وما فيه من قوّامه وكفاته … ورفقتهم بالمعتفين ذوي الفقر
فللميت المقبور حسن جهازه … وللحيّ رفق في علاج وفي جبر
وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا … إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر
ترى أثرا لم يبق من يستطيعه … من الناس في بدو البلاد ولا حضر
مآثر لا تبلى وإن باد أهلها … ومجد يؤدي وارثيه إلى الفخر
لقد ضمن القبر المقدّر ذرعه … أجلّ إذا ما قيس من قبتي حجر
وقام أبو الجيش ابنه بعد موته … كما قام ليث الغاب في الأسل السمر
أتته المنايا وهو في أمن داره … فأصبح مسلوبا من النهي والأمر
كذاك الليالي من أعارته بهجة … فيا لك من ناب حديد ومن ظفر
وورث هارون ابنه تاج ملكه … كذاك أبو الأشبال ذو الناب والهصر
وقد كان جيش قبله في محله … ولكنّ جيشا كان مستقصر العمر
فقام بأمر الملك هارون مدّة … على كظظ (١) من ضيق باع ومن حصر
وما زال حتى زال والدهر كاشح (٢) … عقاربه من كل ناحية تسري
تذكرتهم لما مضوا فتتابعوا … كما أرفض سلك من جمان ومن شذر
فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهله … لفقدهم فليبك حزنا على مصر
ليبك بني طولون إذ بان عصرهم … فبورك من دهر وبورك من عصر
وقال أيضا:
من لم ير الهدم للميدان لم يره … تبارك اللّه ما أعلى وأقدره
لو أن عين الذي أنشأه تبصره … والحادثات تعاديه لأكبره
كانت عيون الورى تعشوا لهيبته … إذا أضاف إليه الملك عسكره
أين الملوك التي كانت تحلّ به … وأين من كان بالإنفاذ دبره
وأين من كان يحميه ويحرسه … من كل ليث يهاب الليث منظره
صاح الزمان بمن فيه ففرّقهم … وحط ريب البلى فيه فدعثره (٣)
وأخلق الدهر منه حسن جدّته … مثل الكتاب محا العصر أن أسطره
دكت مناظره واجتثّ جوسقه … كأنما الخسف فاجأه فدمّره
أو هبّ إعصار نار في جوانبه … فعاد معروفه للعين منكره
كم كان يأوي إليه في مقاصره … أحوى أغنّ غضيض الطرف أحوره
стр. 597
كم كان فيه لهم من مشرب غدق … فعب صرف الردى فيه فكدّره
أين ابن طولون بانيه وساكنه … أماته الملك الأعلى فأقبره
ما أوضح الأمر لو صحت لنا فكر … طوبى لمن خصه رشد فذكره
وقال أحمد بن إسحاق الجفر:
وإذا ما أردت أعجوبة الده … ر تراها فانظر إلى الميدان
تنظر البين والهموم وأنوا … عا توالت به من الأشجان
يعلم العالم المبصر أن الده … ر فيما يراه ذو ألوان
أين ما فيه من نعيم ومن عي … ش رخيّ ونضرة وحسان
أين ذاك المسك الذي ديف (١) بالعن … بر بحتا وعلّ (٢) بالزعفران
أين ذاك الخز المضاعف والوشي … وما استخلصوا من الكتان
أين تلك القيان تشدو على العر … س بما استحسنوا من الألحان
حوّز الدهر آل طولون في هوّة … نقر مسكونها غير دان
وأعاض الميدان من بعد أهليه … ذئابا تعوي بتلك المغاني
ثم أمر الحسين بن أحمد المادراني متولي خراج مصر بهدم الديوان، فابتدئ في هدمه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وبيعت أنقاضه، ودثر كأنه لم يكن. فقال محمد بن طسويه:
وكأنّ الميدان ثكلى أصيبت … بحبيب قد ضاع ليلة عرس
تتغشى الرياح منه محلا … كان للصون في ستور الدمقس
وبفرش الأضريج والبسط الدي … باج في نعمة وفي لين لمس
ووجوه من الوجوه حسان … وخدود مثل اللآلئ ملس
وكل نجلاء كالغزال وبخلا … ورداح (٣) من بين حور ولعس (٤)
آل طولون كنتم زينة الأر … ض فأضحى الجديد أهدام لبس
وقال ابن أبي هاشم:
يا منزلا لبني طولون قد دثرا … سقاك صرف الغوادي القطر والمطرا
يا منزلا صرت أجفوه وأهجره … وكان يعدل عندي السمع والبصرا
بالله عندك علم من أحبتنا … أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا
стр. 598
وقال:
ألا فاسأل الميدان ثم اسأل الجبل … عن الملك الماضي ابن طولون ما فعل
وعن ابنه العباس إن كنت سائلا … وأين أبو الجيش الفصافصة البطل
وجيش وهارون الذي قام بعده … وشيبان بالأمس الذي خانه الأمل
ومن قبله أردى ربيعة يومه … وكان هزبرا لا يطاق إذا حمل
وأين ذراريهم وأين جموعهم … وكيف تقضي عنهم الملك فاضمحل
وأين بناء القصر والجوسق الذي … عهدناه معمور الفناء له زجل
لقد ملكوه برهة من زماننا … بدولتهم ثم انقضوا بانقضا الدول
فما منهم خلق يحس ولا يرى … بذكر طوال الدهر لما انقضى الأجل
وصاروا أحاديثا لمن جاء بعدهم … وكان بهم في ملكهم يضرب المثل
وقال:
قف وقفة وانظر إلى الميدان … والقصر ذي الشرفات والإيوان
والجوسق العالي المنيف بناؤه … ما باله قفر من السكان
أين الذين لهوا به وعنوا به … زمنا مع القينات والنسوان
يجبي الخراج إليهم في دارهم … لا يرهبون غوائل الحدثان
جمعوا الجموع مع الجموع فأكثروا … واستأثروا بالروم والسودان
فانظر إلى ما شيدوا من بعدهم … هل فيه غير البوم والغربان
أين الأولى حفروا العيون بأرضه … وتأنقوا فيه وفي البنيان
غرسوا صنوف النخل في ساحاته … وغرائب الأعناب والرّمان
والزعفران مع البهاء بأرضه … والورد بين الآس والريحان
كانوا ملوك الأرض في أيامهم … كبراء كل مدينة ومكان
فتمزقوا وتفرّقوا فهناك هم … تحت الثرى يبلون في الأكفان
إلا أغيلمة أسارى بعدهم … في دار مضيعة ودار هوان
متلذذين بأسرهم قد شرّدوا … ونفوا عن الأهلين والأوطان
واللّه وارث كل حيّ بعدهم … وله البقاء وكل شيء فان
وقال:
إن في قبة الهواء لذي اللب معتبر … والقصور المشيدات مع الدور والحجر
والبساتين والمجالس والبيت والزهر … والجواري المغنيات ذوي الدل والخفر
يتبخترن في الحرير وفي الوشي والحبر … وملوك عبيدهم عدد الشوك والشجر
وجيوش مؤيدوون لدى البأس بالظفر … من صنوف السودان والترك والروم والخزر
стр. 599
عمروا الأرض مدّة ثم صاروا إلى الحفر … واستبدّ الزمان من عاش منهم فلم يذر
فهم في الهوان والذل أسرى على خطر … وهم بعد صفو عيش من الذل في كدر
يا آل طولون ما لكم صرتم للورى سمر … يا آل طولون كنتم خبرا فانقضى الخبر
وقال:
مررت على الميدان معتبرا به … فناديته أين الجبال الشوامخ
خمار وعباس وأحمد قبلهم … وأين ترى شبانهم والمشايخ
وأين ذراري آل طولون بعدهم … أما فيك منهم أيها الربع صارخ
وأين ثياب الخز والوشي والحلى … وأربابها أم أين تلك المطابخ
وأين فتات المسك والعنبر الذي … عنيت به دهرا وتلك اللطائخ
لقد غالك الدهر الخؤون بصرفه … فأصبحت منحطا وغيرك باذخ
وقال:
مررت على الميدان بالأمس ضاحيا … فأبصرته قفر الجناب فراعني
فناديت فيه يا آل طولون ما لكم … فهود فما حلق بحرف أجابني
فأذريت عينا ذات دمع غزيرة … ورحت كئيب القلب مما أصابني
وإني عليهم ما بقيت لموجع … ولست أبالي من لحاني وعابني
وحدّث محمد بن أبي يعقوب الكاتب قال: لما كانت ليلة عيد الفطر من سنة اثنتين وتسعين ومائتين تذكرت ما كان فيه آل طولون في مثل هذه الليلة من الزيّ الحسن بالسلاح، وملوّنات البنود والأعلام، وشهرة الثياب، وكثرة الكراع وأصوات الأبواق والطبول، فاعتراني لذلك فكرة، ونمت في ليلتي، فسمعت هاتفا يقول: ذهب الملك التملك والزينة لما مضى بنو طولون.
وقال القاضي أبو عمرو عثمان النابلسيّ في كتاب حسن السيرة في اتخاذ الحصن بالجزيرة: رأيت كتابا قدر اثنتي عشرة كراسة مضمونة فهرست شعراء الميدان الذي لأحمد بن طولون قال: فإذا كانت أسماء الشعراء في ثنتي عشرة كراسة، كم يكون شعرهم؟ مع أنه لم يوجد من لك الآن ديوان واحد. وقال أبو الخطاب بن دحية في كتاب النبراس: وخربت قطائع أحمد بن طولون، يعني في الشدّة العظمى زمن الخليفة المستنصر، وهلك جميع من كان بها من الساكنين، وكانت نيفا على مائة ألف دار نزهة للناظرين محدقة بالجنان والبساتين، واللّه يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
стр. 600
ذكر من ولي مصر من الأمراء بعد خراب القطائع إلى أن بنيت قاهرة المعز على يد القائد جوهر
وكان أوّل من ولي مصر بعد زوال دولة بني طولون وخراب القطائع.
محمد بن سليمان الكاتب (١) كاتب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون دخل مصر يوم الخميس مستهلّ ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ودعا على المنبر لأمير المؤمنين المكتفي بالله وحده، وجعل أبا عليّ الحسين بن أحمد المادرانيّ على الخراج عوضا عن أحمد بن عليّ المادرانيّ.
ثم ورد كتاب المكتفي بولاية: عيسى بن محمد (٢) النوشريّ أبي موسى، فولي على الصلاة، ودخل خليفته لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى، فتسلم الشرطتين وسائر الأعمال، ثم قدم عيسى لسبع خلون من جمادى الآخرة، وخرج محمد بن سليمان مستهلّ رجب، وكان مقامه بمصر أربعة أشهر، فأخرج كل من بقي من الطولونية، فلما بلغوا دمشق، انخنس عنهم محمد بن عليّ الخليج في جمع كثير ممن كره مفارقة مصر من القوّاد، فعقدوا له عليهم، وبايعوه بالإمرة في شعبان، ورجع إلى مصر، فبعث إليه النوشريّ بجيش أوّل رمضان، وقد دخل أرض مصر، ثم خرج إليه النوشري، وعسكر بباب المدينة أوّل ذي القعدة، وسار إلى العباسة، ثم رجع لثلاث عشرة خلت منه، وخرج إلى الجيزة من غده وأحرق الجسرين، وسار يريد الإسكندرية، ففرّ عنه طائفة إلى ابن الخليج، فبعث إليه بجيش، فهزمه وسار إلى الصعيد.
ودخل محمد بن الخليج الفسطاط لأربع عشرة بقيت من ذي القعدة، فوضع العطاء، وفرض الفروض، وقدم أبو الأعز من قبل المكتفي في طلب ابن الخليج، فخرج إليه لثلاث خلون من المحرّم سنة ثلاث وتسعين وحاربه، فانهزم منه أبو الأعز، وأسر من أصحابه جمعا كثيرا، وعاد لثمان بقين منه، فقدم فاتك المعتضدي من بغداد في البرّ، فعسكر وقدم دميانة (٣) في المراكب، فنزل فاتك النويرة (٤)، فخرج ابن الخليج وعسكر بباب المدينة، وقام في الليل بأربعة آلاف من أصحابه ليبيت فاتكا، فأضلوا الطريق، وأصبحوا قبل أن يبلغوا النويرة، فعلم بهم فاتك، فنهض بأصحابه، وحارب ابن الخليج، فانهزم عنه
стр. 601
أصحابه، وثبت في طائفة، ثم انهزم إلى الفسطاط لثلاث خلون من رجب، فاستتر، ودخل دميانة في مراكب الثغور، وأقبل عيسى النوشري، ومعه الحسين المادرانيّ، ومن كان معهما لخمس خلون منه، فعاد النوشري إلى ما كان عليه من صلاتها، والمادرانيّ إلى ما كان عليه من الخراج، وعرف النوشريّ بمكان ابن الخليج، فهجم عليه وقيده لست خلون من رجب، وكانت مدّة ابن الخليج بمصر سبعة أشهر وعشرين يوما، ودخل فاتك في عسكره إلى الفسطاط لعشر خلون من رجب، فأخرج ابن الخليج في البحر لست خلون من شعبان، فلما قدم بغداد طيف به وبأصحابه وهم ثلاثون نفرا، فكان يوما مذكورا، وابتدئ في هدم ميدان بني طولون في شهر رمضان، وبيعت أنقاضه، وخرج فاتك إلى العراق للنصف من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين، وأمر النوشري بنفي المؤنثين، ومنع النوح والنداء على الجنائز، وأمر بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصلاتين، ثم أمر بفتحه بعد أيام، ومات المكتفي في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، فشغب الجند بمصر، وحاربوا النوشريّ على طلب مال البيعة، فظفر بجماعة منهم، وبويع جعفر المقتدر، فأقرّ النوشري على الصلاة، وقدم زيادة اللّه بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية مهزوما من أبي عبد اللّه الشيعيّ في رمضان سنة ست وتسعين إلى الجيزة، فمنعه النوشري من العبور، وكانت بين أصحابه، وبين جند مصر منافسة، ثم أذن له أن يعبر وحده، ومات النوشري لأربع بقين من شعبان سنة سبع وتسعين، وهو وال، فكانت ولايته خمس سنين وشهرين ونصفا، منها مدّة ابن الخليج سبعة أشهر وعشرون يوما، وقام من بعده ابنه أبو الفتح محمد بن عيسى.
ثم ولي تكين الخزريّ أبو منصور، من قبل المقتدر على الصلاة، فدعي له بها يوم الجمعة لإحدى عشرة خلت من شوّال، وقدم خليفته لسبع بقين منه، ثم قدم تكين لليلتين خلتا من ذي الحجة، وتقدّم إليه بالجدّ في أمر المغرب، والاحتراس منه، فبعث جيشا إلى برقة عليه أبو اليمن، فحاربه حباسة بن يوسف بعساكر المهديّ عبيد اللّه الفاطميّ صاحب إفريقية، واستولى على برقة، وسار إلى الإسكندرية في زيادة على مائة ألف، فدخلها في المحرّم سنة اثنتين وثلثمائة، فقدمت الجيوش من العراق مددا لتكين في صفر، وقدم الحسين المادرانيّ، وأحمد بن كيغلغ (١) في جمع من القوّاد، وبرزت العساكر إلى الجيزة في جمادى الأولى، وخرج تكين، فكانت واقعة حباسة:
قتل فيها آلاف من الناس، وعاد حباسة إلى المغرب، وقدم مونس الحادم من بغداد في جيوشه للنصف من رمضان، ومعه جمع من الأمراء، فنزل الحمراء، ولقي الناس منهم
стр. 602
شدائد، وخرج ابن كيغلغ إلى الشام في رمضان، وصرف تكين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة صرفه مؤنس، فخرج لسبع خلون من ذي الحجة، وأقام مونس يدعى ويخاطب بالأستاذ.
