← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11566

المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار - ط العلمية

المقريزي

Полный текст (1 785 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

إلى البرّ الشرقيّ، فقتل منه كثيرا من المفسدين، ونزل إلى الإسكندرية، وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد، فحاصرها أياما من المحرّم سنة سبع وسبعين وأربعمائة، إلى أن أخذها عنوة، وقتل جماعة ممن كان بها، وعمر جامع العطارين من مال المصادرات، وفرغ من بنائه في ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ثم سار إلى الصعيد، فحارب جهينة والثعالبة، وأفتى أكثرهم بالقتل، وغنم من الأموال، ما لا يعرف قدره كثرة، فصلح به حال الإقليم بعد فساده، ثم جهز العساكر لمحاربة البلاد الشامية، فصارت إليها غير مرّة، وحاربت أهلها، ولم يظفر منها بطائل، واستناب ولده شاهنشاه، وجعله وليّ عهده. فلما كان في سنة سبع وثمانين وأربعمائة مات في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى منها، وقد تحكم في مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر معه أمر، واستبدّ بالأمور، فضبطها أحسن ضبط، وكان شديد الهيبة، وافر الحرمة مخوف السطوة قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلا خالقها، منها أنه قتل من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية، والغربية والشرقية، وبلاد الصعيد وأسوان، وأهل القاهرة ومصر، إلاّ أنه عمر البلاد، وأصلحها بعد فسادها وخرابها، بإتلاف المفسدين من أهلها، وكان له يوم مات نحو الثمانين سنة، وكانت له محاسن منها: أنه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين، حتى ترفهت أحوال الفلاحين، واستغنوا في أيامه، ومنها حضور التجار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها في أيام الشدّة، ومنها كثرة كرمه، وكانت مدّة أيامه بمصر إحدى وعشرين سنة، وهو أوّل وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر. ومن آثاره الباقية بالقاهرة: باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر، وقام من بعده بالأمر ابنه شاهنشاه الملقب بالأفضل بن أمير الجيوش، وبه وبابنه الأفضل أبهة الخلفاء الفاطمية بعد تلاشي أمرها، وعمرت الديار المصرية بعد خرابها، واضمحلال أحوال أهلها، وأظنه هو الذي أخبر عنه المعز فيما تقدّم من حكاية جوهر عنه، فإنه لم يتفق ذلك لأحد من رجال دولتهم غيره، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون. باب القنطرة عرف بذلك لأنّ جوهر القائد بنى هناك قنطرة فوق الخليج الذي بظاهر القاهرة ليمشي عليها إلى المقس عند مسير القرامطة إلى مصر في شوّال سنة ستين وثلثمائة.

стр. 702

باب الشعرية يعرف بطائفة من البربر يقال لهم: بنو الشعرية، هم ومزانة وزيارة وهوارة من أحلاف لواتة الذين نزلوا بالمنوفية. باب سعادة عرف بسعادة بن حيان، غلام المعز لدين اللّه، لأنه لما قدم من بلاد المغرب بعد بناء القائد جوهر القاهرة نزل بالجيزة، وخرج جوهر إلى لقائه، فلما عاين سعادة جوهرا ترجل وسار إلى القاهرة في رجب سنة ستين وثلثمائة، فدخل إليها من هذا الباب، فعرف به، وقيل له: باب سعادة، ووافى سعادة هذا القاهرة بجيش كبير معه، فلما كان في شوّال سيره جوهر في عسكر مجر عند ورود الخبر من دمشق بمجيء الحسين بن أحمد القرمطيّ المعروف: بالأعصم، إلى الشام، وقتل جعفر بن فلاح، فسار سعادة يريد الرملة، فوجد القرمطيّ قد قصدها، فانحاز بمن معه إلى يافا، ورجع إلى مصر، ثم خرج إلى الرملة، فملكها في سنة إحدى وستين، فأقبل إليه القرمطيّ، ففرّ منه إلى القاهرة، وبها مات لخمس بقين من المحرّم سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف أبو جعفر مسلم، وكان فيه برّ وإحسان. الباب المحروق كان يعرف قديما بباب القرّاطين، فلما زالت دولة بني أيوب، واستقل بالملك: الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ (١)، أوّل من ملك من المماليك بمملكة مصر في سنة خمسين وستمائة، كان حينئذ أكبر الأمراء البحرية مماليك، الملك الصالح نجم الدين أيوب، الفارس أقطاي الجمدار، وقد استفحل أمره، وكثرت أتباعه، ونافس المعز أيبك، وتزوّج بابنة الملك المظفر صاحب حماه، وبعث إلى المعز بأن ينزل من قلعة الجبل، ويخليها له، حتى يسكنها بامرأته المذكورة، فقلق المعز منه، وأهمّه شأنه، وأخذ يدبر عليه، فقرّر مع عدّة من مماليكه أن يقفوا بموضع من القلعة عينه لهم، وإذا جاء الفارس أقطاي فتكوا به، وأرسل إليه وقت القائلة يستدعيه ليشاوره في أمر مهمّ، فركب في قائلة يوم الاثنين حادي عشري شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة في نفر من مماليكه، وهو آمن مطمئن بما

стр. 703

صار له في الأنفس من الحرمة والمهابة، وبما يثق به من شجاعته، فلما صار بقلعة الجبل، وانتهى إلى قاعة العواميد عوّق من معه من المماليك عن الدخول معه، ووثب به المماليك الذين أعدّهم المعزّ، وتناولوه بالسيوف، فهلك لوقته، وغلقت أبواب القلعة، وانتشر الصوت بقتله في البلد، فركب أصحابه وخشداشيته (١)، وهم نحو السبعمائة فارس إلى تحت القلعة، وفي ظنهم أنّ الفارس أقطاي لم يقتل، وإنما قبض عليه السلطان، وإنهم يقاتلونه حتى يطلقه لهم، فلم يشعروا إلاّ برأس الفارس أقطاي، وقد ألقيت عليهم من القلعة، فانفضوا لوقتهم، وتواعدوا على الخروج من مصر إلى الشام، وأكابرهم يومئذ بيبرس البندقداريّ، وقلاون الإلفيّ، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز، وبرامق، فخرجوا في الليل من بيوتهم بالقاهرة إلى جهة باب القرّاطين، ومن العادة أن تغلق أبواب القاهرة بالليل، فألقوا النار في الباب حتى سقط من الحريق، وخرجوا منه، فقيل له من ذلك الوقت: الباب المحروق وعرف به، وأما القوم فإنهم ساروا إلى الملك الناصر يوسف بن العزيز صاحب الشام، فقبلهم وأنعم عليهم، وأقطعهم إقطاعات، واستكثر بهم، وأصبح المعز، وقد علم بخروجهم إلى الشام، فأوقع الحوطة على جميع أموالهم ونسائهم وأولادهم وعامّة تعلقاتهم، وسائر أسبابهم، وتتبعهم ونادى عليهم في الأسواق بطلب البحرية، وتحذير العامّة من إخفائهم، فصار إليه من أموالهم ما ملأ عينه، واستمرّت البحرية في الشام إلى أن قتل المعز أيبك، وخلع ابنه المنصور، وتسلطن الأمير قطز، فتراجعوا في أيامه إلى مصر، وآلت أحوالهم إلى أن تسلطن منهم: بيبرس وقلاون، وللّه عاقبة الأمور. باب البرقية (٢)

стр. 704

ذكر قصور الخلفاء ومناظرهم والإلماع بطرف من مآثرهم وما صارت إليه أحوالها من بعدهم إعلم أنه كان للخلفاء الفاطميين بالقاهرة، وظواهرها: قصور ومناظر، منها: القصر الكبير الشرقيّ الذي وضعه القائد جوهر عندما أناخ في موضع القاهرة، ومنها: القصر الصغير الغربيّ، والقصر اليافعيّ، وقصر الذهب، وقصر الأقيال، وقصر الظفر، وقصر الشجرة، وقصر الشوك، وقصر الزمرّذ، وقصر النسيم، وقصر الحريم، وقصر البحر، وهذه كلها قاعات، ومناظر من داخل سور القصر الكبير، ويقال لها: القصور الزاهرة، ويسمى مجموعها: القصر، وكان بجوار القصر الغربيّ: الميدان والبستان الكافوريّ، وكان لهم عدّة مناظر وآدر سلطانية غير هذه القصور، منها: دار الضيافة، ودار الوزارة، ودار الوزارة القديمة، ودار الضرب، والمنظرة بالجامع الأزهر، والمنظرة بجوار الجامع الأقمر، ومنظرة اللؤلؤة على الخليج بظاهر القاهرة، ومنظرة الغزالة، ودار الذهب، ومنظرة المقس، ومنظرة الدكة والبعل، والخمس وجوه، والتاج وقبة الهواء، والبساتين الجيوشية، والبستان الكبير، ومنظرة السكرة، والمنظرة ظاهر باب الفتوح، ودار الملك بمدينة مصر، ومنازل العز بها، ومنظرة الصناعة بالساحل، ومنظرة بجوار جامع القرافة الكبرى المعروف اليوم: بجامع الأولياء والأندلس بالقرافة، والمنظرة ببركة الحبش، وسأذكر من أخبار هذه الأماكن في مدّة الدولة الفاطمية، وما آل إليه حالها بحسب ما انتهى إليّ علمه إن شاء اللّه تعالى. القصر الكبير هذا القصر كان في الجهة الشرقية من القاهرة، فلذلك يقال له: القصر الكبير الشرقيّ، ويسمى: القصر المعزي لأنّ المعز لدين اللّه أبا تميم معدّا هو الذي أمر عبده، وكاتبه جوهرا ببنائه، حين سيره من رمادة أحد بلاد إفريقية بالعساكر إلى مصر، وألقى إليه ترتيبه، فوضعه على الترتيب الذي رسمه له، ويقال: إن جوهرا لما أسسه في الليلة التي أناخ قبلها في موضعه، وأصبح رأي فيه ازورارات غير معتدلة لم تعجبه، فقيل له في تغييرها، فقال: قد

стр. 705

حفر في ليلة مباركة، وساعة سعيدة، فتركه على حاله. وكان ابتداء وضعه مع وضع أساس سور القاهرة في ليلة الأربعاء الثامن عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وركّب عليه بابان يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، ثم إنه أدار عليه سورا محيطا به في سنة ستين وثلثمائة، وهذا القصر كان دار الخلافة، وبه سكن الخلفاء إلى آخر أيامهم، فلما انقرضت الدولة على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، أخرج أهل القصر منه وأسكن فيه الأمراء، ثم خرب أوّلا فأوّلا. وذكر ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة عن مرهف بوّاب باب الزهومة (١) أنه قال: أعلم هذا الباب المدّة الطويلة، وما رأيته دخل إليه حطب، ولا رمي منه تراب قال: وهذا أحد أسباب خرابة، لوقود أخشابه، وتكوين ترابه، قال: ولما أخذه صلاح الدين، وأخرج من كان به كان فيه اثنا عشر ألف نسمة، ليس فيهم فحل إلا الخليفة، وأهله وأولاده، فأسكنهم دار المظفر بحارة برجوان (٢)، وكانت تعرف: بدار الضيافة، قال: ووجد إلى جانب القصر بئر تعرف ببئر الصنم، كان الخلفاء يرمون فيها القتلى، فقيل: إنّ فيها مطلبا، وقصد تغويرها، فقيل: إنها معمورة بالجانّ، وقتل عمارها جماعة من أشياعه، فردمت وتركت، انتهى. وكان صلاح الدين لما أزال الدولة أعطى هذا القصر الكبير لأمراء دولته، وأنزلهم فيه، فسكنوه وأعطى القصر الصغير الغربيّ لأخيه الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، فسكنه وفيه ولد له ابنه الكامل ناصر الدين محمّد، وكان قد أنزل والده نجم الدين أيوب بن شادي في منظرة اللؤلؤة، ولما قبض على الأمير داود ابن الخليفة العاضد، وكان وليّ عهد أبيه، وينعت بالحامد للّه اعتقله وجميع إخوته، وهم: أبو الأمانة جبريل، وأبو الفتوح، وابنه أبو القاسم، وسليمان بن داود بن العاضد، وعبد الوهاب بن إبراهيم بن العاضد، وإسماعيل بن العاضد، وجعفر بن أبي الطاهر بن جبريل، وعبد الظاهر بن أبي الفتوح بن جبريل بن الحافظ وجماعة، فلم يزالوا في الاعتقال بدار المظفر وغيرها إلى أن انتقل الكامل محمد بن العادل من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل، فنقل معه ولد العاضد وإخوته

стр. 706

وأولاد عمه، واعتقلهم بها، وفيها مات داود بن العاضد، ولم يزل بقيتهم معتقلين بالقلعة، إلى أن استبدّ السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ، فأمر في سنة ستين بالإشهاد على كمال الدين إسماعيل بن العاضد، وعماد الدين أبي القاسم ابن الأمير أبي الفتوح بن العاضد، وبدر الدين عبد الوهاب بن إبراهيم بن العاضد أن جميع المواضع التي قبليّ المدارس الصالحية من القصر الكبير، والموضع المعروف بالتربة باطنا وظاهرا بخط الخوخ السبع، وجميع الموضع المعروف بالقصر اليافعي (١) بالخط المذكور، وجميع الموضع المعروف بالجباسة بالخط المذكور، وجميع الموضع المعروف بالجباسة بالخط المذكور، وجميع الموضع المعروف: بخزائن السلاح السلطانية، وما هو بخطه، وجميع الموضع المعروف بسكن أولاد شيخ الشيوخ وغيرهم من القصر الشارع بابه قبالة دار الحديث النبويّ الكاملية، وجميع الموضع المعروف بالقصر الغربيّ، وجميع الموضع المعروف بدار القنطرة بخط المشهد الحسينيّ، وجميع الموضع المعروف بدار الضيافة بحارة برجوان، وجميع الموضع المعروف بدار الذهب بظاهر القاهرة، وجميع الموضع المعروف باللؤلؤة (٢)، وجميع قصر الزمرّذ، وجميع البستان (٣) الكافوريّ، ملك لبيت المال بالنظر المولويّ السلطانيّ الملكيّ الظاهريّ من وجه صحيح شرعيّ، لا رجعة لهم فيه، ولا لواحد منهم في ذلك، ولا في شيء منه ولاء، ولا شبهة بسبب يد ولا ملك، ولا وجه من الوجوه كلها خلا ما في ذلك من مسجد للّه تعالى أو مدفن لآبائهم، فأشهدوا عليهم بذلك، وورخوا الإشهاد بالثالث عشر من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وأثبت على يد قاضي القضاة الصاحب تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز الشافعيّ، وتقرّر مع المذكورين أنه مهما كان قبضوه من أثمان بعض الأماكن المذكورة التي عاقد عليها وكلاؤهم، واتصلوا إليه يحاسبوا به من جملة ما تحرّر ثمنه عند وكيل بيت المال، وقبضت أيدي المذكورين عن التصرّف في الأماكن المذكورة، وغيرها مما هو منسوب إلى آبائهم، ورسم ببيع ذلك، فباعه وكيل بيت المال كمال الدين ظافر شيئا بعد شيء، ونقضت تلك المباني، وابتنى في مواضعها على غير تلك الصفة من المساكن وغيرها كما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، وكان هذا القصر يشتمل على مواضع منها: قاعة الذهب: وكان يقال لقاعة الذهب: قصر الذهب، وهو أحد قاعات القصر الذي

