← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

التي زعموا أن المسيح صلب عليها، وقد قص عليها ما عمل به اليهود، فحفرت فإذا قبر وثلاث خشبات على شكل الصليب، فزعموا أنهم ألقوا الثلاث خشبات على ميت واحدة بعد واحدة، فقام حيّا عندما وضعت عليه الخشبة الثالثة منها، فاتخذوا ذلك اليوم عيدا، وسمّوه: عيد الصليب، وكان في اليوم الرابع عشر من أيلول والسابع عشر من توت، وذلك بعد ولادة المسيح بثلاثمائة وثمان وعشرين سنة، وجعلت هيلانة لخشبات الصليب غلافا من ذهب، وبنت كنيسة القيامة (١) ببيت المقدس على قبر المسيح بزعمهم، وكانت لها مع اليهود أخبار كثيرة قد ذكرت عندهم، ثم انصرفت بالصليب معها إلى ابنها، وما زال قسطنطين على ممالك الروم إلى أن مات بعد أربع وعشرين سنة من ولايته، فقام من بعده بممالك الروم ابنه قسطنطين الأصغر، وقد كان لعيد الصليب بمصر موسم عظيم يخرج الناس فيه إلى بني وائل بظاهر فسطاط مصر، ويتظاهرون في ذلك اليوم بالمنكرات من أنواع المحرّمات، ويمرّ لهم فيه ما يتجاوز الحدّ، فلما قدمت الدولة الفاطمية إلى ديار مصر، وبنوا القاهرة، واستوطنوها، وكانت خلافة أمير المؤمنين العزيز بالله أمر في رابع شهر رجب في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وهو يوم الصليب، فمنع الناس من الخروج إلى بني وائل وضبط الطرق والدروب، ثم لما كان عيد الصليب في اليوم الرابع عشر من شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة خرج الناس فيه إلى بني وائل، وجروا على عادتهم في الاجتماع واللهو، وفي صفر سنة اثنتين وأربعمائة قرئ في سابعه سجل بالجامع العتيق وفي الطرقات كتب عن الحاكم بأمر اللّه يشتمل على منع النصارى من الاجتماع على عمل عيد الصليب، وأن لا يظهروا بزينتهم فيه، ولا يقربوا كنائسهم، وأن يمنعوا منها ثم بطل ذلك، حتى لم يكد يعرف اليوم بديار مصر البتة. النيروز: هو أوّل السنة القبطية بمصر، وهو أوّل يوم من توت، وسنتهم فيه إشعال النيران، والتراش بالماء، وكان من مواسم لهم المصريين قديما وحديثا. قال ابن وهب: بردت النار في الليلة التي ألقي فيها إبراهيم، وفي صبيحتها على الأرض كلها، فلم ينتفع بها أحد في الدنيا تلك الليلة، وذلك الصباح، فمن أجل ذلك بات الناس على النار في تلك الليلة التي رمي فيها إبراهيم ﵇، ووثبوا عليها، وتبخروا بها، وسموا تلك الليلة: نيروزا، والنيروز في اللسان السرياني: العيد. وسئل ابن عباس عن النيروز لم اتخذوه عيدا، فقال: إنه أوّل السنة المستأنفة وآخر السنة المنقطعة، فكانوا يستحبون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطرف، والهدايا، فاتخذته الأعاجم سنّة. قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر في تاريخ دمشق من طريق ابن عباس رضي اللّه

стр. 492

عنهما، قال: إنّ فرعون لما قال للملأ من قومه: إن هذا لساحر عليم، قالوا له: ابعث إلى السحرة، فقال فرعون لموسى: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن، ولا أنت، فتجتمع أنت وهارون وتجتمع السحرة، فقال موسى: موعدكم يوم الزينة، قال: ووافق ذلك يوم السبت في أوّل يوم من السنة، وهو يوم النيروز، وفي رواية: أن السحرة قالوا لفرعون: أيها الملك واعد الرجل، فقال: قد واعدته يوم الزينة، وهو عيدكم الأكبر، ووافق ذلك يوم السبت، فخرج الناس لذلك اليوم، قال: والنوروز أوّل سنة الفرس، وهو الرابع عشر من آذار، وفي شهر برمهات، ويقال: أوّل من أحدثه جمشيد (١) من ملوك الفرس، وإنه ملك الأقاليم السبعة، فلما كمل ملكه، ولم يبق له عدوّ اتخذ ذلك اليوم عيدا، وسماه نوروزا في اليوم الجديد، وقيل: إن سليمان بن داود ﵉، أوّل من وضعه في اليوم الذي رجع إليه فيه خاتمه، وقيل: هو اليوم الذي شفي فيه أيوب ﵇، وقال اللّه له: ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ [ص/ ٤٢] فجعل ذلك اليوم عيدا، وسنّوا فيه رش الماء، ويقال: كان بالشام سبط من بني إسرائيل أصابهم الطاعون، فخرجوا إلى العراق، فبلغ ملك العجم خبرهم، فأمر أن تبنى عليهم حظيرة يجعلون فيها، فلما صاروا فيها ماتوا، وكانوا أربعة آلاف رجل، ثم إن اللّه تعالى أوحى إلى نبيّ ذلك الزمان أرأيت بلاد كذا وكذا، فحاربهم بسبط بني فلان، فقال: يا رب كيف أحارب بهم، وقد ماتوا، فأوحى اللّه إليه: إني أحييهم لك، فأمطرهم اللّه ليلة من الليالي في الحظيرة، فأصبحوا أحياء فهم الذين قال اللّه فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اَللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة/ ٢٤٣] فرفع أمرهم إلى ملك فارس، فقال: تبرّكوا بهذا اليوم، وليصب بعضكم على بعض الماء، فكان ذلك اليوم يوم النوروز، فصارت سنّة إلى اليوم، وسئل الخليفة المأمون عن رش الماء في النوروز، فقال قول اللّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ اَلْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اَللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة/ ٢٤٣] هؤلاء قوم أجدبوا تقول مات فلان هزالا فغيثوا في هذا اليوم برشة من مطر فعاشوا، فأخصب بلدهم، فلما أحياهم اللّه بالغيث، والغيث يسمى الحيا جعلوا صب الماء في مثل هذا اليوم سنّة يتبرّكون بها إلى يومنا هذا. وقد روي: أن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون، وقيل: أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم اللّه ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل في خبر طويل قد ذكره أهل التفسير.

стр. 493

وقال عليّ بن حمزة الأصفهانيّ (١) في كتاب أعياد الفرس: إنّ أوّل من اتخذ النيروز، جمشيد، ويقال: جمشاد أحد ملوك الفرس الأول، ومعنى النوروز اليوم الجديد، والنوروز عند الفرس يكون يوم الاعتدال الربيعيّ، كما أنّ المهرجان أوّل الاعتدال الخريفيّ، ويزعمون أن النوروز أقدم من المهرجان، فيقولون: إن المهرجان كان في أيام أفريدون، وإنه أوّل من عمله لما قتل الضحاك، وهو بيوراست، فجعل يوم قتله عيدا سماه المهرجان، وكان حدوثه بعد النوروز بألفي سنة وعشرين سنة. وقال ابن وصيف شاه في ذكر مناوش بن منقاوش أحد ملوك القبط في الدهر القديم: وهو أوّل من عمل النوروز بمصر، فكانوا يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكراما للكواكب. وقال ابن رضوان: ولمّا كان النيل هو السبب الأعظم في عمارة أرض مصر، رأى المصريون القدماء، وخاصة الذين كانوا في عهد قلديانوس الملك أن يجعلوا أوّل السنة في أوّل الخريف عند استكمال النيل الحاجة في الأمر الأكثر، فجعلوا أوّل شهورهم توت، ثم بابه ثم هاتور، وعلى هذا الولاء بحسب المشهور من ترتيب هذه الشهور. وقال ابن زولاق: وفي هذه السنة، يعني سنة ثلاث وستين وثلثمائة، منع أمير المؤمنين المعز لدين اللّه من وقود النيران ليلة النوروز في السكك، ومن صبّ الماء يوم النوروز. وقال: في سنة أربع وستين، وفي يوم النوروز زاد اللعب بالماء، ووقود النيران، وطاف أهل الأسواق، وعملوا فيه وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، ولعبوا ثلاثة أيام، وأظهروا السماجات والحلي في الأسواق، ثم أمر المعز بالنداء بالكف، وأن لا توقد نار، ولا يصب ماء، وأخذ قوم فحبسوا، وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال. وقال ابن المأمون في تاريخه: وحلّ موسم النوروز في اليوم التاسع من رجب سنة سبع عشرة وخمسمائة، ووصلت الكسوة المختصة بالنوروز من الطراز، وثغر الإسكندرية مع ما يتبعها من الآلات المذهبة، والحريري والسوادج، وأطلق جميع ما هو مستقرّ من الكسوات الرجالية والنسائية والعين والورق، وجميع الأصناف المختصة بالموسم على اختلافها بتفصيلها، وأسماء أربابها، وأصناف النوروز البطيخ والرمان، وعناقيد الموز، وأفراد البسر، وأقفاص التمر القوصي، وأقفاص السفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدجاج، ومن لحم الضأن، ومن لحم

стр. 494

البقر من كل لون بكلة مع حبرير مارق، قال: وأحضر كاتب الدفتر الحسابات بما جرت به العادة من إطلاق العين والورق، والكسوات على اختلافها في يوم النوروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو أربعة آلاف دينار ذهبا وخمسة عشر ألف درهم فضة، والكسوات عدّة كثيرة من شقق ديبقية مذهبات وحريريات، ومعاجر وعصائب نسائيات ملوّنات وسقولاد مذهب وحريري، ومسفع، وفوط ديبقية حريرية، فأما العين والورق والكسوات، فذلك لا يخرج عمن تحوزه القصور، ودار الوزارة والشيوخ والأصحاب، والحواشي والمستخدمين ورؤساء العشاريات، وبحاريها، ولم يكن لأحد من الأمراء على اختلاف درجاتهم في ذلك نصيب. وأما الأصناف من البطيخ والرّمان والبسر والموز والسفرجل والعناب والهرائس على اختلافها، فيشمل ذلك جميع من تقدّم ذكرهم، ويشركهم فيه جميع الأمراء أرباب الأطواق والإنصاف وغيرهم من الأماثل، والأعيان من له جاه، ورسم في الدولة. وقال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة أربع وثمانين وخمسمائة يوم الثلاثاء رابع عشر رجب يوم النوروز القبطيّ، وهو مستهلّ توت، وتوت أوّل سنتهم، وقد كان بمصر في الأيام الماضية والدولة الخالية من مواسم بطالاتهم، ومواقيت ضلالاتهم، فكانت المنكرات ظاهرة فيه، والفواحش صريحة فيه، ويركب فيه أمير موسوم بأمير النوروز، ومه جمع كثير، ويتسلط على الناس في طلب رسم رتبه، ويرسم على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير، ويندب مرسمين كل ذلك يخرج مخرج الطير، ويقنع بالميسور من الهبات، ويجتمع المغنون، والفاسقات تحت قصر اللؤلؤ بحيث يشاهدهم الخليفة، وبأيديهم الملاهي، وترتفع الأصوات، ويشرب الخمر والمزر شربا ظاهرا بينهم، وفي الطرقات، ويتراش الناس بالماء، وبالماء والخمر، وبالماء ممزوجا بالأقذار، وإن غلط مستور، وخرج من بيته لقيه من يرشه، ويفسد ثيابه، ويستخف بحرمته، فإمّا أن يفدي نفسه، وإمّا أن يفضح، ولم يجر الحال على هذا، ولكن قد رش الماء في الحارات، وقد أحيى المنكرات في الدور أرباب الخسارات. وقال في متجدّدات سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: وجرى الأمر في النوروز على العادة من رش الماء، واستجدّ فيه هذا العام التراجم بالبيض، والتصافع بالأنطاع، وانقطع الناس عن التصرّف، ومن ظفر به في الطريق رش بمياه نجسة، وخرق به، وما زال يوم النوروز يعمل فيه ما ذكر من التراش بالماء، والتصافع بالجلود، وغيرها إلى أن كانت أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، وأمر الدولة بديار مصر، وتدبيرها إلى الأمير الكبير برقوق (١) قبل

стр. 495

أن يجلس على سرير الملك، ويتسمى بالسلطان، فمنع من لعب النوروز، وهدّد من لعبه بالعقوبة، فانكف الناس عن اللعب في القاهرة، وصاروا يعملون شيئا من ذلك في الخلجان، والبرك، ونحوها من مواضع التنزه، بعد ما كانت أسواق القاهرة تتعطل في يوم النوروز زمن البيع والشراء، ويتعاطى الناس فيه من اللهو واللعب ما يخرجون عن حدّ الحياء والحشمة إلى الغاية من الفجور والعهور، وقلما انقضى يوم نوروز إلاّ وقتل فيه قتيل أو أكثر، ولم يبق الآن للناس من الفراغ ما يقتضي ذلك، ولا من الرفه والبطر ما يوجب لهم عمله، وما أحسن قول بعضهم: كيف ابتهاجك بالنوروز يا سكني … وكل ما فيه يحكيني وأحكيه فتارة كلهيب النار في كبدي … وتارة كتوالي دمعتي فيه وقال آخر: نوروز الناس ونورزت ولكن بدموعي وذكت نارهم والنار ما بين ضلوعي وقال آخر: ولما أتى النوروز يا غاية المنى … وأنت على الأعراض والهجر والصدّ بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحشا … فنورزت صبحا بالدموع على الخدّ ذكر ما يوافق أيام الشهور القبطية من الأعمال في الزراعات، وزيادة النيل، وغير ذلك على ما نقله أهل مصر عن قدمائهم واعتمدوا عليه في أمورهم اعلم: أنّ المصريين القدماء اعتمدوا في تاريخهم السنة الشمسية كما تقدّم ذكره ليصير الزمان محفوظا، وأعمالهم واقعة في أوقات معلومة من كل سنة، لا يتغير وقت عمل من أعمالهم بتقديم ولا تأخير البتة. توت: بالقبطيّ هو أيلول، وكانت عادة مصر مذ عهد فراعنتها في استخراج خراجها، وجباية أموالها إنه لا يستتم استيفاء الخراج من أهلها، إلاّ عند تمام الماء، وافتراشه على سائر أرضها، ويقع إتمامه في شهر توت، فإذا كان كذلك، وربما كانت زيادة عن ذلك أطلق الماء في جميع نواحيها من ترعها، ثم لا يزال يترجح في الزيادة والنقصان، حتى يفرغ توت، وفي أوّل يكون يوم النوروز، ورابعه أوّل أيلول، وسابعه يلقط الزيتون، وثاني عشره

