← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عجائب مصر، وأما القالوص بالألف: فهي كلمة رومية ومعناها بالعربية: مرحبا بك، ولعل الروم كانوا يصفقون لراكب هذا الجمل، ويقولون هذه الكلمة على عاداتهم. وقال ابن المتوّج: والساحل القديم أوّله من باب مصر المذكور يعني المجاور للكبارة، وإلى المعاريج جميعه كان بحرا يجري فيه ماء النيل، وقيل: إنّ سوق المعاريج كان موردة سوق السمك يعني ما ذكره القضاعيّ من أنه كان يعرف بساحل البوريّ، ثم عرف بالمعاريج الجديد. قال ابن المتوّج (١): ونقل أنّ بستان الجرف المقابل لبستان حوض ابن كيسان كان صناعة العمارة، وأدركت أنا فيه بابها، ورأيت زريبة من ركن المسجد المجاور للحوض من غربيه تتصل إلى قبالة مسجد العادل الذي بمراغة الدواب الآن. قال مؤلفه ﵀: بستان الجرف يعرف بذلك إلى اليوم، وهو على يمنة من سلك إلى مصر من طريق المراغة، وهو جار في وقف الخانقاه التي تعرف بالواصلة بين الزقاقين، وحوض ابن كيسان يعرف اليوم: بحوض الطواشي، تجاه غيط الجرف المذكور، يجاوره بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، وقد ذكر خبر هذه الصناعة عند ذكر مناظر الخلفاء، ويعرف بستان ابن كيسان اليوم ببستان الطواشي أيضا، وبين بستان الجرف، وبستان الطواشي هذا مراغة مصر المسلوك منها إلى الكبارة، وباب مصر. قال ابن المتوّج: ورأيت من نقل عمن نقل عمن رأى هذا القلوص يتصل إلى آدر الساحل القديم، وأنه شاهد ما عليه من العمائر المطلة على بحر النيل من الرباع والدور المطلة، وعدّ الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على بحر النيل، فكانت عدّتها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر مؤبدة فيها أطناب ترخى بها وتملأ أخبرني بذلك من أثق بنقله، وقال: إنه أخبره به من يثق به متصلا بالمشاهد له الموثوق به، قال: وباب مصر الآن بين البستان الذي قبليّ الجامع الجديد يعني بستان العالمة، وبين كوم المشانيق يعني كوم الكبارة، ورأيت السور يتصل به إلى دار النحاس، وجميع ما بظاهره شون، ولم يزل هذا السور القديم الذي هو قبليّ بستان العالمة موجودا أراه وأعرفه إلى أن اشترى أرضه من باب مصر إلى موقف المكارية بالخشابين القديمة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري، فأجّر مكانه للعامة، وصار كل من استأجر قطعة هدم ما بها من البناء بالطوب اللبن، وقلع الأساس الحجر، وبنى به، فزال السور المذكور، ثم حدث الساحل الجديد. قال مؤلفه ﵀: وهذا الباب الذي ذكره ابن المتوّج كان يقال له: باب الساحل، وأوّل حفر ساحل مصر في سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وذلك أنه جف النيل عن برّ مصر

стр. 632

حتى احتاج الناس أن يستقوا من بحر الجيزة الذي هو فيما بين جزيرة مصر التي تدعى الآن بالروضة، وبين الجيزة، وصار الناس يمشون هم والدواب إلى الجزيرة، فحفر الأستاذ كافور الإخشيديّ، وهو يومئذ مقدّم أمراء الدولة لأونوجور بن الإخشيد خليجا حتى اتصل بخليج بني وائل، ودخل الماء إلى ساحل مصر، ثم إنه لما كان قبل سنة ستمائة تقلص الماء عن ساحل مصر القديمة، وصار في زمن الاحتراق يقل حتى تصير الطريق إلى المقاييس يبسا، فلما كان في سنة ثمان وعشرين وستمائة خاف السلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من تباعد البحر عن العمران بمصر، فاهتم بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية، وعمل فيه بنفسه فوافقه على العمل في ذلك الجمّ الغفير، واستوى في المساعدة السوقة، والأمير، وقسط مكان الحفر على الدور بالقاهرة ومصر والروضة والمقياس، فاستمرّ العمل فيه من مستهلّ شعبان إلى سلخ شوّال مدّة ثلاثة أشهر حتى صار الماء يحيط بالمقياس، وجزيرة الروضة دائما بعد ما كان عند الزيادة يصير جدولا رقيقا في ذيل الروضة، فإذا اتصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر، فلما كانت أيام الملك الصالح، وعمر قلعة الروضة، أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرا فيما دار بالروضة، فأخذ في الاهتمام بذلك، وغرّق عدّة مراكب مملوءة بالحجارة في برّ الجيزة تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر، ومن قبليّ جزيرة الروضة، فانعكس الماء، وجعل البحر حينئذ يمرّ قليلا قليلا، وتكاثر أوّلا فأوّلا في برّ مصر من دار الملك إلى قريب المقس، وقطع المنشأة الفاضلية. قال ابن المتوّج عن موضع الجامع الجديد: وكان في الدولة الصالحية، يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب: رملة تمرّغ الناس فيها الدواب في زمن احتراق النيل، وجفاف البحر الذي هو أمامها، فلما عمر السلطان الملك الصالح قلعة الجزيرة، وصار في كل سنة يحفر هذا البحر بجنده ونفسه، ويطرح بعض رمله في هذه البقعة، شرع خواص السلطان في العمارة على شاطئ هذا البحر، فذكر من عمّر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزية، وذكر ما وراء هذه الدور من بستان العالمة المطل عليه الجامع الجديد وغيره، ثم قال: وإنما عرف بالعالمة لأنه كان قد حله السلطان الملك الصالح لهذه العالمة، فعمرت بجانبه منظرة لها، وكان الماء يدخل من النيل لباب المنظرة المذكورة، فلما توفيت بقي البستان مدّة في يد ورثتها، ثم أخذ منهم، وذكر أن بقعة الجامع الجديد كانت قبل عمارته شونا للأتبان السلطانية، وكذلك ما يجاورها، فلما عمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد كثرت العمائر من حدّ موردة الحلفاء على شاطئ النيل، حتى اتصلت بدير الطين، وعمر أيضا ما وراء الجامع من حدّ باب مصر الذي كان بحرا كما تقدّم إلى حدّ قنطرة السدّ، وأدركنا ذلك كله على غاية العمارة، وقد اختل منذ الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، فخرب خط بين الزقاقين المطل من غربيه على الخليج،

стр. 633

ومن شرقيه على بستان الجرف، ولم يبق به إلا القليل من الدور، وموضعه كما تقدّم كان في قديم الزمان غامرا بماء النيل، ثم ربى جرفا، وهو بين الزقاقين المذكور، فعمر عمارة كبيرة، ثم خرب الآن وخرب أيضا خط موردة الحلفاء، وكان في القديم غامرا بالماء، فلما ربى النيل الجرف المذكور، وتربت الجزيرة قدّام الساحل القديم الذي هو الآن البكارة إلى المعاريج، وأنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد عمرت موردة الحلفاء هذه، واتصلت من بحريها بمنشأة المهرانيّ، ومن قبليها بالأملاك التي تمتدّ من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطين، وصارت موردة الحلفاء عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال وغيرها، ويملأ منها الناس الروايا، وكان البحر لا يبرح طول السنة هناك، ثم صار ينشّف في فصل الربيع والصيف، واستمرّ على ذلك إلى يومنا هذا، وخراب ما خلف الجامع الجديد أيضا من الأماكن التي كانت بحرا تجاه الساحل القديم، ثم لما انحسر الماء صارت مراغة للدواب، فعرفت اليوم بالمراغة وهي من آخر خط قنطرة السدّ إلى قريب من الكبارة، ويحصرها من غربيها بستان الجرف المقدّم ذكره، وعدّة دور كانت بستانا وشونا إلى باب مصر، ومن شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، وعرف الآن ببستان الطواشي، ولم يبق الآن بخط المراغة إلاّ مساكن يسيرة حقيرة. ذكر المنشأة اعلم أن خليج مصر كان يخرج من بحر النيل، فيمرّ بطريق الحمراء القصوى، وكان في الجانب الغربيّ من هذا الخليج عدّة بساتين من جملتها بستان، عرف ببستان الخشاب، ثم خرب هذا البستان، وموضعه الآن يعرف: بالمريس، فلما كان بعد الخمسمائة من سني الهجرة انحسر النيل عن أرض فيما بين ميدان اللوق الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء اللّه تعالى، وبين بستان الخشاب المذكورة، فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل، لأنّ القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ أنشأ بها بستانا عظيما كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه، وعمر بجانبه جامعا، وبنى حوله فقيل لتلك الخطة منشأة الفاضل، وكثرت بها العمارة، وأنشأ بها موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدويّ العثمانيّ الديباجيّ بستانا دفع له فيه ألف دينار في أيام الظاهر بيبرس، وكان الصرف قد بلغ كل دينار ثمانية وعشرين درهما ونصفا، فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه، وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدور، وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر، وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب بعد خراب بستان الفاضل هذا عدّة سنين: رحم اللّه الفاضل يا عنب، إشارة لكثرة أعناب بستان الفاضل وحسنها، وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستمائة، وكان الموفق الديباجيّ المذكور يتولى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة، فلم تلف الجامع باستيلاء النيل عليه سأل: الصاحب بهاء الدين بن حنا، وألحّ عليه وكان من ألزامه، حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهرانيّ، ومنشأة المهرانيّ هذه

стр. 634

موضعها فيما بين النيل والخليج، وفيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج انحسر عنها ماء النيل قديما وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب، فلما سأل الصاحب بهاء الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك، وأنشأ الجامع بخط الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع، فأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهرانيّ دارا وسكنها، وبنى مسجدا، فعرفت هذه الخطة به، وقيل لها: منشأة المهرانيّ، فإنّ المهرانيّ المذكور أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء بمنشأة المهرانيّ وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الوزراء، وأماثل الكتاب، وأعيان القضاة، ووجوه الناس، ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت، وبها الآن بقية يسيرة من الدور، ويتصل بخط الجامع الجديد خط دار النحاس، وهو مطلّ على النيل، ودار النحاس هذه من الدور القديمة، وقد دثرت، وصار الخط: يعرف بها. قال القضاعيّ: دار النحاس اختطها: وردان مولى عمرو بن العاص، فكتب مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانا، فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها، وعوّضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن، وقال ربيعة: كانت هذه الدار من خطة الحجر من الأزد، فاشتراها عمر بن مروان، وبناها، فكانت في يد ولده، وقبضت عنهم وبيعت في الصوافي سنة ثمان وثلثمائة، ثم صارت إلى شمول الإخشيديّ، فبناها قيسارية وحماما، فصارت دار النحاس قيسارية شمول. وقال ابن المتوّج: دار النحاس خط نسب لدار النحاس، وهو الآن فندق الأشراف ذو البابين أحدهما من رحبة أمامه، والثاني شارع بالساحل القديم، وبآخر هذه الشقة التي تطل على النيل (جسر الأفرم)، وهو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزية، وبين رباط الآثار كان مطلا على النيل دائما، والآن ينحسر الماء عنه عند هبوط النيل، وعرف بالأمير عز الدين أيدمر الأفرم الصالحيّ النجميّ أمير جندار، وذلك أنه لما استأجر بركة الشعيبية، كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب جعل منها فدّانين من غربيها أذن للناس في تحكيرها، فحكرت وبنى عليها عدّة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة، وتنافس عظماء دولة الناصر محمد بن قلاون من الوزراء، وأعيان الكتاب في المساكن بهذا الجسر، وبنوا وتأنقوا، وتفننوا في بدع الزخرفة، وبالغوا في تحسين الرخام، وخرجوا عن الحدّ في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك بحيث صار خط الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر، وسكانه أرق الناس عيشا، وأترف المتنعمين حياة، وأوفرهم نعمة، ثم خرب هذا الجسر بأسره، وذهبت دوره.

стр. 635

وأما الجهة الشرقية من مصر: ففيها قلعة الجبل، وقد أفردنا لها خبرا مستقلا يحتوي على فوائد كثيرة تضمنه هذا الكتاب فانظره، ويتصل آخر قلعة الجبل بخط باب القرافة، وهو من أطراف القطائع والعسكر، ويلي خط باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر، وقد تقدّم ذكره، وكان بأطراف العسكر مما يلي كوم الجارح. الموقف (١) قال ابن وصيف شاه في أخبار الريان بن الوليد: وهو فرعون نبيّ اللّه يوسف صلوات اللّه عليه، ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه، وكانت قوافل الشام تعرّس بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام، ونودي عليه، وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليهم، فاشتراه أطفين العزيز، ويقال: إنّ الذي أخرج يوسف من الجب: مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقال القضاعيّ: كان الموقف فضاء لأم عبد اللّه بن مسلمة بن مخلد، فتصدّقت به على المسلمين، فكان موقفا تباع فيه الدواب، ثم ملك بعد وقد ذكرته في الظاهر يعني في خطط أهل الظاهر، فإنّ الموقف من جملة خطط أهل الظاهر. وقال ابن المتوّج: بقعة (خط الصفاء) هذا الخط دثر جميعه، ولم يبق له أثر، وهو قبليّ الفسطاط أوّله بجوار المصنع، وخط الطحانين أدركته، كان صفين طواحين متلاصقة متصلة من درب الصفاء إلى كوم الجارح، وأدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول، وكان المار بين هذين الصفين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدّثه لقوّة دوران الطواحين، وكان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار، دثر جميع ذلك، ولم يبق له أثر. قال: وبقعة درب الصفاء هو الدرب الذي كان باب مصر، وقيل: إنه كان بظاهره سوق يوسف ﵇، وكان بابا بمصراعين يعلوهما عقد كبير، وهو بعتبة كبيرة سفلى من صوّان، وكان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن، وكان حول المصنع عمد رخام بدائرة حاملة الساباط يعلوه مسجد معلق، هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن سلار، والي مصر في دولة الظاهر بيبرس، وهذا الدرب يسلك منه إلى درب الصفاء، والطحانين. قال مؤلفه ﵀: كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر، وبابها الآخر من ناحية الساحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة، وأنا أدركت آثار درب الصفاء المذكور والمصنع الخراب، وكان يصب فيه الماء للسبيل، وهو قريب من كوم

