكان روميا حضر الفتح منهم أربعمائة، وخطة بني روبيل، وكان يهوديا فأسلم، وحضر الفتح منهم ألف رجل، وخطة بني يشكر بن جزيلة بن لخم وكانت منازل يشكر مفرّقة في الجبل، فدثرت قديما، وعادت صحراء حتى جاءت المسودّة، يعني جيوش بني العباس، فعمروها، وهي الآن خراب. وقال ابن المتوّج: الحمراوات ثلاث: أولى، ووسطى، وقصوى. فأمّا الأولى: فتجمع جابر الأور، وعقبة العدّاسين، وسوق وردان، وخطة الزبير إلى نقاشي البلاط طولا وعرضا على قدر ذلك، وأمّا الوسطى: فمن درب نقاشي البلاط إلى درب معاني طولا وعرضا على قدره، وأمّا القصوى فمن درب معاني إلى القناطر الظاهرية يعني قناطر السباع، وهي حدّ ولاية مصر من القاهرة، وكانت هذه الحمراوات جلّ عمارة مصر في زمن الروم، فإذا الحمراء الأولى والوسطى هما الآن خراب، وموضعهما فيما بين سوق المعاريج، وحمام طن من شرقيهما إلى ما يقابل المراغة في الشرق، وأما الحمراء الدنيا فهي الآن تعرف بخط قناطر السباع، وبخط السبع سقايات، وبحكر الخليليّ، وحكر أقبغا والكوم، حيث الأسرى ومنها أيضا خط الكبش، وخط الجامع الطولونيّ والعسكر، ومنها حدرة ابن قميحة إلى حيث قنطرة السدّ، وبستان الطواشي، وما في شرقيه إلى مشهد الرأس المعروف بزين العابدين، وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى عند ذكر العسكر، وكانت مدينة الفسطاط على قسمين هما: عمل فوق، وعمل أسفل. فعمل فوق له طرفان غربيّ وشرقيّ، فالغربيّ من شاطئ النيل في الجهة القبلية، وأنت مار في الشرف المعروف اليوم بالرصد إلى القرافة الكبرى، والشرقيّ من القرافة الكبرى إلى العسكر، وعمل أسفل ما عدا ذلك إلى حدّ القاهرة.

стр. 549

ذكر أمراء الفسطاط من حين فتحت مصر إلى أن بني العسكر اعلم: أنّ عدّة من ولي مصر من الأمراء في الإسلام منذ فتحت، وسكن الفسطاط إلى أن بني العسكر تسعة وعشرون أميرا في مدّة مائة وثلاث عشرة سنة وسبعة أشهر، أوّلها يوم الجمعة مستهل المحرّم سنة عشرين من الهجرة النبوية، وهو يوم فتح مصر، وآخرها سلخ شهر رجب سنة ثلاث ومائة آخر ولاية صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس على مصر، وأوّل ولاية أبي عون عبد الملك، وهو أوّل من سكن العسكر من أمراء مصر. وأوّل أمراء الفسطاط بعد الفتح على ما ذكر الكنديّ وغيره: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك: أبو عبد اللّه، كان تاجرا في الجاهلية، وكان يختلف بتجارته إلى مصر، وهي الأدم والعطر، ثم ضرب الدهر ضرباته حتى فتح المسلمون الشأم، فخلا بعمر بن الخطاب ﵁، فاستأذنه في المسير إلى مصر، فسار في سنة تسع عشرة، وأتى الحصن، فحاصره سبعة أشهر إلى أن فتحه في يوم الجمعة مستهل المحرّم سنة عشرين، وقيل: كان فتح مصر في ثاني عشر بؤنة سنة سبع وخمسين وثلثمائة لدقلطيانوس، فعلى هذا يكون فتح مصر في سنة تسع عشرة من الهجرة، وتحرير ذلك أن الذي بين يوم الجمعة أوّل يوم من ملك دقلطيانوس، وبين يوم الخميس أوّل سنة الهجرة ثمان وثلاثون وثلثمائة سنة فارسية، وتسعة وثلاثون يوما، فإذا ألغينا ذلك من تاريخ مصر في ثاني عشر بؤنة سنة سبع وخمسين وثلثمائة بقي ثمان عشر سنة، وثمانية أشهر وثلاثة أيام، وهذه سنون شمسية عنها من سني القمر تسع عشر سنة وشهر وثلاثة عشر يوما، فيكون ذلك في ثالث عشر ربيع الأوّل سنة عشرين، فلعل الوهم وقع في الشهر القبطيّ، وحاز الحصن بما فيه، وسار إلى الإسكندرية في ربيع الأوّل منها، فحاصرها ثلاثة أشهر، ثم فتحها عنوة، وهو الفتح الأوّل، ويقال: بل فتحها مستهل سنة إحدى وعشرين، ثم سار عنها إلى برقة، فافتتحها عنوة في سنة اثنتين وعشرين، وقيل: في سنة ثلاث وعشرين، وقدم على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قدمتين استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدريّ، وفي الثانية ابنه عبد اللّه، وتوفي عمر ﵁ في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وبويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، فوفد عليه عمرو، وسأله عزل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح عن صعيد مصر، وكان عمر ولاه الصعيد، فامتنع من ذلك عثمان، وعقد لعبد اللّه بن سعد على مصر كلها، فكانت ولاية عمرو على مصر: صلاتها وخراجها، منذ افتتحها إلى أن صرف عنها أربع سنين وأشهرا.

