الإحسان، وأمر الخليفة بإحضار الخلع لحاجب الحجاب حسام الملك، وطوّق بطوق ذهب، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، ثم أمر بالخلع للشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة باستمراره على ما بيده من كتابة الدست الشريف، وشرفه بالدخول إلى مجلس الخليفة، ثم استدعى الشيخ أبا البركات بن أبي الليث، وخلع عليه بدلة مذهبة، وكذلك أبو الرضى سالم ابن الشيخ أبي الحسن، وكذلك أبو المكارم أخوه، وأبو محمد أخوهما، ثم أبو الفضل بن الميدميّ، ووهبه دنانير كثيرة بحكم أنه الذي قرأ السجل، وخلع على الشيخ أبي الفضائل بن أبي الليث، صاحب دفتر المجلس، ثم استدعى عدي الملك سعيد بن عماد الضيف متولي أمور الضيافات، والرسل الواصلين إلى الحضرة من مجلس الأفضل، ولا يصل لعتبته أحد لا حاجب الحجاب، ولا غيره سوى عدي الملك هذا، فإنه كان يقف من داخل العتبة، وكانت هذه الخدمة في ذلك الوقت من أجل الخدم وأكبرها، ثم عادت من أهون الخدم، وأقلها، فعند ذلك قال القاضي أبو الفتح بن قادوس: يمدح الوزير المأمون عند مثوله بين يديه وقد زيد في نعوته:
قالوا أتاه النعت وهو السيد ال … مأمون حقا والأجلّ الأشرف
ومغيث أمة أحمد ومجيرها … ما زادنا شيئا على ما نعرف
قال: ولما استمرّ حسن نظر المأمون للدولة، وجميل أفعاله، بلغ الخليفة الآمر بأحكام اللّه، فشكره وأثنى عليه فقال له المأمون: ثمّ كلام يحتاج إلى خلوة، فقال الخليفة:
تكون في هذا الوقت، وأمر بخلوّ المجلس، فعند ذلك مثل بين يدي الخليفة، وقال له: يا مولانا امتثالنا الأمر صعب، ومخالفته أصعب، وما يتسع خلافه قدّام أمراء دولته، وهو في دست خلافته، ومنصب آبائه وأجداده، وما في قواي ما يرومه مني، ويكفيني هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير، فعند ذلك تغير الخليفة، وأقسم إن كان لي وزير غيرك، وهو في نفسي من أيام الأفضل، وهو مستمرّ على الاستعفاء، إلى أن بان له التغير في وجه الخليفة، وقال: ما اعتقدت أنك تخرج عن أمري، ولا تخالفني فقال له المؤمون عند ذلك:
لي شروط، وأنا أذكرها، فقال له: مهما شئت اشترط، فقال له: قد كنت بالأمس مع الأفضل وكان قد اجتهد في النعوت، وحل المنطقة، فلم أفعل فقال الخليفة: علمت ذلك في وقته، قال: وكان أولاده يكتبون إليه بما يعلمه مولاي من كوني قد خنته في المال والأهل، وما كان واللّه العظيم ذلك مني يوما قط، ثم مع ذلك معاداة الأهل جميعا والأجناد، وأرباب الطيالس، والأقلام، وهو يعطيني كل رقعة تصل إليه منهم، وما سمع كلام أحد منهم فيّ، فعند ذلك، قال له الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته إيش يكون فعلي أنا، فقال المأمون: يعرّفني المولى ما يأمر به، فأمتثله بشرط أن لا يكون عليه زائد، فأوّل ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تجبى إلا بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز والثغور إلاّ إليه، ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه، ويوسع في رواتب
стр. 807
القصور من كل صنف وزيادة رسم منديل الكمّ، فعند ذلك قال له المأمون: سمعا وطاعة، أما الكسوات والجباية من الأسمطة، فما تكون إلاّ بالقصور، وأما توسعة الرواتب فما ثم من يخالف الأمر، وأما زيادة رسم منديل الكم، فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين دينارا، يكون في كل يوم مائة دينار، ومولانا سلام اللّه عليه يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الركوبات، وأسمطة الأعياد، وغيرها في سائر الأيام، ففرح الخليفة، وعظمت مسرّته، ثم قال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخط أمير المؤمنين، ويقسم لي فيه بآبائه الطاهرين أن لا يلتفت لحاسد، ولا مبغض، ومهما ذكر فيّ يطلعني عليه، ولا يأمر فيّ بأمر سرّا، ولا جهرا، يكون فيه ذهاب نفسي، وانحطاط قدري، وهذه الإيمان باقية إلى وقت وفاتي فإذا توفيت تكون لأولادي، ولمن أخلفه بعدي، فحضرت الدواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد اللّه تعالى في آخرها على نفسه، فعندما حصل الخط بيد المأمون وقف، وقبل الأرض، وجعله على رأسه، وكان الخط بالأيمان نسختين: إحداهما في قصبة فضة، قال: فلما قبض على المأمون في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة أنفذ الخليفة الآمر بأحكام اللّه يطلب الإيمان، فنفذ له التي في القصبة الفضة، فحرّقها لوقتها، وبقيت النسخة الأخرى عندي، فعدمت في الحركات التي جرت.
وقال ابن ميسر: في حوادث سنة خمس عشرة وخمسمائة، وفيها: تشرّف القائد أبو عبد اللّه محمد ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري المعروف: بابن البطائحيّ في الخامس من ذي الحجة، وكان قبل ذلك عند الأفضل استاداره، وهو الذي قدّمه إلى هذه المرتبة، واستقرّت نعوته في سجله المقرّر على كافة الأمراء، والأجناد بالأجل المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا، ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجل المأمون أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين.
ولما كان يوم الثلاثاء التاسع من ذي الحجة، وهو يوم الهناء بعيد النحر، جلس المأمون في داره عند أذان الصبح، وجاء الناس لخدمته للهناء على طبقاتهم من أرباب السيوف، والأقلام، ثم الأمراء، والأستاذون المحنكون، والشعراء بعدهم، فركب إلى القصر، وأتى باب الذهب، فوجد المرتبة المختصة بالوزارة، وقد هيئت له في موضعها الجاري به العادة، وأغلق الباب الذي عندها على الرسم المعتاد لوزراء السيوف والأقلام، وهذا الباب يعرف: بباب السرداب، فعند ما شاهد الحال في المرتبة توقف عن الجلوس عليها، لأنها حالة لم يجر معه حديث فيها، ثم ألجأته الضرورة لأجل حضور الأمراء إلى الجلوس فجلس عليها، وجلس أولاده الثلاثة عن يمينه، وأخواه عن يساره، والأمراء المطوّقون خاصة دون غيرهم قيام بين يديه، فإنه لا يصل أحد إلى هذا المكان سواهم، فلم يكن بأسرع من أن فتح الباب، وخرج عدّة من الأستاذين المحنكين بسلام أمير المؤمنين،
стр. 808
وخرج إليه الأمير الثقة متولي الرسالة، وزمام القصور، فعند حضوره وقف له أولاد المأمون، وأخواه فطلع عند خروجه قبالة المرتبة، وقال أمير المؤمنين يردّ على السيد الأجل المأمون السلام، فوقف عند ذلك المأمون، وقبل الأرض، وعاد فجلس مكانه، وتأخر الأمير إلى أن نزل من المصطبة، وقبل الأرض، وقبل يد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب على حاله على ما كان عليه الأفضل، وكان الأفضل يقول: ما أزال أعدّ نفسي سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة، والباب يغلق في وجهي والدخان في أنفي، فإن الحمام كانت من حلف الباب في السرداب، ثم فتح الباب، وعاد الثقة، وأشار بالدخول إلى القصر فدخل إلى المكان الذي هيئ له، وعاد لمجلس الوزارة، وبقي الأمراء بالدهاليز إلى أن جلس الخليفة.
واستفتح القرّاء، واستدعى المأمون، فحضر بين يديه وسلم عليه أولاده، وإخوته وأحلّ الأمراء على قدر طبقاتهم، أوّلهم: أرباب الأطواق، ويليهم أرباب العماريات، والأقصاب، ثم الضيوف والأشراف، ثم دخل ديوان المكاتبات وسلم بهم الشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة، ثم ديوان الإنشاء، وسلم بهم الشريف ابن أنس الدولة، ثم بقية الطالبيين من الأشراف، ثم سلم القاضي ابن الرسعنيّ بشهوده والداعي ابن عبد الحق بالمؤمنين، ثم سلم القائد مقبل مقدّم الركاب الآمري، بجميع المقدّمين الآمرية، ثم سلم بعدهم الشيخ أبو البركات بن أبي الليث متولي ديوان المملكة ثم دخل الأجناد من باب البحر، وسلم كل طائفة بمقدّمها، فلما انقضى ذلك دخل والي القاهرة، ووالي مصر وسلم كل منهما ببياض أهل البلدين.
ثمّ دخل البطرك بالنصارى، وفيهم كتاب الدولة من النصارى، ورئيس اليهود، ومعه الكتاب من اليهود، ثم سلم المقربون، وقد قارب القصر، ودخل الشعراء على طبقاتهم، وأنشد كل منهم ما سمحت به قريحته.
قال: فكان هذا رتبة الوزير المأمون، قال ابن المأمون: وأما ما قرّر للوزارة عينا في الشهر بغير إيجاب بل يقبض من بيت المال، فهو ثلاثة آلاف دينار. تفصيلها: ما هو على حكم النيابة في العلامة: ألف دينار، وما هو على حكم الراتب: ألف وخمسمائة دينار، وما هو عن مائة غلام برسم مجلسه، وخدمته لكل غلام: خمسة دنانير في الشهر، فأما الغلمان الركابية، وغيرهم من الفرّاشين والطباخين، فعلى حكم ما يرغب في إثباته، وفي السنة من الإقطاعات: خمسون ألف دينار منها: دهشور، وجزيرة الذهب، وبقية الجملة صفقات، ومن البساتين ثلاثة: بستان لأمير تميم، وبستانان بكوم أشفين.
ومن القوت يعني القمح، ومن القضم يعني الشهير والبرسيم في السنة: عشرون ألف إردب قمحا وشعيرا، ومن الغنم برسم مطابخه، ساقه من المراحات ثمانية آلاف رأس، وأما
стр. 809
الحيوان والأحطاب، وجميع التوابل العال منها والدون، فمهما استدعاه متولي المطابخ يطلق من دار أفتكين، وشون الأحطاب، وغير ذلك، وقد تقدّم مقرّر كسوة الوزارة في العيدين، وفصلي الشتاء والصيف، وموسم عيد الغدير وفتخ الخليج، وغير ذلك من غرّتي شهر رمضان، وأوّل العام وغيره، كما سيرد في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء اللّه تعالى.
وقد استقصيت سير الوزراء في كتابي الذي سميته تلقيح العقول، والآراء في تنقيح أخبار الجلة الوزراء. فانظره.
ذكر الحجر (١) التي كانت برسم الصبيان الحجرية
وكان بجوار دار الوزارة مكان كبير يعرف: بالحجر: جمع حجرة فيها الغلمان المختصون بالخلفاء، كما أدركنا بالقلعة البيوت التي كان يقال لها: الطباق، وكانت هذه الحجر من جانب حارة الجوّانية، وإلى حيث المسجد الذي يعرف: بمسجد القاصد تجاه باب الجامع الحاكميّ الذي يفضي إلى باب النصر، فمن حقوق هذه الحجر: دار الأمير بهادر اليوسفيّ السلاحدار الناصريّ، التي تجاور المسجد الكائن على يمنة من سلك من باب الجوّنية طالبا باب النصر، ومنها الحوض المجاور لهذه الدار، ودار الأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاون، والمسجد المعروف بالنخلة، وما بجواره من القاعتين اللتين تعرف إحداهما: بقاعة الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ، وما في جانبها إلى مسجد القاصد، وما وراء هذه الدور، وكان لهؤلاء الحجرية: إصطبل برسم دوابهم سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
وما زالت هذه الحجر باقية بعد انقضاء دولة الخلفاء الفاطميين إلى ما بعد السبعمائة، فهدمت وابتنى الناس مكانها الأماكن المذكورة.
قال ابن أبي طيّ: عن المعز لدين اللّه، وجعل كل ماهر في صنعة صانعا للخاص، وأفرد لهم مكانا برسمهم، وكذلك فعل بالكتاب والأفاضل، وشرط على ولاة الأعمال عرض أولاد الناس بأعمالهم، فمن كان ذا شهامة، وحسن خلقة أرسله ليخدم في الركاب، فسيروا إليه عالما من أولاد الناس، فأفرد لهم دورا، وسماها الحجر.
وقال ابن الطوير: وكوتب الأفضل بن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج، فاهتمّ للتوجه إليها، فلم يبق ممكنا من مال وسلاح، وخيل ورجال واستناب أخاه المظفر:
стр. 810
أبا محمد جعفر بن أمير الجيوش بدر بين يدي الخليفة مكانه، وقصد استنفاذ الساحل من يد الفرنج، فوصل إلى عسقلان، وزحف عليها بذلك العسكر، فخذل من جهة عسكره، وهي نوبة النصة، وعلم أنّ السبب في ذلك من جنده، ولما غلب حرّق جميع ما كان معه من الآلات، وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم فقال: يخاطب صنجل ملك الفرنج:
نصرت بسيفك دين المسيح … فللّه درك من صنجل
وما سمع الناس فيما رووه … بأقبح من كسرة الأفضل
فتوصل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر، ولم ينتفع بعد هذه النوبة أحد من الأجناد بالأفضل، وحظر عليهم النعوت ولم يسمع لأحد منهم كلمة، وأنشأ سبع حجر، واختار من أولاد الأجناد ثلاثة آلاف راجل، وقسمهم في الحجر، وجعل لكل مائة زمانا، ونقيبا، وزم الكل بأمير يقال له: الموفق، وأطلق لكل منهم ما يحتاج إليه من خيل وسلاح، وغيره.
وعني بهؤلاء الأجناد، فكان إذا دهمه أمر مهمّ جهزهم إليه مع الزمام الأكبر.
وقال ابن المأمون: وكان من جملة الحجرية الذين يحضرون السماط رجل يعرف بابن زحل، وكان يأكل خروفا كبيرا مشويا، ويستوفيه إلى آخره، ثم يقدّم له صحن كبير من القصور المعمولة بالسكرة، وجميع صنوف الحيوانات على اختلاف أجناسها، ما لم يعمل قط مثله من الأطعمة، فيأكل معظمه، وكان يقعد في طرف المدوّرة، حتى يكون بالقرب من نظر الخليفة، لا لميزته، وكان من الأجناد وأسر في أيام الأفضل، وقيده الفرنجيّ الذي أسره، وعذبه وطالت مدّته في الأسر، وكان فقيرا، فاتفق أن ذكر للفرنجيّ كثرة أكله، فأراد أن يمتحنه، فقال له: أحضر لي عجلا أكبر عجل عندكم آكله إلى آخره، فضحك منه الفرنجيّ، ونقص عقله وأتاه بعجل كبير، ويقال: بخنزير، فقال له: اذبحه واشوه وائتني معه بجرّة خل، ثم قال: إذا أكلته ما يكون لي عندك، فغلط الفرنجيّ، وقال له: أطلقك حتى تمضي إلى أهلك، فاستحلفه على ذلك، وغلظ عليه اليمين، وأحضر الفرنجيّ عدّة من أصحابه ليشاهدوا فعله، فلما استوفى العجل جميعه صلّب كل من الحاضرين على وجهه وتعجب من فعله، وأطلقه، فقال: أخاف من أن يعتقد أنني هربت فأرد إليكم، فأحضر الفرنجيّ من العربان من سلمه إليهم، ولم يشعر به إلاّ بباب عسقلان، فطلع منها، وأعفي بعد ذلك من السفر، وبقي برسم الأسمطة.
وقال ابن عبد الظاهر: الحجر قريب من باب النصر، وهو مكان كبير في صف دار الوزارة إلى جانبه باب القوس الذي يسمى: باب النصر قديما على يمنة الخارج من القاهرة، كان تربى فيه جماعة من الشباب يسمون: صبيان الحجر، يكونون في جهات متعدّدة، وهم يناهزون خمسة آلاف نسمة، ولكل حجرة اسم تعرف به، وهي المنصورة، والفتح والجديدة، وغير ذلك مفردة لهم، وعندهم سلاحهم، فإذا جرّوا خرج كل منهم لوقته لا
стр. 811
يكون له ما يمنعه، وكانوا في ذلك على مثال الذؤابة، والأستار، وكانوا إذا سمى الرجل منهم: بعقل وشجاعة خرج من هناك إلى الأمرة، أو التقدمة مثل عليّ بن السلار، وغيره، ولا يأوي أحد منهم إلا بحجرته بفرسه، وعدّته وقماشه، وللصبيان الحجرية حجرة مفردة، عليهم أستاذون يبيتون عندهم، وخدّام برسمهم.