стр. 707

هو قصر المعز لدين اللّه معدّ، وبنى قصر الذهب العزيز بالله نزار بن المعز، وكان يدخل إليه من باب الذهب الذي كان مقابلا للدار القطبية التي هي اليوم المارستان المنصوريّ، ويدخل إليه أيضا من باب البحر الذي هو الآن تجاه المدرسة الكاملية، وجدّد هذا القصر من بعد العزيز الخليفة المستنصر في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وبهذه القاعة كانت الخلفاء تجلس في الموكب يوم الاثنين، ويوم الخميس، وبها كان يعمل سماط شهر رمضان للأمراء، وسماط العيدين، وبها كل سرير الملك. هيئة جلوس الخليفة بمجلس الملك: قال الفقيه أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق في كتاب سيرة المعز: وكان وصول المعز لدين اللّه إلى قصره بمصر في يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثمائة، ولما وصل إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلى ركعتين وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقرّ في قصره بأولاده وحشمه، وخواص عبيده، والقصر يومئذ يشتمل على ما فيه من عين، وورق، وجوهر، وحلى، وفرش، وأوان، وثياب وسلاح، وأسفاط وأعدال، وسروج ولجم، وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك، وللنصف من رمضان جلس المعجز في قصره على السرير الذهب الذي عمله عبده القائد جوهر في الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أوّلا، ثم أذن بعدهم للأولياء، ولسائر وجوه الناس، وكان القائد جوهر قائما بين يديه يقدّم الناس قوما بعد قوم، ثم مضى القائد جوهر، وأقبل بهديته التي عباها ظاهرة يراها الناس، وهي: من الخيل مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها معنبر، وإحدى وثلاثون قبة على نوق بخاتي بالديباج، والمناطق والفرش منها تسعة بديباج مثقل، وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل، وثلاثة وثلاثون بغلا منها سبعة مسرجة ملجمة، ومائة وثلاثون بغلا للنقل، وتسعون نجيبا، وأربعة صناديق مشبكة، يرى ما فيها، وفيها أواني الذهب والفضة، ومائة سيف محلى بالذهب والفضة، ودرجان من فضة مخرقة فيها جوهر، وشاشية مرصعة في غلاف وتسعمائة ما بين سفط وتخت فيها سائر ما أعدّ له من ذخائر مصر. وفي يوم عرفة نصب المعز الشمسية التي عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها: اثنا عشر شبرا في اثني عشر شبرا، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، في كل هلال أترجة ذهب مسبك، جوف كل أترجة خمسون درة كبار كبيض الحمام، وفيها الياقوت الأحمر، والأصفر، والأزرق، وفي دورها كتابة آيات الحج بزمرّذ أخضر قد فسر، وحشو الكتابة در كبير لم ير مثله، وحشو الشمسية: المسك المسحوق يراها الناس في القصر، ومن خارج القصر لعلوّ موضعها، وإنما نصبها عدّة فرّاشين، وجرّوها لثقل وزنها. وقال في كتاب الذخائر والتحف: وما كان بالقصر من ذلك إن وزن ما استعمل من الذهب الإبريز الخالص في سرير الملك الكبير، مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال ووزن

стр. 708

ما حلي به الستر الذي أنشأه سيد الوزراء أبو محمد البازوري من الذهب أيضا ثلاثون ألف مثقال، وإنه رصع بألف وخمسمائة وستين قطعة جوهر من سائر ألوانه، وذكر أن في الشمسية الكبيرة ثلاثين ألف مثقال ذهبا، وعشرين ألف درهم مخرّقة، وثلاثة آلاف وستمائة قطعة جوهر من سائر ألوانه وأنواعه، وأن في الشمسية التي لم تتمّ من الذهب سبعة عشر ألف مثقال. وقال المرتضى أبو محمد عبد السلام بن محمد بن الحسن بن عبد السلام بن الطوير الفهريّ القيسرانيّ: الكاتب المصريّ في كتاب نزهة المقلتين في أخبار الدولتين الفاطمية والصلاحية، الفصل العاشر في ذكر هيئتهم في الجلوس العام بمجلس الملك، ولا يتعدّى ذلك يومي الاثنين والخميس، ومن كان أقرب الناس إليهم، ولهم خدم لا تخرج عنهم، وينتظر لجلوس الخليفة أحد اليومين المذكورين، وليس على التوالي بل على التفاريق، فإذا تهيأ ذلك في يوم من هذه الأيام استدعى الوزير من داره صاحب الرسالة على الرسم المعتاد في سرعة الحركة، فيركب في أبهته، وجماعته على الترتيب المقدّم ذكره يعني في ذكر الركوب أوّل العام، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في موضعه من هذا الكتاب، فيسير من مكان ترجله عن دابته بدهليز العمود إلى مقطع الوزارة، وبين يديه أجلاء أهل الإمارة، كل ذلك بقاعة الذهب التي كان يسكنها السلطان بالقصر، وكان الجلوس قبل ذلك بالإيوان الكبير الذي هو خزائن السلاح في صدره على سير الملك، وهو باق في مكانه إلى الآن من هذا المكان إلى آخر أيام المستعلي، ثم إنّ الآمر نقل الجلوس في هذا المكان، واسمه مكتوب بأعلى باذهنجه (١) إلى اليوم، ويكون المجلس المذكور معلقا فيه ستور الديباج شتاء، والدبيقيّ صيفا، وفرش الشتاء بسط الحرير عوضا عن الصوف مطابقا لستور الديباج، وفرش الصيف مطابقا لستور الديبقيّ، ما بين طبري وطبرستاني مذهب معدوم المثل، وفي صدره: المرتبة المؤهلة لجلوسه في هيئة جليلة على سرير الملك المغشى بالقرقوبيّ، فيكون وجه الخليفة عليه قبالة وجوه الوقوف بين يديه، فإذا تهيأ الجلوس استدعى الوزير من المقطع إلى باب المجلس المذكور، وهو مغلق وعليه ستر، فيقف بحذائه، وعن يمينه زمام القصر، وعن يساره زمام بيت المال، فإذا انتصب الخليفة على المرتبة وضع أمين الملك مفلح أحد الأستاذين المحنكين (٢) الخواص الدواة مكانها من المرتبة، وخرج من المقطع الذي يقال له فردا لكم، فإذا الوزير واقف أمام باب المجلس، وحواليه الأمراء المطوّقون أرباب الخدم

стр. 709

الجليلة، وغيرهم، وفي خلالهم قرّاء الحضرة، فيشير صاحب المجلس إلى الأستاذين، فيرفع كل منهم جانب الستر، فيظهر الخليفة جالسا بمنصبه المذكور، فتستفتح القرّاء بقراءة القرآن الكريم، ويسلم الوزير بعد دخوله إليه، فيقبل يديه ورجليه، ويتأخر مقدار ثلاثة أذرع، وهو قائم قدر ساعة زمانية، ثم يؤمر بأن يجلس على الجانب الأيمن، وتطرح له مخدّة تشريفا، ويقف الأمراء في أماكنهم المقرّرة، فصاحب الباب، واسفهسلار (١) العساكر من جانبي الباب يمينا ويسارا، ويليهم من خارجه لاصقا بعتبته زمام الآمرية والحافظية كذلك، ثم يرتبهم على مقاديرهم، فكل واحد لا يتعدّى مكانه هكذا إلى آخر الرواق، وهو الإفريز العالي عن أرض القاعة، ويعلوه الساباط على عقود القناطر التي على العهد هناك، ثم أرباب القصب والعماريات يمنة ويسرة كذلك، ثم الأماثل، والأعيان من الأجناد المترشحين للتقدمة، ويقف مستندا للصدر الذي يقابل باب المجلس: بوّاب الباب، والحجاب، ولصاحب الباب في ذلك المحل الدخول والخروج، وهو الموصل عن كل قائل ما يقول، فإذا انتظم ذلك النظام، واستقرّ بهم المقام، فأوّل ماثل للخدمة بالسلام: قاضي القضاة، والشهود المعروفون بالاستخدام، فيجيز صاحب الباب القاضي دون من معه، فيسلم متأدّبا، ويقف قريبا، ومعنى الأدب في السلام، أنه يرفع يده اليمنى، ويشير بالمسبحة، ويقول بصوت مسموع: السلام على أمير المؤمنين، ورحمة اللّه وبركاته، فيتخصص بهذا الكلام دون غيره من أهل السلام، ثم يسلم بالأشراف الأقارب زمامهم، وهو من الأستاذين المحنكين، وبالأشراف الطالبيين نقيبهم، وهو من الشهود المعدّلين، وتارة يكون من الأشراف المميّزين، فيمضي عليهم كذلك ساعتان زمانيتان أو ثلاث، ويخص بالسلام في ذلك الوقت خلع عليه: لقوص، أو الشرقية أو الغربية أو الإسكندرية، فيشرّفون بتقبيل القبة، فإن دعت حاجة الوزير إلى مخاطبة الخليفة في أمر قام من مكانه، وقرب منه منحنيا على سيفه، فيخاطبه مرّة أو مرّتين، ثم يؤمر الحاضرون، فيخرجون حتى يكون آخر من يخرج الوزير بعد تقبيل يد الخليفة ورجله، ويخرج فيركب على عادته إلى داره، وهو مخدوم بأولئك، ثم يرخي الستر، ويغلق باب المجلس إلى يوم مثله، فيكون الحال كما ذكر، ويدخل الخليفة إلى مكانه المستقرّ فيه، ومعه خواص أستاذيه، وكان أقرب الناس إلى الخلفاء: الأستاذون المحنكون، وهم أصحاب الأنس لهم، ولهم من الخدم ما لا يتطرّق إليه سواهم، ومنهم زمام القصر، وشاد التاج الشريف، وصاحب بيت المال، وصاحب الدفتر، وصاحب الرسالة، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب المجلس، وهم المطلعون على أسرار الخليفة، وكانت لهم طريقة محمودة في بعضهم بعضا، منها: أنه متى ترشح أستاذ للتحنيك، وحنك: حمل إليه كل واحد من المحنكين بدلة من ثياب، ومنديلا وفرشا

стр. 710

وسيفا، فيصبح لاحقا بهم، وفي يديه مثل ما في أيديهم، وكان لا يركب أحد في القصر إلا الخليفة، ولا ينصرف ليلا ونهارا إلا كذلك، وله في الليل شدّادات من النساء يخدمن البغلات والحمير الإناث للجواز في السراديب القصيرة الأقباء، والطلوع على الزلاقات إلى أعالي المناظر والأماكن، وفي كل محلة من محلات القصر فسقية مملوءة بالماء خيفة من حدوث حريق في الليل. كيفية سماط شهر رمضان بهذه القاعة قال ابن الطوير: فإذا كان اليوم الرابع من شهر رمضان، رتب عمل السماط كل ليلة بالقاعة بالقصر إلى السادس والعشرين منه، ويستدعى له: قاضي القضاة ليالي الجمع توقيرا له، فأما الأمراء، ففي كل ليلة منهم قوم بالنوبة، ولا يحرمونهم الإفطار مع أولادهم، وأهاليهم، ويكون حضورهم بمسطور يخرج إلى صاحب الباب، وأسفهسلاره، فيعرف صاحب كل نوبة ليلته، فلا يتأخر ويحضر الوزير، فيجلس صدره، فإن تأخر كان ولده أو أخوه، وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب، ويهتم فيه اهتماما عظيما تاما بحيث لا يفوته شيء من أصناف المأكولات الفائقة، والأغذية الرائقة، وهو مبسوط في طول القاعة، مادّ من الرواق إلى ثلثي القاعة المذكورة، والفرّاشون قيام لخدمة الحاضرين، وحواشي الأستاذين يحضرون الماء المبخر في كيزان الخزف برسم الحاضرين، ويكون انفصالهم العشاء الآخرة، فيعمهم ذلك، ويصل منه شيء إلى أهل القاهرة من بعض الناس لبعض، ويأخذ الرجل الواحد ما يكفي جماعة، فإذا حضر الوزير أخرج إليه مما هو بحضرة الخليفة، وكانت يده فيه تشريفا له، وتطييبا لنفسه، وربما حمل لسحوره من خاص ما يعين لسحور الخليفة نصيب وافر، ثم يتفرّق الناس إلى أماكنهم بعد العشاء الآخرة بساعة أو ساعتين، قال: ومبلغما ينفق في شهر رمضان لسماطه مدّة سبعة وعشرين يوما ثلاثة آلاف دينار. عمل سماط عيد الفطر بهذه القاعة قال الأمير المختار عز الملك بن عبيد اللّه بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المسبحيّ في تاريخه الكبير: وفي آخر يوم منه يعني شهر رمضان سنة ثمانين وثلثمائة، حمل يانس الصقلبي صاحب الشرطة السفلى السماط، وقصور السكر والتماثيل، وأطباقا فيها تماثيل حلوى، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب القصور وتماثيل السكر. وقال ابن الطوير: فأما الأسمطة الباطنة التي يحضرها الخليفة بنفسه، ففي يوم عيد الفطر: اثنان، ويوم عيد النحر: واحد، فأما الأوّل من عبيد الفطر، فإنه يعين في الليل بالإيوان قدّام الشباك الذي يجلس فيه الخليفة، فيمدّ ما مقداره ثلثمائة ذراع في عرض سبعة

стр. 711

أذرع من الخشكنان، والفانيذ، والبسندود المقدّم ذكر عمله بدار الفطرة، فإذا صلى الفجر في أوّل الوقت حضر إليه الوزير، وهو جالس في الشباك، ومكن الناس من ذلك الممدود، فأخذ وحمل ونهب، فيأخذه من يأكله في يومه، ومن يدّخره لغده، ومن لا حاجة له به، فيبيعه ويتسلط عليه أيضا حواشي القصر المقيمون هناك، فإذا فرغ من ذلك، وقد بزغت الشمس ركب من باب الملك بالإيوان، وخرج من باب العيد إلى المصلى، والوزير معه كما وصفنا في هيئة ركوب هذا العيد في فصله مخليا لقاعة الذهب لسماط الطعام، فينصب له سرير الملك قدّام باب المجلس في الرواق، وينصب فيه مائدة من فضة، ويقال لها: المدوّرة، وعليها أواني الفضيات والذهبيات، والصيني الحاوية للأطعمة الخاص الفائحة الطيب الشهية من غير خضراوات، سوى الدجاج الفائق المسمن المعمول بالأمزجة الطيبة النافعة، ثم ينصب السماط أمام السرير إلى باب المجلس قبالته، ويعرف بالمحول طول القاعة، وهو اليوم الباب الذي يدخل منه إليها من باب البحر الذي هو باب القصر اليوم، والسماط خشب مدهون شبه الدكك اللاطية، فيصير من جمعه للأواني سماطا عاليا في ذلك الطول، وبعرض عشرة أذرع، فيفرش فوق ذلك الأزهار، ويرص الخبز على حافتيه سواميذ كل واحد ثلاثة أرطال من نقيّ الدقيق، ويدهن وجهها عند خبزها بالماء، فيحصل لها بريق، ويحسن منظرها، ويعمر داخل ذلك السماط على طوله بأحد وعشرين طبقا في كل طبق أحد وعشرون ثنيا سمينا مشويا، وفي كل من الدجاج والفراريج وفراخ الحمام ثلثمائة وخمسون طائرا، فيبقى طائلا مستطيلا، فيكون كقامة الرجل الطويل، ويسوّر بشرائح الحلواء اليابسة، ويزين بألوانها المصبغة، ثم يسدّ خلل تلك الأطباق بالصحون الخزفية التي في كل واحد منها سبع دجاجات، وهي مترعة بالألوان الفائقة من الحلواء المائعة والطباهجة (١) المشققة، والطيب غالب على ذلك كله، فلا يبعد أن تناهز عدّة الصحون المذكورة خمسمائة صحن، ويرتب ذلك أحسن ترتيب من نصف الليل بالقاعة إلى حين عود الخليفة من المصلى، والوزير معه، فإذا دخل القاعة، وقف الوزير على باب دخول الخليفة، لينزع عنه الثياب العيدية التي في عمامتها السمة، ويلبس سواها من خزائن الكسوات الخاصة التي قدّمنا ذكرها، وقد عمل بدار الفطرة، قصران من حلى في كلواحد سبعة عشر قنطارا، وحملا، فمنهما واحد يمضي به من طريق قصر الشوك إلى باب الذهب، والآخر يشق به بين القصرين يحملهما العتالون، فينصبان أوّل السماط وآخره، وهما شكل مليح مدهونان بأوراق الذهب، وفيهما شخوص ناتئة كأنها مسبوكة في قوالب لوحا لوحا، فإذا عبر الخليفة راكبا، ونزل على السرير الذي عليه المدوّرة الفضة، وجلس قام على رأسه أربعة من كبار الأستاذين المحنكين، وأربعة من خواص الفرّاشين، ثم يستدعي الوزير، فيطلع إليه ويجلس عن يمينه، ويستدعي الأمراء المطوّقين، ومن يليهم من الأمراء دونهم،