ثم ولي: ذكا الروميّ أبو الحسن الأعور من قبل المقتدر على الصلاة، فدخل لثنتي عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلثمائة، وخرج موسى بجميع جيوشه لثمان خلون من ربيع الآخر، وخرج ذكا إلى الإسكندرية في المحرّم سنة أربع وثلثمائة، ثم عاد في ثامن ربيع الأوّل، وتتبع كل من يومأ إليه بمكاتبة المهديّ صاحب إفريقية، فسجن منهم، وقطع أيدي أناس، وأرجلهم، وجلا أهل لوبية (١) ومراقية (٢) إلى الإسكندرية خوفا من صاحب برقة، وسير العساكر إلى الإسكندرية، ثم فسد ما بينه وبين الرعية بسبب سب الصحابة ﵃، وسب القرآن، وقدمت عساكر المهديّ صاحب إفريقية إلى لوبية ومراقية عليها أبو القاسم، فدخل الإسكندرية ثامن صفر سنة سبع وثلثمائة، وفرّ الناس من مصر إلى الشام في البرّ والبحر، فهلك أكثرهم، وأخرج ذكا الجند المخالفون له، فعسكر بالجيزة، وقدم أبو الحسن بن المادرانيّ واليا على الخراج، فوضع العطاء، وجدّ ذكا في أمر الحرب، واحتفر خندقا على عسكره بالجيزة، فمرض ومات لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوّل بالجيزة، فكانت إمرته أربع سنين وشهرا.
فولي: تكين مرّة ثانية من قبل المقتدر، وقدمت جيوش العراق عليها، محمود بن حمل، وإبراهيم بن كيغلغ في ربيع الأوّل، ودخل تكين لإحدى عشرة خلت من شعبان، فنزل الجيزة، وحفر خندقا ثانيا، وأقبلت مراكب المغرب، فظفر بها في شوّال، وقدم مونس الخادم من بغداد بعساكره لخمس خلون من المحرّم سنة ثمان وثلثمائة، فنزل الجيزة، وكان في نحو ثلاثة آلاف وسيّر ابن كيغلغ إلى الأشمونين، فمات بالبهنساء أوّل ذي القعدة، وملك أصحاب المهديّ الفيوم، وجزيرة الأشمونين، فقدم جنى الخادم من بغداد في عسكر آخر ذي الحجة، فعسكر بالجيزة، فكانت حروب مع أصحاب المهديّ بالفيوم والإسكندرية، ورجع أبو القاسم بن المهديّ إلى برقة، وصرف تكين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة تسع وثلثمائة.
فولّى مونس: أبا قابوس محمود بن حمل، فأقام ثلاثة أيام، وعزله ورد تكين لخمس بقين من ربيع الأوّل، ثم صرفه بعد أربعة أيام، وأخرجه إلى الشام في أربعة آلاف من أهل الديوان.
стр. 603
ثم ولي: هلال بن بدر من قبل المقتدر على الصلاة، فدخل لست خلون من ربيع الآخر، وخرج مونس لثمان عشرة خلت منه ومعه ابن حمل، فشغب الجند على هلال، وخرجوا إلى منية الأصبغ، ومعهم محمد بن طاهر صاحب الشرط، فكثر النهب والقتل والفساد بمصر، إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلثمائة وخرج في نفر من أصحابه.
فولي: أحمد بن كيغلغ من قبل المقتدر على الصلاة، وقدم ابنه أبو العباس خليفة له أوّل جمادى الأولى، ثم قدم ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب المادرانيّ على الخراج في رجب، فأحضرا الجند، ووضعا العطاء، وأسقطا كثيرا من الرجالة، وكان ذلك بمنية الأصبغ، فثار الرجالة به، ففرّ إلى فاقوس (١)، وأدخل المادرانيّ إلى المدينة لثمان خلون من شوال، وأقام ابن كيغلغ بفاقوس إلى أن صرف بقدوم رسول تكين في ثالث ذي القعدة.
فولي: تكين المرّة الثالثة من قبل المقتدر على الصلاة، وخلفه ابن منجور إلى أن قدم يوم عاشوراء سنة اثنتي عشرة وثلثمائة، فأسقط كثيرا من الرجالة، وكانوا أهل الشرّ والنهب، ونادى ببراءة الذمّة، ممن أقام منهم بالفسطاط، وصلى الجمعة في دار الإمارة بالعسكر، وترك حضور الجمعة في مسجد العسكر، والمسجد الجامع العتيق في سنة سبع عشرة، ولم يصلّ قبله أحد من الأمراء في دار الإمارة الجمعة، ثم قتل المقتدر في شوّال سنة عشرين، وبويع أبو منصور القاهر بالله، فأقرّ تكين حتى مات في سادس عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، فحمل إلى بيت المقدس، وكانت إمرته هذه تسع سنين وشهرين وخمسة أيام.
فقام ابنه محمد بن تكين موضعه، وقام أبو بكر محمد بن عليّ المادرانيّ بأمر البلد كله، ونظر في أعماله فشغب الجند عليه في طلب أرزاقهم، وأحرقوا دوره، ودور أهله، فخرج ابن تكين إلى منية الأصبغ، فبعث إليه المادرانيّ يأمره بالخروج من أرض مصر، وعسكر بباب المدينة، وأقام هناك بعدما رحل ابن تكين إلى سلخ ربيع الأوّل، فلحق ابن تكين بدمشق، ثم أقبل يريد مصر، فمنعه المادرانيّ.
ثم ولي: محمد بن طغج (٢) بن جف الفرغانيّ أبو بكر من قبل القاهر بالله على الصلاة، فورد كتابه لسبع خلون من رمضان سنة إحدى وعشرين، ودعي له، وهو بدمشق
стр. 604
مدّة اثنتين وثلاثين يوما إلى أن قدم رسول أحمد بن كيغلغ بولايته الثانية من قبل القاهر بالله لتسع خلون من شوّال، واستخلف أبا الفتح بن عيسى النوشريّ، فشغب الجند في أرزاقهم على المادرانيّ صاحب الخراج، فاستتر منهم، فأحرقوا دوره ودور أهله، وكانت فتن قتل فيها جماعة إلى أن أتاهم محمد بن تكين من فلسطين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين، فأنكر المادرانيّ ولايته، وتعصب له طائفة، ودعي له بالإمارة، وخرج قوم إلى الصعيد فيهم: ابن النوشريّ، فأمّروه عليهم وهم على الدعاء لابن كيغلغ، فنزل منية الأصبغ لثلاث خلون من رجب، فلحق به كثير من أصحاب تكين، ففرّ ابن تكين ليلا، ودخل ابن كيغلغ المدينة لست خلون منه، وكان مقام ابن تكين بالفسطاط مائة يوم واثني عشر يوما، وخلع القاهر، وبويع أبو العباس الراضي بالله، فعاد ابن تكين، وأظهر أنّ الراضي ولاّه فخرج إليه العسكر، وحاربوه فيما بين بلبيس وفاقوس، فانهزم وجيء به إلى المدينة، فحمل إلى الصعيد، فورد الخبر بأنّ محمد بن طفج سار إلى مصر بولاية الراضي له، فبعث إليه ابن كيغلغ بجيش ليمنعوه من دخول الفرما، فأقبلت مراكب ابن طغج إلى تنيس، وسارت مقدّمته في البرّ، وكانت بينهما حروب في تاسع عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين كانت لأصحاب ابن طفج، وأقبلت مراكبه إلى الفسطاط سلخ شعبان، وأقبل فعسكر ابن كيغلغ للنصف من رمضان، ولاقاه لسبع بقين منه، فسلم ابن كيغلغ إلى محمد بن طفج من غير قتال.
وولي: محمد بن طغج الثانية من قبل الراضي على الصلاة والخراج، فدخل لست بقين من رمضان، وقدم أبو الفتح الفضل (١) بن جعفر بن محمد بن فرات بالخلع لمحمد بن طغج، وكانت حروب مع أصحاب ابن كيغلغ انهزموا منها إلى برقة، وساروا إلى القائم بأمر اللّه محمد بن المهديّ بالمغرب، فحرّضوه على أخذ مصر، فجهز جيشا إلى مصر، فبعث ابن طغج عسكره إلى الإسكندرية والصعيد، ثم ورد الكتاب من بغداد بالزيارة في اسم الأمير محمد بن طغج، فلقب الإخشيد ودعي له بذلك على المنبر في رمضان سنة سبع وعشرين، وسار محمد (٢) بن رائق إلى الشامات، ثم سار في المحرّم سنة ثمان وعشرين، واستخلف أخاه الحسن بن طغج، فنزل الفرما، وابن رائق بالرملة، فسفر بينهما الحسن بن طاهر بن يحيى العلويّ في الصلح، حتى تمّ، وعاد إلى الفسطاط مستهل جمادى الأولى، ثم أقبل ابن رائق من دمشق في شعبان، فسير إليه الإخشيد الجيوش، ثم خرج لست عشرة خلت من شعبان، والتقيا للنصف من رمضان بالعريش، فكانت بينهما وقعة عظيمة انكسرت فيها
стр. 605
ميسرة الإخشيد، ثم حمل بنفسه، فهزم أصحاب ابن رائق، وأسر كثيرا منهم، وأثخنهم قتلا وأسرا، ومضى ابن رائق فقتل الحسين بن طغج باللجون (١)، ودخل الإخشيد الرملة بخمسمائة أسير، فتداعى ابن طغج وابن رائق إلى الصلح، فمضى ابن رائق إلى دمشق على صلح، وقدم الإخشيد محمد بن طغج إلى مصر لثلاث خلون من المحرّم سنة تسع وعشرين، ومات الراضي بالله، وبويع المتقي للّه إبراهيم في شعبان، فأقرّ الإخشيد، وقتل محمد بن رائق بالموصل، قتله بنو حمدان في شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة، فبعث الإخشيد بجيوشه إلى الشام، ثم سار لست خلون من شوّال، واستخلف أخاه أبا المظفر الحسن بن طغج، ودخل دمشق، ثم عاد لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، فنزل البستان الذي يعرف اليوم بالكافوريّ من القاهرة، ثم دخل داره، وأخذ البيعة لابنه أبي القاسم أونوجور على جميع القوّاد، آخر ذي القعدة، وسار المتقي للّه إلى بلاد الشام، ومعه بنو حمدان، فسار الإخشيد لثمان خلون من رجب سنة اثنتين وثلاثين، واستخلف أخاه الحسن، فلقي المتقي، ثم رجع فنزل البستان لأربع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين، وخلع المتقي، وبويع عبد اللّه المستكفي لسبع خلون من جمادى الآخرة، فأقرّ الإخشيد، وبعث الإخشيد بحانك وكافور (٢) في الجيوش إلى الشام.
ثم خرج لخمس خلون من شعبان سنة ست وثلاثين، واستخلف أخاه الحسن، فلقي عليّ بن عبد اللّه (٣) بن حمدان بأرض قنسرين وحاربه، ومضى فأخذ منه حلب، وخلع المستكفي، ودعي للمطيع للّه الفضل بن جعفر في شوّال سنة أربع وثلاثين، فأقرّ الإخشيد إلى أن مات بدمشق يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة.
فولي بعده ابنه (أونوجور) أبو القاسم باستخلافه إياه، وقبض على أبي بكر محمد بن عليّ بن مقاتل في ثالث المحرّم سنة خمس وثلاثين، وجعل مكانه على الخراج محمد بن عليّ المادرانيّ، وقدم العسكر من الشام أوّل صفر، فلم يزل أونوجور واليا إلى أن مات لسبع خلون من ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلثمائة، وحمل إلى القدس، فدفن عند أبيه، وكان كافور متحكما في أيامه، ويطلق له في السنة أربعمائة ألف دينار، فلما مات، قوي كافور، وكانت ولايته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر.
стр. 606
فأقام كافور أخاه عليّ بن الإخشيد أبا الحسن لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة، فأقرّ المطيع للّه على الحرب والخراج بمصر والشام والحرمين، وصار خليفته على ذلك كافور غلام أبيه، وأطلق له ما كان يطلق لأخيه في كل سنة، وفي سنة إحدى وخمسين ترفع السعر، واضطربت الإسكندرية والبحيرة بسبب المغاربة الواردين إليها، وتزايد الغلاء، وعز وجود القمح، وقدم القرمطيّ إلى الشام في سنة ثلاث وخمسين، وقلّ ماء النيل، ونهبت ضياع مصر، وتزايد الغلاء، وسار ملك النوبة إلى أسوان، ووصل إلى إخميم، فقتل ونهب وأحرق، واشتدّ اضطراب الأعمال، وفسد ما بين كافور وبين عليّ بن الإخشيد، فمنع كافور من الاجتماع به، واعتلّ عليّ بعد ذلك علة أخيه، ومات لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين وثلثمائة، فحمل إلى القدس، وبقيت مصر بغير أمير أياما، ولم يدع بها إلاّ للمطيع للّه وحده، وكافور يدبر أمورها، ومعه أبو الفضل جعفر بن الفرات.
ثم ولي كافور الخصيّ الأسود مولى الإخشيد من قبل المطيع على الحرب والخراج، وجميع أمور مصر والشام والحرمين، فلم يغير لقبه، وإنما كان يدعى ويخاطب بالأستاذ (١)، وأخرج كتاب المطيع بولايته لأربع بقين من المحرّم سنة خمس وخمسين، فلم يزل إلى أن توفي لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة.
فولي أحمد بن عليّ (٢) الإخشيد أبو الفوارس وسنة إحدى عشرة سنة في يوم وفاة كافور، وجعل الحسين بن عبيد اللّه بن طغج يخلفه، وأبو الفضل جعفر بن الفرات يدبر الأمور وسمول الإخشيديّ (٣) العساكر إلى أن قدم جوهر القائد من المغرب بجيوش المعز لدين اللّه في سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، ففرّ الحسين بن عبيد اللّه، وتسلم جوهر البلاد، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، فكانت مدّة الدعاء لبني العباس بمصر، منذ ابتدئت دولتهم إلى أن قدم القائد جوهر إلى مصر: مائتي سنة، وخمسا وعشرين سنة، ومدّة الدولة الإخشيدية بها أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر، وأربعة وعشرين يوما، ومنذ افتتحت مصر إلى أن انتقل كرسيّ الإمارة منها إلى القاهرة ثلثمائة سنة وسبع وثلاثون سنة وأشهر، واللّه تعالى أعلم.
стр. 607
ذكر ما كانت عليه مدينة الفسطاط من كثرة العمارة
قال ابن يونس عن الليث بن سعد: أن حكيم بن أبي راشد حدّثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أنه وقف على جزار، فسأله عن السعر؟ فقال: بأربعة أفلس الرطل، فقال له أبو سلمة: هل لك أن تعطينا بهذا السعر ما بدا لنا وبدا لك؟ قال: نعم، فأخذ منه أبو سلمة، ومرّ في القصبة، حتى إذا أراد أن يوفيه، قال: بعثني بدينار، ثم قال: اصرفه فلوسا، ثم وفه.
وقال الشريف أبو عبد اللّه محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة في كتاب النقط على الخطط: سمعت الأمير تأييد الدولة تميم بن محمد المعروف بالضمضام يقول: في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وحدّثني القاضي أبو الحسين عليّ بن الحسين الخلعيّ عن القاضي أبي عبد اللّه القضاعيّ قال: كان في مصر الفسطاط من المساجد، ستة وثلاثون ألف مسجد، وثمانية آلاف شارع مسلوك، وألف ومائة، وسبعون حماما، وإن حمام جنادة في القرافة ما كان يتوصل إليها إلاّ بعد عناء من الزحام، وإن قبالتها في كل يوم جمعة خمسمائة درهم.
وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ في كتاب الخطط: إنه طلب لقطر الندى ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون ألف تكة بعشرة آلاف دينار من أثمان كل تكة بعشرة دنانير، فوجدت في السوق في أيسر وقت، وبأهون سعي، وذكر عن القاضي أبي عبيد: أنه لما صرف عن قضاء مصر كان في المودع مائة ألف دينار، وإنّ فائقا مولى أحمد بن طولون اشترى دارا بعشرين ألف دينار، وسلم الثمن إلى البائعين، وأجلهم شهرين، فلما انقضى الأجل سمع فائق صياحا عظيما وبكاء فسأل عن ذلك؟ فقيل: هم الذين باعوا الدار، فدعاهم وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: إنما نبكي على جوارك، فأطرق وأمر بالكتب، فردّت عليهم، ووهب لهم الثمن، وركب إلى أحمد بن طولون، فأخبره فاستصوب رأيه، واستحسن فعله.
ويقال: إنه كان لفائق ثلثمائة فرشة كل فرشة لحظية مثمنة، وإنّ دار الحرم بناها خمارويه لحرمه، وكان أبوه اشتراها له، فقام عليه الثمن وأجرة الصناع والبناء بسبعمائة ألف دينار، وإنّ عبد اللّه بن أحمد بن طباطبا الحسينيّ دخل الجامع، فلم يجد مكانا في الصفّ الأوّل، فوقف في الصف الثاني، فالتفت أبو حفص بن الجلاب، فلما رآه تأخر، وتقدّم الشريف مكانه، فكافأه على ذلك بنعمة حملها إليه، ودارا ابتاعها له، ونقل أهله إليها بعد أن كساهم وحلاّهم.
وذكر غير القضاعيّ: أنه دفع إليه خمسمائة دينار قال: ويقال: إنه أهدى إلى أبي جعفر الطحاويّ كتبا قيمتها ألف دينار، وإنّ رشيقا الإخشيديّ استحجبه أبو بكر محمد بن
стр. 608
عليّ المادرانيّ، فلما مضت عليه سنة رفع فيه أنه كسب عشرة آلاف دينار، فخاطبه في ذلك، فحلف بالإيمان الغليظة على بطلان ذلك، فأقسم أبو بكر المادرانيّ بمثل ما أقسم به لئن خرجت سنتنا هذه، ولم تكسب هذه الجملة لأصحبتني، ولم يزل في صحبته إلى أن صودر أبو بكر، فأخذ منه، ومن رشيق مال جزيل، وذكر: أن الحسن بن أبي المهاجر موسى بن إسماعيل بن عبد الحميد بن بحر بن سعد كان على البريد في زمن أحمد بن طولون، وقتله خمارويه، وسبب ذلك ما كان في نفس عليّ بن أحمد المادرانيّ منه، فأغرى خمارويه به، وقال: قد بقي لأبيك مال غير الذي ذكره في وصيته، ولم يقف عليه غير ابن مهاجر، فطالبه، فلم يزل خمارويه بابن مهاجر إلى أن وصف له موضع المال من دار خمارويه، فأخرج فكان مبلغه ألف ألف دينار، فسلمه إلى أحمد المادرانيّ، فحمله إلى داره، وأقبلت توقيعات خمارويه فأخرج، فكان مبلغه ألف ألف دنار، فسلمه أموال الضياع والمرافق، وحصلت له تلك الأموال، ولم يضع يده عليها إلى أن قتل، وصودر أبو بكر محمد بن عليّ في أيام الإخشيد، وقبضت ضياعه، فعاد إلى تلك الألف ألف دينار مع ما سواها من ذخائره وأعراضه وعقده، فما ظنك برجل ذخيرته ألف ألف دينار، سوى ما ذكر عن أبي بكر محمد بن عليّ المادرانيّ أنه قال: بعث إليّ أبو الجيش خمارويه أن أشتري له أردية وأقنعة للجواري، وعمل دعوة خلا فيها بنفسه وبهم، وغدوت متعرّفا لخبره، فقيل له: إنه طرب لما هو فيه، فنثر دنانير على الجواري والغلمان، وتقدّم إليهم أنّ ما سقط من ذلك في البركة، فهو لمحمد بن عليّ كاتبي، فلما حضرت، وبلغني ذلك أمرت الغلمان، فنزلوا في البركة، فأصعدوا إليّ منها سبعين ألف دينار، فما ظنك بمال نثر على أناس فتطاير منه إلى بركة ماء هذا المبلغ.
وقال ابن سعيد في كتاب المعرب في حل المغرب: وفي الفسطاط دار تعرف بعبد العزيز يصب فيها لمن بها في كل يوم أربعمائة راوية ماء، وحسبك من دار واحدة يحتاج أهلها في كل يوم إلى هذا القدر من الماء.
وقال ابن المتوّج في كتاب إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمّل عن ساحل مصر، ورأيت من نقل عمن نقل عمن رأى الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على النيل، وكان عددها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر، وأطناب بها ترخى وتملأ. أخبرني بذلك من أثقل بنقله، قال:
وكان بالفسطاط في جهته الشرقية حمام من بناء الروم عامرة زمن أحمد بن طولون. قال الراوي: دخلتها في زمن خمارويه بن أحمد بن طولون، وطلبت بها صانعا يخدمني، فلم أجد فيها صانعا متفرّغا لخدمتي، وقيل لي: إن كل صانع معه اثنان يخدمهم وثلاثة، فسألت كم فيها من صانع؟ فأخبرت: أنّ بها سبعين صانعا قلّ من معه دون ثلاثة، سوى من قضى حاجته، وخرج قال: فخرجت ولم أدخله لعدم من يخدمني بها، ثم طفت غيرها، فلم أقدر على من أجده فارغا إلاّ بعد أربع حمامات، وكان الذي خدمني فيها نائبا، فانظر رحمك اللّه
стр. 609
ما اشتمل عليه هذا الخبر، مع ما ذكره القضاعيّ من عدد الحمامات، وأنها ألف ومائة وسبعون حماما، تعرف من ذلك كثرة ما كان بمصر من الناس، هذا والسعر راخ والقمح كل خمسة أرادب بدينار، وبيعت عشرة أرادب بدينار في زمن أحمد بن طولون.
قال ابن المتوّج: خطة مسجد عبد اللّه أدركت بها آثار دار عظيمة، قيل: إنها كانت دار كافور الإخشيديّ، ويقال: إن هذه الخطة تعرف بسوق العسكر، وكان به مسجد الزكاة، وقيل: إنه كان منه قصبة سوق متصلة إلى جامع أحمد بن طولون، وأخبرني بعض المشايخ العدول عن والده، وكان من أكابر الصلحاء أنه قال: عددت من مسجد عبد اللّه إلى جامع ابن طولون ثلثمائة وتسعين قدر حمص مصلوق بقصبة هذا السوق بالأرض، سوى المقاعد والحوانيت التي بها الحمص، فتأمّل أعزك اللّه ما في هذا الخبر مما يدل على عظمة مصر، فإن هذا السوق كان خارج مدينة الفسطاط، وموضعه اليوم الفضاء الذي بين كوم الجارح وبين جامع ابن طولون، ومن المعروف أن الأسواق التي تكون بداخل المدينة أعظم من الأسواق التي هي خارجها، ومع ذلك ففي هذا السوق من صنف واحد من المآكل هذا القدر، فكم ترى تكون جملة ما فيه من سائر أصناف المآكل، وقد كان إذ ذاك بمصر عشرة أسواق كلها أو أكثرها أجلّ من هذا السوق، قال: ودرب السفافير بني فيه زقاق بني الرصاص، كان به جماعة إذا عقد عندهم عقد لا يحتاجون إلى غريب، وكانوا هم وأولادهم نحوا من أربعين نفسا.
وقال ابن زولاق (١) في كتاب سيرة المادرانيين: ولما قدم الأستاذ مونس الخادم من بغداد إلى مصر استدعى أبو عليّ الحسين بن أحمد المادرانيّ المعروف بأبي زنبور الدقاق، وهو الذي نسميه اليوم الطحان، وقال: إن الأستاذ مؤنسا قد وافى، ولي بمشتول (٢) قدر ستين ألف أردب قمحا، فإذا وافى، فقم له بالوظيفة، فكان يقوم له بما يحتاج إليه من دقيق حواري مدّة شهر، فلما كمل الشهر قال كاتب مونس للدقاق: كم لك حتى ندفعه إليك؟ فأعلمه الخبر، فقال: ما أحسب الأستاذ يرضى أن يكون في ضيافة أبي عليّ، وأعلم مونسا بذلك، فقال: أنا آكل خبز حسين؟! لا يبرح الرجل حتى يقبض ماله، فمضى الدقاق وعلم أبا زنبور، فقام من فوره إلى مونس، فأكب على رجليه، فاحتشم منه، وقال: واللّه لا أجيبك إلا هذا الشهر الذي مضى ولا تعاود، ثم رجع فقال الدقاق: قم له بالوظيفة في المستقبل واعمل ما يريده؟ قال: فجئته وقد فرغ القمح، ومعي الحساب، وأربعمائة دينار قال:
стр. 610
إيش هذا؟ فقلت: بقية ذلك القمح، فقال: أعفني منه وتركه، فتأمّل ما اشتمل عليه هذا الخبر من سعة حال كاتب من كتاب مصر، كيف كان له في قرية واحدة هذا القدر من صنف القمح، وكيف صار مما يفضل عنه، حتى يجعله ضيافة، وكيف لم يعبأ بأربعمائة دينار، حتى وهبها لدقاق قمح، وما ذاك إلا من كثرة المعاش، وقس عليه باقي الأحوال.
وقال عن أبي بكر محمد بن عليّ المادرانيّ: أنه حج اثنتين وعشرين حجة متوالية، أنفق في كل حجة مائة ألف دينار، وخمسين ألف دينار، وأنه كان يخرج معه بتسعين ناقعة لقبته التي يركبها، وأربعمائة لجهازه وميرته، ومعه المحامل فيها أحواض البقل، وأحواض الرياحين، وكلاب الصيد، وينفق على الأشراف، وأولاد الصحابة، ولهم عنده ديوان بأسمائهم، وأنه أنفق في خمس حجات أخر ألفي ألف دينار، ومائتي ألف دينار، وكانت جاريته تواصل معه الحج، ومعها لنفسها ثلاثون ناقة لقبتها، ومائة وخمسون عربيا لجهازها، وأحصى ما يعطيه كل شهر لحاشيته، وأهل الستر، وذوي الأقدار جراية من الدقيق الحواري، فكان بضعا وثمانين ألف رطل، وكان سنة القرمطيّ بمكة، فمن جملة ما ذهب له به مائتا قميص ديبقي ثمن كل ثوب منها خمسون دينارا، وقال مرّة: وهو في عطلته أخذ مني محمد بن طفج الإخشيد عينا وعرضا يبلغ نيفا وثمانين ويبة دنانير، فاستعظم من حضر ذلك، فقال ابنه الذي أخذ أكثر: وأنا أوقفه عليه، ثم قال لأبيه: يا مولاي أليس نكتب ثلاث مرّات؟ قال: قريب منها، قال: وعرض وعين؟ قال: كذلك، فأمر بعض الحساب بضبط ذلك، فجاء ما ينيف عن ثلاثين أردبا من ذهب؟! فانظر ما تضمنته أخبار المادرانيّ، وقس عليها بقية أحوال مصر، فما كان سوى كاتب الخراج، وهذه أمواله كما قد رأيت.
وقال الشريف الجوانيّ: إن أبا عبد اللّه محمد بن مفسر قاضي مصر سمع بأن المادرانيّ عمل في أيامه الكعك المحشوّ بالسكر، والقرص الصغار المسمى افطن له، فأمرهم بعمل الفستق الملبس بالسكر الأبيض الفانيد المطيب بالمسك، وعمل منه في أوّل الحال أشياء عوض لبه: لب ذهب في صحن واحد، فمضى عليه جملة، وخطف قدّامه تخاطفه الحاضرون، ولم يعد لعمله بل الفستق الملبس، وكان قد سمع في سيرة المادرانيين أنه عمل له هذا الإفطن له، وفي كل واحدة خمسة دنانير، ووقف أستاذ على السماط، فقال لأحد الجلساء: افطن له، وكان عمل على السماط عدّة صحون من ذلك الجنس، لكن ما فيه الدنانير صحن واحد، فلما رمز الأستاذ لذلك الرجل بقوله: افطن له، وأشار إلى الصحن تناول ذلك الرجل منه، فأصاب الذهب، واعتمد عليه، فحصل له جملة، ورآه الناس وهو إذا أكل يخرج من فمه، ويجمع بيده، ويحط في حجره، فتنبهوا له، وتزاحموا عليه فقيل لذلك من يومئذ: افطن له.