ذكر المناخ السعيد
وكان من وراء القصر الكبير فيما يلي ظهر دار الوزارة الكبرى والحجر: المناخ، وهو موضع برسم طواحين القمح التي تطحن جرايات القصور، وبرسم مخازن الأخشاب، والحديد ونحو ذلك.
قال ابن الطوير: وأما المناخات ففيها من الحواصل، ما لا يحصره، إلاّ القلم من الأخشاب، والحديد، والطواحين النجدية، والغشيمة، وآلات الأساطيل من الأسلحة المعمولة بيد الفرنج القاطنين فيه، والقنب، والكتان، والمنجنيقات المعدّة، والطواحين الدائرة برسم الجرايات المقدّم ذكرها، والزفت في المخازن الذي عليه الأتربة، ولا ينقطع إلاّ بالمعاول، وقد أدركت هذه الدولة، يعني دولة بني أيوب منه شيئا كثيرا في هذا المكان انتفع به، وإليه يأوي الفرنج في بيوت برسمهم، وكانت عدّتهم كثيرة، ففيه من النجارين والجزارين، والدهانين والخبازين والخياطين، والفعلة، ومن العجانين، والطحانين في تلك الطواحين، والفرّانين في أفران الجرايات، وفي هذا المكان مادّة أكثر أهل الدولة، وحامية أمير من الأمراء ومشارفه من العدول، وفيه أيضا شاهد النفقات، وعامل يتولى التنفيذ مع المشارف، وعامل برسم نظم الحساب من تعلقاتهما بجار غير جواريهم، لأنّ أوقاتهم مستغرقة في مباشرة الإطلاقات وغيرها، وذكر ابن الطوير: أن المأمون بن البطائحيّ استجدّ طواحين برسم الرواتب.
ذكر اصطبل الطارمة (١)
الطارمة: بيت من خشب، وهو دخيل، وكان بجوار القصر الكبير، تجاه باب الديلم من شرقيّ الجامع الأزهر اصطبل.
قال ابن الطوير: وكان لهم اصطبلان أحدهما يعرف بالطارمة يقابل قصر الشوك، والآخر بحارة زويلة يعرف بالجميزة.
стр. 812
وكان للخليفة الحاضر ما يقرب من ألف رأس في كل اصطبل، النصف من ذلك منها، ما هو برسم الخاص، ومنها ما يخرج برسم العواري لأرباب الرتب، والمستخدمين دائما، ومنها ما يخرج أيام المواسم، وهي التغيرات المتقدّم ذكر إرسالها لأرباب الرتب، والخدم، والمرتب لكل اصطبل منها لكل: ثلاثة أرؤس سائس واحد ملازم، ولكل واحد منها: شدّاد برسم تسييرها، وفي كل اصطبل بئر بساقية، تدور إلى أحواض، ومخازن فيها الشعير، والأقراط اليابسة المحمولة من البلاد إليها، ولكل عشرين رجلا من السّواس: عريف يلتزم دركهم بالضمان لأنهم الذين يتسلمون من خزائن السروج المركبات بالحلي، ويعيدونها إليها كما تقدّم ذكره في خزائن السروج ولكل من الاصطبلين: رائض كأمير أخور، ولهما ميرة، وجامكية متسعة، وللعرفاء على السّواس ميرة، وللجماعات الجرايات من القمح، والخبز خارجا عن الجامكيات، فإذا بقي لأيام المواسم التي يركب فيها الخليفة بالمظلة مدّة أسبوع أخرج إلى كل رائض في الإصطبل مع أستاذ مظلة ديبقيّ مركبة على قنطارية مدهونة، ويختص الرائض على ما يركبه الخليفة إما فرسين أو ثلاثة، وعليهما المركبات الحلي التي يركبها الخليفة، فيركبها الرائض بحائل بينه وبين السرج، ويركب الأستاذ بغلة مظلة، ويحمل تلك المظلة، ويسير في براح الاصطبل، وفيه سعة عظيمة مارّا، وعائدا وحولها البوق والطبل، فيكرّر ذلك عدّة دفعات في كل يوم مدّة ذلك الأسبوع، ليستقرّ ما يركبه الخليفة من الدواب على ذلك، ولا ينفر منه في حال الركوب عليه، فيعمل كذلك في كل اصطبل من الاصطبلين، والدواب البغلة التي تتهيأ، هي التي يركبها الخليفة، وصاحب المظلة يوم الموسم، ولا يختل ذلك.
ويقال: إنه ما راثت دابة ولا بالت، والخليفة راكبها، ولا بغلة صاحب المظلة أيضا إلى حين نزولهما عنهما، وكان في الساحل بطريق مصر من القاهرة في البساتين المنسوبة إلى ملك صارم الدين حللبا: شونتان مملوءتان تبنا معبيتان كتعبيته في المراكب كالجبلين الشاهقين، ولهما مستخدمون حام، ومشارف، وعامل بجامكية جيدة تصل بذلك المراكب التبانة المؤهلة له، من موظف الأتبان بالبلاد الساحلية وغيرها، مما يدخل إليه في أيام النيل، ولها رؤساء، وأمرها جار في ديوان العمائر، والصناعة، والإنفاق منها بالتوقيعات السلطانية للاصطبلات المذكورة وغيرها من الأواسي الديوانية، وعوامل بساتين الملك، وإذا جرى بين المستخدمين خلف في الشنف التبن المعتبر، عادوا إلى قبضه بالوزن، فيكون الشنف التبن: ثلثمائة وستين رطلا بالمصريّ، نقيا وإذا أنفقوا دريسا قد تغيرت صورة قته كان عن القتة اثنا عشر رطلا، ولم يزل ذلك كذلك إلى آخر وقته، ومما يخبر عنهم أنهم لم يركبوا حصانا أدهم قط، ولا يرون إضافته إلى دوابهم بالاصطبلات، وقال ابن عبد الظاهر:
اصطبل الطارمة: كان اصطبلا للخليفة، فلما زالت تلك الأيام اختط وبنى آدرا.
стр. 813
ذكر دار الضرب (١) وما يتعلق بها
وكان بجوار خزانة الدرق التي هي اليوم: خان مسرور الكبير، دار الضرب، وموضعها حينئذ كان بالقشاشين التي تعرف اليوم: بالخرّاطين، وصار مكان دار الضرب اليوم: درب يعرف بدرب: الشمسيّ في وسط سوق السقطيين المهامزيين، وباب هذا الدرب: تجاه قيسارية العصفر، فإذا دخلت هذا الدرب، فما كان على يسارك من الدور فهو موضع دار الضرب، وبجوارها دار الوكالة الحافظية، فجعلت الحوانيت التي على يمنة من سلك من رأس الخرّاطين تجاه سوق العنبر طالبا الجامع الأزهر في ظهر دار الضرب، وأنشأ هذه الحوانيت، وما كان يعلوها من البيوت الأمير المعظم: خمرتاش الحافظيّ، وجعلها وقفا، وقال في كتاب وقفها: وحدّ هذه الحوانيت الغربيّ ينتهي إلى دار الضرب، وإلى دار الوكالة، وقد صارت هذه الحوانيت الآن من جملة أوقاف المدرسة الجمالية مما اغتصب من الأوقاف، وما زالت دار الضرب هذه في الدولة الفاطمية باقية إلى أن استبدّ السلطان صلاح الدين، فصارت دار الضرب حيث هي اليوم، كما تقدّم ذكره، وكان لدار الضرب المذكورة في أيامهم أعمال ويعمل بها دنانير الغرّة، ودنانير خميس العدس، ويتولاها قاضي القضاة لجلالة قدرها عندهم.
قال ابن المأمون: وفي شوّال منها، وهي سنة ست عشرة وخمسمائة أمر الأجل ببناء دار الضرب بالقاهرة المحروسة لكونها مقرّ الخلافة وموطن الإمامة، فبنيت بالقشاقشين:
قبالة المارستان، وسميت بالدار الآمرية، واستخدم لها العدول، وصار دينارها أعلى عيارا من جميع ما يضرب بجميع الأمصار، انتهى.
وكانت دار الضرب المذكورة تجاه المارستان، فكان المارستان، بجوار خزانة الدرق، فما عن يمينك الآن إذا سلكت من رأس الخرّاطين، فهو موضع دار الضرب، ودار الوكالة هكذا إلى الحمام التي بالخرّاطين، وما وراءها، وما عن يسارك، فهو موضع المارستان.
قال ابن عبد الظاهر: في أيام المأمون بن البطائحي وزير الآمر بأحكام اللّه بنيت دار الضرب في القشاشين قبالة المارستان الذي هناك وسميت بالدار الآمرية.
دار العلم الجديدة (٢): وكان بجوار القصر الكبير الشرقيّ: دار في ظهر خزانة الدرق من باب تربة الزعفران لما أغلق الأفضل بن أمير الجيوش دار العلم التي كان الحاكم بأمر اللّه
стр. 814
فتحها في باب التبانين اقتضى الحال بعد قتله إعادة دار العلم، فامتنع الوزير المأمون من إعادتها في موضعها، فأشار الثقة زمام القصور بهذا الموضع، فعمل دار العلم في شهر ربيع الأوّل سنة سبع عشرة وخمسمائة، وولاها لأبي محمد حسن بن أدم، واستخدم فيها مقرئين ولم تزل دار العلم عامر حتى زالت الدولة الفاطمية.
قال ابن عبد الظاهر: رأيت في بعض كتب الأملاك القديمة ما يدل على أنها قريبة من القصر النافعيّ، وكذا ذكر لي السيد الشريف الحلبيّ، أنها دار ابن أزدمر المجاورة لدار سكنى الآن، خلف فندق مسرور الكبير، وكذلك قال لي والدي ﵀، وقد بناها جمال الدين الإستادار الحلبيّ: دارا عظيمة غرم عليها مائة ألف، وأكثر من ذلك على ما ذكره، انتهى. وموضع دار العلم هذه دار كبيرة ذات زلاقة بجوار درب ابن عبد الظاهر قريبا من خان الخليلي، بخط الزراكشة العتيق.
موسم أوّل العام: قال ابن المأمون، وأسفرت غرّة سنة سبع عشرة، وخمسمائة، وبادر المستخدمون في الخزائن، وصناديق الإنفاق بحمل ما يحضر بين يدي الخليفة من عين، وورق من ضرب السنة المستجدّة، ورسم جميع من يختص به من إخوته، وجهاته، وقرابته، وأرباب الصنائع، والمستخدمات، وجميع الأستاذين العوالي والأدوان، وثنوا بحمل ما يختص بالأجلّ المأمون، وأولاده، وإخوته، واستأذنوا على تفرقة ما يختص بالأجلّ المأمون، وأولاده، والأصحاب والحواشي والأمراء، والضيوف، والأجناد، فأمروا بتفرقته، والذي اشتمل عليه المبلغ في هذه السنة نظير ما كان قبلها، وجلس المأمون باكرا على السماط بداره، وفرّقت الرسوم على أرباب الخدم والمميزين من جميع أصنافه على ما تضمنته الأوراق، وحضرت التعاشير، والتشريفات، وزي الموكب إلى الدار المأمونية، وتسلم كل من المستخدمين المدارج بأسماء من شرف بالحجبة، ومصفات العساكر، وترتيب الأسمطة، وأصمد كل منهم إلى شغله، وتوجه لخدمته، ثم ركب الخليفة، واستدعى الوزير المأمون، ثم خرج من باب الذهب، وقد نشرت مظلته، وخدمت الرهجية، ورتب الموكب والجنائب، ومصفات العساكر عن يمينه وشماله، وجميع تجار البلدين من الجوهريين والصيارف، والصاغة، والبزازين، وغيرهم قد زينوا الطريق بما تقتضيه تجارة كل منهم، ومعاشه لطلب البركة بنظر الخليفة.
وخرج من باب الفتوح، والعساكر فارسها وراجلها بتجملها وزيها، وأبواب حارات العبيد معلقة بالستور، ودخل من باب النصر والصدقات تعمّ المساكين، والرسوم تفرّق على المستقرّين إلى أن دخل من باب الذهب، فلقيه المقرئون بالقرآن الكريم في طول الدهاليز إلى أن دخل خزانة الكسوة الخاص، وغير ثياب الموكب بغيرها، وتوجه إلى تربة آبائه للترحيم على عادته، وبعد ذلك إلى ما رآه من قصوره على سبيل الراحة، وعبيت الأسمطة،
стр. 815
وجرى الحال فيها، وفي جلوس الخليفة، ومن جرت عادته، وتهيئة قصور الخلافة، وتفرقة الرسوم على ما هو مستقرّ.
وتوجه الأجلّ المأمون إلى داره، فوجد الحال في الأسمطة على ما جرت به العادة والتوسعة فيها أكثر مما تقدّمها، وكذلك الهناء في صبيحة الموسم بالدار المأمونية والقصور، وحضر من جرت العادة بحضوره للهناء وبعدهم الشعراء على طبقاتهم، وعادت الأمور في أيام السلام، والركوبات، وترتيبها على المعهود، وأحضر كل من المستخدمين في الدواوين ما يتعلق بديوانه من التذاكر، والمطالعات مما تحتاج إليه الدولة في طول السنة، وينعم به ويتصدّق ويحمل إلى الحرمين الشريفين من كل صنف على ما فصل في التذاكر على يد المندوبين، ويحمل إلى الثغور ويخزن من سائر الأصناف ما يستعمل، ويباع في الثغور والبلاد والاستيمار وجريدة الأبواب، وتذكرة الطراز والتوقيع عليها.
وقال ابن الطوير: فإذا كان العشر الأخير من ذي الحجة في كل سنة انتصب كل من المستخدمين بالأماكن لإخراج آلات الموكب من الأسلحة وغيرها، فيخرج من خزائن الأسلحة ما يحمله صبيان الركاب حول الخليفة من الأسلحة، وهو الصماصم المصقولة المذهبة، مكان السيوف المحدّبة، والدبابيس الكيمخت (١) الأحمر والأسود، ورؤوسها مدوّرة مضرّسة، واللتوت (٢) كذلك ورؤوسها مستطيلة مضرّسة أيضا، وآلات يقال لها:
المستوفيات، وهي عمد حديد من طول ذراعين مربة الأشكال بمقابض مدوّرة في أيديهم بعدّة معلومة من كل صنف، فيتسلمها نقباؤهم، وهي في ضمانهم، وعليهم إعادتها إلى الخزائن بعد تقضي الخدمة بها، ويخرج للطائفة من العبيد الأقوياء السودان الشباب، ويقال لهم: أرباب السلاح الصفر، وهم ثلثمائة عبد لكل واحد حربتان بأسنة مصقولة تحتها جلب فضة كل اثنتين في شرابة وثلثمائة درقة بكوامخ فضة، يتسلم ذلك عرفاؤهم على ما تقدّم، فيسلمونه للعبيد لكل واحد حربتان ودرقة.