стр. 636

الجارح، وسيأتي ذكر كوم الجارح في ذكر الكيمان من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. وأما الذي يلي كوم الجارح إلى آخر حدّ طول مصر عند بركة الحبش، فإنها الخطط القديمة، وأدركتها عامرة لا سيما خط النخالين، وخط زقاق القناديل، وخط المصاصة، وقد خرب جميع ذلك، وبيعت أنقاضه من بعد سنة تسعين وسبعمائة. وأما الجهة القبلية من مصر: فإن» خط دير الطين حدثت العمارة فيه بعد سنة ستمائة لما أنشأ الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عليّ بن حنا الجامع هناك، وعمّر الناس في جسر الأفرم، وكان قبل ذلك آخر عمارة مدينة مصر دار الملك التي موضعها الآن بجوار المدرسة المعزية، وأما موضع الجسر فإنه كان بركة ماء، تتصل بخط راشدة حيث جامع راشدة، ومن قبليّ هذه البركة البستان الذي كان يعرف ببستان الأمير تميم بن المعز، ويعرف اليوم: بالمعشوق، وهو على رباط الآثار، ويجاور المعشوق بركة الحبش، وما بين خط دير الطين، وآخر عرض مصر من الجهة القبلية طرف خط راشدة. وأما الجهة البحرية من مصر: فإنه يتصل بخط السبع سقايات الدور المطلّة على البركة التي يقال لها بركة قارون، وهي التي تجاور الآن حدرة ابن قميحة، وهي من جملة الحمراء القصوى، وبقبليّ البركة المذكورة الكوم المعروف بالأسرى، وهو من جملة العسكر، وسيرد إن شاء اللّه تعالى ذكره عند ذكر الكيمان، ويجاور البركة المذكورة خط الكبش، وقد ذكر في الجبال، ويأتي إن شاء اللّه تعالى له خبر عند ذكر الأخطاط، ويلي خط الكبش خط الجامع الطولونيّ، ويلي خط الجامع القبيبات، وخط المشهد النفيسيّ، وجميع ذلك إلى قلعة الجبل من جملة القطائع. ذكر أبواب مدينة مصر وكان لفسطاط مصر أبواب في القديم خربت، وتجدّد لها بعد ذلك أبواب أخر. باب الصفاء: هذا الباب كان هو في الحقيقة باب مدينة مصر، وهي في كمالها، ومنه تخرج العساكر، وتعبر القوافل، وموضعه الآن بالقرب من كوم الجارح، وهدم في أيام الملك الظاهر بيبرس. باب الساحل: كان يفضي بسالكه إلى ساحل النيل القديم، وموضعه قريب من الكبارة. باب مصر: هذا الباب هو الذي بناه قراقوش، ومنه يسلك الآن من دخل إلى مدينة مصر من الطريق التي تعرف بالمراغة، وهو مجاور للكوم الذي يقال له: كوم المشانيق، ويعرف اليوم بالكبارة، وكان موضع هذا الباب غامرا بماء النيل، فلما انحسر الماء عن ساحل مصر صار الموضع المعروف بالمراغة، والموضع المعروف بغيط الجرف، إلى موردة

стр. 637

الحلفاء فضاء لا يصل إليه ماء النيل البتة، فأحب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أن يدير سورا يجمع فيه القاهرة ومصر وقلعة الجبل، فزاد في سور القاهرة على يد قراقوش من باب القنطرة إلى باب الشعرية، وإلى باب البحر يريد أن يمدّ السور من باب البحر إلى الكوم الأحمر الذي هو اليوم حافة خليج مصر تجاه خط بين الزقاقين ليصل أيضا من الكوم الأحمر إلى باب مصر هذا، فلم يتهيأ له هذا، وانقطع السور من عند جامع المقس، وزاد في سور القاهرة أيضا من باب النصر إلى قلعة الجبل، فلم يكمل له ومدّ السور من قلعة الجبل إلى باب القنطرة خارج مصر، فصار هذا الباب غير متصل بالسور. باب القنطرة: هذا الباب في قبليّ مدينة مصر عرف بقنطرة بني وائل التي كانت هناك، وهو أيضا من بناء قراقوش.

стр. 638

ذكر القاهرة قاهرة المعز لدين اللّه اعلم: أن القاهرة المعزية رابع موضع انتقل سرير السلطنة إليه من أرض مصر في الدولة الإسلامية، وذلك أن الإمارة كانت بمدينة الفسطاط، ثم صار محلها العسكر خارج الفسطاط، فلما عمرت القطائع صارت دار الإمارة إلى أن خربت، فسكن الأمراء بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر بعساكر مولاه الإمام المعز لدين اللّه معدّ، فبنى القاهرة حصنا، ومعقلا بين يدي المدينة، وصارت القاهرة دار خلافة ينزلها الخليفة بحرمه، وخواصه إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية. فسكنها من بعدهم: السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وابنه الملك العزيز عثمان، وابنه الملك المنصور محمد، ثم الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وابنه الملك الكامل محمد، وانتقل من القاهرة إلى قلعة الجبل، فسكنها بحرمه وخواصه، وسكنها الملوك من بعده إلى يومنا هذا، فصارت القاهرة مدينة سكنى بعد ما كانت حصنا يعتقل به، ودار خلافة يلتجأ إليها، فهانت بعد العز، وابتذلت بعد الاحترام، وهذا شأن الملوك ما زالوا يطمسون آثار من قبلهم، ويميتون ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن والحصون، وكذلك كانوا أيام العجم، وفي جاهلية العرب، وهم على ذلك في أيام الإسلام، فقد هدم عثمان بن عفان صومعة غمدان، وهدم الآطام التي كانت بالمدينة، وقد هدم زياد كل قصر، ومصنع كان لابن عامر، وقد هدم بنو العباس مدن الشام لبني مروان: وإذا تأمّلت البقاع وجدتها … تشقى كما تشقى الرجال وتسعد وسيأتي من أخبار القاهرة، والكلام على خططها وآثارها ما تنتهي إليه قدرتي، ويصل إلى معرفته علمي وفوق كل ذي علم عليم. ذكر ما قيل في نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة اعلم: أن القوم كانوا ينسبون إلى الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵄، والناس فريقان في أمرهم: فريق يثبت صحة ذلك، وفريق يمنعه، وينفيهم عن رسول اللّه ﷺ ، ويزعم أنهم أدعياء من ولد ديصان البونيّ الذي ينسب إليه النوبة، وإنّ ديصان كان له ابن اسمه: ميمون القدّاح كان له مذهب في الغلوّ، فولد ميمون: عبد اللّه،

стр. 639

وكان عبد اللّه عالما بجميع الشرائع، والسنن والمذاهب. وأنه رتب سبع دعوات يندرج الإنسان فيها حتى ينحل عن الأديان كلها، ويصير معطلا إباحيا لا يرجو ثوابا، ولا يخاف عقابا، ويرى أنه، وأهل نحلته على هدى، وجميع من خالفهم أهل ضلالة، وإنه قصد بذلك أن يجعل له أتباعا، وكان يدعو إلى الإمام من آل البيت محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه كان من الأهواز، واشتهر بالعلم والتشيع، وصار له دعاة، وقصد بالمكروه، ففرّ إلى البصرة، فاشتهر أمره، وسار منها إلى سلمية (١) من أرض الشام، فولد له ابن بها اسمه: أحمد، ومات فقام من بعده أحمد، وبعث بالحسين الأهوازيّ داعية إلى العراق، فلقي أحمد بن الأشعث المعروف: بقرمط في سواد الكوفة، ودعاه إلى مذهبه، فأجابه، وقام هناك بالأمر، وإلى قرمط هذا تنسب القرامطة، وولد لأحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح: الحسين، ومحمد المعروف بأبي الشعلع، فلما مات أحمد خلفه ابنه الحسين في الدعوة حتى مات، فقام من بعده أخوه: أبو الشعلع، وكان لأحمد بن عبد اللّه ولد اسمه سعيد، فصار تحت حجر عمه، وبعث أبو الشعلع بداعيين إلى المغرب وهما: أبو عبد اللّه وأخوه أبو العباس، فنزلا في البربر، ودعوها، واشتهر سعيد بسلمية بعد موت عمه، وكثر ماله فطلبه السلطان ففر من سلمية إلى مصر يريد المغرب، وكان على مصر عيسى النوشريّ، فورد عليه كتاب الخليفة ببغداد بالقبض عليه، ففاته، وصار بسلجماسة (٢) في زيّ التجار، فبعث المعتضد من بغداد في طلبه، فأخذ وحبس حتى أخرجه أبو عبد اللّه الشيعيّ من محبسه، فتسمى حينئذ بعبيد اللّه، وتكنى بأبي محمد، وتلقب بالمهديّ، وصار إماما علويا من ولد محمد بن جعفر الصادق، وإنما هو: سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح بن ديصان البونيّ الأهوازيّ، وأصله من المجوس، فهذا قول من ينكر نسبهم. وبعض منكري نسبهم في العلوية يقول: إنّ عبيد اللّه من اليهود، وإنّ الحسين بن أحمد المذكور تزوّج امرأة يهودية من نساء سلمية كان لها ابن من يهوديّ حدّاد، مات وتركه لها، فرباه الحسين، وأدّبه وعلمه، ثم مات عن غير ولد فعهد إلى ابن امرأته هذا، فكان هو: عبيد اللّه المهديّ، وهذه أقوال إن أنصفت تبين لك أنها موضوعة، فإن بني عليّ بن أبي طالب ﵁، قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم، والدعاء لابن مجوسيّ، أو لابن يهودي، فهذا مما لا يفعله أحد، ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف، وإنما جاء ذلك من قبل ضعفة خلفاء

стр. 640

بني العباس عندما غصوا بمكان الفاطميين، فإنهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا من بني العباس: بلاد المغرب ومصر والشام وديار بكر والحرمين واليمن، وخطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة، وعجزت عساكر بني العباس عن مقاومتهم، فلاذت حينئذ بتنفير الكافة عنهم بإشاعة الطعن في نسبهم، وبث ذلك عنهم خلفاؤهم، وأعجب به أولياؤهم، وأمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميين كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن مقاومتهم ودفعهم عما غلبوا عليه من ديار مصر والشام والحرمين، حتى اشتهر ذلك ببغداد، وأسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويين. وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان: الرضي والمرتضى، وأبو حامد الإسفراينيّ والقدوريّ في عدّة وافرة عندما جمعوا لذلك في سنة اثنتين وأربعمائة أيام القادر، وكانت شهادة القوم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وأهلها، إنما هم شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب، والمتطيرون من بني عليّ بن أبي طالب الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل القبيحة، فنقل الإخباريون وأهل التاريخ ذلك كما سمعوه، ورووه حسب ما تلقوه من غير تدبر، والحق من وراء هذا، وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العباس حجة، فإنه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسلجماسة بالقبض على عبيد اللّه، فتفطن أعزك اللّه لصحة هذا الشاهد، فإنّ المعتضد لولا صحة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه إذ القوم حينئذ لا يدعون لدعيّ البتة، ولا يذعنون له بوجه، وإنما ينقادون لمن كان علويا، فخاف مما وقع، ولو كان عنده من الأدعياء لما مرّ له بفكر، ولا خافه على ضيعة من ضياع الأرض، وإنما كان القوم أعني بني عليّ بن أبي طالب تحت ترقب الخوف من بني العباس، لتطلبهم لهم في كل وقت، وقصدهم إياهم دائما بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد، وبين خائف يترقب، ومع ذلك فإن لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطارهم من المحبة لهم، والإقبال عليهم، ما لا مزيد عليه، وتكرّر قيام الرجال منهم مرّة بعد مرّة، والطلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون حتى تسمى محمد بن إسماعيل الإمام جدّ عبيد اللّه المهديّ بالمكتوم سماه بذلك الشيعة عند اتفاقهم على إخفائه حذرا من المتغلبين عليهم. وكانت الشيعة فرقا فمنهم: من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه، وهؤلاء يعرفون ممن بين فرق الشيعة: بالإسماعيلية من أجل أنهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وأنّ الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصادق هو ابنه محمد المكتوم، وبعد ابنه محمد المكتوم ابنه جعفر الصادق، ومن بعد جعفر الصادق ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلوّ في دعاويهم في هؤلاء الأئمة، وكان محمد بن جعفر هذا يؤمّل ظهوره، وأنه يصير له دولة، وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير يعدن بإفريقية، وفي

стр. 641

كتامة (١)، ونقرة (٢)، تلقوا ذلك من عهد جعفر الصادق، فقدم على محمد بن جعفر والد عبيد اللّه رجل من شيعته باليمن، فبعث معه الحسن بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، وأشهرا الدعوة في سنة سبعين، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء، وبث الدعاة بأقطار الأرض، وكان من جملة دعاته أبو عبد اللّه الشيعيّ، فسيره إلى المغرب، فلقي كتامة ودعاهم، فلما مات محمد بن جعفر عهد لابنه عبيد اللّه، فطلبه المكتفي العباسيّ، وكان يسكن عسكر مكرّم، فسار إلى الشام، ثم سار إلى المغرب، فكان من أمره ما كان، وكانت رجال هذه الدولة الذين قاموا ببلاد المغرب، وديار مصر (٣) عشر رجلا هذه خلاصة أخبارهم في أنسابهم، فتفطن ولا تغترّ بزخرف القول الذي لفقوه من الطعن فيهم، واللّه يهدي من يشاء. ذكر الخلفاء الفاطميين وكان ابتداء الدولة الفاطمية أن أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد بن زكرياء الشيعيّ سار إلى أبي القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفيّ القائم ببلاد اليمن، وصار من كبار أصحابه وله علم، وعنده دهاء ومكر، فورد على ابن حوشب من المغرب، خبر موت الحلوانيّ داعية في المغرب ورفيقه، فقال لأبي عبد اللّه الشيعيّ: قد خرّب الحوانيّ، وأبو يوسف بلاد المغرب، وقد ماتا، وليس للبلاد إلاّ أنت فإنها موطأة ممهدة، فخرج أبو عبد اللّه إلى مكة، وقصد حجاج كتامة، فجلس قريبا منهم، وسمعهم يتحدّثون بفضائل البيت، فحدّثهم في معناه، فمالوا إليه، وسألوه أن يأذن لهم في زيارته، فلما زاروه سألوه عن مقصده، فلم يخبرهم، وأوهمهم أنه يريد مصر، فسرّوا بصحبته، ورحلوا، وهو رفيقهم فشاهدوا من عبادته، وزهده ما زادهم رغبة فيه، هذا وهو يسألهم عن أحوالهم وقبائلهم، حتى صار يعرف جميع أمورهم، فلما وصلوا مصر همّ بمفارقتهم، فقالوا: أيّ شيء تطلب من مصر؟ فقال: أطلب التعليم بها، فقالوا: إذا كان قصدك هذا، فبلادنا أنفع لك، وما زالوا به حتى سار معهم، فلما وصلوا بلادهم اقترعوا فيمن يضيفه منهم، ومن بقية أصحابهم، ووصلوا به أرض كتامة للنصف من ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكادوا يحتربون عليه أيّهم ينزل عنده، فأبى أن ينزل عندهم، وقال: أين يكون فج الأخيار؟ فعجبوا لذلك! إذ لم يكونوا ذكروه له قط، فدلوه عليه، فسار إليه، وقال: هذا فج الأخيار، وما سمي إلا بكم، ولقد جاء في الآثار للمهديّ هجرة عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان قوم اسمهم مشتق من الكتمان، وبخروجكم في هذا الفج سمي فج الأخيار،