стр. 496

يطلع الفجر بالصرفة (١)، وسابع عشره عيد الصليب، فيشرط البلسان، ويستخرج دهنه، ويفتح ما يتأخر من الأبحر والترع، وترتب المدامسة لحفظ الجسور، وفي ثامن عشرة تنقل الشمس إلى برج الميزان، فيدخل فصل الخريف، وفي خامس عشريه يطلع الفجر بالعوّا (٢)، ويكبر صغار السمك، وفي هذا الشهر يعم ماء النيل أراضي مصر، وفيه تسجل النواحي، وتسترفع السجلات والقوانين، وتطلق التقاوي من الغلال لتخضير الأراضي، وفيه يدرك الرّمان والبسر والرطب والزيتون والقطن والسفرجل، وفيه يكون هبوب ريح الشمال أقوى من هبوب ريح الجنوب، وهبوب الصبا أقوى من الدبور، وكان قدماء المصريين لا ينصبون فيه أساسا وفيه يكثر بمصر العنب الشتويّ وتبذر المحمضات. بابه: في أوّله يحصد الأرز، ويزرع الفول والبرسيم، وسائر الحبوب التي لا تشق لها الأرض، وفي رابعه أوّل تشرين الأوّل، وفي ثامنه طلوع الفجر بالسماك (٣)، وهو نهاية زيادة النيل، وابتداء نقصه، وقد لا يتم الماء فيه، فيعجز بعض الأرض عن أن يركبها الماء، فيكون من ذلك نقص الخراج عن الكمال، وفي تاسعه يكون مجيء الكراكي إلى أرض مصر، وفي عاشره يزرع الكتان، وفي ثاني عشره يكون ابتداء شق الأرض بصعيد مصر لبذر القمح، والشعير، وفي ثامن عشره تنقل الشمس إلى برج العقرب، ويقطع الخشب، وفي تاسع عشره يكون ابتداء نقص ماء النيل، ويكثر البعوض، وفي حادي عشريه يطلع الفجر بالغفر (٤). وفي هذا الشهر تصرف المياه عن الأراضي، ويخرج المزارعون لتخضير الأراضي فيبدأون ببذر زراعة القرط، ثم بزراعة الغلة البدرية أوّلا فأوّلا، وفيه يستخرج دهن الآس، ودهن النيلوفر، ويدرك التمر والزبيب والسمسم والقلقاس، وفيه يكثر صغار السمك، ويقل كباره، ويسمن الراي، والأبرميس من السمك خاصة، وتستحكم حلاوة الرّمان، ويكون فيه أطيب منه في سائر الشهور التي يكون فيها، ويضع الضأن والمعز والبقر الخيسية، وفيه يملح السمك المعروف بالبوري، ويهزل الضأن والمعز والبقر، ولا تطيب لحومها، وتدر المحمضات، وفيه يجب كتابة التذاكر بالأعمال القوصية، وفيه يغرس المنثور، ويزرع السلجم. هاتور: في خامسه يكون أوّل تشرين الثاني، ويطلع الفجر بالزبانا (٥) في رابعه، وفي سادسه يزرع الخشخاش، وفي سابعه يصرف ماء النيل عن أراضي الكتان، ويبذر في النصف منه، وبعد تمام شهر يسبخ، وفي ثامنه أوان المطر الموسمي، وفي حادي عشره تهب ريح الجنوب، وفي خامس عشره تبرد المياه بمصر، وفي سابع عشره يطلع الفجر بالإكليل (٦)، وفي ثامن عشره تحل الشمس برج القوس، وفي تاسع عشره يغلق

стр. 497

البحر الملح، وفي سابع عشريه تهب الرياح اللواقح. وفي هذا الشهر يلبس أهل مصر الصوف من سابعه، وفيه يكسر ما يحتاج إليه من قصب السكر برسم المعاصر، وبراح الغلة في جميع ما يحتاج إليه فيها، ويهتم بعلف أبقارها وجمالها بعد بيع شارفها وعاجزها، والتعويض عنه بغيره، وأفراد الأتيان برسم وقود القنود، وترتيب القوامصة لعمل الأباليح والقواديس، والأمطار برسم القنود، والأعسال، وفيه يدرك البنفسج، والنيلوفر، والمنثور، ومن البقولات الإسباناخ والبلسان، واختار قدماء المصريين في هاتور نصب الأساسات، وزرع القمح، وأطيب حملان السنة حمله، وفيه يكثر العنب الذي كان يحمل من قوص. كهيك: أوّله الأربعينات بمصر، ويدخل الطير وكره، وفي سادسه بشارة مريم بحمل عيسى ﵉، وفي سابعه أوّل كانون الأول، وفي عاشره آخر الليالي البلق، وأوّلها أوّل هاتور، وفي حادي عشره أوّل الليالي السود، ويدخل النمل الأحجرة، وفي ثالث عشره يطلع الفجر بالشولة (١)، وتظهر البراغيث، ويسخن باطن الأرض، وفي سادس عشره يسقط ورق الشجر، وفي سابع عشرة تنقل الشمس إلى برج الجدي، فيدخل فصل الشتاء، ويزرع الهليون، وفي حادي عشريه يكون آخر الليالي البلق، وفي ثاني عشريه عيد البشارة، وفي ثالث عشريه تزرع الحلبة والترمس، وفي سادس عشريه يطلع الفجر بالنعائم (٢)، وفي ثامن عشريه يبيض النعام، وفي تاسع عشريه الميلاد. وفي هذا الشهر يزرع الخيار بعد إغراق أرضه، وفيه يتكامل بذر القمح والشعير والبرسيم الحراثيّ، وفيه يستخرج خراج البرسيم بدار الوجه القبليّ، وفيه ترتب حراس الطير، وفيه كسر قصب السكر واعتصاره، واستخدام الطباخين لطبخ القنود، وفيه يكون إدراك النرجس، والمحمضات، والفول الأخضر، والكرنب والجزر والكرّاث الأبيض واللفت، وفيه يقل هبوب ريح الشمال، ويكثر هبوب ريح الجنوب، وفيه يجود الجدا، ويكون أطيب منها في جميع الشهور التي يكون فيها، وفيه يزرع أكثر حبوب الحرث، ولا يزرع بعده في شيء من أرض مصر غير السمسم، والمقاثي والقطن. طوبه: في ثالثه ابتداء زراعة الحمص والجلبان والعدس، وفي سادسه أوّل كانون الثاني، وفي تاسعه يطلع الفجر بالبلد (٣)، وعاشره صوم الغطاس، وحادي عشره الغطاس، وفي ثاني عشره يشتدّ البرد، وفي رابع عشره يرتفع الوباء بمصر، ويغرس النخل، وفي سابع عشره تحل الشمس أوّل برج الدلو، ويكثر الندى، ويكون ابتداء غرس الأشجار، وفي العشرين منه يكون آخر الليالي السود، وحادي عشريه الليالي البلق الثانية، وفي ثاني عشريه

стр. 498

يطلع الفجر بسعد الذابح (١)، وفي ثالث عشريه تهب الرياح الباردة، وفي رابع عشريه تفرخ جوارح الطير، وفي خامس عشريه يكون نتاج الإبل المحمودة، وفي سابع عشريه يصفو ماء النيل، وفي ثامن عشريه يتكامل إدراك القرط. وفي هذا الشهر تقلم الكروم، وينظف زرع الغلة من اللبسان وغيره، وينظف زرع الكتان من الفجل وغيره، وفيه تبرش الأراضي أوّل سكة برسم الصيافي والمقائي والقطن والسمسم، وينتهي برشها في أوّل أمشير، وفيه تسقى أرض القلقاس والقصب، وتشق الجسور في آخره، وفيه تستخرج أراضي الخرس، ويكسر القصب الراس بعد إفراز ما يحتاج إليه من الزريعة، وهو لكل فدّان طين قيراط طيب قصب راس، وفيه يهتم بعمارة السواقي وحفر الآبار، وابتياع الأبقار، وفيه يظهر اللوز الأخضر والنبق والهليون، وفيه أيضا يكون هبوب ريح الجنوب أكثر من هبوب الشمال، وهبوب الصبا أكثر من هبوب الدبور، وفيه يكون الباقلا الأخضر والجزر أطيب منهما في غيره، وفيه يتناهى ماء النيل في صفائه، ويخزن فلا يتغير في أوانيه، ولو طال لبثه فيها، وفيه تطيب لحوم الضأن أطيب منها في سائر الشهور، وفيه تربط الخيول والبغال على القرط من أجل ربيعها، وبطوبه يطالب الناس بافتتاح الخراج، ومحاسبة المتقبلين على الثمن من السجلات من جميع ما بأيديهم من المحلول والمعقود. أمشير: في أوّله تختلف الرياح، وفي خامسه يطلع الفجر بسعد بلع (٢)، وفي سادسه يكون أوّل شباط، وفي تاسعه يجري الماء في العود، وحادي عشره أوّل جمرة باردة، وسادس عشره تحل الشمس بأوّل برج الحوت، وفي سابع عشره يخرج النمل من الأحجرة، وفي ثامن عشره يطلع الفجر بسعد السعود (٣)، وفي العشرين منه ثاني جمرة فاترة، وفي ثالث عشريه تقلم الكروم، وخامس عشريه يفرخ النحل، وسابع عشريه ثالث جمرة حامية، ويورق الشجر، وهو آخر غرسها، وفي آخره يكون آخر الليالي البلق. وفي هذا الشهر يقلع السلجم، ويستخرج خراجه، وفيه يثنى برش الصيافي وتبرش أيضا ثالث سكة، وفيه يعمل مقاطع الجسور، وتمسح الأراضي، ويرقد البيض في المعامل أربعة أشهر آخرها بشنس، وفيه يكون ريح الشمال أكثر الرياح هبوبا، وفيه ينبغي أن تعمل أواني الخزف للماء لتستعمل فيه طول السنة، فإنّ ما عمل فيه من أواني الخزف يبرّد الماء في الصف أكثر من تبريد ما يعمل في غيره من الشهور، وفيه يتكامل غرس الشجر، وتقليم الكروم، وفيه يدرك النبق واللوز الأخضر، ويكثر البنفسج والمنثور. ويقال: أمشير يقول للزرع سير، ويلحق بالطويل القصير، وفيه يقل البرد، ويهب الهواء الذي فيه سخونة ما، وفي أمشير يؤخذ الناس فيه بإتمام ربع الخراج من السجلات. برمهات: أوّل يوم منه يطلع الفجر بالأخبية (٤)، وفي خامسه يحضن دود القز،

стр. 499

وسادسه يزرع السمسم، وثاني عشره يقلع الكتان، ورابع عشره يكون أوّل الأعجاز، ويطلع الفجر بالفرغ المقدّم (١)، وفي سادس عشره تفتح الحيات أعينها، وفي سابع عشره تنقل الشمس إلى برج الحمل، وهو أوّل فصل الربيع، ورأس سنة الجند، ورأس سنة العالم، وفي العشرين منه يكون آخر الإعجاز، وثاني عشريه نتاج الخيل المحمودة وثالث عشريه يظهر الذباب الأزرق، وخامس عشريه تظهر هوام الأرض، وسابع عشريه يطلع الفجر بالفرغ المؤخر (٢)، وفي آخره يتفرّق السحاب. وفي هذا الشهر تجري المراكب السفرية في البحر الملح إلى ديار مصر من المغرب والروم، ويهتم فيه بتجريد الأجناد إلى الثغور كالإسكندرية ودمياط وتنيس ورشيد، وفيه كانت تجهز الأساطيل، ومراكب الشواني لحفظ الثغور، وفيه زرع المقائي والصيفيّ، ويدرك الفول والعدس، ويقلع الكتان، وتزرع أقصاب السكر في الأرض المبروشة المختارة لذلك البعيدة العهد عن الزراعة، ويأخذ المقشرون في تنظيف الأرض المزروعة من القش في وقت الزراعة، ويأخذ القطاعون في قطع الزريعة، ويأخذ المزارعون في رمي قطع القصب، وفيه يؤخذ في تحصيل النطرون وحمله من وادي هبيت إلى الشونة السلطانية، وفيه يكون ريح الشمال أكثر الرياح هبوبا، وفيه تزهر الأشجار، وينعقد أكثر ثمارها، وفيه يكون اللبن الرائب أطيب منه في جميع الشهور التي يعمل فيها، وفي برمهات يطالب الناس بالربع الثاني، والثمن من الخراج. برموده: في سادسه أوّل نيسان، وفي عاشره يطلع الفجر بالرشاء (٣)، وفي ثاني عشره يقلع الفجل، وفي سابع عشره تحل الشمس أوّل برج الثور، وفي ثالث عشريه يطلع الفجر بالشرطين (٤)، وهو رأس الحمل، وأوّل منازل القمر، وفيه ابتداء كسار الفول، وحصاد القمح، وهو ختام الزرع. وفي هذا الشهر يهتم بقطع خشب السنط من الخراج الذي كان بمصر في القديم أيام الدولة الفاطمية والأيوبيّة، ويجرّ إلى السواحل لتيسر حمله في زمن النيل إلى ساحل مصر ليعمل شواني وأحطابا برسم الوقوع في المطابخ السلطانية، وفيه يكثر الورد، ويزرع الخيار شنبر والملوخيا والباذنجان، وفيه يقطف أوائل عسل النحل، وينفض بزر الكتان، وأحسن ما يكون الورد فيه من جميع زمانه، وفيه يظهر البطن الأوّل من الجميز، وفيه تقع المساحة على أهل الأعمال، ويطالب الناس بإغلاق نصف الخراج من سجلاتهم، ويحصد بدريّ الزرع. بشنس: في خامسه تكثر الفاكهة، وسادسه أوّل أيار، وفيه طلوع الفجر بالبطين (٥)،

стр. 500

وثامنه عيد الشهيد، وتاسعه انفتاح البحر المالح، ورابع عشره يزرع الأرز، وثامن عشره تحل الشمس أوّل بزرج الجوزاء، وفيه يطيب الحصاد، وفي تاسع عشره يطلع الفجر بالثريا (١)، وفيه زراعة الأرز والسمسم، ورابع عشريه يكون عيد البلسان بالمطرية، ويزعمون أنه اليوم الذي دخلت فيه مريم إلى مصر. وفي هذا الشهر يكون دراس الغلة، وهدار الكتان، ونفض البزر، والنقاوي والأتبان، وحملها، وفيه زراعة البلسان وتقليمه وسقيه، وتكريم أراضيه من بؤونة إلى آخر هاتور، واستخراج دهنه بعد شرطه في نصف توت، وإن كان في أوّله، فهو أصلح إلى آخر هاتور، وصلاح أيامه أيام الندى، ويقيم في الندى سنة كاملة إلى أن يشرب إعكاره، وأوساخه، ويطبخ الدهن في الفصل الربيعيّ في شهر برمهات، فيعمل لكل رطل مصريّ أربعة وأربعون رطلا من مائة، فيحصل منه قدر عشرين درهما، وما حولها من الدهن. وفي هذا الشهر أكثر ما يهب من الرياح الشمالية، وفيه يدرك التفاح القاسمي، ويبتدي فيه التفاح المسكي، والبطيخ العبدلي، ويقال: إنه أوّل ما عرف بمصر عندما قدم إليها عبد اللّه بن طاهر بعد المائتين من سني الهجرة، فنسب إليه، وقيل له العبدليّ، وفيه أيضا يبتدئ البطيخ الجربيّ والمشمس والخوخ الزهريّ، ويجني الورد الأبيض، وفيه تقرّر المساحة، ويطالب الناس بما يضاف إلى المساحة من أبواب، وجوه المال كالصرف والجهبذة، وحق المراعي والقرط والكتان على رسوم كل ناحية، ويستخرج فيه إتمام الربع مما تقرّرت عليه العقود، والمساحة ويطلق الحصاد لجميع الناس. بؤونة: في ثانية يطلع الفجر بالدبران (٢)، وفي خامسه يتنفس النيل، وفي تاسعه أوان قطف النحل، وفي حادي عشره تهب رياح السموم، وفي ثاني عشره عيد ميكائيل، فيؤخذ قاع النيل، وفي ثالث عشره يشتدّ الحرّ، وفي خامس عشره يطلع الفجر بالهنعة (٣)، وفي عشريه تحل الشمس أوّل برج السلطان، وهو أوّل فصل الصيف، وفي سابع عشريه ينادى على النيل بما زاده من الأصابع، وفي ثامن عشريه يطلع الفجر بالهقعة (٤). وفي هذا الشهر تسفر المراكب لإحضار الغلال والتبن والقنود والأعسال، وغير ذلك من الأعمال القوصية، ونواحي الوجه البحريّ، وفيه يقطف عسل النحل، وتخرّص الكروم، ويستخرج زكاتها، وفيه يندّى الكتان، ويقلب أربعة أوجه في بؤونة وأبيب، وفيه زراعة النيلة بالصعيد الأعلى، وتحصد بعد مائة يوم، ثم تترك وتحصد في كل مائة يوم حصدة، ويحصل في أوّل كيهك وطوبة وأمشير وبرمهات، ويطلع في برمودة، وتحصد في عشرة أيام من أبيب، وتقيم في الأرض الجيدة ثلاث سنين، وتسقي كل عشرة أيام دفعتين، وثاني سنة ثلاث دفعات، وثالث سنة أربع دفعات، وفي هذا الشهر يكون التين الفيوميّ والخوخ الزهريّ والكمثرى والقراصيا والقثاء والبلح والحصرم، ويبتدئ إدراك العصفر، وفيه يدخل