ثم يخرج من خزانة التجمل، وهي من حقوق خزائن السلاح القصب الفضة برسم تشريف الوزير، والأمراء أرباب الرتب، وأزمّة العساكر، والطوائف من الفارس، والراجل وهي رماح ملبسة بأنابيب الفضة المنقوشة بالذهب إلاّ ذراعين منها، فيشدّ في ذلك الخالي من الأنابيب عدّة من المعاجر الشرب الملوّنة، ويترك أطرافها المرقومة مسبلة كالصناجق (٣)، وبرءوسها رمامين منفوخة فضة مذهبة وأهلة مجوّفة كذلك، وفيها جلاجل لها حس إذا
стр. 816
تحرّكت، وتكون عدّتها ما يقرب من مائة، ومن العماريات (١)، وهي شبه الكخاوات (٢) من الديباج الأحمر، وهو أجلها والأصفر والقرقوبيّ، والسقلاطون (٣) مبطنة مضبوطة بزنانير حرير، وعلى دائر التربيع منها: مناطق بكوامخ فضة مسمورة في جلد نظير عدد القصب، فيسير من القصب عشرة، ومن العماريات مثلها من الحمر خاصة، ويخرج للوزير خاصة لواءان على رمحين طويلين ملبسين، بمثل تلك الأنابيب ونفس اللواء ملفوف غير منشور، وهذا التشريف يسير أمام الوزير، وهو للأمراء من ورائهم، ثم يسير للأمراء أرباب الرتب في الخدم، وأوّلهم صاحب الباب، وهو أجلهم خمس قصبات، وخمس عماريات، ويرسل لأسفهسلار العساكر أربع قصبات، وأربع عماريات من عدّة ألوان، ومن سواهما من الأمراء على قدر طبقاتهم: ثلاث ثلاث واثنتان اثنتان، وواحدة واحدة، ثم يخرج من البنود الخاص الديبقيّ المرقوم الملوّن برماح ملبسة بالأنابيب، وعلى رؤوسها الرمامين، والأهلة للوزير خاصة، ودون هذه البنود مما هو من الحرير على رماح غير ملبسة ورؤوسها ورمامينها من نحاس مجوّف مطليّ بالذهب، فتكون هذه أمام الأمراء المذكورين من تسعة إلى سبعة أذرع برأسها طلعة مصقولة، وهي من خشب القنطاريات داخلة في الطلعة، وعقبها حديد مدوّر أسفل، فهي في كف حاملها الأيمن، وهو يفتلها فيه فتلا متدارك الدوران، وفي يده اليسرى تشابه كبير يخطر بها، وعدّتها ستون مع ستين رجلا يسيرون رجالة في الموكب يسيرون يمنة ويسرة.
ثم يخرج من النقارات (٤) حمل عشرين بغلا على كل بغل ثلاث مثل نقارات الكوسات (٥) بغير كوسات يقال لها طبول، فيتسلمها صناعها، ويسيرون في الموكب اثنين اثنين ولها حس مستحسن، وكان لها ميزة عندهم في التشريف، ثم يخرج لقوم متطوّعين بغير جار، ولا جراية تقرب عدّتهم من مائة رجل لكل واحد درقة من درق اللمط (٦)، وهي واسعة وسيف، ويسيرون أيضا رجالة في الموكب هذا وظيفة خزائن السلاح.
ثم يحضر حامي خزائن السروج وهو من الأستاذين المحنكين إليها مع مشارفها، وهو من الشهود المعدّلين، فيخرج منها برسم خاص الخليفة من المركبات الحلي ما هو برسم
стр. 817
ركوبه، وما يجنب في موكبه مائة سرج، منها سبعون على سبعين حصانا، ومنها ثلاثون على ثلاثين بغلة كل مركب مصوغ من ذهب أو من ذهب وفضة، أو من ذهب منزل فيه المينا، أو من فضة منزلة بالمينا، وروادفها وقرابيسها من نسبتها، ومنها ما هو مرصع بالجواهر الفائقة، وفي أعناقها الأطواق الذهب، وقلائد العنبر، وربما يكون في أيدي وأرجل أكثرها خلاخل مسطوحة دائرة عليها، ومكان الجلد من السروج الديباج الأحمر والأصفر، وغيرهما من الألوان والسقلاطون المنقوش بألوان الحرير، قيمة كل دابة، وما عليها من العدّة ألف دينار، فيشرّف الوزير من هذه بعشرة حصن لركوبه وأولاده وإخوته، ومن يعز عليه من أقاربه، ويسلم ذلك لعرفاء الاصطبلات بالعرض عليهم من الجرائد التي هي ثابتة فيها بعلاماتها في أماكنها، وأعدادها، وعدد كل مركب منقوش عليه مثل: أوّل وثان وثالث إلى آخرها كما هو مسطور في الجرائد، فيعرف بذلك قطعة قطعة، ويسلمها العرفاء للشدّادين بضمان عرفائهم إلى أن تعود، وعليهم غرامة ما نقص منها، وإعادتها برمّتها.
ثم يخرج من الخزائن المذكورة لأرباب الدواوين المرتبين في الخدم على مقاديرهم مركبات أيضا من الحليّ دون ما تقدّم ذكره، وما تقرب عدّته من ثلثمائة مركب على خيل وبغلات، وبغال يتسلمها العرفاء المتقدّم ذكرهم على الوجه المذكور، وينتدب حاجب يحضر على التفرقة لفلان، وفلان من أرباب الخدم سيفا وقلما، فيعرّف كل شدّاد صاحبه، فيحضر إليه بالقاهرة ومصر سحر يوم الركوب، ولهم من الركاب رسوم من دينار إلى نصف دينار إلى ثلث دينار، فإذا تكمل هذا الأمر، وسلم أيضا الجمالون بالمناخات أغشية العماريات، ويكون إراحة في ذلك كله إلى آخر الثامن والعشرين من ذي الحجة، وأصبح اليوم التاسع والعشرون من سلخه على رأي القوم، عزم الخليفة على الجلوس في الشباك لعرض دوابه الخاص المقدّم ذكرها، ويقال له: يوم عرض الخيل، فيستدعي الوزير بصاحب الرسالة، وهو من كبار الأستاذين المحنكين، وفصحائهم وعقلائهم ومحصليهم، فيمضي إلى استدعائه في هيئة المسرعين على حصان دهراج (١) امتثالا لأمر الخليفة بالإسراع على خلاف حركته المعتادة، فإذا عاد مثل بين يدي الخليفة، وأعلمه باستدعائه الوزير، فيخرج راكبا من مكانه في القصر ولا يركب أحد في القصر إلاّ الخليفة، وينزل في السدلا (٢) بدهليز باب الملك الذي فيه الشباك، وعليه من ظاهره للناس ستر، فيقف من جانبه الأيمن زمام القصر (٣)، ومن جانبه الأيسر صاحب بيت المال، وهما من الأستاذين المحنكين فيركب
стр. 818
الوزير من داره، وبين يديه الأمراء، فإذا وصل إلى باب القصر ترجل الأمراء، وهو راكب، ويكون دخوله في هذا اليوم من باب العيد، ولا يزال راكبا إلى أوّل باب من الدهاليز الطوال، فينزل هناك، ويمشي فيها، وحواليه حاشيته، وغلمانه وأصحابه، ومن يراه من أولاده، وأقاربه ويصل إلى الشباك فيجد تحته كرسيا كبيرا من كراسي البلق الجيد، فيجلس عليه، ورجلاه تطأ الأرض، فإذا استوى جالسا رفع كل أستاذ الستر من جانبه، فيرى الخليفة جالسا في المرتبة الهائلة، فيقف ويسلم ويخدم بيده إلى الأرض ثلاث مرات، ثم يؤمر بالجلوس على كرسيه، فيجلس ويستفتح القرّاء بالقراءة قبل كل شيء بآيات لائقة بذلك الحال، مقدار نصف ساعة، ثم يسمر الأمراء، ويسرع في عرض الخيل، والبغال الخاص المقدّم ذكرها دابة دابة، وهي هادئة كالعرائس بأيدي شدّاديها إلى أن يكمل عرضها، فيقرأ القرّاء لختم ذلك الجلوس، ويرخي الأستاذان الستر، فيقدّم الوزير ويدخل إليه، ويقبل يديه ورجليه وينصرف عنه إلى داره، فيركب من مكان نزوله، والأمراء بين يديه لوداعه إلى داره ركبانا ومشاة، إلى قريب المكان فإذا صلى الخليفة الظهر بعد انفضاض ما تقدّم، جلس لعرض ما يلبسه في عيد تلك الليلة، وهو يوم افتتاح العام بخزائن الكسوات الخاص، ويكون لباسه فيه البياض غير الموشح فيعين على منديل خاص وبدلة، فأما المنديل: فيسلم الشادّ التاج الشريف، ويقال له شدّة الوقار (١)، وهو من الأستاذين المحنكين، وله ميزة لممارسة ما يعلو تاج الخليفة فيشدّها شدّة غريبة لا يعرفها سواه، شكل الإهليلجة، ثم يحضر إليه اليتيمة، وهي جوهرة عظيمة لا يعرف لها قيمة فتنظم هي وحواليها ما دونها من الجواهر، وهي موضوعة في الحافر، وهو شكل الهلال من ياقوت أحمر ليس له مثال في الدنيا، فتنظم على خرقة حرير أحسن وضع، ويخيطها شادّ التاج بخياطة خفيفة ممكنة، فتكون بأعلى جبهة الخليفة.
ويقال: إنّ زنة الجوهرة سبعة دراهم، وزنة الحافر: أحد عشر مثقالا، وبدائرها قصبة زمرّذ ذبابي (٢) له قدر عظيم ثم يؤمر بشدّ المظلة التي تشابهها تلك البدلة المحضرة بين يديه، وهي مناسبة للثياب، ولها عندهم جلالة لكونها تعلو رأس الخليفة، وهي اثنا عشر شوزكا (٣) عرض سفل كل شوزك شبر، وطوله ثلاثة أذرع وثلث، وآخر الشورك من فوق دقيق جدّا، فيجتمع ما بين الشوازك في رأس عودها بدائره، وهو قنطارية من الزان ملبسة بأنابيب الذهب، وفي آخر أنبوبة تلي الرأس من جسمه،
стр. 819
فلكة (١) بارزة مقدار عرض إبهام فيشدّ آخر الشوارك في حلقة من ذهب، ويترك متسعا في رأس الرمح، وهو مفروض فتلقى تلك الفلكة، فتمنع المظلة من الحدور في العمود المذكور ولها أضلاع من خشب الخلنج مربعات مكسوّة بوزن الذهب على عدد الشوارك خفاف في الوزن طولها طول الشوارك، وفيها خطاطيف لطاف، وحلق يمسك بعضها بعضا، وهي تنضم وتنفتح على طريقة شوكات الكيزان، ولها رأس شبه الرمانة، ويعلوه رمانة صغيرة، كلها ذهب مرصع بجوهر يظهر للعيان، ولها رفرف دائر يفتحها من نسبتها عرضه أكثر من شبر ونصف، وسفل الرمانة فاصل يكون مقداره ثلاث أصابع، فإذا أدخلت الحلقة الذهب الجامعة لآخر شوارك المظلة في رأس العمود ركبت الرمانة عليها، ولفت في عرض ديبقيّ مذهب، فلا يكشفها منه إلا حاملها عند تسليمها إليه أوّل وقت الركوبة.
ثم يؤمر بشدّ لواءي الحمد المختصين بالخليفة، وهما رمحان طويلان ملبسان بمثل أنابيب عمود المظلة إلى حدّ نصفهما، وهما من الحرير الأبيض المرقوم بالذهب، وغير منشورين بل ملفوفين على جسم الرمحين، فيشدّان ليخرجا بخروج المظلة إلى أميرين من حاشية الخليفة، برسم حملهما ويخرج إحدى وعشرون راية لطاف من الحرير المرقوم ملوّنة بكتابة تخالف ألوانها من غيره.
ونص كتابتها: نصر من اللّه وفتح قريب، على رماح مقوّمة من القنا المنتقى، طول كل راية ذراعان في عرض ذراع ونصف في كل واحدة ثلاث طرازات، فتسلم لأحد وعشرين رجلا من فرسان صبيان الخاص (٢)، ولهم بشارة عود الخليفة سالما عشرون دينارا، ثم يخرج رمحان رؤوسهما أهلة من ذهب صامتة في كل واحد سبع من ديباج أحمر وأصفر، وفي فمه طارة مستديرة يدخل فيها الريح، فينفتحان فيظهر شكلهما، ويتسلمهما فارسان من صبيان الخاص، فيكونان أمام الرايات، ثم يخرج السيف الخاص، وهو من صاعقة وقعت على ما يقال، وجلبته ذهب مرصعة بالجوهر في خريطة مرقومة بالذهب لا يظهر إلا رأسه، ليسلم إلى حامله، وهو أمير عظيم القدر، وهذه عندهم رتبة جليلة المقدار، وهو أكبر حامل، ثم يخرج الرمح وهو رمح لطيف في غلاف منظوم من اللؤلؤ، وله سنان مختصر بحلية ذهب، ودرقة بكوامخ ذهب فيها سعة منسوبة إلى حمزة بن عبد المطلب ﵁ في غشاء من حرير لتخرج إلى حاملها، وهو أمير مميز، ولهذه الخدمة وصاحبها عندهم جلالة.
ثم تشعر الناس بطريق الموكب، وسلوكه لا يتعدّى دورتين إحداهما كبرى، والأخرى
стр. 820
صغرى، أما الكبرى: فمن باب القصر إلى باب النصر مارّا إلى حوض عز الملك نبا، ومسجده هناك، وهو أقصاها ثم ينعطف على يساره طالبا باب الفتوح إلى القصر، والأخرى إذا خرج من باب النصر سار حافا بالسور، ودخل من باب الفتوح، فيعلم الناس بسلوك إحداهما، فيشيرون إذا ركب الخليفة فيها من غير تبديل للموكب ولا تشويش، ولا اختلال، فلا يصبح الصبح من يوم الركوب إلاّ وقد اجتمع من بالقاهرة ومصر من أرباب الرتب وأرباب التميزات من أرباب السيوف، والأقلام قياما بين القصرين، وكان براحا واسعا خاليا من البناء الذي فيه اليوم، فيسع القوم لانتظار الخليفة، ويبكر الأمراء إلى الوزير إلى داره، فيركب إلى القصر من غير استدعاء لأنها خدمة لازمة للخليفة، فيسير أمامه تشريفه المقدّم ذكره، والأمراء بين يديه ركبانا ومشاة، وأمامه أولاده وإخوته وكل منهم مرخي الذؤابة بلا حنك، وهو في أبهة عظيمة من الثياب الفاخرة، والمنديل، وهو بالحنك، ويتقلد بالسيف المذهب، فإذا وصل القصر ترجل قبله أهله في أخص مكان لا يصل الأمراء إليه، ودخل من باب القصر، وهو راكب دون الحاضرين إلى دهليز يقال له دهليز العمود، فيترجل على مصطبة هناك، ويمشي بقية الدهليز إلى القاعة فيدخل مقطع الوزارة هو وأولاده وإخوته، وخواص حاشيته، ويجلس الأمراء بالقاعة على دكك معدّة لذلك مكسوّة في الصيف بالحصر السامان، وفي الشتاء بالبسط الجهرمية المحفورة، فإذا أدخلت الدابة لركوب الخليفة وأسندت إلى الكرسيّ الذي يركب عليه من باب المجلس، أخرجت المظلة إلى حاملها، فيكشفها مما هي ملفوفة فيه غير مطوية، فيتسلمها بإعانة أربعة من الصقالبة (١) برسم خدمتها، فيركزها في آلة حديد متخذة شكل القرن وهو مشدود في ركاب حاملها الأيمن بقوّة وتأكيد، فيمسك العمود بحاجز فوق يده، فيبقى وهو منتصف واقف ولم يذكر قط أنها اضطربت في ريح عاصف، ثم يخرج بالسيف، فيتسلمه حامله فإذا تسلمه أرخيت ذؤابته ما دام حاملا له، ثم تخرج الدواة، فتسلم لحاملها، وهو من الأستاذين المحنكين.
وكان الوزراء حملوها لقوم من الشهود المعدّلين، وهي الدواة التي كانت من أعاجيب الزمان، وهي في نفسها من الذهب، وحليتها مرجان، وهي ملفوفة في منديل شرب بياض مذهب، وقد قال فيها بعض الشعر: يخاطب الخليفة التي صنعت حلية المرجان في وقته وهذا من أغرب ما يكون ذكر ذلك في بيتين وهما:
ألين لداود الحديد كرامة … فقدّر منه السرد كيف يريد
ولأن لك المرجان وهو حجارة … ومقطعه صعب المرام شديد
فيخرج الوزير، ومن كان معه من المقطع، وتنضم إليه الأمراء، ويقفون إلى جانب
стр. 821
الراية، فيرفع صاحب المجلس الستر فيخرج من كان عند الخليفة للخدمة منهم، وفي إثرهم يبرز الخليفة بالهيئة للشروح حالها في لباسه الثياب المعروضة عليه، والمنديل الحامل لليتيمة بأعلى جبهته، وهو محنك مرخي الذؤابة مما يلي جانيه الأيسر، ويتقلد بالسيف المغربي وبيده قضيب الملك، وهو طول شبر ونصف من عود مكسوّ بالذهب المرصع بالدرر والجوهر، فيسلم على الوزير قوم مرتبون لذلك، وعلى أهله على الأمراء بعدهم، ثم يخرج أولئك أوّلا فأوّلا، والوزير يخرج بعد الأمراء فيركب ويقف قبالة باب القصر بهيئته.