стр. 642

فتسامعت به القبائل، وأتوه فعظم أمره وهو لا يذكر اسم المهديّ البتة، فبلغ خبره إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقية، فبعث يسأل عن خبره، وكانت له معه قصص آلت إلى قيام أبي عبد اللّه ومحاربته لمن خالفه، فظفر بهم، وصارت إليه أموالهم، وغلب على مدائن، وهزم جيوش ابن الأغلب، وقتل كثيرا من أصحابه، فمات إبراهيم بن الأغلب، وولي زيادة اللّه بن الأغلب، وكان كثير اللهو، فقوي أمر أبي عبد اللّه، وانتشرت جنوده في البلاد، وصار يقول: المهديّ يخرج في هذه الأيام، ويملك الأرض فيا طوبى لمن هاجر إليّ، وأطاعني ويغري الناس بزيادة اللّه بن الأغلب ويعيبه، وكان أكثر خواص زيادة اللّه شيعة، فلم يكن يسوءهم ظفر أبي عبد اللّه، وأكثر من ذكر كرامات المهديّ، والإرسال إلى أصحاب زيادة اللّه إلى أن تمكن، فبعث برجال من كتامة إلى سلمية من أرض الشام، فقدموا على عبيد اللّه، وأخبروه بما فتح اللّه عليه، وكان قد اشتهر هناك، وطلبه الخليفة المكتفي، فخرج من سلمية فارا، ومعه ابنه أبو القاسم نزار، ومعهما أهلهما ومواليهما، فأقاما بمصر مستترين، فوردت على عيسى النوشريّ أمير مصر الكتب من بغداد بصفة عبيد اللّه وحليته، وإنه يأخذ عليه الطريق ويقبضه، فبلغ ذلك عبيد اللّه، فخرج والأعوان في طلبه، ويقال: إنّ النوشريّ ظفر به، فناشده اللّه في أمره، فخلى عنه ووصله، فسار إلى طرابلس، وقد سبق خبره إلى زيادة اللّه، فسار إلى قسطيلية (١)، فقدم كتاب زيادة اللّه بن الأغلب إلى عامل طرابلس بأخذ عبيد اللّه وقد فاتهم، فلم يدركوه، فرحل إلى سلجماسة، وأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات، فتلطف باليسع بن مدرار صاحب سلجماسة، وأهدى إليه فكف عنه، ووافاه كتاب زيادة اللّه بالقبض على عبيد اللّه، فلم يجد بدّا من أن قبض عليه وسجنه، واشتغل زيادة اللّه بجمع العساكر لمحاربة أبي عبد اللّه وتجهيزهم إليه فغلبهم أبو عبد اللّه، وغنم سائر ما معهم، وقتل أكثرهم، وبلغه ما كان من سجن عبيد اللّه، فكتب إليه يبشره، فوصل إليه الكتاب، وهو بالسجن مع قصاب دخل به إليه، وهو يبيع اللحم، وما زال أبو عبد اللّه يضايق زيادة اللّه إلى أن فرّ إلى مصر، وقام من بعده إبراهيم بن الأغلب، فلم يتم له أمر، وملك أبو عبد اللّه القيروان، ونزل برقادة (٢) مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فأمر ونهى، وبث العمال في الأعمال، وقتل من يخاف شرّه، وأمر فنقش على السكة في أحد الوجهين: بلغت حجة اللّه، وفي الآخر: تفرّق أعداء اللّه ونقش على السلاح عدّة في سبيل اللّه، ووسم الخيل على أفخاذها: الملك للّه، وأقام على ما كان عليه من لبس الخشن الدون، وتناول القليل الغليظ من الطعام، فلما دخل شهر رمضان سار من رقادة في جيوش عظيمة اهتز لها المغرب بأسره يريد سلجماسة، فحاربه اليسع يوما كاملا إلى الليل، ثم فرّ في خاصته، فدخل أبو عبد اللّه من الغد إلى البلد، وأخرج عبيد اللّه وابنه، ومشى في

стр. 643

ركابهما بجميع رؤساء القبائل، وهو يقول للناس: هذا مولاكم، وهو يبكي من شدّة الفرح حتى وصل بهما إلى فسطاط ضربه في العسكر، فأنزلهما فيه، وبعث الخيل في طلب اليسع، فأدركته وجاءت به فقتله، وأقام عبيد اللّه بسلجماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقية في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين، ونزل برقادة، وأمر يوم الجمعة أن يذكر في الخطبة وتلقب بالمهديّ أمير المؤمنين، فدعي له في جميع البلاد بذلك، وجلس بعد الصلاة الدعاة ودعوا الناس كافة إلى مذهبهم، فمن أجاب قبل منه، ومن أبى قتل، وعرض جواري زيادة اللّه، واختار منهنّ لنفسه ولولده، وفرّق ما بقي على وجوه كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودوّن الدواوين، وجبى الأموال ودانت له البلاد، فشق ذلك على أبي عبد اللّه، ونافس المهديّ، وحسده من أجل أنه كف يده، ويده، ويد أخيه أبي العباس، فعظم عليه الفطام عن الأمر والنهي والأخذ والعطاء، وأقبل أبو العباس يرزي على المهديّ في مجلس أخيه، ويؤنب أخاه على ما فعل حتى أثر في نفسه، فسأل المهديّ: أن يفوّض إليه الأمور ويجلس في القصر، وكان قد بلغ المهديّ ما يجهر به أبو العباس من السوء في حقه، فردّ أبا عبد اللّه ردّا لطيفا، وأسرّها في نفسه، وأكثر أبو العباس من قوله حتى أغرى المقدّمين بالمهديّ، وقال: ما هذا بالذي كنا نعتقد طاعته، وندعو إليه لأنّ المهديّ يأتي بالآيات الباهرة، فمال إليه جماعة، وواجه بعضهم المهديّ بذلك، وقال له: إن كنت المهديّ، فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك، فبعد ما بين المهديّ، وبين أبي عبد اللّه، وأوجس كلّ منهما في نفسه خيفة من الآخر، وأخذ أبو العباس يدبر في قتل المهديّ، والمهديّ يحلّ ما كان يبرمه، وثم رتب رجالا، فلما ركب أبو عبد اللّه، وأخوه إلى قصر المهديّ ثار بهما الرجال، فقال أبو عبد اللّه: لا تفعلوا، فقالوا له: إنّ الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك، فقتل هو وأخوه للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقادة، فثارت فتنة بسبب قتلهما، فركب المهديّ حتى سكنت وتتبع جماعة منهم، فقتلهم فلما استقام له الأمر عهد إلى ابنه أبي القاسم، وتتبع بني الأغلب، فقتل منهم جماعة، وجهز في سنة إحدى وثلثمائة ابنه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر، فأخذ برقة والإسكندرية والفيوم، وكانت له مع عساكر مصر، وعساكر العراق الواردة إلى مصر مع مؤنس الخادم عدّة حروب، وعاد إلى الغرب، فجهز المهديّ في سنة اثنتين وثلثمائة: حباسة بجيوش إلى مصر، فغلب على الإسكندرية، وكان من أمره ما تقدّم ذكره. وكان للمهدي ببلاد المغرب عدّة حروب، وكان يوجد في الكتب خروج أبي يزيد النكاريّ على دولته، فبنى المهدية، وأدار عليها سورا جعل فيه أبوابا زنة كل مصراع منها، مائة قنطار من حديد، وكان ابتداء بنائها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلثمائة، وبنى المصلى بظاهرها، وقال: إلى هنا يصل صاحب الحمار، يعني أبا يزيد، فكان كذلك، وأنشأ صناعة فيها تسعمائة شونة، وقال: إنما بنيت هذه لتعتصم الفواطم بها ساعة من نهار، فكان كذلك،

стр. 644

ثم إنه جهز ابنه أبا القاسم في سنة ست وثلثمائة على جيش إلى مصر، فأخذ الإسكندرية، وملك جزيرة الأشمونين، وكثيرا من صعيد مصر، وكانت هناك حروب مع عساكر مصر والعراق، ثم عاد إلى المغرب، وخرج أبو القاسم في سنة خمس عشرة بالجيوش إلى المغرب، فحارب قوما وعاد، فمات عبيد اللّه في ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة بالمهدية من القيروان عن ثلاث وستين سنة، وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما، ولما مات: أخفى ابنه موته. وقام من بعد عبيد اللّه المهديّ وليّ عهده: القائم بأمر اللّه أبو القاسم محمد، ويقال: كان اسمه بالمشرق: عبد الرحمن، فتسمى في بلاد المغرب: بمحمد، وذلك بسلمية في المحرّم سنة ثمانين ومائتين، فلما فرغ من جميع ما يريده، وتمكن أظهر موت أبيه، واستقل بالأمر، وله سبع وأربعون سنة، وتبع سيرة أبيه وثار عليه جماعة، فظفر بهم وبث جيوشه في البرّ والبحر، فسبوا وغنموا من بلد جنوة، وبعث جيشا إلى مصر، فملكوا الإسكندرية والإخشيد يومئذ أمير مصر، فلما كان في سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة، خرج عليه أبو يزيد مخلد بن كندار (١) النكاريّ الخارجيّ بإفريقية، واشتدّت شوكته، وكثرت أتباعه، وهزم جيوش القائم غير مرّة، وكان مذهبه تكفير أهل الملة، وإراقة دمائهم ديانة، فملك باجة (٢)، وحرّقها، وقتل الأطفال، وسبى النسوان، ثم ملك القيروان، فاضطرب القائم، وخاف الناس وهموا بالنقلة من زويلة، وقوي أمر أبي يزيد، ونازل المهدية، وحصر القائم بها، وكاد أن يغلب عليها، فلما بلغ المصلى حيث أشار المهديّ أنه يصل هزمه أصحاب القائم، وقتلوا كثيرا من أصحابه، وكانت له قصص، وأنباء إلى أن مات القائم لثلاث عشرة خلت من شوّال سنة أربع وثلاثين وثلثمائة عن أربع وخمسين سنة وتسعة أشهر، ولم يرق منبرا، ولا ركب دابة لصيد مدّة خلافته، حتى مات وصلى مرّة على جنازة، وصلى بالناس العيد مرّة واحدة، وكانت مدّة خلافته اثنتي عشرة سنة وستة أشهر وأياما، وترك أبا الظاهر إسماعيل، وأبا عبد اللّه جعفرا، وحمزة وعدنان، وعدّة أخر. وقام من بعده ابنه: المنصور بنصر اللّه أبو الظاهر إسماعيل، وكتم موت أبيه خوفا أن يعلم أبو يزيد فإنه كان قريبا منه، وأبقى الأمور على حالها، ولم يتسمّ بالخليفة، ولا غير السكة، ولا الخطبة ولا البنود، وجدّ في حرب أبي يزيد حتى ظفر به وحمل إليه، فمات من جراحات كانت به سلخ المحرّم سنة ست وثلاثين وثلثمائة، ولم يزل المنصور إلى أن مات سلخ شوّال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة عن إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر، وكانت

стр. 645

مدّة خلافته ثمان سنين، وقيل: سبع سنين وعشرة أيّام، وقد اختلف في تاريخ ولادته، فقيل: ولد أوّل ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلثمائة بالمهدية، وقيل: بل ولد في سنة اثنتين، وقيل: سنة إحدى وثلثمائة، وكان خطيبا بليغا يرتجل الخطبة لوقته شجاعا عاقلا. وقام من بعده ابنه: المعز لدين اللّه أبو تميم معدّ، وعمره نحو أربع وعشرين سنة، فإنه ولد للنصف من رمضان سنة سبع عشرة وثلثمائة، فانقاد إليه البربر، وأحسن إليهم فعظم أمره، واختص من مواليه: بجوهر، وكناه بأبي الحسين وأعلى قدره، وصيره في رتبة الوزارة، وعقد له على جيش كثيف فيهم: الأمير زيري بن مناد الصنهاجيّ، فدوّخ المغرب وافتتح مدنا، وقهر عدّة أكابر وأسرهم حتى أتى البحر المحيط، فأمر باصطياد سمكة منه، وسيّرها في قلة من ماء إلى المعز إشارة إلى أنه ملك حتى سكان البحر المحيط الذي لا عمارة بعده، ثم قدم غانما مظفرا، فعظم قدره عند المعز، ولما كان في بعض الأيام استدعى المعز في يوم شات عدّة من شيوخ كتامة، فدخلوا عليه في مجلس قد فرش باللبود، وحوله كساء، وعليه جبة، وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب، وبين يديه دواة وكتب. فقال: يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء والبرد، فقلت لأمّ الأمراء، وإنها الآن بحيث تسمع كلامي: أترى إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب، ونتقلب في المثقل والديباج والحرير، والفنك والسمور والمسك والخمر، والقباء كما يفعل أرباب الدنيا، ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضرتكم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، واحتجبت عنكم، وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلاّ بما لا بدّ لي منه من دنياكم، وبما خصني اللّه به من إمامتكم، وإني مشغول بكتب ترد عليّ من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي، وإني لا أشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحكم، ويعمر بلادكم، ويذل أعداءكم، ويقمع أضدادكم، فافعلوا يا شيوخ في خواتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التكبر والتجبر، فينزع اللّه النعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحننوا عليّ من وراءكم ممن لا يصل إليّ، كتحنني عليكم ليتصل في الناس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل، وأقبلوا بعدها على نسائكم والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثر منهنّ والرغبة فيهنّ، فيتنغص عشيكم، وتعود المضرّة عليكم، وتنهكوا أبدانكم وعقولكم، واعلموا أنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرّب اللّه علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم انهضوا رحمكم اللّه ونصركم، فخرجوا عنه، واستدعى يوما أبا جعفر حسين بن مهذب صاحب بيت المال، وهو في وسط القصر قد جلس على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبدّدة، فقال له: هذه صناديق مال، وقد شذ عني ترتيبها فانظرها ورتبها قال: فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يديه جماعة من خدّام بيت المال، والفرّاشين، فأنفذت إليه أعلمه فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها، وتختم بخاتمه، وقال: قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك، فكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك في سنة سبع وخمسين

стр. 646

وثلثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيرها إلى مصر من سنة ثمان وخمسين إلى سنة اثنتين وستين وثلثمائة. ولما أخذ في تجهيز جوهر بالعساكر إلى أخذ ديار مصر، حتى تهيأ أمره، وبرز للمسير، بعث المعز خفيفا الصقلبيّ إلى شيوخ كتامة يقول: يا إخواننا قد رأينا أن ننفذ رجالا إلى بلدان كتامة يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم، ومراعيهم ويحفظونها عليهم في بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها، فاستعنا بها على ما نحن بسبيله، فقال بعض شيوخهم لخفيف لما بلغه ذلك، قل لمولانا واللّه لا فعلنا هذا أبدا، كيف تؤدّي كتامة الجزية، ويصير عليها في الديوان ضريبة، وقد أعزها اللّه قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان وسيوفنا بطاعتكم في المشرق والمغرب، فعاد خفيف إلى المعز بذلك، فأمر بإحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه، وهو راكب فرسه، فقال: ما هذا الجواب الذي صدر عنكم؟ فقالوا: هذا جواب جماعتنا ما كنا يا مولانا بالذي يؤدّي جزية تبقى علينا، فقام المعز في ركابه، وقال: بارك اللّه فيكم فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما أردت أن أختبركم، فانظر كيف أنتم بعدي، فسار جوهر، وأخذ مصر، كما قد ذكر في ترجمته عند ذكر سور القاهرة من هذا الكتاب. فلما ثبتت قدم جوهر بمصر كتب إليه المعز جوابا عن كتابه، وأما ما ذكرت يا جوهر، من أن جماعة بني حمدان وصلت إليك كتبهم يبذلون الطاعة، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك، احذر أن تبتدئ أحدا من آل حمدان بمكاتبة ترهيبا له، ولا ترغيبا، ومن كتب إليك كتابا منهم، فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك، ومن ورد إليك منهم، فأحسن إليه، ولا تمكن أحدا منهم من قيادة جيش، ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب، يتظاهرون بالدين، وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم، وليس لواحد منهم كرم في اللّه، ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة، فاحذر كل الحذر من الاستناد إلى أحد منهم. ولما عزم المعز على المسير إلى مصر أجال فكره، فيمن يخلفه في بلاد المغرب، فوقع اختياره على جعفر بن عليّ الأمير، فاستدعاه، وأسرّ إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب، فقال: تترك معي أحد أولادك أو إخوتك يجلس في القصر، وأنا أدبر، ولا تسألني عن شيء من الأموال، لأنّ ما أجيبه يكون بإزاء ما أنفقه من الأموال، وإذا أردت أمرا فعلته من غير أن أنتظر ورود أمرك فيه لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره إليّ، فغضب المعز، وقال: يا جعفر عزلتني عن ملكي؟ وأردت أن تجعل لي فيه شريكا في أمري؟ واستبددت بالأعمال والأموال دوني؟ قم فقد أخطأت حظك، وما أصبت رشدك، فخرج عنه.