стр. 501

بعض العنب ويطيب التوت الأسود، ويقطف جمهور العسل، فتكون رياحه قليلة والتين يكون فيه أطيب منه في سائر الشهور، وفيه يطلع النخل، وفيه يستخرج تمام نصف الخراج مما بقي بعد المساحة. أبيب: في سابعه أوّل تموز، وفي عاشره آخر قطع الخشب، وفي حادي عشره يطلع الفجر بالذراع (١)، وثاني عشره ابتداء تعطين الكتان، وفي خامس عشره يقلّ ماء الآبار، وتدرك الفواكه، ويموت الدود، وفي حادي عشريه تحل الشمس بأوّل برج الأسد، وتذهب البراغيث ويبرد باطن الأرض، وتهيج أوجاع العين، وفي خامس عشريه يطلع الفجر بالنثرة (٢)، وفي سادس عشريه تطلع الشعرى (٣) العبور اليمانية. وفي هذا الشهر أكثر ما يهب من الرياح الشمال، ويكثر فيه العنب، ويجود، وفيه يطيب التين المقرون بمجيء العنب، ويتغير البطيخ العبدليّ، وتقل حلاوته، وتكثر الكمثرى السكرية، ويطيب البلخ، وفيه يقطف بقايا عسل النحل، وتقوى زيادة ماء النيل، فيقال: في أبيب يدب الماء دبيب، وفيه ينقع الكتان بالمبلات، ويباع برسيم البذر برسم زراعة القرط والكتان، وفيه تدرك ثمرة العنب، ويحصد القرطم، وفيه تستتم ثلاثة أرباع الخراج. مسرى: في سابعه يطلع الفجر بالطرف (٤)، وفي ثامنه أوّل آب، وفي حادي عشره يجمع القطن، وفي رابع عشره يحمي الماء، ولا يبرد، وفي سابع عشره استكمال الثمار، وفي عشريه يطلع الفجر بالجبهة (٥)، وفي حادي عشريه تحلّ الشمس برج السنبلة، وفي ثالث عشريه يتغير طعم الفاكهة لغلبة ماء النيل على الأرض، وفي خامس عشريه يكون آخر السموم، وفي تاسع عشريه يطلع سهيل (٦) بمصر. وفي هذا الشهر يكون وفاء النيل ستة عشر ذراعا في غالب السنين، حتى قيل: إن لم يوف النيل في مسرى فانتظره في السنة الأخرى، وفيه يجري ماء النيل في خليج الإسكندرية، ويسافر فيه المراكب بالغلال والبهار والسكر، وسائر أصناف المتاجر، وفيه يكثر البسر، وكانوا يخرّصون النخل، ويخرجون زكاة الثمار في هذا الشهر عندما كانت الزكوات يجيبها السلطان من الرعية، وأكثر ما يهب في هذا الشهر ريح الشمال، وفيه يعصر قبط مصر الخمر، ويعمل الخل من العنب، وفيه يدرك الموز وأطيب ما يكون الموز بمصر في هذا الشهر، وفيه يدرك الليمون التفاحي، وكان من جملة أصناف الليمون بأرض مصر ليمون يقال له: التفاحيّ يؤكل بغير سكر لقلة حمضه، ولذة طعمه، وفيه يكون ابتداء إدراك الرّمان، وإذا انقضت أيام مسرى ابتدأت أيام النسيء ففي أوّلها ابتداء هيج النعام، وفي

стр. 502

رابعها يطلع الفجر بالخراتان، وفي مسرى يغلق الفلاحون خراج أراضي زراعاتهم، وكانوا يؤخرون البقايا على دق الكتان في مسرى وأبيب، لأنّ الكتان يبلّ في توت، ويدق في بابه. ذكر تحويل السنة الخراجية القبطية إلى السنة الهلالية العربية وكيف عمل ذلك في الإسلام؟ قد تقدّم فيما سلف من هذا الكتاب التعريف بالسنة الشمسية، والسنة القمرية، وما للأمم في كبس السنين من الآراء، فما جاء اللّه تعالى بالإسلام تحرّز المسلمون من كبس السنين خشية الوقوع في النسيء الذي قال اللّه فيه: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة/ ٣٧]، ثم لما رأوا تداخل السنين القمرية في السنين الشمسية، أسقطوا عند رأس كل اثنتين وثلاثين سنة قمرية، وسموا ذلك الازدلاق لأنّ لكل ثلاث وثلاثين سنة قمرية، اثنتين وثلاثين سنة شمسية بالتقريب، وسأتلوا عليك من نبأ ذلك ما لم أره مجموعا. قال أبو الحسين عبد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد طلحة الموفق ابن المتوكل، ومنه نقلت، وخرج أمر المعتضد في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين، ومائتين بتصيير النوروز لإحدى عشرة ليلة خلت من حزيران رأفة بالرعية، وإيثارا لإرقاقها، وقالوا: خرج التوقيع في المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين بإنشاء الكتب إلى جميع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النوروز الفارسيّ الذي يقع يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وأن يجعل ما يفتتح من خراج سنة اثنتين وثمانين ومائتين يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة تخلو من شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وهو اليوم الحادي عشر من حزيران، ويسمى هذا النوروز المعتضديّ ترفيها لأهل الخراج ونظرا لهم. ونسخة التوقيع الخارج في تصيير افتتاح الخراج في حزيران: أمّا بعد: فإنّ اللّه لما حوّل أمير المؤمنين للمحل الذي أحله به من أمور عباده وبلاده، رأى أن من حق اللّه عليه أن لا يكلفها إلا ما به بالعدل والإنصاف لها، والسيرة القاصدة، وأن يتولى لها إصلاح أمورها، ويستقرئ السير والمعاملات التي كانت تعامل بها، ويقرّ منها ما أوجب الحق إقراره، ويزيل ما أوجب إزالته غير مستكثر لها كثير ما يسقطه العدل، ولا مستقل لها قليل ما يلزمه إياها الجور، وقد وفق اللّه أمير المؤمنين لما يرجو أن يكون لحق اللّه فيها قاضيا ولنصيبها من العدل موازيا، وبالله يستعين أمير المؤمنين على حفظ ما استرعاه منها، وحياطة ما قلده من أمورها، وهو خير موفق ومعين، وإن أبا القاسم عبيد اللّه رفع إلى أمير المؤمنين، فيما أمر أمير المؤمنين من ردّ النوروز الذي يفتتح به الخراج بالعراق والمشرق، وما يتصل بهما، ويجري مجراهما من الوقت الذي صار فيه من الزمان إلى الوقت الذي كان عليه متقدّما مع

стр. 503

ما أمر به في مستقبل السنين من الكبس، حتى يصير العدل عامّا في الزمان كله باقيا على غابر الدهر، ومرّ الأيام مؤامرة أمير المؤمنين، فأمر بتسجيلها لك في آخر كتابه مع ما وقع به فيها لتمثيله، فافعل ذلك إن شاء اللّه تعالى والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته، وكتب يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين. نسخة المؤامرة أنهيت إلى أمير المؤمنين أن مما أنعم اللّه به على رعيته، ورزقها إياه من رأفته، وحسن نظره، وإقامته عليها من عدله، وإنصافه ورفعه عنها في خلافته من الظلم الشامل ما كان الأقصى والأدنى، والصغير والكبير، والمسلم والذميّ فيه سواء ما حرّرته من نقل كتب الخراج عن السنة التي كانت تنسب إليها من سني الهجرة إلى السنة التي فيها تدرك الغلات، ويستخرج المال، وإن ذلك ما كان بعض أهل الجهل حاوله، وبعض المتغلبين استعمله من تثبيت الخراج على أهله، ومطالبتهم به قبل وقت الزراعة، وإعيائهم بذكر سنة من السنتين اللتين ينسب الخراج لإحداهما، وتدرك الغلات، ويقع الاستخراج في الأخرى منهما في حساب شهور الفرس التي عليها يجري العمل في الخراج بالسواد، وما يليه، والأهواز وفارس والجبل، وما يتصل به من جميع نواحي المشرق، وما يضاف إليه إذا كان عمل الشأم والجزيرة والموصل، جرى على حساب شهور الروم الموافقة للأزمنة، فليست تختلف أوقاتها مع الكبيسة المستعملة فيها، والعمل في خراج مصر، وما والاها على شهور القبط الموافقة لشهور الروم، وكانت من شهور الفرس قد خالفت موافقها من الزمان بما ترك من الكبس منذ أزال اللّه ملك فارس، وفتح للمسلمين بلادهم، فصار النوروز الذي كان الخراج يفتتح فيه بالعراق والمشرق قد تقدّم في ترك الكبس شهرين وصارا بينه وبين إدراك الغلة، فأمر أمير المؤمنين بما جبل اللّه عليه رأيه في التوصل إلى كل ما عاد بصلاح رعيته. وحسما للأسباب المؤدّية إلى إعيائها بتأخير النوروز الذي يقع في شهور سنة اثنتين وثمانين ومائتين من سني الهجرة عن الوقت الذي يتفق فيه أيام سنة الفرس، وهو يوم الجمعة لإحدى عشر تخلو من صفر مثل عدّة أيام الشهرين من شهور الفرس التي ترك كبسها، وهي ستون يوما، حتى يكون نوروز السنة واقعا يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة تخلو من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وهو الحادي عشر من حزيران، وهو يتصل بهما، ويجري مجراهما، وينسب ويضاف إليهما، وبسائر أعمالهم، وبما يعمله أصحاب الحساب من التقويمات وجميع الأعمال، وما يعدّه الفرس من شهورهم إلى شهوره الكبيسة الأول والأخر، ثم يكبس بعد ذلك في كل أربع سنين من سني الفرس، ولا يقع تفاوت بينه وبينها على مرور الأيام، وليكن أبدا واقعا في حزيران، وغير خارج عنه، وأن يلغي ذكر كل سنة من أربع سنين تنسب إلى الخراج بالعراق، وفي المشرق والمغرب، وسائر النواحي والآفاق إذ كان مقدار سني أيام الهجرة، والسنة الجامعة للأزمنة التي تتكامل فيها الغلات، وأن يخرج التوقيع بذلك لتنشأ الكتب به من ديوان الرسائل إلى ولاة المعاون والأحكام،

стр. 504

وتقرأ على المنابر، ويحمل أصحاب المعاون الرعية عليه، وتأخذها بامتثال ما أمر به أمير المؤمنين، وسنة الحكام في ديوان حكمهم لتمثيل الضمان والمقاطعين ذلك على حسبه، واستطلع رأي أمير المؤمنين في ذلك، فرأى أمير المؤمنين في ذلك موفق إن شاء اللّه تعالى، وتكتب نسخة التوقيع بتنفيذ ذلك إن شاء اللّه تعالى، وكتب في شهر ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين. قال: وكان السبب في نقل الخراج إلى حزيران في أيام المعتضد ما حدّثني به أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى المنجم القديم قال: كنت أحدّث أمير المؤمنين المعتضد، فذكرت خبر المتوكل في تأخير النوروز، فاستحسنه، وقال لي: كيف كان ذلك؟ قلت: حدّثني أبي قال: دخل المتوكل قبل تأخير النوروز بعض بساتينه الخاصة التي كانت في يدي وهو متوكئ عليّ يحادثني، وينظر إلى ما أحدث في ذلك البستان، فمرّ بزرع فرآه أخضر، فقال: يا عليّ، إنّ الزرع اخضرّ بعد ما أدرك، وقد استأمرني عبيد اللّه بن يحيى في استفتاح الخراج، فكيف كانت الفرس تستفتح الخراج في النوروز والزرع لم يدرك بعد؟ قال: فقلت له: ليس يجري الأمر اليوم على ما كان يجري عليه في أيام الفرس، ولا النوروز في هذه الأيام في وقته الذي كان في أيامها، قال: وكيف ذاك؟ فقلت: لأنها كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا. وكان النوروز إذا تقدّم شهرا، وصار في خمس من حزيران كبست ذلك الشهر، فصار في خمس من أيار، وأسقطت شهرا، وردته إلى خمس من حزيران، فكان لا يتجاوز هذا، فلما تقلّد العراق خالد بن عبد اللّه القسري، وحضر الوقت الذي تكبس فيه الفرس منعها من ذلك، وقال: هذا من النسيء الذي نهى اللّه عنه، فقال: إنما النسيء زيادة في الكفر وأنا لا أطلقه حتى أستأمر فيه أمير المؤمنين، فبذلوا على ذلك مالا جليلا، فامتنع عليهم من قبوله. وكتب إلى هشام بن عبد الملك يعرّفه ذلك، ويستأمره، ويعلمه أنه من النسيء الذي نهى اللّه عنه، فأمر بمنعهم من ذلك، فلما امتنعوا من الكبس تقدّم النوروز تقدّما شديدا حتى صار يقع في نيسان والزرع أخضر، فقال له المتوكل: فاعمل لهذا يا عليّ عملا تردّ النوروز فيه إلى وقته الذي كان يقع فيه أيام الفرس، وعرّف بذلك عبيد اللّه بن يحيى، وأدّ إليه رسالة مني في أن يجعل استفتاح الخراج فيه، قال: فصرت إلى أبي الحسن عبيد اللّه بن يحيى، وعرّفته ما جرى بيني وبين المتوكل، وأدّيت إليه رسالته، فقال لي: يا أبا الحسن قد واللّه فرّجت عني، وعن الناس، وعملت عملا كثيرا يعظم ثوابك عليه، وكسبت لأمير المؤمنين أجرا وشكرا، فأحسن اللّه جزاءك، فمثلك من يجالس الخلفاء، وأحب أن يتقدّم بالعمل الذي أمر به المتوكل، وينفذه إليّ حتى أجري الأمر عليه، وأتقدّم في كتب الكتب، باستفتاح الخراج، قال: فرجعت، وحرّرت الحساب، فوجدت النوروز لم يكن يتقدّم في

стр. 505

أيام الفرس أكثر من شهر يتقدّم من خمس تخلو من حزيران، فيصير في خمسه أيام تخلو أيار، فتكبس سنتها، وتردّه إلى خمسة أيام من حزيران، وأنفذته إلى عبيد اللّه بن يحيى، فأمر أن يستفتح الخراج في خمس من حزيران، وتقدّم إلى إبراهيم بن العباس في أن ينشئ كتابا عن أمير المؤمنين في ذلك ينفذ نسخته إلى النواحي، فعمل إبراهيم بن العباس كتابه المشهور في أيدي الناس. قال أبو أحمد: فقال لي المعتضد: يا يحيى، هذا واللّه فعل حسن، وينبغي أن يعمل به، فقلت: ما أحد أولى بفعل الحسن، وإحياء السنن الشريفة من سيدنا، ومولانا أمير المؤمنين لما جمعه اللّه فيه من المحاسن، ووهبه له من الفضائل، فدعا بعبيد اللّه بن سليمان، وقال له: اسمع من يحيى ما يخبرك به، وامض الأمر في استفتاح الخراج عليه، قال: فصرت مع عبيد اللّه بن سليمان إلى الديوان، وعرّفته الخبر، فأحب تأخيره عن ذلك لئلا يجري الأمر المجرى الأوّل بعينه، فجعله في أحد عشر من حزيران، واستأمر المعتضد في ذلك فأمضاه فقلت في ذلك شعرا أنشدته للمعتضد في هذا المعنى: يوم نوروزك يوم … واحد لا يتأخر من حزيران يوافي … أبدا في أحد عشر قال: وأخبرني بعض مشايخ الكتاب قال: وكانت الخلفاء تؤخر النوروز عن وقته عشرين يوما، وأقل وأكثر ليكون ذلك سببا لتأخير افتتاح الخراج على أهله. وأمّا المهرجان فلم تكن تؤخره عن وقته يوما واحدا، فكان أوّل من قدّمه عن وقته بيوم المعتمد بمدينة السلام في سنة خمس وستين ومائتين، وأمر المعتضد بتأخير النوروز عن وقته ستين يوما. وقال أبو الريحان محمد بن أحمد البيرونيّ في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية: ومنه نقلت ما ذكر ابن أبي طاهر وزاد، ونفذت الكتب إلى الآفاق يعني عن المتوكل في محرّم سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقتل المتوكل، ولم يتم له ما دبر، واستمرّ الأمر حتى قام المعتضد، فاحتذى ما فعله المتوكل في تخير النوروز غير أنه نظر فإذا المتوكل أخذ ما بين سنته، وبين أوّل تاريخ يزدجرد، فأخذ المعتضد ما بين سنته، وبين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد، ظنا أن إهمالهم أمر الكبس من ذلك الوقت، فوجده مائتي سنة، وثلاثا وأربعين سنة، حصتها من الأرباع ستون يوما وكسر، فزاد ذلك على النوروز في سنة، وجعله منتهى تلك الأيام، وهو من خردادماه في تلك السنة، وكان يوم الأربعاء، ويوافقه اليوم الحادي عشر من حزيران، ثم وضع النوروز على شهور الروم لتكبس شهوره إذا كبست الروم شهورها. وقال القاضي السعيد ثقة الثقات ذو الرياستين أبو الحسن عليّ بن القاضي المؤتمن