ويخرج الخليفة وحواليه الأستاذون ودابته ماشية على بسط مفروشة خيفة من زلقها على الرخام، فإذا قارب الباب، وظهر وجهه ضرب رجل ببوق لطيف من ذهب معوج الرأس يقال له: الغربية، بصوت عجيب يخالف أصوات البوقات، فإذا سمع ذلك ضربت الأبواق في الموكب، ونشرت المظلة، وبرز الخليفة من الباب، ووقف وقفة يسيرة بمقدار ركوب الأستاذين المحنكين وغيرهم من أرباب الرتب الذين كانوا بالقاعة للخدمة، وسار الخليفة وعلى يساره صاحب المظلة، وهو يبالغ أن لا يزول عنها ظلها، ثم يكتنف الخليفة مقدّمو صبيان الركاب منهم، اثنان في الشكيمة، واثنان في عنق الدابة من الجانبين، واثنان في ركابه فالأيمن مقدّم المقدّمين، وهو صاحب المقرعة التي يتناولها، ويناولها، وهو المؤدّي عن الخليفة مدّة ركوبه الأوامر، والنواهي، ويسير الموكب بالحث.
فأوّله الأمراء وأولادهم، وأخلاط بعض العسكر الأماثل إلى أرباب القصر إلى أرباب الأطواق إلى الأستاذين المحنكين إلى حامل اللوائين من الجانبين إلى حامل الدواة، وهي بينه وبين قربوس السرج إلى صاحب السيف، وهما في الجانب الأيسر كل واحد ممن تقدّم ذكره بين عشرة إلى عشرين من أصحابه، ويحجبه أهل الوزير المقدّم ذكرهم من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنكين، ثم يأتي الخليفة، وحواليه صبيان الركاب المذكورة، تفرقة السلاح فيهم، وهم أكثر من ألف رجل، وعليهم المناديل الطبقيات، ويتقلدون بالسيوف، وأوساطهم مشدودة بمناديل، وفي أيديهم السلاح مشهور، وهم من جانبي الخليفة كالجناحين المادّين وبينهما فرجة لوجه الفرس ليس فيها أحد، وبالقرب من رأس الصقلبيان الحاملان للمذبتين، وهما مرفوعتان كالنخلتين لما يسقط من طائر وغيره، وهو سائر على تؤدة، ورفق وفي طول الموكب من أوّله إلى آخره والي القاهرة مارّ وعائد، يفسح الطرقات ويسير الركبان فيلقي في عوده الإسفهسلار كذلك مارا وعائدا لحث الأجناد في الحركة والإنكار على المزاحمين المعترضين، ويلقي في عوده صاحب الباب، ومروره في زمرة الخليفة إلى أن يصل إلى الإسفهسلار، فيعود لترتيب الموكب، وحراسة طرقات الخليفة، وفي يد كل منهم دبوس، وهو راكب خير دوابه وأسرعها، هذا لمن أمام الموكب، ثم يسير خلف دابة الخليفة قوم من صبيان
стр. 822
الركاب لحفظ أعقابه، ثم عشرة يحملون عشرة سيوف في خرائط ديباج أحمر وأصفر بشراريب غزيرة يقال لها: سيوف الدم برسم ضرب الأعناق ثم يسير بعدهم صبيان السلاح الصغير، أرباب الفرنجيات المقدّم ذكرهم.
ثم يأتي الوزير في هيبة، وفي ركابه من أصحابه قوم يقال لهم: صبيان الزرد من أقوياء الأجناد يختارهم لنفسه ما مقداره خمسمائة رجل من جانبيه بفرجة لطيفة أمامه، دون فرجة الخليفة، وكأنه على وفز من حراسة الخليفة، ويجتهد أن لا يغيب عن نظره، وخلفه الطبول والصنوج والصفافير، وهو مع عدّة كثيرة تدوي بأصواتها وحسّها الدنيا، ثم يأتي حامل الرمح المقدّم ذكره ودرقته حمراء.
ثم طوائف الراجل من الركابية والجيوشية، وقبلهما المصامدة، ثم الفرنجية، ثم الوزيرية زمرة زمرة في عدّة وافرة تزيد على أربعة آلاف في الوقت الحاضر، وهم أضعاف ذلك، ثم أصحاب الرايات والسبعين، ثم طوائف العساكر من الآمرية والحجرية الكبار، والحافظية، والحجرية الصغار المنقولين، والأفضلية والجيوشية، ثم الأتراك المصطنعون، ثم الديلم، ثم الأكراد، ثم الغز المصطنعة، وقد كان تقدّم هؤلاء الفرسان عدّة وافرة من المترجلة أرباب قسيّ اليد، وقسيّ الرجل في أكثر من خمسمائة، وهم المعدّون للأساطيل، ويكون من الفرسان المقدّم ذكرهم ما يزيد على ثلاثة آلاف، وهذا كله بعض من كل.
فإذا انتهى الموكب إلى المكان المحدود، عادوا على أدراجهم، ويدخلون من باب الفتوح، ويقفون بين القصرين بعد الرجوع، كما كانوا قبله، فإذا وصل الخليفة إلى الجامع الأقمر بالقماحين اليوم وقف وقفة بجملته في موكبه، وانفرج الموكب للوزير، فيتحرّك مسرعا ليصير أمام الخليفة، حتى يدخل بين يديه فيمرّ الخليفة، ويسكع (١) له سكعة ظاهرة، فيشير الخليفة للسلام عليه إشارة خفية، وهذه أعظم مكارمة تصدر عن الخليفة، ولا تكون إلاّ للوزير صاحب السيف، وسبقه إلى دخول باب القصر راكبا على عادته إلى موضعه، ويكون الأمراء، قد نزلوا قبله لأنهم في أوائل الموكب، فإذا وصل الخليفة إلى باب القصر، ودخله ترجل الوزير، ودخل قبله الأستاذون المحنكون، وأحدقوا به، والوزير أمام وجه الفرس مكان ترجله إلى الكرسيّ الذي ركب منه، فينزل عليه ويدخل إلى مكانه بعد خدمة المذكورين له، فيخرج الوزير، ويركب من مكانه الجاري به على عادته، والأمراء بين يديه، وأقاربه حواليه، فيركبون من أماكنهم ويسيرون صحبته إلى داره، فيدخل وينزل أيضا إلى مكانه على كرسيّ فتخدمه الجماعة بالوداع، ويتفرّق الناس إلى أماكنهم.
стр. 823
فيجدون قد أحضر إليهم الغرّة (١)، وهو أنه يقدّم الخليفة بأن يضرب بدار الضرب في العشر الآخر من ذي الحجة بتاريخ السنة التي ركب أوّلها في هذا اليوم جملة من الدنانير والرباعية والدراهم المدوّرة المقسقلة، فيحمل إلى الوزير منها ثلثمائة وستون دينارا، وثلثمائة وستون رباعيا وثلثمائة وستون قيراطا، وإلى أولاده، وإخوته من كل صنف من ذلك خمسون، وإلى أرباب الرتب من أصحاب السيوف، والأقلام من عشرة دنانير، وعشر رباعيات، وعشرة قراريط إلى دينار واحد، ورباعيّ واحد، وقيراط واحد، فيقبلون ذلك على حكم البرمكية من مبلغ الخليفة قال: ومبلغ الغرّة التي ينعم بها في أوّل العام المقدّم ذكره من الدنانير والرباعيات والقراريط ما يربط من ثلاثة آلاف دينار، واللّه تعالى أعلم.
ذكر ما كان يضرب في خميس العدس من خراريب الذهب
قال ابن المأمون: وأحضر الأجل المأمون كاتب الدفتر، وأمره بالكشف عما كان يضرب برسم خميس العدس من الخراريب الذهب، وهو خمسمائة دينار عن عشرين ألف خروبة، واستدعى كاتب بيت المال، ووقع له بإطلاق ألف دينار، وأمره بإحضار مشارف (٢) دار الضرب، وسلمها إليه، فاعتمد ذلك، وضربت عشرون ألف خروبة وأحصرها، فأمر بحملها إلى الخليفة، فسير الخليفة منها إلى المأمون ثلثمائة دينار، وذكر أنها لم تضرب في مدّة خلافة الحافظ لدين اللّه غير سنة واحدة، ثم بطل حكمها، ونسي ذكرها.
قال: وصار ما يضرب باسم الخليفة يعني الآمر بأحكام اللّه في ستة مواضع: القاهرة، ومصر، وقوص، وعسقلان، وصور، والإسكندرية.
وقال ابن عبد الظاهر: خميس العدس كان يضرب فيه خمسمائة، تعمل عشرة آلاف خروبة، كان الأفضل بن أمير الجيوش يحمل منها للخليفة مائتي دينار، والبقية برسمه، ثم جعلت في الأيام المأمونية ألف دينار، وربما زادت أو نقصت يسيرا، وقد تقدّم أنّ قاضي القضاة كان يتولى عيار دار الضرب، ويحضر التغليق بنفسه، ويختم عليه ويحضر للموعد الآخر لفتحه.
ذكر دار الوكالة الآمرية
كانت دار الوكالة المذكورة، بجانب دار الضرب، وموضعها الآن على يمنة السالك
стр. 824
من رأس الخرّاطين إلى سوق الخيميين، والجامع الأزهر.
قال ابن المأمون: في شوّال سنة ست عشرة وخمسمائة، ثم أنشأ، يعني المأمون بن البطائحيّ، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه دار الوكالة بالقاهرة المحروسة، لمن يصل من العراقيين والشاميين وغيرهما من التجار، ولم يسبق إلى ذلك.
ذكر مصلى العيد
وكان في شرقيّ القصر الكبير مصلى العيد من خارج باب النصر، وهذا المصلى بناه القائد جوهر لأجل صلاة العيد في شهر رمضان سنة: ثمان وخمسين وثلثمائة، ثم جدّده العزيز بالله، وبقي بقي إلى الآن بعض هذا المصلى، واتخذ في جانب منه موضع مصلى الأموات اليوم.
ذكر هيئة صلاة العيد وما يتعلق بها
قال ابن زولاق: وركب المعز لدين اللّه، يوم الفطر لصلاة العيد إلى مصلى القاهرة التي بناها القائد جوهر، وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسنيّ، قد بكر وجلس في المصلى تحت القبة في موضع، فجاء الخدم وأقاموه، وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلما، وأقعدوه هو دونه، وكان أبو جعفر مسلم، خلف المعز عن يمينه، وهو يصلي وأقبل المعز في زيه وبنوده وقبابه، وصلى بالناس صلاة العيد تامّة طويلة، قرأ في الأولى بأمّ الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية، ثم كبر بعد القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال، أنا سبحت خلفه في كل ركعة، وفي كل سجدة نيفا وثلاثين تسبيحة.
وكان القاضي النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير، وقرأ في الثانية بأمّ الكتاب، وسورة والضحى، ثم كبر أيضا بعد القراءة، وهي صلاة جدّه عليّ بن أبي طالب ﵇، وأطال أيضا في الثانية الركوع والسجود، أنا سبحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة في كل ركعة، وفي كل سجدة، وجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في كل سورة، وأنكر جماعات يتوسمون بالعلم قراءة قبل التكبير لقلة علمهم، وتقصيرهم في العلوم.
حدّثنا محمد بن أحمد قال: حدّثنا عمر بن شيبة، ثنا عبد اللّه، ورجاء عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن الحارث عن عليّ ﵇: أنه كان يقرأ في صلاة العيد قبل التكبير، فلما فرغ المعز من الصلاة، صعد المنبر وسلم على الناس يمينا وشمالا، ثم ستر بالسترين اللذين كانا على المنبر، فخطب وراءهما على رسمه، وكان في أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة: ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وكان معه على المنبر القائد جوهر، وعمار بن جعفر، وشفيع صاحب المظلة، ثم قال: اللّه أكبر اللّه أكبر واستفتح بذلك، وخطب وأبلغ، وأبكى الناس، وكانت خطبة بخشوع
стр. 825
وخضوع، فلما فرغ من خطبته، انصرف في عساكره وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن والخود على الخيل بأحسن زيّ، وساروا بين يديه بالفيلين، فلما حضر في قصره أحضر الناس، فأكلوا وقدّمت إليهم السمط، ونشطهم إلى الطعام، وعتب على من تأخر، وهدّد من بلغه عنه صيام العيد.
وقال المسبحيّ في حوادث آخر يوم من رمضان: سنة ثمانين وثلثمائة، وبقيت مصاطب ما بين القصور والمصلى الجديدة ظاهر باب النصر عليها المؤذنون، حتى يتصل التكبير من المصلى إلى القصر، وفيه تقدّم أمر القاضي محمد بن النعمان، بإحضار المتفقهة والمؤمنين يعني الشيعة، وأمرهم بالجلوس يوم العيد على هذه المصاطب ولم يزل يرتب الناس، وكتب رقاعا فيها أسماء الناس، فكانت تخرج رقعة رقعة، فيجلس الناس على مصطبة مصطبة بالترتيب.
وفي يوم العيد: ركب العزيز بالله لصلاة العيد، وبين يديه الجنائب، والقباب الديباج بالحليّ والعسكر في زيه من الأتراك، والديلم والعزيزية، والإخشيدية، والكافورية، وأهل العراق بالديباج المثقل والسيوف، والمناطق الذهب، وعلى الجنائب السروج الذهب بالجوهر، والسروج بالعنبر، وبين يديه الفيلة عليها الرجالة بالسلاح، والزرّاقة، وخرج بالمظلة الثقيلة بالجوهر، وبيده قضيب جدّه ﵇، فصلى على رسمه وانصرف.
وقال ابن المأمون: ولما توفي أمير الجيوش بدر الجماليّ، وانتقل الأمر إلى ولده:
الأفضل بن أمير الجيوش جرى على سنن والده في صلاة العيد، ويقف في قوس باب داره الذي عند باب النصر يعني: دار الوزارة فلما سكن بمصر صار يطلع من مصر باكرا، ويقف على باب داره على الحالة الأولى، حتى تستحق الصلاة، فيدخل من باب العيد إلى الإيوان، ويصلي به القاضي ابن الرسعنيّ، ثم يجلس بعد الصلاة على المرتبة إلى أن تنقضي الخطبة فيدخل من باب الملك، ويسلم على الخليفة، بحيث لا يراه أحد غيره، ثم يخلع عليه، ويتوجه إلى داره بمصر، فيكون السماط بها مدى الأعياد، فلما قتل الأفضل، واستقرّ بعده المأمون بن البطائحيّ في الوزارة قال: هذا نقص في حق العيد، ولا يعلم السبب في كون الخليفة لا يظهر، فقال له الخليفة الآمر بأحكام اللّه: فما تراه أنت؟ فقال: يجلس مولانا في المنظرة التي استجدّت بين باب الذهب، وباب البحر، فإذا جلس مولانا في المنظرة، وفتحت الطاقات، وقف المملوك بين يديه في قوس باب الذهب، وتجوز العساكر فارسها وراجلها، وتشملها بركة نظر مولانا إليها، فإذا حان وقت الصلاة توجه المملوك بالموكب والزيّ وجميع الأمراء والأجناد، واجتاز بأبواب القصر، ودخل الإيوان، فاستحسن ذلك منه، واستصوب رأيه، وبالغ في شكره، ثم عاد المأمون إلى مجلسه، وأمر بتفرقة كسوة العيد والهبات، يعني في عيد النحر، سنة خمس عشرة وخمسمائة، وجملة العين: ثلاثة
стр. 826
آلاف وثلثمائة دينار وسبعة دنانير ومن الكسوات: مائة قطعة وسبع قطع برسم الأمراء المطوّقين، والأستاذين المحنكين، وكاتب الدست، ومتولي حجبة الباب وغيرهم.
قال: ووصلت الكسوة المختصة بالعيد في آخر شهر رمضان يعني من سنة ست عشرة وخمسمائة وهي تشتمل على دون العشرين ألف دينار، وهو عندهم الموسم الكبير، ويسمى بعيد الحلل، لأنّ الحلل فيه تعم الجماعة، وفي غيره للأعيان خاصة، وقد تقدّم تفصيلها عند ذكر خزانة الكسوة من هذا الكتاب.