стр. 647

ثم إنه استدعى يوسف (١) بن زيري الصنهاجيّ، وقال له: تأهب لخلافة المغرب، فأكبر ذلك، وقال: يا مولانا، أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول اللّه ﷺ ما صفا لكم المغرب، فكيف يصفو لي، وأنا صنهاجيّ بربري؟ قتلتني يا مولانا بغير سيف ولا رمح، فما زال به المعز حتى أجاب بشريطة أنّ المعز يولي القضاء والخراج لمن يراه ويختاره، ويجعل الحيز لمن يثق به، ويجعله قائما بين أيدي هؤلاء، فمن استعصى عليهم يأمره هؤلاء به حتى يعمل به ما يجب، ويكون الأمر لهم ويصير كالخادم بين أولئك، فأحب المعز ما قال وشكره، فلما انصرف قال أبو طالب بن القائم بأمر اللّه للمعز: يا مولانا، وتثق بهذا القول من يوسف، وإنه يقوم بوفاء ما ذكر، فقال المعز: يا عمنا كم بين قول يوسف، وقول جعفر، فاعلم يا عمّ أن الأمر الذي طلبه جعفر ابتداء، هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، وإذا تطاولت المدّة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أوّلا أحسن، وأجود عند ذوي العقل، وهو نهاية ما يفعله، وكانت أم الأمراء قد وجهت من المغرب صبية لتباع بمصر، فعرضها وكيلها في مصر للبيع، وطلب فيها ألف دينار، فحضر إليه في بعض الأيام امرأة شابة على حمار لتقلب الصبية، فساومته ففيها، وابتاعتها منه بستمائة دينار، فإذا هي ابنة الإخشيد محمد بن طفج، وقد بلغها خبر هذه الصبية. فلما رأتها شغفتها حبا، فاشترتها لتستمتع بها، فعاد الوكيل إلى المغرب، وحدّث المعز بذلك، فأحضر الشيوخ، وأمر الوكيل فقص عليهم خبر ابنة الإخشيد مع الصبية إلى آخره، فقال المعز: يا إخواننا انهضوا إلى مصر، فلن يحول بينكم وبينها شيء، فإنّ القوم قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها، وتشتري جارية لتتمتع بها، وما هذا إلاّ من ضعف نفوس رجالهم، وذهاب غيرتهم، فانهضوا لمسيرنا إليهم، فقالوا: السمع والطاعة، فقال: خذوا في حوائجكم، فنحن نقدّم الاختيار لمسيرنا إن شاء اللّه تعالى. وكان قيصر، ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والد المعز، وكان المظفر يدل على المعز من أجل أنه علمه الخط في صغره، فحرد عليه مرّة، وولى فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب منها، ولقنها منه، وأنفت نفسه من السؤال عن معناها، فأخذ يحفظ اللغات، فابتدأ بتعلم اللغة البربرية، حتى أحكمها، ثم تعلم الرومية والسودانية حتى أتقنهما، ثم أخذ يتعلم الصقلبية، فمرّت به تلك الكلمة، فإذا هي سب قبيح، فأمر بمظفر، فقتل من أجل تلك الكلمة، وبلغه أمر الحرب التي كانت بين بني حسن، وبني جعفر بالحجاز، حتى قتل من بني حسن أكثر ممن قتل من بني جعفر، فأنفذ مالا ورجالا في السرّ ما زالوا بالطائفتين حتى اصطلحتا، وتحمل الرجال عن كل منهما

стр. 648

الحمالات، فجاء الفاضل في القتلى لبني حسن عند بني جعفر نحو سبعين قتيلا، فأدّوا عنهم وعقدوا بينهم الصلح في الحرم تجاه الكعبة، وتحملوا عنهم الديات من مال المعز، وكان ذلك في سنة ثمان وأربعين وثلثمائة، فصارت هذه الفعلة يدا عند بني حسن للمعز، فلما ملك جوهر مصر: بادر حسن بن جعفر الحسنيّ بالدعاء للمعز في مكة، وبعث إلى جوهر بالخبر، فسير إلى المعز يعرّفه بإقامة الدعوة له بمكة، فأنفذ إليه بتقليده الحرم وأعماله. وسار المعز بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة فعقد له جوهر جسرا جديدا عند المختار بالجزيرة، فسار عليه، وقد زينت له مدينة الفسطاط، فلم يشقها ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وإخوته وسائر أولاد عبيد اللّه المهديّ، وبتوابيت آبائه، وذلك لسبع خلون من رمضان سنة اثنتين وستين وثلثمائة، فعندما دخل القصر صلى ركعتين، فاقتدى به من حضر، وبات به ثم أصبح فجلس للهناء، وأمر فكتب في سائر مدينة مصر: خير الناس بعد رسول اللّه ﷺ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأثبت اسم المعز لدين اللّه، واسم أبيه عبد اللّه الأمير، وجلس في القصر على السرير الذهب، وصلى بالناس صلاة عيد الفطر في المصلى، فسبح في كل ركعة، وفي كل سجدة ثلاثين تسبيحة، ثم خطب بعد الصلاة، وركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء، وعمل عيد غدير خم، ومات بعض بني عمه، فصلى عليه، وكبر سبعا، وكبر على ميت آخر خمسا، وقدمت القرامطة إلى مصر، فسير إليهم الجلوس وهزموهم، وما زال إلى أن توفي من علة اعتلها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا، فإنّ مولده بالمهدية في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة، ووفاته بالقاهرة لأربع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة، وكانت مدّة خلافته بالمغرب، وديار مصر، ثلاثا وعشرون سنة وعشرة أيام، وهو أوّل الخلفاء الفاطميين بمصر، وإليه تنسب القاهرة المعزية لأنّ عبده جوهر القائد بناها حسب ما رسم له كما ذكر في خبر بنائها. وكان المعز عالما فاضلا جوادا حسن السيرة منصفا للرعية مغرما بالنجوم أقيمت له الدعوة بالمغرب كله وديار مصر والشام، والحرمين، وبعض أعمال العراق. وقام من بعده ابنه: العزيز بالله أبو منصور نزار، فأقام في الخلافة إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما في الثامن والعشرين من رجب سنة ست وثمانين وثلثمائة بمدينة بلبيس، وحمل إلى القاهرة. وقام من بعده ابنه: الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور، وكانت مدّة خلافته إلى أن فقد خمسا وعشرين سنة وشهرا، وفقد وعمره ست وثلاثون سنة وسبعة أشهر في ليلة السابع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وقد بسطت خبر العزيز والحاكم عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب.

стр. 649

وقام من بعده ابنه: الظاهر لإعزاز دين اللّه أبو الحسين عليّ بن الحاكم، بأمر اللّه، ولد بالقاهرة يوم الأربعاء، لعشر خلون من رمضان سنة خمس وتسعين وثلثمائة، وبويع له بالخلافة يوم عيد النحر، سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وعمره ست عشرة سنة، فخرج إلى صلاة العيد، وعلى رأسه المظلة، وحوله العساكر، وصلى بالناس في المصلى، وعاد فكتب بخلافته إلى الأعمال، وشرب الخمر ورخص فيه للناس، وفي سماع الغناء، وشرب الفقاع، وأكل الملوخيا وجميع الأسماك، فأقبل الناس على اللهو، ووزر له الخطير رئيس الرؤساء أبو الحسن عمار (١) بن محمد، وكان يلي ديوان الإنشاء وغيره، واستوزره بعده بدر الدولة أبا الفتوح موسى بن الحسين، وكان يتولى الشرطة، ثم ولي ديوان الإنشاء بعد ابن حيران، وصرف عن الوزارة في المحرّم سنة ثلاث عشرة، وقبض عليه في شوّال، وقتل فوجد له من العين ستمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار، وولي بعده الأزارة الأمير شمس الملوك المكين مسعود بن طاهر. وفي سنة أربع عشرة قلد منتخب الدولة الدريزي متولي قيساورية ولاية فلسطين، فكانت له مع حسان بن مفرح بن جراح الطائيّ حروب، وفيها نزع السعر بمصر، وتعذر وجود الخبز، وفي المحرّم سنة خمس عشرة لقب الخادم الأسود معضاد (٢)، بالقائد عز الدولة وسنائها أبي الفوارس معضاد الظاهر، وخلع عليه، وثار رجل من بني الحسين ببلاد الصعيد، فقبض عليه، وأقرّ أنه قتل الحاكم بأمر اللّه، ووجد معه قطعة من جلد رأسه، وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فسئل عن سبب قتله إياه؟ فقال: غرت للّه وللإسلام، ثم قتل نفسه بسكين كانت معه، فقطعت رأسه، وسيرت إلى القاهرة، وفيها اشتدّ الغلاء بمصر، وكثر نقص النيل. وفيها قرّر الشريف الكبير العجميّ، والشيخ نجيب الدولة الجرجراي (٣)، والشيخ العميد محسن بن بدوس، مع القائد معضاد أن لا يدخل على الظاهر أحد غيرهم، وكانوا يدخلون كل يوم خلوة ويخرجون، فيتصرّفون في سائر أمور الدولة، والظاهر مشغول بلذاته، وصار شمس الملوك مظفر صاحب المظلمة، وابن حيران صاحب الإنشاء، وداعي

стр. 650

الدعاة، ونقيب نقباء الطالبيين، وقاضي القضاة، ربما دخلوا على الظاهر في كل عشرين يوما مرّة، ومن عداهم لا يصل إلى الظاهر البتة، والثلاثة الأول هم الذين يقضون الأشغال، ويمضون الأمور بعد الاجتماع عند القائد معضاد، ومنع الناس من ذبح الأبقار لقلتها، وعزت الأقوات بمصر، وقلت البهائم كلها حتى بيع الرأس البقر بخمسين دينارا، وكثر الخوف في ظواهر البلد، وكثر اضطراب الناس، وتحدّث زعماء الدولة بمصادرة التجار، فاختلف بعضهم على بعض، وكثر ضجيج طوائف العسكر من الفقر والحاجة، فلم يجابوا وتحاسد زعماء الدولة، فقبض على العميد محسن، وضرب عنقه واشتدّ الغلاء، وفشت الأمراض، وكثر الموت في الناس، وفقد الحيوان، فلم يقدر على دجاجة، ولا فروج وعز الماء لقلة الظهر، فعمّ البلاء من كل جهة، وعرض الناس أمتعتهم للبيع، فلم يوجد من يشتريها، وخرج الحاج فقطع عليهم الطريق بعد رحيلهم من بركة الجب، وأخذت أموالهم، وقتل منهم كثير وعاد من بقي، فلم يحج أحد من أهل مصر، وتفاقم الأمر في شدّة الغلاء، فصاح الناس بالظاهر: الجوع الجوع يا أمير المؤمنين؟ لم يصنع بنا هذا أبوك ولا جدّك، فاللّه اللّه في أمرنا، وطرقت عساكر ابن جراح الفرما، ففرّ أهلها إلى القاهرة، وأصبح الناس بمصر على أقبح حال من الأمراض والموتان، وشدّة الغلاء، وعدم الأقوات، وكثر الخوف من الذعار التي تكبس حتى أنه لما عمل سماط عيد النحر بالقصر كبس العبيد على السماط، وهم يصيحون: الجوع، ونهبوا سائر ما كان عليه، ونهبت الأرياف وكثر طمع العبيد ونهبهم، وجرت أمور من العامّة قبيحة، واحتاج الظاهر إلى القرض، فحمل بعض أهل الدولة إليه مالا، وامتنع آخرون، واجتمع نحو الألف عبد لتنهب البلد من الجوع، فنودي بأن من تعرّض له أحد من العبيد، فليقتله وندب جماعة لحفظ البلد، واستعدّ الناس، فكانت نهبات بالساحل، ووقائع مع العبيد احتاج الناس فيها إلى أن خندقوا عليهم خنادق، وعملوا الدروب على الأزقّة والشوارع، وخرج معضاد في عسكر، فطردهم وقبض على جماعة منهم ضرب أعناقهم، وأخذ العبيد في طلب الحرحراي وغيره من وجوه الدولة، فحرسوا أنفسهم، وامتنعوا في دورهم وانقضت السنة، والناس في أنواع من البلاء. وفي سنة ست عشرة أمر الظاهر، فأخرج من بمصر من الفقهاء المالكية وغيرهم، وأمر الدعاة أن يحفظوا الناس كتاب دعائم الإسلام، ومختصر الوزير، وجعل لمن حفظ ذلك مالا. وفي سنة سبع عشرة ثار بمصر رعاف عظيم بالناس، وكثرت زيادة النيل عن العادة، وتصدّق الظاهر بمائة ألف دينار من أجل أنه سقط عن فرسه وسلم. وفي سنة ثمان عشرة وقعت الهدنة مع صاحب الروم، وخطب للظاهر في بلاده، وأعاد الجامع بقسطنطينية، وعمل فيه مؤذنا، فأعاد الظاهر كنيسة قمامة بالقدس، وأذن لمن

стр. 651

أظهر الإسلام في أيام الحاكم أن يعود إلى النصرانية، فرجع إليها كثير منهم، وصرف الظاهر وزيره عميد الدولة، وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذبادي، وأقام بدله أبا القاسم عليّ بن أحمد الحرحراي. وفي سنة عشرين كانت فتنة بين المغاربة والأتراك قتل فيها كثير. وفي سنة إحدى وعشرين بويع لابن الظاهر بولاية العهد، وعمره ثمانية أشهر، وأنفق على ذلك في خلع لأهل الدولة، وطعام ونثار للعامة ما يجل وصفه. وفي سنة اثنتين وعشرين تحرّك السعر لنقص ماء النيل، ثم زاد بعد أوانه بأربعة أشهر. وفي سنة ثلاث وعشرين قتل الظاهر أحد الدعاة، فاضطربت الرعية والجند، وتحدّث الناس بخلعه، ثم سكنت الفتنة بعد إنفاق مال جزيل. وفي سنة أربع وعشرين ركب وليّ العهد من القاهرة إلى مصر، وقد زينت الطرقات، فكان إذا مرّ بقوم قبلوا له الأرض، ونثر يومئذ على العامّة مبلغ خمسة آلاف دينار، فكان يوما عظيما. وفي سنة خمس وعشرين بث الظاهر دعاته ببغداد عند اختلاف الأتراك بها، فكثرت دعاته هناك، واستجاب لهم خلق كثير، فلما كان في سنة ست وعشرين كثر الوباء بمصر، ومات الظاهر للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة عن اثنتين وثلاثين سنة إلاّ أياما، فكانت مدّة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما، وكان مشغوفا باللهو محبا للغناء، فتأنق الناس في أيامه بمصر، واتخذوا المغنيات والرقاصات، وبلغوا من ذلك مبلغا عظيما، واتخذ حجرا لمماليكه وعلمهم أنواع العلوم، وسائر فنون الحرب، واتخذ خزانة البنود، وأقام فيها ثلاثة آلاف صانع، وراسل الملوك واستكثر من شراء الجواهر، وكانت مملكته بإفريقية ومصر والشام والحجاز، وغلب صالح (١) بن مرداس على حلب في أيامه، واستولى على ما يليها، وتغلّب حسان بن جرّاح على أكثر بلاد الشام، فتضعضعت الدولة. وقام من بعده ابنه وليّ العهد، وبويع له وهو: المستنصر بالله أبو تميم معدّ، ومولده في السادس عشر من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة، وبويع بالخلافة للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين، وعمره يومئذ سبع سنين، فأقام ستين سنة وأشهرا في الخلافة كانت فيها أنباء، وقصص شنيعة بديار مصر منها: أنّ أمّه كانت أمة سوداء لتاجر يهوديّ يقال له: أبو سعد سهل بن هارون التستريّ، فابتاعها منه الظاهر، واستولدها المستنصر، فلما أفضت الخلافة إليه استدنت أمّه أبا سعد، ورقته درجة عليّة، وكان الوزير يومئذ أبا القاسم