стр. 506

ثقة الدولة أبي عمرو عثمان بن يوسف المخزومي في كتاب المنهاج في علم الخراج: والسنة الخراجية مركبة على حكم السنة الشمسية لأنّ السنة الشمسية ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، ورتب المصريون سنتهم على ذلك ليكون أدار الخراج عند إدراك الغلات من كل سنة، ووافقها السنة القبطية، لأنّ أيام شهورها ثلثمائة وستون يوما، ويتبعها خمسة أيام النسيء وربع يوم بعد تقضي مسرى، وفي كل أربع سنين تكون أيام النسيء ستة أيام، لينجبر الكسر. ويسمون تلك السنة كبيسة، وفي كل ثلاث وثلاثين سنة تسقط سنة، فيحتاج إلى نقلها لأجل الفصل بين السنين الشمسية والسنين الهلالية، لأنّ السنة الشمسية ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، والسنة الهلالية ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وكسر، ولما كان كذلك احتيج إلى استعمال النقل الذي تطابق به إحدى السنتين الأخرى، وقد قال أبو الحسن عليّ بن الحسن الكاتب ﵀: عهدت جباية أموال الخراج في سنين قبل سنة إحدى وأربعين ومائتين من خلافة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه رحمة اللّه عليه، تجري كل سنة في السنة التي بعدها، بسبب تأخير الشهور الشمسية عن الشهور القمرية في كل سنة أحد عشر يوما وربع يوم، وزيادة الكسر عليه، فلما دخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين، كان قد انقضى من السنين التي قبلها ثلاث وثلاثون سنة، أوّلهنّ سنة ثمان ومائتين من خلافة أمير المؤمنين المأمون رحمة اللّه عليه، واجتمع من هذا المتأخر فيها أيام سنة شمسية كاملة، وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وزيادة الكسر، وبها إدراك غلات، وثمار سنة إحدى وأربعين ومائتين في صفر سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وأمر أمير المؤمنين المتوكل على اللّه رحمة اللّه عليه، بإلغاء ذكر سنة إحدى وأربعين ومائتين، إذ كانت قد انقضت، وينسب الخراج إلى سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فجرت الأعمال على ذلك سنة بعد سنة، إلى أن انقضت ثلاث وثلاثون سنة آخرهنّ انقضاء سنة أربع وسبعين ومائتين، فلم ينبه كتاب أمير المؤمنين المعتمد على اللّه رحمة اللّه عليه على ذلك، إذ كان رؤساؤهم في ذلك الوقت إسماعيل بن بلبل وبني الفرات، ولم يكونوا عملوا في ديوان الخراج والضياع في خلافة أمير المؤمنين المتوكل على اللّه رحمة اللّه عليه ولا كانت أسنانهم أسنانا بلغت معرفتهم معها هذا النقل، بل كان مولد أحمد بن محمد بن الفرات قبل هذه السنة بخمس سنين، ومولد عليّ أخيه فيها، وكان إسماعيل بن بلبل يتعلم في مجلس لم يبلغ أن ينسخ، فلما تقلدت لناصر الدين أبي أحمد طلحة الموفق ﵀ أعمال الضياع بقزوين (١) ونواحيها، لسنة ست وسبعين ومائتين، وكان مقيما بأذربيجان (٢)، وخليفته بالجبل جرادة بن محمد،

стр. 507

وأحمد بن محمد كاتبه، واحتجت إلى رفع جماعتي إليه ترجمتها بجماعة سنة ست وسبعين ومائتين التي أدركت غلاتها وثمارها في سنة سبع وسبعين ومائتين، ووجب إلغاء ذكر سنة ست وسبعين ومائتين، فلما وقفا على هذه الترجمة أنكراها، وسألاني عن السبب فيها، فشرحت لهما، وأكدت ذلك بأن عرّفتهما إني قد استخرجت حساب السنين الشمسية، والسنين القمرية من القرآن الكريم بعد ما عرضته على أصحاب التفسير، فذكروا أنه لم يأت فيه شيء من الأثر، فكان ذلك أوكد في لطف استخراجي، وهو أنّ اللّه تعالى قال في سورة الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف/ ٢٥] فلم أجد أحدا من المفسرين عرف معنى قوله: وازدادوا تسعا، وإنما خاطب اللّه نبيه ﷺ بكلام العرب، وما تعرفه من الحساب، فمعنى هذه التسع أنّ الثلاثمائة كانت شمسية بحساب العجم، ومن كان لا يعرف السنين القمرية، فإذا أضيف إلى الثلاثمائة القمرية زيادة التسع، كانت سنين شمسية صحيحة، فاستحسناه، فلما انصرف جرادة مع الناصر لدين اللّه إلى مدينة السلام، وتوفي الناصر ﵀، وتقلد القاسم عبيد اللّه بن سليمان كتابة أمير المؤمنين المعتضد بالله أجرى له جرادة ذكر هذا النقل، وشرح له سببه تقرّبا إليه وطعنا على أبي القاسم عبيد اللّه في تأخيره إياه، فلما وقف المعتضد على ذلك تقدّم إلى أبي القاسم بإنشاء الكتب بنقل سنة ثمان وسبعين إلى سنة تسع وسبعين ومائتين، وكان هذا النقل بعد أربع سنين من وجوبه، ثم مضت السنون سنة بعد سنة إلى أن انقضت الآن ثلاث وثلاثون سنة، أولاهنّ السنة التي كان النقل وجب فيها، وهي سنة خمس وسبعين ومائتين، وآخرتهنّ انقضاء سنة سبع وثلثمائة، وقد تهيأ إدراك الغلات، والثمار في صدر سنة ثمان وثلثمائة، ونسبته إليها، وقد عملت نسخة هذا النقل نسختها تحت هذا الموضع ليوقف عليها، وقد كان أصحاب الدواوين في أيام المتوكل لما نقل سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى سنة اثنتين وأربعين ومائتين جبوا الجوالي والصدقات لسنتي إحدى واثنتين وأربعين ومائتين في وقت واحد، لأنّ الجوالي بسرّمن رأى (١)، ومدينة السلام (٢)، وقصب المدن المشهورة كانت تجبي على شهور الأهلة، وما كان من جماجم أهل القرى في الخراج والضياع والصدقات والمستغلات، كان يجبى على شهور الشمس، وفي ثلاث وثلاثين سنة اجتمعت أيام سنة شمسية كاملة، فألزم أهل الذمّة خاصة بالجوالي، ورفعها العمال في حساباتهم فمن لم يرفعها ألزموه بجوالي السنة الزائدة، فأحفظ أنه اجتمع من ذلك ألوف دراهم، ثم جدّدت الكتب إلى العمال بأن تكون حساباتهم الجوالي على شهور الأهلة،

стр. 508

فجرى الأمر على ذلك، قال القاضي أبو الحسن: وقد كان النقل أغفل في الديار المصرية، حتى كانت سنة تسع وتسعين وأربعمائة الهلالية تجري مع سنة سبع وتسعين الخراجية، فنقلت سنة سبع وتسعين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسمائة، هكذا رأيت في تعليقات أبي ﵀، وآخر ما نقلت السنة في وقتنا هذا سنة خمس وستين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين وخمسمائة الهلالية، فتطابقت السنتان، وذلك أنني لما قلت للقاضي الفاضل أبي عليّ عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ: أنه قد آن نقل السنة، فأنشأ سجلا بنقلها نسخ الدواوين، وحمل الأمر على حكمه، وما برح الملوك والوزراء يعتنون بنقل السنين في أحيانها. وقال أبو الحسين هلال بن المحسن الصابي: حدّثني أبو عليّ قال: لما أراد الوزير أبو محمد المهلبيّ (١) نقل سنة خمس وثلثمائة الهلالية أمر أبا إسحاق والدي وغيره من كتابة في الخراج، والرسائل بإنشاء كتاب عن المطيع للّه في هذا المعنى، فكتب كل منهم، وكتب والدي الكتاب الموجود في رسائله، وعرضت النسخ على الوزير، فاختاره منها، وتقدّم بأن يكتب إلى أصحاب الأطراف، وقال لأبي الفرج بن أبي هشام خليفته: اكتب إلى العمال بذلك كتبا محققه، وانسخ في أواخرها هذا الكتاب السلطانيّ، فغاظ أبا الفرج وقوع التفضيل والاختيار لكتاب والدي، وقد كان عمل نسخة اطرحت في جملة ما اطرح وكتب، قد رأينا نقل سنة خمسين إلى إحدى وخمسين، فاعمل على ذلك، ولم ينسخ الكتاب السلطانيّ، وعرف الوزير ما كتب به أبو الفرج، فقال له: لماذا أغفلت نسخ الكتاب السلطانيّ في آخر الكتب إلى العمال، وإثباته في الديوان، فأجاب جوابا علك فيه، فقال له: يا أبا الفرج ما تركت ذلك إلاّ حسدا لأبي إسحاق، وهو واللّه في هذا الفنّ أكتب أهل زمانه، فأعد الآن الكتب، وانسخ الكتاب في أواخرها، قال القاضي أبو الحسن: وأنا أذكر بمشيئة اللّه نسخة الكتاب الذي أشار إليه أبو الحسن عليّ بن الحسن الكاتب، وكتاب أبي إسحاق، وكتاب القاضي الفاضل، ليستبين للناظر طريق نقل السنين الخراجية إلى السنين الهلالية، فإذا قاربت الموافقة، وحسنت فيها المطابقة، فالكتاب الفاضليّ أكثر نجازا، وأعظم إعجازا، ولا يخفى على المتأمّل قدر ما أورد فيه من البلاغة، كما لا يخفى على العارف قدر ما تضمنه كتاب الصابي من الصناعة. نسخة الكتاب الذي أشار إليه أبو الحسن الكاتب: إنّ أولى ما صرف إليه أمير المؤمنين عنايته، وأعمل فيه فكره ورويته، وشغل فيه تفقده، ورعايته أمر الفيء الذي خصه اللّه به، وألزمه جمعه، وتوفيره وحياطته، وتكثيره وجعله عماد الدين، وقوام أمر المسلمين،

стр. 509

وفيما يصرف منه إلى أعطيات الأولياء والجنود، ومن يستعان به لتحصين البيضة، والذب عن الحريم، وحج البيت، وجهاد العدوّ، وسدّ الثغور، وأمن السبيل، وحقن الدماء، وإصلاح ذات البيت، وأمير المؤمنين يسأل اللّه تعالى، راغبا إليه ومتوكلا عليه أن يحسن عونه على ما حمله منه، ويديم توفيقه بما أرضاه، وإرشاده إلى أن يقضي عنه وله، وقد نظر أمير المؤمنين فيما كان يجري عليه أمر جباية هذا الفيء في خلافة آبائه الراشدين صلوات اللّه عليهم، فوجده على حسب ما كان يدرك من الغلات والثمار من كل سنة أوّلا أوّلا على مجاري شهور سني الشمس في النجوم التي يحل مال كل صنف منها فيها، ووجد شهور السنة الشمسية تتأخر عن شهور السنة الهلالية أحد عشر يوما وربعا، وزيادة عليه، ويكون إدراك الغلات والثمار في كل سنة بحسب تأخرها، فلا تزال السنون تمضي على ذلك سنة بعد سنة حتى تنقضي منها ثلاث وثلاثون سنة، وتكون عدّة الأيام المتأخرة منها أيام سنة شمسية كاملة، وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وزيادة عليه. فحينئذ يتهيأ بمشيئة اللّه تعالى وقدرته إدراك الغلات التي تجري عليها الضرائب، والطسوق (١) في استقبال المحرّم من سني الأهلة، ويجب مع ذلك إلغاء السنة الخارجة إذا كانت قد انقضت، ونسبتها إلى السنة التي أدركت الغلات والثمار فيها، لأنه وجد ذلك قد كان وقع في أيام أمير المؤمنين المتوكل على اللّه رحمة اللّه عليه عند انقضاء ثلاث وثلاثين سنة آخرتهنّ سنة إحدى وأربعين ومائتين، فجرت المكاتبات والحسبانات، وسائر الأعمال بعد ذلك سنة بعد سنة إلى أن مضت ثلاث وثلاثون سنة آخرتهنّ انقضاء سنة أربع وسبعين ومائتين، ووجب إنشاء الكتب بإلغاء ذكر سنة أربع وسبعين ومائتين، ونسبتها إلى سنة خمس وسبعين ومائتين، فذهب ذلك على كتاب أمير المؤمنين المعتمد على اللّه، وتأخر الأمر أربع سنين إلى أن أمر أمير المؤمنين المعتضد بالله رحمة اللّه عليه في سنة سبع وسبعين ومائتين بنقل خراج سنة ثمان وسبعين إلى سنة تسع وسبعين ومائتين. فجرى الأمر على ذلك إلى أن انقضت في هذا الوقت ثلاث وثلاثون سنة: أولاهنّ السنة التي كان يجب نقلها فيها، وهي سنة خمس وسبعين ومائتين، وآخرتهنّ انقضاء شهور خراج سنة سبع وثلثمائة، ووجب افتتاح خراج ما يجري على الضرائب والطسوق في أوّلها، وإن من صواب التدبير واستقامة الأعمال، واستعمال ما يخف على الرعية معاملتها به، نقل سنة الخراج سنة سبع وثلثمائة إلى سنة ثمان وثلثمائة، فرأى أمير المؤمنين لما يلزمه نفسه، ويؤاخذها به من العناية بهذا الفيء، وحياطة أسبابه، وإجرائها مجاريها، وسلوك سبيل آبائه الراشدين رحمة اللّه عليهم أجمعين فيها، أن يكتب إليك، وإلى سائر العمال في النواحي