قال: ولما كان في التاسع والعشرين من شهر رمضان، خرجت الأوامر بأضعاف ما هو مستقرّ للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختم الشهر، وحضر المأمون في آخر النهار إلى القصر للفطور مع الخليفة، والحضور على الأسمطة على العادة وحضر إخوته وعمومته، وجميع الجلساء، وحضر المقرئون والمؤذنون، وسلّموا على عادتهم وجلسوا تحت الروشن (١)، وحمل من عند معظم الجهات والسيدات، والمميزات من أهل القصور بلاحي وموكبيات مملوءة ماء ملفوفة في عراضي ديبقي، وجعلت أمام المذكورين، ليشملها بركة ختم القرآن، واستفتح المقرئون من الحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة، وتطريبا ثم وقف بعد ذلك من خطب فأسمع، ودعا فأبلغ، ورفع الفرّاشون ما أعدّوه برسم الجهات، ثم كبر المؤذنون، وهللوا، وأخذوا في الصوفيات إلى أن نثر عليهم من الروشن دراهم ودنانير ورباعيات، وقدّمت جفان القطائف على الرسم مع الحلوى، فجروا على عادتهم، وملأوا أكمامهم، ثم خرج أستاذ من باب الدار الجليلة بخلع خلعها على الخطيب وغيره، ودراهم تفرّق على الطائفتين من المقرئين والمؤذنين، ورسم أن تحمل الفطرة إلى قاعة الذهب، وأن تكون التعبية في مجلس الملك، وتعبى الطيافير المشورة الكبار من السرير إلى باب المجلس، وتعبى من باب المجلس إلى ثلثي القاعة سماطا واحدا مثل سماط الطعام، ويكون جميعه سدا واحدا من حلاوة الموسم، ويزين بالقطع المنفوخ، فامتثل الأمر، وحضر الخليفة إلى الإيوان، واستدعى المأمون، وأولاده وإخوته، وعرضت المظال المذهبة المحاومة، وكان المقرئون يلوّحون عند ذكرها بالآيات التي في سورة النحل واللّه جعل لكم مما خلق ظلالا إلى آخرها.
وجلس الخليفة ورفعت الستور، واستفتح المقرئون، وجدّد المأمون السلام عليه، وجلس على المرتبة عن يمينه، وسلم الأمراء جميعهم على حكم منازلهم لا يتعدّى أحد منهم مكانه والنوّاب جميعهم يستدعونهم بنعوتهم، وترتيب وقوفهم، وسلم الرسل الواصلون من جميع الأقاليم، ووقفوا في آخر الإيوان، وختم المقرئون، وسلموا، وخدمت الرهجية، وتقدّم متولي كل اصطبل من الروّاض وغيرهم يقبل الأرض، ويقف ودخلت الدواب من باب
стр. 827
الديلم والمستخدمون في الركاب بالمناديل يتسلمونها من الشدّادين ويدورون بها حول الإيوان، ودواب المظلة متميزة عن غيرها يتسلمها الأستاذون، والمستخدمون في الركاب ويعلون بها إلى قريب من الشباك الذي فيه الخليفة، وكلما عرض دواب اصطبل قبل الأرض متوليه. وانصرف. وتقدّم متولي غيره على حكمه إلى أن يعرض جميع ما أحضروه، وهو ما يزيد على ألف فارس خارجا عن البغال وما تأخر من العشاريات والحجور والمهارة، ولما عرضت الدواب أبطلت الرهجية، وعاد استفتاح المقرئين، وكانوا محسنين فيما ينتزعونه من القرآن الكريم، مما يوافق الحال، مثل الآية من آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ اَلشَّهَواتِ﴾ إلى آخرها، ثم بعدها: ﴿قُلِ اَللّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾، إلى آخرها.
وعرضت الوحوش بالأجلة الديباج والديبقيّ بقباب الذهب، والمناطق، والأهلة وبعدها النجب، والبخاتي بالأقتاب الملبسة بالديبقيّ الملوّن المرقوم، وعرض السلاح، وآلات الموكب جميعها، ونصبت الكسوات على باب العيد، وضربت طول الليل وحملت الفطرة الخاص التي يفطر عليها الخليفة بأصناف الجوارشات بالمسك، والعود والكافور والزعفران والتمور المصبغة التي يستخرج ما فيها، وتحشى بالطيب وغيره، وتسدّ، وتختم وسلمت للمستخدمين في القصور، وعبيت في مواعين الذهب المكللة بالجواهر، وخرجت الأعلام والبنود.
وركب المأمون، فلما حصل بقاعة الذهب أخذ في مشاهدة السماط من سرير الملك إلى آخرها، وخرج الخليفة لوقته من الباذهنج، وطلع إلى سرير ملكه، وبين يديه الصواني المقدّم ذكرها، واستدعى بالمأمون، فجلس عن يمينه بعد أداء حق السلام، وأمر بإحضار الأمراء المميزين والقاضي والداعي والضيوف، وسلم كل منهم على حكم ميزته، وقدمت الرسل، وشرّفوا بتقبيل الأرض والمقرئون يتلون، والمؤذنون يهللون ويكبرون، وكشفت القوّارات الشرب المذهبات، عما هو بين يدي الخليفة فبدأ وكبر، وأخذ بيده تمرة، فأفطر عليها، وناول مثلها الوزير، فأظهر الفطر عليها، وأخذ الخليفة في أن يستعمل من جميع ما حضر، ويناول وزيره منه، وهو يقبله ويجعله في كمه، وتقدّمت الأجلاء إخوة الوزير وأولاده من تحت السرير، وهو يناولهم من يده، فيجعلونه في أكمامهم بعد تقبيله، وأخذ كل من الحاضرين كذلك، ويومئ بالفطور ويجعله في كمه على سبيل البركة، فمن كان رأيه الفطور أفطر، ومن لم يكن رأيه أومأ، وجعله في كمه لا ينتقد على أحد فعله.
ثم قال المأمون بعد ذلك: ما على من يأخذ من هذا المكان نقيصة بل له به الشرف والميزة، ومدّ يده، وأخذ من الطيفور الذي كان بين يديه عود نبات، وجعله في كمه بعد تقبيله، وأشار إلى الأمراء، فاعتمد كل من الحاضرين ذلك وملأوا أكمامهم، ودخل الناس، فأخذوا جميع ذلك، ثم خرج الوزير إلى داره والجماعة في ركابه، فوجد التعبية فيها من
стр. 828
صدر المجلس إلى آخره على ما أمر به، ولم يعدم مما كان بالقصر غير الصواني الخاص، فجلس على مرتبته والأجلاء أولاده، واستدعى بالعوالي من الأمراء، والقاضي والداعي، والضيوف، فحضروا وشرّفوا بجلوسهم معه، وحصل من مسرّتهم بذلك ما بسطهم، ورفعوا اليسير مما حضر على سبيل الشرف، ثم انصرفوا وحضرت الطوائف، والرسل على طبقاتهم إلى أن حمل جميع ما كان بالدار بأسره، وانقضى حكم الفطور.
وعاد للتنفيذ في غيره، وضربت الطبول، والأبواق على أبواب القصور، والدار المأمونية، وأحضرت التغايير، وفرّقت على أربابها من الأجناد والمستخدمين، وخرجت أزمة العساكر فارسها وراجلها، وندب الحاجب الذي بيده الدعوة لترتيب صفوفها من باب القصر إلى المصلى، ثم حضر إلى الدار المأمونية الشيوخ المميزون، وجلس المأمون في مجلسه وأولاده بهيئة العيد وزينته، ورفعت الستور، وابتدأ المقرئون، وسلم متولي الباب والشيوخ، ولم يدخل المجلس غير كاتب الدست، ومتولي الحجبة، وبالغ كل منهما في زيه وملبوسه، وجروا على رسمهم في تقبيل الأرض وعتبة المجلس، ووصل إلى الدار المأمونية التجمل الخاص الذي برسم الخليفة جميعه، القصب الفضة والأعلام والمنجوقات، والعقبات والعماريات، ولواء الوزارة لركوب الخليفة بالمظلة بالطميم، والمراكيب الذهب المرصعة بالجواهر، وغير ذلك من التجملات.
وركب المأمون من داره وجميع التشاريف الخاص بين يديه، وخدمت الرهجية، ومن جملتهم الغربية وهي أبواق لطاف عجيبة غريبة الشكل تضرب كل وقت يركب فيه الخليفة ولا تضرب قدّام الوزير إلاّ في المواسم خاصة وفي أيام الخلع عليه والأمراء مصطفون عن يمينه، وعن شماله، ويليهم إخوته وبعدهم أولاده، ودخل إلى الإيوان، وجلس على المرتبة المختصة به، وعن يمينه جميع الأجلاء والمميزون وقوف أمامه، ومن انحط عنهم من باب الملك إلى الإيوان قيام، ويخرج خاصة الدولة ريحان إلى المصلى بالفرش الخاص، وآلات الصلاة، وعلق المحراب بالشروب المذهبة، وفرش فيه ثلاث سجادات متراكبة، وأعلاها السجادة اللطيفة التي كانت عندهم معظمة، وهي قطعة من حصير ذكر أنها من جملة حصير:
لجعفر بن محمد الصادق ﵉، يصلي عليها، وفرش الأرض جميعها بالحصر المحاريب، ثم علق على جانبي المنبر، وفرش جميع درجه، وجعل أعلاه المخادّ التي يجلس عليها الخليفة، وعلق اللواءان عليه، وقعد تحت القبة خاصة الدولة ريحان والقاضي وأطلق البخور.
ولم يفتح من أبوابه إلاّ باب واحد، وهو الذي يدخل منه الخليفة، ويقعد الداعي في الدهليز ونقباء المؤمنين بين يديه، وكذلك الأمراء، والأشراف، والشيوخ، والشهود، ومن سواهم من أرباب الحرف ولا يمكن من الدخول إلاّ من يعرفه الداعي، ويكون في ضمانه،
стр. 829
واستفتحت الصلاة، وأقبل الخليفة من قصوره بغاية زيه، والعلم الجوهر في منديله، وقضيب الملك بيده، وبنو عمه، وإخوته وأستاذوه في ركابه، وتلقاه المقرئون عند وصوله والخواص، واستدعى بالمأمون، فتقدّم بمفرده، وقبل الأرض، وأخذ السيف والرمح من مقدّمي خزائن الكسوة، والرهجية تخدم، وحمل لواء الحمد بين يديه إلى أن خرج من باب العيد، فوجد المظلة قد نشرت عن يمينه، والذي بيده المدعو في ترتيب الحجبة لمن شرّف بها، لا يتعدّى أحد حكمه، وسائر المواكب بالجنائب الخاص، وخيل التخافيف، ومصفات العساكر والطوائف جميعها بزيها، وراياتها وراء الموكب إلى أن وصل إلى قريب المصلى، والعماريات والزرافات، وقد شدّ على الفيلة بالأسرّة مملوءة رجالا مشيكة بالسلاح لا يتبين منهم إلاّ الأحداق، وبأيديهم السيوف المجرّدة، والدرق الحديد الصيني، والعساكر قد اجتمعت وترادفت صفوفا من الجانبين إلى باب المصلى، والنظارة قد ملأت الفضاء لمشاهدة ما لم يبلغوه، والموكب سائر بهم، وقد أحاط بالخليفة والوزير صبيان الخاص، وبعدهم الأجناد بالدروع المسبلة، والزرديات بالمغافر ملثمة، والبروك الحديد بالصماصم والدبابيس.
ولما طلع الموكب من ربوة المصلى ترجل متولي الباب، والحجاب ووقف الخليفة بجمعه بالمظلة إلى أن اجتاز المأمون راكبا بمن حول ركابه، وردّ الخليفة السلام عليه بكمه، وصار أمامه، وترجل الأمراء المميزون والأستاذون المحنكون بعدهم، وجميع الأجلاء، وصار كل منهم يبدأ بالسلام على الوزير، ثم على الخليفة إلى أن صار الجميع في ركابه، ولم يدخل من باب المصلى راكبا غير الوزير خاصة، ثم ترجل على بابه الثاني إلى أن وصل الخليفة إليه فاستدعى به، سلم وأخذ الشكيمة بيده إلى أن ترجل الخليفة في الدهليز الآخر، وقصد المحراب والمؤذنون يكبرون قدّامه، واستفتح الخليفة في المحراب وسامته فيه:
وزيره والقاضي، والداعي عن يمينه وشماله ليوصلوا التكبير لجماعة المؤذنين من الجانبين، ويتصل منهم التكبير إلى مؤذني مصلى الرجال والنساء الخارجين عن المصلى الكبير، وكاتب الدست وأهله، ومتولي ديوان الإنشاء يصلون تحت عقد المنبر، ولا يمكن غيرهم أن يكون معهم.
ولما قضى الخليفة الصلاة، وهي ركعتان قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية، وكبر سبع تكبيرات، وركع وسجد، وفي الثانية بالفاتحة، وسورة والشمس وضحاها، وكبر خمس تكبيرات، وهذه سنة الجميع ومن ينوب عنهم في صلاة العيدين على الاستمرار وسلم، وخرج من المحراب، وعطف عن يمينه، والحرص عليه شديد ولا يصل إليه إلاّ من كان خصيصا به، وصعد المنبر بالخشوع والسكينة، وجميع من بالمصلى والتربة لا يسأم نظره ويكثرون من الدعاء له، ولما حصل في أعلى المنبر أشار إلى المأمون، فقبل الأرض وسارع في الطلوع إليه، وأدّى ما يجب من سلامه، وتعظيم مقامه، ووقف بأعلى
стр. 830
درجة، وأشار إلى القاضي، فتقدّم وقبل كل درجة إلى أن يصل إلى الدرجة الثالثة، وقف عندها، وأخرج الدعو من كمه، وقبله ووضعه على رأسه، وأعلى بما تضمنه وهو ما جرت به العادة من تسمية يوم العيد، وسنته والدعاء للدولة.
وكانت الحال في أيام وزراء الأقلام والسيوف إذا حصل الخليفة في أعلى المنبر بقي الوزير مع غيره، وأشار الخليفة إلى القاضي، فيقبل الأرض، ويطلع إلى الدرجة الثالثة ويخرج الدعو من كمه ويقبله، ويضعه على رأسه، ويذكر يوم العيد، وسنته والدعاء للدولة، ثم يستدعي بالوزير بعد ذلك فيصعد بعد القاضي، فراعى الخليفة ذلك الأمر في حق الوزير، فجعل الإشارة منه إليه أوّلا، ورفعه عن أن يكون مأمورا مثل غيره، وجعلها له ميزة على غيره ممن تقدّمه، واستمرّت فيما بعد، واستفتح الخليفة بالتكبير الجاري به العادة في الفطر، والخطبتين إلى آخرهما، وكبر المؤذنون، ورفع اللواءان، وترجل كل أحد من موضعه كما كان ركوبه، وصار الجميع في ركاب الخليفة، وجرى الأمر في رجوعه على ما تقدّم شرحه، ومضى إلى تربة آبائه، وهي سنتهم في كل ركبة بمظلة، وفي كل يوم جمعة مع صدقات، ورسوم تفرّق.
وأمّا الوزير المأمون فإنه توجه وخرج من باب العيد، والأمراء بين يديه إلى أن وصل إلى باب الذهب، فدخل منه بعد أن أمر ولده الأكبر بالوصول إلى داره والجلوس على سماط العيد على عادته، ولما دخل المأمون بقاعة الذهب وجد السروع قد وقع من المستخدمين بتعبية السماط، فأمر بتفرقة الرسوم على أربابها، وهو ما يحمل إلى مجلس الوزارة برسم الحاشية، ولكل من حاشية أولاده وإخوته، وكاتب الدست، ومتولي حجبة الباب، ومتولي الديوان، وكاتب الدفتر، والنائب لكل منهم رسم يصرف قبل جلوس الخليفة، وعند انقضاء الأسمطة لغير المذكورين على قدر منزلة كل منهم، ثم حضر أبو الفضائل ابن أبي الليث، واستأذن على طيافير الفطرة الكبار التي في مجلس الخليفة فأمره الوزير بأن يعتمد في تفرقتها على ما كان يعتمده في الأيام الأفضلية، وهو لكل من يصعد المنبر مع الخليفة طيفور.