стр. 550

عبد اللّه بن سعد (١) بن أبي سرح، واسمه الحسام بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، ولي من قبل أمير المؤمنين عثمان ﵁، فجاءه الكتاب بالفيوم، فجعل لأهل أطواف جعلا فقدموا به الفسطاط، ثم إن منويل الخصيّ سار إلى الإسكندرية في سنة أربع وعشرين، فسأل أهل مصر: عثمان أن يردّ عمرو بن العاص لمحاربته، فردّه واليا على الإسكندرية، فحارب الروم بها حتى افتتحها، وعبد اللّه بن سعد مقيم بالفسطاط، حتى فتحت الإسكندرية الفتح الثاني عنوة في سنة خمس وعشرين، ثم جمع لعبد اللّه بن سعد أمير مصر صلاتها وخراجها، ومكث أميرا مدّة ولاية عثمان ﵁ كلها، محمودا في ولايته، وغزا ثلاث غزوات كلها لها شأن، غزا إفريقية سنة سبع وعشرين، وقتل ملكها جرجير، وغزا غزوة الأساود حتى بلغ دنقلة في سنة إحدى وثلاثين، وغزا ذا الصواري في سنة أربع وثلاثين، فلقيهم قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، وقيل: في سبعمائة مركب والمسلمون في مائتي مركب، فهزم اللّه الروم، وإنما سميت غزوة ذي الصواري لكثرة صواري المراكب، واجتماعها، ووفد على عثمان حين تكلم الناس بالطعن على عثمان، واستخلف عقبة بن عامر الجهنيّ، وقيل: السائب بن هشام العامريّ، وجعل على خراجها سليمان بن عتر التجيبي، وكان ذلك سنة خمس وثلاثين في رجب. محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. أمّر في شوال سنة خمس وثلاثين على عقبة بن عامر خليفة عبد اللّه بن سعد، فأخرجه من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان، وأسعر البلاد، وحرّض على عثمان بكل شرّ يقدر عليه، فاعتزله شيعة عثمان، ونابذوه، وهم: معاوية بن خديج، وخارجة بن حذافة، وبسر بن أرطأة، ومسلمة بن مخلد في جمع كثير، وبعثوا إلى عثمان بأمرهم، وبصنيع ابن أبي حذيفة، فبعث سعد بن أبي وقاص: ليصلح أمرهم، فخرج إليه جماعة، فقلبوا عليه فسطاطه، وشجوه وسبوه، فركب وعاد راجعا، ودعا عليهم، وأقبل عبد اللّه بن سعد، فمنعوه أن يدخل، فانصرف إلى عسقلان، وقتل عثمان ﵁، وابن سعد بعسقلان، ثم أجمع ابن أبي حذيفة على بعث جيش إلى عثمان، فجهز إليه ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن بن عديس البلويّ، ثم قتل عثمان في ذي الحجة منها، فثار شيعة عثمان بمصر، وعقدوا لمعاوية بن خديج (٢)، وبايعوه على الطلب بدم عثمان، وساروا إلى الصعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة خيلا، فهزمت، ومضى ابن خديج إلى برقة، ثم رجع إلى الإسكندرية، فبعث

стр. 551

إليه ابن أبي حذيفة بجيش آخر فاقتتلوا بخربتا (١) في أوّل شهر رمضان سنة ست وثلاثين، فانهزم الجيش، وأقامت شيعة عثمان بخربتا. وقدم معاوية بن أبي سفيان يريد الفسطاط، فنزلت سلمنت (٢) في شوّال، فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر، فمنعوه ثم اتفقا على أن يجعلا رهنا، ويتركا الحرب، فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر: الحكم بن الصلت، وخرج في الرهن هو وابن عديس، وعدّة من قتلة عثمان، فلما بلغوا لدّا سجنهم معاوية بها، وسار إلى دمشق، فهربوا من السجن، وتبعهم أمير فلسطين، فقتلهم في ذي الحجة سنة ست وثلاثين. قيس بن سعد (٣) بن عبادة الأنصاري: ولاه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، لما بلغه مصاب ابن أبي حذيفة، وجمع له الخراج والصلاة، فدخل مصر مستهل ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين، فاستمال الخارجية بخربتا شيعة عثمان، وبعث إليهم أعطياتهم، ووفد عليهم وفدهم، فأكرمهم، وكان من ذوي الرأي، فجهد عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فإنها كانت من جيش عليّ ﵁، فامتنع منهما بالدهاء والمكايدة، فلم يقدرا على مصر، حتى كاد معاوية قيسا من قبل عليّ ﵁، فأشاع أن قيسا من شيعته، وأنه يبعث إليه بالكتب والنصيحة سرّا، فسمع ذلك جواسيس عليّ ﵁، وما زال به محمد بن أبي بكر، وعبد اللّه بن جعفر، حتى كتب إلى قيس بن سعد يأمره بالقدوم إليه، فوليها إلى أن عزل أربعة أشهر وخمسة أيام، وصرف لخمس خلون من رجب سنة سبع وثلاثين، فوليها: الأشتر مالك بن الحارث بن خالد النخعيّ من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فلما قدم القلزم شرب عسلا فمات، فبلغ ذلك عمرا ومعاوية، فقال عمرو: إن للّه جنودا من عسل. ثم وليها: محمد بن أبي بكر الصدّيق من قبل عليّ ﵁، وجمع له صلاتها وخراجها، فدخلها للنصف من رمضان سنة سبع وثلاثين، فهدم دور شيعة عثمان، ونهب أموالهم وسجن ذراريهم، فنصبوا له الحرب، ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية، فلحقوا بمعاوية بالشام، فبعث معاوية عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام إلى الفسطاط وتغيب ابن أبي بكر، فظفر به معاوية بن خديج فقتله، ثم جعله في جيفة

стр. 552

حمار ميت، وأحرقه بالنار لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان وثلاثين، فكانت ولايته خمسة أشهر. ثم وليها: عمرو بن العاص: ولايته الثانية من قبل معاوية بن أبي سفيان ﵁، فاستقبل بولايته شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين، وجعل إليه الصلاة والخراج جميعا، وجعلت مصر له طعمة بعد عطاء جندها، والنفقة في مصلحتها، ثم خرج عمرو للحكومة، واستخلف على مصر ابنه عبد اللّه، وقيل: بل خارجة بن حذافة، ورجع إلى مصر، وتعاقد بنو لخم عبد الرحمن وقيس ويزيد على قتل عليّ ومعاوية وعمرو، وتواعدوا ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كل منهم إلى صاحبه، وكان يزيد هو صاحب عمرو، فعرضت لعمرو علة منعته من حضور المسجد، فصلى خارجة بالناس، فشدّ عليه يزيد فضربه، حتى قتله، فدخل به على عمرو، فقال: أما واللّه ما أردت غيرك يا عمرو، قال عمرو: ولكن اللّه أراد خارجة، وللّه در القائل: وليتها إذ فدت عمرا بخارجة … فدت عليا بمن شاءت من البشر وعقد عمرو لشريك بن سميّ على غزو لواتة (١) من البربر، فغزاهم في سنة أربعين، وصالحهم ثم انتقضوا، فبعث إليهم عقبة بن نافع في سنة إحدى وأربعين، فغزاهم حتى هزمهم، وعقد لعقبة أيضا على غزوة هوّارة، وعقد لشريك بن سميّ: على غزوة لبدة (٢)، فغزواهما في سنة ثلاث وأربعين، فقفلا، وعمرو شديد الدنف (٣) في مرض موته، وتوفي ليلة الفطر، فغسله عبد اللّه بن عمرو، وأخرجه إلى المصلى وصلى عليه، فلم يبق أحد شهد العيد إلاّ صلى عليه، ثم صلى بالناس صلاة العيد، وكان أبوه استخلفه، وخلف عمرو بن العاص سبعين بهارا دنانير، والبهار: جلد ثور، ومبلغه أردبان بالمصريّ، فلما حضرته الوفاة أخرجه، وقال: من يأخذه بما فيه، فأبى ولده أخذه، وقالا: حتى تردّ إلى كل ذي حق حقه، فقال: واللّه ما أجمع بين اثنين منهم، فبلغ معاوية، فقال: نحن نأخذه بما فيه. ثم وليها: عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية بن أبي سفيان على صلاتها، فقدم في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين، وأقام شهرا، ثم وفد على أخيه، واستخلف عبد اللّه بن قيس بن الحارث، وكان فيه شدّة، فكره الناس ولايته، وامتنعوا منها، فبلغ ذلك عتبة، فرجع إلى مصر، وصعد المنبر فقال: يا أهل مصر قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إذا قال فعل، فإن أبيتم درأكم بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه، ثم رجا في الأمير ما أدرك في الأوّل أن البيعة شائعة لنا عليكم السمع، ولكم علينا العدل،