стр. 510

بالعمل على ذلك، وأن يكون ما يصدر إليكم من الكتب، وتصدرونه منكم، وتجري عليه أعمالكم ورفوعكم وحسباناتكم، وسائر مناظراتكم على هذا النقل، فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، واعمل به مستشعرا فيه، وفي كل مضنة تقوى اللّه، وطاعته ومستعملا عليه ثقات الأعوان وكفاتهم، ومشرفا عليهم، ومقوّما لهم، واكتب بما يكون منك في ذلك إن شاء اللّه تعالى. نسخة أبي إسحاق الصابي: أما بعد: فإنّ أمير المؤمنين لا زال مجتهدا في مصالح المسلمين، وباعثا لهم على مراشد الدنيا والدين، ومهيأ لهم أحسن الاختيار فيما يوردون ويصدرون، وأصوب الرأي فيما يبرمون وينقضون، فلا يلوح له خلة داخلة على أمورهم إلاّ سدّها، وتلافاها ولا حال عائدة بحظ عليهم إلا اعتمدها، وأتاها، ولا سنة عادلة إلا أخذهم بإقامة رسمها، وإمضاء حكمها، والاقتداء بالسلف الصالح في العمل بها، والإتباع لها، وإذا عرض من ذلك ما تعلمه الخاصة بوفور ألبابها، وتجهله العامّة بقصور أفهامها، وكانت أوامره فيه خارجة إليك، وإلى أمثالك من أعيان رجاله، وأماثل عماله الذين يكتفون بالإشارة، ويجتزون بيسير الإبانة والعبارة لم يدع أن يبلغ من تخليص اللفظ، وإيضاح المعنى إلى الحدّ الذي يلحق المتأخر بالمتقدّم، ويجمع بين العالم والمتعلم، ولا سيما إذا كان ذلك فيما يتعلق بمعاملات الرعية، ومن لا يعرف إلاّ الظواهر الجلية دون البواطن الخفية، ولا يسهل عليه الانتقال عن العادات المتكرّرة إلى الرسوم المتغيرة ليكون القول بالمشروح لمن برز في المعرفة مذكرا، ولمن تأخر فيها مبصرا، ولأنه ليس من الحق أن تمنع هذه الطبقة من برد اليقين في صدورها، ولا أن يقتصر على اللمحة الدالة في مخاطبة جمهورها، حتى إذا استوت الأقدام بطوائف الناس في فهم ما أمروا به وفقه ما دعوا إليه، وصاروا على حكمه سواء لا يعترضهم شك الشاكين، ولا استرابة المستريبين، اطمأنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم، وسقط الخلاف بينهم، واستمرّ الاتفاق بهم، واستيقنوا أنهم مؤسسون على استقامة من المنهاج، ومحروسون من حزائز الزيغ والاعوجاج، فكان الانقياد منهم، وهم دارون عالمون لا مقلدون مسلمون، وطائعون مختارون لا مكرهون، ولا مجبرون. وأمير المؤمنين يستمدّ اللّه تعالى في جميع أغراضه، ومراميه ومطالبه، ومغازيه مادّة من صنعه يقف بها على سنن الصلاح، ويفتح له أبواب النجاح، وينهضه بما أهّله لحمله من الأعباء التي لا يدّعي الاستقلال بها إلا بتوفيقه، ومعونته، ولا يتوجه فيها إلاّ بدلالته وهدايته، وحسب أمير المؤمنين اللّه، ونعم الوكيل يرى أنّ أولى الأقوال أن يكون سدادا، وأحرى الأفعال أن يكون رشادا ما وجد له في السابق من حكم اللّه أصول وقواعد، وفي النص من كتابه آيات وشواهد، وكان منصبا بالأمّة إلى قوام من دين أو دنيا، ووفاق في آخره أو أولى، فذلك هو البناء الذي يثبت، ويعلو، والغرس الذي ينبت ويزكو، والسعي الذي

стр. 511

تنجح مباديه وهواديه، وتبهج عواقبه وتواليه، وتستنير سبله لسالكيها، وتوردهم موارد السعود في مقاصدهم فيها غير ضالين ولا عادلين، ولا منحرفين ولا زائلين، وقد جعل اللّه لعباده من هذه الأفلاك الدائرة، والنجوم السائرة، فيما تنقلب عليه من اتصال وافتراق ويتعاقب عليها من اختلاف، واتفاق منافع تظهر في كرور الشهور والأعوام، ومرور الليالي والأيام، وتفاوت الضياء والظلام، واعتدال المسالك والأوطان، وتغاير الفصول والأزمان، ونشو النبات والحيوان، مما ليس في نظام ذلك خلل، ولا في صنعه زلل بل هو منوط بعضه ببعض، ومحوط من كل تلمة ونقض. قال اللّه تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ ما خَلَقَ اَللّهُ ذلِكَ إِلّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس/ ٥]، وقال جلّ من قائل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اَللّهَ يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهارِ وَيُولِجُ اَلنَّهارَ فِي اَللَّيْلِ وَسَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اَللّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الرعد/ ٢]، وقال تعالى: ﴿وَاَلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ﴾ [يس/ ٣٨]، وقال عزت قدرته: ﴿وَاَلْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ﴾ [يس/ ٣٩]، ففضل اللّه تعالى بهذه الآيات بين الشمس والقمر، وأنبأنا في الباهر من حكمه، والمعجز من كلامه أن لكل منهما طريقا سخر فيها، وطبيعة جبل عليها وأن تلك المباينة والمخالفة في المسير يؤدّيان إلى موافقة، وملازمة في التدبير، فمن هنا لك زادت السنة الشمسية. فصارت ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربعا بالتقريب المعمول عليه، وهي المدّة التي تقطع الشمس فيها الفلك مرّة واحدة، ونقصت الهلالية، فصارت ثلثمائة وأربعة وخمسين يوما، وهي المدّة التي يجامع القمر فيها الشمس اثنتي عشرة مرّة، واحتيج إذا انساق هذا الفضل إلى استعمال النقل الذي يطابق إحدى السنتين بالأخرى إذا افترقنا، ويداني بينهما إذا تفاوتتا، وما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات السنين على افتنان من طرقها ومذاهبها، وفي كتاب اللّه شهادة بذلك إذ يقول في قصة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف/ ٢٥]، فكانت هذه الزيادة بأنّ الفضل في السنين المذكورة على تقريب التقريب. فأما الفرس: فإنهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر شهرا، وأيامها ثلثمائة وستون يوما، ولقبوا الشهور باثني عشر لقبا، وسموا أيام الشهر منها بثلاثين اسما، وأفردوا الخمسة الأيام الزائدة، وسموها المسترقة، وكبسوا الربع في كل مائة وعشرين سنة شهرا، فلما انقرض ملكهم بطل في كبس هذا الربع تدبيرهم، وزال نوروزهم عن سنته، وانفرج ما بينه، وبين حقيقة وقته انفراجا هو زائد لا يقف، ودائر لا ينقطع، حتى إن موضوعهم في النوروز أن يقع في مدخل الصيف، وسينتهي إلى أن يقع في مدخل الشتاء

стр. 512

ويتجاوز ذلك، وموضوعهم في المهرجان أن يقع في مدخل الشتاء، وينتهي إلى أن يقع في مدخل الصيف، ويتجاوز. وأما الروم: فكانوا أتقن منهم حكمة، وأبعد نظرا في العاقبة لأنهم رتبوا شهور السنة على أرصاد شهروها، وأنواء عرفوها، وفضوا الخمسة الأيام على الشهور، وساقوها على الدهور، وكبسوا الربع في كل أربع سنين يوما، ورسموا أن يكون إلى شباط مضافا، فقرّبوها ما بعّده غيرهم، وسهّلوا على الناس أن يقتفوا أثرهم، لا جرم أن المعتضد بالله ﵀ على أصولهم بنى، ولمثالهم احتذى في تصييره نوروزه اليوم الحادي عشر من حزيران، حتى سلم مما لحق النواريز في سالف الأزمان، وتلافوا الأمر في عجز سني الهلال عن سني الشمس بأن جبروها بالكبس، فكلما اجتمع من فصول سني الشمس، وما بقي تمام شهر جعلوا السنة الهلالية، يتفق ذلك فيها ثلاثة عشر هلالا، فربما تمّ الشهر الثالث عشر في ثلاث سنين، وربما تمّ في سنتين بحسب ما يوجبه الحساب، فتصير سنتا الشمس والهلال عندهم متقاربتين أبدا لا يتباعد ما بينهما. وأمّا العرب: فإنّ اللّه تعالى فضّلها على الأمم الماضية، وورثها ثمرات مشاقها المتعبة، وأجرى شهر صيامها، ومواقيت أعيادها، وزكاة أهل ملتها، وجزية أهل ذمّتها على السنة الهلالية، وتعبدها فيها برؤية الأهلة إرادة منه أن تكون مناهجها واضحة، وأعلامها لائحة، فيتكافأ في معرفة الغرض، ودخول الوقت الخاص منها والعام، والناقص الفقه والتام، والأنثى والذكر، والصغير والكبير والأكبر، فصاروا حينئذ يحسبون في سنة الشمس حاصل الغلات المقسومة، وخراج الأرض الممسوحة، ويجبون في سنة الهلال الجوالي، والصدقات والأرجاء، والمقاطعات والمستغلات، وسائر ما يجري على المشاهرات، وحدث من التداخل بين السنين ما لو استمرّ لقبح جدا، وازداد بعدا إذ كانت الجباية الخراجية في السنة التي ينتهي إليها تنسب إلى الشمسية، وإلى ما قبلها، فوجب مع هذا أن تطرح تلك السنة، وتلغي ويتجاوز إلى ما بعدها، ويتخطى، ولم يجز لهم أن يعتدّوا لمخالفتهم في كبس السنة الهلالية بشهر ثالث عشر، ولأنهم لو فعلوا ذلك لزحزحت الأشهر الحرم عن موافقها، وارتجت المناسك عن حقائقها، ونقصت الجباية في سني الأهلة القبطية بقسط ما استغرقه الكبس منها، فانتظروا بذلك الفضل إلى أن تتم السنة، وأوجب الحساب المقرّب أن يكون كل اثنتين وثلاثين سنة شمسية ثلاثا وثلاثين هلالية، فنقلوا المتقدّمة إلى المتأخرة نقلا لا يتجاوز الشمسية. وكانت هذه الكلفة في دنياهم مستسهلة مع تلك النعمة في دينهم، وقد رأى أمير المؤمنين نقل سنة خمسين وثلثمائة الخراجية إلى سنة إحدى وخمسين وثلثمائة الهلالية جمعا بينهما، ولزوما لتلك السنة فيهما، فاعمل بما ورد به أمر أمير المؤمنين عليك،

стр. 513

وتضمنه كتابه هذا إليك، ومر الكتاب قبلك أن يحتذوا رسمه فيما يكتبون به إلى عمال نواحيك، ويخلدونه في الدواوين من ذكورهم ورفوعهم، ويعدونه من خروج الأموال وينظمونه في الدواوين والأعمال، ويثبتون عليه الجماعات والحسبانات، ويوغرون بكتبه من الروزنامجات، والبراءات وليكن المنسوب من ذلك إلى سنة خمسين وثلثمائة التي وقع النقل إليها، وأقم في نفوس من بحضرتك من أصناف الجند والرعية، وأهل الملة والذمة أن هذا النقل لا يغير لهم رسما، ولا يلحق بهم ثلما، ولا يعود على قابضي العطاء بنقصان ما استحقوا قبضه، ولا على مؤدّي حق بيت المال بإغضاء عما وجب أداؤه، فإنّ قرائح أكثرهم فقيرة إلى إفهام أمير المؤمنين الذي آثر أن تزاح فيه العلة، ويسدّ بهم سهم الخلة إذ كان هذا الشأن لا يتجدّد إلا في المدد الطوال التي في مثلها يحتاج إلى تعريف الناسي، وأجب بما يكون منك جوابا يحسن موقعه لك إن شاء اللّه تعالى. وقال ابن المأمون في تاريخه: من حوادث سنة إحدى وخمسمائة، وأوّل ما تحدّث فيه نقل السنة الشمسية إلى العربية، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين، فتحدّث القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ (١) مع الأفضل بن أمير الجيوش في ذلك، فأجاب إليه، وخرج أمره إلى الشيخ أبي القاسم بن الصيرفيّ بإنشاء سجل به. فأنشأ ما نسخته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه الذي ارتضى أمير المؤمنين أمينه في أرضه وخليفته، وألهمه أن يعمّ بحسن التدبير عبيده وخليقته، ووفقه لمصالح يستمدّ أسبابها، ويفتح بحسن نظره أبوابها، وأورثه مقام آبائه الراشدين الذين اختصهم بشرف المفخر، وجعل اعتقاد موالاتهم سبب النجاة في المحشر، وعناهم بقوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ﴾، وأعلى منار سلطانه بمدبر أفلاكك دولته، ومبيد أعداء مملكته، وأشرف من نصب للجند علما وراية، ووقف على مصلحة البرية نظره ورأيه، وأرشد بهداتيه الألباب الحائرة، وأذهب بمعدلته الأحكام الجائرة السيد الأجل الأفضل، ونتمم النعوت بالدعاء للذي كمل تدبيره نظام الصلاح وتممه، وسدّد تقريره الأمور في كل ما قصده ويممه، ونبّه في السياسة على ما أهمله من سبقه، وأغفله من تقدّمه، وتتبع أحوال المملكة، فلم يدع مشكلا إلا أوضحه وبين الواجب فيه، ولا خللا إلا أصلحه، وبادر بتلافيه، ولا مهملا إلا استعمله على ما يوافق الصواب، ولا ينافيه إيثارا لعمارة الأعمال، وقصدا لما يقضي بتوفير الأموال. وتوخيا لما عاد بضروب الاستغلال، واعتناء برجال الدولة العلوية وأجنادها، واهتماما

стр. 514

بمصالحهم التي ضعفت قواهم عن ارتيادها، ورعاية لمن ضمنه أقطار المملكة من الرعايا، وحملا لهم على أعدل السنن، وأفضل القضايا يحمده أمير المؤمنين على ما أعانه عليه من حسن النظر للأمّة، وادّخره لأيامه من الفضائل التي صفت بها ملابس النعمة، ووفقه لما يعود على الكافة بشمول الانتفاع، حتى صار استبدال الحقوق بواجبات الشريعة الواضحة الأدلة واستيفاؤها بمقتضى المعدلة، فيما يجري على أحكام الخراج، وأوضاع الأهلة، ويرغب إليه بالصلاة على محمد الذي ميزه بالحكمة، وفصل الخطاب، وبين به ما استيهم من سبل الصواب، وأنزل عليه في محكم الكتاب: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ﴾ [يونس/ ٥] صلى اللّه عليه، وعلى أخيه وابن عمه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كافيه فيما أعضل لمّا عدم المساعد، وواقيه بنفسه لما تخاذل الكف والساعد، وعلى الأئمة من ذريتهما العاملين برضى اللّه تعالى فيما يقولون ويفعلون، والذين يهددون بالحق، وبه يعدلون، وإنّ أولى ما أولاه أمير المؤمنين حظا وافيا من تفقده، وأسهم له جزءا وافرا من كريم تعهده، ونظر إليه بعين اهتمامه، واختصه بالقسم الأجزل من استمالة أمر الأموال التي يستعان بها على سدّ الخلل، وبرجائها يستدفع ما يطرق من الحادث الجلل، وبوفورها تستثبت شؤون المملكة، وتستقيم أحوال الدول، وباستخراجها على حكم العدل الشامل، ووصية إنصاف المعامل تكون العمارة التي هي أصل زيادتها، ومادة كثرتها وغزارتها. ولما كانت جباياتها على حكمين: أحدهما: يجيء هلاليا، وذلك ما لا يدخله عارض ولا إشكال، ولا إبهام، ولا يحتاج فيه إلى إيضاح ولا إفهام، لأن شهور الهلال يشترك في معرفتها الأمير والمقصر، ويستوي في الفهم بها المتقدّم في العلم والمتأخر، إذ كان الناس آلفين لأزمنة متعبداتهم السنين مما يحفظ لهم نظام مرسوم، والآخر يجيء خراجيا ويثبت بنسبته إلى الخراج لأنها تضبط أوقات ما يجري ذلك لأجله من النيل المبارك، والزراعة وتحفظ أحيانه دون السنة الهلالية، وتحرس أوضاعه، ولا يستقل بمعرفته إلا من باشره، وعرف موارده ومصادره، فوجب أن يقصر على السنة الخراجية النظر، ويفعل فيها ما تعظم به الفائدة، ويحسن فيه الأثر ويعتمد في إيضاح أمرها، وتقديم حكمها على ما تتحلى به التواريخ، وتزين به السير، ويكون ذلك شاهدا لمساعي السيد الأجل الأفضل الذي لا يزال ساهرا ليله في حياطه الهاجعين شاهرا لسيفه في حماية الوادعين مطلعا للدولة بدور السعادة، وشموسها مذللا صعب الحوادث، وشموسها ناطقة تارة بأن أمّة هو راعيها قد فضل اللّه سائسها، وأسعد مسوسها، وهذا حين التبصير والإرشاد، وأوان التبيين للغرض والمراد، لتتساوى العامّة والخاصة في علمه وتسعهم الفائدة في معرفة حكمه، وتتحقق المنفعة لهم فيما يمنع من تداخل السنين واستقبالها، وتتيقن المعدلة عليهم فيما يؤمن من المضار التي يحتاج إلى استدراكها.