فلما أخذ الخليفة راحة بعد مضيه إلى التربة جلس على السرير، وبين يديه المائدة اللطيفة الذهب بالمينا، معبأة بالزبادي الذهب، واستدعى الوزير واصطف الناس من المدورة إلى آخر السماط من الجانبين على طبقاتهم، ورفعت الستور، واستفتح المقرئون، ووفيّ الدولة إسعاف متولي المائدة مشدود الوسط، ومقدّم خزانة الشراب، بيده شربة في مرفع ذهب، وغطاء مرصعين بالجوهر والياقوت، ومتولي خزائن الإنفاق بيده خريطة مملوءة دنانير لمن يقف يطلب صدقة، وإنعاما فيؤمر بما يدفع إليه، وتفرقة الرسوم الجاري بها العادة، ولعبت المنافقون، والتحسارية، وتناوب القرّاء، والمنشدون، وأرخيت الستور وعبئ السماط ثانيا على ما كان عليه أوّلا.
стр. 831
ثم رفعت الستور، وجلس على المدورة والسماط من جرت العبادة به، وفرّقت الدنانير على المقرئين، والمنشدين والتحسارية والمنافقين، ومن هو معروف بكثرة الأكل، ونهبت قصور الخلافة، وفرّق من الأصناف ما جرت به العادة، وأرخيت الستور، وأحضر متولي خزانة الكسوة الخاص للخليفة: بدلة إلى أعلى السرير حسبما كان أمره، فلبسها وخلع الثياب التي كانت عليه على الوزير بعد ما بالغ في شكره، والثناء عليه، وتوجه إلى داره، فوصل إليه من الخليفة الصواني الخاص المكللة معبأة على ما كانت بين يديه، وغيرها من الموائد، وكذلك إلى أولاده وإخوته صينية صينية، ولكاتب الدست، ومتولي حجبة الباب مثل ذلك ويكبر الوزير بجلوسه في داره معلنا، وتسارع الناس على طبقاتهم بالعيد، والخلع وبما جرى في صعود المنبر، وحضر الشعراء، وأسنيت لهم الجوائز، وجرى الحال يومئذ في جلوس الخليفة، وفي السلام لجميع الشيوخ والقضاة والشهود والأمراء، والكتاب، ومقدّمي الركاب والمتصدّرين بالجوامع، والفقهاء، والقاهريين، والمصريين، واليهود برئيسهم، والنصارى ببطريقهم على ما جرت به عادتهم، وختم المقرئون، وقدمت الشعراء على طبقاتهم إلى آخرهم وجدّد لكل من الحاضرين سلامه، وانكفأ الخليفة إلى الباذهنج لأداء فريضة الصلاة والراحة بمقدار ما عبيت المائدة الخاص، واستحضر المأمون، وأولاده وإخوته على عادتهم، واستدعى من شرّف بحضور المائدة، وهم الشيخ أبو الحسن كاتب الدست، وأبو الرضى سالم ابنه، ومتولى حجبة الباب، وظهير الدين الكنانيّ على ما كان عليه الحال قبل الصيام، وانقضى حكم العيد.
وقال ابن الطوير: إذا قرب آخر العشر الآخر من شهر رمضان خرج الزي من أماكنه، على ما وصفنا في ركوب أوّل العام، ولكن فيه زيادات يأتي ذكرها، ويركب في مستهلّ شوّال بعد تمام شهر رمضان، وعدّته عندهم أبدا ثلاثون يوما، فإذا تهيأت الأمور من الخليفة، والوزير والأمراء، وأرباب الرتب على ما تقدّم، وصار الوزير بجماعته إلى باب القصر، ركب الخليفة بهيئة الخلافة من المظلة واليتيمة والآلات المقدّم ذكرها، ولباسه في هذا اليوم الثياب البياض الموشحة المحومة، وهي أجل لباسهم، والمظلة كذلك، فإنها أبدا تابعة لثيابه كيف كانت الثياب، ويكون خروجه من باب العيد إلى المصلى، والزيادة ظاهرة في هذا اليوم في العساكر، وقد انتظم القوم له صفين من باب القصر إلى باب المصلى، ويكون صاحب بيت المال قد تقدّم على الرسم، لفرش المصلى، فيفرش الطرّاحات على رسمها في المحراب مطابقة، ويعلق سترين يمنة ويسرة في الأيمن: البسملة والفاتحة، وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الأيسر: مثل ذلك، وهل أتاك حديث الغاشية، ثم يركز في جانب المصلى لواءين مشدودين على رمحين ملبسين بأنابيب الفضة، وهما مستوران مرخيان، فيدخل الخليفة من شرقيّ المصلى إلى مكان يستريح فيه دقيقة، ثم يخرج محفوظا، كما يحفظ في جامع القاهرة، فيصير إلى المحراب، ويصلي صلاة العيد،
стр. 832
بالتكبيرات المسنونة، والوزير وراءه والقاضي، ويقرأ في كل ركعة، ما هو مرقوم في السترين فإذا فرغ وسلم صعد المنبر للخطابة العيدية يوم الفطر، فإذا جلس في الذروة وهناك طرّاحة سامان أو ديبقيّ على قدرها وباقية يستر بياض على مقداره في تقطيع درجه، وهو مضبوط لا يتغير، فيراه أهل ذلك الجمع جالسا في الذروة ويكون قد وقف أسفل المنبر الوزير، وقاضي القضاة، وصاحب (١) الباب إسفهسلار العساكر، وصاحب السيف وصاحب الرسالة، وزمام القصر، وصاحب دفتر (٢) المجلس، وصاحب المظلة، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب بيت المال، وحامل الرمح، ونقيب الأشراف الطالبيين، ووجه الوزير إليه فيشير إليه فيصعد، ويقرب وقوفه منه، ويكون وجهه موازيا رجليه، فيقبلهما بحيث يراه العالم، ثم يقوم ويقف على يمينه، فإذا وقف أشار إلى قاضي القضاة، فيصعد إلى سابع درجة، ويتطلع إليه صاغيا لما يقول، فيشير إليه فيخرج من كمه مدرجا قد أحضر إليه أمس من ديوان الإنشاء بعد عرضه على الخليفة والوزير، فيعلن بقراءة مضمونه.
ويقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم: ثبت بمن شرّف بصعوده المنبر الشريف في يوم كذا، وهو عيد الفطر من سنة كذا من عبيد أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين بعد صعود السيد الأجل، ونعوته المقرّرة ودعائه المحرّر، فإن أراد الخليفة أن يشرّف أحدا من أولاد الوزير، وإخوته استدعاه القاضي بالنعت المذكور، ثم يتلو ذلك ذكر القاضي وهو القارئ، فلا يتسع له أن يقول عن نفسه نعوته ولا دعاءه، بل يقول: المملوك فلان بن فلان، وقرأه مرّة القاضي ابن أبي عقيل.
فلما وصل إلى اسمه قال: العبد الذليل المعترف بالصنع الجميل في المقام الجليل أحمد بن عبد الرحمن بن أبي عقيل، فاستحسن ذلك منه، ثم حذا حذوه الأعز بن سلامة، وقد استقضى في آخر الوقت، فقال المملوك في محل الكرامة الذي عليه من الولاء أصدق علامة: حسن بن عليّ بن سلامة، ثم يستدعي من ذكرنا وقوفهم على باب المنبر بنعوتهم، وذكر خدمهم ودعائهم على الترتيب، فإذا طلع الجماعة وكل منهم يعرف مقامه في المنبر يمنة ويسرة أشار الوزير إليهم، فأخذ هو من كل جانب بيده نصيبا من اللواء الذي بجانبه، فيستر الخليفة، ويسترون وينادى في الناس بأن ينصتوا، فيخطب الخليفة من المسطور على العادة، وهي خطبة بليغة موافقة لذلك اليوم، فإذا فرغ ألقى كل من في يده من اللواء شيء خارج المنبر، فينكشفون وينزلون أوّلا فأوّلا، الأقرب فالأقرب إلى القهقرى فإذا خلا المنبر منهم، قام الخليفة هابطا، ودخل إلى المكان الذي خرج منه، فلبث يسيرا وركب في زيه
стр. 833
المفخم وعاد من طريقه بعينها إلى إن يصل إلى قريب القصر، فيتقدّمه الوزير كما شرحنا، ثم يدخل من باب العيد، فيجلس في الشباك، وقد نصب منه إلى فسقية كانت في وسط الإيوان مقدار عشرين قصبة سماط من الخشكنان والبسندود والبرماورد (١) مثل الجبل الشاهق، وفيه القطعة وزنها من ربع قنطار إلى رطل، فيدخل ذلك الجمع إليه، ويفطر منه من يفطر، وينقل منه من ينقل، ويباح ولا يحجر عليه، ولا مانع دونه، فيمرّ ذلك بأيدي الناس وليس هو مما يعتدّ به ولا يعبئ مما يفرّق للناس، ويحمل إلى دورهم، ويعمل في هذا اليوم سماط من الطعام في القاعة يحضر عليه الخليفة والوزير، فإذا انقضى ذو القعدة، وهلّ هلال ذي الحجة، اهتمّ بركوب عيد النحر، فيجري حاله كما جرى في عيد الفطر من الزي والركوب إلى المصلى، ويكون لباس الخليفة فيه الأحمر الموشح، ولا ينخرم منه شيء، انتهى.
وصعد مرّة الخليفة الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد المنبر يوم عيد، فوقف الشريف ابن أنس الدولة بإزائه، وقال مشيرا إلى الحاضرين:
خشوعا فإنّ اللّه هذا مقامه … وهمسا فهذا وجهه وكلامه
وهذا الذي في كل وقت بروزه … تحياته من ربنا وسلامه
فضرب الحافظ الجانب الأيسر من المنبر، فرقي إليه زمام القصر، فقال له: قل للشريف حسبك، قضيب حاجتك، ولم يدعه يقول شيئا آخر، وكانت تكبت المخلقات بركوب أمير المؤمنين لصلاة العيد، ويبعث بها إلى الأعمال.
فمما كتب به من إنشاء ابن الصيرفي: أمّا بعد، فالحمد للّه الذي رفع بأمير المؤمنين، عماد الإيمان، وثبت قواعده وأعز بخلافته معتقده، وأذل بمعابته معانده، وأظهر من نوره مان انبسط في الآفاق، وزال معه الإظلام، ونسخ به ما تقدّمه من الملل، فقال: إنّ الدين عند اللّه الإسلام، وجعل المعتصم بحبله مفضلا على من يفاخره، ويباهيه وأوجب دخول الجنة، وخلودها لمن عمل بأوامره ونواهيه، وصلى اللّه على سيدنا محمد نبيه الذي اصطفى له الدين وبعثه إلى الأقربين والأبعدين، وأيده في الإرشاد حتى صار العاصي مطيعا، ودخل الناس في التوحيد فرادى وجميعا، وغدوا بعروته الوثقى متمسكين، وأنزل عليه قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، وعلى أخيه وابن عمه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إمام الأمّة، وكاشف الغمة، وأوجه الشفعاء لشيعته يوم العرض، ومن الإخلاص في ولائه قيام بحق وأداء فرض، وعلى الأئمة من ذريتهما سادة البرية، والعادلين في القضية، والعاملين بالسيرة المرضية، وسلم وكرم،
стр. 834
وشرّف وعظم وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم الثلاثاء: عيد الفطر من سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقد كان من قيام أمير المؤمنين بحقه وأدائه، وجريه في ذلك على عادته، وعادة من قبله من آبائه، ما ينبئك به، ويطلعك على مستوره عنك ومغيبه، وذلك أن دنس ثوب الليل لما بيضه الصباح، وعاد المحرّم المحظور بما أطلقه المحلل المباح، توجهت عساكر أمير المؤمنين من مظانها إلى بابه، وأفطرت بين يديه بعد ما حازته من أجر الصيام وثوابه، ثم انثنت إلى مصافها في الهيئات، التي يقصر عنها تجريد الصفات، وتغني مهابتها عن تجريد المرهفات، وتشهد أسلحتها وعددها بالتنافس في الهمم، وتلق مواضيها في أغمادها شوقا إلى الطلى والقمم، وقد امتلأت الأرض بازدحام الرجل والخيل، وثار العجاج فلم ير أغرب من اجتماع النهار والليل، وبرز أمير المؤمنين من قصوره، وظهر للأبصار على أنه محتجب بضيائه ونوره، وتوجه إلى المصلى في هدي جدّه وأبيه، والوقار الذي ارتفع فيه عن النظير والشبيه، ولما انتهى إليه قصد المحراب واستقبله، وأدّى الصلاة على وضع رضيه اللّه وتقبله، وأجرى أمرها على أفضل المعهود، ووفاها حقها من القراءة والتكبير والركوع والسجود، وانتهى إلى المنبر، فعلا وكبر اللّه، وهلله على ما أولاه، وذكر الثواب على إخراج الفطرة وبشر به، وإنّ المسارعة إليه من وسائل المحافظة على الخير وقربه، ووعظ وعظا ينتفع قابله في عاجلته ومنقلبه، ثم عاد إلى قصوره الزاهرة مشمولا بالوقاية، مكنوفا بالكفاية، منتهيا في إرشاد عبيده، ورعاياه أقصى الغاية، أعلمك أمير المؤمنين خبر هذا اليوم، لتعلم منه ما تسكن إليه وتعلن بتلاوته على الكافة ليشتركوا في معرفته، ويشكروا اللّه عليه، فاعلم هذا، واعمل به إن شاء اللّه تعالى. وكان من أهل برقة طائفة تعرف بصبيان الخف لها إقطاعات وجرايات، وكسوات ورسوم فإذا ركب الخليفة في العيدين مدّوا حبلين مسطوحين من أعلى باب النصر إلى الأرض حبلا عن يمين الباب، وحبلا عن شماله، فإذا عاد الخليفة من المصلى، نزل على الحبلين طائفة من هؤلاء على أشكال خيل من خشب، مدهون وفي أيديهم رايات، وخلف كل واحد منهم رديف، وتحت رجليه آخر معلق بيديه ورجليه، ويعملون أعمالا تذهل العقول، ويركب منهم جماعة في الموكب على خيول، فيركضون وهم يتقلبون عليها، ويخرج الواحد منهم من تحت إبط الفرس، وهو يركض، ويعود يركب من الجانب الآخر، ويعود، وهو على حاله لا يتوقف، ولا يسقط منه شيء إلى الأرض، ومنهم من يقف على ظهر الحصان، فيركض به، وهو واقف.
ذكر القصر الصغير الغربي
وكان تجاه القصر الكبير الشرقيّ الذي تقدّم ذكره في غريبه قصر آخر صغير يعرف بالقصر الغربي، ومكانه الآن حيث المارستان المنصوري، وما في صفّه من المدارس، ودار الأمير بيسري، وباب قبو الخرنشف، وربع الملك الكامل المطل على سوق الدجاجين اليوم المعروف قديما بالتبانين، وما يجاوره من الدرب المعروف اليوم بدرب الخضيري تجاه
стр. 835
الجامع الأقمر، وما وراء هذه الأماكن إلى الخليج، وكان هذا القصر الغربيّ يعرف أيضا بقصر البحر والذي بناه العزيز بالله نزار بن المعز.
قال المسبحي: ولم يبن مثله في شرق، ولا في غرب.
وقال ابن أبي طيّ في أخبار سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ففيها تمم الخليفة المستنصر بناء القصر الغربيّ، وسكنه، وغرم عليه ألفي ألف دينار وكان ابتداء بنيانه في سنة خمسين وأربعمائة، وكان سبب بنائه أنه غرم على أن يجعله منزلا للخليفة القائم بأمر اللّه صاحب بغداد، ويجمع بني العباس إليه، ويجعله كالمجلس لهم، فخانه أمله، وتممه في هذه السنة، وجعله لنفسه وسكنه.
وقال ابن ميسر: إن ست الملك أخت الحاكم كانت أكبر من أخيها الحاكم، وإنّ والدها العزيز بالله كان قد أفردها بسكنى القصر الغربيّ، وجعل لها طائفة برسمها كانوا يسمون: بالقصرية، وهذا يدلك على أنّ القصر الغربيّ كان قد بنى قبل المستنصر، وهو الصحيح، وكان هذا القصر يشتمل أيضا على عدّة أماكن:
الميدان: وكان بجوار القصر الغربيّ، ومن حقوقه الميدان، ويعرف هذا الميدان اليوم بالخرنشف واصطبل القطبية.