стр. 553

وأينا غدر، فلا ذمّة له عند صاحبه، فناداه المصريون من جنبات المسجد سمعا سمعا فناداهم عدلا عدلا، ثم نزل ثم جمع له معاوية الصلات والخراج، وعقد عتبة لعلقمة بن زيد على الإسكندرية في اثني عشر ألفا من أهل الديوان تكون لها رابطة، ثم خرج إليها مرابطا في ذي الحجة سنة أربع وأربعين، فمات بها واستخلف على مصر عقبة بن عامر الجهنيّ، فكانت ولايته ستة أشهر. ثم وليها: عقبة بن عامر (١) بن عبس الجهنيّ من قبل معاوية، وجعل له صلاتها وخراجها، وكان قارئا فقيها مفرضا شاعرا، له الهجرة والصحبة والسابقة، ثم وفد مسلمة بن محمد الأنصاريّ على معاوية، فولاه مصر، وأمره أن يكتم ذلك عن عقبة بن عامر، وجعل عقبة على البحر، وأمره أن يسير إلى رودس، فقدم مسلمة، فلم يعلم بإمارته، وخرج مع عقبة إلى الإسكندرية، فلما توجه سائرا استوى مسلمة على سرير إمارته، فبلغ ذلك عقبة فقال: أخلعا وغربة، وكان صرفه لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة سبع وأربعين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر. فولي مسلمة بن مخلد (٢) بن صامت بن نيار الأنصاريّ من قبل معاوية، وجمع له الصلات والخراج والغزو، فانتظمت غزواته في البر والبحر، وفي إمارته نزلت الروم البرلس (٣) في سنة ثلاث وخمسين، فاستشهد يومئذ: وردان مولى عمرو بن العاص في جمع من المسلمين، وهدم ما كان عمرو بن العاص بناه من المسجد، وبناه وأمر بابتناء منارات المساجد كلها إلا خولان وتجيب، وخرج إلى الإسكندرية في سنة ستين، واستخلف عابس بن سعيد، ومات معاوية بن أبي سفيان في رجب منها، واستخلف ابنه يزيد بن معاوية، فأقرّ مسلمة، وكتب إليه بأخذ البيعة، فبايعه الجند إلاّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فدعا عابس بالنار ليحرق عليه بابه! فحينئذ بايع ليزيد، وقدم مسلمة من الإسكندرية، فجمع لعابس مع الشرط القضاء في سنة إحدى وستين، وقال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة، فما ترك ألفا ولا واوا، وقال ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد: كان مسلمة بن مخلد يصلي بنا، فيقوم في الظهر، فربما قرأ الرجل البقرة، وتوفي مسلمة، وهو وال لخمس بقين من رجب سنة اثنتين وستين، فكانت ولايته خمس عشرة سنة وأربعة أشهر، واستخلف عابس بن سعيد. ثم وليها سعيد بن يزيد بن علقمة بن يزيد بن عوف الأزدي من أهل فلسطين، فقدم

стр. 554

مستهلّ رمضان سنة اثنتين وستين فتلقاه عمرو بن قحزم الخولانيّ، فقال: يغفر اللّه لأمير المؤمنين أما كان فينا مائة شاب كلهم مثلك، يولي علينا أحدهم، ولم تزل أهل مصر على الشنآن له، والإعراض عنه، والتكبر عليه حتى توفي يزيد بن معاوية، ودعا عبد اللّه بن الزبير ﵁ إلى نفسه، فقامت الخوارج الذين بمصر، وأظهروا دعوته، وسار منهم إليه، فبعث لعبد الرحمن بن جحدم، فقدم واعتزل سعيدا، فكانت ولايته سنتين غير شهر. ثم وليها: عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم من قبل عبد اللّه بن الزبير، فدخل في شعبان سنة أربع وستين في جمع كثير من الخوارج، فأظهروا التحكيم، ودعوا إليه، فاستعظم الجند ذلك، وبايعه الناس على غل في قلوب شيعة بني أمية، ثم بويع مروان بن الحكم بالخلافة في أهل الشام، وأهل مصر معه في الباطن، فسار إليها، وبعث ابنه عبد العزيز في جيش إلى أيلة ليدخل مصر من هناك، وأجمع ابن جحدم على حربه، وحفر الخندق في شهر، وهو الذي في شرقيّ القرافة، وقدم مروان، فحاربه ابن جحدم، وقتل بينهما كثير من الناس ثم اصطلحا، ودخل مروان لعشر من جمادى الأولى سنة خمس وستين، فكانت مدّة ابن جحدم تسعة أشهر، ووضع مروان العطاء، فبايعه الناس إلاّ نفرا من المغافر قالوا: لا نخلع بيعة ابن الزبير، فضرب أعناقهم، وكانوا ثمانين رجلا، وذلك للنصف من جمادى الآخرة، يومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فلم يستطع أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان، وجعل مروان صلات مصر، وخراجها إلى ابنه عبد العزيز، وسار وقد أقام بها شهرين لهلال رمضان. عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو الأصبغ ولي من قبل أبيه لهلال رجب سنة خمس وستين على الصلات والخراج، ومات أبوه، وبويع من بعده عبد الملك بن مروان، فأقرّ أخاه عبد العزيز، ووقع الطاعون بمصر سنة سبعين، فخرج عبد العزيز منها، ونزل حلوان، فاتخذها دارا وسكنها، وجعل بها الأعوان، وبنى بها الدور والمساجد، وعمرها أحسن عمارة، وغرس نخلها وكرمها، وعرّف بمصر، وهو أول من عرّف بها في سنة إحدى وسبعين، وجهز البعث في البحر لقتال ابن الزبير في سنة اثنتين وسبعين، ثم مات لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، فكانت ولايته عشرين سنة، وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما. فولي: عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان من قبل أبيه على صلاتها وخراجها، فدخل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ست وثمانين، وهو ابن تسع وعشرين سنة، وقد تقدّم إليه أبوه أن يقتفي آثار عمه عبد العزيز، فاستبدل بالعمال وبالأصحاب، ومات عبد الملك، بويع ابنه الوليد بن عبد الملك، فأقرّ أخاه عبد اللّه، وأمر عبد اللّه، فنسخت دواوين مصر بالعربية، وكانت بالقبطية، وفي ولايته غلت الأسعار،