стр. 515

ومعلوم أنّ أيام السنة الخراجية، وهي السنة الشمسية بخلاف السنة الهلالية لأن أيام السنة الخراجية من استقبال النوروز إلى آخر النسيء ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وأيام السنة الهلالية لاستقبال المحرّم إلى آخر ذي الحجة ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما، والخلاف في كل سنة بالتقريب أحد عشر يوما، وفي كل ثلاث وثلاثين سنة سنة واحدة على حكم التقريب ويتقضيه ما تقدّم من الترتيب، فإذا اتفق أن يكون أوّل الهلالية موافقا لمدخل السنة الخراجية، وكانت نسبتهما واحدة استمرّ اتفاق التسمية فيهما، وبقي ذلك جاريا عليهما، ولم يزالا متداخلين لكون مدخل الخراجية في أثناء شهور الهلالية إلى انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، فإذا انقضت هذه المدّة بطلت المداخلة، وخلت السنة الهلالية من نوروز يكون فيها، وبحكم ذلك بطل اتفاق التسمية، ويكون التفاوت سنة واحدة للعلّة المقدّم ذكرها، ومن أين يستمرّ بينهما ائتلاف، أو يعدم لهما اختلاف، أم كيف يعتقد ذلك أحد من البشر. واللّه تعالى يقول: ﴿لَا اَلشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ اَلْقَمَرَ﴾ [يس/ ٤٠] فقد وضح دليل التباعد بما جاء منصوصا في الكتاب، وظهر برهانه بما اقتضاه موجب الحساب، فيحتاج بحكم ذلك إلى نقل السنة الشمسية إلى التي تليها لتكون موافقة للهلالية، وجارية معها، وفائدة النقل أن لا تخلو السنة الهلالية من مال خاص ينسب إلى السنة الموافقة لها، لأنّ واجبات العسكرية على عظمها، واتساعها وأرزاق المرتزقة على اختلاف أجناسها، وأوضاعها جارية على أحكام الهلالية غير معدول بها عن ذلك في حال من الأحوال، والمحافظة على ثمرة ارتفاعها متعينة، ومنفعة العناية بما تجري عليه واضحة مبينة، ولما أهلت سنة إحدى وخمسمائة، ودخلت فيها سنة تسع وتسعين وأربعمائة الخراجية المواقة لسنة إحدى وخمسمائة الهلالية كان في ذلك من التباين، والتعارض والتفاوت، والتنافر بحكم إهمال النقل فيما تقدّم ما صارت السنة الهلالية الحاضرة لا يجبي خراج ما يوافقها فيها، ولا تدرك غلاّت السنة المجرى ما لها عليها إلاّ في السنة التي تليها، فهي تستهل وتنقضي. وليس لها في الخراجيّ ارتفاع والأعمال تطيف بالزراعة، ولا حظ لها في ذلك، ولا انتفاع، وهذه الحال المضرّة بها على بيت المال غير خفية، والأذية فيها للرجال المقطعين بادية، وأسباب لحوقها إياهم مستمرّة متمادية، ولا سيما من وقع له بإثبات وأنعم عليه بزيادات، فإنّهم يتعجلون الاستقبال، ويتأجلون الاستغلال، ومتى لم تنقل هذه السنة الخراجية كانت متداخلة بين سنين هلالية، وهي موافقة لغيرها، وما لها يجري على سنة تجري بينهما لأنّ مدخلها في اليوم العاشر من المحرّم سنة إحدى وخمسمائة، وانقضاؤها في العشرين من المحرّم سنة اثنتين وخمسمائة، وهي متداخلة بين هاتين السنتين، وما لهما يجري على سنة إحدى وخمسمائة، والحال في ذلك لا ينتهي إلى أمد، ولا يزال الفساد

стр. 516

يتزايد طول الأبد، وقد رأى أمير المؤمنين وبالله توفيقه ما خرج به أمره إلى السيد الأجل الأفضل الذي نبه على هذا الأمر، وكشف غامضه، وأزال بحسن توصله تنافيه، وتناقضه أن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجل مضمنا ما رآه ودبره مودعا إنفاذ ما أحكمه، وقرّره من نقل سنة تسع وتسعين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسمائة، لتكون موافقة لها. ويجري عليها ما لها، ويكون ما يستأدونه من إقطاعاتهم، ويستخرجونه من واجباتهم جاريا على نظام محروس، ونطاق محيط غير منحوس، وشاهدا بنصيب موفي غير منقوص، ويتضح ما أبهم إشكاله التعمية، ويزول الاستكراه في اختلاف التسمية، ويستمرّ الوفاق بين السنين الهلالية والخراجية إلى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وينسب مال الخراج والمقاسمات، وما يستغلّ، ويجبي من الإقطاعات مما كان جاريا على ذكر سنة تسع وتسعين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسمائة، وتجري الإضافة إليها مجرى ما يرتفع من الهلاليّ فيها لتكون سنة إحدى من هذه مشتملة على ما يخصها من مالها، وعلى مال السنة الخراجية بما يشرح من انتقالها، وكذلك نقل سنة تسع وتسعين وأربعمائة الخراجية الثابتة بالتسمية إلى سنة إحدى وخمسمائة المشار إليها، ويكون مالها جاريا عليها، فليعتمد ذلك في الدواوين بالحضرة، وفي سائر أعمال الدولة قاصيها ودانيها، وفارسها وشاميها، وليتنبه كافة الكتاب والمستخدمين، وجميع العمال والمتصرّفين إلى اقتفاء هذه السنن وأتباعه، وليحذروا الخروج عن أحكامه المقرّرة وأوضاعه، وليبادروا إلى امتثال المرسوم فيه، وليحذروا من تجاوزه وتعدّيه، ولينسخ في دواوين الأموال والجيوش المنصورة، وليخلد بعد ذلك في بيوت المال المعمورة، وكتب في محرّم سنة إحدى وخمسمائة. وقال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة ومن خطه نقلت مستهلّ المحرّم نسخ منشور بنقل السنة الخراجية إلى السنة الهلالية، والمطابقة بين اسمهما لموافقة الشهور العربية للشهور القبطية، وخلوّ سنة سبع من نوروز، فنقلت سنة خمس وستين وخمسمائة الخراجية إلى هذه السنة، وكان آخر نقل نقلته هذه السنة في الأيام الأفضلية، فإنّ سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وسنة تسع وتسعين الخراجيتين نقلتا إلى سنة إحدى وخمسمائة الخراجية، وسبب هذا الانفراج بينهما زيادة عدد السنة الشمسية على عدد الهلالية أحد عشر يوما، وإغفال النقل في سنة ثلاث وثلاثين في أيام الوزير الأفضل رضوان بن ولخشي، وانسحب ذيل هذه الزيادة، وتداخل السنين بعضها في بعض إلى أن صار التفاوت بينهما سنتين في هذه السنة فنقلت، وهو انتقال لا يتعدّى التسمية، ولا يتجاوز اللفظ، ولا ينقص مالا لديوان، ولا لمقطع، وإنما يقصد به إزالة الإلباس، وحل الإشكال. وقال القاضي أبو الحسين: ونسخة الكتاب الذي أنشأه القاضي الفاضل خرجت الأوامر الملكية الناصرية زاد اللّه في إعلائها بإبداع هذا المنشور إنا نؤثر من حسن النظر ما

стр. 517

يؤثر أحسن الخبر، ولا ينصرف بنا الفكر عمّا تحلى به السير، وتجلى به الغير، ولا تزال خواطرنا تعتلي فتطلع الدراري، وتغوص فتخرج الدرر، وإنّ أولى ما استحدّت به البصائر، وحرست فيه المصائر كل أمر يصحح المعاملات ويشرحها، ويطلق عقولهم من عقول الإشكال، ويسرّحها، ولما وجب نقل السنة الخراجية، والمطابقة بينها وبين الهلالية، لانفراجهما بسنتين، وموافقة الشهور الخراجية والهلالية في هذه السنة مطلع المستهلين أمضينا هذه السنة الخالية في هذه السنة الآتية، واستخرنا اللّه تعالى في نقل سنتي خمس وست وستين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين وخمسمائة التي سميت بهذا النقل هلالية خراجية نفيا للأمور المشتبهة، والتسمية المموّهة، وتنزيها لسني الإسلام عن التكبيس، ولتاريخه عن ملابسة التلبيس، وإعلاما بالوفاق الذي استشعرته آباؤها وبنوها، وإعلانا باتباعه عناية بعوايد السلف التي خلفوها للخلف وبنوها، وفي ذلك ما تحمد به العواقب، وتنفسخ به المذاهب، وتتيسر به المطالب، ويزول به الإشكال، ويؤمن به الاختلال، وينحسم به الغلط في الحساب، ويؤلف بين السنين المتلفة الأنساب، ويحفظ على القمر معاملته، ويبعد عن التاريخ معاطلته، ويقرّب على الكاتب محاولته، ويصرف عن نعمة اللّه هجنة كونها مقدّمة في التسنية مؤخرة في التسمية، وعن معاملة بيت المال وصمة كونها معذوقة بالمطل، وقد بالغت في التوفيه لأنّ من أعطى في سنة سبع وستين وخمسمائة استحقاق سنة خمس، فلا ريب أنه قد مطل بحكم السمع، وإن كان قد أنجز بحكم الشرع فتوسم هذه السنة المباركة بالهلالية الخراجية، وترفع الحسبانات بهذا الوضع، ويعمل في التقريرات والتسجيلات على هذا، فليفعل في ذلك ما يقضي بإرتاج هذا الانفراج، وجبر هذا الصدع، وليعلم في الدواوين علمه، ولينفذ فيها حكمه بعد ثبوته إلى حيث يثبت مثله إن شاء اللّه تعالى. وأما تاريخ العرب: فإنه لم يزل في الجاهلية والإسلام يعمل بشهور الأهلة، وعدّة شهور السنة عندهم: اثنا عشر شهرا، إلا أنهم اختلفوا في أسمائها، فكانت العرب العاربة تسميها: ناتق، ونقيل، وطليق، واسخ، أنخ، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحرف، وبغش. فناتق هو: المحرّم، ونقيل هو: صفر، وهكذا ما بعده على سرد الشهور. وكانت ثمود تسميها: موجب، وموجر، ومورد، وملزم، ومصد، وهوبر، وهوبل، وموها، وديمر، ودابر، وحيقل، ومسيل، فموجب هو: المحرّم، وموجر: صفر، إلا أنهم كانوا يبدأون بالشهور من ديمر، وهو شهر رمضان، فيكون أوّل شهور السنة عندهم، ثم كانت العرب تسميها بأسماء أخر هي: مؤتمر، وناجر، وخوّان، وصوان، وحنتم، وزبا، والأصم، وعادل، وبايق، ووعل، وهواع، وبرك، ومعنى المؤتمر: أنه يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة من أقضيتها، وناجر: من النجر، وهو شدّة الحرّ، وخوّان: فعال من الخيانة، وصوان، بكسر الصاد وضمها: فعال من الصيانة، والزبا: الداهية العظيمة المتكاثفة سمي

стр. 518

بذلك لكثرة القتال فيه، ومنهم من يقول: بعد صوان الزبا، وبعد الزبا بائدة، وبعد بائدة الأصم، ثم واغل، وباطل، وعادل، ورنه، وبرك، فالبائد من القتال إذ كان فيه يبيد كثير من الناس، وجرى المثل بذلك فقيل العجب كل العجب بين جمادى ورجب، وكانوا يستعجلون فيه ويتوخون بلوغ النار والغارات قبل رجب فإنه شهر حرام، ويقولون له الأصم لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال، فلا يسمع فيه صوت السلاح، والواغل الداخل على شرب ولم يدعوه، وذلك لأنه تهجم على شهر رمضان، وكان يكثر في شهر رمضان شربهم الخمر لأن الذي يتلوه هي شهور الحج، وباطل هو مكيال الخمر سمي به لإفراطهم فيه في الشرب، وكثرة استعمالهم لذلك المكيال، وأما العادل فهو من العدل لأنه من أشهر الحج، وكانوا يشتغلون فيه عن الباطل، وأما الزبا فلأن الأنعام كانت تزب فيه لقرب النحر، وأما برك فهو لبروك الإبل إذا حضرت المنحر. وقد روي: أنهم كانوا يسمون المحرّم: مؤتمر، وصفر: ناجر، وربيع الأوّل: نصار، وربيع الآخر: خوان، وجمادى الأولى: حمتن، وجمادى الآخرة: الرنة، ورجب: الأصم وهو شهر مضر، وكانت العرب تصومه في الجاهلية، وكانت تمتار فيه، وتمير أهلها، وكان يأمن بعضهم بعضا فيه، ويخرجون إلى الأسفار، ولا يخافون، وشعبان: عادل، ورمضان: ناتق، وشوّال: واغل، وذو القعدة: هواع، وذو الحجة: برك، ويقال فيه أيضا: أبروك، وكانوا يسمونه الميمون، ثم سمت العرب أشهرها بالمحرّم، وصفر، وربيع الأوّل، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذي القعدة، وذي الحجة، واشتقوا أسماءها من أمور اتفق وقوعها عند تسميتها، فالمحرّم كانوا يحرّمون فيه القتال، وصفر كانت تصفر فيه بيوتهم لخروجهم إلى الغزو، وشهرا ربيع كانا زمن الربيع، وشهرا جمادى كانا يجمد فيهما الماء لشدّة البرد، ورجب الوسط، وشعبان يشعب فيه القتال، ورمضان من الرمضاء لأنه كان يأتي فيه القيظ، وشوّال تشيل فيه الإبل أذنابها، وذو القعدة لقعودهم في دورهم، وذو الحجة لأنه شهر الحج، وأنت إذا تأمّلت اشتقاق أسماء شهور الجاهلية أوّلا، ثم اشتقاقها ثانيا تبين لك أنّ بين التسميتين زمانا طويلا، فإنّ صفر في أحدهما هو: صميم الحروب، وفي الآخر: رمضان، ولا يمكن ذلك في وقت واحد أو وقتين متقاربين، وكانت العرب أوّلا تستعمل هذه الشهور على نحو ما يستعمله أهل الإسلام إما بطريق إلهيّ، أو لأنّ العرب لم يكن لها دراية بمراعاة حساب حركات النيرين، فاحتاجت إلى استعمال مبادي الشهور لرؤية الأهلة، وجعلت زمان الشهر بحسب ما يقع بين كل هلالين، فربما كان بعض الشهور تامّا أعني ثلاثين يوما، وربما كان ناقصا أعني تسعة وعشرين يوما، وربما كانت أشهر متوالية تامّة أكثرها أربعة، وهذا نادر، وربما كانت أشهر متوالية ناقصة أكثرها ثلاثة، وكان يقع حج العرب في أزمنة السنة كلها، وهو أبدا عاشر ذي الحجة من عهد إبراهيم وإسماعيل ﵉، فإذا انقضى موسم الحج تفرّقت العرب