стр. 652

الحرحراي، فلم يتمكن أبو سعد من إظهار ما في نفسه حتى مات الحرحراي، وتولى أبو منصور صدقة بن يوسف العلاجيّ الوزارة، فانبسطت يد أبي سعد، وصار العلاجيّ يأتمر بأمر، فعمل عليه وقتله كما ذكر في خبر خزانة البنود، فحقدت أم المستنصر على العلاجيّ، وصرفته عن الوزارة واستقر أبو البركات صفيّ الدين الحسين بن محمد بن أحمد الحرحراي في الوزارة. وفي سنة أربعين سار ناصر الدولة الحسين بن حمدان متولي دمشق بالعساكر إلى حلب، وحارب متوليها: ثمال بن صالح بن مرداس، ثم رجع بغير طائل، فقلد مظفر الصقلبيّ دمشق، وقبض على ابن حمدان، وصادره واعتقله بصور، ثم بالرملة، وخرج أمير الأمراء: رفق الخادم على عسكر تبلغ عدّته نحو الثلاثين ألفا بلغت النفقة عليه أربعمائة ألف دينار يريد الشام، ومحاربة بني مرداس. وفي المحرّم سنة إحدى وأربعين صرف قاضي القضاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان عن القضاء بعدما باشره ثلاث عشرة سنة وشهر أو أربعة أيام، وتقلد وظيفة القضاء بعده القاضي الأجل خطير الملك أبو محمد البازوريّ. وفيها حارب رفق بني مرداس، فظفروا به وأسروه، فمات بقلعة حلب، فأفرج عن ابن حمدان، وبقي بالحضرة، وقبض على الوزير أبي البركات الحرحراي، ونفي إلى الشام، وعمل أبو المفضل صاعد بن مسعود واسطة لا وزيرا، ثم قلد القضاة أبو محمد البازوريّ الوزارة مع وظيفة القضاء، ولقب بسيد الوزراء. وفي سنة اثنتين وأربعين كانت حروب البحيرة، وإخراج بني قرّة منها، وإنزال بني سنيس بعدهم بها، وفيها دعا عليّ بن محمد الصليحيّ باليمن للمستنصر، وبعث إليه بمال النجوة والهدن. وفي سنة أربع وأربعين كتب ببغداد محاضر بالقدح في نسب الخلفاء المصريين، ونفيهم من الانتساب إلى عليّ بن أبي طالب، وسيرت إلى الآفاق وقصر مدّ النيل، فتحرّك السعر بمصر، ثم قصر أيضا مدّ النيل في سنة ست وأربعين، فقوي الغلاء، وكثر الموت في الناس. وفي سنة ثمان وأربعين خرج أبو الحارث (١) البساسيري من بغداد منتميا للمستنصر،

стр. 653

فسيرت إليه الأموال والخلع. وفي سنة ثمان وأربعين عادت حلب إلى مملكة المستنصر. وفي سنة خمسين قبض على الوزير الناصر للدين أبي محمد البازوريّ، وتقلد بعده الوزارة أبو الفرج محمد بن جعفر المغربي بن عبد اللّه بن محمد، وولي القضاء بعد البازوريّ أبو عليّ أحمد بن عبد الحكم، ثم صرف بعبد الحاكم المليحيّ، وفيها أخذ البساسيري بغداد، وأقام فيها الخطبة للمستنصر، وفرّ الخليفة القائم بأمر اللّه العباسيّ إلى قريش (١) بن بدران، فبعث به إلى غانة، وسيرت ثياب القائم، وعمامته وغير ذلك من الأموال إلى مصر، وفيها سار ناصر الدولة إلى دمشق أميرا عليها. وفي سنة إحدى وخمسين أقيمت دعوة المستنصر بالبصرة وواسط وجميع تلك الأعمال، فقدم طغريل إلى بغداد، وأعاد الخليفة القائم بعد ما خطب للمستنصر ببغداد أربعون خطبة، وقتل البساسيريّ، وفيها قطعت خطبة المستنصر أيضا من حلب، فسار إليها ابن حمدان، وحارب أهلها، فانكسر كسرة شديدة شنيعة، وعاد إلى دمشق، وفيها صرف أبو الفرج بن المغربيّ عن الوزارة، وعبد الحاكم عن القضاء، وأعيد إلى الوزارة أبو الفرج البابليّ، واستقرّ في وظيفة القضاء أحمد بن أبي زكري. وفي سنة ثلاث وخمسين كثر صرف الوزراء والقضاة، وولايتهم لكثرة مخالطة الرعاع للخليفة، وتقدّم الأراذل بحيث كان يصل إليه في كل يوم ثمانمائة رقعة فيها المرافعات والسعايات، فاشتبهت عليه الأمور، وتناقضت الأحوال، ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدّة كل منهم، وخربت الأعمال، وقلّ ارتفاعها، وتغلب الرجال على معظمها مع كثرة النفقات والاستخفاف بالأمور، وطغيان الأكابر إلى أن آل الأمر إلى حدوث الشدّة العظمى، كما قد ذكر في موضعه من هذا الكتاب، وكان من قدوم أمير الجيوش بدر الجماليّ (٢) في سنة ست وستين وأربعمائة، وقيامه بسلطنة مصر ما ذكر في ترجمته عند ذكر أبواب القاهرة، فلم يزل المستنصر مدّة أمير الجيوش ملجما عن التصرّف إلى أن مات في سنة سبع وثمانين، فأقام العسكر من بعده في الوزارة ابنه الأفضل شاهنشاه، فباشر الأمور يسيرا، ومات المستنصر ليلة الخميس لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة سبع وثمانين عن سبع، وستين سنة وخمسة أشهر منها في الخلافة ستون سنة، وأربعة

стр. 654

أشهر وثلاثة أيام مرّت فيها أهوال عظيمة، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخ، وفقد القوت فلم يقدر عليه حتى كانت امرأة من الأشراف تتصدّق عليه في كل يوم بقعب فيه فتيت، فلا يأكل سواه مرّة في كل يوم، وقد مرّ في غير موضع من هذا الكتاب كثير من أخباره، فلما مات المستنصر أقام الأفضل بن أمير الجيوش في الخلافة من بعده ابنه: المستعلي بالله أبا القاسم أحمد، وكان مولده في العشرين من المحرّم سنة سبع وستين وأربعمائة، فحالف عليه أخوه نزار، وفرّ إلى الإسكندرية وكان القائم بالأمور كلها الأفضل، فحاربه حتى ظفر به، وقتله كما تقدّم في خبر أفتكين عند خزائن القصر. وفي سنة تسعين وقع بمصر غلاء ووباء وقطعت الخطبة من دمشق للمستعلي، وخطب بها للعباسيّ، وخرج الفرنج من قسطنطينية لأخذ سواحل الشام، وغيرها من أيدي المسلمين فملكوا أنطاكية. وفي سنة إحدى وتسعين خرج الأفضل بعسكر عظيم من القاهرة، فأخذ بيت المقدس من الأرمن، وعاد إلى القاهرة. وفي سنة اثنتين وتسعين ملك الفرنج الرملة وبيت المقدس، فخرج الأفضل بالعساكر، وسار إلى عسقلان، فسار إليه الفرنج وقاتلوه، وقتلوا كثيرا من أصحابه، وغنموا منه شيئا كثيرا وحصروه، فنجا بنفسه في البحر، وصار إلى القاهرة. وفي سنة ثلاث وتسعين عمّ الوباء أكثر البلاد، فهلك بمصر عالم عظيم. وفي سنة أربع وتسعين خرج عسكر مصر لقتال الفرنج، وكانت بينهما حروب كثيرة. وفي سنة خمس وتسعين وأربعمائة مات المستعلي بالله لثلاث عشرة بقيت من صفر، وعمره سبع وعشرون سنة وسبعة وعشرون يوما، ومدّة خلافته سبع سنين وشهران، وفي أيامه اختلت الدولة، وانقطعت الدعوة من أكثر مدن الشام، فإنها صارت بين الأتراك والفرنج، وصارت الإسماعيلية فرقتين: فرقة نزارية تطعن في إمامة المستعلي، وفرقة ترى صحة خلافته، ولم يكن للمستعلي مع الأفضل أمر ولا نهي، ولا نفوذ كلمة، وقيل: إنه سمّ، وقيل: بل قتل سرّا. فلما مات أقام الأفضل من بعده في الخلافة ابنه: الآمر بأحكام اللّه أبا عليّ منصورا، وعمره خمس سنين وشهر وأيام، فقتل الأفضل في أيامه، وأقام في الخلافة تسعا وعشرين سنة وثمانية أشهر ونصفا، وقد ذكرت ترجمته عند ذكر الجامع الأقمر في ذكر الجوامع من هذا الكتاب، ولما قتل الآمر بأحكام اللّه. أقيم من بعده: الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله، وكان قد ولد بعسقلان في المحرّم سنة سبع، وقيل: في سنة ثمان

стр. 655

وتسعين وأربعمائة لما أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده في أيام الشدّة، فلذلك كان يقال له في أيام الآمر بأحكام اللّه الأمير عبد المجيد العسقلانيّ ابن عمّ مولانا. ولما قتل النزارية: الخليفة الآمر أقام برغش وهزار الملوك الأمير عبد المجيد في دست الخلافة، ولقباه بالحافظ لدين اللّه، وأنه يكون كفيلا لمنتظر في بطن أمّه من أولاد الآمر، واستقرّ هزاز الملوك وزيرا، فثار العسكر، وأقاموا أبا عليّ بن الأفضل وزيرا، وقتل هزار الملوك، ونهب شارع القاهرة، وذلك كله في يوم واحد، فاستبدّ أبو عليّ بالوزارة يوم السادس عشر من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وقبض على الحافظ، وسجنه مقيدا، فاستمرّ إلى أن قتل أبو عليّ في سادس عشر المحرّم سنة ست وعشرين، فأخرج من معتقله، وأخذ له العهد على أنه وليّ عهد كفيل لمن يذكر اسمه، فاتخذ الحافظ هذا اليوم عيدا سماه عيد النصر، وصار يعمل كل سنة، ونهبت القاهرة يومئذ وقام يانس صاحب الباب بالوزارة إلى أن هلك في ذي الحجة منها بعد تسعة أشهر، فلم يستوزر الحافظ بعده أحدا، وتولى الأمور بنفسه إلى سنة ثمان وعشرين، فأقام ابنه سليمان وليّ عهده مقام وزير، فلم تطل أيامه سوى شهرين ومات، فجعل مكانه ابن حيدرة، فخنق ابنه حسن، وثار بالفتنة، وكان من أمره ما ذكر في خبر الحارة اليانسية من هذا الكتاب، فلما قتل حسن قام بهرام الأرمنيّ، وأخذ الوزارة في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين، وكان نصرانيا، فاشتدّ ضرر المسلمين من النصارى، وكثرت أذيتهم فسار رضوان بن ولخشي، وهو يومئذ متولي الغربية، وجمع الناس لحرب بهرام، وسار إلى القاهرة، فانهزم بهرام، ودخل رضوان القاهرة، واستولى على الوزارة في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، فأوقع بالنصارى وأذلهم، فشكره الناس إلا أنه كان خفيفا عجولا، فأخذ في إهانة حواشي الخليفة، وهمّ بخلع، وقال: ما هو بإمام، وإنما هو كفيل لغيره، وذلك الغير لم يصح، فتوحش الحافظ منه، وما زال يدبر عليه حتى ثارت فتنة انهزم فيها رضوان، وخرج إلى الشام، فجمع وعاد في سنة أربع وثلاثين، فجهز له الحافظ العساكر لمحاربته، فقاتلهم وانهزم منهم إلى الصعيد فقبض عليه، واعتقل، فلم يستوزر الحافظ أحدا بعده إلى أن كانت سنة ست وثلاثين، فغلت الأسعار بمصر وكثر الوباء، وامتدّ إلى سنة سبع وثلاثين، فعظم الوباء. وفي سنة اثنتين وأربعين خلص رضوان من معتقله بالقصر، وخرج من نقب، وثار بجماعة، وكانت فتنة آلت إلى قتله. وفي سنة أربع وأربعين ثارت فتنة بالقاهرة بين طوائف العسكر، فمات الحافظ ليلة الخامس من جمادى الآخرة عن سبع وسبعين سنة منها مدّة خلافته ثمان عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة يوما، أصابته فيها شدائد كثيرة، وكان حازما سيوسا كثير المداراة عارفا جماعا للمال مغرى بعلم النجوم يغلب عليه الحلم.

стр. 656

فلما مات والفتنة قائمة أقيم ابنه: الظاهر بأمر اللّه أبو منصور إسماعيل، ومولده للنصف من ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فأقام في الخلافة أربع سنين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام، وكان محكوما عليه من الوزارة، وفي أيامه أخذت عسقلان، فظهر الخلل في الدولة، وقد ذكرت أخباره في خط الخشيبة عند ذكر الخطط من هذا الكتاب. فلما قتل أقيم من بعده ابنه: الفائز بنصر اللّه أبو القاسم عيسى، أقامه في الخلافة بعد مقتل أبيه الوزير عباس، وعمره خمس سنين، فقدم طلائع بن رزيك (١) والي الأشمونين بجموعه إلى القاهرة، ففرّ عباس، واستولى طلائع على الوزارة، وتلقب بالصالح، وقام بأمر الدولة إلى أن مات الفائز لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين عن إحدى عشرة سنة، وستة أشهر ويومين منها في الخلافة ست وستين وخمسة أشهر وأيام، لم ير فيها خيرا فإنه لما أخرج ليقام خليفة رأى أعمامه قتلى، وسمع الصراخ، فاختلّ عقله، وصار يصرخ حتى مات. فأقام الصالح بن رزيك في الخلافة بعده: العاضد لدين اللّه أبا محمد عبد اللّه بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين اللّه، ومولده لعشر بقين من المحرّم سنة ست وأربعين وخمسمائة، وكان عمره يوم بويع نحو إحدى عشرة سنة، وقام الصالح بتدبير الأمور إلى أن قتل في رمضان سنة ست وخمسين كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع، فقام من بعده ابنه رزيك بن طلائع، وحسنت سيرته، فعزل شاور بن مجير السعديّ عن ولاية قوص، فلم يقبل العزل، وحشد وسار على طريق الواحات في البرية إلى تروجة، فجمع الناس، وسار إلى القاهرة، فلم يثبت رزيك، وفرّ فقبض عليه بإطفيح، واستقرّ شاور في الوزارة لأيام خلت من صفر سنة ثمان وخمسين، فأقام إلى أن ثار ضرغام صاحب الباب، ففرّ منه إلى الشام، واستبدّ ضرغام بالوزارة، فقتل أمراء الدولة، وأضعفها بسبب ذهاب أكابرها، فقدم الفرنج، ونازلوا مدينة بلبيس مدّة، ودافعهم المسلمون عدّة مرار، حتى عادوا إلى بلادهم بالساحل، ورجع العسكر إلى القاهرة، وقد قتل منهم كثير، فوصل شاور بعساكر الشام في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، فحاربه ضرغام على بلبيس بعساكر مصر، وكانت لهم منه معارك انهزموا في آخرها، وغنم شاور ومن معه سائر ما خرجوا به، وكان شيئا جليلا، فسرّوا بذلك، وساروا إلى القاهرة فكانت بين الفريقين حروب آلت إلى هزيمة ضرغام، وقتله في شهر رمضان منها. فاستولى شاور على الوزارة مرّة ثانية، واختلف مع الغزاة القادمين معه من الشام، وكانت له معهم حروب آلت إلى أن شاور كتب إلى مري ملك الفرنج يستدعيه إلى القاهرة