стр. 611
وقال أبو سعيد (١) عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر: حدّثني بعض أصحابنا بتفسير رؤيا رآها غلام ابن عقيل الخشاب عجيبة، فكانت حقا، كما فسرت، فسألت غلام ابن عقيل عنها؟ فقال لي: أنا أخبرك، كان أبي في سوق الخشابين فأنفق بضاعته، ورثت حاله وماله، فأسلمتني أمي إلى ابن عقيل، وكان صديقا لأبي، فكنت أخدمه، وأفتح حانوته وأكنسها، ثم أفرش ما يجلس عليه، فكان يجري عليّ رزقا أتقوّت به، فأتى يوما في الحانوت، وقد جلس أستاذي ابن عقيل، فجاء ابن العسال مع رجل من أهل الريف يطلب عود خشب لطاحونة، فاشترى من ابن عقيل عود طاحونة بخمسة دنانير، فسمعت قوما من أهل السوق يقولون: هذا ابن العسال المفسر للرؤيا عند ابن عقيل، فجاء منهم قوم، وقصوا عليه منامات رأوها، ففسرها لهم، فذكرت رؤيا رأيتها في ليلتي، فقلت له: إني رأيت البارحة في نومي كذا وكذا، فقصصت عليه الرؤيا، فقال لي: أيّ وقت رأيتها من الليل، فقلت: انتبهت بعد رؤياي في وقت كذا، فقال لي: هذه رؤيا لست أفسرها إلاّ بدنانير كثيرة، فألححت عليه، فقال أستاذي ابن عقيل: إن قرّبت علينا وزنت أنا لك ذلك من عندي، فلم يزل به ينزله، حتى قال: واللّه لا آخذ أقل من ثمن العود الخشب خمسة دنانير، فقال له ابن عقيل: إن صحت الرؤيا دفعت إليك العود بلا ثمن، فقال له: يأخذ مثل هذا اليوم ألف دينار، قال أستاذي: فإذا لم يصح هذا، فقال: يكون العود عندك إلى مثل هذا اليوم، فإن كان لم يصح أخذ ما قلت له في ذلك اليوم، فليس لي عندك شيء، ولا أفسر رؤيا أبدا، فقال له أستاذي: قد أنصفت ومضت الجمعة، فلما كان مثل ذلك اليوم غدوت مثل ما كنت أغدو إلى دكان أستاذي، ففتحتها ورششتها، واستلقيت على ظهري أفكر فيما قال لي، ومن أين يمكن أن يصير إليّ ألف دينار، فقلت: لعل سقف المكان ينفرج، فيسقط منه هذا المال، وجعلت أجيل فكري، وإني كذلك إلى ضحى إذ وقف عليّ جماعة من أعوان الخراج معهم ناس، فقالوا: هذه دكان ابن عقيل؟ ثم قالوا لي: قم، فقلت لهم:
لست ابن عقيل، أنا غلامه، فقالوا: بل أنت ابنه، وجبذوني، فأخرجوني من الدكان، فقلت: إلى أين؟ فقالوا: إلى ديوان الأستاذ أبي عليّ الحسين بن أحمد يعنون أبا زنبور، فقلت: وما يصنع بي؟ فقالوا: إذا جئت سمعت كلامه، وما يريده منك، وكنت بعقب علة ضعيف البدن، فقلت: ما أقدر أمشي، فقالوا: اكتر حمارا تركبه، ولم يكن معي ما أكتري به حمارا، فنزعت تكة سراويلي من وسطي، ودفعتها على درهمين لمن أكراني الحمار، ومضيت معهم، فجاءوا بي إلى دار أبي زنبور، فلما دخلت قال لي: أنت ابن عقيل؟ فقلت: لا يا سيدي، أنا غلام في حانوته، قال،: أفليس تبصر قيمة الخشب؟ قلت: بلى، قال: فاذهب مع هؤلاء، فقوّم لنا هذا الخشب، فانظر بحيث لا يزيد ولا ينقص، فمضيت
стр. 612
معهم، فجاءوا بي إلى شط البحر إلى خشب كثير من أثل وسنط جاف، وغير ذلك مما يصلح لبناء المراكب، فقوّمته تقويم جزع، حتى بلغت قيمته ألفي دينار، فقالوا لي: انظر هذا الموضع الآخر فيه من الخشب أيضا، فنظرت فإذا هو أكثر مما قوّمت بنحو مرّتين فأعجلوني، ولم أضبط قيمة الخشب، فردّوني إلى أبي زنبور، فقال لي: قوّمت الخشب كما أمرتك؟ ففزعت، فقلت: نعم، فقال: هات كم قوّمته، فقلت: ألفا دينار، فقال: انظر لا تغلط، فقلت: هو قيمته عندي، فقال لي: فخذه أنت بألفي دينار، فقلت: أنا فقير لا أملك دينارا واحدا، فكيف لي بقيمته، قال: ألست تحسن تدبيره وتبيعه؟ فقلت: بلى، قال:
فدبره وبعه ونحن نصبر عليك بالثمن إلى أن تبيع شيئا شيئا، وتؤدّي ثمنه، فقلت: أفعل، فأمر بكتاب يكتب عليّ في الديوان بالمال، فكتب عليّ، ورجعت إلى الشط أعرف عدد الخشب، وأوصي به الحرّاس، فوافيت جماعة أهل سوقنا، وشيوخهم قد أتوا إلى موضع الخشب، فقالوا لي: إيش صنعت؟ قوّمت الخشب؟ قلت: نعم، قالوا: بكم قوّمته؟ فقلت:
بألفي دينار، فقالوا لي: وأنت تحسن تقوّم؟ لا يساوي هذا هذه القيمة، فقلت لهم: قد كتب عليّ كتاب في الديوان، وهو عندي يساوي أضعاف هذا، فقالوا لي: اسكت لا يسمعك أحد، وكانوا قد قوّموه قبلي لأبي زنبور بألف دينار، فقال بعضهم لبعض: أعطوا هذا ربحه، وتسلموه أنتم، فقال قائل: أعطوه ربحه خمسمائة دينار، فقلت: لا واللّه لا آخذ، فقالوا: قد رأى رؤيا، فزيدوه، فقلت: لا واللّه لا آخذ أقلّ من ألف دينار، قالوا: فلك ألف دينار، فحوّل اسمك من الديوان نعطك إذا بعنا ألف دينار، فقلت: لا واللّه لا أفعل حتى آخذ الألف دينار في وقتي هذا، فمضوا إلى حوانيتهم، وإلى منازلهم حتى جاءوني بألف دينار، فقلت: لا آخذها إلا بنقد الصيرفيّ وميزانه، فمضيت معهم إلى صيرفيّ الناحية، حتى وزنوا عنده الألف دينار، ونقدتها وأخذتها فشددتها في طرف رداءي، فمضيت معهم إلى الديوان، وحوّلت أسماءهم مكان اسمي، ووفوا حتى الديوان من عندهم، ورجعت وقت الظهر إلى أستاذي، فقال لي: قبضت ألف دينار منهم؟ فقلت: نعم ببركتك، وتركت الدنانير بين يديه، وقلت له: يا أستاذ خذ ثمن العود الخشب، فقال: لا واللّه لا آخذ منك شيئا أنت عندي مقام ابني، وجاء في الوقت ابن العسال، فدفع إليه أستاذي العود الخشب، فمضى، فهذا خبر رؤياي وتفسيرها، فتأمّل أعزك اللّه ما يشتمل عليه من عظم ما كانت عليه مصر، وسعة حال الديوان، وكيف فضل فيه خشب يساوي آلافا من الذهب، ونحن اليوم في زمن إذا احتيج فيه إلى عمارة شيء من الأماكن السلطانية بخشب أو غيره أخذ من الناس إما بغير ثمن أو بأخس القيم، مع ما يصيب مالكه من الخوف والخسارة للأعوان، وكيف لما قوّم هذا الخشب لم يكلف المشتري دفع المال في الحال، وفي زمننا إذا طرحت البضاعة السلطانية على الباعة يكلفون حمل ثمنها بالسرعة، حتى أنّ فيهم من يبيعها بأقلّ من نصف ما اشتراها به، ويكمل الثمن إمّا من ماله، أو يقترضه بربح، وكيف لما علم أهل السوق أن الخشب بيع بدون القيمة
стр. 613
لم يمضوا إلى الديوان، ويدفعون فيه زيادة إمّا لقلة شره الناس إذ ذاك وتركهم الأخلاق الرذيلة من الحسد ونحوه أو لعلمهم بعدل السلطان، وإنه لا ينكث ما عقده، وفي زمننا لو ادّعى عدوّ على عدوّه أنّ البضاعة التي كان اشتراها من الديوان قيمتها أكثر مما أخذها به لقبل قوله، ورغم زيادة على ما ادّعاه عدوّه من قلة القيمة جملة أخرى لا جرم أنه تظاهر سفهاء الناس بكل رذيلة وذميمة من الأخلاق، فإنّ الملك سوق يجبى إليه ما نفق به، وكيف لما علم ابن عقيل أنّ غلامه استفاد على اسمه ألف دينار، لم يشره إلى أخذها بل دفع عنه خمسة الدنانير، وما ذاك إلا من انتشار الخير في الناس، وكثرة أموالهم، وسعة حال كل أحد بحسبه وطيب نفوس الكافة، ولعمري لو سمع زمننا أحد من الأمراء والوزراء فضلا عن الباعة، أنّ غلاما من غلمانه أخذ على اسمه عشر هذا المبلغ لقامت قيامته، وكيف اتسعت أحوال الخشابين حتى وزنوا ألف دينار في ساعة، وإنه ليعسر اليوم على الخشابين أن يزنوا في يوم مائة دينار، وهذا كله من وفور غنى الناس بمصر، وعظم أمرهم، وكثرة سعاداتهم، وكان الفسطاط نحو ثلث بغداد، ومقداره فرسخ على غاية العمارة، والخصب والطيبة، واللذة، وكانت مساكن أهلها خمس طبقات وستا وسبعا وربما سكن في الدار الواحدة المائتان من الناس، وكان فيه دار عبد العزيز بن مروان يصب فيها لمن في كل يوم أربعمائة راوية ماء، وكان فيها خمسة مساجد وحمامان، وعدّة أفران يخبز بها عجين أهلها، وقد قال أبو داود في كتاب السنن: شبرت قثاءة بمصر: ثلاثة عشر شبرا، ورأيت أترجة على بعير قطعتين: قطعت، وصيرت على مثل عدلين، ذكره في باب صدقة الزرع من كتاب الزكاة، قلت: وقد ذكر أن هذا كان في جنان بني سنان البصريّ خارج مدينة الفسطاط، وكانت بحيث لم ير أبدع منها، فلما قدم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون بن هارون الرشيد مصر:
سنة سبع عشرة ومائتين، رأى جنان بني سنان هذه؟ فأعجب بها، وسأل إبراهيم بن سنان:
كم عليه من الخراج لجنانه؟ فذكر أنه يحمل إلى الديوان في كل سنة عشرين ألف دينار، فقال المأمون: وكم ترد عليك هذه الجنان؟ قال: لا أستطيع حصره إلا أن ما زاد على مائة ألف دينار، أتصدّق به ولو درهما هذا، وله ولد اسمه أحمد بن إبراهيم بن سنان يوصف بعلم وزهد، واللّه تعالى أعلم.
ذكر الآثار الواردة في خراب مصر
روى قاسم بن أصبغ عن كعب الأحبار قال: الجزيرة آمنة من الخراب، حتى تخرب أرمينية، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة، والكوفة آمنة من الخراب، حتى تكون الملحمة، ولا يخرج الدجال حتى تفتح القسطنطينية.
وعن وهب بن منبه أنه قال: الجزيرة آمنة من الخراب، حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب، حتى تخرب الكوفة، ولا
стр. 614
تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى، فتحت القسطنطينية على يدي رجل من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل، واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من قبل الجوع والسيف، وخراب الكوفة من قبل عدوّ من ورائهم يخفرهم، حتى لا يستطيعوا أن يشربوا من الفرات قطرة، وخراب البصرة من قبل العراق، وخراب الأبلة من قبل عدوّ يخفرهم مرّة برّا، ومرّة بحرا، وخراب الريّ من قبل الديلم، وخراب خراسان من قبل التبت، وخراب التبت من قبل الصين، وخراب الصين من قبل الهند، وخراب اليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من قبل الحبشة، وخراب المدينة من قبل الجوع، وفي رواية: وخراب أرمينية من قبل الرجف والصواعق، وخراب الأندلس، وخراب الجزيرة من سنابك الخيل، واختلاف الجيوش.
وعن عبد اللّه بن الصامت قال: إن أسرع الأرضين خرابا البصرة ومصر، فقيل له: وما يخربهما وفيهما عيون الرجال والأموال؟ فقال: يخربهما القتل الأحمر والجوع الأغبر، كأني بالبصرة: كأنها نعامة جاثمة، وأما مصر: فإنّ نيلها ينضب، أو قال: ييبس، فيكون ذلك خرابها، وعن الأوزاعيّ: إذا دخل أصحاب الرايات الصفر مصر، فلتحفر أهل الشام أسرابا تحت الأرض.
وعن كعب: علامة خروج المهديّ ألوية تقبل من قبل المغرب عليها رجل من كندة أعرج، فإذا ظهر أهل المغرب على مصر، فبطن الأرض يومئذ خير لأهل الشام.
وعن سفيان الثوريّ (١) قال: يخرج عنق من البربر، فويل لأهل مصر. وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن مولى لشرحبيل بن حسنة أو لعمرو بن العاص قال: سمعته يوما، واستقبلنا فقال: إيها لك مصر إذا رميت بالقسيّ الأربع: قوس الأندلس، وقوس الحبشة، وقوس الترك، وقوس الروم.
وعن قاسم بن أصبغ: حدّثنا أحمد بن زهير حدثنا هارون بن معروف حدثنا ضمرة عن الشيبانيّ قال: تهلك مصر غرقا، أو حرقا.
وعن عبد اللّه بن مغلا أنه قال لابنته: إذا بلغك أن الإسكندرية قد فتحت، فإن كان خمارك بالمغرب، فلا تأخذيه حتى تلحقي بالمشرق.
وذكر مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس يرفعه قال: أنزل اللّه تعالى من الجنة
стр. 615
إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون، وهو نهر الهند، وجيحون، وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها اللّه تعالى من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل ﵇، واستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله : ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ اَلسَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [المؤمنون/ ١٨] فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل اللّه تعالى جبريل ﵇، فرفع من الأرض القرآن كله، والعلم كله، والحجر من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون/ ١٨] فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقدت أهلها خير الدنيا والدين، وقال ابن لهيعة عن عقبة بن عامر الحضرميّ عن حيان بن الأعين عن عبد اللّه بن عمرو قال: إنّ أوّل مصر خرابا أنطابلس، وقال الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن سالم بن أبي سالم عن عبد اللّه بن عمرو قال: إني لأعلم السنة التي تخرجون فيها من مصر قال: فقلت له: ما يخرجنا منها يا أبا محمد، أعدوّ؟ قال: لا، ولكن يخرجكم منها نيلكم هذا، يغور فلا تبقى منه قطرة حتى تكون فيه الكثبان من الرمل، وتأكل سباع الأرض حيتانه.
ذكر خراب الفسطاط
وكان لخراب مدينة فسطاط مصر سببان: أحدهما: الشدّة العظمى التي كانت في خلافة المستنصر بالله الفاطمي، والثاني: حريق مصر في وزارة شاور بن مجير السعديّ.
فأما الشدّة العظمى: فإنّ سببها أنّ السعر ارتفع بمصر في سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتبع الغلاء، وباء، فبعث الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الظاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ إلى متملك الروم بقسطنطينية أن يحمل الغلال إلى مصر، فأطلق أربعمائة ألف أردب، وعزم على حملها إلى مصر، فأدركه أجله ومات قبل ذلك، فقام في الملك بعده امرأة، وكتبت إلى المستنصر تسأله أن يكون عونا لها، ويمدّها بعساكر مصر إذا ثار عليها أحد، فأبى أن يسعفها في طلبتها، فجردت لذلك، وعاقت الغلال عن المسير إلى مصر، فخنق المستنصر، وجهز العساكر، وعليها مكين الدولة الحسن بن ملهم، وسارت إلى اللاذقية، فحاربتها بسبب نقض الهدنة وإمساك الغلال عن الوصول إلى مصر، وأمدّها بالعساكر الكثيرة، ونودي في بلاد الشام بالغزو، فنزل ابن ملهم قريبا من فامية (١)، وضايق أهلها، وجال في أعمال أنطاكية، فسبى ونهب، فأخرج صاحب قسطنطينية ثمانين قطعة في البحر، فحاربها ابن ملهم عدّة مرار، وكانت عليه، وأسر هو وجماعة كثيرة في شهر ربيع
стр. 616
الأوّل منها، فبعث المستنصر في سنة سبع وأربعين: أبا عبد اللّه القضاعيّ برسالة إلى القسطنطينية فوافى إليها رسول طغربل السلجوقيّ من العراق بكتابة يأمر متملك الروم بأن يمكن الرسول من الصلاة في جامع القسطنطينية، فأذن له في ذلك، فدخل إليه وصلى فيه صلاة الجمعة.
وخطب للخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ، فبعث القاضي القضاعيّ إلى المستنصر يخبره بذلك، فأرسل إلى كنيسة قمامة بيت المقدس، وقبض على جميع ما فيها، وكان شيئا كثيرا من أموال النصارى، ففسد من حينئذ ما بين الروم والمصريين، حتى استولوا على بلاد الساحل كلها، وحاصروا القاهرة كما يرد في موضعه إن شاء اللّه تعالى، واشتدّ في هذه السنة الغلاء، وكثر الوباء بمصر والقاهرة، وأعمالها إلى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، فحدث مع ذلك الفتنة العظيمة التي خرب بسببها إقليم مصر كله، وذلك أنّ المستنصر لما خرج على عادته في كل سنة على النجب مع النساء، والحشم إلى أرض الجب خارج القاهرة، وجرّد بعض الأتراك سيفا، وهو سكران على أحد عبيد الشراء، فاجتمع عليه كثير من العبيد وقتلوه، فحنق لقتله الأتراك، وساروا بجميعهم إلى المستنصر.
وقالوا: إن كان هذا عن رضاك، فالسمع والطاعة، وإن كان من غير رضى أمير المؤمنين، فلا نرضى بذلك، فتبرّأ المستنصر مما جرى وأنكره، فتجمع الأتراك لمحاربة العبيد، وكانت بينهما حروب شديدة بناحية كوم شريك قتل فيها عدّة من العبيد.