стр. 712

فيجلسون على السماط كقيامهم بين يديه، فيأكل من أراد من غير إلزام، فإنّ في الحاضرين من لا يعتقد الفطر في ذلك اليوم، فيستولي على ذلك المعمول الآكلون، وينقل إلى دار أرباب الرسوم، ويباح فلا يبقى منه إلا السماط فقط، فيعم أهل القاهرة ومصر من ذلك نصيب وافر، فإذا انقضى ذلك عند صلاة الظهر، انفض الناس، وخرج الوزير إلى داره مخدوما بالجماعة الحاضرين، وقد عمل سماطا لأهله وحواشيه، ومن يعز عليه لا يلحق بأيسر يسير من سماط الخليفة، وعلى هذا العمل يكون سماط عيد النحر أوّل يوم منه، وركوبه إلى المصلى، كما ذكرنا، ولا يخرج عن هذا المنوال ولا ينقص عن هذا المثال، ويكون الناس كلهم مفطرين، ولا يفوت أحدا منهم شيء، كما ذكرنا في عيد الفطر. قال: ومبلغ ما ينفق في سماطي الفطر، والأضحى أربعة آلاف دينار، وكان يجلس على أسمطة الأعياد في كل سنة رجلان من الأجناد يقال لأحدهما: ابن فائز، والآخر الديلميّ يأكل كل واحد منهما خروفا مشويا، وعشر دجاجات محلاة، وجام حلوى عشرة أرطال، ولهما رسوم تحمل إليهما بعد ذلك من الأسمطة لبيوتهما ودنانير وافرة على حكم الهبة، وكان أحدهما أسر بعسقلان في تجريدة جرّد إليها، وأقام مدّة في الأسر فاتفق أنه كان عندهم عجل سمين فيه عدّة قناطير لحم، فقال له الذي أسره وهو يداعبه: إن أكلت هذا العجل أعتقتك، ثم ذبحه، وسوّى لحمه، وأطعمه حتى أتى على جميعه، فوفى له وأعتقه، فقدم على أهله بالقاهرة، ورأيته يأكل على السماط. الإيوان الكبير قال القاضي الرئيس محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر الروحي الكاتب في كتاب الروضة البهية الزهراء في خطط المعزية القاهرة، الإيوان الكبير بناه العزيز بالله أبو منصور نزار بن المعز لدين اللّه معدّ في سنة تسع وستين وثلثمائة، انتهى. وكان الخلفاء أولا يجلسون به في يومي الاثنين والخميس إلى أن نقل الخليفة الآمر بأحكام اللّه الجلوس منه في اليومين المذكورين إلى قاعة الذهب كما تقدّم، وبصدر هذا الإيوان كان الشباك الذي يجلس فيه الخليفة، وكان يعلو هذا الشباك قبة، وفي هذا الإيوان، كان يمدّ سماط الفطرة بكرة يوم عيد الفطر كما تقدّم به، وبه أيضا كان يعمل الاجتماع، والخطبة في يوم عيد الغدير، وكان بجانب هذا الإيوان الدواوين، وكان بهذا الإيوان ضلعا سمكة إذا أقيما واريا الفارس بفرسه، ولم يزالا حتى بعثهما السلطان صلاح الدين يوسف إلى بغداد في هدية. عيد الغدير (١): إعلم أن عيد الغدير لم يكن عيدا مشروعا، ولا عمله أحد من سالف

стр. 713

الأمّة المقتدى بهم، وأوّل ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة عليّ بن بويه، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدا، وأصلهم فيه، ما خرّجه الإمام أحمد في مسنده الكبير من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كنا مع رسول اللّه ﷺ في سفر لنا، فنزلنا بغدير خم، ونودي الصلاة جامعة وكسح لرسول اللّه ﷺ تحت شجرتين، فصلى الظهر، وأخذ بيد عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال: «ألستم أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». قال: فلقيه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. وغدير خم: على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطريق، وتصب فيه عين، وحوله شجر كثير، ومن سنتهم في هذا العيد، هو أبدا يوم الثامن عشر من ذي الحجة أن يحيوا ليلته بالصلاة، ويصلوا في صبيحته ركعتين قبل الزوال، ويلبسوا فيه الجديد، ويعتقوا الرقاب، ويكثروا من عمل البرّ، ومن الذبائح، ولما عمل الشيعة هذا العيد بالعراق أرادت عوامّ السنية مضاهاة فعلهم، ونكايتهم، فاتخذوا في سنة تسع وثمانين وثلثمائة بعد عيد الغدير بثمانية أيام عيدا، أكثروا فيه من السرور واللهو، وقالوا: هذا يوم دخول رسول اللّه ﷺ الغار هو وأبو بكر الصدّيق ﵁، وبالغوا في هذا اليوم في إظهار الزينة، ونصب القباب، وإيقاد النيران، ولهم في ذلك أعمال مذكورة في أخبار بغداد … وقال ابن زولاق: وفي يوم ثمانية عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وهو يوم الغدير: تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة، ومن تبعهم للدعاء لأنه يوم عيد، لأنّ رسول اللّه ﷺ عهد إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فيه، واستخلفه، فأعجب المعز ذلك من فعلهم، وكان هذا أوّل ما عمل بمصر. قال المسبحيّ، وفي يوم الغدير، وهو ثامن عشر ذي الحجة اجتمع الناس بجامع القاهرة والقرّاء والفقهاء، والمنشدون، فكان جمعا عظيما أقاموا إلى الظهر، ثم خرجوا إلى القصر، فخرجت إليهم الجائزة، وذكر أن الحاكم بأمر اللّه، كان قد منع من عمل عيد الغدير، قال ابن الطوير: إذا كان العشر الأوسط من ذي الحجة اهتمّ الأمراء، والأجناد بركوب عيد الغدير، وهو في الثامن عشر منه، وفيه خطبة وركوب الخليفة بغير مظلمة، ولا

стр. 714

سمة، ولا خروج عن القاهرة، ولا يخرج لأحد شيء، فإذا كان ذلك اليوم ركب الوزير بالاستدعاء الجاري به العادة، فيدخل القصر، وفي دخوله بروز الخليفة لركوبه من الكرسيّ على عادته، فيخدم ويخرج ويركب من مكانه من الدهليز، ويخرج فيقف قبالة باب القصر، ويكون ظهره إلى دار فخر الدين جهاركس اليوم، ثم يخرج الخليفة راكبا أيضا، فيقف في الباب، ويقال له: القوس، وحواليه الأستاذون المحنكون رجالة، ومن الأمراء المطوّقين من يأمره الوزير بإشارة خدمة الخليفة على خدمته، ثم يجوز زيّ كل من له زيّ على مقدار همته، فأوّل ما يجوز زيّ الخليفة، وهو الظاهر في ركوبه، فتجد الجنائب الخاص التي قدّمنا ذكرها أوّلا، ثم زيّ الأمراء المطوّقين لأنهم غلمانه واحدا فواحدا بعددهم، وأسلحتهم، وجنائبهم إلى آخر أرباب القصب والعماريات، ثم طوائف العسكر أزمّتها أمامها، وأولادهم مكانهم لأنهم في خدمة الخليفة وقوف بالباب طائفة طائفة، فيكونون أكثر عددا من خمسة آلاف فارس، ثم المترجلة الرماة بالقسيّ بالأيدي والأرجل، وتكون عدّتهم قريبا من ألف، ثم الراجل من الطوائف الذين قدّمنا ذكرهم في الركوب، فتكون عدّتهم قريبا من سبعة آلاف كل منهم بزمام وبنود ورايات وغيرها، بترتيب مليح مستحسن، ثم يأتي زيّ الوزير مع ولده، أو أحد أقاربه، وفيه جماعته وحاشيته في جمع عظيم، وهيئة هائلة، ثم زيّ صاحب الباب، وهم أصحابه وأجناده، ونوّاب الباب، وسائر الحجاب، ثم يأتي زيّ اسفهسلار العساكر بأصحابه، وأجناده في عدّة وافرة، ثم يأتي زيّ والي القاهرة، وزيّ والي مصر، فإذا فرغا خرج الخليفة من الباب والوقوف بين يديه مشاة في ركابه خارجا عن صبيان ركابه الخاص، فإذا وصل إلى باب الزهومة بالقصر، انعطف على يساره داخلا من الدرب هناك جائزا على الخوخ (١)، فإذا وصل إلى باب الديلم الذي داخله المشهد الحسينيّ، فيجد في دهليز ذلك الباب: قاضي القضاة والشهود، فإذا وازاهم خرجوا للخدمة والسلام عليه، فيسلم القاضي كما ذكرنا من تقبيل رجله الواحدة التي تليه، والشهود أمام رأس الدابة بمقدار قصبة، ثم يعودون ويدخلون من ذلك الدهليز إلى الإيوان الكبير، وقد علق عليه الستور القرقوبية جميعه على سعته، وغير القرقوبية سترا فسترا، ثم يعلق بدائرة على سعته ثلاث صفوف: الأوسط طوارق فارسيات مدهونة، والأعلى والأسفل درق، وقد نصب فيه كرسيّ الدعوة، وفيه تسع درجات لخطابة الخطيب في هذا العيد، فيجلس القاضي والشهود تحته، والعالم من الأمراء، والأجناد، والمتشيعين، ومن يرى هذا الرأي من الأكابر والأصاغر، فيدخل الخليفة من باب العيد إلى الإيوان إلى باب الملك، فيجلس بالشباك، وهو ينظر القوم، ويخدمه الوزير عندما ينزل، ويأتي هو ومن معه، فيجلس بمفرده على يسار منبر الخطيب، ويكون قد سير لخطيبه بدلة حرير يخطب فيها، وثلاثون دينارا، ويدفع له كرّاس

стр. 715

محرّر من ديوان الإنشاء يتضمن نص الخلافة من النبيّ ﷺ إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه ورضي عنه بزعمهم، فإذا فرغ ونزل صلى قاضي القضاة بالناس ركعتين، فإذا قضيت الصلاة، قام الوزير إلى الشباك، فيخدم الخليفة، وينفض الناس بعد التهاني من الإسماعيلية بعضهم بعضا، وهو عندهم أعظم من عيد النحر، وينحر فيه أكثرهم. قال: وكان الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد: لما سلم من يد أبي عليّ بن الأفضل الملقب كتيفات، لما وزر له، وخرج عليه عمل عيدا في ذلك اليوم، وهو السادس عشر من المحرّم من غير ركوب، ولا حركة بل إنّ الإيوان باق على فرشه، وتعليقه من يوم الغدير، فيفرش المجلس المحوّل اليوم في الإيوان الذي بابه خورنق. وكان يقابل الإيوان الكبير الذي هو اليوم: خزائن السلاح، بأحسن فرش، وينصب له مرتبة هائلة قريبا من باذهنجه، فيجتمع أرباب الدولة سيفا وقلما، ويحضرون إلى الإيوان إلى باب الملك المجاور للشباك، فيخرج الخليفة راكبا إلى المجلس، فيترجل على بابه، وبين يديه الخواص، فيجلس على المرتبة، ويقفون بين يديه صفين إلى باب المجلس، ثم يجعل قدّامه كرسيّ الدعوة، وعليه غشاء قرقوبيّ، وحواليه الأمراء الأعيان، وأرباب الرتب، فيصعد قاضي القضاة، ويخرج من كمه كراسة مسطحة تتضمن فصولا، كالفرج بعد الشدّة بنظم مليح، يذكر فيه كل من أصابه من الأنبياء والصالحين والملوك شدّة، وفرّج اللّه عنه واحدا فواحدا، حتى يصل إلى الحافظ، وتكون هذه الكراسة محمولة من ديوان الإنشاء، فإذا تكاملت قراءتها، نزل عن المنبر، ودخل إلى الخليفة، ولا يكون عنده من الثياب أجلّ مما لبسه، ويكون قد حمل إلى القاضي قبل خطابته بدلة مميزة يلبسها للخطابة، ويوصل إليه بعد الخطابة خمسون دينارا. وقال الأمير جمال الدين أبو عليّ موسى بن المأمون أبي عبد اللّه محمد بن فاتك بن مختار الطائحيّ في تاريخه، واستهل عيد الغدير يعني من سنة ست عشرة وخمسمائة، وهاجر إلى باب الأجل يعني الوزير المأمون البطائحي الضعفاء والمساكين من البلاد، ومن انضمّ إليهم من العوالي، والأدوان على عادتهم في طلب الحلال، وتزويج الأيامى، وصار موسما يرصده كل أحد، ويرتقبه كل غنيّ وفقير، فجرى في معروفه على رسمه، وبالغ الشعراء في مدحه بذلك، ووصلت كسوة العيد المذكور، فحمل ما يختص بالخليفة والوزير، وأمر بتفرقة ما يختص بأزمّة العساكر فارسها وراجلها من عين وكسوة، ومبلغ ما يختص بهم من العين سبعمائة وتسعون دينارا، ومن الكسوات مائة وأربع وأربعون قطعة، والهيئة المختصة بهذا العيد، برسم كبراء الدولة، وشيوخها وأمرائها وضيوفها، والأستاذين المحنكين والمميزين منهم خارجا عن أولاد الوزير وإخوته، ويفرّق من مال الوزير بعد الخلع عليه ألفان وخمسمائة دينار وثمانون دينارا، وأمر بتعليق جميع أبواب القصور،

стр. 716

وتفرقة المؤذنين بالجوامع والمساجد عليها، وتقدّم بأن تكون الأسمطة بقاعة الذهب على حكم سماط أوّل يوم من عيد النحر، وفي باكر هذا اليوم توجه الخليفة إلى الميدان، وذبح ما جرت به العادة، وذبح الجزارون بعده مثل عدد الكباش المذبوحة في عيد النحر، وأمر بتفرقة ذلك للخصوص دون العموم، وجلس الخليفة في المنظرة وخدمت الرهجية (١). وتقدّم الوزير والأمراء، وسلموا، فلما حان وقت الصلاة والمؤذنون على أبواب القصر يكبرون تكبير العيد إلى أن دخل الوزير، فوجد الخطيب على المنبر قد فرغ، فتقدّم القاضي أبو الحجاج يوسف بن أيوب فصلى به وبالجماعة صلاة العيد، وطلع الشريف بن أنس الدولة، وخطب خطبة العيد، ثم توجه الوزير إلى باب الملك، فوجد الخليفة قد جلس قاصدا للقائه، قد ضربت المقدّمة، فأمره بالمضيّ إليها، وخلع عليه خلعة مكملة من بدلات النحر وثوبها أحمر بالشدّة الدائمية، وقلده سيفا مرصعا بالياقوت والجواهر، وعندما نهض ليقبل الأرض وجده قد أعدّ له العقد الجوهر، وربطه في عنقه بيده، وبالغ في إكرامه، وخرج من باب الملك فتلقاه المقرّبون، وسارع الناس إلى خدمته، وخرج من باب العيد وأولاده وإخوته والأمراء المميزون بحجبه، وخدمت الرهجية، وضربت العربية والموكب جميعه بزيه، وقد اصطفت العساكر، وتقدّم إلى ولده بالجلوس على أسمطته وتفرّقتها برسومها، وتوجه إلى القصر، واستفتح المقرئون، فسلم الحاضرون، وجرى الرسم في السماط الأوّل والثاني، وتفرقة الرسوم والموائد على حكم أوّل يوم من عيد النحر، وتوجه الخليفة بعد ذلك إلى السماط الثالث الخاص بالدار الجليلة لأقاربه وجلسائه. ولما انقضى حكم التعييد جلس الوزير في مجلسه، واستفتح المقرئون، وحضر الكبراء وبياض البلدين لتهنئ بالعيد والخلع، وخرج الرسم، وتقدّم الشعراء، فأنشدوا وشرحوا الحال، وحضر متولي خزائن الكسوة الخاص بالثياب التي كانت على المأمون قبل الخلع، وقبضوا الرسم الجاري به العادة، وهو مائة دينار، وحضر متولي بيت المال، وصحبته صندوق فيه خمسة آلاف دينار برسم فكاك العقد الجوهر والسيف المرصع، فأمر الوزير المأمون الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة: كاتب الدست الشريف بكتب مطالعة إلى الخليفة بما حمل إليه من المال برسم منديل الكم، وهو ألف دينار، ورسم الأخوة والأقارب ألف دينار، وتسلم متولي الدولة بقية المال ليفرّق على الأمراء المطوّقين والمميزين والضيوف والمستخدمين. المحول: قال ابن عبد الظاهر: المحول هو مجلس الداعي (٢)، ويدخل إليه من باب