стр. 555

فتشاءم الناس به، وهي أوّل شدّة رأوها بمصر، وكان يرتشي، ثم وفد على أخيه في صفر سنة ثمان وثمانين، واستخلف عبد الرحمن بن عمرو بن قحزم الخولانيّ، وأهل مصر في شدّة عظيمة، ورفع سقف المسجد الجامع في سنة تسع وثمانين، ثم صرف، فكانت ولايته ثلاث سنين وعشرة أشهر. فولي: قرّة بن شريك (١) بن مرثد بن الحرث العبسيّ للوليد بن عبد الملك على صلات مصر وخراجها، فقدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة تسعين، وخرج عبد اللّه بن عبد الملك من مصر بكل ما ملكه، فأحيط به في الأردن، وأخذ سائر ما معه، وحمل إلى أخيه، وأمر الوليد بهدم ما بناه عبد العزيز في المسجد، فهدم أوّل سنة اثنتين وتسعين، وبنى واستنبط قرّة بن شريك: بركة الحبش من الموات وأحياها، وغرس فيها القصب، فقيل لها: اصطبل قرّة، واصطبل القاش، ثم مات وهو وال ليلة الخميس لست بقين من ربيع الأوّل سنة ست وتسعين، واستخلف على الجند والخراج عبد الملك بن رفاعة، فكانت ولايته ست سنين وأياما. ثم ولي: عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهميّ: من قبل الوليد بن عبد الملك على صلاتها، وتوفي الوليد، واستخلف سليمان بن عبد الملك، فأقرّ ابن رفاعة، وتوفي سليمان، وبويع عمر بن عبد العزيز، فعزل ابن رفاعة، فكانت ولايته ثلاث سنين. ثم ولي: أيوب بن شرحبيل (٢) بن أكسوم بن أبرهة بن الصباح، من قبل عمر بن عبد العزيز على صلاتها في ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين، فورد كتاب أمير المؤمنين: عمر بن عبد العزيز بالزيادة في أعطيات الناس عامّة، وخمرت الخمر، وكسرت وعطلت حاناتها، وقسم للغارمين بخمسة وعشرين ألف دينار، ونزعت مواريث القبط عن الكور، واستعمل المسلمون عليها، ومنع الناس الحمامات، وتوفي عمر بن عبد العزيز، واستخلف يزيد بن عبد الملك، فأقرّ أيوب على الصلات إلى أن مات لإحدى عشرة، وقيل: لسبع عشرة خلت من رمضان سنة إحدى ومائة، فكانت ولايته سنتين ونصفا. فولي: بشر بن صفوان (٣) الكلبيّ: من قبل يزيد بن عبد الملك قدمها لسبع عشرة خلت من رمضان سنة إحدى ومائة، وفي إمرته نزل الروم تنيس، ثم ولاه يزيد على إفريقية،

стр. 556

فخرج إليها في شوّال سنة اثنتين ومائة، واستخلف أخاه حنظلة. فولي: حنظلة بن صفوان باستخلاف أخيه، فأقرّه يزيد بن عبد الملك، وخرج إلى الإسكندرية في سنة ثلاث ومائة، واستخلف عقبة بن مسلمة التجيبيّ، وكتب يزيد بن عبد الملك في سنة أربع ومائة بكسر الأصنام والتماثيل، فكسرت كلها، ومحيت التماثيل، ومات يزيد بن عبد الملك، وبويع هشام بن عبد الملك، فصرف حنظلة في شوّال سنة خمس ومائة، فكانت ولايته ثلاث سنين. وولي: محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من قبل أخيه هشام بن عبد الملك على الصلات، فدخل مصر لإحدى عشرة خلت من شوّال سنة خمس ومائة، ووقع وباء شديد بمصر، فترفع محمد إلى الصعيد هاربا من الوباء أياما، ثم قدم وخرج عن مصر لم يلها إلاّ نحوا من شهر، وانصرف إلى الأردن. فولي: الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها، فدخل لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة، وفي إمرته كان أوّل انتفاض القبط في سنة سبع ومائة، ورابط بدمياط ثلاثة أشهر، ثم وفد إلى هشام بن عبد الملك، فاستخلف حفص بن الوليد، وقدم في ذي القعدة من سنة سبع، وانكشف النيل عن الأرض فبنى فيها، وصرف في ذي القعدة سنة ثمان ومائة، باستعفائه لمغاضبة كانت بينه وبين عبد اللّه بن الحبحاب متولي خراج مصر، فكانت ولايته ثلاث سنين سواء. وولي: حفص بن الوليد (١) بن سيف بن عبد اللّه من قبل هشام بن عبد الملك، ثم صرف بعد جمعتين يوم الأضحى بشكوى ابن الحبحاب منه، وقيل: صرف سلخ ثمان ومائة. فولي: عبد الملك بن رفاعة ثانيا على الصلات، فقدم من الشام عليلا لثنتي عشرة بقيت من المحرّم سنة تسع ومائة، وكان أخوه الوليد يخلفه من أوّل المحرّم، وقيل: بل ولي أوّل المحرّم، ومات للنصف منه، وكانت ولايته خمس عشرة ليلة. ثم ولي أخوه: الوليد بن رفاعة باستخلاف أخيه، فأقرّه هشام بن عبد الملك على الصلات، وفي ولايته نقلت قيس إلى مصر، ولم يكن بها أحد منهم، وخرج وهيب اليحصبيّ شاردا في سنة سبع عشرة ومائة من أجل أنّ الوليد أذن للنصارى في ابتناء كنيسة يوحنا بالحمراء، وتوفي وهو وال أوّل جمادى الآخرة سنة سبع عشرة، واستخلف عبد الرحمن بن خالد، فكانت إمرته تسع سنين وخمسة أشهر.