وانهزم من بقي منهم، فشق ذلك على أمّ المستنصر، فإنها كانت السبب في كثرة العبيد السود بمصر، وذلك أنها كانت جارية سوداء، فأحبت الاستكثار من جنسها، واشترتهم من كل مكان، وعرفت رغبتها في هذا الجنس، فجلبت الناس إلى مصر منهم، حتى يقال: إنه صار في مصر إذ ذاك على زيادة على خمسين ألف عبد أسود، فلما كانت وقعة كوم شريك أمدّت العبيد بالأموال والسلاح سرّا، وكانت أمّ المستنصر قد تحكمت في الدولة، وحقدت على الأتراك، وحثت على قتلهم مولاها أبا سعد التستريّ، فقويت العبيد لذلك، حتى صار الواحد منهم يحكم بما يختار، فكرهت الأتراك ذلك، وكان ما ذكر، فظفر بعض الأتراك يوما بشيء من المال والسلاح قد بعثت به أمّ المستنصر إلى العبيد تمدّهم به بعد انهزامهم من كوم شريك، فاجتمعوا بأسرهم، ودخلوا على المستنصر، وأغلظوا في القول، فحلف أنه لم يكن عنده علم بما ذكر، وصار إلى أمه، فأنكرت ما فعلت، وخرج الأتراك، فصار السيف قائما، ووقعت الفتنة ثانيا فانتدب المستنصر: أبا الفرج ابن المغربيّ ليصلح بين الطائفتين، فاصطلحه على غلّ، وخرج العبيد إلى شبرا دمنهور، فكان هذا أوّل اختلال أحوال أهل مصر، ودبت عقارب العداوة بين الفئتين إلى سنة تسع وخمسين، فقويت شوكة الأتراك، وضروا على المستنصر، وزاد طمعهم فيه، وطلبوا منه الزيادة في واجباتهم، وضاقت أحوال
стр. 617
العبيد، واشتدّت ضرورتهم، وكثرت حاجتهم، وقلّ مال السلطان، واستضعف جانبه، فبعثت أم المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك، فاجتمعوا بالجيزة، وخرج إليهم الأتراك، ومقدّمهم ناصر الدين حسين بن حمدان (١)، فاقتتلا عدّة مرار ظهر في آخرها الأتراك على العبيد، وهزموهم إلى بلاد الصعيد، فعاد ابن حمدان إلى القاهرة، وقد عظم أمره، وقوي جأشه، وكبرت نفسه، واستخف بالخليفة، فجاءه الخبر: أنه قد تجمع من العبيد ببلاد الصعيد نحو خمسة عشر ألف فارس، فقلق وبعث بمقدّمي الأتراك إلى المستنصر، فأنكر ما كان من اجتماع العبيد، وجفوا في خطابهم، وفارقوه على غير رضى منهم، فبعثت أم المستنصر إلى من بحضرتها من العبيد، تأمرهم بالإيقاع على غفلة بالأتراك، فهجموا عليهم، وقتلوا منهم عدّة، فبادر ابن حمدان إلى الخروج ظاهر القاهرة، وتلاحق به الأتراك، وبرز إليهم العبيد المقيمون بالقاهرة ومصر، وحاربوهم عدّة أيام، فحلف ابن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل الأمر إمّا له أو عليه، وجدّ كل من الفريقين في القتال، فظهرت الأتراك على العبيد، وأثخنوا في قتلهم وأسرهم، فعادوا إلى القاهرة، وتتبع ابن حمدان من في البلد منهم، حتى أفنى معظمهم، هذا والعبيد ببلاد الصعيد على حالهم، وبالإسكندرية أيضا منهم جمع كثير، فسار ابن حمدان إلى الإسكندرية، وحاصرهم فيها مدّة حتى سألوه الأمان، فأخرجهم، وأقام فيها من يثق به، وانقضت هذه السنة كلها في قتال العبيد، ودخلت سنة ستين وأربعمائة، وقد خرق الأتراك ناموس المستنصر، واستهانوا به، واستخفوا بقدره، وصار مقرّرهم في كل شهر أربعمائة ألف دينار بعدما كان ثمانية وعشرين ألف دينار، ولم يبق في الخزائن مال، فبعثوا يطالبونه بالمال، فاعتذر إليهم بعجزه عما طلبوه، فلم يعذروه، وقالوا: بع ذخائرك، فلم يجد بدّا من إجابتهم، وأخرج ما كان في القصر من الذخائر، فصاروا يقوّمون ما يخرج إليهم بأخس القيم، وأقل الأثمان، ويأخذون ذلك في واجباتهم.
وتجهز ابن حمدان، وسار إلى الصعيد يريد قتال العبيد، وكانت شرورهم قد كثرت، وضررهم وفسادهم قد تزايد، فلقيهم وواقعهم غير مرّة، والأتراك تنكسر منهم، وتعود إلى محاربتهم إلى أن حمل العبيد عليهم حملة انهزموا فيها إلى الجيزة، فأفحشوا عند ذلك في أمر المستنصر، ونسبوه إلى مباطنة العبيد، وتقويتهم، فأنكر ذلك، وحلف عليه، فأخذوا في إصلاح شأنهم، ولمّ شعثهم وساروا لقتال العبيد، وما زالوا يلحون في قتالهم حتى انكسرت العبيد كسرة شنيعة، وقتل منهم خلق كثير، وفرّ من بقي، فذهبت شوكتهم، وزالت دولتهم، ورجع ابن حمدان، وقد كشف قناع الحياء، وجهر بالسوء للمستنصر، واستبدّ بسلطنة
стр. 618
البلاد، ودخلت سنة إحدى وستين وابن حمدان مستبدّ بالأمر مجاف للمستنصر، فنقل مكانه على الأتراك، وتفرّغوا من العبيد، والتفتوا إليه، وقد استبدّ بالأمور دونهم، واستأثر بالأموال عليهم، ففسد ما بينهم وبينه، وشكوا منهم إلى الوزير خطير الملك، فأغراهم به، ولامهم على ما كان من تقويته، وحسن لهم الثورة به، فصاروا إلى المستنصر، ووافقوه على ذلك، فبعث إلى ابن حمدان يأمره بالخروج عن مصر، ويهدّده إن امتنع، فلم يقدر على الامتناع منه، لفساد الأتراك عليه، وميلهم مع المستنصر، فخرج إلى الجيزة، وانتهب الناس دوره ودور حواشيه، فلما جنّ عليه الليل عاد من الجيزة سرّا إلى دار القائد تاج الملوك شادي، وترامى عليه، وقبل رجليه، وسأله النصرة على الذكر والوزير الخطير، فإنهما قاما بهذه الفتنة، فأجابه إلى ذلك، ووعده بقتل المذكورين وفارقه ابن حمدان، فلما كان من الغد ركب شادي في أصحابه، وأخذ يسير بين القصرين بالقاهرة، وأقبل الوزير الخطير، في موكبه، فبادره شادي على حين غفلة وقتله، ففرّ الذكر إلى القصر، والتجأ بالمستنصر، فلم يكن بأسرع من قدوم ابن حمدان، وقد استعدّ للحرب، فيمن معه فركب المستنصر بلأمة الحرب، واجتمع إليه الأجناد والعامّة، وصار في عدد لا ينحصر، وبرزت الفرسان، فكانت بين الخليفة، وابن حمدان حروب آلت إلى هزيمة ابن حمدان، وقتل كثير من أصحابه، فمضى في طائفة إلى البحيرة، وترامى على بني سيس، وتزوّج منها، فعظم الأمر بالقاهرة ومصر من شدّة الغلاء، وقلة الأقوات لما فسد من الأعمال بكثرة النهب، وقطع الطريق حتى أكل الناس الجيف والميتات، ووقف أرباب الفساد في الطريق، فصاروا يقتلون من ظفروا به في أزقة مصر، فهلك من أهل مصر في هذه الحروب والفتن ما لا يمكن حصره، وامتدّ ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وستين، فجهز المستنصر عساكره لقتال ابن حمدان بالبحيرة، فسارت إليه ولم يوفق في محاربته، فكسرها كلها، واحتوى على ما كان معها من سلاح وكراع ومال، فتقوّى به، وقطع الميرة عن البلد، ونهب أكثر الوجه البحريّ، وقطع منه الخطبة للمستنصر، ودعا للخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ بالإسكندرية ودمياط، وعامّة الوجه البحريّ، فاشتدّ الجوع، وتزايد الموتان بالقاهرة ومصر حتى أنه كان يموت الواحد من أهل البيت، فلا يمضي يوم وليلة من موته، حتى يموت سائر من في ذلك البيت، ولا يوجد من يستولي عليه، ومدّت الأجناد أيديها إلى النهب، فخرج الأمر عن الحدّ، ونجا أهل القوّة بأنفسهم من مصر، وساروا إلى الشام والعراق، وخرج من خزائن القصر ما يجل وصفه، وقد ذكر طرف من ذلك في أخبار القاهرة عند ذكر خزائن القصر، فاضطرّ الأجناد ما هم فيه من شدّة الجوع إلى مصالحة ابن حمدان بشرط أن يقيم في مكانه، ويحمل إليه مال مقرّر، وينوب عنه شادي بالقاهرة، فرضي بذلك، وسير الغلال إلى القاهرة ومصر، فسكن ما بالناس من شدّة الجوع قليلا، ولم يكن ذلك إلا نحو شهر، ووقع الاختلاف عليه، فقدم من البحيرة إلى مصر، وحاصرها وانتهبها، وأحرق دورا عديدة بالساحل، ورجع إلى البحيرة،
стр. 619
فدخلت سنة أربع وستين، والحال على ذلك، وشادى قد استبدّ بأمر الدولة، وفسد ما بينه وبين ابن حمدان، ومنعه من المال الذي تقرّر له وشح به عليه، فلم يوصله إلى القليل، فجرد من ذلك ابن حمدان، وجمع العربان، وسار إلى الجيزة، وخادع شادي حتى صار إليه ليلا في عدّة من الأكابر، فقبض عليه وعليهم، وبعث أصحابه فنهبوا مصر، وأطلقوا فيها النار، فخرج إليهم عسكر المستنصر من القاهرة، وهزموهم، فعاد إلى البحيرة، وبعث رسولا إلى الخليفة القائم بأمر اللّه ببغداد بإقامة الخطبة له، وسأله الخلع والتشاريف فاضمحل أمر المستنصر، وتلاشى ذكره، وتفاقم الأمر في الشدّة من الغلاء، حتى هلكوا فسار ابن حمدان إلى البلد، وليس في أحد قوّة يمنعه بها، فملك القاهرة وامتنع المستنصر بالقصر، فسير إليه رسولا يطلب منه المال، فوجده، وقد ذهب سائر ما كان يعهده من أبهة الخلافة، حتى جلس على حصير، ولم يبق معه سوى ثلاثة من الخدم، فبلغه رسالة ابن حمدان، فقال المستنصر للرسول: ما يكفي ناصر الدولة أن اجلس في مثل هذا البيت على هذا الحال؟ فبكى الرسول رقة له، وعاد إلى ابن حمدان فأخبره بما شاهد من اتضاع أمر المستنصر، وسوء حاله، فكف عنه، وأطلق له في كل شهر مائة دينار، وامتدّت يده وتحكم وبالغ في إهانة المستنصر مبالغة عظيمة، وقبض على أمه وعاقبها أشد العقوبة، واستصفى أموالها، فحاز منها شيئا كثيرا، فتفرّق حينئذ عن المستنصر جميع أقاربه، وأولاده من الجوع فمنهم من سار إلى المغرب، ومنهم من سار إلى الشام والعراق.
قال الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ (١) النسابة في كتاب النقط: حلّ بمصر غلاء شديد، في خلافة المستنصر بالله في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وأقام إلى سنة أربع وستين وأربعمائة، وعمّ مع الغلاء وباء شديد، فأقام ذلك سبع سنين، والنيل يمدّ وينزل، فلا يجد من يزرع، وشمل الخوف من العسكرية، وفساد العبيد، فانقطعت الطرقات برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الكثيرة مع ركوب الغرر، ونزا المارقون بعضهم على بعض، واستولى الجوع لعدم القوت، وصار الحال إلى أن بيع رغيف من الخبز الذي وزنه رطل بزقاق القناديل:
كبيع الطرف في النداء بأربعة عشر درهما، وبيع أردب من القمح بثمانين دينارا، ثم عدم ذلك، وأكلت الكلاب والقطاط، ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السقوف قريبة ممن يسعى في الطرقات ويطوف، وقد أعدّوا سلبا، وخطاطيف فإذا مرّ بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب، وشرّحوا لحمه وأكلوه.
قال: وحدّثني بعض نسائنا الصالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها، وفيها كالحفر، فكنا نسألها، فتقول: أنا ممن خطفني أكلة الناس في الشدّة،
стр. 620
فأخذني إنسان، وكنت ذات جسم وسمن، فأدخلني إلى بيت فيه سكاكين وآثار الدماء، وزفرة القتلى، فأضجعني على وجهي، وربط في يديّ ورجليّ سلبا إلى أوتاد حديد عريانة، ثم شرّح من أفخاذي شرائح وأنا أستغيث، ولا أحد يجيبني، ثم أضرم الفحم وشوي من لحمي، وأكل أكلا كثيرا، ثم سكر حتى وقع على جنبه لا يعرف أين هو، فأخذت في الحركة إلى أن انحل أحد الأوتاط، وأعان اللّه على الخلاص، وتخلصت وحللت الرباط، وأخذت خرقا من داره، ولففت بها أفخاذي، وزحفت إلى باب الدار، وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى المأمن، وجئت إلى بيتي، وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى الوالي، فكبس عليه وضرب عنقه، وأقام الدواء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح، وبقي كذا حفرا، وبسبب هذا الغلاء خرب الفسطاط، وخلا موضع العسكر والقطائع، وظاهر مصر، مما يلي القرافة حيث الكيمان الآن إلى بركة الحبش، فلما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ إلى مصر، وقام بتدبير أمرها نقلت أنقاض ظاهر مصر مما يلي القاهرة حيث كان العسكر والقطائع، وصار فضاء وكيمانا، فيما بين مصر والقاهرة، وفيما بين مصر والقرافة، وتراجعت أحوال الفسطاط بعد ذلك حتى قارب ما كان عليه قبل الشدّة.
وأما حريق مصر: فكان سببه: أنّ الفرنج لما تغلبوا على ممالك الشام، واستولوا على الساحل حتى صار بأيديهم ما بين ملطية (١) إلى بلبيس إلاّ مدينة دمشق فقط، وصار أمر الوزارة بديار مصر: لشاور بن مجير السعديّ، والخليفة يومئذ العاضد لدين اللّه عبد اللّه بن يوسف، اسم لا معنى له، وقام في منصب الوزارة بالقوّة في صفر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتلقب بأمير الجيوش، وأخذ أموال بني رزيك وزراء مصر، وملوكها من قبله، فلما استبدّ بالإمرة حسده ضرغام صاحب الباب، وجمع جموعا كثيرة، وغلب شاور على الوزارة في شهر رمضان منها، فسار شاور إلى الشام، واستقل ضرغام بسلطنة مصر، فكان بمصر في هذه السنة ثلاثة وزراء هم: العادل بن رزيك بن طلائع بن رزيك، وشاور بن مجير، وضرغام، فأساء ضرغام السيرة في قتل أمراء الدولة، وضعفت من أجل ذلك دولة الفاطميين بذهاب رجالها الأكابر، ثم إن شاور استنجد بالسلطان: نور الدين محمود بن زنكي (٢) صاحب الشام، فأنجده وبعث معه عسكرا كثيرا في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، وقدم عليه أسد الدين شيركوه على أن يكون لنور الدين إذا عاد شاور إلى منصب الوزارة ثلث خراج مصر بعد إقطاعات العساكر، وأن يكون شيركوه عنده بعساكره في مصر، ولا يتصرّف إلا بأمر نور الدين، فخرج ضرغام بالعسكر، وحاربه في بلبيس فانهزم، وعاد إلى مصر، فنزل شاور بمن معه عند التاج خارج القاهرة، وانتشر عسكره في البلاد، وبعث
стр. 621
ضرغام إلى أهل البلاد، فأتوه خوفا من الترك القادمين معه، وأتته الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية، فامتنعوا بالقاهرة، وتطاردوا مع طلائع شاور بأرض الطبالة، فنزل شاور في المقس، وحارب أهل القاهرة فغلبوه، وحتى ارتفع إلى بركة الحبش، فنزل على الرصد واستولى على مدينة مصر، وأقام أياما فمال الناس إليه، وانحرفوا عن ضرغام لأمور، فنزل شاور باللوق، وكانت بينه وبين ضرغام حروب آلت إلى إحراق الدور من باب سعادة إلى باب القنطرة خارج القاهرة، وقتل كثير من الفريقين، واختلّ أمر ضرغام، وانهزم، فملك شاور القاهرة، وقتل ضرغام آخر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، فأخلف شيركوه ما وعد به السلطان نور الدين، وأمره بالخروج عن مصر، فأبى عليه واقتتلا.