стр. 717

الريح، وبابه من باب البحر، ويعرف بقصر البحر، وكان في أوقات الاجتماع يصلي الداعي بالناس في رواقه. وقال المسبحيّ: وفي ربيع الأوّل يعني من سنة خمس وثمانين وثلثمائة، جلس القاضي محمد بن النعمان على كرسيّ بالقصر لقراءة علوم آل البيت على الرسم المعتاد المتقدّم له ولأخيه بمصر، ولأبيه بالمغرب، فمات في الزحمة أحد عشر رجلا، فكفنهم العزيز بالله، وقال ابن الطوير: وأما داعي الدعاة فإنه يلي قاضي القضاة في الرتبة، ويتزيا بزيه في اللباس وغيره، ووصفه أنه يكون عالما بجميع مذاهب أهل البيت يقرأ عليه، ويأخذ العهد على من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم، وبين يديه من نقباء المعلمين اثنا عشر نقيبا، وله نوّاب كنوّاب الحكم في سائر البلاد، ويحضر إليه فقهاء الدولة، ولهم مكان يقال له: دار العلم (١)، ولجماعة منهم على التصدير بها أرزاق واسعة، وكان الفقهاء منهم يتفقون على دفتر يقال له: مجلس الحكمة في كل يوم اثنين وخميس، ويحضر مبيضا إلى داعي الدعاة فينفذه إليهم، ويأخذه منهم، ويدخل به إلى الخليفة في هذين اليومين المذكورين، فيتلوه عليه إن أمكن، ويأخذ علامته بظاهره، ويجلس بالقصر لتلاوته على المؤمنين في مكانين للرجال على كرسيّ الدعوة بالإيوان الكبير، وللنساء بمجلس الداعي، وكان من أعظم المباني وأوسعها. فإذا فرغ من تلاوته على المؤمنين والمؤمنات حضروا إليه، لتقبيل يديه، فيمسح على رؤوسهم بمكان العلامة، أعني خط الخليفة، وله أخذ النجوى من المؤمنين بالقاهرة ومصر وأعمالهما، لا سيما الصعيد، ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث، فيجتمع من ذلك شيء كثير يحمله إلى الخليفة بيده بينه، وبينه، وأمانته في ذلك مع اللّه تعالى، فيفرض له الخليفة منه ما يعينه لنفسه وللنقباء، وفي الإسماعيلية المموّلين من يحمل ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثي دينار على حكم النجوى، وصحبة ذلك رقعة مكتوبة باسمه، فيتميز في المحول فيخرج له عليها خط الخليفة بارك اللّه فيك، وفي مالك وولدك ودينك، فيدّخر ذلك، ويتفاخر به، وكانت هذه الخدمة متعلقة بقوم يقال لهم: بنو عبد القويّ أبا عن جدّ آخرهم الجليس، وكان الأفضل بن أمير الجيوش نفاهم إلى المغرب، فولد الجليس بالمغرب، وربي به، وكان يميل إلى مذهب أهل السنة، وولي القضاء مع الدعوة، وأدركه أسد الدين شيركوه، وأكرمه وجعله واسطة عند الخليفة العاضد، وكان قد حجر على العاضد ولولاه لم يبق في الخزائن شيء لكرمه، وكأنه علم أنه آخر الخلفاء.

стр. 718

قال المسبحيّ: وكان الداعي يواصل الجلوس بالقصر لقراءة ما يقرأ على الأولياء، والدعاوي المتصلة، فكان يفرد للأولياء مجلسا، وللخاصة وشيوخ الدولة، ومن يختص بالقصور من الخدم وغيرهم مجلسا، ولعوام الناس، وللطارئين على البلد مجلسا، وللنساء في جامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر مجلسا، وللحرم وخواص نساء القصر مجلسا، وكان يعمل المجالس في داره، ثم ينفذها إلى من يختص بخدمة الدولة، ويتخذ لهذه المجالس كتبا يبيضونها بعد عرضها على الخليفة، وكان يقبض في كل مجلس من هذه المجالس ما يتحصل من النجوى من كل من يدفع شيئا من ذلك عينا وورقا من الرجال والنساء، ويكتب أسماء من يدفع شيئا على ما يدفعه، وكذلك في عيد الفطر يكتب ما يدفع عن الفطرة، ويحصل من ذلك مال جليل، يدفع إلى بيت المال شيئا بعد شيء، وكانت تسمى مجالس الدعوة: مجالس الحكمة، وفي سنة أربعمائة كتب سجل عن الحاكم بأمر اللّه فيه رفع الخمس والزكاة والفطرة والنجوى التي كانت تحمل، ويتقرّب بها، وتجري على أيدي القضاة، وكتب سجل آخر بقطع مجالس الحكمة التي تقرأ على الأولياء يوم الخميس والجمعة، انتهى. ووظيفة داعي الدعاة كانت من مفردات الدولة الفاطمية، وقد لخصت من أمر الدعوة طرفا أحببت إيراده هنا. وصف الدعوة وترتيبها: وكانت الدعوة مرتبة على منازل: دعوة بعد دعوة. الدعوة الأولى: سؤال الداعي لمن يدعوه إلى مذهبه عن المشكلات، وتأويل الآيات، ومعاني الأمور الشرعية، وشيء من الطبيعيات، ومن الأمور الغامضة، فإن كان المدعوّ عارفا سلم له الداعي وإلاّ تركه يعمل فكره فيما ألقاه عليه من الأسئلة، وقال له: يا هذا، إنّ الدين لمكتوم، وإنّ الأكثر له منكرون، وبه جاهلون، ولو علمت هذه الأمّة ما خص اللّه به الأئمة من العلم، لم تختلف؟ فيتشوق حينئذ المدعوّ إلى معرفة ما عند الداعي من العلم فإذا علم منه الإقبال أخذ في ذكر معاني القراءات وشرائع الدين، وتقرير أنّ الآفة التي نزلت بالأمّة، وشتت الكلمة، وأورثت الأهواء المضلة، ذهاب الناس عن أئمة نصبوا لهم، وأقيموا حافظين لشرائعهم يؤدونها على حقيقتها، ويحفظون معانيها، ويعرفون بواطنها غير أنّ الناس لما عدلوا عن الأئمة، ونظروا في الأمور بعقولهم، واتبعوا ما حسن في رأيهم، وقلدوا أسفلتهم، وأطاعوا سادتهم وكبراءهم اتباعا للملوك، وطلبا للدنيا التي هي أيدي متبعي لإثم وأجناد الظلمة، وأعوان الفسقة الذين يحبون العاجلة، ويجتهدون في طلب الرئاسة على الضعفاء ومكايدة رسول اللّه ﷺ في أمّته وتغيير كتاب اللّه ، وتبديل سنة رسول اللّه ﷺ ، ومخالفة دعوته، وإفساد شريعته، وسلوك غير طريقته، ومعاندة الخلفاء الأئمة من بعده بختر من قبل ذلك، وصار الناس إلى أنواع الضلالات، فإنّ دين محمد ﷺ ما جاء بالتحلي، ولا بأمانيّ الرجال، ولا شهوات الناس، ولا بما خف على الألسنة،

стр. 719

وعرفته دهماء العامّة، ولكنه صعب مستصعب، وأمر مستقبل، وعلم خفيّ غامض ستره اللّه في حجبه، وعظم شأنه عن ابتذال أسراره، فهو سرّ اللّه المكتوم، وأمره المستور الذي لا يطيق حمله، ولا ينهض بأعبائه، وثقله إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للتقوى، فإذا ارتبط المدعوّ على الداعي، وأنس له، نقله إلى غير ذلك. فمن مسائلهم ما معنى: رمي الجمار؟ والعدو بين الصفا والمروة؟ ولم كانت الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق يسير؟ ولا يغتسل من البول النجس الكثير القذر؟ وما بال اللّه خلق الدنيا في ستة أيام؟ أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ وما معنى الصراط المضروب في القرآن مثلا؟ والكاتبين الحافظين وما لنا لا نراهما؟ أخاف أن نكابره، ونجاحده حتى أدلى العيون، وأقام علينا الشهود، وقيد ذلك في القرطاس بالكتابة، وما تبديل الأرض غير الأرض؟ وما عذاب جهنم؟ وكيف يصح تبديل جلد مذنب بجلد لم يذنب حتى يعذب؟ وما معنى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية؟ وما إبليس؟ وما الشياطين؟ وما وصفوا به وأين مستقرّهم؟ وما مقدار قدرهم؟ وما يأجوج ومأجوج وهاروت وماروت وأين مستقرّهم؟ وما سبعة أبواب النار؟ وما ثمانية أبواب الجنة؟ وما شجرة الزقوم النابتة في الجحيم؟ وما دابة الأرض ورؤس الشياطين؟ والشجرة الملعونة في القرآن؟ والتين والزيتون؟ وما الخنس الكنس؟ وما معنى ألم والمص؟ وما معنى كهيعص وحمعسق، ولم جعلت السماوات سبعا والأرضون سبعا، والمثاني من القرآن سبع آيات، ولم فجرت العيون اثنتي عشرة عينا، ولم جعلت الشهور اثني عشر شهرا، وما يعمل معكم عمل الكتاب والسنة، ومعاني الفرائض اللازمة؟ فكروا أوّلا في أنفسكم أين أرواحكم؟ وكيف صورها؟ وأن مستقرّها؟ وما أوّل أمرها والإنسان ما هو؟ وما حقيقته؟ وما الفرق بين حياته وحياة البهائم؟ وفضل ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات؟ وما الذي بانت به حياة الحشرات من حياة النبات؟ وما معنى قول رسول اللّه ﷺ : «خلقت حوّاء من ضلع آدم»؟ وما معنى قول الفلاسفة: الإنسان عالم صغير والعالم إنسان كبير؟ ولم كانت قامة الإنسان منتصبة دون غيره من الحيوانات؟ ولم كان في يديه من الأصابع عشر، وفي رجليه عشر أصابع؟ وفي كل أصبع من أصابع يديه ثلاثة شقوق إلا الإبهام، فإنّ فيه شقين فقط؟ ولم كان في وجهه سبع ثقب؟ وفي سائر بدنه ثقبان؟ ولم كان في ظهره اثنتا عشرة عقدة وفي عنقه سبع عقد؟ ولم جعل عنقه صورة ميم، ويداه: حاء، وبطنه: ميما، ورجلاه: دالا حتى صار ذلك كتابا مرسوما يترجم عن محمد، ولم جعلت قامته إذا انتصب صورة ألف، وإذا ركع صارت صورة: لام، وإذا سجد صارت صورة هاء، فكان كتابا يدل على اللّه، ولم جعلت أعداد عظام الإنسان كذا؟ وأعداد أسنانه كذا؟ والأعضاء الرئيسة كذا إلى غير ذلك من التشريح، والقول في العروق والأعضاء، ووجوه منافع الحيوان، ثم يقول الداعي: ألا تتفكرون في حالكم، وتعتبرون وتعلمون أنّ الذي خلقكم حكيم غير مجازف، وأنه فعل جميع ذلك

стр. 720

لحكمة، وله فيها أسرار خفية، حتى جمع ما جمع، وفرّق ما فرّق، فكيف يسعلكم الإعراض عن هذه الأمور، وأنتم تسمعون قول اللّه : ﴿وَفِي اَلْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات/ ٢٠، ٢١]، ﴿وَيَضْرِبُ اَللّهُ اَلْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم/ ٢٥]، ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ﴾ [فصلت/ ٥٣]. فأيّ شيء رآه الكفار في أنفسهم وفي الآفاق، حتى عرفوا أنه الحق، وأيّ حق عرفه من جحد الديانة، ألا يدلكم هذا على أنّ اللّه جل اسمه أراد أن يرشدكم إلى بواطن الأمور الخفية، وأسرار فيها مكتومة لو نبهتم لها، وعرفتموها لزالت عنكم كل حيرة، ودحضت كل شبهة، وظهرت لكم المعارف السنية، ألا ترون أنكم جهلتم أنفسكم التي من جهلها، كان حريا أن لا يعلم غيرها، أليس اللّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء/ ٧٢] ونحو ذلك من تأويل القرآن، وتفسير السنن والأحكام، وإيراد أبواب من التجويز والتعليل، فإذا علم الداعي أن نفس المدعوّ قد تعلقت بما سأله عنه، وطلب منه الجواب عنها قال له: حينئذ لا تعجل فإنّ دين اللّه أعلى وأجل من أن يبذل لغير أهله، ويجعل غرضا للعب وجرت عادة اللّه، وسنته في عباده عند شرع من نصبه أن يأخذ العهد على من يرشده، ولذلك قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ [الأحزاب/ ٧]، وقال : ﴿مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اَللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب/ ٢٣]، وقال ﷻ : ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة/ ١]، وقال: ﴿وَلا تَنْقُضُوا اَلْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اَللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾ [النحل/ ٩١]، وقال: ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [المائدة/ ٧٠]. ومن أمثال هذا فقد أخبر اللّه تعالى أنه لم يملك حقه إلا لمن أخذ عهده فأعطنا صفقة يمينك، وعاهدنا بالموكد من أيمانك وعقودك، أن لا تفشي لنا سرّا، ولا تظاهر علينا أحدا، ولا تطلب لنا غيلة، ولا تكتمنا نصحا، ولا توالي لنا عدوّا، فإذا أعطى العهد قال له الداعي: أعطنا جعلا من مالك نجعله مقدّمة أمام كشفنا لك الأمور، وتعريفك إياها، والرسم في هذا الجعل بحسب ما يراه الداعي، فإن امتنع المدعوّ أمسك عنه الداعي، وإن أجاب وأعطى نقله إلى الدعوة الثانية، وإنما سميت الإسماعيلية بالباطنية لأنهم يقولون: لكل ظاهر من الأحكام الشرعية باطن، ولكل تنزيل تأويل. الدعوة الثانية: لا تكون إلاّ بعد تقدّم الدعوى الأولى، فإذا تقرّر في نفس المدعوّ جميع ما تقدّم، وأعطى الجعل، قال له الداعي: إنّ اللّه تعالى لم يرض في إقامة حقه، وما شرعه لعباده إلاّ أن يأخذوا ذلك عن أئمة نصبهم للناس، وأقامهم لحفظ شريعته على ما أراده اللّه تعالى، ويسلك في تقرير هذا، ويستدل عليه بأمور مقرّرة في كتبهم، حتى يعلم أن