стр. 557

فولي: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهميّ أبو الوليد من قبل هشام بن عبد الملك على صلاتها، وفي إمرته نزل الروم على تروجة (١)، فحاصروها، ثم اقتتلوا فأسروا، فصرفه هشام، فكانت ولايته سبعة أشهر. وولي: حنظلة بن صفوان ثانيا فقدم لخمس خلون من المحرّم سنة تسع ومائة، فانتفض القبط، وحاربهم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقدم رأس زيد بن عليّ إلى مصر في سنة اثنتين وعشرين ومائة، ثم ولاه هشام إفريقية، فاستخلف حفص بن الوليد بإمرة هشام، وخرج لسبع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فكانت ولايته هذه خمس سنين وثلاثة أشهر. وولي: حفص بن الوليد الحضرميّ ثانيا باستخلاف حنظلة له على صلاتها، فأقرّه هشام بن عبد الملك إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين، فجمع له الصلات والخراج جميعا، واستسقى بالناس، وخطب ودعا، ثم صلى بهم، ومات هشام بن عبد الملك، واستخلف من بعده: الوليد بن يزيد، فأقرّ حفصا على الصلات والخراج، ثم صرف عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء لسبع بقين من شوّال سنة خمس وعشرين ومائة، وانفرد بالصلات، ووفد على الوليد بن يزيد، واستخلف عقبة بن نعيم الرعيني، وقتل الوليد بن يزيد، وحفص بالشام، وبويع يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأمر حفصا باللحاق بجنده، وأمّره على ثلاثين ألفا وفرض الفروض، وبعث بيعة أهل مصر إلى يزيد بن الوليد، ثم توفي يزيد وبويع إبراهيم بن الوليد، وخلعه مروان بن محمد الجعدي، فكتب حفص يستعفيه من ولاية مصر، فأعفاه مروان، فكانت ولاية حفص هذه ثلاث سنين إلا شهرا. وولي: حسان بن عتاهية بن عبد الرحمن التجيبيّ وهو بالشام، فكتب إلى خير بن نعيم باستخلافه، فسلم حفص إلى خير، ثم قدم حسان لثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة على الصلات، وعيسى بن أبي عطاء على الخراج، فأسقط حسان فروض حفص كلها، فوثبوا به، وقالوا: لا نرضى إلاّ بحفص، وركبوا إلى المسجد، ودعوا إلى خلع مروان وحصروا حسان في داره، وقال له: اخرج عنا، فإنك لا تقيم معنا ببلد، وأخرجوا عيسى بن أبي عطاء صاحب الخراج، وذلك في آخر جمادى الآخرة، وأقاموا حفصا، فكانت ولاية حسان ستة عشر يوما. فولي: حفص بن الوليد الثالثة: كرها أخذه قوّاد الفروض بذلك، فأقام على مصر رجب وشعبان، ولحق حسان بمروان، وقدم حنظلة بن صفوان من إفريقية، وقد أخرجه

стр. 558

أهلها فنزل الجيزة، وكتب مروان بولايته على مصر، فامتنع المصريون من ولاية حنظلة، وأظهروا الخلع، وأخرجوا حنظلة إلى الحوف الشرقيّ، ومنعوه من المقام بالفسطاط، وهرب ثابت بن نعيم من فلسطين يريد الفسطاط، فحاربوه وهزموه، وسكت مروان عن مصر بقية سنة سبع وعشرين ومائة، ثم عزل حفصا مستهل سنة ثمان وعشرين. وولي: الحوثرة بن سهيل (١) بن العجلان الباهليّ: فسار إليها في آلاف، وقدم أوّل المحرّم، وقد اجتمع الجند على منعه، فأبى عليهم حفص، فخافوا حوثرة، وسألوه الأمان، فأمّنهم، ونزل ظاهر الفسطاط، وقد اطمأنوا إليه فخرج إليه حفص، ووجوه الجند، فقبض عليهم، وقيدهم، فانهزم الجند ودخل معه عيسى بن أبي عطاء على الخراج لثنتي عشرة خلت من المحرّم، وبعث في طلب رؤساء الفتنة، فجمعوا له وضرب أعناقهم، وقتل حفص بن الوليد، ثم صرف في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائة، وبعثه مروان إلى العراق فقتل، واستخلف على مصر حسان بن عتاهية، وقيل: أبا الجرّاح بشر بن أوس، وخرج لعشر خلون من رجب، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر. ثم ولي: المغيرة بن عبيد اللّه بن المغيرة الفزاريّ على الصلاة من قبل مروان، فقدم لست بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين، وخرج إلى الإسكندرية، واستخلف أبا الجرّاح الحرشي، وتوفي لثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فكانت ولايته عشرة أشهر، واستخلف ابنه الوليد بن المغيرة، ثم صرف الوليد في النصف من جمادى الآخرة. وولى: عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير من قبل مرون على الصلات والخراج، وكان واليا على الخراج قبل أن يولي الصلات في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فأمر باتخاذ المنابر في الكور، ولم تكن قبله، وإنما كانت ولاة الكور يخطبون على العصيّ إلى جانب القبلة، وخرج القبط فحاربهم، وقتل كثيرا منهم، وخالف عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان على مروان، واجتمع عليه جمع من قيس في الحوف الشرقيّ، فبعث إليهم عبد الملك بجيش، فلم يكن حرب، وسار مروان بن محمد إلى مصر منهزما من بني العباس، فقدم يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوّال سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقد سوّد أهل الحوف الشرقيّ، وأهل الإسكندرية، وأهل الصعيد وأسوان، فعزم مروان على تعديه النيل، وأحرق دار آل مروان المذهبة، ثم رحل إلى الجيزة، وخرق الجسرين، وبعث بجيش إلى الإسكندرية، فاقتتلوا بالكريون (٢)، وخالفت القبط برشيد،