стр. 657

ليعينه على محاربة شيركوه، ومن معه من الغز، فحضر، وقد صار شيركوه في مدينة بلبيس، فخرج شاور من القاهرة، ونزل هو ومري على بلبيس، وحصرا شيركوه ثلاثة أشهر، ثم وقع الصلح، فسار شيركوه بالغز إلى الشام، ورحل الفرنج، وعاد شاور إلى القاهرة في سنة ستين وخمسمائة، فلم يزل إلى أن قدم شيركوه من الشام بالعساكر مرّة ثانية في ربيع الآخر، فخرج شاور من القاهرة إلى لقائه، واستدعى مري ملك الفرنج، فسار شيركوه على الشرق، وخرج من إطفيح، فسار إليه شاور بالفرنج، وكانت له معه الوقعة المشهورة، فسار شيركوه بعد الوقعة من الأشمونين، وأخذ الإسكندرية بعد أن استخلف عليها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يزل يسير من الإسكندرية إلى قوص، وهو يجبي البلاد، فخرج شاور من القاهرة بالفرنج، ونازل الإسكندرية، فبلغ شيركوه ذلك، فعاد من قوص إلى القاهرة، وحصرها. ثم كانت أمور آخرها مسير شيركوه وأصحابه من أرض مصر إلى الشام في شوّال، وقد طمع الفرنج في البلاد وتسلموا أسوار القاهرة، وأقاموا فيها شحنة معه عدّة من الفرنج لمقاسمة المسلمين ما يتحصل من مال البلد، وفحش أمر شاور، وساءت سيرته، وكثر تجرّيه على الدماء، وإتلافه للأموال، فلما كان في سنة أربع وستين قوي تمكن الفرنج في القاهرة، وجاروا في حكمهم بها، وركبوا المسلمين بأنواع الإهانة. فسار مري يريد أخذ القاهرة، ونزل على مدينة بلبيس، وأخذها عنوة، فكتب العاضد إلى نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام يستصرخه، ويحثه على نجدة الإسلام، وإنقاذ المسلمين من الفرنج، فجهز أسد الدين شيركوه في عسكر كثير، وجهزهم وسيرهم إلى مصر، وقد أحرق شاور مدينة مصر، كما تقدّم ونزل مري ملك الفرنج على القاهرة، وألحّ في قتال أهلها حتى كاد أن يأخذها عنوة، فسير إليها شاور وخادعه حتى رضي بمال يجمعه له، فشرع في جبايته، وإذا بالخبر ورد بقدوم شيركوه، فرحل الفرنج عن القاهرة في سابع ربيع الآخر، ونز شيركوه على القاهرة بالغز ثالث مرّة، فخلع عليه العاضد، وأكرمه، فأخذ شاور يفتك بالغز على عادته، فكان من قتله ما ذكر في موضعه، وذلك في سابع عشر ربيع الآخر المذكور، وتقلد شيركوه وزارة العاضد، وقام بالدولة شهرين وخمسة أيام، ومات في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، ففوّض العاضد الوزارة لصلاح الدين يوسف بن أيوب، فساس الأمور، ودبر لنفسه، فبذل الأموال، وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال، فلم يزل أمره في ازدياد. وأمر العاضد في نقصان، وصار يخطب من بعد العاضد للسلطان محمود نور الدين، وأقطع أصحابه البلاد، وأبعد أهل مصر، وأضعفهم، واستبدّ بالأمور، ومنع العاضد من التصرّف حتى تبين للناس ما يريده من إزالة الدولة إلى أن كان من واقعة العبيد ما ذكرنا،

стр. 658

فأبادهم وأفناهم، ومن حينئذ تلاشى العاضد، وانحلّ أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة فقط، هذا وصلاح الدين يوالي الطلب منه في كل يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرقيق وغير ذلك حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلب منه، وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت. وصار لا يخرج من القصر البتة، وتتبع صلاح الدين جند العاضد، وأخذ دور الأمراء وإقطاعاتهم، فوهبها لأصحابه، وبعث إلى أبيه وإخوته وأهله، فقدموا من الشام عليه، فلما كان في سنة ست وستين أبطل المكوس من ديار مصر، وهدم دار المعونة بمصر، وعمرها مدرسة للشافعية، وأنشأ مدرسة أخرى للمالكية، وعزل قضاة مصر الشيعة، وقلد القضاء صدر الدين بن عبد الملك بن درباس الشافعيّ، وجعل إليه الحكم في إقليم مصر كله، فعزل سائر القضاة، واستتاب قضاة شافعية، فتظاهر الناس من تلك السنة بمذهب مالك والشافعيّ ﵄، واختفى مذهب الشيعة إلى أن نسي من مصر، وأخذ في غزو الفرنج، فخرج إلى الرملة، وعاد في ربيع الأوّل، ثم سار إلى أيلة، ونازل قلعتها، حتى أخذها من الفرنج في ربيع الآخر، ثم سار إلى الإسكندرية، ولمّ شعث سورها، وعاد وسير توران شاه (١)، فأوقع بأهل الصعيد، وأخذ منهم ما لا يمكن وصفه كثرة، وعاد فكثر القول من صلاح الدين، وأصحابه في ذم العاضد، وتحدّثوا بخلعه، وإقامة الدعوة العباسية بالقاهرة ومصر، ثم قبض على سائر من بقي من أمراء الدولة، وأنزل أصحابه في دورهم في ليلة واحدة، فأصبح في البلد من العويل والبكاء، ما يذهل، وتحكم أصحابه في البلد بأيديهم، وأخرج إقطاعات سائر المصريين لأصحابه، وقبض على بلاد العاضد، ومنع عنه سائر موادّه، وقبض على القصور، وسلمها إلى الطواشي بهاء الدين (٢) قراقوش الأسديّ، وجعله زمامها، فضيق على أهل القصر، وصار العاضد معتقلا تحت يده، وأبطل من الأذان: حيّ على خير العمل، وأزال شعار الدولة، وخرج بالعزم على قطع خطبة العاضد، فمرض ومات، وعمره إحدى وعشرون سنة إلاّ عشرة أيام منها في الخلافة إحدى عشرة سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وذلك في ليلة يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة بعد قطع اسمه من الخطبة، والدعاء للمستنجد العباسيّ بثلاثة أيام، وكان كريما لين الجانب مرّت به مخاوف وشدائد، وهو آخر الخلفاء الفاطميين بمصر، وكانت مدّتهم بالمغرب ومصر منذ قام عبيد اللّه المهديّ إلى أن مات العاضد مائتي سنة واثنتين وسبعين سنة وأياما بالقاهرة، منها مائتان وثماني سنين، فسبحان الباقي.

стр. 659

ذكر ما كان عليه موضع القاهرة قبل وضعها إعلم أن مدينة الإقليم منذ كان فتح مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ كانت مدينة الفسطاط المعروفة في زماننا بمدينة: مصر قبليّ القاهرة، وبها كان محل الأمراء، ومنزل ملكهم، وعاليها تجبى ثمرات الأقاليم، وتأوي الكافة، وكانت قد بلغت من وفور العمارة، وكثرة الناس وسعة الأرزاق والتفنن في أنواع الحضارة، والتأنق في النعيم ما أربت به على كل مدينة في المعمور حاشا بغداد، فإنها كانت سوق العالم، وقد زاحمتها مصر، وكادت أن تساميها إلاّ قليلا، ثم لما انقضت الدولة الإخشيدية من مصر، واختلّ حال الإقليم بتوالي الغلوات، وتواتر الأوباء، والفنوات حدثت مدينة القاهرة عند قدوم جيوش المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ أمير المؤمنين على يد عبده، وكاتبه القائد جوهر، فنزل حيث القاهرة الآن، وأناخ هناك، وكانت حينئذ رملة، فيما بين مصر وعين شمس يمرّ بها الناس عند مسيرهم من الفسطاط إلى عين شمس، وكانت فيما بين الخليج المعروف في أوّل الإسلام بخليج أمير المؤمنين، ثم قيل له خليج القاهرة، ثم هو الآن يعرف بالخليج الكبير، وبالخليج الحاكميّ، وبين الخليج المعروف باليحاميم، وهو الجبل الأحمر، وكان الخليج المذكور فاصلا بين الرملة المذكورة، وبين القرية التي يقال لها: أم دنين، ثم عرفت الآن بالمقس، وكان من يسافر من الفسطاط إلى بلاد الشام ينزل بطرف هذه الرملة في الموضع الذي كان يعرف بمنية الأصبغ، ثم عرف إلى يومنا بالخندق، وتمرّ العساكر والتجار، وغيرهم من منية الأصبغ إلى بني جعفر على غيفة وسلمنت إلى بلبيس، وبينها وبين مدينة الفسطاط أربعة وعشرون ميلا، ومن بلبيس إلى العلاقمة إلى الفرما، ولم يكن الدرب الذي يسلك في وقتنا من القاهرة إلى العريش في الرمل يعرف في القديم، وإنما عرف بعد خراب تنيس والفرما، وإزاحة الفرنج عن بلاد الساحل بعد تملكهم له مدّة من السنين، وكان من يسافر في البرّ من الفسطاط إلى الحجاز ينزل بجب عميرة المعروف اليوم ببركة الجب، وببركة الحاج، ولم يكن عند نزول جوهر بهذه الرملة فيها بنيان سوى أماكن هي بستان الإخشيد محمد بن ظفج المعروف اليوم بالكافوريّ من القاهرة، ودير للنصارى يعرف بدير: العظام، تزعم النصارى أنّ فيه بعض من أدرك المسيح ﵇، وبقي الآن بئر هذا الدير، وتعرف ببئر العظام والعامة تقول بئر العظمة، وهي بجوار الجامع الأقمر من القاهرة، ومنها ينقل الماء إليه، وكان بهذه الرملة أيضا مكان ثالث يعرف بقصيّر الشوك بصيغة التصغير تنزله بنو عذرة في الجاهلية، وصار موضعه عند بناء القاهرة يعرف بقصر الشوك من جملة القصور الزاهرة، هذا الذي اطلعت عليه أنه كان في موضع القاهرة قبل بنائها بعد الفحص والتفتيش، وكان النيل حينئذ بشاطئ المقس يمرّ من موضع الساحل القديم بمصر الذي هو الآن سوق المعاريج، وحمام طن والمراغة، وبستان الجرف، وموردة الحلفاء، ومنشأة

стр. 660

المهرانيّ على ساحل الحمراء، وهي موضع قناطر السباع، فيمرّ النيل بساحل الحمراء إلى المقس موضع جامع المقس الآن، وفيما بين الخليج، وبين ساحل النيل بساتين الفسطاط، فإذا صار النيل إلى المقس حيث الجامع الآن مرّ من هناك على طرف الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطبالة من الموضع المعروف اليوم بالجرف، وصار إلى البعل، ومرّ على طرف منية الأصبغ من غربيّ الخليج إلى المنية، وكان فيما بين الخليج والجبل مما يلي بحريّ موضع القاهرة مسجد بني على رأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ثم مسجد تبر الإخشيديّ، فعرف بمسجد تبر، والعامّة تقول: مسجد التبن، ولم يكن الممرّ من الفسطاط إلى عين شمس، وإلى الحوف الشرقيّ، وإلى البلاد الشامية إلاّ بحافة الخليج، ولا يكاد يمرّ بالرملة التي في موضعها الآن مدينة القاهرة كثير جدا، ولذلك كان بها دير للنصارى إلاّ أنه لما عمر الإخشيد البستان المعروف: بالكافوريّ، أنشأ بجانبه ميدانا، وكان كثيرا ما يقيم به، وكان كافور أيضا يقيم به، وكان فيما بين موضع القاهرة، ومدينة الفسطاط مما يلي الخليج المذكور: أرض تعرف في القديم منذ فتح مصر بالحمراء القصوى، وهي موضع قناطر السباع، وجبل يشكر حيث الجامع الطولونيّ، وما دار به، وفي هذه الحمراء عدّة كنائس، وديارات للنصارى خربت شيئا بعد شيء إلى أن خرب آخرها في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وجميع ما بين القاهرة ومصر مما هو موجود الآن من العمائر، فإنه حادث بعد بناء القاهرة، ولم يكن هناك قبل بنائها شيء البتة، سوى كنائس الحمراء، وسيأتي بيان ذلك مفصلا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. ذكر حدّ القاهرة قال ابن عبد الظاهر في كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة الذي استقرّ عليه الحال أنّ حدّ القاهرة من مصر من السبع سقايات، وكان قبل ذلك من المجنونة إلى مشهد السيدة رقية عرضا، ا هـ. والآن تطلق القاهرة على ما حازه السور الحجر الذي طوله من باب زويلة الكبير إلى باب الفتوح وباب النصر، وعرضه من باب سعادة، وباب الخوخة إلى باب البرقية والباب المحروق، ثم لما توسع الناس في العمارة بظاهر القاهرة، وبنوا خارج باب زويلة حتى اتصلت العمائر بمدينة فسطاط مصر، وبنوا خارج باب الفتوح، وباب النصر إلى أن انتهت العمائر إلى الريدانية، وبنوا خارج باب القنطرة إلى حيث الموضع الذي يقال له بولاق حيث شاطئ النيل، وامتدّوا بالعمارة من بولاق على الشاطئ إلى أن اتصلت بمنشأة المهرانيّ، وبنوا خارج باب البرقية، والباب المحروق إلى سفح الجبل بطول السور، فصار حينئذ العامر بالسكنى على قسمين: أحدهما يقال له: القاهرة، والآخر يقال له: مصر. فأما مصر: فإنّ حدّها على ما وقع عليه الاصطلاح في زمننا هذا الذي نحن فيه من حدّ أوّل قناطر السباع إلى طرف بركة الحبش القبليّ، مما يلي بساتين الوزير، وهذا هو

стр. 661

طول حدّ مصر، وحدّها في العرض من شاطئ النيل الذي يعرف قديما بالساحل الجديد حيث فم الخليج الكبير، وقنطرة السدّ إلى أوّل القرافة الكبرى. وأما حدّ القاهرة، فإنّ طولها من قناطر السباع إلى الريدانية، وعرضه من شاطئ النيل ببولاق إلى الجبل الأحمر، ويطلق على ذلك كله مصر والقاهرة، وفي الحقيقة قاهرة المعز التي أنشأها القائد جوهر عند قدومه من حضرة مولاه المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ إلى مصر في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة إنما هي ما دار عليه السور فقط غير أن السور المذكور الذي أداره القائد جوهر تغير، وعمل منذ بنيت إلى زمننا هذا ثلاث مرّات، ثم حدثت العمائر فيما وراء السور من القاهرة، فصار يقال لداخل السور: القاهرة، ولما خرج عن السور ظاهر القاهرة، وظاهر القاهرة أربع جهات: الجهة القبلية، وفيها الآن معظم العمارة، وحدّ هذه الجهة طولا من عتبة باب زويلة إلى الجامع الطولونيّ، وما بعد الجامع الطولونيّ، فإنه من حدّ مصر، وحدّها عرضا من الجامع الطيبرسيّ بشاطئ النيل غربيّ المريس إلى قلعة الجبل، وفي الاصطلاح الآن أن القلعة من حكم مصر، والجهة البحرية، وكانت قبل السبعمائة من سني الهجرة، وبعدها إلى قبيل الوباء الكبير فيها أكثر العمائر والمساكن، ثم تلاشت من بعد ذلك، وطول هذه الجهة من باب الفتوح، وباب النصر إلى الريدانية، وعرضها من منية الأمراء المعروفة في زمننا الذي نحن فيه بمنية الشيرج (١) إلى الجبل الأحمر، ويدخل في هذا الحدّ مسجد تبر والريدانية، والجهة الشرقية فإنها حيث ترب أهل القاهرة، ولم تحدث بها العمر من التربة إلا بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وحدّ هذه الجهة طولا من باب القلعة المعروف بباب السلسلة إلى ما يحاذي مسجد تبر في سفح الجبل، وحدّها عرضا فيما بين سور القاهرة، والجبل والجهة الغربية، فأكثر العمائر بها لم يحدث أيضا إلاّ بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وإنما كانت بساتين وبحرا، وحدّ هذه الجهة طولا من منية الشيرج إلى منشأة المهرانيّ بحافة بحر النيل، وحدّها عرضا من باب القنطرة، وباب الخوخة وباب سعادة إلى ساحل النيل، وهذه الأربع جهات من خارج السور يطلق عليها: ظاهر القاهرة. وتحوي مصر والقاهرة من الجوامع، والمساجد، والربط والمدارس، والزوايا، والدور العظيمة، والمساكن الجليلة، والمناظر البهجة، والقصور الشامخة، والبساتين النضرة، والحمامات الفاخرة، والقياسر المعمورة بأصناف الأنواع، والأسواق المملوءة مما تشتهي الأنفس، والخانات المشحونة بالواردين، والفنادق الكاظة بالسكان والترب التي تحكي القصور ما لا يمكن حصره، ولا يعرف ما هو قدره إلا أن قدر ذلك بالتقريب الذي