стр. 721

اعتقاد الأئمة قد ثبت في نفس المدعوّ، فإذا اعتقد ذلك، نقله إلى الدعوة الثالثة. الدعوة الثالثة: مرتبة على الثانية، وذلك أنه إذا علم الداعي ممن دعاه، أنّ ارتباطه على دين اللّه لا يعلم إلاّ من قبل الأئمة، قرّر حينئذ عنده أن الأئمة سبعة، قد رتبهم الباري تعالى كما رتب الأمور الجليلة، فإنه جعل الكواكب السيارة سبعة، وجعل السماوات سبعا، وجعل الأرضين سبعا، ونحو ذلك مما هو سبع من الموجودات. وهؤلاء الأئمة السبعة هم: عليّ بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، وعليّ بن الحسين الملقب زين العابدين، ومحمد بن عليّ، وجعفر بن محمد الصادق، والسابع هو: القائم صاحب الزمان. وهم أعني الشيعة مختلفون في هذا القائم، فمنهم من يجعله: محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويسقط إسماعيل بن جعفر، ومنهم من يعدّ إسماعيل بن جعفر إماما، ثم يعدّ ابنه محمد بن إسماعيل، فإذا تقرّر عند المدعوّ أن الأئمة سبعة انحل عن معتقد الإمامية من الشيعة القائلين بإمامة اثني عشر إماما، وصار إلى معتقد الإسماعيلية، بأنّ الإمامة انتقلت إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، فإذا علم الداعي ثبات هذا العقد في نفس المدعوّ، شرع في ثلب بقية الأئمة الذين قد اعتقد الإمامية فيهم الإمامة، وقرّر عند المدعوّ أنّ محمد بن إسماعيل عنده علم المستورات، وبواطن المعلومات التي لا يمكن أن توجد عند أحد غيره، وأنّ عنده أيضا علم التأويل، ومعرفة تفسير ظاهر الأمور، وعنده سرّ اللّه تعالى في وجه تدبيره المكتوم، وإتقان دلالته في كل أمر يسأل عنه في جميع المعدومات، وتفسير المشكلات، وبواطن الظاهر كله والتأويلات، وتأويل التأويلات، وأنّ دعاته هم: الوارثون لذلك كله من بين سائر طوائف الشيعة لأنهم أخذوا عنه، ومن جهته رووا، وإنّ أحدا من الناس المخالفين لهم لا يستطيع أن يساويهم، ولا يقدر على التحقق بما عندهم إلاّ منهم، ويحتج لذلك بما هو معروف في كتبهم مما لا يسع هذا الكتاب حكايته لطوله، فإذا انقاد المدعوّ، وأذعن لما تقرّر، نقله إلى الدعوة الرابعة. الدعوة الرابعة: لا يشرع الداعي في تقريرها حتى يتيقن صحة انقياد المدعوّ لجميع ما تقدّم، فإذا تيقن منه صحة الانقياد، قرّر عنده أنّ عدد الأنبياء الناسخين للشرائع المبدّلين لأحكامها، أصحاب الأدوار، وتقليب الأحوال، الناطقين بالأمور، سبعة فقط، كعدد الأئمة سواء، وكل واحد من هؤلاء الأنبياء لا بدّ له من صاحب يأخذ عنه دعوته، ويحفظها على أمّته، ويكون معه ظهيرا له في حياته، وخليفة له من بعد وفاته، إلى أن يبلغ شريعته إلى أحد يكون سبيله معه، كسبيله هو مع نبيه الذي اتبعه، ثم كذلك كل مستخلف خليفة إلى أن يأتي منهم على تلك الشريعة، سبعة أشخاص. ويقال لهؤلاء السبعة: الصامتون لثباتهم على شريعة اقتفوا فيها أثر واحد هو أوّلهم،

стр. 722

ويسمى الأوّل من هؤلاء السبعة: السوس، وأنه لا بدّ عند انقضاء هؤلاء السبعة، ونفاذ دورهم من استفتاح دور ثان يظهر فيه نبيّ ينسخ شرع من مضى من قبله، وتكون الخلفاء من بعده أمورهم تجري كأمر من كان قبلهم، ثم يكون من بعدهم نبيّ ناسخ يقوم من بعده سبعة صمت أبدا، وهكذا حتى يقوم النبيّ السابع من النطقاء، فينسخ جميع الشرائع التي كانت قبله، ويكون صاحب الزمان الأخير. فكان أوّل هؤلاء الأنبياء النطقاء: آدم ﵇، وكان صاحبه وسوسه ابنه شيث، وعدوّ إتمام السبعة الصامتين على شريعة آدم. وكان الثاني من الأنبياء النطقاء نوح ﵇ فإن نطق بشريعة، نسخ بها شريعة آدم، وكان صاحبه وسوسه ابنه سام، وتلاه بقية السبعة الصامتين على شريعة نوح. ثم كان الثالث من الأنبياء النطقاء إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه عليه، فإنه نطق بشريعة نسخ بها شريعة نوح وآدم ﵉، وكان صاحبه وسوسه في حياته، والخليفة القائم من بعده المبلغ شريعته ابنه إسماعيل ﵇، ولم يزل يخلفه صامت بعد صامت على شريعة إبراهيم، حتى تمّ دور السبعة الصمت. وكان الرابع من الأنبياء النطقاء: موسى بن عمران ﵇، فإنه نطق بشريعة نسخ بها شريعة آدم ونوح وإبراهيم، وكان صاحبه وسوسه أخوه هارون، ولما مات هارون في حياة موسى، قام من بعد موسى، يوشع بن نون خليفة له صمت على شريعته، وبلغها فأخذها عنه واحد بعد واحد إلى أن كان آخر الصمت على شريعة موسى، يحيى بن زكرياء وهو آخر الصمت. ثم كان الخامس من الأنبياء النطقاء المسيح عيسى ابن مريم صلوات اللّه عليه، فإنه نطق بشريعة نسخ بها شرائع من كان قبله، وكان صاحبه وسوسه: شمعون الصفا، ومن بعده تمام السبعة الصمت على شريعة المسيح. إلى أن كان السادس من الأنبياء النطقاء نبينا محمد ﷺ ، فإنه نطق بشريعة نسخ بها جميع الشرائع التي جاء بها الأنبياء من قبله، وكان صاحبه وسوسه عليّ بن أبي طالب ﵁، ثم من بعد عليّ ستة صمتوا على الشريعة المحمدية، وقاموا بميراث أسرارها، وهم: ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم محمد بن عليّ، ثم جعفر بن محمد، ثم إسماعيل بن جعفر الصادق، وهو آخر الصمت من الأئمة المستورين والسابع من النطقاء هو صاحب الزمان. وعند هؤلاء الإسماعيلية أنه: محمد بن إسماعيل بن جعفر وأنه الذي انتهى إليه علم الأوّلين، وقام بعلم بواطن الأمور وكشفها، وإليه المرجع في تفسيرها دون غيره، وعلى

стр. 723

جميع الكافة أتباعه والخضوع له، والانقياد إليه، والتسليم له، لأنّ الهداية في موافقته وأتباعه، والضلال والحيرة إلى في العدول عنه، فإذا تقرّر ذلك عند المدعوّ انتقل الداعي إلى الدعوة الخامسة. الدعوة الخامسة: مترتبة على ما قبلها، وذلك أنه إذا صار المدعوّ في الرتبة الرابعة من الاعتقاد أخذ الداعي يقرّر أنه لا بدّ مع كل إمام قائم في كل عصر حجج متفرّقون في جميع الأرض عليهم تقوم، وعدّة هؤلاء الحجج أبدا اثنا عشر رجلا في كل زمان كما أنّ عدد الأئمة سبعة، ويستدل لذلك بأمور منها: أنّ اللّه تعالى لم يخلق شيئا عبثا، ولا بدّ في خلق كل شيء من حكمة، وإلاّ فلم خلق النجوم التي بها قوام العالم سبعة، وجعل أيضا السماوات سبعا، والأرضين سبعا، والبروج اثني عشر، والشهور اثني عشر شهرا، ونقباء بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، ونقباء رسول اللّه ﷺ من الأنصار اثني عشر نقيبا، وخلق تعالى في كف كل إنسان أربع أصابع، وفي كل أصبع ثلاث شقوق تكون جملتها اثني عشر شقا، على أنه في يد كل إبهام شقان، دلالة على أنّ الإنسان بدنه كالأرض، وأصابعه كالجزائر الأربع والشقوق التي في الأصابع كالحجج، والإبهام الذي به قوام جميع الكف، وسداد الأصابع، كالذي يقوّم الأرض بقدر ما فيها، والشقان اللذان في الإبهام إشارة إلى أنّ الإمام وسوسة لا يفترقان، ولذلك صار في ظهر الإنسان: اثنتا عشرة خرزة، إشارة إلى الحجج الاثني عشر، وصار في عنقه: سبع، فكان العنق عاليا في خرزات الظهر، وذلك إشارة إلى الأنبياء النطقاء، والأئمة السبعة، وكذلك الأثقاب السبعة التي في وجه الإنسان العالي على بدنه، وأشياء من هذا النوع كثيرة، فإذا تمهد عند المدعوّ ما دعاه إليه الداعي، وتقرّر نقله حينئذ إلى الدعوة السادسة. الدعوة السادسة: لا تكون إلا بعد ثبوت جميع ما تقدّم في نفس المدعوّ، وذلك أنه إذا صار إلى الرتبة الخامسة، أخذ الداعي في تفسير معاني شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والحج والطهارة، وغير ذلك من الفرائض بأمور مخالفة للظاهر، بعد تمهيد قواعد تبين في أزمنة من غير عجلة تؤدّي إلى أنّ هذه الأشياء، وضعت على جهة الرموز لمصلحة العامة، وسياستهم حتى يشتغلوا بها عن بغي بعضهم على بعض، وتصدّهم عن الفساد في الأرض، حكمة من الناصبين للشرائع، وقوّة في حسن سياستهم لأتباعهم، وإتقانا منهم لما رتبوه من النواميس ونحو ذلك، حتى يتمكن هذا الاعتقاد في نفس المدعوّ، فإذا طال الزمان، وصار المدعوّ يعتقد أنّ أحكام الشريعة كلها وضعت على سبيل الرمز لسياسة العامّة، وأنّ لها معاني أخر غير ما يدل عليه الظاهر، ونقله الداعي إلى الكلام في الفلسفة، وحضه على النظر في كلام أفلاطون، وأرسطو، وفيثاغورس، ومن في معناهم، ونهاه عن قبول الأخبار، والاحتجاج بالسمعيات، وزين له الاقتداء بالأدلة العقلية، والتعويل عليها، فإذا استقرّ ذلك عنده واعتقده، نقله بعد ذلك إلى الدعوة السابعة، ويحتاج ذلك إلى زمان طويل.

стр. 724

الدعوة السابعة: لا يفصح بها الداعي ما لم يكثر أنسه بمن دعاه، ويتيقن أنه قد تأهل إلى الانتقال إلى رتبة أعلى مما هو فيه، فإذا علم ذلك منه قال: إنّ صاحب الدلالة، والناصب للشريعة، لا يستغني بنفسه، ولا بدّ له من صاحب معه يعبر عنه ليكون أحدهما الأصل والآخر عنه كان وصدر، وهذا إنما هو إشارة العام السفليّ، لما يحويه العالم العلويّ، فإنّ مدبر العالم في أصل الترتيب، وقوام النظام صدر عنه أوّل موجود بغير واسطة، ولا سبب نشأ عنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس/ ٨٢] إشارة إلى الأوّل في الرتبة، والآخر هو القدر الذي قال فيه: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر/ ٤٩] وهذا معنى ما نسمعه من أنّ اللّه: أوّل ما خلق القلم، فقال للقلم: اكتب، فكتب في اللوح ما هو كائن، وأشياء من هذا النوع موجودة في كتبهم، وأصلها مأخوذ من كلام الفلاسفة القائلين: الواحد لا يصدر عنه إلاّ واحد، وقد أخذ هذا المعنى المتصوّفة، وبسطوه بعبارات أخر في كتبهم، فإن كنت ممن ارتاض وعرف مقالات الناس تبين ذلك ما ذكرت، ولا يحتمل هذا الكتاب بسط القول في هذا المعنى، وإذا تقرّر ما ذكر في هذه الدعوة عند المدعوّ، نقله الداعي إلى الدعوة الثامنة. الدعوة الثامنة: متوقفة على اعتقاد سائر ما تقدّم، فإذا استقرّ ذلك عند المدعوّ، دينا له، قال له الداعي: اعلم أن أحد المذكورين اللذين هما مدبر الوجود والصادر عنه، إنما تقدّم السابق على اللاحق، تقدّم العلة على المعلول، فكانت الأعيان كلها ناشئة، وكائنة عن الصادر الثاني، بترتيب معروف في بعضهم، ومع ذلك فالسابق عندهم: لا اسم له، ولا صفة، ولا يعبر عنه، ولا يقيد فلا يقال هو موجود، ولا معدوم، ولا عالم، ولا جاهل، ولا قادر، ولا عاجز، وكذلك سائر الصفات، فإنّ الإثبات عندهم يقتضي شركة بينه وبين المحدثات، والتقي يقتضي التعطيل، وقالوا: ليس بقديم، ولا محدث، بل القديم أمره وكلمته والمحدث خلقه وفطرته، كما هو مبسوط في كتبهم، فإذا استقرّ ذلك عند المدعوّ قرر عنده الداعي، أن التالي يدأب في أعماله حتى يلحق بمنزلة السابق، وأنّ الصامت في الأرض يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة الناطق سواء، وأنّ الداعي يدأب في أعماله حتى يبلغ منزلة السوس، وحالة سواء. وهكذا تجري أمور العالم في أكواره وأدواره، ولهذا القول بسط كثير، فإذا اعتقده المدعوّ قرّر عنده الداعي أنّ معجزة النبيّ الصادق الناطق ليست غير أشياء ينتظم بها سياسة الجمهور، وتشمل الكافة مصلحتها بترتيب من الحكمة تحوي معاني فلسفية تنبئ عن حقيقة أنية السماء والأرض، وما يشتمل العالم عليه بأسره من الجواهر والأعراض، فتارة برموز يعقلها العالمون، وتارة بإفصاح يعرفه كل أحد، فينتظم بذلك للنبيّ شريعة يتبعها الناس، ويقرّر عنده أيضا أنّ القيامة، والقرآن، والثواب، والعقاب، معناها: سوى ما يفهمه

стр. 725

العامّة، وغير ما يتبادر الذهن إليه، وليس هو إلاّ حدوث أدوار عند انقضاء أدوار من أدوار الكواكب، وعوالم اجتماعاتها من كون، وفساد جاء على ترتيب الطباع، كما قد بسطه الفلاسفة في كتبهم، فإذا استقرّ هذا العقد عند المدعوّ، نقله الداعي إلى الدعوة التاسعة. الدعوة التاسعة: هي النتيجة التي يحاول الداعي بتقرير جميع ما تقدّم رسوخها في نفس من يدعوه، فإذا تيقن أنّ المدعوّ تأهل لكشف السرّ، والإفصاح عن الرموز أحاله على ما تقرّر في كتب الفلاسفة من علم الطبيعيات، وما بعد الطبيعة والعلم الإلهي، وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية، حتى إذا تمكن المدعوّ من معرفة ذلك، كشف الداعي قناعه وقال اذكر من الحدوث، والأصول رموز إلى معاني المبادئ، وتقلب الجواهر، وأنّ الوحي إنما هو صفاء النفس، فيجد النبيّ في فهمه ما يلقي إليه، ويتنزل عليه، فيبرزه إلى الناس، ويعبر عنه بكلام اللّه الذي ينظم به النبيّ شريعته بحسب ما يراه من المصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب حينئذ العمل بها إلاّ بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدهماء، بخلاف العارف، فإنه لا يلزمه العمل بها، ويكفيه معرفته، فإنها اليقين الذي يجب المصير إليه وما عدا المعرفة من سائر المشروعات، فإنما هي أثقال وآصار حملها الكفار أهل الجهالة لمعرفة الأعراض والأسباب. ومن جملة المعرفة عندهم: أن الأنبياء النطقاء أصحاب الشرائع، إنّما هم لسياسة العامّة، وإنّ الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصة، وإنّ الإمام إنما وجوده في العالم الروحاني، إذا صرنا بالرياضة في المعارف إليه، وظهوره الآن إنما هو ظهور أمره ونهيه على لسان أوليائه، ونحو ذلك مما هو مبسوط في كتبهم، وهذا حاصل علم الداعي، ولهم في ذلك مصنفات كثيرة، منها اختصرت ما تقدّم ذكره. ابتداء هذه الدعوة: إعلم أنّ هذه الدعوة منسوبة إلى شخص كان بالعراق يعرف: بميمون القدّاح، وكان من غلاة الشيعة، فولد ابنا عرف: بعبد اللّه بن ميمون، اتسع علمه وكثرت معارفه، وكاد أن يطلع على جميع مقالات الخليقة، فرتب له مذهبا، وجعله في تسع دعوات، ودعا الناس إلى مذهبه، فاستجاب له خلق، وكان يدعو إلى الإمام محمد بن إسماعيل، وظهر من الأهواز، ونزل بعسكر مكرّم، فصار له مال، واشتهرت دعاته، فأنكر الناس عليه، وهموا به ففرّ إلى البصرة، ومعه من أصحابه الحسين الأهوازيّ، فلما انتشر ذكره بها طلب، فصار إلى بلاد الشام، وأقام بسلمية، وبها ولد له ابنه أحمد، فقام من بعد أبيه عبد اللّه بن ميمون فسير الحسين الأهوازيّ داعية له إلى العراق، فلقي حمدان بن الأشعث المعروف: بقرمط بسواد الكوفة، فدعاه واستجاب له، وأنزله عنده، وكان من أمره ما هو مذكور في أخبار القرامطة من كتابنا هذا، عند ذكر المعز لدين اللّه معدّ، ثم إنه ولد لأحمد بن عبد اللّه: ابنه الحسين ومحمد المعروف: بأبي الشلعلع، فلما هلك أحمد خلفه ابنه الحسين، ثم قام من بعده أخوه أبو الشلعلع، وكان من أمرهم ما هو مذكور في موضعه، فانتشرت الدعاة في أقطار الأرض، وتفقهوا في الدعوة، حتى وضعوا فيها الكتب الكثيرة،