وكان شيركوه قد بعث بابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى بلبيس، ليجمع له الغلال وغيرها من الأموال، فحشد شاور، وقاتل الشاميين، فجرت وقائع، واحترق وجه الخليج خارج القاهرة بأسره، وقطعة من حارة زويلة، فبعث شاور إلى الفرنج واستنجد بهم فطمعوا في البلاد، وخرج ملكهم مري من عسقلان بجموعه، فبلغ ذلك شيركوه، فرحل عن القاهرة بعد طول محاصرتها، ونزل بلبيس فاجتمع على قتاله بها شاور وملك الفرنج، وحصروه بها، وكانت إذا ذاك حصينة ذات أسوار، فأقام محصورا مدّة ثلاثة أشهر، وبلغ ذلك نور الدين، فأغار على ما قرب منه من بلاد الفرنج، وأخذها من أيديهم، فخافوه، ووقع الصلح مع شيركوه على عوده إلى الشام، فخرج في ذي الحجة، ولحق بنور الدين، فأقام وفي نفسه من مصر أمر عظيم إلى أن دخلت سنة اثنتين وستين، فجهزه نور الدين إلى مصر في جيش قويّ في ربيع الأوّل، وسيره فبلغ ذلك شاور، فبعث إلى مري ملك الفرنج مستنجدا به، فسار بجموع الفرنج، حتى نزل بلبيس، فوافاه شاور وأقام حتى قدم شيركوه إلى أطراف مصر، فلم يطق لقاء القوم، فسار حتى خرج من إطفيح (١) إلى جهة بلاد الصعيد من ناحية بحر القلزم، فبلغ شاور أنّ شيركوه قد ملك بلاد الصعيد، فسقط في يده، ونهض للفور من بلبيس ومعه الفرنج، فكان من حروبه مع شيركوه ما كان حتى انهزم بالأشمونين، وسار منها بعد الهزيمة إلى الإسكندرية فملكها، وأقرّ بها ابن أخيه صلاح الدين، وخرج إلى الصعيد، فخرج شاور بالفرنج وحصر الإسكندرية أشدّ حصار، فسار شيركوه من قوص ونزل على القاهرة، وحاصرها، فرحل إليه شاور، وكانت أمور آلت إلى الصلح وسار شيركوه بمن معه إلى الشام في شوّال، فطمع مري في البلاد، وجعل له شحنة بالقاهرة، وصارت أسوارها بيد فرسان الفرنج، وتقرّر لهم في كل سنة مائة ألف دينار، ثم رحل إلى بلاده، وترك بالقاهرة من يثق به من الفرنج، وسار شيركوه إلى الشام، فتحكم الفرنج في القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم، وتيقنوا عجز الدولة عن مقاومتهم، وانكشفت لهم
стр. 622
عورات الناس إلى أن دخلت سنة أربع وستين، فجمع مري جمعا عظيما من أجناس الفرنج، وأقطعهم بلاد مصر، وسار يريد أخذ مصر، فبعث إليه شاور يسأله عن سبب مسيره، فاعتل بأنّ الفرنج غلبوه على قصد ديار مصر، وأنه يريد ألفي ألف دينار يرضيهم بها، وسار فنزل على بلبيس، وحاصرها حتى أخذها عنوة في صفر، فسبي أهلها، وقصد القاهرة، فسير العاضد كتبه إلى نور الدين، وفيها شعور نسائه وبناته يسأله إنقاذ المسلمين من الفرنج، وسار مري من بلبيس، فنزل على بركة الحبش، وقد انضم الناس من الأعمال إلى القاهرة، فنادى شاور بمصر أن لا يقيم بها أحد، وأزعج الناس في النقلة منها، فتركوا أموالهم وأثقالهم ونجوا بأنفسهم، وأولادهم وقد ماج الناس واضطربوا كأنما خرجوا من قبورهم إلى المحشر لا يعبأ والد بولده، ولا يلتفت أخ إلى أخيه، وبلغ كراء الدابة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا، وكراء الحمل إلى ثلاثين دينارا، ونزلوا بالقاهرة في المساجد، والحمامات والأزقة وعلى الطرقات، فصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم، وقد سلبوا سائر أموالهم، وينتظرون هجوم العدوّ على القاهرة بالسيف، كما فعل بمدينة بلبيس، وبعث شاور إلى مصر بعشرين ألف قارورة نفط، وعشرة آلاف مشعل نار، فرّق ذلك فيها، فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السماء، فصار منظرا مهولا، فاستمرّت النار تأتي على مساكن مصر من اليوم التاسع والعشرين من صفر لتمام أربعة وخمسين يوما، والنّهابة من العبيد، ورجال الأسطول وغيرهم بهذه المنازل في طلب الخبايا، فلما وقع الحريق بمصر، رحل مري من بركة الحبش، ونزل بظاهر القاهرة، مما يلي باب البرقية، وقاتل أهلها قتالا كثيرا، حتى زلزلوا زلزالا شديدا، وضعفت نفوسهم، وكادوا يؤخذون عنوة، فعاد شاور إلى مقاتلة الفرنج، وجرت أمور آلت إلى الصلح على مال، فبينا هم في جبايته إذ بلغ الفرنج مجيء أسد الدين شيركوه بعساكر الشام من عند السلطان نور الدين محمود، فرحلوا في سابع ربيع الآخر إلى بلبيس، وساروا منها إلى فاقوس، فصاروا إلى بلادهم بالساحل، ونزل شيركوه بالمقس خارج القاهرة، وكان من قتل شاور، واستيلاء شيركوه على مصر ما كان، فمن حينئذ خربت مصر الفسطاط هذا الخراب الذي هو الآن: كيمان مصر، وتلاشى أمرها، وافتقر أهلها، وذهبت أموالهم، وزالت نعمهم، فلما استبدّ شيركوه بوزارة العاضد، أمر بإحضار أعيان أهل مصر الذين خلوا عن ديارهم في الفتنة، وصاروا بالقاهرة، وتغمم لمصابهم وسفه رأي شاور في إحراق المدينة، وأمرهم بالعود إليها، فشكوا إليه ما بهم من الفقر والفاقة وخراب المنازل، وقالوا: إلى أيّ مكان نرجع؟ وفي أيّ مكان ننزل ونأوي؟ وقد صارت كما ترى، وبكوا وأبكوا، فوعدهم جميلا، وترفق بهم وأمر، فنودي في الناس بالرجوع إلى مصر، فتراجع إليها الناس قليلا وعمروا ما حول الجامع إلى أن كانت المحنة من الغلاء والوباء العظيم في سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب لسنتي خمس وخمسمائة فخرب من مصر جانب كبير، ثم تحايا الناس بها، وأكثروا من العمارة بجانب
стр. 623
مصر الغربيّ على شاطئ النيل، لمّا عمّر الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الروضة، وصار بمصر عدّة آدار جليلة، وأسواق ضخمة، فلما كان غلاء مصر والوباء الكائن في سلطنة الملك العادل: كتبغا سنة ست وتسعين وستمائة خرب كثير من مساكن مصر، وتراجع الناس بعد ذلك في العمارة إلى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فحدث الفناء الكبير الذي أقفر منه معظم دور مصر، وخربت ثم تحايا الناس من بعد الوباء، وصار ما يحيط بالجامع العتيق، وما على شط النيل عامرا إلى سنة ست وسبعين وسبعمائة، فشرقت بلاد مصر، وحدث الوباء بعد الغلاء، فخرب كثير من عامر مصر، ولم يزل يخرب شيئا بعد شيء إلى سنة تسعين وسبعمائة، فعظم الخراب في خط زقاق القناديل، وخط النحاسين، وشرع الناس في هدم دور مصر، وبيع أنقاضها، حتى صارت على ما هي عليه الآن، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا.
ذكر ما قيل في مدينة فسطاط مصر
قال ابن رضوان: والمدينة الكبرى اليوم بأرض مصر ذات أربعة أجزاء: الفسطاط، والقاهرة، والجزيرة، والجيزة، وبعد هذه المدينة عن خط الاستواء ثلاثون درجة، والجبل المقطم في شرقيها، وبينها وبين مقابر المدينة.
وقد قالت الأطباء: إن أردأ المواضع ما كان الجبل في شرقيه يعوق ريح الصبا عنه، وأعظم أجزائها: هو الفسطاط، ويلي الفسطاط من الغرب: النيل، وعلى شط النيل الغربيّ أشجار طوال وقصار، وأعظم أجزاء الفسطاط: موضع في غور، فإنه يعلوه من المشرق المقطم، ومن الجنوب الشرف، ومن الشمال الموضع العالي من عمل فوق، أعني الموقف والعسكر وجامع ابن طولون، ومتى نظرت إلى الفسطاط من الشرق أو من مكان آخر عال:
رأيت وضعها في غور. وقد بيّن أبقراط أن المواضع المتسفلة: أسخن من المواضع المرتفعة، وأردأ هواء لاحتقان البخار فيها، ولأن ما حولها من المواضع العالية يعوق تحليل الرياح لها، وأزقة الفسطاط وشوارعها ضيقة، وأبنيتها عالية، وقد قال روفس: إذا دخلت مدينة، فرأيتها ضيقة الأزقة مرتفعة البناء، فاهرب منها لأنها وبيئة أراد أن البخار لا ينحل منها كما ينبغي لضيق الأزقة وارتفاع البناء.
ومن شأن أهل الفسطاط أن يرموا ما يموت في دورهم من السنانير والكلاب، ونحوها من الحيوان الذي يخالط الناس في شوارعهم وأزقتهم فتعفن، وتخالط عفونتها الهواء، ومن شأنهم أيضا: أن يرموا في النيل الذي يشربون منه فضول حيواناتهم وجيفها، وخرّارا كنفهم تصب فيه، وربما انقطع جري الماء، فيشربون هذه العفونة باختلاطها بالماء، وفي خلال الفسطاط مستوقدات عظيمة يصعد منها في الهواء دخان مفرط، وهي أيضا كثيرة الغبار لسخانة أرضها، حتى أنك ترى الهواء في أيام الصيف كدرا يأخذ بالنفس، ويتسخ الثوب
стр. 624
النظيف في اليوم الواحد، وإذا مرّ الإنسان في حاجة لم يرجع إلاّ وقد اجتمع في وجهه ولحيته غبار كثير، ويعلوها في العشيات خاصة في أيام الصيف بخار كدر أسود وأغبر، سيّما إذا كان الهواء سليما من الرياح، وإذا كانت هذه الأشياء كما وصفنا، فمن البيّن أنه يصير الروح الحيوانيّ الذي فيها حالة كهذه الحال، فيتولد إذا في البدن من هذه الأعراض فضول كثيرة، واستعدادات نحو العفن إلاّ أنّ ألف أهل الفسطاط لهذه الحال، وأنسهم بها يعوق عنهم أكثر شرّها، وإن كانوا على كل حال أسرع أهل مصر وقوعا في الأمراض، وما يلي النيل من الفسطاط، يجب أن يكون أرطب مما يلي الصحراء، وأهل الشرق أصلح حالا لتخرّق الرياح لدورهم، وكذلك عمل فوق والحمراء، إلاّ أن أهل الشرف الذي يشربونه أجود لأنه يستقى قبل أن تخالطه عفونة الفسطاط، فأمّا القرافة فأجود هذه المواضع، لأن المقطم يعوق بخار الفسطاط من المرور بها، وإذا هبت ريح الشمال مرّت بأجزاء كثيرة من بخار الفسطاط، والقاهرة على الشرف، فغيرت حاله، وظاهر أن المواضع المكشوفة في هذه المدينة هي أصح هواء، وكذلك حال المواضع المرتفعة، وأردأ موضع في المدينة الكبرى هو ما كان من الفسطاط حول الجامع العتيق إلى ما يلي النيل والسواحل، وإذا كان في الشتاء وأوّل الربيع حمل من بحر الملح سمك كثير، فيصل إلى هذه المدينة، وقد عفن، وصارت له رائحة منكرة جدّا، فساغ في القاهرة، ويأكله أهلها وأهل الفسطاط، فيجتمع في أبدانهم منه فضول كثيرة عفنة، فلولا الاعتدال أمزجتهم وصحة أبدانهم في هذا الزمان لكان ذلك يولد في أبدانهم أمراضا كثيرة، قاتلة، إلاّ أن قوّة الاستمرار تعوق عن ذلك، وربما انقطع النيل في آخر الربيع، وأوّل الصيف من جهة الفسطاط، فيعفن بكثرة ما يلقي فيه إلى أن يبلغ عفنه إلى أن تصير له رائحة منكرة محسوسة، وظاهر أن هذا الماء إذا صار على هذه الحال، غيّر مزاج الناس تغيرا محسوسا. قال: فمن البيّن أن أهل هذه المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض ما خلا أهل الفيوم، فإنها أيضا قريبة، وأردأ ما في المدينة: الموضع الغائر من الفسطاط، ولذلك غلب على أهلها الحين، وقلة الكرم، وأنه ليس أحد منهم يغيث، ولا يضيف الغريب إلا في النادر، وصاروا من السعاية والاغتياب على أمر عظيم، ولقد بلغ بهم الجبن إلى أنّ خمسة أعوان تسوق منهم مائة رجل وأكثر، ويسوق الأعوان المذكورين: رجل واحد من أهل البلدان الأخر، وممن قد تدرّب في الحرب، فقد استبان إذا العلة والسبب في أن صار أهل المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض، وأضعف أنفسا، ولعل لهذا السبب اختار القدماء: اتخاذ المدينة في غير هذا الموضع، فمنهم من جعلها بمنف، وهي: مصر القديمة، ومنهم من جعلها بالإسكندرية، ومنهم من جعلها بغير هذه المواضع، ويدل على ذلك آثارهم.
وقال ابن سعيد عن كتاب الكمائم: وأما فسطاط مصر فإنّ مبانيها كانت في القديم
стр. 625
متصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام، وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن، وعليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه حيث المسجد الجامع المنسوب إليه، ثم لما فتحها: قسم المنازل على القبائل، ونسبت المدينة إليه، فقيل: فسطاط عمرو، وتداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر، فاتخذوها سريرا للسلطنة وتضاعفت عمارتها، فأقبل الناس من كل جانب إليها، وقصروا أمانيهم عليها إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة بالقطائع، وبها كان مسجد ابن طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة، وهي مدينة مستطيلة يمرّ النيل مع طولها، ويحط في ساحلها المراكب الآتية من شمال النيل، وجنوبه بأنواع الفوائد، ولها منتزهات، وهي في الإقليم الثالث، ولا ينزل فيها مطر إلاّ في النار، وترابها تثيره الأرجل، وهو قبيح اللون تتكدّر منه أرجاؤها ويسوء بسببه هواؤها، ولها أسواق ضخمة إلاّ أنّها ضيقة ومبانيها بالقصب، والطوب طبقة على طبقة، ومذ بنيت القاهرة، ضعفت مدينة الفسطاط، وفرّط في الاغتباط بها بعد الإفراط، وبينهما نحو ميلين، وأنشد فيها الشريف العقيلي:
أحنّ إلى الفسطاط شوقا وإنني … لأدعو لها أن لا يحلّ بها القطر
وهل في الحيا من حاجة لجنابها … وفي كل قطر من جوانبها نهر
تبدّت عروسا والمقطم تاجها … ومن نيلها عقد كما انتظم الدر
وقال عن كتاب آخر: فالفسطاط هي قصبة مصر، والجبل المقطم شرقها، وهو متصل بجبل الزمرّذ.