стр. 662

يصدّقه الاختبار طولا بريدا (١)، وما يزيد عليه، وهو من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبليّ بركة الحبش، وعرضا يكون نصف بريد فما فوقه، وهو من ساحل النيل إلى الجبل، ويدخل في هذا الطول والعرض بركة الحبش، وما داربها وسطح الجرف المسمى: بالرصد، ومدينة الفسطاط التي يقال لها: مدينة مصر، والقرافة الكبرى والصغرى، وجزيرة الحصن المعروف اليوم: بالروضة، ومنشأة المهرانيّ، وقطائع ابن طولون التي تعرف الآن بحدرة ابن قميحة، وخط جامع ابن طولون والرميلة تحت القلعة، والقبيبات وقلعة الجبل والميدان الأسود الذي هو اليوم مقابر أهل القاهرة خارج باب البرقية إلى قبة النصر، والقاهرة المعزية، وهو ما دار عليه السور الحجر، والحسينية والريدانية، والخندق وكوم الريش، وجزيرة الفيل، وبولاق، والجزيرة الوسطى المعروفة بجزيرة أروى (٢)، وزريبة قوصون، وحكر ابن الأثير، ومنشأة الكاتب، والأحكار التي فيما بين القاهرة، وساحل النيل، وأراضي اللوق، والخليج الكبير الذي تسميه العامّة بالخليج الحاكميّ، والحبانية والصليبة والتبانة، ومشهد السيدة نفيسة، وباب القرافة، وأرض الطبالة، والخليج الناصريّ، والمقس والدكة، وغير ذلك مما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، وقد أدركنا هذه المواضع، وهي عامرة، والمشيخة تقول: هي خراب بالنسبة لما كانت عليه قبل حدوث طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة الذي يسميه أهل مصر: الفناء الكبير، وقد تلاشت هذه الأماكن، وعمها الخراب منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، وللّه عاقبة الأمور. ذكر بناء القاهرة وما كانت عليه في الدولة الفاطمية وذلك أن القائد جوهر الكاتب: لمّا قدم الجيزة بعساكر مولاه الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ أقبل في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وسارت عساكره بعد زوال الشمس، وعبرت الجسر أفواجا، وجوهر في فرسانه إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة الآن، فاستقرّ هناك، واختط القصر، وبات المصريون، فلما أصبحوا حضروا للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه ازورارات غير معتدلة، فلما شاهدها جوهر لم يعجبه، ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة، وساعة سعيدة، فتركه على حاله، وأدخل فيه دير العظام، ويقال: إن القاهرة اختطها جوهر في يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة، سنة تسع وخمسين، واختطت كل قبيلة خطة عرفت بها: فزويلة بنت الحارة المعروفة بها، واختطت جماعة من أهل برقة الحارة البرقية، واختطت الروم حارتين: حارة الروم الآن، وحارة الروم الجوّانية بقرب باب النصر، وقصد

стр. 663

جوهر باختطاط القاهرة حيث هي اليوم أن تصير حصنا فيما بين القرامطة، وبين مدينة مصر ليقاتلهم من دونها، فأدار السور اللبن على مناخه الذي نزل فيه بعساكره، وأنشأ من داخل السور جامعا، وقصرا، وأعدّها معقلا يتحصن به، وتنزله عساكره، واحتفر الخندق من الجهة الشامية ليمنع اقتحام عساكر القرامطة إلى القاهرة، وما وراءها من المدينة، وكان مقدار القاهرة حينئذ أقل من مقدارها اليوم، فإن أبوابها كانت من الجهات الأربعة، ففي الجهة القبلية التي تفضي بالسالك منها إلى مدينة مصر: بابان متجاوران يقال لهما: بابا زويلة، وموضعهما الآن بحذاء المسجد الذي تسميه العامّة: بسام بن نوح، ولم يبق إلى هذا العهد سوى عقده، ويعرف باب القوس، وما بين باب القوس هذا، وباب زويلة الكبير ليس هو من المدينة التي أسسها القائد جوهر، وإنما هي زيادة حدثت بعد ذلك، وكان في جهة القاهرة البحرية، وهي التي يسلك منها إلى عين شمس بابان أحدهما، باب النصر، وموضعه بأوّل الرحبة التي قدّام الجامع الحاكميّ الآن، وأدركت قطعة منه كانت قدّام الركن الغربيّ من المدرسة القاصدية، وما بين هذا المكان، وباب النصر الآن مما زيد في مقدار القاهرة بعد جوهر، والباب الآخر من الجهة البحرية: باب الفتوح، وعقده باق إلى يومنا هذا، مع عضادته اليسرى، وعليه أسطر مكتوبة بالقلم الكوفيّ، وموضع هذا الباب الآن بآخر سوق المرحلين، وأوّل رأس حارة بهاء الدين مما يلي باب الجامع الحاكميّ، وفيما بين هذا العقد، وباب الفتوح من الزيادات التي زيدت في القاهرة من بعد جوهر، وكان في الجهة الشرقية من القاهرة، وهي الجهة التي يسلك منها إلى الجبل بابان: أحدهما يعرف الآن: بالباب المحروق، والآخر يقال له: باب البرقية، وموضعهما دون مكانهما إلى الآن ويقال لهذه الزيادة من هذه الجهة: بين السورين، وأحد البابين القديمين موجود إلى الآن اسكفته، وكان في الجهة الغربية من القاهرة، وهي المطلة على الخليج الكبير بابان أحدهما: باب سعادة، والآخر باب الفرج، وباب ثالث يعرف: بباب الخوخة، أظنه حدث بعد جوهر، وكان داخل سور القاهرة يشتمل على قصرين، وجامع يقال لأحد القصرين: القصر الكبير الشرقيّ، وهو منزل سكنى الخليفة، ومحل حرمه، وموضع جلوسه لدخول العساكر، وأهل الدولة، وفيه الدواوين وبيت المال، وخزائن السلاح، وغير ذلك، وهو الذي أسسه القائد جوهر، وزاد فيه المعز، ومن بعده من الخلفاء، والآخر تجاه هذا القصر، ويعرف: بالقصر الغربيّ، وكان يشرف على البستان الكافوريّ، ويتحوّل إليه الخليفة في أيام النيل للنزهة على الخليج، وعلى ما كان إذ ذاك بجانب الخليج الغربيّ من البركة التي يقال لها بطن البقرة، ومن البستان المعروف بالبغدادية، وغيره من البساتين التي كانت تتصل بأرض اللوق، وجنان الزهريّ، وكان يقال لمجموع القصرين: القصور الزاهرة، ويقال للجامع: جامع القاهرة، والجامع الأزهر. فأما القصر الكبير الشرقيّ: فإنه كان من باب الذهب الذي موضعه الآن محراب

стр. 664

المدرسة الظاهرية التي أنشأها الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ (١)، وكان يعلو عقد باب الذهب منظرة يشرف الخليفة فيها من طاقات في أوقات معروفة، وكان باب الذهب هذا هو أعظم أبواب القصر، ويسلك من باب الذهب المذكور إلى باب البحر، وهو الباب الذي يعرف اليوم: بباب قصر بشتاك، مقابل المدرسة الكاملية، وهو من باب البحر إلى الركن المخلق، ومنه إلى باب الريح، وقد أدركنا منه عضادتيه، واسكفته، وعليها أسطر بالقلم الكوفيّ، وجميع ذلك مبنيّ بالحجر إلى أن هدمه الأمير الوزير المشير جمال الدين يوسف الإستادار، وفي موضعه الآن قيسارية أنشأها المذكور بجوار مدرسته من رحبة باب العيد، ويسلك من باب الريح المذكور إلى باب الزمرّذ، وهو موضع المدرسة الحجازية الآن، ومن باب الزمرّذ إلى باب العيد، وعقده باق، وفوقه قبة إلى الآن في درب السلامي بخط رحبة باب العيد، وكان قبالة باب العيد هذا رحبة عظيمة في غاية الاتساع تقف فيها العساكر الكثيرة من الفارس والراجل في يومي العيدين تعرف: برحبة العيد، وهي من باب الريح إلى خزانة البنود، وكان يلي باب العيد السفينة، وبجوار السفينة خزانة البنود، ويسلك من خزانة البنود إلى باب قصر الشوك، وأدركت منه قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه الحمام التي عرفت بحمام الأيدمريّ، ثم قيل لها في زمننا: حمام يونس بجوار المكان المعروف: بخزانة البنود، وقد عمل موضع هذا الباب زقاق يسلك منه إلى المارستان العتيق، وقصر الشوك، ودرب السلامي وغيره، ويسلك من باب قصر الشوك إلى باب الديلم، وموضعه الآن المشهد الحسينيّ، وكان فيما قصر الشوك، وباب الديلم رحبة عظيمة تعرف برحبة قصر الشوك، أوّلها من رحبة خزانة البنود، وآخرها حيث المشهد الحسينيّ الآن، وكان قصر الشوك يشرف على اصطبل الطارمة، ويسلك من باب الديلم إلى باب تربة الزعفران، وهي مقبرة أهل القصر من الخلفاء، وأولادهم ونسائهم، وموضع باب تربة الزعفران فندق الخليليّ في هذا الوقت، ويعرف بخط الزراكشة العتيق، وكان فيما بين باب الديلم، وباب تربة الزعفران الخوخ السبع التي يتوصل منها الخليفة إلى الجامع الأزهر في ليالي الوقدات، فيجلس بمنظرة الجامع الأزهر، ومعه حرمه لمشاهدة الوقيد والجمع، وبجوار الخوخ السبع اصطبل الطارمة، وهو برسم الخيل الخاص المعدّة لركاب الخليفة، وكان مقابل باب الديلم، ومن وراء اصطبل الطارمة الجامع المعدّ لصلاة الخليفة بالناس أيام الجمع، وهو الذي يعرف في وقتنا هذا بالجامع الأزهر، ويسمى في كتب التاريخ: بجامع القاهرة، وقدّام هذا الجامع رحبة متسعة من حدّ اصطبل الطارمة إلى الموضع الذي يعرف اليوم: بالأكفانيين، ويسلك من باب تربة الزعفران إلى باب الزهومة، وموضعه الآن باب سرّ قاعة

стр. 665

مدرسة الحنابلة من المدارس الصالحية، وفيما بين تربة الزعفران، وباب الزهومة دراس العلم، وخزانة الدرق، ويسلك من من باب الزهومة إلى باب الذهب المذكور أوّلا، وهذا هو دور القصر الشرقيّ الكبير، وكان بحذاء رحبة باب العيد: دار الضيافة، وهي الدار المعروفة: بدار سعيد السعداء (١) التي هي اليوم: خانقاه للصوفية، ويقابلها: دار الوزارة، وهي حيث الزقاق المقابل لباب سعيد السعداء، والمدرسة القراسنقرية، وخانقاه بيبرس، وما يجاورها إلى باب الجوّانية، وما وراء هذه الأماكن، وبجوار دار الوزارة الحجر، وهي من حذاء دار الوزارة بجوار باب الجوّانية إلى باب النصر القديم، ومن وراء دار الوزارة: المناخ السعيد، ويجاوره حارة العطوفية، وحارة الروم الجوّانية، وكان جامع الخطبة الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم خارجا عن القاهرة، وفي غربيه الزيادة التي هي باقية إلى اليوم، وكانت أهراء (٢) لخزن الغلال التي تدّخر بالقاهرة، كما هي عادة الحصون، وكان في غربيّ الجامع الأزهر: حارة الديلم، وحارة الروم البرّانية، وحارة الأتراك، وهي تعرف اليوم: بدرب الأتراك، وحارة الباطلية، وفيما بين باب الزهومة، والجامع الأزهر، وهذه الحارات خزائن القصر، وهي خزانة الكتب، وخزانة الأشربة، وخزانة السروج، وخزانة الخيم، وخزائن الفرش، وخزائن الكسوات، وخزائن دار أفتكين، ودار الفطرة، ودار التعبية، وغير ذلك من الخزائن هذا ما كان في الجهة الشرقية من القاهرة. وأما القصر الصغير الغربيّ: فإنه موضع المارستان الكبير المنصوريّ إلى جوار حارة برجوان، وبين هذا القصر، وبين القصر الكبير الشرقيّ فضاء متسع يقف فيه عشرة آلاف من العساكر ما بين فارس وراجل يقال له: بين القصرين، وبجوار القصر الغربيّ الميدان، وهو الموضع الذي يعرف بالخرنشف، واصطبل الطارمة، وبحذاء الميدان البستان الكافوريّ المطل من غربيه على الخليج الكبير، ويجاور الميدان، دار برجوان العزيزيّ، وبحذائها رحبة الأفيال، ودار الضيافة القديمة، ويقال لهذه المواضع الثلاثة: حارة برجوان، ويقال دار برجوان المنحر، وموضعه الآن يعرف: بالدرب الأصفر، ويدخل إليه من قبالة خانقاه بيبرس، وفيما بين ظهر المنحر، وباب حارة برجوان سوق أمير الجيوش، وهو من باب حارة برجوان الآن إلى باب الجامع الحاكميّ، ويجاور حارة برجوان من بحريها اصطبل الحجرية، وهو متصل بباب الفتوح الأوّل، وموضع باب اصطبل الحجرية يعرف اليوم: بخان الوراقة، والقيسارية تجاه الجملون الصغير، وسوق المرحلين، وتجاه اصطبل الحجرية الزيادة، وفيما بين الزيادة والمنحر درب الفرنجية.