стр. 726

وصارت علما من العلوم المدوّنة، ثم اضمحلت الآن، وذهبت بذهاب أهلها، ولهذا يقال: إنّ أصل دعوة الإسماعيلية مأخوذ من القرامطة، ونسبوا من أجلها إلى الإلحاد. صفة العهد الذي يؤخذ على المدعوّ: وهو إنّ الداعي يقول لمن يأخذ عليه العهد ويحلفه: جعلت على نفسك عهد اللّه وميثاقه، وذمّة رسوله، وأنبيائه، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما أخذه على النبيين من عقد، وعهد، وميثاق إنك تستر جميع ما تسمعه، وسمعته، وعلمته، وتعلمه، وعرفته، ونعرفه من أمري، وأمر المقيم بهذا البلد لصاحب الحق الإمام الذي عرّفت إقراري له، ونصحي لمن عقد ذمّته، وأمور إخوانه وأصحابه وولده، وأهل بيته المطيعين له على هذا الدين، ومخالصته له من الذكور والإناث، والصغار والكبار، فلا تظهر من ذلك شيئا قليلا، ولا كثيرا، ولا شيئا يدل عليه إلا ما أطلقت لك أن تتكلم به، أو أطلقه لك صاحب الأمر المقيم بهذا البلد، فتعمل في ذلك بأمرنا ولا تتعدّاه، ولا تزيد عليه، وليكن ما تعمل عليه قبل العهد، وبعده بقولك، وفعلك أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وتشهد أن محمدا عبده ورسوله، وتشهد أن الجنة حقّ، وأن النار حقّ، وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور، وتقيم الصلاة لوقتها، وتؤتي الزكاة لحقها، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام، وتجاهد في سبيل اللّه حق جهاده على ما أمر اللّه به ورسوله، وتوالي أولياء اللّه، وتعادي أعداء اللّه، وتقوم بفرائض اللّه وسننه، وسنن رسول اللّه ﷺ وعلى آله الطاهرين ظاهرا وباطنا، وعلانية سرّا وجهرا فإنّ ذلك يؤكد هذا العهد، ولا يهدمه، ويثبته، ولا يزيله، ويقرّ به، ولا يباعده، ويشدّه، ولا يضعفه، ويوجب ذلك، ولا يبطله ويوضحه، ولا يعميه، كذلك هو الظاهر والباطن، وسائر ما جاء به النبييون من ربهم صلوات اللّه عليهم أجمعين على الشرائط المبينة في هذا العهد، جعلت على نفسك الوفاء بذلك، قل: نعم، فيقول المدعوّ: نعم. ثم يقول الداعي له: والصيانة له بذلك، وأداء الأمانة على أن لا تظهر شيئا أخذ عليك في هذا العهد في حياتنا، ولا بعد وفاتنا لا في غضب، ولا على حال رضى، ولا على رغبة، ولا في حال رهبة، ولا عند شدّة، ولا في حال رخاء، ولا على طمع، ولا على حرمان، تلقي اللّه على الستر لذلك، والصيانة له على الشرائط المبينة في هذا العهد، وجعلت على نفسك عهد اللّه وميثاقه، وذمّته وذمة رسوله ﷺ ، أن تمنعني وجميع من أسميه لك، وأثبته عندك مما تمنع منه نفسك، وتنصح لنا ولوليك وليّ اللّه نصحا ظاهرا وباطنا، فلا تخن اللّه ووليه، ولا أحدا من إخواننا وأوليائنا، ومن تعلم أنه منا بسبب في أهل ولا مال، ولا رأي، ولا عهد، ولا عقد تتأوّل عليه بما يبطله، فإن فعلت شيئا من ذلك، وأنت تعلم أنك قد خالفته، وأنت على ذكر منه فأنت بريء من اللّه خالق السماوات والأرض الذي سوّى خلقك، وألف تركيبك، وأحسن إليك في دينك ودنياك، وآخرتك، وتبرأ من رسله الأوّلين

стр. 727

والآخرين، وملائكته المقرّبين الكروبيين، والروحانيين والكلمات التامّات، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، وتبرأ من التوراة، والإنجيل، والزبور، والذكر الحكيم، ومن كل دين ارتضاه اللّه في مقدّم الدار الآخرة، ومن كل عبد ﵁، وأنت خارج من حزب اللّه، وحزب أوليائه وخذلك اللّه خذلانا بينا، يعجل لك بذلك النقمة والعقوبة، والمصير إلى نار جهنم التي ليس لله فيها رحمة، وأنت بريء من حول اللّه وقوّته، وملجأ إلى حول نفسك، وقوّتك، وعليك لعنة اللّه التي لعن اللّه بها إبليس، وحرّم عليه بها الجنة وخلده في النار، إن خالقت شيئا من ذلك، ولقيت اللّه يوم تلقاه، وهو عليك غضبان، وللّه عليك أن تحج إلى بيته الحرام ثلاثين حجة حجا واجبا ماشيا حافيا، لا يقبل اللّه منك إلاّ الوفاء بذلك، وكل ما تملك في الوقت الذي تخالفه فيه، فهو صدقة على الفقراء والمساكين الذين لا رحم بينك، وبينهم لا يأجرك اللّه عليه، ولا يدخل عليك بذلك منفعة وكل مملوك لك من ذكر وأنثى في ملكك، أو تستفيده إلى وقت وفاتك إن خالفت شيئا من ذلك، فهم أحرار لوجه اللّه ، وكل امرأة لك أو تتزوّجها إلى وقت وفاتك إن خالفت شيئا من ذلك، فهنّ طوالق ثلاثا بتة، طلاق الحرج لا مثوبة لك، ولا خيار، ولا رجعة، ولا مشيئة، وكل ما كان لك من أهل ومال وغيرهما، فهو عليك حرام، وكل ظهار فهو لازم لك، وأنا المستحلف لك لإمامك، وحجتك، وأنت الحالف لهما، وإن نوت أو عقدت أو أضمرت، خلاف ما أحملك عليه، وأحلفك به، فهذه اليمين من أوّلها إلى آخرها مجدّدة عليك لازمة لك، لا يقبل اللّه منك، إلاّ الوفاء بها والقيام بما عاهدت بيني وبينك. قل: نعم، فيقول: نعم، ولهم مع ذلك وصايا كثيرة أضربنا عنها خشية الإطالة وفيما ذكرناه كفاية لمن عقل.

стр. 728

الدواوين وكانت دواوين الدولة الفاطمية لما قدم المعز لدين اللّه إلى مصر، ونزل بقصره في القاهرة، محلها بدار الإمارة من جوار الجامع الطولونيّ. فلما مات المعز، وقلد العزيز بالله الوزارة، ليعقوب بن كلس نقل الدواوين إلى داره، فلما مات يعقوب نقلها العزيز بعد موته إلى القصر، فلم تزل به إلى أن استبدّ الأفضل بن أمير الجيوش، وعمر دار الملك بمصر فنقل إليها الدواوين، فلما قتل عادت من بعده إلى القصر، وما زالت هناك حتى زالت الدولة. قال في كتاب الذخائر والتحف: وحدّثني من أثق به، قال: كنت بالقاهرة يوما من شهور سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقد استفحل أمر المارقين، وقويت شوكتهم، وامتدّت أيديهم إلى أخذ الذخائر المصونة في قصر السلطان بغير أمره، فرأيت وقد دخل من باب الديلم أحد أبواب القصور المعمورة الزاهرة المعروف بتاج الملوك شادي، وفخر العرب عليّ بن ناصر الدولة بن حمدان، ورضي الدولة بن رضي الدولة، وأمير الأمراء بحتكين ابن بسكتكين، وأمير العرب بن كيغلغ والأعز بن سنان، وعدّة من الأمراء أصحابهم البغداديين وغيرهم، وصاروا في الإيوان الصغير، فوقفوا عند ديوان الشام لكثرة عددهم وجماعتهم، وكان معهم أحد الفرّاشين المستخدمين برسم القصور المعمورة، فدخلوا إلى حيث كان الديوان النظريّ في الديوان المذكور، وصحبتهم فعلة، وانتهوا إلى حائط مجيّر، فأمروا الفعلة بكشف الجير عنه، فظهرت حنية باب مسدود، فأمروا بهدمه، فتوصلوا منه إلى خزانة، ذكر أنها عزيزية من أيام العزيز بالله فوجدوا فيها من السلاح ما يروق الناظر، ومن الرماح العزيزية المطلية أسنتها بالذهب، ذات مهارك فضة مجراة بسواد ممسوح، وفضة بياض ثقيلة الوزن عدّة رزم، أعوادها من الزان الجيد، ومن السيوف المجوهرة النصول ومن النشاب الخلنجيّ وغيره، ومن الدرق اللمطيّ، والجحف التينيّ وغير ذلك، ومن الدروع المكلل سلاح بعضها والمحلّى بعضها بالفضة المركبة عليه، ومن التخافيف، والجواشن، والكراعيدات الملبسة ديباجا المكوكبة بكواكب فضة، وغير ذلك، مما ذكر أنّ قيمته تزيد على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك بعد صلاة المغرب. ولقد شاهدت بعض حواشيهم، وركابياتهم يكسرون الرماح، ويتلفون بذلك أعوادها

стр. 729

الزان، ليأخذوا المهارك الفضة ومنهم من يجعل ذلك في سراويله، وعمامته، وجيبه، ومنهم من يستوهب من صاحب السيف الثمين، وكان فيها من الرماح الطوال الخطية السمر الجياد عدّة، حملوا منها ما قدروا عليه، وبقي منها ما كسره الركابية، ومن يجري مجراهم كانوا يبيعونه للمغازليين، ولصناع المرادن، حتى كثر هذا الصنف بالقاهرة، ولم تعترضهم الدولة، ولا التفتت إلى قدر ذلك، ولا احتفلت به، وجعلته هو وغيره فداء لأموال المسلمين، وحفظا لما في منازلهم. ديوان المجلس قال ابن الطوير: ديوان المجلس، هو أصل الدواوين قديما، وفيه علوم الدولة بأجمعها، وفيه عدّة كتاب، ولكل واحد مجلس مفرد، وعنده معين أو معينان، وصاحب هذا الديوان، هو المتحدّث في الإقطاعات، ويلحق بديوان النظر ويخلع عليه وينشأ له السجل، وله المرتبة والمسند والدواة والحاجب إلى غير ذلك. قال: ذكر خدمهم الخاصة المتصلة بهم، فأوّلها دفتر المجلس، وصاحبه من الأستاذين المحنكين، ثم يتولاه أجلّ كتاب الدولة ممن يكون مترشحا لرأس الدواوين، ويتضمن ذلك الدفتر، وله مكان ديوان بالقصر الباطن من الإنعام في العطايا، والظاهر من الرسوم المعروفة في غرّة السنة، والضحايا والمرتب من الكسوات للأولاّد، والأقارب والجهات، وأرباب الرتب على اختلاف الطبقات، وما يرد من ملوك الدنيا من التحف والهدايا، وما يرسل إليهم من الملاطفات، ومقادير الصلات للمترسلين بالمكاتبات، وما يخرج من الأكفان لمن يموت من أرباب الجهات المحترمات، ثم يضبط ما ينفق في الدولة من المهمات ليعلم ما بين كل سنة من التفاوت، فالصرّة المنعم بها في أوّل العام من الدنانير، والرباعية والقراريط تقرب من ثلاثة آلاف دينار، وثمن الضحايا يقرّب من ألفي دينار، وما ينفق في دار الفطرة فيما يفرّق على الناس سبعة آلاف دينار، وما ينفق في دار الطراز للاستعمالات الخاص، وغيرها في كل سنة عشرة آلاف دينار، وما ينفق في مهمّ فتح الخليج غير المطاعم ألفا دينار، وما ينفق في شهر رمضان في سماطه ثلاثة آلاف دينار، وما ينفق في سماطي الفطر، والنخر أربعة آلاف دينار، وهذا خارج عما يطلق للناس أصنافا من خزائنه من المآكل والمشارب والمواصلة من الهبات، وما تخرج به الخطوط من التشريفات (١)، والمسامحات (٢)، وما يطلق من الأهراء من الغلات حتى لا يفوتهم علم شيء من هذه المطلقات، وفي هذه الخدمة كاتب مستقل بين يدي صاحب ديوانه الأصليّ، ومعه

стр. 730

كاتبان آخران لتنزيل ذلك في الدفتر، والدفتر عبارة عن جرائد مسطوحات ينزل ذلك فيها في أوقاته من غير فوات. قال: وإذا انقضى عيد النحر من كل سنة تقدّم بعمل الاستيمار لتلك السنة تمام ذي الحجة منها، فيجتمع كتاب ديوان الرواتب عند متوليه، وتحمل العروض إليه، فإذا تحرّرت نسخة التحرير: بيّضت بعد أن يستدعي من المجلس أوراق بالإدرار الذي يقبض بغير حرج، وفي الإدرار ما هو مستقرّ بالوجهين، فيضاف هذا المبلغ بجهاته إلى المبالغ المعلومة بديوان الرواتب وجهاتها، حتى لا يفوت من الاستيمار شيء من كل ما تقرّر شرحه، ويعلم مقداره عينا وورقا، وغلة وغير ذلك، فيحرّر ذلك كله بأسماء المرتزقين، وأوّلهم: الوزير، ومن يلوذ به، وعلى ذلك إلى أن ينتهي الجميع إلى أرباب الضرّ، فإذا تكمل استدعى له من خزانة الفرش وطاء حرير لشدّه، وشرابة لمسكه، إمّا خضراء أو حمراء، ويعمل له صدر من الكلام اللائق بما بعده، وهذا كله خارج عن الكسوات المطلقة لأربابها، والرسوم المعدّة في كل سنة، وما يحمل من دار الفطرة من الأصناف برسم عيد الفطر، وعما يشهد به دفتر المجلس من العطايا الخافية والرسوم، وقد انعقد مرّة، وأنا أتولى ديوان الرواتب على ما مبلغه نيف ومائة ألف دينار أو قريب من مائتي ألف دينار، ومن القمح والشعير على عشرة آلاف أردب، فإذا فرغ من مسكه في الشرابة حمل إلى صاحب ديوان النظر إن كان، وإلاّ فلصاحب ديوان المجلس ليعرضه على الخليفة، إن كان يعني مستبدّا أو الوزير لاستقبال المحرّم من السنة الآتية في أوقات معلومة، فيتأخر في العرض، وربما يستوعب المحرّم ليحيط العلم بما فيه، فإذا كمل العرض أخرج إلى الديوان، وقد شطب على بعضه، وكانوا يتحرّجون من الإقامات على مال الدولة التي لا أصل لها، وعلى غير متوفر، ويتنجزها أربابها بالمستقبلات على الخلفاء والوزراء، وينقص قوم للاستكثار، ويزاد قوم للاستحقاق، ويصرف قوم، ويستخدم آخرون على ما تقتضيه الآراء في ذلك الوقت، ثم يسلم لرب هذا الديوان فيحمل الأمر على ما شطب عليه، وعلامة الإطلاق خروجه من العرض. وقيل: إنه عمل مرّة في أيام المستنصر بالله، فلما استؤذن على عرضه، قال: هل وقع أحد بما فيه غيرنا؟ قيل له: معاذ اللّه يا مولانا، ما تمّ إنعام إلاّ لك، ولا رزق إلاّ من اللّه على يديك، فقال: ما ينقص به أمرنا، ولا خطنا، وما صرفناه في دولتنا بإذننا، وتقدّم إلى وليّ الدولة بن جبران كاتب الإنشاء بإمضائه للناس من غير عرض، وحمل الأمر على حكمه، ووقع عن الخليفة بظاهره: الفقر مرّ المذاق، والحاجة تذل الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق، فليجروا على رسومهم في الإطلاق ما عندكم ينفد، وما عند اللّه باق. ووقع في خلافة الحافظ لدين اللّه على استيمار الرواتب ما نصه: أمير المؤمنين لا يستكثر في ذات اللّه كثيرا لإعطاء، ولا يكدّره بالتأخير له، والتسويف، والإبطاء، ولما انتهى