البستان الكافوري: وكان من حقوق القصر الصغير الغربيّ: البستان الكافوريّ، وكان بستانا أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طفج بن جف الإخشيد أمير مصر، وكان مطلا على الخليج، فاعتنى به الإخشيد، وجعل له أبوابا من حديد، وكان ينزل به، ويقيم فيه الأيام، واهتمّ بشأنه من بعد الإخشيد ابناه: الأمير أبو القاسم أونوجور بن الإخشيد، والأمير أبو الحسن عليّ بن الإخشيد في أيام إمهارتهما بعد أبيهما، فلما استبدّ من بعدهما الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيديّ بإمارة مصر كان كثيرا ما يتنزه به، ويواصل الركوب إلى الميدان الذي كان فيه وكانت خيوله بهذا الميدان.
فلما قدم القائد جوهر من المغرب بجيوش مولاه المعز لدين اللّه لأخذ ديار مصر، أناخ بجوار هذا البستان، وجعله من جملة القاهرة، وكان منتزها للخلفاء الفاطميين مدّة أيامهم، وكانوا يتوصلون إليه من سراديب مبنية تحت الأرض، ينزلون إليها من القصر الكبير الشرقيّ، ويسيرون فيها بالدواب إلى البستان الكافوريّ، ومناظر اللؤلؤة، بحيث لا تراهم الأعين، وما زال البستان عامرا إلى أن زالت الدولة، فحكر وبنى فيه في سنة إحدى وخمسين وستمائة، كما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى، عند ذكر الحارات والخطط من هذا الكتاب، وأما الأقباء والسراديب، فإنها عملت أسربة للمراحيض، وهي باقية إلى يومنا هذا تصب في الخليج.
стр. 836
القاعة: وكان من جملة القصر الغربيّ قاعة كبيرة هي الآن المارستان المنصوري، حيث المرضى، كانت سكن ست الملك أخت الحاكم بأمر اللّه، وكانت أحوالها متسعة جدّا.
قال في كتاب الذخائر والتحف: وأهدت السيدة الشريفة ست الملك أخت الحاكم بأمر اللّه إلى أخيها يوم الثلاثاء التاسع من شعبان سنة سبع وثمان وثلثمائة: هدايا من جملتها: ثلاثون فرسا بمركبها ذهبا، منها: مركب واحد مرصع، ومركب من حجر البلور وعشرون بغلة بسروحها ولحمها، وخمسون خادما منهم عشرة صقالبة، ومائة تخت من أنواع الثياب، وفاخرها، وتاج مرصع بنفيس الجوهر، وبديعه وشاشية مرصعة، وأسفاط كثيرة من طيب من سائر أنواعه، وبستان من الفضة مزروع من أنواع الشجر.
قال: وخلفت حين ماتت في مستهل جمادى الآخرة من سنة خمس وعشرين وأربعمائة ما لا يحصى كثرة، وكان إقطاعها في كل سنة يغل خمسين ألف دينار، ووجد لها بعد وفاتها ثمانية آلاف جارية منها بنيات ألف وخمسمائة، وكانت سمحة نبيلة كريمة الأخلاق والفعل، وكان في جملة موجودها نيف وثلاثون زيرا صينيا مملوءا جميعها مسكا مسحوقا، ووجد لها جوهر نفيس من جملته قطعة ياقوت ذكر أن فيها عشرة مثاقيل.
قال المسبحيّ: ولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة خمس وثلثمائة، ولما زالت الدولة عرفت هذه الدار: بالأمير فخر الدين جهاركس (١) موسك ثم بالملك المفضل قطب الدين (٢) بن الملك العادل، فلما كان في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين وستمائة، شرع الملك المنصور قلاون الألفي في بنائها مارستانا، ومدرسة وتربة، وتولى عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ، مدبر الممالك، ويقال: إن ذرع هذه الدار عشرة آلاف وستمائة ذراع.
أبواب القصر الغربيّ
كان لهذا القصر عدّة أبواب: منها: باب الساباط، وباب التبانين، وباب الزمرّذ.
باب الساباط: هذا الباب موضعه الآن باب سرّ المارستان المنصوري الذي يخرج منه الآن إلى الخرنشف وكان من الرسم، أن يذبح في باب الساباط المذكور، مدّة أيام النحر، وفي عيد الغدير عدّة ذبائح تفرّق على سبيل الشرف.
قال ابن المأمون: في سنة ست عشرة وخمسمائة، وجملة ما نحره الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وذبحه خاصة في المنحر، وباب الساباط دون المأمون، وأولاده وإخوته في ثلاثة الأيام: ألف وسبعمائة وستة وأربعون رأسا، فذكر ما كان بالمنحر قال: وفي باب
стр. 837
الساباط مما يحمل إلى من حوته القصور، وإلى دار الوزارة، والأصحاب والحواشي اثنتا عشرة ناقة، وثمانية عشر رأس بقر، وخمسة عشر رأس جاموس، ومن الكباش: ألف وثمانمائة رأس، ويتصدّق كل يوم في باب الساباط بسقط ما يذبح من النوق والبقر.
وقال ابن عبد الظاهر: كان في القصر باب يعرف بباب الساباط، كان الخليفة في العبيد يخرج منه إلى الميدان، وهو الخرنشف الآن لينحر فيه الضحايا.
باب التبانين: هذا الباب، مكان باب الخرنشف الآن، وجعل في موضعه دار العلم التي بناها الحاكم الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى.
باب الزمرّذ: كان موضع اصطبل القطبية قريبا من باب البستان الكافوريّ الموجود الآن.
ذكر دار العلم
وكان بجوار القصر الغربيّ من بحريه دار العلم، ويدخل إليها من باب التبانين الذي هو الآن يعرف: بقبو الخرنشف، وصار مكان دار العلم الآن، الدار المعروفة: بدار الخضيري الكائنة بدرب الخضيري المقابل للجامع الأقمر ودار العلم هذه، اتخذها الحاكم بأمر اللّه، فاستمرّت إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش.
قال الأمير المختار عز الملك محمد بن عبد اللّه المسبحيّ: وفي يوم السبت هذا يعني العاشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلثمائة: فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور المعمورة ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها مما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القرّاء والمنجمون، وأصحاب النحو واللغة، والأطباء بعد أن فرشت هذه الدار، وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها وممرّاتها الستور، وأقيم قوّام وخدّام وفرّاشون، وغيرهم وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم، والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قط من الملوك.
وأباح ذلك كله لسائر الناس، على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب، والنظر فيها فكان ذلك من المحاسن المأثورة أيضا، التي لم يسمع بمثلها من إجراء الرزق السنيّ، لمن رسم له بالجلوس فيها، والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم، فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر، والأقلام، والورق والمحابر، وهي الدار المعروفة بمختار الصقلبيّ. قال: وفي سنة ثلاث وأربعمائة: أحضر جماعة من دار العلم من أهل الحساب
стр. 838
والمنطق وجماعة من الفقهاء منهم: عبد الغنيّ بن سعيد، وجماعة من الأطباء إلى حضرة الحاكم بأمر اللّه، وكانت كل طائفة تحضر على انفرادها للمناظرة بين يديه، ثم خلع على الجميع ووصلهم، ووقف الحاكم بأمر اللّه أماكن في فسطاط مصر على عدّة مواضع، وضمنها كتابا ثبت على قاضي القضاة: مالك بن سعيد، وقد ذكر عند ذكر الجامع الأزهر، وقال فيه: وقد ذكر دار العلم، ويكون العشر وثمن العشر لدار الحكمة لما يحتاج إليه في كل سنة من العين المغربيّ: مائتان وسبعة وخمسون دينارا، من ذلك الثمن الحصر العبدانيّ، وغيرها لهذه الدار عشرة دنانير، ومن ذلك لورق الكاتب يعني الناسخ تسعون دينارا، ومن ذلك للخازن بها ثمانية وأربعون دينارا، ومن ذلك لثمن الماء اثنا عشر دينارا، ومن ذلك للفرّاش خمسة عشر دينارا، ومن ذلك للورق والحبر، والأقلام لمن ينظر فيها من الفقهاء اثنا عشر دينارا، ومن ذلك لمرمّة الستارة: دينار واحد، ومن ذلك لمرمة ما عسى أن يتقطع من الكتب وما عساه أن يسقط من ورقها: اثنا عشر دينارا، ومن ذلك لثمن لبود للفرش في الشتاء خمسة دنانير، ومن ذلك لثمن طنافس في الشتاء أربعة دنانير.
وقال ابن المأمون: وفي هذا الشهر يعني شهر ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة جرت نوبة القصار، وهي طويلة، وأوّلها من الأيام الأفضلية، وكان فيهم رجلان يسمى أحدهما: بركات، والآخر: حميد بن مكيّ الإطفيحيّ القصار، مع جماعة يعرفون بالبديعية، وهم على الإسلام والمذاهب الثلاثة المشهورة، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، فاعتمد بركات من جملتهم أن استفسد عقول جماعة، وأخرجهم عن الصواب، وكان ذلك في أيام الأفضل فأمر للوقت بغلق دار العلم، والقبض على المذكور، فهرب، وكان من جملة من استفسد عقله بركات المذكور: أستاذان من القصر.
فلما طلب بركات المذكور، واستتر دقق الأستاذان الحيلة إلى أن دخلاه عندهما في زيّ جارية اشترياها، وقاما بحقه، وجميع ما يحتاج إليه، وصار أهله يدخلون إليه في بعض الأوقات، فمرض بركات عند الأستاذين، فحارا في أمره ومداواته، وتعذر عليهما إحضار طبيب له، واشتدّ مرضه، ومات، فأعملا الحيلة، وعرّفا زمام القصر، أنّ إحدى عجائزهما قد توفيت، وأن عجائزهما يغسلنها على عادة القصور، ويشيعنها إلى تربة النعمان بالقرافة، وكتبا عدّة من يخرج، ففسح لهما في العدّة، وأخذا في غسله، وألبساه ما أخذاه من أهله، وهو ثياب معلمة، وشاشية ومنديل، وطيلسان مقوّر، وأدرجوه في الديبقيّ، وتوجه مع التابوت الأستاذان المشار إليهما، فلما قطعوا به بعض الطريق أرادا تكميل الأجر له على قدر عقولهما، فقالا للحمالين: هو رجل تربيته عندنا فنادوا عليه: نداء الرجال، واكتموا الحال، وهذه أربعة دنانير لكم، فسرّ الحمالون بذلك، فلما عادوا إلى صاحب الدكان عرّفوه بما جرى، وقاسموه الدنانير، فخافت نفسه، وعلم أنها قضية لا تخفى، فمضى بهم إلى الوالي، وشرح له القضية فأودعهم في الاعتقال، وأخذ الذهب منهم، وكتب مطالعة بالحال.
стр. 839
فمن أوّل ما سمع القائد أبو عبد اللّه بن فاتك الذي قيل له بعد ذلك: المأمون بالقضية، وكان مدبر الأمور في الأيام الأفضلية قال: هو بركات المطلوب، وأمر بإحضار الأستاذين والكشف عن القضية، وإحضار الحمالين، والكشف عن القبر بحضورهم، فإذا تحققوه أمرهم بلعنه، فمن أجاب إلى ذلك منهم أطلقوه، ومن أبى أحضروه، فحققوا معرفته، فمنهم من بصق في وجهه، وتبرّأ منه، ومنهم من همّ بتقبيله، ولم يتبرّأ منه، فجلس الأفضل واستدعى الوالي والسياف، واستدعى من كان تحت الحوطة من أصحابه، فكل من تبرّأ منه، ولعنه أطلق سبيله، وبقي من الجماعة ممن لم يتبرّأ منه: خمسة نفر وصبيّ لم يبلغ الحلم، فأمر بضرب رقابهم، وطلب الأستاذين، فلم يقدر عليهما، وقال للصبيّ: من لفظه تبرّأ منه، وأنعم عليك، وأطلق سبيلك فقال له: اللّه يطالبك إن لم تلحقني بهم، فإني مشاهد ما هم فيه، وأخذ بسيفه على الأفضل، فأمر بضرب عنقه، فلما توفي الأفضل أمر الخليفة الآمر بأحكام اللّه: وزيره المأمون بن البطائحيّ باتخاذ دار العلم، وأفسد عقل أستاذ وخياط، وجماعة، وادّعى الربوبية فحضر الداعي ابن عبد الحقيق إلى الوزير المأمون، وعرّفه بأنّ هذا قد تعرّف بطرف من علم الكلام، على مذهب أبي الحسن الأشعريّ، ثم انسلخ عن الإسلام، وسلك طريق الحلاج في التمويه فاستهوى من ضعف عقله، وقلة بصيرته، فإنّ الحلاج في أوّل أمره كان يدّعي أنه: داعية المهديّ، ثم ادّعى أنه المهديّ ثم ادّعى الإلهية، وأنّ الجنّ تخدمه، وأنه أحيى عدّة من الطيور، وكان هذا القصار شيعيّ الدين، وجرت له أمور في الأيام الأفضلية، ونفي دفعة واعتقل أخرى، ثم هرب بعد ذلك، ثم حضر وصار يواصل طلوع الجبل، واستصحب من استهواء من أصحابه، فإذا أبعد قال لبعضهم بعد أن يصلي ركعتين: نطلب شيئا تأكله أصحابنا فيمضي، ولا يلبث دون أن يعود، ومعه ما كان أعدّه مع بعض خاصته الذين يطلعون على باطنه، فكانوا يهابونه ويعظمونه حتى أنهم يخافون الإثم في تأمّل صورته، فلا ينفكون مطرقين بين يديه، وكان قصيرا دميم الخلقة، وادّعى مع ذلك الربوبية وكان ممن اختص بحميد رجل خياط وخصيّ، فرسم المأمون بالقبض على المذكور، وعلى جميع أصحابه فهرب الخياط، وطلب فلم يوجد، ونودي عليه وبذل لمن يحضر به مال، فلم يقدر عليه، واعتقل القصار وأصحابه، وقرّروا فلم يقرّوا بشيء من حاله، وبعد أيام تماوت في الحبس.
فلما استؤمر عليه أمر بدفنه، فلما حمل ليدفن ظهر أنه حيّ، فأعيد إلى الاعتقال، وبقي كل من لم يتبرّأ منه معتقلا ما خلى الخصيّ، فإنه لم يتبرّأ منه، وذكر أن القتل لا يصل إليه فأمر بقطع لسانه، ورمى قدّامه، وهو مصرّ على ما في نفسه، فأخرج القصار، والخصيّ، ومن لم يتبرّأ منه من أصحابه فصلبوا على الخشب، وضربوا بالنشاب، فماتوا لوقتهم، ثم نودي على الخياط ثانيا، فاحضر وفعل به ما فعل بأصحابه بعد أن قيل له: ها أنت تنظره، فلم يتبرّأ منه، وصلب إلى جانبه.
стр. 840
وذكر أن بعض أصحاب هذا القصار ممن لم يعرف أنه كان يشتري الكافور، ويرميه بالقرب من خشبته التي هو مصلوب عليها، فيستقبل رائحته من سلك تلك الطريق ويقصد بذلك أن يربط عقول من كان القصار قد أضله، فأمر المأمون أن يحطوا عن الخشب، وأن تخلط رممهم ويدفنوا متفرّقين، حتى لا يعرف قبر القصار من قبورهم، وكان قتلهم في سنة سبع عشرة وخمسمائة، وابتداء هذه القضية سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
قال: وكان الشريف عبد اللّه يحدّث عن صديق له مأمول القول: إنه أخبره أنه لما شاع خبر هذا القصار، وما ظهر منه أراد أن يمتحنه، فتسبب إلى أن خالطه، وصار في جملة أصحابه، ومن يعظمه ويطلع معه إلى الجبل، فأفسد عقله، وغير معتقده، وأخرجه عن الإسلام، وأنه لامه على ذلك، وردعه فحدّثه بعجائب منها أنه قال: واللّه ما من الجماعة الذين يطلعون معه إلى الجبل أحد إلاّ ويسأله، ويستدعيه ما يريد على سبيل الامتحان فيحضره إليه لوقته، وإنّ بيده سكينا لا تقطع إلاّ بيده، وإذا أمسك طائرا، وقبضه أحد من الحاضرين يدفع السكين التي معه له، ويقول له: اذبحه، فلا تمشي في يده، فيأخذها هو ويذبحه بها ويجري دمه، ثم يعود ويمسكه بيده، ويسرّحه فيطير، ويقول: إنّ الحديد لا يعمل فيه، ويوسع القول فيما يشاهده منه، ويسمعه، فلما اعتقل القصار بقي هذا الرجل مصرّا على اعتقاده، فلما قتل وخرج إليه وشاهده، وتحقق موته علم أن ما كان فيه سحر، وزور وإفك، فتصدّق بجملة من ماله، وعاد إلى مذهبه، وصحّ معتقده.