стр. 559

فبعث إليهم وهزمهم، وبعث إلى الصعيد، فقدم صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس في طلب مروان هو وأبو عون عبد الملك بن يزيد يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فأدرك صالح مروان ببوصير من الجيزة بعد ما استخلف على الفسطاط معاوية بن بحيرة بن ريسان، فحارب مروان حتى قتل ببوصير يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، ودخل صالح إلى الفسطاط يوم الأحد لثمان خلون من المحرّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث برأس مروان إلى العراق، وانقضت أيام بني أمية. فولي: صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس، ولي من قبل أمير المؤمنين أبي العباس عبد اللّه بن محمد السفاح، فاستقبل بولايته المحرّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث بوفد أهل مصر إلى أبي العباس السفاح ببيعة أهل مصر، وأسر عبد الملك بن موسى بن نصير وجماعة، وقتل كثيرا من شيعة بني أمية، وحمل طائفة منهم إلى العراق، فقتلوا بقلنسوة (١) من أرض فلسطين، وأمر للناس بأعطياتهم للمقاتلة والعيال، وقسمت الصدقات على اليتامى والمساكين، وزاد صالح في المسجد، وورد عليه كتاب أمير المؤمنين السفاح، بإمارته على فلسطين والاستخلاف على مصر، فاستخلف أبا عون مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وسار ومعه عبد الملك بن نصير ملزما، وعدّة من أهل مصر صحابة لأمير المؤمنين، وأقطع الذين سوّدوا قطائع منها: منية بولاق، وقرى إهناس، وغيرها ثم من بعد صالح بن عليّ. سكن أمراء مصر العسكر، وأوّل من سكنه أبو عون، واللّه تعالى أعلم. ذكر العسكر الذي بني بظاهر مدينة فسطاط مصر اعلم: أن موضع العسكر قد كان يعرف في صدر الإسلام بالحمراء القصوى، وقد تقدّم أن الحمراء القصوى كانت خطة بني الأزرق، وبني روبيل، وبني يشكر بن جزيلة، ثم دثرت هذه الخطط بعد العمارة بتلك القبائل، حتى صارت صحراء، فلما قدم مروان بن محدم آخر خلفاء بني أمية إلى مصر منهزما من بني العباس نزلت عساكر صالح بن عليّ، وأبي عون عبد الملك بن يزيد في هذه الصحراء، حيث جبل يشكر حتى ملؤوا الفضاء، وأمر أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة. فلما خرج صالح بن عليّ من مصر خرب أكثر ما بنى فيه إلى زمن موسى بن عيسى الهاشميّ فابتنى فيه دارا أنزل فيها حشمة وعبيده، وعمر الناس، ثم ولي: السريّ بن الحكم، فأذن للناس في البناء، فابتنوا فيه وصار مملوكا بأيديهم، واتصل بناؤه ببناء الفسطاط، وبنيت فيه دار الإمارة، ومسجد جامع عرف بجامع العسكر، ثم عرف بجامع ساحل الغلة، وعملت

стр. 560

الشرطة أيضا في العسكر، وقيل لها: الشرطة العليا، وإلى جانبها بنى أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن، وسمي من حينئذ ذلك الفضاء بالعسكر، وصار أمراء مصر إذا ولوا ينزلون به من بعد أبي عون، فقال الناس من يومئذ: كنا بالعسكر، وخرجنا إلى العسكر، وكتب من العسكر، وصار مدينة ذات محال، وأسواق ودور عظيمة، وفيه بنى أحمد بن طولون مارستانه (١)، فأنفق عليه، وعلى مستغله ستين ألف دينار، وكان بالقرب من بركة قارون التي صارت كيمانا، وبعضها بركة على يسرة من سار من حدرة ابن قميحة يريد قنطرة السدّ، وعلى بركة قارون هذه كانت جنان بني مسكين، وبني كافور الإخشيدي دارا أنفق عليها مائة ألف دينار، وسكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلثمائة، وانتقل منها بعد أيام عليها مائة ألف دينار، وسكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلثمائة، وانتقل منها بعد أيام لوباء وقع في غلمانه من بخار البركة، وعظمت العمارة في العسكر جدّا إلى أن قدم أحمد بن طولون من العراق إلى مصر، فنزل بدار الإمارة من العسكر، وكان لها باب إلى جامع العسكر، وينزلها الأمراء منذ بناها صالح بن عليّ بعد قتله مروان، وما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر، والميدان بالقطائع، فتحوّل من العسكر، وسكن قصره بالقطائع، فلما ولي أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بعد أبيه، جعل دار الإمارة ديوان الخراج، ثم فرّقت حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر، وزوال دولة بني طولون، فسكن محمد بن سليمان بدار الإمارة في العسكر عند المصلى القديم، وكان المصلى القديم حيث الكوم المطلّ الآن على قبر القاضي بكار، وما زالت الأمراء تنزل بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر (٢) من المغرب، وبنى القاهرة المعزية، ولما بنى أحمد بن طولون القطائع اتصلت مبانيها بالعسكر، وبنى جامعه على جبل يشكر، فعمرها هنا لك عمارة عظيمة تخرج عن الحدّ في الكثرة، وقدم جوهر القائد بعساكر مولاه المعز لدين اللّه في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، والعسكر عامر إلاّ أنه منذ بنيت القطائع هجر اسم العسكر، وصار يقال: مدينة الفسطاط والقطائع، وربما قيل: والعسكر أحيانا، فلما خرّب محمد بن سليمان قصر ابن طولون، وميدانه بقي في القطائع مساكن جليلة حيث كان العسكر، وأنزل المعز لدين اللّه عمه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الشدّة العظمى التي كانت في خلافة المستنصر أعوام بضع وخمسين وأربعمائة، فيقال: إنه كان هناك زيادة على مائة ألف دار سوى البساتين، وما هذا ببعيد، فإنّ ذلك كان ما بين سفح الشرف الذي عليه الآن قلعة الجبل، وبين ساحل مصر القديم حيث الآن الكبارة خارج مصر، وما على سمتها إلى كوم الجارح، ومن كوم الجارح إلى جامع ابن طولون، وخط