стр. 731

إليه ما أرباب الرواتب عليه من القلق للامتناع من إيجاباتهم، وحمل خروجاتهم، قد ضعفت قلوبهم، وقنطت نفوسهم، وساءت ظنونهم، شملهم برحمته ورأفته، وأمنهم مما كانوا وجلين من مخافته، وجعل التوقيع بذلك بخط يده تأكيدا للإنعام والمنّ، وتهنئة بصدقة لا تتبع بالأذى والمنّ، فليعتمد في ديوان الجيوش المنصورة إجراء ما تضمنت هذه الأوراق ذكرهم على ما ألفوه، وعهدوه من رواتبهم، وإيجابها على سياقها لكافتهم من غير تأوّل، ولا تعنت ولا استدراك ولا تعقب وليجروا في نسبياتهم على عادتهم لا ينقض من أمرهم ما كان مبرما، ولا ينسخ من رسمهم ما كان محكما، كرما من أمير المؤمنين، وفعلا مبرورا، وعملا بما أخبر به في قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان/ ٩] ولينسخ في جميع الدواوين بالحضرة إن شاء اللّه تعالى. وقال في كتاب كنز الدرر: إن في سنة ست وأربعمائة: عرض على الحاكم بأمر اللّه الاستيمار باسم المتفقهين، والقرّاء، والمؤذنين بالقاهرة ومصر، وكانت الجملة في كل سنة: أحدا وسبعين ألف دينار، وسبعمائة، وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثي دينار وربع دينار، فأمضى جميع ذلك. وقال ابن المأمون: وأما الاستيمار، فبلغني ممن أثق به أنه كان في الأيام الأفضلية اثني عشر ألف دينار، وصار في الأيام المأمونية لاستقبال سنة ست عشرة، وخمسمائة ستة عشر ألف دينار، وأما تذكر الطراز، فالحكم فيها مثل الاستيمار، والشائع فيها أنها كانت تشمل في الأيام الأفضلية على أحد وثلاثين ألف دينار، ثم اشتملت في الأيام المأمونية على ثلاثة وأربعين ألف دينار، وتضاعفت في الأيام الآمرية، وعرض روزنامج بما أنفق عينا من بيت المال في مدّة أوّلها محرّم سنة سبع وعشرة وخمسمائة، وآخرها: سلخ ذي الحجة منها في العساكر المسيرة لجهاد الفرنج برّا، والأساطيل بحرا، والمنفق في أرباب النفقات من الحجرية والمصطيعية والسودان على اختلاف قبوضهم، وما ينصرف برسم خزانة القصور الزاهرة، وما يبتاع من الحيوان برسم المطابخ، وما هو برسم منديل الكمّ الشريف في كل سنة، مائة دينار، والمطلق في الأعياد والمواسم، وما ينعم به عند الركوبات من الرسوم والصدقات، وعند العود منها، وثمن الأمتعة المبتاعة من التجار على أيدي الوكلاء والمطلق برسم الرسل، والضيوف، ومن يصل متسأمنا، ودار الطراز، ودار الديباج، والمطلق برسم الصلاة والصدقات، ومن يعتدي للإسلام، وما ينعم به على الولاة عند استدامهم في الخدم، ونفقات بيت المال، والعمائر وهو من العين: أربعمائة ألف وثمانية وستون ألفا، وسبعمائة وسبعة وتسعون دينارا ونصف من جملة: خمسمائة ألف وسبعة وستين وألفا، ومائة وأربعين دينارا ونصف، يكون الحاصل بعد ذلك مما يحمل إلى الصناديق الخاص برسم المهمات لما يتجدّد من تسفير العساكر، وما يحمل إلى الثغور عند نفاد ما بها: ثمانية وتسعين ألفا، ومائة وسبعة وتسعين دينارا وربعا وسدسا، ولم يكن يكتب من بيت المال وصول، ولا مجرى ولا

стр. 732

تعرّف، وذلك خارج عما يحمل مشاهرة برسم الديوان المأمونيّ، والأجلاء إخوته، وأولاده، وما أنعم به على ما تضمنت اسمه مشاهرة من الأصحاب، والحواشي، وأرباب الخدم، والكتاب، والأطباء، والشعراء، والفرّاشين الخاص والجوق، والمؤدبين، والخياطين، والرفائين، وصبيان بيت المال، ونوّاب الباب، ونقباء الرسائل، وأرباب الرواتب المستقرّة من ذوي النسب، والبيوتات والضعفاء، والصعاليك من الرجال والنساء عن مشاهرتهم، ستة عشر ألفا، وستمائة واثنان وثمانون دينارا وثلثا دينار يكون في السنة: مائتي ألف ومائة دينار، فتكون الجملة سبمائة ألف وسبعة وستين ألفا ومائتين وأربعة وتسعين دينارا ونصفا. قال: وفي هذا الوقت، يعني شوّال، سنة سبع عشرة وخمسمائة: وقعت مرافعة في أبي البركات بن أبي الليث متولي ديوان المجلس صورتها المملوك يقبل الأرض، وينهى إنه ما واصل إنهاء حال هذا الرجل، وما يعتمده لأنه أهل أن ينال خدمته، وإنما هي نصيحة تلزمه في حق سلطانه، وقد حصل له من الأموال والذخائر ما لا عدد له ولا قيمة عليه، ويضرب المملوك عن وجوه الجناية التي هي ظاهرة، لأن السلطان لا يرضى بذكرها في عالي مجلسه ولا سماعها في دولته، وله ولأهله مستخدمون في الدولة ست عشرة سنة بالجاري الثقيل لكل منهم. ويذكر المملوك ما وصلت قدرته إلى علمه، ما هو باسمه خاصة دون من هو مستخدم في الدواوين من أهله، وأصحابه، ويبدأ بما باسمه مياومة إدرارا من بيت المال، والخزائن ودار التعبية، والمطابخ، وشون الحطب، وهو ما يبين برسم البقولات والتوابل: نصف دينار، ومن الضأن: رأس واحد، ومن الحيوان: ثلاثة أطيار، ومن الحطب: حملة واحدة، ومن الدقيق: خمسة وعشرون رطلا، ومن الخبز: عشرون وظيفة، ومن الفاكهة: ثمرة زهرة قصريتان وشمامة، وفي كل اثنين وخميس من السماط بقاعة الذهب: طيفور (١) خاص وصحن من الأوائل، وخمسة وعشرون رغيفا من الخبز الموائدي والسميذ، وفي كل يوم أحد وأربعاء من الأسمطة بالدار المأمونية مثل ذلك، وفي كل يوم سبت وثلاثاء من أسمطة الركوبات: خروف مشويّ، وجام حلوى ورباعي عنبا، ويحضر إليه في كل يوم من الإصطبلات بغلة بمركوب محلى وبغلة برسم الراجل، وفراشين من الجوق برسم خدمته، وتبيت على بابه، وإذا خرج من بين يدي السلطان في الليل، كان له شمعة من الموكبيات توصله إلى داره وزنها: سبعة عشر رطلا، ولا تعود، وبرسم ولده: في كل يوم ثلاثة أرطال لحم، وعشرة أرطال دقيق، وفي أيام الركوبات رباعي، والمشاهرة جاري ديوان الخاص،

стр. 733

والمجلس برسمه: مائة وعشرون دينارا، وبرسم ولده: راتبا عشرة دنانير وأثبت أربعة غلمان نصارى، ونسبهم للإسلام في جملة المستخدمين في الركاب، ولم يخدموا لا في الليل، ولا في النهار بما مبلغه سبعة دنانير، ومن السكر خمسة عشر رطلا، ومن عسل النحل: عشرة أرطال، ومن قلب الفستق: ثلاثة أرقال، وقلب البندق: خمسة أرطال، وقلب اللوز: أربعة أرطال، وورد مربى: رطلان، زيت طيب: عشرة أرطال، شيرج: خمسة أرطال، زيت حار: ثلاثون رطلا، خل: ثلاث جرار، أرز: نصف ويبة، سماق: أربعة أرطال، حصرم وكشك، وحب رمّان، وقراصيا بالسوية: اثنا عشر رطلا، سدر وأشنا: ويبة، ومن الكيزان: عشرون شربة عزيزية وثلجية واحدة، ومن الشمع ست شمعات منهنّ: اثنتان منويات، وأربعة رطليات، والمسانهة في بكور الغرّة برسم الخاصة: خمسة دنانير، وخمسة رباعية، وعشرة قراريط جدد، وبرسم ولده: دينار ورباعي، وثلاثة قراريط، وخروف مقموم، وخمسة أرؤس، وربع قنطار خبز برماذق، وصحن أرز بلبن وسكر، ومن السماط بالقصر في اليوم المذكور خروف شواء، وزبادي، وجام حلوى والخبز، وقطعة منفوخ، ومن القمح: ثلثمائة أردب، ومن الشعير: مائة وخمسون أردبا. وفي المواليد الأربعة: أربع صواني فطرة، وكسوة الشتاء، برسمه خاصة منديل حريري وشقة ديبقيّ حرير وشقة ديباج، ورداء أطلس، وشقة ديباج داري، وشقتان سقلاطون إحداهما اسكندرانية وشقتان عتابيّ وشقتان خز مغربيّ، وشقتان اسكندرانيّ، وشقتان دمياطيّ، وشقة طلي مرش، وفوطة خاص. وبرسم ولده: شقة سقلاطون داري، وشقة عتابيّ داري، وشقة خز مغربيّ، وشقتان دمياطيّ، وشقتان اسكندرانيّ، وشقة طلي وفوطة. وبرسم من عنده: منديلا كم أحدهما خزائنيّ خاص، ونصفي أردية ديبقي، وشقة سقلاطون داري وشقة عتابيّ، وشقة سوسيّ، وشقة دمياطيّ، وشقتان اسكندرانيّ، وفوطة، وبرسمه أيضا في عيد الفطر: طيفوران، فطرة مشورة، ومائة حبة بوري، وبدلة مذهبة مكملة، ولولده: بدلة حرير، وبرسم من عنده حلة مذهبة، وفي عيد النحر: رسمه مثل عيد الفطر، ويزيد عنه هبة مائة دينار، ولولده: مثل عيد الفطر وزيادة عشرة دنانير، ويساق إليه من الغنم ما لم يكن باسمه. وفي موسم فتح الخليج: أربعون دينارا، وصينية فطرة، وطيفور خاص من القصر، وخروف شواء، وحام حلواء، وبرسم ولده: خمسة دنانير، ولخاصه في النوروز: ثلاثون دينارا، وشقة ديبقي حريري، وشقة لاذ ومعجر حريري، ومنديل كم حريري، وفوطة، ومائة بطيخة، وسبعمائة حبة رمان، وأربعة عناقيد موز، وفرد بسر وثلاثة أقفاص تمر قوصيّ، وقفصان سفرجل، وثلاث بكالي هريسة، واحدة بدجاج، وأخرى بلحم ضان،

стр. 734

والثالثة بلحم بقريّ، وأربعون رطلا خبز برماذق، ولولده: خمسة دنانير وحوائج النوروز بما تقدّم ذكره، وبرسم الغيطاس: خمسمائة حبة ترنج ونارنج وليمون مركب، وخمسة عشر طنّ قصب، وعشر حبات بوري، وباسمه في عيد الغدير من السماط بالقصر مثل عيد النحر، وله هبة عن رسم الخلع من المجلس المأمونيّ، يعني مجلس الوزارة ثلاثون دينارا، ولولده خمسة دنانير، ومن تكون هذه رسومه في أيّ وجه تنصرف أمواله، والذي باسم أخيه نظير ذلك، وكذلك صهره في ديوان الوزارة وابن أخيه في الديوان التاجيّ، ووجوه الأموال من كل جهة واصلة إليهم، والأمانة مصروفة عنهم. وقد اختصر المملوك فيما ذكر، والذي باسمه أكثر، وإذا أمر بكشف ذلك من الدواوين تبين صحة قول المملوك، وعلم أنه ممن يتجنب قول المحال، ولا يرضاه لنفسه سيما أن رفعه إلى المقام الكريم، وشنع ذلك بكثرة القول فيهم، وعرّض بالقبض عليهم، وأوجب على نفسه أنه يثبت في جهاتهم من الأموال التي تخرج عن هذا الإنعام ما يجده حاضرا مدخورا عند من يعرفه مائة ألف دينار، فلم يسمع كلامه إلى أن ظهر الراهب في الأيام الآمرية، فوجد هو وغيره الفرصة فيهم، وكثر الوقائع عليهم، فقبض عليهم عن آخرهم، ومن يعرفهم، وأخذ منهم الجملة الكبيرة، ثم بعد ذلك عادوا إلى خدمهم بما كان من أسمائهم، وتجدّد من جاههم، وانتقامهم من أعدائهم أكثر مما كان أوّلا، انتهى. فانظر أعزك اللّه إلى سعة أحوال الدولة من معلوم رجل واحد من كتاب دواوينها، يتبين لك بما تقدّم ذكره في هذه المرافعة من عظم الشأن وكثر العطاء، ما يكون دليلا على باقي أحوال الدولة. ديوان النظر قال ابن الطوير: أما دواوين الأموال، فإنّ أجلّها من يتولى النظر عليهم، وله العزل، والولاية، ومن يده عرض الأوراق في أوقات معروفة على الخليفة أو الوزير، ولم ير فيه نصرانيّ، إلاّ الأحزم، ولم يتوصل إليه إلاّ بالضمان، وله الاعتقال بكل مكان يتعلق بنوّاب الدولة، وله الجلوس بالمرتبة، والمسند، وبين يديه حاجب من أمراء الدولة، وتخرج له الدواة بغير كرسي، وهو يندب المترسلين لطلب الحساب، والحث على طلب الأموال، ومطالبة أرباب الدولة، ولا يعترض فيما يقصده من أحد من الدولة. ديوان التحقيق هو ديوان مقتضاه المقابلة على الدواوين، وكان لا يتولاه إلاّ كاتب خبير، وله الخلع المرتبة، والحاجب، ويلحق برأس الديوان يعني متولي النظر، ويفتقر إليه في أكثر الأوقات. وقال ابن المأمون: وفي هذه السنة يعني سنة إحدى وخمسمائة: فتح ديوان المجلس،

стр. 735

قال: ولما كثرت الأموال عند ابن أبي الليث صاحب الديوان، رغب في التبجح على الأفضل بن أمير الجيوش ينهضه، ويسأله أن يشاهده قبل حمله، وذكر أنه سبعمائة ألف دينار خارجا عن نفقات الرجال، فجعلت الدنانير في صناديق بجانب، والدراهم في صناديق بجانب، وقام ابن أبي الليث بين الصفين، فلما شاهد الأفضل بن أمير الجيوش ذلك، قال لابن أبي الليث: يا شيخ تفرّحني بالمال؟ وتربة أمير الجيوش إن بلغني أن بئرا معطلة، أو أرضا بائرة، أو بلدا خراب، لأضربنّ عنقك، فقال: وحق نعمتك لقد حاشا اللّه أيامك أن يكون فيها بلد خراب، أو بئر معطلة، أو أرض بور، فأبى أن يكشف عما ذكر انتهى. وقتل ابن أبي الليث في سنة ثمان عشرة وخمسمائة. ديوان الجيوش والرواتب قال ابن الطوير: أما الخدمة في ديوان الجيوش، فتنقسم قسمين: الأوّل ديوان الجيش، وفيه مستوف أصيل ولا يكون إلاّ مسلما، وله مرتبة على غيره لجلوسه بين يدي الخليفة داخل عتبة باب المجلس، وله الطرّاحة، والمسند، وبين يديه الحاجب، وترد عليه أمور الأجناد، له العرض والحلي والثياب. ولهذا الديوان خازنان برسم رفع الشواهد، وإذا عرض أحد الأجناد، ورضي به عرض دوابه، فلا يثبت له إلاّ الفرس الجيد من ذكور الخيل، وإناثها، ولا يترك لأحد منهم برذون ولا بغل، وإن كان عندهم البراذين والبغال، وليس لهم تغيير أحد من الأجناد إلاّ بمرسوم، وكذلك إقطاعهم، ويكون بين يدي هذا المستوفي: نقباء الأمراء ينهون إليه متجدّدات الأجناد من الحياة والموت والمرض والصحة، وكان قد فسح للأجناد في مقايضة بعضهم بعضا في الإقطاع بالتوقيعات بغير علامة، بل بتخريج صاحب ديوان المجلس، ومن هذا الديوان تعمل أوراق أرباب الجرايات، وما كان لأمير، وإن علا قدره بلد مقور إلاّ نادرا. وأما القسم الثاني من هذا الديوان: فهو ديوان الرواتب، ويشتمل على أسماء كل مرتزق، وجار، وجارية، وفيه كاتب أصيل بطرّاحة، وفيه من المعينين والمبيضين نحو عشرة أنفس والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمرّ، ومباشرة من استجدّ، وموت من مات ليوجب استحقاقه على النظام المستقيم. وفي هذا الديوان عدّة عروض، العرض الأوّل: يشتمل على راتب الوزير، وهو في الشهر خمسة آلاف دينار، ومن يليه من ولد، وأخ من ثلثمائة دينار إلى مائتي دينار، ولم يقرّر لولد وزير خمسمائة دينار سوى شجاع بن شاور، المنعوت: بالكامل، حواشيهم على مقتضى عدّتهم، من خمسمائة إلى أربعمائة إلى ثلثمائة خارجا عن الإقطاعات. العرض الثاني حواشي الخليفة، وأوّلهم: الأستاذون المحنكون على رتبهم، وجواري