стр. 666

وبجوار البستان الكافوري حارة زويلة، وهي تتصل بالخليج الكبير من غربيها، وتجاه حارة زويلة اصطبل الجميزة، وفيه خيول الخليفة أيضا، وفي هذا الاصطبل بئر زويلة، وموضعها الآن قيسارية معقودة على البئر المذكورة يعلوها ربع يعرف: بقيسارية يونس من خط البندقانيين، فكان اصطبل الجميزة المذكور فيما بين القصر الغربيّ من بحريه، وبين حارة زويلة، وموضعه الآن قبالة باب سرّ المارستان المنصوريّ إلى البندقانيين، وبحذاء القصر الغربيّ من قبيلة مطبخ القصر تجاه باب الزهومة المذكور، والمطبخ موضعه الآن الصاغة قبالة المدارس الصالحية، وبجوار المطبخ الحارة العدوية، وهي من الموضع الذي يعرف بحمام خشيبة إلى حيث الفندق الذي يقال له فندق الزمام، وبجوار العدوية، حارة الأمراء، ويقال لها اليوم: سوق الزجاجين، وسوق الحريريين الشراربيين. ويجاور الصاغة القديمة: حبس المعونة، وهو موضع قيسارية العنبر، وتجاه حبس المعونة، عقبة الصباغين، وسوق القشاشين، وهو يعرف اليوم: بالخرّاطين، ويجاور حبس المعونة دكة الحسبة، ودار العيار، ويعرف موضع دكة الحسبة الآن، بالإبزاريين، وفيما بين دكة الحسبة وحارتي الروم والديلم: سوق السرّاجين، ويقال له الآن: الشوّايين، وبطرف سوق السرّاجين مسجد ابن البناء الذي تسميه العامّة: سام بن نوح، ويجاور هذا المسجد: باب زويلة، وكان من حذاء حارة زويلة من ناحية باب الخوخة: دار الوزير يعقوب بن كلس، وصارت بعده: دار الديباج، ودار الاستعمال وموضعها الآن المدرسة الصالحية، وما وراءها ويتصل دار الديباج بالحارة الوزيرية، وإلى جانب الوزيرية: الميدان الآخر إلى باب سعادة، وفيما بين باب سعادة وباب زويلة أهراء أيضا وسطاح. هذا ما كانت عليه صفة القاهرة في الدولة الفاطمية، وحدّثت هذه الأماكن شيئا بعد شيء، ولم تزل القاهرة دار خلافة، ومنزل ملك، ومعقل قتال لا ينزلها إلاّ الخليفة وعساكره، وخواصه الذين يشرّفهم بقربه فقط. وأما ظاهر القاهرة من جهاتها الأربع: فإنه كان في الدولة الفاطمية على ما أذكر. أما الجهة القبلية: وهي التي فيما بين باب زويلة ومصر طولا، وفيما بين الخليج الكبير والجبل عرضا، فإنها كانت قسمين: ما حاذى يمينك إذا خرجت من باب زويلة تريد مصر، وما حاذى شمالك إذا خرجت منه نحو الجبل، فأما: ما حاذى يمينك، وهي المواضع التي تعرف اليوم بدار التفاح، وتحت الربع والقشاشين، وقنطرة باب الخرق، وما على حافتي الخليج من جانبيه طولا إلى الحمراء التي يقال لها اليوم: خط قناطر السباع، ويدخل في ذلك سويقة عصفور، وحارة الحمزيين، وحارة بني سوس إلى الشارع، وبركة الفيل، والهلالية والمحمودية إلى الصليبة، ومشهد السيدة نفيسة، فإنّ هذه الأماكن كلها كانت بساتين تعرف بجنان الزهريّ، وبستان سيف الإسلام، وغير ذلك، ثم حدث في الدولة

стр. 667

هناك حارات للسودان، وعمر الباب الجديد، وهو الذي يعرف اليوم بباب القوس من سوق الطيور في الشارع عند رأس (١)، وحدثت الحارة الهلالية، والحارة المحمودية، وأما: ما حاذى شمالك حيث الجامع المعروف: بجامع الصالح، والدرب الأحمر إلى قطائع ابن طولون التي هي الآن الرميلة، والميدان تحت القلعة فإن ذلك كان مقابر أهل القاهرة. وأما جهة القاهرة الغربية: وهي التي فيها الخليج الكبير، وهي من باب القنطرة إلى المقس، وما جاور ذلك، فإنها كانت بساتين من غربيها النيل، وكان ساحل النيل بالمقس حيث الجامع الآن، فيمرّ من المقس إلى المكان الذي يقال له الجرف، ويمضي على شماليّ أرض الطبالة إلى البعل، وموضع كوم الريش إلى المنية، ومواضع هذه البساتين اليوم أراضي اللوق والزهري، وغيرها من الحكورة التي في برّ الخليج الغربيّ إلى بركة قرموط، والخور، وبولاق، وكان فيما بين باب سعادة، وباب الخوخة، وباب الفرج، وبين الخليج فضاء لا بنيان فيه، والمناظر تشرف على ما في غربيّ الخليج من البساتين التي وراءها بحر النيل، ويخرج الناس فيما بين المناظر والخليج للنزهة، فيجتمع هناك من أرباب البطالة، واللهو ما لا يحصى عددهم، ويمرّ لهم هنالك من اللذات والمسرّات ما لا تسع الأوراق حكايته خصوصا في أيام النيل عند ما يتحوّل الخليفة إلى اللؤلؤة، ويتحوّل خاصته إلى دار الذهب، وما جاورها، فإنه يكثر حينئذ الملاذ بسعة الأرزاق، وإدرار النعم في تلك المدّة، كما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. وأما جهة القاهرة البحرية، فإنها كانت قسمين: خارج باب الفتوح، وخارج باب النصر، أما خارج باب الفتوح: فإنه كان هناك منظرة من مناظر الخلفاء، وقدّامها البستانان الكبيران، وأوّلهما من زقاق الكحل، وآخرهما منية مطر التي تعرف اليوم: بالمطرية، ومن غربيّ هذه المنظرة في جانب الخليج الغربيّ منظرة البعل فيما بين أرض الطبالة، والخندق، وبالقرب منها مناظر الخمس وجوه، والتاج ذات البساتين الأنيقة المنصوبة لتنزه الخليفة، وأما خارج باب النصر: فكان به مصلى العيد التي عمل من بعضها مصلى الأموات لا غير، والفضاء من المصلى إلى الريدانية، وكان بستانا عظيما، ثم حدث فيما خرج من باب النصر تربة أمير الجيوش بدر الجمالي، وعمر الناس الترب بالقرب منها، وحدث فيما خرج عن باب الفتوح عمائر منها: الحسينية، وغيرها. وأما جهة القاهرة الشرقية، وهي ما بين السور والجبل، فإنه كان فضاء ثم أمر الحاكم بأمر اللّه أن تلقى أتربة القاهرة من وراء السور، لتمنع السيول أن تدخل إلى القاهرة، فصار منها الكيمان التي تعرف بكيمان البرقية، ولم تزل هذه الجهة خالية من العمارة إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية، فسبحان الباقي بعد فناء خلقه.

стр. 668

ذكر ما صارت إليه القاهرة بعد استيلاء الدولة الأيوبية عليها قد تقدّم أن القاهرة إنما وضعت منزل سكنى للخليفة، وحرمه، وجنده، وخواصه، ومعقل قتال يتحصن بها، ويلتجأ إليها، وإنها ما برحت هكذا حتى كانت السنة العظمى في خلافة المستنصر، ثم قدم أمير الجيوش بدر الجمالي، وسكن القاهرة، وهي يباب دائرة خاوية على عروشها غير عامرة، فأباح للناس من العسكرية، والملحية، والأرمن، وكل من وصلت قدرته إلى عمارة بأن يعمر ما شاء في القاهرة مما خلا من فسطاط مصر، ومات أهله، فأخذ الناس ما كان هناك من أنقاض الدور، وغيرها، وعمروا به المنازل في القاهرة، وسكنوها فمن حينئذ سكنها أصحاب السلطان إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية باستيلاء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي في سنة سبع وستين وخمسمائة. فنقلها عما كانت عليه من الصيانة، وجعلها مبتذلة لسكن العامّة والجمهور، وحط من مقدار قصور الخلافة، وأسكن في بعضها، وتهدّم البعض، وأزيلت معالمه، وتغيرت معاهده، فصارت خططا وحارات، وشوارع ومسالك، وأزقة، ونزل السلطان منها في دار الوزارة الكبرى حتى بنيت قلعة الجبل، فكان السلطان صلاح الدين يتردّد إليها، ويقيم بها، وكذلك ابنه الملك العزيز عثمان، وأخوه الملك العادل، أبو بكر، فلما كان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب تحوّل من دار الوزارة إلى القلعة، وسكنها ونقل سوق الخيل والجمال والحمير إلى الرميلة تحت القلعة، فلما خرب المشرق والعراق بهجوم عساكر التتر منذ كان جنكيزخان في أعوام بضع عشرة وستمائة إلى أن قتل الخليفة المستعصم ببغداد في صفر سنة ست وخمسين وستمائة، كثر قدوم المشارقة إلى مصر، وعمرت حافتي الخليج الكبير، وما دار على بركة الفيل، وعظمت عمارة الحسينية، فلما كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون الثالثة بعد سنة إحدى عشرة وسبعمائة، واستجدّ بقلعة الجبل المباني الكثيرة من القصور وغيرها، حدثت فيما بين القلعة وقبة النصر عدّة ترب بعد ما كان ذلك المكان فضاء يعرف: بالميدان الأسود وميدان القبق، وتزايدت العمائر بالحسينية، حتى صارت من الريدانية إلى باب الفتوح، وعمر جميع ما حول بركة الفيل، والصليبة إلى جامع ابن طولون، وما جاوره إلى المشهد النفيسيّ، وحكر الناس أرض الزهريّ، وما قرب منها، وهو من قناطر السباع إلى منشاة المهرانيّ، ومن قناطر السباع إلى البركة الناصرية إلى اللوق إلى المقس، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ اتسعت الخطة فيما بين المقس، والدكة إلى ساحل النيل، وأنشأ الناس فيها البساتين العظيمة، والمساكن الكثيرة، والأسواق والجوامع والمساجد، والحمامات والشون، وهي من المواضع التي من باب البحر خارج المقس إلى ساحل النيل المسمى

стр. 669

ببولاق، ومن بولاق إلى منية الشيرج، ومنه في القبلة إلى منشأة المهرانيّ، وعمر ما خرج عن باب زويلة يمنة ويسرة من قنطرة الخرق إلى الخليج، ومن باب زويلة إلى المشهد النفيسيّ، وعمرت القرافة من باب القرافة إلى بركة الحبش طولا، ومن القرافة الكبرى إلى الجبل عرضا، حتى أنه استجدّ في أيام الناصر بن قلاون بضع وستون حكرا، ولم يبق مكان يحكر، واتصلت عمائر مصر والقاهرة، فصارا بلدا واحدا يشتمل على البساتين والمناظر والقصور، والدور والرباع، والقياسر، والأسواق، والفنادق، والخانات، والحمامات، والشوارع، والأزقة، والدروب، والخطط والحارات، والأحكار والمساجد، والجوامع، والزوايا والربط، والمشاهد والمدارس، والترب والحوانيت، والمطابخ والشون، والبرك والخلجان والجزائر والرياض، والمنتزهات متصلا جميع ذلك بعضه ببعض من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبليّ بركة الحبش، ومن شاطئ النيل بالجيزة إلى الجبل المقطم، وما زالت هذه الأماكن في كثرة العمارة، وزيادة العدد تضيق بأهلها لكثرتها، وتختال عجبا بهم لما بالغوا في تحسينها، وتأنقوا في جودتها، وتنميقها إلى أن حدث الفناء الكبير في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فخلا كثير من هذه المواضع، وبقي كثير أدركناه، فلما كانت الحوادث من سنة ست وثمانمائة، وقصر جري النيل في مدّة، وخربت البلاد الشامية بدخول الطاغية تيمور لنك، وتحريقها، وقتل أهلها وارتفاع أسعار الديار المصرية، وكثرة الغلاء فيها، وطول مدّته، وتلاف النقود المتعامل بها، وفسادها، وكثرة الحروب والفتن بين أهل الدولة، وخراب الصعيد، وجلاء أهله عنه، وتداعى أسفل أرض مصر من البلاد الشرقية والغربية إلى الخراب، واتضاع أمور ملوك مصر، وسوء حال الرعية، واستيلاء الفقر والحاجة والمسكنة على الناس، وكثرة تنوّع المظالم الحادثة من أرباب الدولة بمصادرة الجمهور، وتتبع أرباب الأموال، واحتجاب ما بأيديهم من المال بالقوّة والقهر والغلبة، وطرح البضائع مما يتجر فيه السلطان، وأصحابه على التجار والباعة بأغلى الأثمان إلى غير ذلك مما لا يتسع لأحد ضبطه، ولا تسع الأوراق حكايته، كثر الخراب بالأماكن التي تقدّم ذكرها، وعمّ سائرها، وصارت كيمانا، وخرائب موحشة مقفرة يأويها البوم والرخم أو مستهدمة واقعة، أو آئلة إلى السقوط والدثور، سنة اللّه التي قد خلت في عباده، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا.

стр. 670

ذكر طرف مما قيل في القاهرة ومنتزهاتها قال أبو الحسن عليّ بن رضوان الطبيب: ويلي الفسطاط في العظم، وكثرة الناس القاهرة، وهي في شمال الفسطاط، وفي شرقيها أيضا الجبل المقطم يعوق عنها ريح الصبا، والنيل منها أبعد قليلا، وجميعها مكشوف للهواء، وإن كان عمل فوق ربما عاق عن بعض ذلك، وليس ارتفاع الأبنية بها كارتفاع الفسطاط، لكن دونها كثيرا، وأزقتها وشوارعها بالقياس إلى أزقة الفسطاط، وشوارعها أنظف، وأقل وسخا، وأبعد عن العفن، وأكثر شرب أهلها من مياه الآبار، وإذا هبت ريح الجنوب أخذت من بخار الفسطاط على القاهرة شيئا كثيرا، وقرب مياه آبار القاهرة من وجه الأرض مع سخافتها موجب ضرورة أن تكون يصل إليها بالرشح من عفونة الكتف شيء ما، وبين القاهرة والفسطاط بطائح تمتلئ من رشح الأرض في أيام فيض النيل، ويصب فيها بعض خرّارات القاهرة، ومياه البطائح هذه رديئة وسخة أرضها، وما يصب فيها من العفونة يقتضي أن يكون البخار المرتفع منها على القاهرة، والفسطاط زائدا في رداءة الهواء بهما، ويطرح في جنوب القاهرة قذر كثير نحو حارة الباطلية، وكذلك يطرح في وسط حارة العبيد إلاّ أنه إذا تأمّلنا حال القاهرة، كانت بالإضافة إلى الفسطاط أعدل وأجود هواء، وأصلح حالا، لأنّ أكثر عفوناتهم ترمى خارج المدينة والبخار ينحل منها أكثر، وكثير أيضا من أهل القاهرة يشرب من ماء النيل، وخاصة في أيام دخوله الخليج، وهذا الماء يستقى بعد مروره بالفسطاط، واختلاطه بعفوناتها. قال: وقد اقتصر أمر الفسطاط والجيزة والجزيرة، فظاهر أن أصح أجزاء المدينة الكبرى: القرافة، ثم القاهرة، والشرف، وعمل فوق مع الحمراء والجيزة، وشمال القاهرة أصح من جميع هذه لبعده عن بخار الفسطاط، وقربه من الشمال، وأرقى موضع في المدينة الكبرى هو ما كان من الفسطاط حول الجامع العتيق إلى ما يلي النيل، والسواحل، وإلى جانب القاهرة من الشمال الخندق، وهو في غور فهو يتغير أبدا لهذا السبب، فأما المقس فمجاورته للنيل تجعله أرطب. وقال ابن سعيد في كتاب المعرب في حلي المغرب عن البيهقيّ: وأما مدينة القاهرة، فهي الحالية الباهرة التي تفنن فيها الفاطميون، وأبدعوا في بنائها، واتخذوها وطنا لخلافتهم، ومركزا لأرجائها، فنسي الفسطاط، وزهد فيه بعد الاغتباط.
следующие страницы →