وقال ابن عبد الظاهر: دار العلم كان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطلها، وهي بجوار باب التبانين، وهي متصلة بالقصر الصغير، وفيها مدفون الداعي: المؤيد في الدين هبة اللّه بن موسى الأعجميّ، وكان لإبطالها أمور سببها اجتماع الناس، والخوض في المذاهب والخوف من الاجتماع على المذهب النزاريّ، ولم يزل الخدّام يتوصلون إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه، حتى تحدّث في ذلك مع الوزير المأمون فقال: أين تكون هذه الدار؟ فقال بعض الخدّام: تكون بالدار التي كانت أوّلا، فقال المأمون: هذا لا يكون لأنه باب صار من جملة أبواب القصر، وبرسم الحوائج، ولا يمكن الاجتماع ولا يؤمن من غريب يتحصل به، فأشار كل من الأستاذين بشيء، فأشار بعضهم أن تكون في بيت المال القديم، فقال المأمون: يا سبحان اللّه قد منعنا أن تكون متاخمة للقصر الكبير الذي هو سكن الخليفة نجعلها ملاصقة؟ فقال الثقة زمام القصور: في جواري موضع ليس ملاصقا للقصر، ولا مخالطا له يجوز أن يعمر، ويكون دار العلم، فأجاب المأمون إلى ذلك وقال: بشرط أن يكون متوليها رجلا دينا، والداعي الناظر فيها، ويقام فيها متصدّرون برسم قراءة القرآن، فاستخدم فيها أبو محمد حسن بن آدم، فتولاها، وشرط عليه ما تقدّم ذكره، واستخدم فيها مقرئون.
стр. 841
ذكر دار الضيافة
خرّج مالك في الموطأ: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﵇ أوّل من ضيّف الضيف، وأوّل من اتخذ دار ضيافة الإسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في سنة سبع عشرة، وأعدّ فيها الدقيق والسمن والعسل وغيره، وجعل بين مكة والمدينة من يحمل المنقطعين من ماء إلى ماء حتى يوصلهم إلى البلد، فلما استخلف عثمان بن عفان ﵁، أقام الضيافة لأبناء السبيل، والمتعبدين في المسجد وأوّل من بنى دار الضيافة بمصر للناس: عثمان بن قيس بن أبي العاص السهميّ، أحد من شهد فتح مصر من الصحابة، وكان ميدان القصر الغربيّ الذي هو الآن الخرنشف دار الضيافة بحارة برجوان (١)، وكانت هذه الدار أوّلا تعرف: بدار الأستاذ برجوان، وفيها كان يسكن حيث الموضع المعروف بحارة برجوان، ثم لما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ في أيام الخليفة المستنصر من عكا، واستبدّ بأمر الدولة أنشأ هناك دارا عظيمة، وسكنها ولم يسكن بدار الديباج التي كانت دار الوزارة القديمة.
فلما مات أمير الجيوش بدر، واستولى سلطنة ديار مصر ابنه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، وأنشأ دار القباب التي عرفت: بدار الوزارة الكبرى قريبا من رحبة باب العيد، أقرّ أخاه أبا محمد جعفرا المنعوت: بالمظفر ابن أمير الجيوش، بدار أمير الجيوش من حارة برجوان، فعرفت: بدار المظفر، وما زال بها حتى مات، وقبر بها، وإلى اليوم قبره بها، وتسميه العامّة: جعفرا الصادق. ولما مات المظفر اتخذت داره المذكورة دار ضيافة برسم الرسل الواردين من الملوك، واستمرّت كذلك إلى أن انقرضت الدولة، فأنزل بها السلطان صلاح الدين أولاد العاضد إلى أن نقلهم إلى قلعة الجبل، الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب.
فلما كان في سنة تسع وسبعين وستمائة، تقدّم أمر الملك المنصور قلاون لوكيل بيت المال القاضي: مجد الدين عيسى بن الخشاب ببيع دار المظفر، فباع القاعة الكبرى، وما هو من حقوقها، وبيعت دار المظفر الصغرى، وهدمها الناس، وبنوا في مكانها دورا، وموضعها الآن دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسيّ الحنفيّ، وما بجوارها إلى الدار التي بها سكنى اليوم، وهي من حقوق دار المظفر الصغرى، على ما في كتبها القديمة، ولما أنشأ قاضي القضاة شمس الدين المذكور داره: في سنة سبع أو سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ظهر من تحت الأرض عند حفر الأساس حجر عظيم، قيل: إنه عتبة دار المظفر الكبرى، وكان إذ
стр. 842
ذاك الأمير جهاركس الخليليّ يتولى عمارة مدرسة الملك الظاهر برقوق، التي في خط بين القصرين، فلما بلغه خبر هذا الحجر بعث إليه، وأمر بجرّه إلى العمارة، فعمل عتبة باب المزمّلة، التي للمدرسة وكان من وراء هذه الدار، رحبة الأفيال أدركتها ساحة ثم عمر فيها.
قال ابن الطوير: الخدمة المعروفة: بالنيابة للقاء المرسلين، وهي خدمة جليلة يقال لمتوليها النائب، وينعت بعدي الملك، وهو ينوب عن صاحب الباب في لقاء الرسل الوافدين على مسافة، وإنزال كل واحدة في دار تصلح له، ويقيم له من يقوم بخدمته، وله نظير في دار الضيافة، وهو يسمى اليوم بمهمندار، ويرتب لهم ما يحتاجون إليه، ولا يمكن أحدا من الاجتماع بهم، ويذكر صاحب الباب بهم، ويبالغ في نجاز ما وصلوا فيه، وهو الذي يسلم بهم أبدا عند الخليفة والوزير، وينفذ بهم، ويستأذن عليهم، ويدخل الرسول وصاحب الباب قابض على يده اليمنى، والنائب بيده اليسرى، فيحفظ ما يقولون، وما يقال لهم، ويجتهد في انفصالهم على أحسن الوجوه، وبين يديه من الفرّاشين المقدّم ذكرهم عدّة لإعانته وإذا غاب أقام عنه نائبا إلى أن يعود وله من الجاري خمسون دينارا في كل شهر، وفي اليوم نصف قنطار خبز، وقد يهدي إليه المرسلون طرفا فلا يتناولها إلاّ بإذن، انتهى.
وفي هذه الدولة التركية يقال لمتولي هذه الوظيفة: مهمندار، ولا يليها عندهم إلاّ صاحب سيف من الأمراء العشراوات، وكانت في الدولة الفاطمية على ما ذكره ابن الطوير:
لا يليها إلاّ أعيان العدول، وأرباب العمائم، وينعت أبدا بعدي الملك، وأصل هذه الكلمة الفارسية: مهمان دار (ومعناها ملتقى الضيوف).
ذكر اصطبل الحجريّة
وكان بجوار دار الضيافة: اصطبل الصبيان الحجرية المقدّم ذكرهم، وموضع هذا الاصطبل اليوم يعرف: بخان الوراقة داخل باب الفتوح القديم، بسوق المرحلين، على يسرة من أراد الخروج من باب الفتوح القديم، تجاه زيادة الجامع الحاكميّ، ومن حقوق هذا الاصطبل أيضا الموضع الذي فيه الآن القيسارية المعروفة بقيسارية الست التي هي اليوم تجاه المدرسة الصيرمية، والجملون الصغير، وكانت بهذه الإصطبل خيول الصبيان الحجرية إحدى طوائف العساكر في زمن الخلفاء الفاطميين.
ذكر مطبخ القصر
وكان بجوار القصر الغربيّ قبالة باب الزهومة من القصر الكبير: مطبخ القصر، وموضعه الآن: الصاغة تجاه المدارس الصالحية، ولما كانت مطبخا، كان يخرج إليه من باب الزهومة، وذكر ابن عبد الظاهر: أنه كان يخرج من المطبخ المذكورة مدّة شهر رمضان:
ألف ومائتا قدر من جميع ألوان الطعام، تفرّق كل يوم على أرباب الرسوم والضعفاء.
стр. 843
درب السلسلة: وكان بجوار مطبخ القصر: درب السلسلة، قال ابن الطوير: ويبيت خارج باب القصر في كل ليلة خمسون فارسا، فإذا أذن بالعشاء الآخرة داخل القاعة، وصلى الإمام الراتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم وقف على باب القصر أمير يقال له: سنان الدولة بن الكركنديّ، فإذا علم بفراغ الصلاة، أمر بضرب النوبات من الطبل والبوق، ولوائقهما من عدّة وافرة بطرائق مستحسنة مدّة ساعة زمانية، ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة، فيقول أمير المؤمنين يردّ على سنان الدولة السلام، فيصقع (١) ويغرس حربة على الباب ثم يرفعها بيده، فإذا رفعها أغلق الباب، وسار حوالي القصر سبع دورات، فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البياتين والفرّاشين المقدّم ذكرهم، وانصرف المؤذنون إلى خزانتهم هناك، وترمي السلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السيوفيين، فينقطع المار من ذلك المكان إلى أن تضرب النوبة سحرا قرب الفجر، فتنصرف الناس من هناك بارتفاع السلسلة.
وقال ابن عبد الظاهر: درب السلسلة الذي هو الآن إلى جانب السيوفيين كانت عنده سلسلة منه إلى قبالته، تعلق كل يوم من الظهر، حتى لا يعبر راكب تحت القصر، وهذا الدرب يعرف: بسنان الدولة بن الكركنديّ، وهذا الدرب هو المختص بالتقفيزة، وهذه التقفزية أمرها مستظرف، لا من قبل الحسن، بل من قبل التعجب من العقول.
ولها خمسة أوقات، وهي: ليالي العيدين، وغرّة السنة، وغرّة شهر رمضان ويوم فتح الخليج، وهو: أنه يقف راكبا في وسط الزلاقة (٢) التي لباب الذهب، قبالة الدار القطبية، فيخرج إليه السلام من الخليفة، ثم يخدم الرهجية، ثم يصعد على كندرة باب الزهومة، وقدّامه دواب المظلة يمنة ويسرة، والرهجية تخدم وأرباب الضوء، ومستخدمو الطرق على السلسلة، فإذا كان الطرف وصلوا إليه، واجتمعت الرهجية كلهم، وركب فرسا وعليه ثياب حسنة، وكشف عن راياته، وأخذ بيده رمحا، واجتمعت الرهجية حوله، ويعبر مشورا، وأولئك خلفه بالصراخ والصياح بشعار الإمام، ثم يسير بذاك الجمع وخيل المظلة إلى أبواب القصر، فيقف عند كل باب تخدم الرهجية إلى أن يعودوا إلى باب الذهب، ثم إلى دار الوزارة للهناء، فلم يزالوا كذلك إلى ولاية ابن الكركندي فبطلت هذه السنة في الأيام الآمرية، وصاحب التقفيزة: ممن واصل آباؤه صحبة المعز لدين اللّه من بلاد المغرب فكانت هذه سنتهم.
стр. 844
ذكر الدار المأمونية
وكان بجوار درب السلسلة الدار المأمونية، وهي المدرسة السيوفية، وكانت هذه الدار سكن المأمون ابن البطائحي، وعرفت قديما، بقوام الدولة حبوب، ثمجدّدها المأمون محمد ابن فاتك.
المأمون البطائحي: هو أبو عبد اللّه محمد ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك بن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري، اتصل بخدمة الأفضل بن أمير الجيوش في شهر شوّال سنة إحدى وخمسمائة، عند ما تغير على تاج المعالي المختار الذي كان اصطنعه، وفخم أمره وسلم إليه خزائن أمواله، وكسواته، وسلم ما كان بيده من الخدمة لمحمد بن فاتك، فتصرّف فيها، وقرّر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصة دون الإقطاع، وهو مائة دينار في كل شهر، وثلاثون دينارا عن جاري الخزائن مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة فحسن عند الأفضل موقع خدمته، فاعتمد عليه وسلم له جميع أموره، وصرّفه في كل أحواله.
فلما كثر عليه الشغل استعان بأخويه أبي تراب حيدرة، وأبي الفضل جعفر، فأطلق الأفضل لهما ما وسع به عليهما من المياومة والمشاهرة والمسانهة، ونعته الأفضل بالقائد، فصار يخاطب بالقائد، ويكاتب به، وصار عنده بمنزلة الأستادار (١)، فلما قتل الأفضل ليلة عيد الفطر من سنة خمس عشرة وخمسمائة، قام القائد أبو عبد اللّه بن فاتك لخدمة الخليفة الآمر بأحكام اللّه وأطلعه على أموال الأفضل، وبالغ في مناصحته، حتى لقد اتهم أنه هو الذي دبر في قتل الأفضل بإشارة الخليفة، فخلع عليه الآمر في مستهل ذي القعدة، بمجلس اللعبة من القصر، وهو المجلس الذي يجلس فيه الخليفة، ولم يخلع قبله على أحد فيه، وحل المنطقة من وسطه، وخلع على ولده، وحل منطقته، وخلع على إخوته، واستمرّ تنفيذ الأمور إليه إلى أن استهل ذو الحجة، ففي يوم الجمعة ثانية، خلع عليه من الملابس الخاص في فرد كمّ مجلس اللعبة طوق ذهب مرصع، وسيف ذهب كذلك، وسلم على الخليفة، وتقدّم الأمر للأمراء، وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل يركب منه، ومشى في ركابه القوّاد، على عادة من تقدّمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل من باب العيد راكبا، ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم، وأطلق الهبات.
فلما كان يوم الاثنين خامسه اجتمع الأمراء بين يدي الخليفة، وأحضر السجل في لفافة خاص مذهبة، فسلمه الخليفة له من يده فقبله، وسلمه لزمام القصر، فأمره الخليفة
стр. 845
بالجلوس إلى جانبه عن يمينه، وقرئ السجل على باب المجلس، وهو أوّل سجل قرئ هناك، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان، ورسم للشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست أن ينقل نسبة الأمراء، والمحنكين من الآمريّ إلى المأمونيّ، وكذا الناس أجمع، ولم يكن أحد ينتسب إلى الأفضل، ولا لأمير الجيوش، وقدّمت له الدواة، فعلم في مجلس الخليفة، ونعت بالسيد الأجل، المأمون تاج الخلافة ووجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين، أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، وكان يجلس بداره في يومي الأحد والأربعاء للراحة والنفقة في العسكر البساطية إلى الظهر، ثم يرفع النفقة، ويحط السماط، ويجلس بعد العصر، والكتاب بين يديه، فينفق في الراجل إلى آخر النهار، وفي يوم الجمعة يطلق للمقرئين بحضرته خمسة دنانير، ولكل من هو مستمرّ القراءة على بابه من الضعفاء، والأجراء مما هو ثابت بأسمائهم: خمسمائة درهم، ولبقية الضعفاء والمساكين: خمسمائة درهم أخرى.
فإذا توجه يوم الجمعة إلى القرافة يكون المبلغ المذكور مستقرّا لأربابه، ولم يزل إلى ليلة السبت الرابع من رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، فقبض الآمر المذكور عليه، وعلى إخوته الخمسة (١) مع ثلاثين رجلا من خواصه وأهله، واعتقله ثم صلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين.
قيل: إن سبب القبض عليه ما بلغ الآمر عنه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلي يغريه بقتل أخيه، ليقيمه مكانه في الخلافة، وكان الذي بلّغ الآمر ذلك الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة، وبلغه أيضا عنه أنه: سير نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن ليضرب سكة عليها، الإمام المختار محمد بن نزار، وذكر عنه أنه سمّ شيئا، ودفعه لقصاد الخليفة، فنمّ عليه القصاد.
وكان مولد المأمون في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وكان من ذوي الآراء، والمعرفة التامّة بتدبير الدول كريما واسع الصدر سفاكا للدماء، كثير التحرّز والتطلع إلى معرفة أحوال الناس من العامّة والجند، فكثر الوشاة في أيامه.
حبس المعونة: وكان بجوار الدار المأمونية حبس المعونة، وموضعه اليوم: قيسارية العنبر.
قال ابن المأمون في سنة سبع عشرة وخمسمائة: تقدّم أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وأخذ الحج على المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم، متى