стр. 561

قناطر السباع، وخط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، ومراغة مصر إلى المعاريج بمصر، وإلى كوم الجارح، ففي هذه المواضع كان العسكر والقطائع، ويخص العسكر من بين ذلك ما بين قناطر السباع، وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح حيث الفضاء الذي يتوسط ما بين قنطرة السدّ، وبين سور القرافة الذي يعرف بباب المجدم، فهذا هو العسكر، ولما استولى الخراب في المحنة أمر ببناء حائط يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا سار من القاهرة إلى مصر، فيما بين العسكر والقطائع، وبين الطريق، وأمر ببناء حائط آخر عند جامع ابن طولون. فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجل المأمون بن البطائحي، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر، بأنّ من كان له دار في الخراب، أو مكان فليعمره، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخر بعد ذلك، فلا حق له ولا حكر يلزمه، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق، وكان سبب هذا النداء أنه لما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ في آخر الشدّة العظمى، وقام بعمارة إقليم مصر، أخذ الناس في نقل ما كان بالقطائع والعسكر من أنقاض المساكن حتى أتى على معظم ما هنا لك الهدم، فصار موحشا، وخرب ما بين القاهرة ومصر من المساكن، ولم يبق هنا لك إلاّ بعض البساتين، فلما نادى الوزير المأمون عمّر الناس ما كان من ذلك، مما يلي القاهرة من جهة المشهد النفيسيّ إلى ظاهر باب زويلة، كما يرد خبر ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى، ونقلت أنقاض العسكر كما تقدّم، فصار هذا الفضاء الذي يتوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة، ومن الجامع الطولونيّ، ومن قنطرة السدّ، ومن باب المجدم في سور القرافة، ويسلك في هذا الفضاء إلى كوم الجارح، ولم يبق الآن من العسكر ما هو عامر سوى جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون، وما حوله من الكبش، وحدرة ابن قميحة إلى خط السبع سقايات، وخط قناطر السباع إلى جامع ابن طولون، وأما سوق الجامع من قبليه، وما وراء ذلك إلى المشهد النفيسيّ، وإلى القبيبات، والرميلة تحت القلعة، فإنما هو من القطائع كما ستقف عليه عند ذكر القطائع، وعند ذكر هذه الخطط، إن شاء اللّه تعالى، وطالما سلكت هذا الفضاء الذي بين جامع ابن طولون، وكوم الجارح، حيث كان العسكر، وتذكرت ما كان هنا لك من الدور الجليلة والمنازل العظيمة، والمساجد والأسواق والحمامات والبساتين والبركة البديعة، والمارستان العجيب، وكيف بادت حتى لم يبق لشيء منها أثر البتة فأنشدت أقول: وبادوا فلا مخبر عنهم … وماتوا جميعا وهذا الخبر فمن كان ذا عبرة فليكن … فطينا ففي من مضى معتبر وكان لهم أثر صالح … فأين هم ثم أين الأثر

стр. 562

وسيأتي لذلك مزيد بيان عند ذكر القطائع، وعند ذكر خط قناطر السباع، وغيره من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. ذكر من نزل العسكر من أمراء مصر من حين بني إلى أن بنيت القطائع إعلم: أنّ أمراء مصر ما برحوا ينزلون فسطاط مصر منذ اختط بعد الفتح إلى أن بنى أب عون العسكر، فصارت أمراء مصر من عهد أبي عون إنما ينزلون بالعسكر، وما برحوا على ذلك إلى أن أنشأ الأمير أبو العباس أحمد بن طولون القصر والميدان والقطائع، فتحوّل من العسكر إلى القصر، وسكن فيه وسكنه الأمراء من أولاده بعده إلى أن زالت دولتهم، فسكن الأمراء بعد ذلك العسكر إلى أن زالت دولة الإخشيدية بقدوم جوهر القائد من المغرب. وأوّل من سكن العسكر من أمراء مصر: أبو عون: عبد الملك بن يزيد من أهل جرجان ولي صلاة مصر وخراجها، باستخلاف صالح بن عليّ له، في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ووقع الوباء بمصر، فهرب أبو عون إلى يشكر، واستخلف صاحب شرطته عكرمة بن عبد اللّه بن عمرو بن قحزم، وخرج إلى دمياط في سنة خمس وثلاثين ومائة، واستخلف عكرمة، وجعل على الخراج: عطاء بن شرحبيل، وخرج القبط بسمنود، فبعث إليهم وقتلهم، وورد الكتاب بولاية صالح بن عليّ على مصر وفلسطين والمغرب، جمعلت له، ووردت الجيوش من قبل أمير المؤمنين السفاح لغزو المغرب. فولي: صالح بن عليّ الثانية على الصلاة والخراج، فدخل لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ومائة، فأقرّ عكرمة على شرطة الفسطاط، وجعل على شرطته بالعسكر: يزيد بن هاني الكنديّ، وولى أبا عون جيوش المغرب، وقدّم أمامه دعاة لأهل إفريقية، وخرج أبو عون في جمادى الآخرة، وجهزت المراكب من الإسكندرية إلى برقة، فمات السفاح في ذي الحجة، واستخلف أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، فأقرّ صالحا، وكتب إلى أبي عون بالرجوع، وردّ الدعاة، وقد بلغوا شبرت (١)، وبلغ أبو عون برقة، فأقام بها أحد عشر يوما، ثم عاد إلى مصر في جيشه، فجهزه صالح إلى فلسطين لحربه فغلب، وسير إلى مصر ثلاثة آلاف رأس، ثم خرج صالح إلى فلسطين، واستخلف ابنه الفضل، فبلغ بلبيس ورجع، ثم خرج لأربع خلون من رمضان سنة سبع وثلاثين، فلقي أبا عون بالفرما، فأمّره على مصر صلاتها وخراجها، ومضى فدخل أبو عون الفسطاط لأربع بقين من رمضان.

стр. 563

فولي: أبو عون ولايته الثانية من قبل صالح بن عليّ، ثم أفرده أبو جعفر بولايتها، وقدم أبو جعفر بيت المقدس، وكتب إلى أبي عون بأن يستخلف على مصر، ويخرج إليه، فاستخلف عكرمة على الصلاة، وعطاء على الخراج، وخرج للنصف من ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين ومائة، فلما صار إلى أبي جعفر ببيت المقدس، بعث أبو جعفر: موسى بن كعب فكانت ولاية أبي عون هذه ثلاث سنين، وستة أشهر. فوليها: موسى بن كعب (١) بن عيينة ابن عائشة أبو عيينة من تميم من قبل أبي جعفر المنصور، وكان أحد نقباء بني العباس، فدخلها لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائة على صلاتها وخراجها، ونزل العسكر وبها الناس من الجند يغدون، ويروحون إليه، كما كانوا يفعلون بالأمراء قبله، فانتهوا عنه حتى لم يكن أحد يلزم بابه، وكان قد اتهم في خراسان بأمر أبي مسلم، فأمر به أسد بن عبد اللّه البجليّ والي خراسان، فألجم بلجام، ثم كسرت أسنانه، فكان يقول بمصر كانت لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلما جاء الخبز ذهبت الأسنان. وكتب إليه أبو جعفر: إني عزلتك من غير سخطة، ولكن بلغني أنّ غلاما يقتل بمصر يقال له: موسى، فكرهت أن تكونه، فكان ذلك موسى بن مصعب زمن المهديّ، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى، فولي موسى بن كعب سبعة أشهر، وصرف في ذي القعدة، واستخلف على الجند ابن خاله ابن حبيب، وعلى الخراج نوفل بن الفرات، وخرج لست بقين منه. فولي: محمد بن الأشعث بن عقبة الخزاعيّ من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج، وقدم لخمس خلون من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين ومائة، وبعث أبو جعفر إلى نوفل بن الفرات: أن اعرض على محمد بن الأشعث ضمان خراج مصر، فإن ضمنه فأشهد عليه، واشخص إليّ، وإن أبى فاعمل على الخراج، فعرض عليه ذلك فأبى، فانتقل نوفل الدواوين، فافتقد ابن الأشعث الناس، فقيل له: هم عند صاحب الخراج، فندم على تسليمه، وعقد على جيش بعث به إلى المغرب لحربه فانهزم، وخرج ابن الأشعث يوم الأضحى سنة اثنتين وأربعين، وتوجه إلى الإسكندرية، واستخلف محمد بن معاوية بن بجير بن رسان صاحب شرطته، ثم صرف ابن الأشعث، فكانت ولايته سنة وشهرا. وولي: حميد بن قحطبة (٢) بن شبيب بن خالد بن سعدان الطائيّ من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج، فدخل في عشرين ألفا من الجند لخمس خلون من رمضان سنة ثلاث