стр. 519

طالبة أماكنها، وأقام أهل مكة بها، فلم يزالوا على ذلك دهرا طويلا إلى أن غيروا دين إبراهيم وإسماعيل، فأحبوا أن يتوسعوا في معيشتهم، ويجعلوا حجهم في وقت إدراك شغلهم من الأدم والجلود والثمار ونحوها، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة في أطيب الأزمنة، وأخصبها فتعلموا كبس الشهور من اليهود الذين نزلوا يثرب من عهد شمويل نبيّ بني إسرائيل، وعملوا النسيء (١) قبل الهجرة بنحو مائتي سنة، وكان الذي يلي النسيء يقال له: القلمس يعني الشريف، وقد اختلف في أول من أنسأ الشهور منهم فقيل: القلمس هو: عديّ بن زيد، وقيل: القلمس هو: سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وإنه قال: أرى شهور الأهلة ثلثمائة وأربعة وخمسين يوما، وأرى شهور العجم ثلثمائة وخمسة وستين يوما، فبيننا وبينهم أحد عشر يوما، ففي كل ثلاث سنين ثلاثة وثلاثون يوما، ففي كل ثلاث سنين شهر، وكان إذا جاءت ثلاث سنين قدّم الحج في ذي القعدة، فإذا جاءت ثلاث سنين أخر في المحرّم، وكانت العرب إذا حجت قلّدت الإبل النعال، وألبستها الجلال، وأشعرتها، فلا يتعرّض لها أحد إلاّ خثعم، وكان النسيء في بني كنانة، ثم في بني ثعلبة بن مالك بن كنانة، وكان الذي يلي ذلك منهم: أبو ثمامة المالكيّ، ثم من بني فقيم، وبنو فقيم هم النساءة، وهو منسيء الشهور، وكان يقوم على باب الكعبة، فيقول: إنّ إلهتكم العزى قد أنسأت صفر الأوّل، وكان يحله عاما ويحرّمه عاما، وكان إتباعهم على ذلك غطفان وهوازن وسليم وتميم، وآخر النساءة: جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم. وقيل: القلمس هو: حذيفة بن عبد بن فقيم بن عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم توارث ذلك منه بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام ﵇ أبو ثمامة جنادة، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فأحلّ لهم من الشهور، وحرّم، فأحلوا ما أحلّ وحرّموا ما حرّم، وكان إذا أراد أن ينسئ منها شيئا أحل المحرّم، فأحلوه، وحرّم مكانه صفر فحرّموه ليواطئوا عدّة الأربعة، فإذا أرادوا الهدي اجتمعوا إليه، فقال: اللهم إني لا أجاب، ولا أعاب في أمري والأمر لما قضيت، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طي وخثعم، فاقتلوهم حيث ثقفتموهم أي ظفرتم به، اللهم إني قد أحللت أحد الصفرين الصفر الأوّل وأنسأت الآخر من العام المقبل، وإنما أحل دم طي وخثعم لأنهم كانوا يعدون على الناس في الشهر الحرام من بين جميع العرب. وقيل: أوّل من أنسأ سرير بن ثعلبة، وانقرض فأنسأ من بعده ابن أخيه: القلمس واسمه عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحرث بن كنانة، ثم صار النسيء في ولده، وكان آخرهم أبو ثمامة جنادة، وقيل: عوف بن أمية بن قلع عن أبيه أمية بن قلع عن جدّه قلع بن عباد عن

стр. 520

جدّ أبيه عباد بن حذيفة عن جدّ جدّه حذيفة بن عبد بن فقيم، وكان يقال لحذيفة القلمس، وهو أوّل من أنسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما أحل وحرّم ما حرّم، ثم كان بعد عوف المذكور ولده أبو ثمامة جنادة بن عوف، وعليه قام الإسلام، وكان أبعدهم ذكرا، وأطولهم أمدا يقال: إنه أنسأ أربعين سنة، ولهم يقول عمير بن قيس جذل الطعان يفتخر: وأيّ الناس لم يسبق بوتر … وأيّ الناس لم يعلك لجاما ألسنا الناسئين على معدّ … شهور الحل نجعلها حراما وقال آخر: أتزعم أني من فقيم بن مالك … لعمري لقد غيرت ما كنت أعلم لهم ناسئ يمشون تحت لوائه … يحل إذا شاء الشهور ويحرم وقيل: كانت العرب تكبس في كل أربع وعشرين سنة قمرية بتسعة أشهر، فكانت شهورهم ثابتة مع الأزمنة جارية على سنن واحد لا تتأخر عن أوقاتها، ولا تتقدّم وكان النسيء الأوّل للمحرّم، فسمي صفر باسمه، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر، ثم والوا بين أسماء الشهور، فكان النسيء الثاني بصفر، فسمي الذي كان يتلوه بصفر أيضا، وكذلك حتى دار النسيء في الشهور الاثني عشر، وعاد إلى المحرّم، فأعادوا فعلهم الأوّل، وكانوا يعدّون أدوار النسيء، ويحدّون بها الأزمنة، فيقولون: قد دارت السنون من لدن زمان كذا إلى زمان كذا: وكذا دورة، فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع من كسور سنة الشمس بقية فضل ما بينها، وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها كبسوها كبسا ثانيا، وكان يظهر لهم ذلك بطلوع منازل القمر، وسقوطها حتى هاجر النبيّ ﷺ ، وكانت نوبة النسيء بلغت شعبان، فسمي: محرّما، وشهر رمضان: صفر، وقيل: إن الناسيء الأوّل نسأ المحرّم، وجعله كبسا، وأخر المحرّم إلى صفر، وصفر إلى ربيع الأوّل، وكذا بقية الشهور، فوقع لهم في تلك السنة عاشر المحرّم، وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا، ونقل الحج بعد كل ثلاث سنين شهرا فمضى على ذلك مائتان وعشر سنين، وكان انقضاؤها سنة حجة الوداع، وكان وقوع الحج في السنة التاسعة من الهجرة عاشر ذي القعدة، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر الصدّيق ﵁ بالناس، ثم حجر رسول اللّه ﷺ في السنة العاشرة حجة الوداع لوقوع الحج فيها عاشر ذي الحجة كما كان في عهد إبراهيم وإسماعيل، ولذلك قال ﷺ في حجته هذه: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض» يعني رجوع الحج والشهور إلى الوضع، وأنزل اللّه تعالى إبطال النسيء بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اَللّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اَللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ [التوبة/ ٣٧] فبطل ما أحدثته الجاهلية من النسيء، واستمرّ وقوع الحج والصوم برؤية الأهلة، وللّه الحمد.

стр. 521

وكانت العرب لها تواريخ معروفة عندها قد بادت، فما كانت تؤرخ به، إنّ كنانة أرخت من موت كعب بن لؤيّ حتى كان عام الفيل، فأرخوا به، وهو عام مولد رسول اللّه ﷺ ، وكان بين كعب بن لؤيّ، والفيل خمسمائة وعشرون سنة، وكان بين الفيل، وبين الفجار أربعون سنة، ثم عدّوا من الفجار إلى وفاة هشام بن المغيرة، فكان ست سنين، ثم عدّوا من وفاة هشام بن المغيرة إلى بنيان الكعبة، فكان تسع سنين، ثم كان بين بنائها، وبين هجرة رسول اللّه ﷺ خمس عشرة سنة. ثم وقع التاريخ من الهجرة النبوية، فعن سعيد بن المسيب قال: جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس فسألهم من أيّ يوم يكتب التاريخ؟ فقال عليّ بن أبي طالب: من يوم هاجر رسول اللّه ﷺ ، وترك أرض الشرك، ففعله عمر، وعن سهل بن سعد الساعديّ قال: أخطأ الناس في العدد ما عدّوا من مبعثه، ولا من وفاته إنما عدّوا من مقدمه المدينة، وعن ابن عباس ﵄ قال: كان التاريخ من السنة التي قدم فيها رسول اللّه ﷺ المدينة، وقال قرّة بن خالد عن محمد: كان عند عمر بن الخطاب ﵁ عامل جاء من اليمن فقال لعمر: أما تؤرخون؟ تكتبون في سنة كذا وكذا من شهر كذا وكذا، فأراد عمر والناس أن يكتبوا من مبعث رسول اللّه ﷺ ، ثم قالوا: من عند وفاته، ثم أرادوا أن يكون ذلك من الهجرة، ثم قالوا: من أي شهر، فأرادوا أن يكون من رمضان، ثم بدا لهم، فقالوا: من المحرّم. وقال ميمون بن مهران: رفع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، صكّ محله شعبان، فقال: أيّ شعبان هو؟ أشعبان الذي نحن فيه أو الآتي؟ ثم جمع وجوه الصحابة فقال: إنّ الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير مؤقت، فكيف التوصل إلى ما يضبط به ذلك، فقالوا: يجب أن يعرف ذلك من رسوم الفرس، فعندها استحضر عمر ﵁ الهرمزان، وسأله عن ذلك، فقال: إنّ لنا حسابا نسميه: ماه روز، معناه: حساب الشهور والأيام، فعرّبوا الكلمة، وقالوا: مؤرخ، ثم جعلوه اسم التاريخ واستعملوه، ثم طلبوا وقتا يجعلونه أوّلا لتاريخ دولة الإسلام، فاتفقوا على أن يكون المبدأ من سنة الهجرة، وكانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وقد تصرّم من شهور السنة، وأيامها المحرّم وصفر، وأيام من ربيع الأوّل، فلما عزموا على تأسيس الهجرة رجعوا القهقرى ثمانية وستين يوما، وجعلوا التاريخ من أوّل محرّم هذه السنة، ثم أحصوا من أوّل يوم في المحرّم إلى آخر عمر رسول اللّه ﷺ ، فكان عشر سنين وشهرين، وأما إذا حسب عمره المقدّس من الهجرة حقيقة، فيكون قد عاش ﷺ بعدها تسع سنين، وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما، وكان بين مولده ﷺ وبين مولد المسيح ﵇، خمسمائة وثمان وسبعون سنة تنقص شهرين وثمانية أيام. وابتداء تاريخ الهجرة يوم الخميس أوّل شهر اللّه المحرّم، وبينه وبين الطوفان ثلاثة

стр. 522

آلاف وسبعمائة، وخمس وثلاثون سنة، وعشرة أشهر واثنان وعشرون يوما على ما عرّفناه من الخلاف في ذلك، وبينه وبين تاريخ الإسكندر بن فيليبس المقدونيّ الروميّ: تسعمائة وإحدى وستون سنة قمرية وأربعة وخمسون يوما لتكون من السنين الشمسية تسعمائة واثنتين وثلاثين سنة، ومائتين وتسعة وثمانين يوما عنها تسعة أشهر وتسعة عشر يوما، وبينه وبين تاريخ القبط: ثلثمائة وسبع وثلاثون سنة وتسعة وثلاثون يوما. وقال ابن ماشا اللّه (١): إنّ انتقال المرمن المثلثة الهوائية التي هي برج الجوزاء دولتها إلى برج السرطان، ومثلثته المائية التي كانت دولة الإسلام فيها عند تمام ستة آلاف وثلثمائة وخمس وأربعين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما من وقت القران الأوّل الواقع في بدء التحرّك يعني خلق آدم ﵇، وإن القران من هذه المثلثة وقع في أربع درج ودقيقة واحدة من برج العقرب، وهو قران الملة الإسلامية، قال: وفي السنة الثانية من هذا القران ولد رسول اللّه ﷺ وكان بين دخول الشمس برج الحمل في هذه السنة، وبين أوّل يوم من سنة الهجرة سنون فارسية عدّتها إحدى وخمسون سنة، وثلاثة أشهر وثمانية أيام وست عشرة ساعة، فكان من وقت الطوفان إلى وقت قران الملة ثلاثة آلاف وتسعمائة واثنتا عشرة سنة، وستة أشهر وأربعة عشر يوما. وزعمت اليهود أنّ من آدم ﵇ إلى سنة الهجرة أربعة آلاف واثنتين وأربعين سنة وثلاثة أشهر. وزعمت النصارى أن بينهما خمسة آلاف وتسعمائة وتسعين سنة وثلاثة أشهر. وزعمت المجوس أعني الفرس أن بينهما أربعة آلاف ومائة واثنتين وثمانين سنة وعشرة أشهر، وتسعة عشر يوما، وقد عرفت أنّ شهور تاريخ الهجرة قمرية، وأيام كل سنة منها عدّتها ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما، وخمس وسدس يوم، وجميع الأحكام الشرعية مبنية على رؤية الهلال عند جميع فرق الإسلام ما عدا الشيعة، فإنّ الأحكام مبنية عندهم على عمل شهور السنة بالحساب على ما ستراه في ذكر القاهرة وخلفائها، ثم لما احتاج منجمو الإسلام إلى استخراج من لا بدّ منه من معرفة الأهلة، وسمت القبلة، وغير ذلك بنوا أزياجهم على التاريخ العربيّ، وجعلوا شهور السنة العربية شهرا كاملا، وشهرا ناقصا، وابتدأوا بالمحرّم اقتداء بالصحابة ﵃، فجعلوا المحرّم ثلاثين يوما، وصفر تسعة وعشرين يوما، وربيعا الأوّل ثلاثين يوما، وربيعا الآخر تسعة وعشرين يوما، وجمادى الأولى ثلاثين يوما، وجمادى الآخرة تسعة وعشرين يوما، ورجب ثلاثين يوما، وشعبان تسعة وعشرين يوما، ورمضان ثلاثين يوما، وشوّالا تسعة وعشرين يوما، وذا القعدة ثلاثين

стр. 523

يوما، وذا الحجة تسعة وعشرين يوما، وزادوا من أجل كسر اليوم الذي هو خمس وسدس يوما في ذي الحجة إذا صار هذا الكسر أكثر من نصف يوم، فيكون شهر ذي الحجة في تلك السنة ثلاثين يوما، ويسمون تلك السنة كبيسة، ويصير عددها ثلثمائة وخمسة وخمسين يوما، ويجتمع في كل ثلاثين من الكبس أحد عشر يوما، واللّه أعلم. وأما تاريخ الفرس، ويعرف أيضا بتاريخ يزدجرد، فإنه من ابتداء تملك يزدجرد بن شهربار بن كسرى أبرويز، أرخ به الفرس من أجل أن يزدجرد قام في المملكة بعد ما تبدّد ملك فارس، واستولى عليه النساء، والمتغلبون، وهو أيضا آخر ملوك فارس، وبقتله تمزق ملكهم، وأوّل هذا التاريخ يوم الثلاثاء، وبينه وبين تاريخ الهجرة تسع سنين، وثلثمائة وثمانية وثلاثون يوما، وأيام سنة هذا التاريخ تنقص عن السنة الشمسية ربع يوم، فيكون في كل مائة وعشرين سنة شهرا واحدا، ولهم في كبس السنة آراء ليس هذا موضع إيرادها، وعلى هذا التاريخ يعتمد في زمننا أهل العراق وبلاد العجم، وللّه عاقبة الأمور. ذكر فسطاط مصر قال الجوهريّ: الفسطاط بيت من شعر، قال: ومنه فسطاط مدينة مصر، إعلم: أن فسطاط مصر اختط في الإسلام بعد ما فتحت أرض مصر، وصارت دار إسلام، وقد كانت بيد الروم، والقبط وهم نصارى ملكانية، ويعقوبية وميانية، وحين اختط المسلمون الفسطاط انتقل كرسيّ المملكة من مدينة الإسكندرية بعد ما كانت منزل الملك، ودار الإمارة زيادة على تسعمائة سنة، وصار من حينئذ الفسطاط دار إمارة ينزل به أمراء مصر، فلم يزل على ذلك حتى بنى العسكر بظاهر الفسطاط، فنزل فيه أمراء مصر، وسكنوه، وربما سكن بعضهم الفسطاط، فلما أنشأ الأمير أبو العباس أحمد بن طولون القطائع بجانب العسكر سكن فيها، واتخذها الأمراء من بعده منزلا إلى أن انقرضت دولة بني طولون، فصار أمراء مصر من بعد ذلك ينزلون بالعسكر خارج الفسطاط، وما زالوا على ذلك حتى قدمت عساكر الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ الفاطميّ مع كاتبه جوهر القائد، فبنى القاهرة، وصارت خلافة، واستمرّ سكنى الرعية بالفسطاط، وبلغ من وفور العمارة، وكثرة الخلائق، ما أربى على عامّة مدن المعمور حاشا بغداد، وما زال على ذلك، حتى تغلب الفرنج على سواحل البلاد الشامية، ونزل مخري ملك الفرنج بجموعه الكثيرة على بركة الحبش (١) يريد الاستيلاء على مملكة مصر، وأخذ الفسطاط والقاهرة، فعجز الوزير شاور (٢) ابن مجير السعديّ عن حفظ