وقال عن كتاب ابن حوقل: والفسطاط مدينة حسنة ينقسم النيل لديها، وهي كبيرة نحو ثلث بغداد، ومقدارها نحو فرسخ على غاية العمارة والطيبة واللذة، ذات رحاب في محالها، وأسواق عظام فيها ضيق، ومتاجر فخام، ولها ظاهر أنيق وبساتين نضرة، ومنتزهات على ممرّ الأيام خضرة، وفي الفسطاط قبائل، وخطط للعرب تنسب إليها كالبصرة والكوفة إلا أنها أقل من ذلك، وهي سبخة الأرض غير نقية التربة، وتكون بها الدار سبع طبقات وستا وخمسا، وربما يسكن في الدار المائتان من الناس، ومعظم بنيانهم بالطوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة: بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط، والآخر على الموقف بناه أحمد بن طولون، وكان خارج الفسطاط أبنية بناها أحمد بن طولون ميلا في ميل يسكنها جنده تعرف بالقطائع، كما بنى بنو الأغلب خارج القيروان وقادة، وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف اللّه بدل القطائع بظاهر مدينة الفسطاط القاهرة.
قال ابن سعيد: ولما استقررت بالقاهرة تشوّقت إلى معاينة الفسطاط، فسار معي أحد أصحاب العزمة، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط
стр. 626
جملة عظيمة لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حمارا، وأشار إليّ أن اركب حمارا آخر، فأنفت من ذلك جريا على عادة ما خلّفته في بلاد المغرب، فأعلمني أنه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والسادة الظاهرة يركبونها فركبت، وعندما استويت راكبا أشار المكاري على الحمار، فطار بي، وأثار من الغبار الأسود، ما أعمى عيني، ودنس ثيابي، وعاينت ما كرهته، ولقلة معرفتي بركوب الحمار، وشدّة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، وقفت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج فقلت:
لقيت بمصر أشدّ البوار … ركوب الحمار وكحل الغبار
وخلفي مكار يفوق الريا … ح لا يعرف الرفق بهمي استطار
أناديه مهلا فلا يرعوي … إلى أن سجدت سجود العثار
وقد مدّ فوقي رواق الثرى … وألحد فيه ضياء النهار
فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك إليّ أن تتركني أمشي على رجليّ، ومشيت إلى أن بلغتها، وقدّرت الطريق بين القاهرة والفسطاط، وحققت بعد ذلك نحو الميلين، ولما أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرّة، وتأمّلت أسوار مثلمة سوداء، وآفاقا مغبرّة، ودخلت من بابها، وهو دون غلق مفض إلى خراب معمور بمبان سيئة الوضع غير مستقيمة الشوارع، قد بنيت من الطوب الأدكن والقصب، والنخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التراب الأسود، والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الطريف، فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال إلى أن سرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها بحوائج السوق والروايا التي على الجمال ما لا يفي به إلاّ مشاهدته ومقاساته إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضدّه في جامع إشبيلية، وجامع مراكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعا كبيرا قديم البناء غير مزخرف، ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه، وتبسط فيه، وأبصرت العامّة رجالا ونساء قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك، وما جرى مجرى ذلك، والناس يأكلون منه في أمكنة عديدة غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، وعدّة صبيان بأواني ماء يطوفون على من يأكل قد جعلوا ما يحصل لهم منهم رزقا، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع، وفي زواياه والعنكبوت قد عظم نسجه في السقوف والأركان والحيطان، والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم، والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة إلاّ أن مع هذا كله على الجامع المذكور من الرونق، وحسن القبول، وانبساط النفس، ما لا تجده في جامع إشبيلية مع زخرفته، والبستان الذي في صحنه، وقد تأمّلت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك، فعلمت أنه سرّ مودع من
стр. 627
وقوف الصحابة رضوان اللّه عليهم في ساحته عند بنائه، واستحسنت ما أبصرته فيه من حلق المصدّرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدّة أماكن، وسألت عن موارد أرزاقهم، فأخبرت أنها من فروض الزكاة، وما أشبه ذلك. ثم أخبرت أن اقتضاءها يصعب إلا بالجاه والتعب، ثم انفصلنا من هنالك إلى ساحل النيل، فرأيت ساحلا كدر التربة غير نظيف، ولا متسع الساحة، ولا مستقيم الاستطالة، ولا عليه سور أبيض، إلاّ أنه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب، وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار الأرض والنيل، ولئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل، فإني أقول حقا والنيل هنا لك ضيق لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيض الشامخ: حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل، وقد ذكر ابن حوقل (١) الجسر الذي يكون ممتدّا من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البرّ الغربيّ المعروف ببرّ الجيزة جسر آخر من الجزيرة إليه، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب لأن هذين الجسرين قد احترما بحصولهما في حيز قلعة السلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الجزيرة والفسطاط راكبا احتراما لموضع السلطان، ويتنافى ليلة ذلك اليوم بطيارة (٢) مرتفعة على جانب النيل فقلت:
نزلنا من الفسطاط أحسن منزل … بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد
وقد جمعت فيه المراكب سحرة … كسرب قطا أضحى يزف على ورد
وأصبح يطغى الموج فيه ويرتمي … ويطغو حنانا وهو يلعب بالنرد
غدا ماؤه كالريق ممن أحبه … فمدّت عليه حلية من حلي الخدّ
وقد كان مثل الزهر من قبل مدّة … فأصبح لما زاده المدّ كالورد
قلت: هذا لأني لم أذق في المياه أحلى من مائه، وأنه يكون قبل المدّ الذي يزي به، ويفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النيل صار أحمر. وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط وأهلها:
حبذا الفسطاط من والدة … جنبت أولادها درّ الجفا
يرد النيل إليها كدرا … فإذا مازج أهليها صفا
لطفوا فالمزن لا يألفهم … خجلا لما رآهم ألطفا
ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط، حتى أنهم ألطف من أهل القاهرة، وبينهما نحو ميلين، وجملة الحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام،
стр. 628
وتحت ذلك من الملق، وقلة المبالاة برعاية قدم الصحبة، وكثرة الممازجة والألفة ما يطول ذكره، وأما ما يرد على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندرانيّ، والبحر الحجازي، فإنه فوق ما يوصف، وبها مجمع ذلك لا بالقاهرة، ومنها تجهز إلى القاهرة، وسائر البلاد، وبالفسطاط مطابخ السكر والصابون، ومعظم ما يجري هذا المجرى، لأن القاهرة بنيت للاختصاص بالجند، كما أنّ جميع زيّ الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط وكذلك ما ينسج، ويصاغ وسائر ما يعمل من الأشياء الرفيعة السلطانية، والخراب في الفسطاط كثير، والقاهرة أجدّ وأعمر، وأكثر زحمة بسبب انتقال السلطان إليها، وسكنى الأجناد فيها، وقد نفخ روح الاعتناء والنموّ في مدينة الفسطاط الآن لمجاورتها للجزيرة الصالحية، وكثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة، وبنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر، يعني ابن سعيد: ما بني على شقة مصر من جهة النيل.
ذكر ما عليه مدينة مصر الآن وصفتها
قد تقدّم من الأخبار جملة تدل على عظم ما كان بمدينة فسطاط مصر من المباني وكثرتها، ثم الأسباب التي أوجبت خرابها، وآخر ما رأيت من الكتب التي صنفت في خطط مصر كتاب إيقاظ المتغفل، واتعاظ المتأمّل تأليف: القاضي الرئيس تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج الزبيريّ ﵀، وقطع على سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فذكر من الأخطاط المشهورة بذاتها لعهده اثنين وخمسين خطا، ومن الحارات ثنتي عشرة حارة، ومن الأزقة المشهورة: ستة وثمانين زقاقا، ومن الدروب المشهورة: ثلاثة وخمسين دربا، ومن الخوخ المشهورة: خمسا وعشرين خوخة، ومن الأسواق المشهورة: تسعة عشر سوقا، ومن الخطط المشهورة بالدور: ثلاثة عشر خطا، ومن الرحاب المشهورة: خمس عشرة رحبة، ومن العقبات المشهورة: إحدى عشرة عقبة، ومن الكيمان المسماة: ستة كيمان، ومن الأقباء: عشرة أقباء، ومن البرك: خمس برك، ومن السقائف: خمسا وستين سقيفة، ومن القياسر: سبع قياسر، ومن مطابخ السكر العامرة: ستة وستين مطبخا، ومن الشوارع: ستة شوارع، ومن المحارس: عشرين محرسا، ومن الجوامع التي تقام فيها الجمعة بمصر، وظاهرها من الجزيرة، والقرافة: أربعة عشر جامعا، ومن المساجد: أربعمائة وثمانين مسجدا، ومن المدارس: سبع عشرة مدرسة، ومن الزوايا: ثماني زوايا، ومن الربط التي بمصر والقرافة: بضعا وأربعين رباطا، ومن الأحباس والأوقاف كثيرا، ومن الحمامات:
بضعا وسبعين حماما، ومن الكنائس وديارات النصارى: ثلاثين ما بين دير وكنيسة، وقد باد أكثر ما ذكره ودثر، وسيرد ما قاله من ذلك في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
فأقول: إنّ مدينة مصر محدودة الآن بحدود أربعة: فحدّها الشرقيّ اليوم: من قلعة الجبل، وأنت آخذ إلى باب القرافة، فتمرّ من داخل السور الفاصل بين القرافة، ومصر إلى
стр. 629
كوم الجارح، وتمرّ من كوم الجارح، وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهي إلى الرصد حيث أوّل بركة الحبش، فهذا طول مصر من جهة المشرق، وكان يقال لهذه الجهة عمل فوق.
وحدّها الغربي: من قناطر السباع خارج القاهرة إلى موردة الحلفاء، وتأخذ على شاطئ النيل إلى دير الطين، فهذا أيضا طولها من جهة المغرب. وحدّها القبليّ من شاطئ النيل بدير الطين حيث ينتهي الحدّ الغربيّ إلى بركة الحبش تحت الرصد، حيث انتهى الحدّ الشرقيّ، فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التي تسميها أهل مصر الجهة القبلية.
وحدّها البحريّ: من قناطر السباع حيث ابتداء الحدّ الغربيّ إلى قلعة الجبل، حيث ابتداء الحدّ الشرقيّ، فهذا عرض مصر من جهة الشمال التي تعرف بمصر بالجهة البحرية، وما بين هذه الجهات الأربع فإنه يطلق عليه الآن مصر، فيكون أوّل عرض مصر في الغرب بحر النيل، وآخر عرضها في الشرق أوّل القرافة، وأوّل طولها من قناطر السباع، وآخره بركة الحبش، فإذا عرفت ذلك ففي الجهة الغربية خط السبع سقايات، ويجاوره الخليج، وعليه من شرقيه حكر أقبغا، ومن غربيه المريس، ومنشأه المهرانيّ، ويحاذي المنشأة من شرقيّ الخليج خط قنطرة السدّ، وخط بين الزقّاقين، وخط موردة الحلفاء، وخط الجامع الجديد، ومن شرقيّ خط الجامع الجديد خط المراغة، ويتصل به خط الكبارة، وخط المعاريج، ويجاوز خط الجامع الجديد من بحريه الدور التي تطلّ على النيل، وهي متصلة إلى جسر الأفرم المتصل بدير الطين وما جاوره إلى بركة الحبش، وهذه الجهة هي أعمر ما في مصر الآن، وأما الجهة الشرقية، فليس فيها شيء عامر إلاّ قلعة الجبل، وخط المراغة المجاور لباب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة، ويجاور خط مشهد السيدة نفيسة من قبليه الفضاء الذي كان موضع الموقف، والعسكر إلى كوم الجارح، ثم خط كوم الجارح، وما بين كوم الجارح إلى آخر حدّ طول مصر عند بركة الحبش تحت الرصد، فإنه كيمان، وهي الخطط التي ذكرها القضاعيّ، وخربت في الشدّة العظمى زمن المستنصر، وعند حريق شاور لمصر كما تقدّم، وأما عرض مصر الذي من قناطر السباع إلى القلعة، فإنه عامر ويشتمل على بركة الفيل الصغرى، بجوار خط السبع سقايات، ويجاور الدور التي على هذه البركة من شرقيها خط الكبش، ثم خط جامع أحمد بن طولون، ثم خط القبيبات، وينتهي إلى الفضاء الذي يتصل بقلعة الجبل، وأما عرض مصر الذي من شاطئ النيل بخط دير الطين إلى تحت الرصد حيث بركة الحبش، فليس فيه عمارة سوى خط دير الطين، وما عدا ذلك فقد خرب بخراب الخطط، وكان فيه خط بني وائل، وخط راشدة، فأما خط السبع سقايات: فإنه من جملة الحمراء الدنيا، وسيرد عند ذكر الأخطاط إن شاء اللّه تعالى، وما عدا ذلك فإنه يتبين من ذكر ساحل مصر.
стр. 630
ذكر ساحل النيل بمدينة مصر
قد تقدّم أنّ مدينة فسطاط مصر اختطها المسلمون حول جامع عمرو بن العاص، وقصر الشمع، وأنّ بحر النيل كان ينتهي إلى باب قصر الشمع الغربيّ المعروف بالباب الجديد، ولم يكن عند فتح أرض مصر بين جامع عمرو وبين النيل حائل، ثم انحسر ماء النيل عن أرض تجاه الجامع، وقصر الشمع، فابتنى فيها عبد العزيز بن مروان، وحاز منه بشر بن مروان لما قدم على أخيه عبد العزيز، ثم حاز منه هشام بن عبد الملك في خلافته، وبنى فيه، فلما زالت دولة بني أمية قبض ذلك في الصوافي، ثم أقطعه الرشيد السريّ بن الحكم، فصار في يد ورثته من بعده يكترونه، ويأخذون حكره، وذلك أنه كان قد اختط فيها المسلمون شيئا بعد شيء وصار شاطئ النيل بعد انحساره ماء النيل عن الأرض المذكورة حيث الموضع الذي يعرف اليوم بسوق المعاريج.
قال القضاعيّ: كان ساحل أسفل الأرض بإزاء المعاريج القديم، وكانت آثار المعاريج قائمة سبع درج حول ساحل البيما إلى ساحل البوريّ اليوم، فعرف ساحل البوريّ بالمعاريج الجديد، يعني بالمعاريج الجديد: موضع سوق المعاريج اليوم، وكان من جملة خطط مدينة فسطاط مصر: الحمراوات الثلاث، فالحمراء الأولى من جملتها سوق وردان، وكان يشرف بغربيه على النيل، ويجاوره: الحمراء الوسطى، ومن بعضها الموضع الذي يعرف اليوم بالكبارة، وكانت على النيل أيضا، وبجانب الكبارة: الحمراء القصوى، وهي من بحريّ الحمراء الوسطى إلى الموضع الذي هو اليوم: خط قناطر السباع، ومن جملة الحمراء القصوى: خط خليج مصر من حدّ قناطر السباع إلى تجارة قنطرة السدّ من شرقيها، وبآخر الحمراء القصوى: الكبش وجبل يشكر، وكان الكبش يشرف على النيل من غربيه، وكان الساحل القديم، فيما بين سوق المعاريج اليوم إلى دار التفاح بمصر، وأنت مارّ إلى باب مصر بجوار الكبارة، وموضع الكوم المجاور لباب مصر من شرقيه، فلما خربت مصر بحريق شاور بن مجير إياها صار هذا الكوم من حينئذ، وعرف بكوم المشانيق، فأنه كان يشنق بأعلاه أرباب الجرائم، ثم بنى الناس فوقه دورا فعرف إلى يومنا هذا بكوم الكبارة، وكان يقال لما بين سوق المعاريج، وهذا الكوم لما كان ساحل النيل القالوص (١).