стр. 736

خدمهم التي لا يباشرها سواهم، فزمام القصر، وصاحب بيت المال، وحامل الرسالة، وصاحب الدفتر، ومشاد التاج، وزمام الأشراق الأقارب، وصاحب المجلس لكل واحد منهم: مائة دينار في كل شهر، ومن دونهم ينقص عشرة دنانير حتى يكون آخرهم من له في كل شهر عشرة دنانير، وتزيد عدّتهم على ألف نفس، ولطبيبي الخاص لكل واحد: خمسون دينارا، ولمن دونهما من الأطباء برسم المقيمين بالقصر، لكل واحد عشرة دنانير. العرض الثالث: يتضمن أرباب الرتب بحضرة الخليفة، فأوّله كاتب الدست الشريف، وجارية: مائة وخمسون دينارا، ولكل واحد من كتابه ثلاثون دينارا، ثم صاحب الباب وجارية: مائة وعشرون دينارا، ثم حامل السيف وحامل الرمح لكل منهما: سبعون دينارا وبقية الأزمّة على العساكر والسودان: من خمسين إلى أربعين دينارا إلى ثلاثين دينارا. العرض الرابع: يشتمل على المستقرّ لقاضي القضاة، ومن يلي قاضي القضاة: مائة دينار، وداعي الدعاة: مائة دينار، ولكل من قرّاء الحضرة: عشرون دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة، والخطباء الجوامع: من عشرين دينارا إلى عشرة، وللشعراء من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير. العرض الخامس: يشتمل على أرباب الدواوين، ومن يجري مجراهم، وأوّلهم: من يتولى ديوان النظر وجاريه: سبعون دينارا، وديوان التحقيق جاريه: خمسون دينارا، وديوان المجلس: أربعون دينارا، وصاحب دفتر المجلس: خمسة وثلاثون دينارا، وكاتبه: خمسة دنانير، وديوان لجيوش وجاريه: أربعون دينارا، والموقع بالقلم الجليل: ثلاثون دينارا، ولجميع أصحاب الدواوين الجاري فيها المعاملات لكل واحد: عشرون دينارا، ولكل معين: من عشرة دنانير إلى سبعة إلى خمسة دنانير. العرض السادس: يشتمل على المستخدمين بالقاهرة ومصر لكل احد من المستخدمين في ولاية القاهرة، وولاية مصر في الشهر: خمسون دينارا، والحماة بالإهراء، والمناخات والجوالي والبساتين، والأملاك وغيرها لكل منهم: من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة إلى خمسة دنانير. العرض السابع: الفرّاشون بالقصور برسم خدمها وتنظيفها خارجا وداخلا ونصب الستائر المحتاج إليها، وخدمة المناظر الخارجة عن القصر، فمنهم خاص برسم خدمة الخليفة، وعدّتهم: خمسة عشر رجلا منهم: صاحب المائدة، وحامي المطابخ: من ثلاثين دينارا إلى ما حولها، ولهم رسوم متميزة، ويقربون من الخليفة في الأسمطة التي يجلس عليها، ويليهم الرشاشون داخل القصر وخارجه، ولهم عرفاء، ويتولى أمرهم أستاذ من خواص الخليفة وعدّتهم: نحو الثلاثمائة رجل، وجار بهم: من عشرة دنانير إلى خمسة دنانير.

стр. 737

العرض الثامن: صبيان الركاب، وعدّتهم: تزيد على ألفي رجل، ومقدّموهم أصحاب ركاب الخليفة، وعدّتهم: اثنا عشر مقدّما، منهم: مقدّم المقدّمين، وهو صاحب الركاب اليمين، ولكل من هؤلاء المقدّمين في كل شهر: خمسون دينارا، ولهم نقباء من جهة المذكورين يعرفونهم وهم مقرّرون جوقا على قدر جواريهم، جوقة لكل منهم: خمسة عشر دينارا، وجوقة لكل منهم: عشرة دنانير، وجوقة لكل منهم: خمسة دنانير، ومنهم من ينتدب في الخدم السلطانية، ويكون لهم نصيب في الأعمال التي يدخلونها، وهم الذين يحملون الملحقات لركوب الخليفة في المواسم وغيرها. وأوّل من قرّر العطاء لغلمانه، وخدمه، وأولادهم الذكور والإناث، ولنسائهم، وقرّر لهم أيضا الكسوة: العزيز (١) بالله نزار بن المعز. ديوان الإنشاء والمكاتبات وكان لا يتولاه إلاّ أجل كتاب البلاغة، ويخاطب: بالشيخ الأجل، ويقال له: كاتب الدست الشريف، ويسلم المكاتبات الواردة مختومة، فيعرضها على الخليفة من بعده، وهو الذي يأمر بتنزيلها، والإجابة عنها للكتاب، والخليفة يستشيره في أكثر أموره، ولا يحجب عنه متى قصد المثول بين يديه، وهذا أمر لا يصل إليه غيره، وربما بات عند الخليفة ليالي وكان جاريه: مائة وعشرين دينارا في الشهر، وهو أوّل أرباب الإقطاعات، وأرباب الكسوة، والرسوم والملاطفات ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه بالقصر، ولا يجتمع بكتابه أحد إلاّ الخواص، وله حاجب من الأمراء الشيوخ، وفرّاشون وله المرتبة الهائلة، والمخادّ، والمسند، والدواة لكنها بغير كرسيّ، وهي من أخص الدوى، ويحملها أستاذ من أستاذي الخليفة. التوقيع بالقلم الدقيق في المظالم وكان لا بدّ للخليفة من جليس يذاكره ما يحتاج إليه من كتاب اللّه، وتجويد الخط، وأخبار الأنبياء، والخلفاء، فهو يجتمع به في أكثر الأيام، ومعه أستاذ من المحنكين مؤهل لذلك، فيكون الأستاذ ثالثهما، ويقرأ على الخليفة ملخص السير، ويكرّر عليه: ذكر مكارم الأخلاق، وله بذلك رتبة عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست، ويكون صحبته للجلوس دواة محلاة، فإذا فرغ من المجالسة، ألقي في الدواة كاغد: فيه عشرة دنانير، وقرطاس: فيه

стр. 738

ثلاثة مثاقيل ندّ مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله على الخليفة ثاني مرة، وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق، وله طرّاحة، ومسند، وفرّاش يقدّم إليه ما يوقع عليه، وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات، لا يدخل إليه أحد إلاّ بإذن، وهو يلي صاحب ديوان المكاتبات في الرسوم، والكساوي وغيرها. التوقيع بالقلم الجليل وهي رتبة جليلة، ويقال لها: الخدمة الصغرى، ولها الطرّاحة، والمسند بغير حاجب، بل الفرّاش لترتيب ما يوقع فيه. مجلس النظر في المظالم كانت الدولة إذا خلت من وزير صاحب سيف، جلس صاحب الباب في باب الذهب (١) بالقصر، وبين يديه النقباء والحجاب، فينادي المنادي بين يديه: يا أرباب الظلامات، فيحضرون، فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة والقضاة رسالة بكشفها، ومن تظلم ممن ليس من أهل البلدين أحضر قصة بأمره، فيتسلمها الحاجب منه، فإذا جمعها أحضرها إلى الموقع بالقلم الدقيق، فيوقع عليها، ثم تحمل إلى الموقع بالقلم الجليل، فيبسط ما أشار إليه الموقع الأوّل، ثم تحمل في خريطة إلى الخليفة، فيوقع عليها، ثم تخرج في الخريطة إلى الحاجب، فيقف على باب القصر، ويسلم كل توقيع لصاحبه، فإن كان وزيره صاحب سيف: جلس للمظالم بنفسه، وقبالته: قاضي القضاة، ومن جانبيه شاهدان معتبران، ومن جانب الوزير: الموقع بالقلم الدقيق، ويليه: صاحب ديوان المال، وبين يديه صاحب الباب واسفهسلار العساكر، وبين أيديهما النوّاب، والحجاب على طبقاتهم، ويكون الجلوس بالقصر في مجلس المظالم في يومين من الأسبوع، وكان الخليفة إذا رفعت إليه القصة، وقع عليها: يعتد ذلك إن شاء اللّه تعالى، ويوقع في الجانب الأيمن منها، يوقع بذلك، فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس، فيوقع عليها جليلا، ويخلي مكان العلامة فيعلم عليها الخليفة وتثبت، وكانت علامتهم أبدا: الحمد للّه رب العالمين، وكان الخليفة يوقع في المسامحة، والتسويغ والتحبيس: قد أنعمنا بذلك، وقد أمضينا ذلك، وكان إذا أراد أن يعلم ذلك الشيء الذي أنهي وقع ليخرج الحال في ذلك، فإذا أحضر إليه إخراج الحال، علم عليه فإن كان حينئذ وزير وقع الخليفة بخطه، وزيرنا السيد الأجل وذكر نعته المعروف به أمتعنا اللّه ببقائه يتقدّم بنجاز ذلك إن شاء اللّه تعالى، فيكتب الوزير تحت خط

стр. 739

الخليفة: يمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، ويثبت في الدواوين. رتب الأمراء كان أجل خدم الأمراء: أرباب السيوف، خدم الباب، ويقال لمتولي هذه الخدمة: صاحب الباب، وينعت أوّلا بالمعظم، وأوّل من خدم بها: المعظم خمرتاش في أيام الخليفة الحافظ، وكان من العقلاء، وناب عن الحافظ في مرضه، فلما عوفي أراده على الوزارة، فامتنع، وله نائب يقال له: النائب، وتسمى الخدمة فيها: بالنيابة الشريفة ومقتضاها أنها مميزة، ولا يليها إلاّ أعيان العدول، وأرباب العمائم، وينعت أبدا بعدي الملك، وهو الذي يتلقى الرسل الواصلة من الدول، ومعه نوّاب الباب في خدمته، ويحفظهم ينزلهم بالأماكن المعدّة لهم، ويقدّمهم للسلاح على الخليفة، والوزير مع صاحب الباب، فيكون صاحب الباب يمينا، وهو يسار، ويتولى افتقادهم، والحث على ضيافتهم، ولا يمكن من التقصير في حقوقهم، واجتماع الناس بهم، والاطلاع على ما جاؤوا فيه، ولا من ينقل الأخبار إليهم، ويلي رتبة صاحب الباب، الإسفهسلار، وهو زمام كل زمام، وإليه أمور الأجناد، ثم يليه حامل سيف الخليفة أيام الركوب بالمظلة واليتيمة، ثم من يزم طائفتي الحافظية، والآمرية، وهما وجه الأجناد، وهؤلاء أرباب الأطواق، ويليهم: أرباب القصب، والعماريات، وهي الأعلام، ثم زي الطوائف، ثم من يترشح لذلك من الأماثل وكانت الدولة لا تسند ذلك إلاّ إلى أرباب الشجاعة، والنجدة، ولهذا دخل فيه أخلاط الناس من الأرمن والروم وغيرهم، وعلى ذلك كان عملهم لا للزينة والتباهي. قاضي القضاة وكان من عادة الدولة، أنه إذا كان وزير: رب سيف، فإنه يقلد القضاء رجلا نيابة عنه، وهذا إنما حدث من عهد أمير الجيوش بدر الجماليّ، وإذا كان الخليفة مستبدّا قلد القضاء رجلا، ونعته بقاضي القضاة، وتكون رتبته أجل رتب أرباب العمائم، وأرباب الأقلام، ويكون في بعض الأوقات داعيا، فيقال له حينئذ: قاضي القضاة، وداعي الدعاة ولا يخرج شيء من الأمور الدينية عنه، ويجلس السبت والثلاثاء، بزيادة جامع عمرو بن العاص بمصر على طرّاحة ومسند حرير. فلما ولي ابن عقيل القضاء، رفع المرتبة والمسند، وجلس على طرّاحات السامان، فاستمرّ هذا الرسم ويجلس الشهود حواليه يمنة ويسرة بحسب تاريخ عدالتهم، وبين يديه خمسة من الحجاب اثنان بين يديه، واثنان على باب المقصورة، وواحد ينفذ الخصوم إليه، وله أربعة من الموقعين بين يديه: اثنان يقابلان اثنين، وله كرسيّ الدواة، وهي دواة محلاة

стр. 740

بالفضة تحمل إليه من خزائن القصور، ولها حامل بجامكية (١) في الشهر على الدولة، ويقدّم له من الإصطبلات برسم ركوبه على الدوام: بغلة شهباء، وهو مخصوص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة، وعليها من خزانة السروج، سرج محلي ثقيل وراء دفتر فضة، ومكان الجلد حرير، وتأتيه في المواسم الأطواق، ويخلع عليه الخلع المذهبة بلا طبل، ولا بوق إلاّ إذا ولي الدعوة مع الحكم، فإنّ للدعوة في خلعها الطبل، والبوق، والبنود الخاص وهي نظير البنود التي يشرّف بها الوزير صاحب السيف، وإذا كان للحكم خاصة كان حواليه القرّاء رجالة، وبين يديه المؤذنون يعلنون بذكر الخليفة، والوزير إن كان، ثم ويحمل بنوّاب الباب والحجاب، ولا يتقدّم عليه أحد في محضر هو حاضره من رب سيف وقلم، ولا يحضر لأملاك ولا جنازة إلا بإذن، ولا سبيل إلى قيامه لأحد، وهو في مجلس الحكم ولا يعدّل شاهد إلاّ بأمره، ويجلس بالقصر في يومي الاثنين والخميس، أوّل النهار للسلام على الخليفة، ونوّابه لا يفترون عن الأحكام، ويحضر إليه وكيل بيت المال، وكان له النظر في ديوان الضرب لضبط ما يضرب من الدنانير فكان يحضر مباشرة التغليق بنفسه، ويختم عليه، ويحضر لفتحه، وكان القاضي لا يصرف إلاّ بجنحة، ولا يعدّل أحد إلاّ بتزكية عشرين شاهدا: عشرة من مصر، وعشرة من القاهرة، ورضي الشهود به، ولا يحتمي أحد على الشرع ومن فعل ذلك أدب. قاعة الفضة وهي من جملة قاعات القصر. قاعة السدرة كانت بجوار المدرسة، والتربة الصالحية، واشتراها قاضي القضاة: شمس الدين محمد بن ابراهيم بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور المقدسيّ الحنبليّ، مدرس الحنابلة بالمدرسة الصالحية: بألف وخمسة وتسعين دينارا في رابع شهر ربيع الآخر: سنة ستين وستمائة من كمال الدين ظافر بن الفقيه نصر وكيل بيت المال، ثم باعها شمس الدين المذكور للملك الظاهر بيبرس في حادي عشري ربيع الآخر المذكور، وكان يتوصل إليها من باب البحر. قاعة الخيم كانت شرقيّ قاعة السدرة، وقد دخلت قاعة السدرة، وقاعة الخيم في مكان المدرسة الظاهرية العتيقة.
следующие страницы →