стр. 564

وأربعين ومائة، ثم قدم عسكر آخر في شوّال، وقدم عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن الحسن داعية لأبيه وعمه، فدس إليه حميد، فتغيب، فكتب بذلك إلى أبي جعفر، فصرفه في ذي القعدة، وخرج لثمان بقين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين. فولي: يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة من قبل أبي جعفر على الصلاة والخراج، فقدم على البريد للنصف من ذي القعدة، فاستخلف على الخراج معاوية بن مروان بن موسى بن نصير، وفي إمرته ظهرت دعوة بني الحسن بن عليّ بمصر، وتكلم بها الناس، وبايع كثير منهم لعليّ بن محمد بن عبد اللّه، وطرق المسجد لعشر خلون من شوّال سنة خمس وأربعين، كما يذكر في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى، ثم قدمت الخطباء برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسن بن عليّ في ذي الحجة، فنصبت في المسجد، وورد كتاب أبي جعفر بأمر يزيد بن حاتم بالتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الديوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ست وأربعين ومائة من أجل ليلة المسجد، ومنع يزيد أهل مصر من الحج سنة خمس وأربعين، فلم يحج أحد منهم، ولا من أهل الشام، لما كان بالحجاز من الاضطراب بأمر بني حسن، ثم حج يزيد في سنة سبع وأربعين، واستخلف عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج صاحب شرطته، وبعث جيشا لغزو الحبشة من أجل خارجيّ ظهر هناك، فظفر به الجيش، وقدم رأسه في عدّة رؤوس، فحملت إلى بغداد، وضم يزيد برقة إلى عمل مصر، وهو أوّل من ضمها إلى مصر، وذلك في سنة ثمان وأربعين، وخرج القبط بسخا (١) في سنة خمسين ومائة، فبعث إليهم جيشا، فشتته القبط ورجع منهزما، فصرفه أبو جعفر في ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته سبع سنين وأربعة أشهر. وولي: عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج من قبل أبي جعفر على الصلاة لثنتي عشرة بقيت من ربيع الآخر، وهو أوّل من خطب بالسواد، وخرج إلى أبي جعفر لعشر بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا، ورجع في آخرها، ومات وهو وال مستهلّ صفر سنة خمس وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا، فكانت ولايته سنتين وشهرين. فولي: محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج باستخلاف أخيه، فأقرّه أبو جعفر على الصلاة، ومات وهو وال للنصف من شوّال، فكانت ولايته ثمانية أشهر ونصفا، واستخلف موسى بن عليّ. فولي: موسى بن عليّ بن رباح باستخلاف محمد بن خديج، فأقرّه أبو جعفر على

стр. 565

الصلاة وخرج القبط بهبيب في سنة ست وخمسين، فبعث إليهم وهزمهم، وكان يروح إلى المسجد ماشيا، وصاحب شرطته بين يديه يحمل الحربة، وإذا أقام صاحب الشرطة الجدود يقول له: ارحم أهل البلاد، فيقول: أيها الأمير ما يصلح الناس إلا ما يفعل بهم، وكأن يحدّث، فيكتب الناس عنه، ومات أبو جعفر لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وبويع ابنه محمد المهديّ، فأقرّ موسى بن عليّ إلى سابع عشر ذي الحجّة سنة إحدى وستين ومائة، فكانت ولايته ست سنين وشهرين. وولي: عيسى بن لقمان (١) بن محمد الجمحيّ: من قبل المهديّ على الصلاة والخراج، فقدم لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة سنة إحدى وستين ومائة، وصرف لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومائة فوليها أربعة أشهر. ثم ولي: واضح مولى أبي جعفر من قبل المهديّ على الصلاة والخراج، فدخل لست بقين من جمادى الأولى وصرف في رمضان. فولي: منصور بن يزيد بن منصور الرعينيّ، وهو ابن خال المهديّ على الصلاة، فقدم لإحدى عشرة خلت من رمضان سنة اثنتين وستين ومائة، وصرف للنصف من ذي الحجة، فكان مقامه شهرين وثلاثة أيام. ثم ولي: يحيى بن داود أبو صالح من أهل خراسان من قبل المهديّ على الصلاة والخراج، فقدم في ذي الحجة، وكان أبوه تركيا، وهو من أشدّ الناس، وأعظمهم هيبة، وأقدمهم على الدم، وأكثرهم عقوبة، فمنع من غلق الدروب بالليل، ومن غلق الحوانيت حتى جعلوا عليها شرائح القصب لمنع الكلاب، ومنع حرّاس الحمامات أن يجلسوا فيها، وقال: من ضاع له شيء، فعليّ أداؤه، وكان الرجل يدخل الحمام، فيضع ثيابه، ويقول: يا أبا صالح احرسها، فكانت الأمور على هذا مدّة ولايته، وأمر الأشراف والفقهاء، وأهل النوبات بلبس القلانس الطوال، والدخول بها على السلطان يوم الاثنين والخميس بلا أردية، وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره قال: هو رجل يخافني، ولا يخاف اللّه، فولي إلى المحرّم سنة أربع وستين. وقدم: سالم بن سوادة التميميّ من قبل المهديّ على الصلاة، ومعه أبو قطيعة إسماعيل بن إبراهيم على الخراج لثنتي عشرة خلت من المحرّم. ثم ولي: إبراهيم بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس من قبل المهديّ على الصلاة والخراج، فقدم لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وستين، وابتنى دارا عظيمة
следующие страницы →