قال القضاعيّ: رأيت بخط جماعة من العلماء القالوص: بألف، والذي يكتب في هذا الزمان القلوص بحذف الألف، فأما القلوص: بحذف الألف، فهي من الإبل والنعام الشابة، وجمعها قلص، وقلاص وقلائص، والقلوص من الحباري الأنثى الصغيرة، فلعل هذا المكان سمي بالقلوص لأنه في مقابلة الجمل الذي كان على باب الريحان الذي يأتي ذكره في
стр. 631
عجائب مصر، وأما القالوص بالألف: فهي كلمة رومية ومعناها بالعربية: مرحبا بك، ولعل الروم كانوا يصفقون لراكب هذا الجمل، ويقولون هذه الكلمة على عاداتهم. وقال ابن المتوّج: والساحل القديم أوّله من باب مصر المذكور يعني المجاور للكبارة، وإلى المعاريج جميعه كان بحرا يجري فيه ماء النيل، وقيل: إنّ سوق المعاريج كان موردة سوق السمك يعني ما ذكره القضاعيّ من أنه كان يعرف بساحل البوريّ، ثم عرف بالمعاريج الجديد.
قال ابن المتوّج (١): ونقل أنّ بستان الجرف المقابل لبستان حوض ابن كيسان كان صناعة العمارة، وأدركت أنا فيه بابها، ورأيت زريبة من ركن المسجد المجاور للحوض من غربيه تتصل إلى قبالة مسجد العادل الذي بمراغة الدواب الآن.
قال مؤلفه ﵀: بستان الجرف يعرف بذلك إلى اليوم، وهو على يمنة من سلك إلى مصر من طريق المراغة، وهو جار في وقف الخانقاه التي تعرف بالواصلة بين الزقاقين، وحوض ابن كيسان يعرف اليوم: بحوض الطواشي، تجاه غيط الجرف المذكور، يجاوره بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، وقد ذكر خبر هذه الصناعة عند ذكر مناظر الخلفاء، ويعرف بستان ابن كيسان اليوم ببستان الطواشي أيضا، وبين بستان الجرف، وبستان الطواشي هذا مراغة مصر المسلوك منها إلى الكبارة، وباب مصر.
قال ابن المتوّج: ورأيت من نقل عمن نقل عمن رأى هذا القلوص يتصل إلى آدر الساحل القديم، وأنه شاهد ما عليه من العمائر المطلة على بحر النيل من الرباع والدور المطلة، وعدّ الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على بحر النيل، فكانت عدّتها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر مؤبدة فيها أطناب ترخى بها وتملأ أخبرني بذلك من أثق بنقله، وقال: إنه أخبره به من يثق به متصلا بالمشاهد له الموثوق به، قال: وباب مصر الآن بين البستان الذي قبليّ الجامع الجديد يعني بستان العالمة، وبين كوم المشانيق يعني كوم الكبارة، ورأيت السور يتصل به إلى دار النحاس، وجميع ما بظاهره شون، ولم يزل هذا السور القديم الذي هو قبليّ بستان العالمة موجودا أراه وأعرفه إلى أن اشترى أرضه من باب مصر إلى موقف المكارية بالخشابين القديمة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري، فأجّر مكانه للعامة، وصار كل من استأجر قطعة هدم ما بها من البناء بالطوب اللبن، وقلع الأساس الحجر، وبنى به، فزال السور المذكور، ثم حدث الساحل الجديد.
قال مؤلفه ﵀: وهذا الباب الذي ذكره ابن المتوّج كان يقال له: باب الساحل، وأوّل حفر ساحل مصر في سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وذلك أنه جف النيل عن برّ مصر
стр. 632
حتى احتاج الناس أن يستقوا من بحر الجيزة الذي هو فيما بين جزيرة مصر التي تدعى الآن بالروضة، وبين الجيزة، وصار الناس يمشون هم والدواب إلى الجزيرة، فحفر الأستاذ كافور الإخشيديّ، وهو يومئذ مقدّم أمراء الدولة لأونوجور بن الإخشيد خليجا حتى اتصل بخليج بني وائل، ودخل الماء إلى ساحل مصر، ثم إنه لما كان قبل سنة ستمائة تقلص الماء عن ساحل مصر القديمة، وصار في زمن الاحتراق يقل حتى تصير الطريق إلى المقاييس يبسا، فلما كان في سنة ثمان وعشرين وستمائة خاف السلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من تباعد البحر عن العمران بمصر، فاهتم بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية، وعمل فيه بنفسه فوافقه على العمل في ذلك الجمّ الغفير، واستوى في المساعدة السوقة، والأمير، وقسط مكان الحفر على الدور بالقاهرة ومصر والروضة والمقياس، فاستمرّ العمل فيه من مستهلّ شعبان إلى سلخ شوّال مدّة ثلاثة أشهر حتى صار الماء يحيط بالمقياس، وجزيرة الروضة دائما بعد ما كان عند الزيادة يصير جدولا رقيقا في ذيل الروضة، فإذا اتصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر، فلما كانت أيام الملك الصالح، وعمر قلعة الروضة، أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرا فيما دار بالروضة، فأخذ في الاهتمام بذلك، وغرّق عدّة مراكب مملوءة بالحجارة في برّ الجيزة تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر، ومن قبليّ جزيرة الروضة، فانعكس الماء، وجعل البحر حينئذ يمرّ قليلا قليلا، وتكاثر أوّلا فأوّلا في برّ مصر من دار الملك إلى قريب المقس، وقطع المنشأة الفاضلية.
قال ابن المتوّج عن موضع الجامع الجديد: وكان في الدولة الصالحية، يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب: رملة تمرّغ الناس فيها الدواب في زمن احتراق النيل، وجفاف البحر الذي هو أمامها، فلما عمر السلطان الملك الصالح قلعة الجزيرة، وصار في كل سنة يحفر هذا البحر بجنده ونفسه، ويطرح بعض رمله في هذه البقعة، شرع خواص السلطان في العمارة على شاطئ هذا البحر، فذكر من عمّر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزية، وذكر ما وراء هذه الدور من بستان العالمة المطل عليه الجامع الجديد وغيره، ثم قال: وإنما عرف بالعالمة لأنه كان قد حله السلطان الملك الصالح لهذه العالمة، فعمرت بجانبه منظرة لها، وكان الماء يدخل من النيل لباب المنظرة المذكورة، فلما توفيت بقي البستان مدّة في يد ورثتها، ثم أخذ منهم، وذكر أن بقعة الجامع الجديد كانت قبل عمارته شونا للأتبان السلطانية، وكذلك ما يجاورها، فلما عمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد كثرت العمائر من حدّ موردة الحلفاء على شاطئ النيل، حتى اتصلت بدير الطين، وعمر أيضا ما وراء الجامع من حدّ باب مصر الذي كان بحرا كما تقدّم إلى حدّ قنطرة السدّ، وأدركنا ذلك كله على غاية العمارة، وقد اختل منذ الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، فخرب خط بين الزقاقين المطل من غربيه على الخليج،
стр. 633
ومن شرقيه على بستان الجرف، ولم يبق به إلا القليل من الدور، وموضعه كما تقدّم كان في قديم الزمان غامرا بماء النيل، ثم ربى جرفا، وهو بين الزقاقين المذكور، فعمر عمارة كبيرة، ثم خرب الآن وخرب أيضا خط موردة الحلفاء، وكان في القديم غامرا بالماء، فلما ربى النيل الجرف المذكور، وتربت الجزيرة قدّام الساحل القديم الذي هو الآن البكارة إلى المعاريج، وأنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد عمرت موردة الحلفاء هذه، واتصلت من بحريها بمنشأة المهرانيّ، ومن قبليها بالأملاك التي تمتدّ من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطين، وصارت موردة الحلفاء عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال وغيرها، ويملأ منها الناس الروايا، وكان البحر لا يبرح طول السنة هناك، ثم صار ينشّف في فصل الربيع والصيف، واستمرّ على ذلك إلى يومنا هذا، وخراب ما خلف الجامع الجديد أيضا من الأماكن التي كانت بحرا تجاه الساحل القديم، ثم لما انحسر الماء صارت مراغة للدواب، فعرفت اليوم بالمراغة وهي من آخر خط قنطرة السدّ إلى قريب من الكبارة، ويحصرها من غربيها بستان الجرف المقدّم ذكره، وعدّة دور كانت بستانا وشونا إلى باب مصر، ومن شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، وعرف الآن ببستان الطواشي، ولم يبق الآن بخط المراغة إلاّ مساكن يسيرة حقيرة.
ذكر المنشأة
اعلم أن خليج مصر كان يخرج من بحر النيل، فيمرّ بطريق الحمراء القصوى، وكان في الجانب الغربيّ من هذا الخليج عدّة بساتين من جملتها بستان، عرف ببستان الخشاب، ثم خرب هذا البستان، وموضعه الآن يعرف: بالمريس، فلما كان بعد الخمسمائة من سني الهجرة انحسر النيل عن أرض فيما بين ميدان اللوق الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء اللّه تعالى، وبين بستان الخشاب المذكورة، فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل، لأنّ القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ أنشأ بها بستانا عظيما كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه، وعمر بجانبه جامعا، وبنى حوله فقيل لتلك الخطة منشأة الفاضل، وكثرت بها العمارة، وأنشأ بها موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدويّ العثمانيّ الديباجيّ بستانا دفع له فيه ألف دينار في أيام الظاهر بيبرس، وكان الصرف قد بلغ كل دينار ثمانية وعشرين درهما ونصفا، فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه، وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدور، وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر، وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب بعد خراب بستان الفاضل هذا عدّة سنين: رحم اللّه الفاضل يا عنب، إشارة لكثرة أعناب بستان الفاضل وحسنها، وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستمائة، وكان الموفق الديباجيّ المذكور يتولى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة، فلم تلف الجامع باستيلاء النيل عليه سأل: الصاحب بهاء الدين بن حنا، وألحّ عليه وكان من ألزامه، حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهرانيّ، ومنشأة المهرانيّ هذه
стр. 634
موضعها فيما بين النيل والخليج، وفيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج انحسر عنها ماء النيل قديما وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب، فلما سأل الصاحب بهاء الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك، وأنشأ الجامع بخط الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع، فأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهرانيّ دارا وسكنها، وبنى مسجدا، فعرفت هذه الخطة به، وقيل لها: منشأة المهرانيّ، فإنّ المهرانيّ المذكور أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء بمنشأة المهرانيّ وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الوزراء، وأماثل الكتاب، وأعيان القضاة، ووجوه الناس، ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت، وبها الآن بقية يسيرة من الدور، ويتصل بخط الجامع الجديد خط دار النحاس، وهو مطلّ على النيل، ودار النحاس هذه من الدور القديمة، وقد دثرت، وصار الخط: يعرف بها.
قال القضاعيّ: دار النحاس اختطها: وردان مولى عمرو بن العاص، فكتب مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانا، فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها، وعوّضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن، وقال ربيعة: كانت هذه الدار من خطة الحجر من الأزد، فاشتراها عمر بن مروان، وبناها، فكانت في يد ولده، وقبضت عنهم وبيعت في الصوافي سنة ثمان وثلثمائة، ثم صارت إلى شمول الإخشيديّ، فبناها قيسارية وحماما، فصارت دار النحاس قيسارية شمول.
وقال ابن المتوّج: دار النحاس خط نسب لدار النحاس، وهو الآن فندق الأشراف ذو البابين أحدهما من رحبة أمامه، والثاني شارع بالساحل القديم، وبآخر هذه الشقة التي تطل على النيل (جسر الأفرم)، وهو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزية، وبين رباط الآثار كان مطلا على النيل دائما، والآن ينحسر الماء عنه عند هبوط النيل، وعرف بالأمير عز الدين أيدمر الأفرم الصالحيّ النجميّ أمير جندار، وذلك أنه لما استأجر بركة الشعيبية، كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب جعل منها فدّانين من غربيها أذن للناس في تحكيرها، فحكرت وبنى عليها عدّة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة، وتنافس عظماء دولة الناصر محمد بن قلاون من الوزراء، وأعيان الكتاب في المساكن بهذا الجسر، وبنوا وتأنقوا، وتفننوا في بدع الزخرفة، وبالغوا في تحسين الرخام، وخرجوا عن الحدّ في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك بحيث صار خط الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر، وسكانه أرق الناس عيشا، وأترف المتنعمين حياة، وأوفرهم نعمة، ثم خرب هذا الجسر بأسره، وذهبت دوره.
стр. 635
وأما الجهة الشرقية من مصر: ففيها قلعة الجبل، وقد أفردنا لها خبرا مستقلا يحتوي على فوائد كثيرة تضمنه هذا الكتاب فانظره، ويتصل آخر قلعة الجبل بخط باب القرافة، وهو من أطراف القطائع والعسكر، ويلي خط باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر، وقد تقدّم ذكره، وكان بأطراف العسكر مما يلي كوم الجارح.
الموقف (١) قال ابن وصيف شاه في أخبار الريان بن الوليد: وهو فرعون نبيّ اللّه يوسف صلوات اللّه عليه، ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه، وكانت قوافل الشام تعرّس بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام، ونودي عليه، وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليهم، فاشتراه أطفين العزيز، ويقال: إنّ الذي أخرج يوسف من الجب: مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقال القضاعيّ: كان الموقف فضاء لأم عبد اللّه بن مسلمة بن مخلد، فتصدّقت به على المسلمين، فكان موقفا تباع فيه الدواب، ثم ملك بعد وقد ذكرته في الظاهر يعني في خطط أهل الظاهر، فإنّ الموقف من جملة خطط أهل الظاهر.
وقال ابن المتوّج: بقعة (خط الصفاء) هذا الخط دثر جميعه، ولم يبق له أثر، وهو قبليّ الفسطاط أوّله بجوار المصنع، وخط الطحانين أدركته، كان صفين طواحين متلاصقة متصلة من درب الصفاء إلى كوم الجارح، وأدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول، وكان المار بين هذين الصفين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدّثه لقوّة دوران الطواحين، وكان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار، دثر جميع ذلك، ولم يبق له أثر.
قال: وبقعة درب الصفاء هو الدرب الذي كان باب مصر، وقيل: إنه كان بظاهره سوق يوسف ﵇، وكان بابا بمصراعين يعلوهما عقد كبير، وهو بعتبة كبيرة سفلى من صوّان، وكان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن، وكان حول المصنع عمد رخام بدائرة حاملة الساباط يعلوه مسجد معلق، هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن سلار، والي مصر في دولة الظاهر بيبرس، وهذا الدرب يسلك منه إلى درب الصفاء، والطحانين.
قال مؤلفه ﵀: كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر، وبابها الآخر من ناحية الساحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة، وأنا أدركت آثار درب الصفاء المذكور والمصنع الخراب، وكان يصب فيه الماء للسبيل، وهو قريب من كوم