стр. 524

البلدين معا، فأمر الناس بإخلاء مدينة الفسطاط، واللحاق بالقاهرة للامتناع من الفرنج، وكانت القاهرة إذ ذاك من الحصانة، والامتناع بحيث لا ترام، فارتحل الناس من الفسطاط، وساروا بأسرهم إلى القاهرة، وأمر شاور، فألقى العبيد النار في الفسطاط، فلم تزل به بضعا وخمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه، فلما رحل مري عن القاهرة، واستولى شيركوه (١) على الوزارة تراجع الناس إلى الفسطاط، ورموا بعض شعثه، ولم يزل في نقص وخراب إلى يومنا هذا، وقد صار الفسطاط يعرف في زمننا بمدينة مصر، واللّه أعلم. ذكر ما كان عليه موضع الفسطاط قبل الإسلام إلى أن اختطه المسلمون مدينة اعلم: أنّ موضع الفسطاط الذي يقال له اليوم: مدينة مصر كان فضاء ومزارع فيما بين النيل، والجبل الشرقيّ الذي يعرف بالجبل المقطم، ليس فيه من البناء، والعمارة سوى حصن يعرف اليوم بعضه: بقصر الشمع، وبالمعلقة ينزل به شحنة الروم المتولي على مصر من قبل القياصر ملوك الروم عند مسيره من مدينة الإسكندرية، ويقيم فيه ما شاء، ثم يعود إلى دار الإمارة، ومنزل الملك من الإسكندرية، وكان هذا الحصن مطلا على النيل، وتصل السفن في النيل إلى بابه الغربيّ الذي كان يعرف بباب الحديد، ومنه ركب المقوقس في السفن في النيل من بابه الغربيّ حين غلبه المسلمون على الحصن المذكور، وصار فيه إلى الجزيرة التي تجاه الحصن، وهي التي تعرف اليوم: بالروضة قبالة مصر، وكان مقياس النيل بجانب الحصن. وقال ابن المتوّج: وعمود المقياس موجود في زقاق مسجد ابن النعمان قلت: وهو باق إلى يومنا هذا، أعني سنة عشرين وثمانمائة، وكان هذا الحصن لا يزال مشحونا بالمقاتلة، وسيرد في هذا الكتاب خبره إن شاء اللّه تعالى، وكان بجوار هذا الحصن من بحريه، وهي الجهة الشمالية أشجار وكروم صار موضعها الجامع العتيق، وفيما بين الحصن والجبل عدّة كنائس، وديارات للنصارى في الموضع الذي يعرف اليوم براشدة، وبجانب الحصن فيما بين الكروم التي كانت بجانبه، وبين الجرف الذي يعرف اليوم: بجبل يشكر، حيث جامع ابن طولون، والكبش عدّة كنائس، وديارات للنصارى في الموضع الذي كان يعرف في أوائل الإسلام بالحمراء، وعرف الآن بخط قناطر السباع والسبع سقايات، وبقي بالحمراء عدّة من الديارات إلى أن هدمت في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون على ما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر كنائس النصارى، فلما افتتح عمرو بن العاص مدينة

стр. 525

الإسكندرية الفتح الأوّل نزل بجوار هذا الحصن، واختط الجامع المعروف بالجامع العتيق، وبجامع عمرو بن العاص، واختطت قبائل العرب من حوله، فصارت مدينة عرفت بالفسطاط، ونزل الناس بها، فانحسر بعد الفتح بأعوام ماء النيل عن أرض تجاه الحصن والجامع العتيق، فصار المسلمون يوقفون هناك دوابهم، ثم اختطوا فيه المساكن شيئا بعد شيء، وصار ساحل البلد حيث الموضع الذي يقال له اليوم في مصر: المعاريج مارّا إلى الكوم الذي على يسرة الداخل من باب مصر بحدّ الكبارة، وفي موضع هذا الكوم كانت الدور المطلة على النيل، ويمرّ الساحل من باب مصر المذكور إلى حيث بستان ابن كيسان الذي يعرف اليوم: ببستان الطواشي في أوّل مراغة مصر، وجميع الأماكن التي تعرف اليوم: بمراغة مصر وبالجرف إلى الخليج عرضا، ومن حيث قنطرة السدّ إلى سوق المعاريج طولا، كان غامرا بماء النيل إلى أن انحسر عنه ماء النيل بعد سنة ستمائة من سني الهجرة، فصار رملة، ثم اختط فيه الأمراء مما يلي النيل آدرا عند ما عمر الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الروضة، واختط بعضه شونا إلى أن أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون جامعه المعروف بالجامع الجديد الناصري ظاهر مصر، فعمر ما حوله، وقد كان عند فتح مصر سائر المواضع التي من منشأة المهرانيّ إلى بركة الحبش طولا، ومن ساحل النيل بموردة الحلفاء، وتجاه الجامع الجديد إلى سوق المعاريج، وما على سمته إلى تجاه المشهد الذي يقال له: مشهد الراس، وتسميه العامّة اليوم: مشهد زين العابدين كلها بحرا لا يحول بين الحصن والجامع، وما على سمتهما إلى الحمراء الدنيا التي منها اليوم: خط قناطر السباع، وبين جزيرة مصر التي تعرف اليوم: بالروضة شيء سوى ماء النيل، وجميع ما في هذه المواضع من الأبنية انكشف عنه النيل قليلا قليلا، واختط على ما يتبين لك في هذا الكتاب. ذكر الحصن الذي يعرف بقصر الشمع (١) اعلم: أن هذا القصر أحدث بعد خراب مصر على يد بخت نصر، وقد اختلف في الوقت الذي بنى فيه، ومن أنشأه من الملوك، فذكر الواقديّ: أن الذي بناه اسمه: الريان بن الوليد بن أرسلاوس، وكان هذا القصر يوقد عليه الشمع في رأس كل شهر، وذلك أنه إذا حلّت الشمس في برج من البروج أوقد في تلك الليلة الشمع على رأس ذلك القصر، فيعلم الناس بوقود الشمع أنّ الشمس انتقلت من البرج الذي كانت فيه إلى برج آخر غيره، ولم يزل القصر على حاله، إلى أن خربت مصر زمن بخت نصر بن نيروز الكلدانيّ، فأقام خرابا خمسمائة سنة، ولم يبق منه إلا أثره فقط، فلما غلب الروم على مصر، وملكوها من أيدي اليونانيين، ولي مصر من قبلهم رجل يقال له: أرجاليس بن مقراطيس فبنى القصر على ما وجد من أساسه.

стр. 526

وقال ابن سعيد: وصارت مصر والشام بعد بخت نصر في مملكة الفرس، فوليها منهم: كشرجوش الفارسيّ باني قصر الشمع، وبعده طخارست الطويل الولاية، وتوالت بعده نوّاب الفرس إلى ظهور الإسكندر، وقال غيره: إن الذي بناه طخشاشت أحد ملوك الفرس عند ما سار لمحاربة أهل مصر، فلما غلب قسطو ملك مصر الذي يعرف بفرعون سابان، وفرّ منه إلى مقدونية غلب على ملك مصر، واستولى عليها وبنى للفرس قصرا، وجعل فيه بيت نار على شاطئ النيل الشرقيّ، وعرف بقصر الشمع لأنه كان له باب يقال له: باب الشمع، وجعل في القصر بيت نار وهو باق. وقال ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد: وكانت الفرس قد أسست بناء الحصن الذي يقال له: باب اليون (١)، وهو الحصن الذي بفسطاط مصر اليوم، فلما انكشفت جموع فارس عن الروم، وأخرجتهم الروم من الشام أتمت بناء ذلك الحصن، وأقامت به، فلم تزل مصر في ملك الروم حتى فتحها اللّه تعالى على المسلمين قال: وكان أبو الأسود نصر بن عبد الجبار يقولها بالميم، يعني باب اليوم، ويقال: إنما سمي كذا لأنهم كانوا يقولون: من يقاتل اليوم. وقال القضاعيّ: ذكر الحصن المعروف بقصر الشمع يقال: إن فارس لما ظهرت على الروم وملكت عليهم الشام، وملكت مصر بدأت ببناء هذا القصر، وبنت فيه هيكلا لبيت النار، ولم يتم بناؤه على أيديهم إلى أن ظهرت الروم عليهم، فتممت بناءه وحصنته، ولم تزل فيه إلى حين الفتح، وهيكل الناس هو القبة المعروفة اليوم بقبة الدخان، وبحضرتها مسجد معلق أحدثه المسلمون. وقال أبو عبيد البكريّ: باب اليون بمصر إن كان عربيا، فإنه مثل يوم، ويوح مما فاؤه ياء، وعينه واو، وقد يجوز أن يكون فعلا من بين، وهو اسم موضع على مذهب أبي الحسن في فعل من البيع بوع قال: وليست الألف واللام فيه للتعريف، فعلى هذا يجب أن تثبت في الرسم. وقال أبو صخر: وحلوا تهامي أرضنا وتبدّلوا … بمكة باب اليون والربط بالعصب والرواية في شعر كثير عزّة في قوله: جرى بين باب اليون والعصب دونه … رياح أشفت بالنقي وأشمت بالباء، وبفتح النون غير مجرور للعجمة على أن همزته مقطوعة، وصلها للضرورة. وقال الحازميّ: باب البون بالباء اسم مدينة مصر فتحها المسلمون، وسموها

стр. 527

الفسطاط، وقال عبد الملك بن هشام بابليون المنسوب إليه مصر هو: بابليون بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان وأن من ولده عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبا، وهو الملك على مصر لما قدم إليها إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليه، والقبط تسمي عمرا هذا: طوطيس، ومن ولده حلوان بن بابليون بن عمرو بن امرئ القيس، وبه سميت حلوان. وقال القاضي القضاعيّ: في ظاهر الفسطاط القصر المعروف بباب ليون بالشرف، ليون اسم بلد مصر بلغة السودان والروم، وقد بقيت من بنائه بقية مبنية بالحجارة على طرف الجبل بالشرف، وعليه اليوم مسجد. قال المؤلف: فهذا كما ترى صريح في أن قصر باب اليون غير قصر الشمع، فإنّ قصر الشمع في داخل الفسطاط، وقصر باب اليون هذا عند القضاعيّ على الجبل المعروف بالشرف، والشرف خارج الفسطاط، وهو خلاف ما قاله ابن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر، واللّه أعلم. ويقال: إنّ في زمن ناحور بن شاروع، وهو الثامن عشر من آدم ملك مصر رجل اسمه: أفطوطس مدّة اثنتين وثلاثين سنة، وأنه أوّل من أظهر علم الحساب والسحر، وحمل كتب ذلك من بلاد الكلدانيين إلى مصر، وفي ذلك الزمان بنيت بابليون على بحر النيل بمصر، وذلك لتمام ثلاثة آلاف وثلثمائة وتسعين للعالم، وقال ابن سعيد في كتاب المعرب: وأما فسطاط مصر، فإنّ مبانيها كانت في القديم متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام، وبها بناء يعرف: بالقصر حوله مساكن، وعليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، وهذا وهم من ابن سعيد، فإنّ فسطاط عمرو إنما كان مضروبا عند درب حمام شموط بخط الجامع هكذا هو بخط الشريف محمد بن أسعد الجواني (١) النسابة، وهو أقعد بخطط مصر، وأعرف من ابن سعيد، وأما موضع الجامع، فكان كروما وجنانا، وحاز موضعه قيسبة التجيبيّ، ثم تصدّق به على المسلمين، فعمل المسجد، وستقف على هذا إن شاء اللّه تعالى في ذكر جامع عمرو عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب. وقال ابن المتوّج: خط قصر الشمع هذا الخط يعرف بقصر الشمع، وفيه قصر الروم وفيه أزقة ودروب، قال: وكنيسة المعلقة بمصر بباب القصر، وهو قصر الروم. وقال ابن عبد الحكم: وأقرّ عمرو بن العاص القصر لم يقسمه ووقفه. وقال أبو عمرو الكنديّ في كتاب الأمراء: وقد ذكر قيام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن

стр. 528

الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وطروق المسجد في إمارة يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة على مصر، وورد كتاب أبي جعفر المنصور على يزيد بن حاتم يأمره بالتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الديوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ست وأربعين ومائة، واللّه أعلم.

стр. 529

ذكر حصار المسلمين للقصر وفتح مصر اختلف الناس في فتح مصر، فقال محمد بن إسحاق، وأبو معشر، ومحمد بن عمرو الواقديّ، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو عمرو الكنديّ: فتحت سنة عشرين، وقال سيف بن عمر: فتحت سنة ست عشرة، وقيل: فتحت سنة ست وعشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، والأوّل أصح وأشهر. قال ابن عبد الحكم: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁، الجابية قام إليه عمرو بن العاص، فخلا به، فقال: يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أسير إلى مصر، وحرّضه عليها، وقال: إنك إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين، وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا، وأعجز عن القتال والحرب. فتخوّف عمر بن الخطاب، وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر بن الخطاب، ويخبره بحالها، ويهوّن عليه فتحها حتى ركن لذلك، فعقد له على أربعة آلاف رجل، كلّهم من عك، ويقال: بل ثلاثة آلاف وخمسمائة، وقال له عمر: سر وأنا مستخير اللّه في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء اللّه تعالى، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئا من أرضها، فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره. فسار عمرو بن العاص من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس، واستخار عمر اللّه، فكأنه تخوّف على المسلمين في وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك عمرا الكتاب إذ هو برفج (١) فتخوّف عمرو إن هو أخذ الكتاب، وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفج والعريش، فسأل عنها فقيل: إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإنّ أمير المؤمنين عهد إليّ، وأمرني إن لحقني كتابه،

стр. 530

ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض مصر، فسيروا، وامضوا على بركة اللّه. ويقال: بل كان عمرو بفلسطين، فتقدّم عمرو بأصحابه إلى مصر بغير إذن، فكتب فيه إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر وهو دون العريش، فحبس الكتاب فلم يقرأه حتى بلغ العريش، فقرأه فإذا فيه من عمر بن الخطاب إلى العاصي ابن العاصي: أما بعد، فإنك سرت إلى مصر، ومن معك وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمري لو نكل بك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر، فارجع. فقال عمرو: الحمد للّه أية أرض هذه؟ قالوا: من مصر فتقدّم كما هو، ويقال: بل كان عمرو في جنده على قيسارية مع من كان بها من أجناد المسلمين، وعمر بن الخطاب ﵁ إذ ذاك بالجابية، فكتب سرّا فاستأذن أن يسير إلى مصر، وأمر أصحابه، فتنحوا كالقوم الذين يريدون أن يتنحوا من منزل إلى منزل قريب، ثم سار بهم ليلا، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا الذي فعل، ورأوا أن قد غدر، فرفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر إلى العاصي ابن العاصي: أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابي، ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك، وقد دخلت فامض، واعلم أنّي ممدّك. ويقال: إنّ عمر بن الخطاب ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص بعد ما فتح الشام: أن اندب الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خف معك فسر به، وبعث به مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج مع عمرو، ثم إنّ عثمان بن عفان ﵁ دخل على عمر بن الخطاب، فقال عمر: كتبت إلى عمرو بن العاص يسير إلى مصر من الشام، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين إنّ عمر لجريء وفيه إقدام وحبّ للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة، فيعرّض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا؟ فندم عمر على كتابه إلى عمرو، وأشفق مما قال عثمان، فكتب إليه: إن أدركك كتابي قبل أن تدخل إلى مصر، فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت، فامض لوجهك. فلما بلغ المقوقس قدوم عمرو بن العاص إلى مصر توجه إلى موضع الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش، وكان على القصر رجل من الروم يقال له: الأعيرج، واليا عليه، وكان تحت المقوقس، وأقبل عمرو حتى إذا كان بجبل الجلال نفرت معه راشدة، وقبائل من لخم فتوجه عمرو حتى إذا كان بالعريش أدركه النحر، فضحى عن أصحابه يومئذ بكبش، وتقدّم، فكان أوّل موضع قوتل فيه الفرما (١) قاتلته الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح
следующие страницы →